رواية مجهول انبت عشقا الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم سلمي خالد
مجهول أنبتَ عشقًا
بقلم سلمى خالد "سماسيموو"
الفصل الثالث والعشرون
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
( نهاية لـ البلادونا، والأفعى البيضاء)
لعل الصدمة التي تلقتها للتو ليست بجديدة، فقد أُرهقت روحها من الصدمات والآن تتلقى صدمة، لم تكن حياتها سوى فقرات تحمل عناوين مختلفة، ولكنها مؤلمة.. صدمة.. قسوة.. خذلان.. قهر، هذه عناوين من يرها يشعر بالألم، فماذا يفعل من عاش بها؟!
حدقت به في ذهول، تغلق أهدابها وتفتحهما في صدمة، هل ما يقوله صحيح! حركت رأسها في نفي، تردد بنبرة مهزوزة:
_ لا.. ازاي ظابط وازاي شوفتك بتقتل اي حد.. أنت كداب!
اردفت كلمتها الأخيرة متطلعة له، ولكن بحدقتيها اللتان ملأتهما الدموع، وجهها يشع بحمرة الخذلان، بينما نهض يوسف يقف امامها في هدوء متمتمًا في توضيح:
_ اللي بقتلهم دول ما هم إلا ناس قاتلة.. وتجار سلاح.. مش بتقلهم لأجل انا عايز كده.. دول اصلا محكوم عليهم بالأعدام..
لاحظ سكونها أمامها، نظراتها المتأملة له، اردف بنبرة تحمل استعطاف:
_ سدرا أنا عملت المستحيل عشان اعرف احميكي واجيلك.. أنا كشفت نفسي رغم إن دا خطر كبير علينا.. أنا..
قاطعته وهي تدفعه بعيدًا عنها، تطلع نحوه في ألم بات ظاهرًا بشدة، تحاول أن تلتقط أنفاسها الضائعة وسط هذا الكابوس:
_ أنت إيه هاه فهمني! انت واحد كداب وغدار.. كدبت عليا في حقيقتك وأنا بموت مليون مرة عشان مفكرة إني حبيت مجرم.. أنت واحد غدر بمراته وسلمها للمنظمة كاملة كلهم عايزينها.. أنت أكتر أنسان غدر بيا وجرحني.. أنا عمري بحياتي ما هنسى وقت اللي ببص فيها بعيونك عشان تكدب الموضوع وبقولك الحقني.. وأنت بكل بساطة قولت..
قطعت حديثها وهي تزداد في البكاء، تحاول السيطرة على ذاتها المتناثرة وسط ندوب لم تشف بعد، عادت تنظر له في خذلان، تهبط دموعها دون توقف، تتمتم بنبرة مبحوحة:
_ أنت قولت أنتِ طالق في أكتر وقت كنت محتاجك فيه.. عارف يعني ايه! دا الست لما بتبقى هي اللي طالبة الطلاق بتتكسر بعد الكلمة دي وبتتوجع اوي منها.. تخيل واحدة كانت مع جوزها امبارح وبيقولها مش هيسبها وتاني يوم قالها أنتِ طالق وسلمها للي عايزين يقتلوها هيكون رد فعل ايه!
صمت يوسف يستمع لحديثها، نظراتها التي انغرزت بقلبه وتشعره بالألم، حاول الحديث قائلًا بنبرة حزينة:
_ اللي عملته كله عشانك.. ولما قولت أني مش هسيبك دا وعد مني ليكي وقتها عشان تصدقي أني هرجع.
تقدمت نحوه تقف أمامه وهي تتطلع نحو بآلام تشع منها، تدفعه بيدها قائلة بنبرة باكية:
_ أنت كداب.. بطل كدب بقى.. أنت دمرتني نفسيًا.. أنت متخيل اللي عملته فيا كان ايه.. متخيل إن اللي سلمتني ليه كان عايزيني بأي شكل.. أنا مش عايزة اشوفك ولا عايزة ارجعلك اصلا..
كان يوسف يتراجع مع كل دفعة كانت تفعلها، حتى توقفت تمامًا عن دفعه تمد يدها تزيل دموعها في قوة، قائلة بنبرة جامدة:
_ طلقني ودلوقتي.. أنا مش هكمل مع انسان معملش حاجة غير انه دمرني!
نظر لها قليلًا، ثم أردف بنبرة هادئة:
_ مش هينفع اطقلك يا سدرا.. أو على الأقل دلوقتي.. أنا لسه هخلص المهمة بتاعتي واحميكي لأن حضرتك مستهدفة من المنظمة أصلا ولما نرجع مصر تبقى تقرري.
نظرت نحوه في نفور قائلة بنبرة نافرة شعر بها يوسف وعلم انه سيجد صعوبة ليعيدها:
_ هنقعد هنا قد ايه!
تحرك من أمامها يمسك بمقبض الباب، يجيبها في هدوء على عكس عاصفة أطحت به وسط وادي مليء بالآلام بدأ يتجرع منها:
_ بمجرد ما المهم هتخلص هنرجع مصر.
: _ ونطلق.
قالتها بنبرة تحمل اصرارًا، بينما تركها يوسف مغادرًا الغرفة، جلست سدرا على الفراش تتذكر طريقة اجتماعهما ببعض، ثم عادت بذكرتها وهي تخبره أنها ستعطيه اسم يوسف، ابتسمت ساخطة على حالها، ثم تفهمت لما نهض هكذا، تهدجت أنفاسها بشدة، تشعر باختناق شديد لما يحدث معها، تذكرت والديها وتركهما لها بسبب هذا عديم الرحمة، تذكرت فرقها عن شقيقتها وعائلتها، لم تشعر بذاتها، هي فقط تريد التنفس، نهضت من أعلى الفراش، تحرك يدها سريعًا لعلها تبعث قليلًا من الهواء كي تتنفس ولكن لا توجد فائدة، سارت نحو الباب في بطء تفتح الباب، تستند على الحائط بعدما تلون وجهها بالزُرقة، تنظر نحو يوسف الجالس على الأريكة واضعًا رأسه بين راحتي يده، حاولت الحديث بصوت من الصعب سماعه:
_ ألحقني!
رفع يوسف رأسه، بعدما شعر بها تقف، ولكنه انتفض من مكانه ما أن رأي وجهها هكذا، وقعت سدرا ارضًا ولكن تشعر بأنها على وشك أن تفارق الحياة، ثم نظرت نحو يوسف تهبط الدموع من حدقتها، بينما حملها يوسف بين يديه يهمس بنبرة حنونة لطالما تدفئ قلبها:
_ سدرا أنا جنبك وموجود عشان أبقى معاكي.. أنا بحبك يا سدرا ومبقتش عاشق غير ليكي.. من أول يوم انقذتك فيه وأنتِ معلقة بعقلي وانتظرت المهمة تنتهي عشان اتقدملك.. أنا بحبك بجد يا سدرا.. وافتكري أكتر حاجة انبسطي منها.. افتكري حياتنا واحنا في البيت بعيد عن سيدة والحارة.
بدأ يوسف بوصف تلك الذكرى وضحكهما سويًا، يحتضنها من الخلف ليشعرها بالواقع وبأنه سيظل جوارها، بينما بدأت سدرا بأن تتنفس مع همساته التي طمأنتها قليلًا، عادت أنفاسها مجددًا ولكن غابت عن الواقع في ارهاق، اعدها يوسف على الفراش يضع الغطاء فوقها، يتأمل ملامحها المنهكة من التعب، مد يده يزيل حجابها الذي فسد من حركتها، واعد خصلات شعرها للخلف، همس بنبرة تملكها الحزن فأصبح جزءًا منها وليس مضاف لها:
_ المهمة تخلص واشرحلك كل حاجة... كان نفسي اعرفك واتجوزك وأنا يوسف وأنتِ عارفة إن أنا ظابط بس الظروف وقعتنا ببعض وللأسف كنت جزء من مهمتي.
نهض من مكانه، وقرر أن يباشر عمله ليبتعد عن التفكير وينتهي من تلك المهمة بأسرع وقت.
****
أصبح وحشًا حقًا، نظراته التي لم تختلف عن نظرات ذئبٍ شرس سينقض على الجميع، وقف أمام رجاله تتوهج عيناه بحُمرة الانتقام، يردف بنبرة قاسية:
_ ازاي تتاخد من وسطنا كده وبسهولة يا *** مشغل ايه معايا! سدرا لو مجتش خلال اربعة وعشرين ساعة هتشوفوا أيام متتخيلوش انكم هتتحطوا فيها.
انطلق الرجال جميعًا في رعب يحاولون ايجاد سدرا بأي شكل، فهم يعلمون أن من الممكن بل من المؤكد حدوث مذبحة إن لم توجد، بينما جلس سليم على مقعده، ينظر للحارس الخاص به في هدوء مريب، يردف بنبرة جامدة تحمل شرسة:
_ شوفها فين من الجهاز التتابع.. وهاتها بس استنى الاربعة عشرين ساعة.
حرك رأسه وتحرك سريعًا ذاهبًا للخارج، متعجبًا من طريقة سليم، فهو يعلم مكانها من تلك القطعة الصغيرة للغاية التي حقنها بها امام المطار، يتتابع حركتها إذا قررت المغادرة دون علمه، ولكن لِمَ أراد أن يرهق هؤلاء الرجال في البحث؟!
*****
أعد آدم ذاته، يتطلع نحو بدلته في رضا، ينثر قطرات العطر الخاص به في خفة، ثم انطلق نحو غرفة والده، يطرق الباب عليه، وما أن دلف حتى أردف بنبرة هادئة:
_ خلاص جهزت يا بابا.
حرك رأسه في ايجابية، يتمتم في سعادة:
_ خلاص يا بني.. يلا وربنا يقدم اللي فيه الخير.
تحرك كلاهما متوجهين نحو منزل تاليا، منذ وقت وهو ينتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، فتاليا تتعامل برسمية شديدة على عكس طبيعتها، لذا قرر أن يعجل في اتخاذ تلك الخطوة، اشتاق لطريقتها العفوية المضحكة، كلماتها التي يتلذذ في السماع لها، تروي قلبه برحيق حبها دون أن يشعر.. كما يرتوي النحل من رحيق الزهور.
وصلا كلًا من آدم وماجد للمنزل المنشود، ثم ساعد آدم والده في الصعود للأعلى فبالرغم من جلوسه على مقعد متحرك إلا أنه يمكن أن ينهض لبضع دقائق ويقف على قدميه، استقبلهم السيد جلال ولكن ملامحه تحمل حزنًا وكأنه جبل يحمل ثلجًا لا يؤوي عابر سيبل، بدأ ماجد بالحديث بعدما استقروا داخل غرفة صغيرة مرتبة:
_ طبعًا يا استاذ جلال احنا قرينا فاتحة بشكل مبدأي والنهاردة جاين نحط النقط على الحروف ونتفق على معاد الخطوبة وكتب الكتاب والفرح.. احنا جاهزين من كله هناخدها بس بشنطة هدومها وهي لو حابه تغير حاجة من ديكور الأوضة مفيش مشاكل.. تيجوا في يوم وتطلعوا تشوفوا الاوضة والبيت وتغير اللي هي عايزاه.
كانت تسترق السمع من الخارج، تقف وكأنها طفلة تنتظر مفاجأة مُعدة لها، تردف بنبرة تحمل عفوية كبيرة:
_ اغير ايه.. دا أنا خايفة أنا أجي ابوظ الديكور.. قال اغير قال هو انا طايلة اصلا انترية زي بتاعكوا.. دا الفازة هناك أغلى مني أنا شخصيًا!
انتفضت من مكانها بعدما تلقط صفعة صغيرة على كتفها من فريال، التي تحدثت بنبرة حاملة غيظ:
_ أنتِ مفيش عقل يا بت! عاملة تحسدي على المكان اللي هتعيشي فيه.
دعكت كتفها في تأوه، تردد في ضيق:
_ ايه يا ماما خضتني.. دا وجع الخضة اصعب من وجع الضربة.. ثم مش بحسد بس عايزة اقنع عمو اني حابة بيتهم كده!
امسكت فريال برأسها تتمتم في ارهاق:
_ بت أنتِ أنا عارفة أنك هتخلصي عليا بدري.. امشي قدامي عشان هتقدمي العصير لما يخلصوا اتفاق.
:_ طب اسمع كلمة طب!
قالتها وهي تريد العودة لسماعهم، بينما رمقتها فريال بنظرات شرسة تردف بنبرة حازمة:
_ هتمشي ولا تجيبك من شعرك قدام الضيوف ونبقى ليلة كلها فرح على دماغك!
تحركت تاليا من أمامها وهي تشعر باختناق، تردف في سخط:
_ لا وعلى رأيك ليلة كلها قُرع!
دلفت للداخل سريعًا قبل أن تلتقطها والدتها، بينما وقفت فريال تسترق السمع بدلًا عن ابنتها لتستمع لجُملة جلال يردف:
_ فترة الخطوبة مش هتكون طويلة وبقول خليها شبكة وكتب كتاب سوا بس لما اختها ترجع بالسلامة.
ابتسم آدم في حماس شديد، بينما سعد ماجد من رؤية تلك النظرات المليئة بالشغف، أردف في تساؤل:
_ طب هي هترجع امتي؟!
تطلع لهما جلال في ألم، ثم اجابه بصوتٍ حاول اظهار الثبات به:
_ لسه مش عارفين!
تعجب ماجد من اجابته، بينما شعر آدم بوجود خطبًا ما به، تنهد ماجد في هدوء ثم أردف بنبرة تحمل لطفًا على قلب جلال:
_ بص يا استاذ جلال وصل على النبي.. احنا عايزين نكون على ارض ثابته.. فصعب نكون رابطين نفسنا برجعوا بنت حضرتك التانية اللي مش عارفين هترجع امتي.. لزمًا معاد نتفق عليه.. في ايه رأيك بعد شهرين نعمل كتب كتاب على الضيق لو لا قدر الله مجتش ولما تيجي نعمل حفلة كبيرة ونعزم الكل.. ولحد الشهرين دول ما يعدوا تاليا مش هتروح الشركة خالص لحد ما الرابط يكون رسمي بينهم.
كان آدم يحرك رأسه في ايجابية مبتسمًا، إلى أن استمع لجملته الأخيرة حتى توقف في صدمة يتطلع لوالده في غيظ، هي ببدأ الأمرتعطيه وجهًا كما يقولون كلوح الخشب، وأيضًا لن يراها!، بينما أردفت من الخارج استطاع آدم سماعها:
_ يحيا العدل يا بابا ماجد.
اغتاظ منها بشدة، في حين وافق جلال على اقتراح ماجد فهما يجيب أن يثبتوا معياد كي يتم زوجهما، انتهي الاتفاق بوضع جلال مبلغ من المال في حساب تاليا بدلًا من شراء جهازٍ، نهض جلال يخبر فريال بأن تدلف تاليا كي يقرأوا الفاتحة على اتفاقهم هذا ويجلس آدم مع تاليا قليلًا.
*****
استيقظت تشعر بألم يداهم رأسها، نظرت حولها في تدقيق تتذكر ما حدث قبل أن تسقط على الأرض، حتى تذكرت ما فعله يوسف لأجلها، شعرت بألم يغزو قلبها ما أن علمت أنه لا يزال مصدر الأمان لها بالرغم من غدره لها، نهضت من الفراش، تعيد خصلات شعرها للخلف كي تصنع منها ما يسمى بال كعكة، ثم خرجت من الغرفة لتجده جالسًا أمام حاسوب الخاص به، شعر بها ونظر لها سريعًا يبتسم في راحة قائلًا:
_ حمدلله على سلامتك.. حاسه انك أحسن!
حدقته به في برود ثم تمتمت بنبرة جامدة:
_ ملكش دعوة.
رفع يوسف حاجبه، ثم نهض من مكانه يضع يده بيجيب سرواله، يندفع بسؤالٍ غريب لم تتفهمه سدرا في بدأ الأمر، فكانت تظن أنه سيتشاجر معها على ما قالته:
_ حد حقنك بأي حاجة لما كنت عنده؟!
نظرت له قليلًا ثم حركت رأسها بعيدًا عنه تتمتم في برود تخفى ما فعله مساعد سليم بها:
_ لاء.
حرك رأسه ثم عاد يحمل شيئًا بين بيديه ولكن لم تستطع التعرف عليه، ظل يتقدم منها في هدوء مريب، بينما تراجعت سدرا ببعض التوتر من نظراته الغامضة المصوبة اتجاهها فقط، اصطدمت سدرا بالحائط خلفها تتطلع لحدقتي يوسف ببعض التوتر، بينما همس يوسف في هدوء:
_ بتكدبي ليه يا سدرا؟
كادت أن تتحدث ولكن شعرت بشيءٍ ما ينغرز بذراعها، نظرت نحوه لتجده يحقنها بمادة ما، نظرت له قائلة قبل أن تغفو:
_ ليه عملت كده؟
نزع يوسف تلك الحقنة من ذراعها سريعًا، وحملها بين يديه، يضعها على الفراش، ثم بدأ بإعداد حقيبته جيدًا كي يغادرا المكان قبل أن يصل سليم، حمل الحقيبة على ظهره ثم تقدم من سدرا ووضع الحجاب بطريقة محكمة كي لا يُنتزع منها أثناء سفرهم لإحدى القرى.
*****
الوقوع بفخ الحب هو أحد مراحله، ولكن أصعبها هي مواجهته والوقوف أمام تلك الموجه القاسية، فكما يقول جدي لا تقاوم الموج سيدمرك، بل تواكب معه ليرفعك.
تقدم حمزة من غرفة أيسل كي يفتحها، يحمل طعامهما سويًا، يصنع حُجَة صغيرة وهي أنها لاتزال تحمل معلومات قد أخذها بالفعل، ترك الطعام فجأة بعدما جحظت عيناه ويراها تلتقطها أنفاسها في صعوبة، وجهها يحمل قطرات عرق، يتلون بحُمرة شديدة، تقدم يضع يده على جبينها ليجد حرارتها مرتفعة بشدة، خرج سريعًا يخبر الحرس بأن يستدعوا الطبيب، وبل الفعل لم تمر دقائق وأتي الطبيب ليباشر عمله، حتى انتهي ليبلغ حمزة قائلًا:
_ عايزة حد يعملها كمدات ويفضل موجود معها عشان الادوية دي.. وأنا اديتها حقنة خافضة للحرارة.
حرك حمزة رأسه في ايجابية يتناول عنه علبة الدواء، ثم تقدم للداخل وبدأ يُعد تلك الكمدات كي يفعلها لها، ولكن تجمد مكانه ما أن سمعها تتمتم:
_ بحب حمزة.. هو حنين عليا.. هو بيحبني اوي.. عشان كده حبيته!
ظلت تردف بتلك الكلمات طويلًا بينما مد يده بقطعة القماش الصغيرة ليضعها لها، يستمع لصوتها أو لسمفونية تعزف بقلبه، لتزيد حبٌ مجهول لها.
***
ابتسم في رضا بعدما وصلته رسالة بأن فرع البلادونا قد انتهى وحان وقت الأفعى البيضاء ولن تنتهي سوى بموت سليم، نهض من مكانه واضعًا هذا الحاسوب داخل حقيبته، يتطلع نحو سدرا النائمة على العُشب الأخضر القصير، ثم عاد ينظر بالسماء يتمنى أن يعود مجددًا للماضي فيمحي تلك الذكرى المؤلمة بحياتهما، تنهد ببعض الألم، لا يعلم كيف سيعيد هذا الرابط النقي بينهما، عاد يجلس جوارها، حتى غفى ممسكًا بكفها في دفئ، يبتسم ما أن تستيقظ وترى يدها بين يديه.
مر وقت استكنت به الأنفس، بل و انتظم دخولها وخروجها، شعرت بنسمات هواءٍ باردة منعشة تتلطم بوجنتيها، فتحت عيناها في ارهاق، تنظر جوارها بعدما شعرت بأنفاس ساخنة بقرب منها، وجدت يوسف نائمًا في سكينة، ظلت تتطلع نحوه في صمت ثم نزعت يده عنها في هدوء، ولكن شعر بها يوسف وقبض على يدها أكثر، علمت سدرا باستيقاظه لتهتف بنفذ صبر:
_ شيل ايدك عايزة اقوم!
وضع يده خلف رأسه، يبتسم في تسلية، متمتمًا بنبرة مرحة:
_ طب نتفق اتفاق حلو واسيب ايدك!
رفعت حاجبها ببعض الغيظ، تردف في محاولة ازالة يدها من يده:
_ نتفق! فايق اوي عشان تطلب مني نتفق.. احنا فشلنا في حياتنا العادية هنيجي دلوقتي ونتفق.. اوعي بقى ايدي وجعتني!
رمقته بنظرة متعصبة، بينما أخف يوسف قبضته، ولكن لم يترك يدها بل تحدث وحدقتيه تتعلق بخاصتها:
_ سدرا عمر ما الفشل بيجي غير بالاستسلام.. وأنا لسه مستسلمتش!
ابتسمت في ألم، تزيل يده عنها تردف وهي تريه حدقتها اللتان تصرخان من قلبها الملتوي من الألم:
_ لا ممكن الفشل يجي بالغدر من ناس.. وبدل ما كانوا بيرفعونا لسابع سما.. نزلونا على جدور رقبتنا لسابع أرض.. وأنا بقولك من دلوقتي يا يوسف متحولش عشان أنا عمري ما هرجعلك.
نهضت من جواره تقف جوار صخرة ضخمة تختبئ خلفها لتبكي، تحاول جاهدة ألا تصدر صوتًا ولكن هيهات وقد أعلن القلب عدم قدرته على الصمود أمام هذا الجرح، بقى يوسف مكانه يزفر في حزن بات ظاهرًا على معالمه، يحاول أن يفكر بطريقة كي يعيدها ولكن كيف؟
نهض من مكانه يخرج الحاسوب الخاص به، وتأكد من ذهب سليم للشقة التي كانا يجلسان بها، وعلم بتلك اللحظة أن هذا الجهاز التتبع الخاص بسدرا قد توقف بعد أن سيطر عليه بجهازه هو، انتقل لإحدي الملفات ولكن قبل ان يبدأ بدراسته كي يقضي على منظمة الأفعى البيضاء، استمع لصوت سدرا وهي تصرخ بشدة، نهض سريعًا ليرى ما بها يحمل مسدسه بين يديه، ولكن وجدها تجلس على الأرض تمسك كاحلها، تبكي من انفجار الألم به، اعاد مسدسه سريعًا ثم قال بنبرة قلقة:
_ في ايه؟ ومالها رجلك؟
امسكت كفه قبل أن يقترب من كاحلها تجيب بشهقات علقت بكلماتها:
_ متقربش دي بتوجع اوي.. رجلي وقعت في حفرة صغيرة واتلوت.
حرك رأسه في هدوء ثم اردف بنبرة حنونة:
_ طب سبني اتأكد أنه مش كسر وأنه التواء بس.
مد يده يمسكها في رفق، يحركها بخفة شديدة، ثم هتف في تسأل، ولكن حدقتيه تركز على قدمها:
_ بتوجعك اوي!
:_ بتوجع شوية بس مش كسر لو كسر مش هتحمل ايديك!
قالتها وسط دموعها من هذا الألم، حرك رأسه في ايجابية، ثم مد يديه يحملها في خفة يعتريها الرفق، ليذهب بها نحو الحقيبة، شعرت بخجلٍ من فعلته، تردف بنبرة حاولت اخفاء ارتباكها بها ولكن كيف هذا العاشق اصبح جزءًا منها:
_ نزلني وأنا همشي بالرجل التانية!
ابتسم ما أن شعر بارتباكها منه، وعلم أن هناك أمل في العودة ولكن بعد مشاقة طويلة، نظر لحدقتها يتمتم بنبرة حانية:
_ أنتِ واخده تمشي على رجلين وعشان تمشي على رجل واحدة لزمًا عكاز.. وتوفير لكل دا شيلتك.
صمت دون أن تردف بكلمة أخرى، بينما هبط يوسف واضعًا إياها على الأرض في رفق، امسك بحقيبتها وأحضر منها علبة صغيرة، بدأ بفتحها واحضار كريم ( مرهم) ورُباط صغير كي يربط بها قدمها، بدأ بوضع الكريم على قدمها ليدلكها ولكن منعته سدرا وهي تتمتم ببعض الحرج:
_ لا انا هعملها بلاش أنت.
لم يستمع لها بل اكمل ما يفعله، مردفًا بنبرة دافئ لعلها ادوّت القليل من آلامها:
_ ومعملهاش ليه! أنتِ مراتي يا سدرا ودا حقك عليا.. سواء كنا متصالحين او بينا خلاف دا مش هيمنع نهائي أني ارعيكِ و وقت تعبك اشيلك ووقت زعلك احتوايكِ.. ببساطة واحدة بقت صحبتي ومراتي وحبيبتي وكل حاجة فأكيد اني ارعيها مش هيكون غير جزء من حقها عليا.
انتهي من ربط قدمها، بينما بقيت سدرا شاردة دون أن تعي انتهاؤه، نظر لها ولكن منحها ابتسامة عاشق، يسترسل حديثه في هدوء:
_ أنا خلصت خلاص.
نهض من مكانه يحمل الحاسوب الخاص به ليكمل باقي عمله، لعله ينتهي من تلك المهمة ويعود معها لأرض الوطن الحبيبة، في حين بقت سدرا شاردة بكلماته فكيف له أن يفكر هكذا وهو قد تركها بأهم وقت تمنت بقاؤه.
استدارت بجسدها تتطلع له في صمت، ثم اردفت متسائلة:
_ أنت ليه ادتني مخدر؟
:_ سألتك سليم حقنك بحاجة وحضرتك كدبتي وقولتي لاء.. ولأني مراقبك عرفت أنه حقنك بمخدر وجهاز صغير ميتشفش بالعين عشان يتتابع خطواتك لو فكرتي تهربي منه يعرف يوصلك.. ودا جهز بيحقن بيه افراد المنظمة كلها.. وأنا حقنك بجهاز صغير هيعطل الجهاز دا والكرات البيضا اللي في الجسم تتعرف على جسم غريب اقتحم الدم وتبدأ تتخلص منه.. لأن الجهاز اللي فيكي معمول بأعلى مستوى ميخليش الجسم يتعرف عليها.
شعرت بذهول شديد مما تسمعه، مع من وقعت؟ لم يأت بذهنها يومًا أنها ستتعرض لما تراه بالأفلام الأجنبية، استطرد يوسف حديثه في هدوء ولاتزال حدقتيه على الجهاز:
_ دي منظمة مش صغيرة يا سدرا مسيطرة على نص العالم وبتسعى تكمل الباقي.. من خطف لقتل ناس مهم في كل الدول.. لدعارة و تجارة مخدرات واعضاء وسلاح وكل الجرائم اللي ممكن تتخيليها.. خليكي صريحة معايا لأن لو سليم مسكك ورجعك تاني ساعتها مش هعرف ارجعك واحتمال نموت والمنظمة دي تكمل.
صمتت ولم تتفه بكلمة، ولكن لحظت نهوضه يحمل الحقيبة أمامه، نظرت نحوه متعجبة، بينما أكمل يوسف حديثه قائلًا:
_ لزمًا نتحرك دلوقتي عشان محدش يعرفنا.
هبط على ركبته يمسك بيدها ليلفها حول رقبته، يردف بنبرة جادة:
_ اطلعي على ضهري عشان مش هتقدري تمشي دلوقتي.
قاطعها قبل أن تتحدث يكمل بنبرة جادة:
_ سدرا مش هتعرفي تتحركي ولو دوستي عليها هيحصل مضاعفات انا في غني عنها نصبر اليومين دول لحد ما تخفي خالص.
كاد أن يتحرك يوسف ولكن توقف مكانه ما أن أطلقت رصاصة بجواره!
يتبع.
بقلم سلمى خالد "سماسيموو"
الفصل الثالث والعشرون
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
( نهاية لـ البلادونا، والأفعى البيضاء)
لعل الصدمة التي تلقتها للتو ليست بجديدة، فقد أُرهقت روحها من الصدمات والآن تتلقى صدمة، لم تكن حياتها سوى فقرات تحمل عناوين مختلفة، ولكنها مؤلمة.. صدمة.. قسوة.. خذلان.. قهر، هذه عناوين من يرها يشعر بالألم، فماذا يفعل من عاش بها؟!
حدقت به في ذهول، تغلق أهدابها وتفتحهما في صدمة، هل ما يقوله صحيح! حركت رأسها في نفي، تردد بنبرة مهزوزة:
_ لا.. ازاي ظابط وازاي شوفتك بتقتل اي حد.. أنت كداب!
اردفت كلمتها الأخيرة متطلعة له، ولكن بحدقتيها اللتان ملأتهما الدموع، وجهها يشع بحمرة الخذلان، بينما نهض يوسف يقف امامها في هدوء متمتمًا في توضيح:
_ اللي بقتلهم دول ما هم إلا ناس قاتلة.. وتجار سلاح.. مش بتقلهم لأجل انا عايز كده.. دول اصلا محكوم عليهم بالأعدام..
لاحظ سكونها أمامها، نظراتها المتأملة له، اردف بنبرة تحمل استعطاف:
_ سدرا أنا عملت المستحيل عشان اعرف احميكي واجيلك.. أنا كشفت نفسي رغم إن دا خطر كبير علينا.. أنا..
قاطعته وهي تدفعه بعيدًا عنها، تطلع نحوه في ألم بات ظاهرًا بشدة، تحاول أن تلتقط أنفاسها الضائعة وسط هذا الكابوس:
_ أنت إيه هاه فهمني! انت واحد كداب وغدار.. كدبت عليا في حقيقتك وأنا بموت مليون مرة عشان مفكرة إني حبيت مجرم.. أنت واحد غدر بمراته وسلمها للمنظمة كاملة كلهم عايزينها.. أنت أكتر أنسان غدر بيا وجرحني.. أنا عمري بحياتي ما هنسى وقت اللي ببص فيها بعيونك عشان تكدب الموضوع وبقولك الحقني.. وأنت بكل بساطة قولت..
قطعت حديثها وهي تزداد في البكاء، تحاول السيطرة على ذاتها المتناثرة وسط ندوب لم تشف بعد، عادت تنظر له في خذلان، تهبط دموعها دون توقف، تتمتم بنبرة مبحوحة:
_ أنت قولت أنتِ طالق في أكتر وقت كنت محتاجك فيه.. عارف يعني ايه! دا الست لما بتبقى هي اللي طالبة الطلاق بتتكسر بعد الكلمة دي وبتتوجع اوي منها.. تخيل واحدة كانت مع جوزها امبارح وبيقولها مش هيسبها وتاني يوم قالها أنتِ طالق وسلمها للي عايزين يقتلوها هيكون رد فعل ايه!
صمت يوسف يستمع لحديثها، نظراتها التي انغرزت بقلبه وتشعره بالألم، حاول الحديث قائلًا بنبرة حزينة:
_ اللي عملته كله عشانك.. ولما قولت أني مش هسيبك دا وعد مني ليكي وقتها عشان تصدقي أني هرجع.
تقدمت نحوه تقف أمامه وهي تتطلع نحو بآلام تشع منها، تدفعه بيدها قائلة بنبرة باكية:
_ أنت كداب.. بطل كدب بقى.. أنت دمرتني نفسيًا.. أنت متخيل اللي عملته فيا كان ايه.. متخيل إن اللي سلمتني ليه كان عايزيني بأي شكل.. أنا مش عايزة اشوفك ولا عايزة ارجعلك اصلا..
كان يوسف يتراجع مع كل دفعة كانت تفعلها، حتى توقفت تمامًا عن دفعه تمد يدها تزيل دموعها في قوة، قائلة بنبرة جامدة:
_ طلقني ودلوقتي.. أنا مش هكمل مع انسان معملش حاجة غير انه دمرني!
نظر لها قليلًا، ثم أردف بنبرة هادئة:
_ مش هينفع اطقلك يا سدرا.. أو على الأقل دلوقتي.. أنا لسه هخلص المهمة بتاعتي واحميكي لأن حضرتك مستهدفة من المنظمة أصلا ولما نرجع مصر تبقى تقرري.
نظرت نحوه في نفور قائلة بنبرة نافرة شعر بها يوسف وعلم انه سيجد صعوبة ليعيدها:
_ هنقعد هنا قد ايه!
تحرك من أمامها يمسك بمقبض الباب، يجيبها في هدوء على عكس عاصفة أطحت به وسط وادي مليء بالآلام بدأ يتجرع منها:
_ بمجرد ما المهم هتخلص هنرجع مصر.
: _ ونطلق.
قالتها بنبرة تحمل اصرارًا، بينما تركها يوسف مغادرًا الغرفة، جلست سدرا على الفراش تتذكر طريقة اجتماعهما ببعض، ثم عادت بذكرتها وهي تخبره أنها ستعطيه اسم يوسف، ابتسمت ساخطة على حالها، ثم تفهمت لما نهض هكذا، تهدجت أنفاسها بشدة، تشعر باختناق شديد لما يحدث معها، تذكرت والديها وتركهما لها بسبب هذا عديم الرحمة، تذكرت فرقها عن شقيقتها وعائلتها، لم تشعر بذاتها، هي فقط تريد التنفس، نهضت من أعلى الفراش، تحرك يدها سريعًا لعلها تبعث قليلًا من الهواء كي تتنفس ولكن لا توجد فائدة، سارت نحو الباب في بطء تفتح الباب، تستند على الحائط بعدما تلون وجهها بالزُرقة، تنظر نحو يوسف الجالس على الأريكة واضعًا رأسه بين راحتي يده، حاولت الحديث بصوت من الصعب سماعه:
_ ألحقني!
رفع يوسف رأسه، بعدما شعر بها تقف، ولكنه انتفض من مكانه ما أن رأي وجهها هكذا، وقعت سدرا ارضًا ولكن تشعر بأنها على وشك أن تفارق الحياة، ثم نظرت نحو يوسف تهبط الدموع من حدقتها، بينما حملها يوسف بين يديه يهمس بنبرة حنونة لطالما تدفئ قلبها:
_ سدرا أنا جنبك وموجود عشان أبقى معاكي.. أنا بحبك يا سدرا ومبقتش عاشق غير ليكي.. من أول يوم انقذتك فيه وأنتِ معلقة بعقلي وانتظرت المهمة تنتهي عشان اتقدملك.. أنا بحبك بجد يا سدرا.. وافتكري أكتر حاجة انبسطي منها.. افتكري حياتنا واحنا في البيت بعيد عن سيدة والحارة.
بدأ يوسف بوصف تلك الذكرى وضحكهما سويًا، يحتضنها من الخلف ليشعرها بالواقع وبأنه سيظل جوارها، بينما بدأت سدرا بأن تتنفس مع همساته التي طمأنتها قليلًا، عادت أنفاسها مجددًا ولكن غابت عن الواقع في ارهاق، اعدها يوسف على الفراش يضع الغطاء فوقها، يتأمل ملامحها المنهكة من التعب، مد يده يزيل حجابها الذي فسد من حركتها، واعد خصلات شعرها للخلف، همس بنبرة تملكها الحزن فأصبح جزءًا منها وليس مضاف لها:
_ المهمة تخلص واشرحلك كل حاجة... كان نفسي اعرفك واتجوزك وأنا يوسف وأنتِ عارفة إن أنا ظابط بس الظروف وقعتنا ببعض وللأسف كنت جزء من مهمتي.
نهض من مكانه، وقرر أن يباشر عمله ليبتعد عن التفكير وينتهي من تلك المهمة بأسرع وقت.
****
أصبح وحشًا حقًا، نظراته التي لم تختلف عن نظرات ذئبٍ شرس سينقض على الجميع، وقف أمام رجاله تتوهج عيناه بحُمرة الانتقام، يردف بنبرة قاسية:
_ ازاي تتاخد من وسطنا كده وبسهولة يا *** مشغل ايه معايا! سدرا لو مجتش خلال اربعة وعشرين ساعة هتشوفوا أيام متتخيلوش انكم هتتحطوا فيها.
انطلق الرجال جميعًا في رعب يحاولون ايجاد سدرا بأي شكل، فهم يعلمون أن من الممكن بل من المؤكد حدوث مذبحة إن لم توجد، بينما جلس سليم على مقعده، ينظر للحارس الخاص به في هدوء مريب، يردف بنبرة جامدة تحمل شرسة:
_ شوفها فين من الجهاز التتابع.. وهاتها بس استنى الاربعة عشرين ساعة.
حرك رأسه وتحرك سريعًا ذاهبًا للخارج، متعجبًا من طريقة سليم، فهو يعلم مكانها من تلك القطعة الصغيرة للغاية التي حقنها بها امام المطار، يتتابع حركتها إذا قررت المغادرة دون علمه، ولكن لِمَ أراد أن يرهق هؤلاء الرجال في البحث؟!
*****
أعد آدم ذاته، يتطلع نحو بدلته في رضا، ينثر قطرات العطر الخاص به في خفة، ثم انطلق نحو غرفة والده، يطرق الباب عليه، وما أن دلف حتى أردف بنبرة هادئة:
_ خلاص جهزت يا بابا.
حرك رأسه في ايجابية، يتمتم في سعادة:
_ خلاص يا بني.. يلا وربنا يقدم اللي فيه الخير.
تحرك كلاهما متوجهين نحو منزل تاليا، منذ وقت وهو ينتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، فتاليا تتعامل برسمية شديدة على عكس طبيعتها، لذا قرر أن يعجل في اتخاذ تلك الخطوة، اشتاق لطريقتها العفوية المضحكة، كلماتها التي يتلذذ في السماع لها، تروي قلبه برحيق حبها دون أن يشعر.. كما يرتوي النحل من رحيق الزهور.
وصلا كلًا من آدم وماجد للمنزل المنشود، ثم ساعد آدم والده في الصعود للأعلى فبالرغم من جلوسه على مقعد متحرك إلا أنه يمكن أن ينهض لبضع دقائق ويقف على قدميه، استقبلهم السيد جلال ولكن ملامحه تحمل حزنًا وكأنه جبل يحمل ثلجًا لا يؤوي عابر سيبل، بدأ ماجد بالحديث بعدما استقروا داخل غرفة صغيرة مرتبة:
_ طبعًا يا استاذ جلال احنا قرينا فاتحة بشكل مبدأي والنهاردة جاين نحط النقط على الحروف ونتفق على معاد الخطوبة وكتب الكتاب والفرح.. احنا جاهزين من كله هناخدها بس بشنطة هدومها وهي لو حابه تغير حاجة من ديكور الأوضة مفيش مشاكل.. تيجوا في يوم وتطلعوا تشوفوا الاوضة والبيت وتغير اللي هي عايزاه.
كانت تسترق السمع من الخارج، تقف وكأنها طفلة تنتظر مفاجأة مُعدة لها، تردف بنبرة تحمل عفوية كبيرة:
_ اغير ايه.. دا أنا خايفة أنا أجي ابوظ الديكور.. قال اغير قال هو انا طايلة اصلا انترية زي بتاعكوا.. دا الفازة هناك أغلى مني أنا شخصيًا!
انتفضت من مكانها بعدما تلقط صفعة صغيرة على كتفها من فريال، التي تحدثت بنبرة حاملة غيظ:
_ أنتِ مفيش عقل يا بت! عاملة تحسدي على المكان اللي هتعيشي فيه.
دعكت كتفها في تأوه، تردد في ضيق:
_ ايه يا ماما خضتني.. دا وجع الخضة اصعب من وجع الضربة.. ثم مش بحسد بس عايزة اقنع عمو اني حابة بيتهم كده!
امسكت فريال برأسها تتمتم في ارهاق:
_ بت أنتِ أنا عارفة أنك هتخلصي عليا بدري.. امشي قدامي عشان هتقدمي العصير لما يخلصوا اتفاق.
:_ طب اسمع كلمة طب!
قالتها وهي تريد العودة لسماعهم، بينما رمقتها فريال بنظرات شرسة تردف بنبرة حازمة:
_ هتمشي ولا تجيبك من شعرك قدام الضيوف ونبقى ليلة كلها فرح على دماغك!
تحركت تاليا من أمامها وهي تشعر باختناق، تردف في سخط:
_ لا وعلى رأيك ليلة كلها قُرع!
دلفت للداخل سريعًا قبل أن تلتقطها والدتها، بينما وقفت فريال تسترق السمع بدلًا عن ابنتها لتستمع لجُملة جلال يردف:
_ فترة الخطوبة مش هتكون طويلة وبقول خليها شبكة وكتب كتاب سوا بس لما اختها ترجع بالسلامة.
ابتسم آدم في حماس شديد، بينما سعد ماجد من رؤية تلك النظرات المليئة بالشغف، أردف في تساؤل:
_ طب هي هترجع امتي؟!
تطلع لهما جلال في ألم، ثم اجابه بصوتٍ حاول اظهار الثبات به:
_ لسه مش عارفين!
تعجب ماجد من اجابته، بينما شعر آدم بوجود خطبًا ما به، تنهد ماجد في هدوء ثم أردف بنبرة تحمل لطفًا على قلب جلال:
_ بص يا استاذ جلال وصل على النبي.. احنا عايزين نكون على ارض ثابته.. فصعب نكون رابطين نفسنا برجعوا بنت حضرتك التانية اللي مش عارفين هترجع امتي.. لزمًا معاد نتفق عليه.. في ايه رأيك بعد شهرين نعمل كتب كتاب على الضيق لو لا قدر الله مجتش ولما تيجي نعمل حفلة كبيرة ونعزم الكل.. ولحد الشهرين دول ما يعدوا تاليا مش هتروح الشركة خالص لحد ما الرابط يكون رسمي بينهم.
كان آدم يحرك رأسه في ايجابية مبتسمًا، إلى أن استمع لجملته الأخيرة حتى توقف في صدمة يتطلع لوالده في غيظ، هي ببدأ الأمرتعطيه وجهًا كما يقولون كلوح الخشب، وأيضًا لن يراها!، بينما أردفت من الخارج استطاع آدم سماعها:
_ يحيا العدل يا بابا ماجد.
اغتاظ منها بشدة، في حين وافق جلال على اقتراح ماجد فهما يجيب أن يثبتوا معياد كي يتم زوجهما، انتهي الاتفاق بوضع جلال مبلغ من المال في حساب تاليا بدلًا من شراء جهازٍ، نهض جلال يخبر فريال بأن تدلف تاليا كي يقرأوا الفاتحة على اتفاقهم هذا ويجلس آدم مع تاليا قليلًا.
*****
استيقظت تشعر بألم يداهم رأسها، نظرت حولها في تدقيق تتذكر ما حدث قبل أن تسقط على الأرض، حتى تذكرت ما فعله يوسف لأجلها، شعرت بألم يغزو قلبها ما أن علمت أنه لا يزال مصدر الأمان لها بالرغم من غدره لها، نهضت من الفراش، تعيد خصلات شعرها للخلف كي تصنع منها ما يسمى بال كعكة، ثم خرجت من الغرفة لتجده جالسًا أمام حاسوب الخاص به، شعر بها ونظر لها سريعًا يبتسم في راحة قائلًا:
_ حمدلله على سلامتك.. حاسه انك أحسن!
حدقته به في برود ثم تمتمت بنبرة جامدة:
_ ملكش دعوة.
رفع يوسف حاجبه، ثم نهض من مكانه يضع يده بيجيب سرواله، يندفع بسؤالٍ غريب لم تتفهمه سدرا في بدأ الأمر، فكانت تظن أنه سيتشاجر معها على ما قالته:
_ حد حقنك بأي حاجة لما كنت عنده؟!
نظرت له قليلًا ثم حركت رأسها بعيدًا عنه تتمتم في برود تخفى ما فعله مساعد سليم بها:
_ لاء.
حرك رأسه ثم عاد يحمل شيئًا بين بيديه ولكن لم تستطع التعرف عليه، ظل يتقدم منها في هدوء مريب، بينما تراجعت سدرا ببعض التوتر من نظراته الغامضة المصوبة اتجاهها فقط، اصطدمت سدرا بالحائط خلفها تتطلع لحدقتي يوسف ببعض التوتر، بينما همس يوسف في هدوء:
_ بتكدبي ليه يا سدرا؟
كادت أن تتحدث ولكن شعرت بشيءٍ ما ينغرز بذراعها، نظرت نحوه لتجده يحقنها بمادة ما، نظرت له قائلة قبل أن تغفو:
_ ليه عملت كده؟
نزع يوسف تلك الحقنة من ذراعها سريعًا، وحملها بين يديه، يضعها على الفراش، ثم بدأ بإعداد حقيبته جيدًا كي يغادرا المكان قبل أن يصل سليم، حمل الحقيبة على ظهره ثم تقدم من سدرا ووضع الحجاب بطريقة محكمة كي لا يُنتزع منها أثناء سفرهم لإحدى القرى.
*****
الوقوع بفخ الحب هو أحد مراحله، ولكن أصعبها هي مواجهته والوقوف أمام تلك الموجه القاسية، فكما يقول جدي لا تقاوم الموج سيدمرك، بل تواكب معه ليرفعك.
تقدم حمزة من غرفة أيسل كي يفتحها، يحمل طعامهما سويًا، يصنع حُجَة صغيرة وهي أنها لاتزال تحمل معلومات قد أخذها بالفعل، ترك الطعام فجأة بعدما جحظت عيناه ويراها تلتقطها أنفاسها في صعوبة، وجهها يحمل قطرات عرق، يتلون بحُمرة شديدة، تقدم يضع يده على جبينها ليجد حرارتها مرتفعة بشدة، خرج سريعًا يخبر الحرس بأن يستدعوا الطبيب، وبل الفعل لم تمر دقائق وأتي الطبيب ليباشر عمله، حتى انتهي ليبلغ حمزة قائلًا:
_ عايزة حد يعملها كمدات ويفضل موجود معها عشان الادوية دي.. وأنا اديتها حقنة خافضة للحرارة.
حرك حمزة رأسه في ايجابية يتناول عنه علبة الدواء، ثم تقدم للداخل وبدأ يُعد تلك الكمدات كي يفعلها لها، ولكن تجمد مكانه ما أن سمعها تتمتم:
_ بحب حمزة.. هو حنين عليا.. هو بيحبني اوي.. عشان كده حبيته!
ظلت تردف بتلك الكلمات طويلًا بينما مد يده بقطعة القماش الصغيرة ليضعها لها، يستمع لصوتها أو لسمفونية تعزف بقلبه، لتزيد حبٌ مجهول لها.
***
ابتسم في رضا بعدما وصلته رسالة بأن فرع البلادونا قد انتهى وحان وقت الأفعى البيضاء ولن تنتهي سوى بموت سليم، نهض من مكانه واضعًا هذا الحاسوب داخل حقيبته، يتطلع نحو سدرا النائمة على العُشب الأخضر القصير، ثم عاد ينظر بالسماء يتمنى أن يعود مجددًا للماضي فيمحي تلك الذكرى المؤلمة بحياتهما، تنهد ببعض الألم، لا يعلم كيف سيعيد هذا الرابط النقي بينهما، عاد يجلس جوارها، حتى غفى ممسكًا بكفها في دفئ، يبتسم ما أن تستيقظ وترى يدها بين يديه.
مر وقت استكنت به الأنفس، بل و انتظم دخولها وخروجها، شعرت بنسمات هواءٍ باردة منعشة تتلطم بوجنتيها، فتحت عيناها في ارهاق، تنظر جوارها بعدما شعرت بأنفاس ساخنة بقرب منها، وجدت يوسف نائمًا في سكينة، ظلت تتطلع نحوه في صمت ثم نزعت يده عنها في هدوء، ولكن شعر بها يوسف وقبض على يدها أكثر، علمت سدرا باستيقاظه لتهتف بنفذ صبر:
_ شيل ايدك عايزة اقوم!
وضع يده خلف رأسه، يبتسم في تسلية، متمتمًا بنبرة مرحة:
_ طب نتفق اتفاق حلو واسيب ايدك!
رفعت حاجبها ببعض الغيظ، تردف في محاولة ازالة يدها من يده:
_ نتفق! فايق اوي عشان تطلب مني نتفق.. احنا فشلنا في حياتنا العادية هنيجي دلوقتي ونتفق.. اوعي بقى ايدي وجعتني!
رمقته بنظرة متعصبة، بينما أخف يوسف قبضته، ولكن لم يترك يدها بل تحدث وحدقتيه تتعلق بخاصتها:
_ سدرا عمر ما الفشل بيجي غير بالاستسلام.. وأنا لسه مستسلمتش!
ابتسمت في ألم، تزيل يده عنها تردف وهي تريه حدقتها اللتان تصرخان من قلبها الملتوي من الألم:
_ لا ممكن الفشل يجي بالغدر من ناس.. وبدل ما كانوا بيرفعونا لسابع سما.. نزلونا على جدور رقبتنا لسابع أرض.. وأنا بقولك من دلوقتي يا يوسف متحولش عشان أنا عمري ما هرجعلك.
نهضت من جواره تقف جوار صخرة ضخمة تختبئ خلفها لتبكي، تحاول جاهدة ألا تصدر صوتًا ولكن هيهات وقد أعلن القلب عدم قدرته على الصمود أمام هذا الجرح، بقى يوسف مكانه يزفر في حزن بات ظاهرًا على معالمه، يحاول أن يفكر بطريقة كي يعيدها ولكن كيف؟
نهض من مكانه يخرج الحاسوب الخاص به، وتأكد من ذهب سليم للشقة التي كانا يجلسان بها، وعلم بتلك اللحظة أن هذا الجهاز التتبع الخاص بسدرا قد توقف بعد أن سيطر عليه بجهازه هو، انتقل لإحدي الملفات ولكن قبل ان يبدأ بدراسته كي يقضي على منظمة الأفعى البيضاء، استمع لصوت سدرا وهي تصرخ بشدة، نهض سريعًا ليرى ما بها يحمل مسدسه بين يديه، ولكن وجدها تجلس على الأرض تمسك كاحلها، تبكي من انفجار الألم به، اعاد مسدسه سريعًا ثم قال بنبرة قلقة:
_ في ايه؟ ومالها رجلك؟
امسكت كفه قبل أن يقترب من كاحلها تجيب بشهقات علقت بكلماتها:
_ متقربش دي بتوجع اوي.. رجلي وقعت في حفرة صغيرة واتلوت.
حرك رأسه في هدوء ثم اردف بنبرة حنونة:
_ طب سبني اتأكد أنه مش كسر وأنه التواء بس.
مد يده يمسكها في رفق، يحركها بخفة شديدة، ثم هتف في تسأل، ولكن حدقتيه تركز على قدمها:
_ بتوجعك اوي!
:_ بتوجع شوية بس مش كسر لو كسر مش هتحمل ايديك!
قالتها وسط دموعها من هذا الألم، حرك رأسه في ايجابية، ثم مد يديه يحملها في خفة يعتريها الرفق، ليذهب بها نحو الحقيبة، شعرت بخجلٍ من فعلته، تردف بنبرة حاولت اخفاء ارتباكها بها ولكن كيف هذا العاشق اصبح جزءًا منها:
_ نزلني وأنا همشي بالرجل التانية!
ابتسم ما أن شعر بارتباكها منه، وعلم أن هناك أمل في العودة ولكن بعد مشاقة طويلة، نظر لحدقتها يتمتم بنبرة حانية:
_ أنتِ واخده تمشي على رجلين وعشان تمشي على رجل واحدة لزمًا عكاز.. وتوفير لكل دا شيلتك.
صمت دون أن تردف بكلمة أخرى، بينما هبط يوسف واضعًا إياها على الأرض في رفق، امسك بحقيبتها وأحضر منها علبة صغيرة، بدأ بفتحها واحضار كريم ( مرهم) ورُباط صغير كي يربط بها قدمها، بدأ بوضع الكريم على قدمها ليدلكها ولكن منعته سدرا وهي تتمتم ببعض الحرج:
_ لا انا هعملها بلاش أنت.
لم يستمع لها بل اكمل ما يفعله، مردفًا بنبرة دافئ لعلها ادوّت القليل من آلامها:
_ ومعملهاش ليه! أنتِ مراتي يا سدرا ودا حقك عليا.. سواء كنا متصالحين او بينا خلاف دا مش هيمنع نهائي أني ارعيكِ و وقت تعبك اشيلك ووقت زعلك احتوايكِ.. ببساطة واحدة بقت صحبتي ومراتي وحبيبتي وكل حاجة فأكيد اني ارعيها مش هيكون غير جزء من حقها عليا.
انتهي من ربط قدمها، بينما بقيت سدرا شاردة دون أن تعي انتهاؤه، نظر لها ولكن منحها ابتسامة عاشق، يسترسل حديثه في هدوء:
_ أنا خلصت خلاص.
نهض من مكانه يحمل الحاسوب الخاص به ليكمل باقي عمله، لعله ينتهي من تلك المهمة ويعود معها لأرض الوطن الحبيبة، في حين بقت سدرا شاردة بكلماته فكيف له أن يفكر هكذا وهو قد تركها بأهم وقت تمنت بقاؤه.
استدارت بجسدها تتطلع له في صمت، ثم اردفت متسائلة:
_ أنت ليه ادتني مخدر؟
:_ سألتك سليم حقنك بحاجة وحضرتك كدبتي وقولتي لاء.. ولأني مراقبك عرفت أنه حقنك بمخدر وجهاز صغير ميتشفش بالعين عشان يتتابع خطواتك لو فكرتي تهربي منه يعرف يوصلك.. ودا جهز بيحقن بيه افراد المنظمة كلها.. وأنا حقنك بجهاز صغير هيعطل الجهاز دا والكرات البيضا اللي في الجسم تتعرف على جسم غريب اقتحم الدم وتبدأ تتخلص منه.. لأن الجهاز اللي فيكي معمول بأعلى مستوى ميخليش الجسم يتعرف عليها.
شعرت بذهول شديد مما تسمعه، مع من وقعت؟ لم يأت بذهنها يومًا أنها ستتعرض لما تراه بالأفلام الأجنبية، استطرد يوسف حديثه في هدوء ولاتزال حدقتيه على الجهاز:
_ دي منظمة مش صغيرة يا سدرا مسيطرة على نص العالم وبتسعى تكمل الباقي.. من خطف لقتل ناس مهم في كل الدول.. لدعارة و تجارة مخدرات واعضاء وسلاح وكل الجرائم اللي ممكن تتخيليها.. خليكي صريحة معايا لأن لو سليم مسكك ورجعك تاني ساعتها مش هعرف ارجعك واحتمال نموت والمنظمة دي تكمل.
صمتت ولم تتفه بكلمة، ولكن لحظت نهوضه يحمل الحقيبة أمامه، نظرت نحوه متعجبة، بينما أكمل يوسف حديثه قائلًا:
_ لزمًا نتحرك دلوقتي عشان محدش يعرفنا.
هبط على ركبته يمسك بيدها ليلفها حول رقبته، يردف بنبرة جادة:
_ اطلعي على ضهري عشان مش هتقدري تمشي دلوقتي.
قاطعها قبل أن تتحدث يكمل بنبرة جادة:
_ سدرا مش هتعرفي تتحركي ولو دوستي عليها هيحصل مضاعفات انا في غني عنها نصبر اليومين دول لحد ما تخفي خالص.
كاد أن يتحرك يوسف ولكن توقف مكانه ما أن أطلقت رصاصة بجواره!
يتبع.
الفصل الثالث والعشرون الجزء الثاني
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
( نهاية لـ البلادونا، والأفعي البيضاء 2 )
ربما الثبات بتلك اللحظة يصبح سلاح ذو حدين إما الموت أو النجاة، استدار يتطلع للرجل الواقف خلفه، يحمل بندقيته بين يديه، عيناه تمتلأن بغضبٍ منه، يشعر بيد سدرا التي ترتجف حول عنقه، هبط في حذر ينزل سدرا ببطء أسفل نظرات هذا الغريب يساعدها على الوقوف، بينما كانت تتشبث به، لا تفكر سوى بأنها لا تريد أن تفقده يكفي ما ذهب، لا تريد أن تفقد المزيد!
اصبح الفراق وحشًا قاسي، يزحف بحياتها في خفاء، يلتهم واحد تلو الأخر من أحبابها، حتى تقف بالساحة وحيدة تنتظر أن يلتهمها ولكن لن يفعلها فقط ينظر لها ويتمتع بملامحها التي تصرخ ألمًا من ندوبٍ باتت تحفر بداخلها دون رحمة، يتلذذ بيدها التي تحيطها لعلها تمنع وحدتها ولكن لن تستطيع فتنهمر دموعها تستغيث لأحد أن ينشلها من بئرٍ إلتهمها، لا تريد ان تشعر بهذا الظلام الذي حاوطها من قبل ومنعها من التنفس، لا لن تعود لهذا العالم مجددًا حتى لو كلف الأمر روحها المرهقة من مناضرة في تلك الحرب.
حرك يوسف يده محاولًا أن يهدئه ولكن رفع هذا الرجل بندقيته يستعد لضرب، أسرعت سدرا تحضن يوسف في خوف، تتشنج في عنف لاحظه يوسف، امسك بكفها في قوة، يهمس بنبرة دافئ لعلها كانت نسمة خفيفة تلحف قلبها الملتاع:
_ متخفيش يا سدرا.. مش هيحصل حاجة أنا بوعدك!
هدأ تشنج جسدها، بينما تحدث يوسف بالإيطالية مع الرجل الذي ظهر من نبراته انه غاضب وبشدة، لم تفهم سدرا كلمة مما يتفوه بها الأثنان ولكن تفهمت لغة واحدة وهي لغة الجسد، فقد بدأت أن تلين معالم وجهه، يتحدث برفقٍ أكثر حتى أشار له بأن يأتي، ابتسم له يوسف في امتنان ثم تتطلع نحو سدرا يتمتم في هدوء ممزوج بلين:
_ يلا يا سدرا.. هنروح مع ريتش البيت هيستضفنا عنده.
تطلعت نحوه في تعجب، ثم حاولت أن تسير ولكنها شعرت بألم عنيف أصاب قدمها، حمل يوسف الحقيبة على ظهره ثم مد يديه يحملها في رفق كي لا تتألم، لم تستطع سدرا أن تتحدث بل انشغل عقلها بهذا الألم الذي انفجر فجأة بقدمها، سار سويًا حتى وصلا لمنزل بسيط للغاية يحمل ملامح هادئة، دلف يوسف حاملًا سدرا بين يديه، حتى اتت سيدة كبيرة بسن تستقبلهما في حبور شديد، سار معهم ريتش نحو غرفتهما بعدما علم أنهم زوجان ودلفا لها ثم تحدث ريتش ليوسف يخبره ببعض الجُمل الصغيرة وغادر الغرفة، وضع يوسف سدرا على الفراش متعجبًا من صمتها، نظر لمعالم وجهها ليجدها تتشنج في ألم، هبط لمستواها ثم مد يديه يزيل هذا الرباط في هدوء ممزوج برفقٍ، في حين تألمت سدرا حتى صدر منها أنين.
نظر لها يوسف في حزن يردف وهو يُقِع ألمها على عاتقه:
_ استحملي معلش يا سدرا.. أنا آسف لكل اللي بتتعرضي ليه بس لو بأيدي اخفيكي عن المنظمة هعملها.
اعدت رأسها للخلف تغمض عيناها في ارهاق، تردد بنبرة يأسه:
_ متتأسفش كل حاجة بتحصل ليها حكمة.. أو ممكن ابتلاء واختبار ولسه مخلصش.. ربنا يمدنا بالصبر.
فتح يوسف حقيبته يخرج هذا الكريم وحبة دواء، مد يده بحبة الدواء ومعها زجاجة بلاستكية بها ماء يردد:
_ خدي دي هتسكن الألم شوية.
تناولتها سدرا عنه ثم أخذتها سريعًا لعلها تسكن ألم قدمها، ابتسمت في حزن تتمنى أن يصبح هناك دواء يسكن ألم قلبها، ولكن هيهات والأمنيات لا تتحقق، نظرت نحو قدمها لتجد يوسف يضع بعض الكريم ( مرهم) عليه في حذر شديد، يعتني بها وكأنها طفلته، ولكن قلبها لا يزال يحمل جرحًا لم يشف بعد مما فعله، كلما رأت كلمة مسامحة تجسد هذا الموقف الأليم امام حدقتيها وكأنه شريط فيلم يعرض أمامها، فاقت من شرودها على صوت يوسف يتمتم بنبرة هادئة:
_ مكنش في حل قدامي يا سدرا.. أول يوم جيتي فيه الحارة ساعة ما اتخطفتي خرجتك منها بسرعة عشان المنظمة متعرفش أنك من الحارة وتخلص عليكي.. بس للأسف أيسل لما حكت ليكِ كل حاجة وسمير عرف كانت اكبر مشكلة وكده أنتِ دخلتي المنظمة.. كان ممكن تخرجي لو أيسل مقلتش الباسورد بتاع البرنامج ليكِ.. بس للأسف كنتِ عرفتي.. وكنت وقتها بحاول احميكي منهم واخرجك من الحارة والمنظمة.. واتجوزتك عشان لو سليم عرف ياخدك اعرف ارجعك واحميكي بالسفارة بس زاد حبي ليكِ أكتر وقررت لما المهمة تخلص اعرفك شخصيتي الحقيقية و لسوء الظروف اللي وقعت عليكي سمير جه ووقعك بالكلام وعرف أنك معاكِ الباسورد وبعت لـ سليم فبتالي أيسل لو اتقتلت أو لاء مش هتفرق معه قد ما كان عايزك.. وبعت ليا جواب بعد ما رجعنا من البيت التاني بأني ابقى العضو السادس في المنظمة مقابل أني أسلمك.. فكرت كتير وكنت محتاج ادخل معهم.. زائد أني لو رفضت كانت المنظمة كلها هتحاول تقتلني وتاخدك غصب عشان تشغلي البرنامج وبعدها هيقتلوكي ويقتلوا عيلتك او حد ليه علاقة بسدرا بمعني أصح كانوا هيخفوا تاريخ سدرا من الدنيا كلها، واللي هيحميكي منهم واحد منهم وهو سليم لأنه لو كان عايز يقتلك كان عملها من أول يوم شافك فيه بس سابك ومعني كده أنه بيحميكي فكان لزمًا أسلمك غصب عني.. أنا كنت بموت وأنا مش لقي حل غير أني أسلمك ليه.. واتفقت معاه وقررت أسلمك وارمي يمين الطلاق بس من غير مأذون.. وفضلت متابعك لحد ما وصولتوا هناك و بعت ليه رسالة بسرعة أني ممكن ارجعك واطلبك في السفارة لو مسبش البلادونا وفعلا اتفقنا وسلمني البلادونا اللي وقعتها حاليا.. بس قررت اخليكي معايا انا وقتها.. واخدتك.. وسليم قالب الدنيا عليكي.. هي دي الحكاية يا سدرا من أولها لأخرها.
اغرورقت الدموع حدقتيها، لم يتحكم بها سوى هذا الشعور المؤلم وهو الخذلان، نظرت لحدقتيه اللتان تتأملنها في حزن دفين، تردف بنبرة مبحوحة بعدما تراكمت الآلام فوقها:
_ أنا مش قادرة أمنع شعور الخذلان يا يوسف.. أنت وجعتني اوي وقتها.. عارف لو كلمة اتقالت بدون قصد والشخص اللي سمعها عارف انها اتقالت بدون قصد بس في النهاية النتيجة واحدة وهي أنك اتجرحت أوي.. هو دا حالي أنا عارفة أن كل الظروف غصب.. بس انا أتوجعت منك لدرجة تخليني عايزة اختفي عن الكل.. أنا تعبانة اوي ومش عارفة لو كل دا خلص أنا هكمل حياتي ازاي.. فأرجوك لما نرجع تطلقني يمكن اقدر ارجع ولو جزء صغير مني.
أغمض يوسف عينيه في ألم بات يحرقه من الداخل، بينما أراحت سدرا رأسها ثم غطت في سُبات تحاول الهروب من واقعها المؤلم، وكأنها طفلة تبتعد عما يخيفها، بينما غطها يوسف جيدًا ثم خرج يقف بالشرفة، يشتم نسمات الهواء الباردة، ربما تطفئ تلك النيران التي اندلعت بداخله، أصبح كغابة محترقة لن ينتهي ألمها بل يمتد حريقها حتى يقضي عليه، زفر في بطء يتذكر حديثه مع حمزة عندما أخبره بالانتهاء من البلادونا..
*
:_ خلاص يا يوسف البلادونا خلصت شمعنا الأماكن التخزين بتاعتها وأمنا الأماكن اللي بتسلم فيها.. وسيطرنا على الموقع بتاعها.. كده دورك في الأفعى البيضا.
قالها حمزة في سعادة، بينما تلقى يوسف كلماته في صمت يمتلئ بالحزن، يردف في هدوء تفهمه حمزة:
_ ان شاء الله أخلص المهمة دي.
تنهد حمزة بعدما استمع لنبراته الحزينة، يردف في هدوء:
_ معلش يا يوسف عارف أنك شيلت حمل ازيد من طاقتك وضحيت كتير عشان المهمة دي تكمل.. بس هانت يا صحبي وقعنا واحدة والباقي قرب نهايته خلاص.
ازدرد حلقه في غصة أليمة، يردف بصوتٍ تجرع آلام عنيفة:
_ أنا هنتقم منهم واحد واحد يا حمزة.. سبت مراتي بالقوة يا أما أخسرها للأبد يا أما اسيبها والاتنين أصعب من بعض.. أنا عمري ما هنسى نظرات الوجع اللي في عيونها ليا.
صمت حمزة ولم يستطع الحديث، بينما زفر يوسف في هدوء ولكن يحمل غموضًا غريب معلقًا:
_ سبني دلوقتي يا حمزة خليني اكمل شغل.
*
فاق من شروده على صوت الباب، استدار يتقدم منه ليفتح ويرى من، ليجده ريتش صاحب المنزل يدعوه للعشاء، حرك رأسه في ايجابية مانحًا إياه ابتسامة ثم انطلق لإيقاظ سدرا كي تصبح امام عيناه، وبالفعل استيقظت معه وأثناء سيرهم هتف يوسف في هدوء وتملك:
- مش هقدر اطلقك يا سدرا حاولي تديني فرصة.
شعرت ببعض السعادة وهي ترى تمسكه بها، ولكن سارت دون أن تردف كلمة واحدة.
***
جلس شاردًا بما حدث بينهما، منذ أن اختفت ابنة شقيقته وقلبه يتأكل من القلق، حدقتيه لم تذقا حلوة النوم وأحلامه بل مرارته وكابوسه، تذكر كلماته وهو يعده بأنه سيعيدها ولكن لابد من أن يوافق على زوجهما..
*
:_ سدرا حاليًا حياتها وحياة كل اللي عايشين معاها في خطر.. ومحدش هيقدر يحميها غيري بعد ربنا طبعًا.. بس لزمًا اتجوزها.
قالها يوسف في هدوء، بينما تعجب جلال من طلبه قائلًا:
_ وايه علاقة جوازكم بالموضوع؟
اجابه في هدوء:
_ لأن سليم كان عايز يتجوزها في البداية ويدخلها واحدة واحدة معاه المنظمة.. بس لما عرفت الحقيقة كاملة ودخل الحارة اللي أنا فيها وطبعًا محدش يقدر يدخلها إلا بأذني قرر يلعب على المكشوف ولو في أي لحظة سليم خد سدرا وهي مش على ذمتي ممكن يتجوزها غصب ولو رجعتها مصر هيطلبها في السفارة وساعتها هترجع بالقانون غصب عن الكل وسليم وقتها يقتلها يخليها عايشة هو حر.. فلزمًا تبقى على ذمتي عشان أعرف ارجعها مصر لو حصلها شيء.
تطلع له جلال قليلًا ثم أردف بنبرة متألمة:
_ موافق تتجوزها.
نهض يوسف وهو يشعر براحة من موافقته، يستطرد حديثه قائلًا:
_ سدرا متعرفش أني ظابط مخابرات.. اللي تعرفه أن اسمي وحش ومجرم لما يتيجوا تزورها محدش يعرفها حاجة.
حرك جلال رأسه في ايجابية، ولكن يحمل كم من الأحزان لم يحملها من قبل، ربت يوسف على كتفه مبتسمًا في هدوء:
_ متقلقش يا عمي سدرا هحميها على قد ما اقدر.. هي هتبقى مراتي.
تعجب جلال من كلماته، بينما استرسل يوسف حديثه:
_ لأن أصلا كنت عايز اتقدم ليها من يوم ما اتخطفت.. بس حكم شغلي وقفت لحد ما اخلص مهمتي.. ولكن الظروف جمعتنا تاني ببعض وكنت هرجعها بس للأسف هي دخلت في الدايرة دي وصعب تخرج وعشان كده طلبت اتجوزها دلوقتي لحد ما ارجعهالك تاني سليمة وساعتها اتقدم رسمي وبشخصيتي الحقيقية.
ابتسم له جلال في حزن، يردف بنبرة ممتنة:
_ ربنا يباركلك يابني.. ويقدرك ترجعها ليا بالسلامة.. دي أمنة عندي لحد ما أموت.
*
فاق من شروده على صوت فريال تناديه، نظر لها في وهن ثم أردف:
_ ايوة يا فريال!
تطلعت له في حزن، تعلم جيدًا أين ذهب تفكيره، فهي تعلم الحقيقة كاملة، اردفت في تساؤل ربما تبعد تفكيره بهذه النقطة:
_ ليه مقولتش لآدم أن تاليا فاقدة الذاكرة؟
تطلع لها في وهن، يجيبها بنبرة متألمة:
_ عشان بقيت خايف اخد خطوة ادمر بيها بنتي التانية.. كفاية الأولانية مش عارفة هترجع امتي ولا هشوفها ازاي! خايف لما تفتكر حالتها النفسية تبوظ وسدرا مش معها تسندها، خايف على بنتي يا فريال ليحصلها حاجة.. أنا بقيت تايه الراجل بيكلمني وانا مليش نفس اكلمه وعشان مكسرش فرحة تاليا خليته و كلمته وكمان عشان يوسف قالي امشي الدنيا عادي.. لأنهم ممكن يهددوها بينا فلزمًا اظهر الفرحة واننا عادي زعلنا يومين وخلاص.
ادمعت عين فريال مما هم فيه، فهي الأخرى لا تعلم إن علم آدم أنها فاقدة الذاكرة ماذا سيفعل؟ فيكفي ما حد بزواجها السابق، والآن ماذا؟ تمتمت بنبرة حزينة:
_ اعتقد كده أحسن عشان لو عرف وقالها حاجة او سابها فجأة مش عارفين هيحصلها ايه، بالأخص لو تاليا رجعت ليها الذاكرة مش عارفين رد فعلها ايه!
صمت جلال ولكن تلك الغصة الأليمة العالقة بحلقه تجعله يتخذ الصمت افضل حل له، يشعر بفقدان جزءًا هامًا بحياته، رحيل ابنته هي ابنته لا يشعر سوى بذلك الشعور ليست فقط ابنته شقيقته، فـ بلحظاتٍ نتمنى أن نغلق أهدابنا لعلنا ننسى تلك الفترة المؤلمة ولكن هذا الجرح العالق بداخلنا لن يسمح بأن نتجاوزها.. أما أن نتواكب معه أو نندثر بعدها فنصبح رماد يتطاير مع نسمات هواء خفيفة.
****
شعورٌ بالاهتمام انغمس به، جعلها تتمنى أن ترتشف منه المزيد، فبالرغم من علمها بما يفعله ولكن هي تتعطش لهذا الشعور، تذكرت شكله على المقعد نائما من الارهاق بعدما قضي الليل بأكمله في القيام بكمداتٍ، ابتسمت ببعض الحياء متذكرة كلماته لها:..
*
:_ حمزة.. حمزة!
قالتها وهي تزيل تلك القطعة من القماش، بينما فتح حمزة عيناه في ارهاق، يدلك رقبته مما حدث بها بعد غفتله الخاطئة، اردف متسائلا:
_ بقيتي احسن؟
حركت رأسها تبتسم في خجل، تُعيد خصلات شعرها للخلف، بينما أكمل حمزة يبتسم في هدوء متمتمًا:
_ طب الحمدلله.. قلقتني عليكي بليل!
لا تعلم ماذا تردف بتلك اللحظة، هي تختبر مشاعر جديدة، كلماتٌ لم تسمعها من قبل، اهتمامٌ احتوى قلبها الصغير الخائف. نهض حمزة يبتسم في حماس قائلًا:
_ هروح نجيب فطار عشان نفطر سوا وارجع.
نظرت له في حرج، تريد شيئًا ولكن لا تعلم هل سيوافق أم لا؟ ، شعر بها حمزة وعاد يجلس يردف في حنو:
_ عايزة حاجة يا أيسل؟
فركت يدها في توتر، تردف بنبرة حزينة:
_ نفسي اشوف الشارع.. الحبسة دي بتفكرني باللي بيعملوه فيا هناك.. مكنوش بيخلوني اشوف شكل الشمس.. عايزة اخرج واشم هوا وارجع تاني.
زفر حمزة في هدوء ثم أردف بنبرة دافئة لمست فؤادها:
_ لو اقدر اخرجك هخرج يا أيسل وكمان اوريكي اماكن كتير في مصر هتحبيها.. بس للأسف لسه في خطر عليكي والمهمة بتاعت يوسف مخلصتش وعشان كده مضطر أخليكي هنا لحد ما أأمن حياتك كويس.
ألتمع الحزن بحدقتيها، بينما ابتسم حمزة في مكر يردف:
_ عايزة تشوفي الناس.. زهقتي من حمزة!
حركت رأسها نافية سريعًا تندفع بكلماتها قائلة:
_ لا لا لا والله مزهقتش منك خالص بالعكس أنت بتهون عني كتير.
زحفت ابتسامة لشفتيه ولكن غصة ألمت قلبه وهو يعلم إن انهى يوسف مهمته لن يكمل حياته معها وسيتركها، لا يعلم كيف تعلق بها ولكن هو بالنهاية في مهمة ولابد من أن يمنع مشاعره، نهض من مكانه يردف سريعًا بعدما نظر بساعته:
_ طب هروح اجيب فطار بسرعة لأن كده هتأخر على الشغل وأنا سرحان هنا.
غمز بعينيه مغادرًا الغرفة، بينما ضحكت أيسل في خجل تملك منها، تتمنى أن تنتهي تلك المهمة وتصبح حرة، أو تصبح زوجته، ولكن لكل طريق صخرة ضخمة توقعه دون رحمة، فكيف ستعبر منها وهي لم تعبر الصخرة الأولى!
***
عادت من تذكرها تتمتم في سعادة:
- يارب تفضل كده يا حمزة.
****
سار أمام رجاله في هدوءٍ مخيف، منهم من يشعر بالخوف، ومنهم من يشعر بالتوتر والتعجب، ولكن بلحظة رفع مسدسه امام أحدهم وقام بقتله، يهمس بصوتٍ فحيح مخيف:
_ اللي هيفكر يخوني تاني زي ما *** عمل مش هخليه يلحق يموت بس هيتمناه وهيحاول يعمله يمكن يخلص على نفسه من اللي هعمله فيه.
تراجع الرجال للخلف، ثم توجه نحو زميلهم الذي ساعد يوسف على الدلوف لهم وأخذ سدرا منهم، وحمله بعد اوامر مساعد سليم، غادروا حاملين اياه، بينما اردف سليم في برود:
_ فين سدرا؟
ازدرد المساعد حلقه متمتمًا:
_ للأسف الاتصال انقطع عند الشقة اللي كانت قاعدة فيها ومنعرفش راحت فين!
تهدجت أنفاس سليم بشدة، حتى صرخ في غضب يدمر ما يقف أمامه، ثم اردف بنبرة تحمل وحشية مخيفة:
_ تقلب القري اللي حولينا وتجبهالي.. سدرا ليا أنت فاهم!
حرك رأسه سريعًا، ثم غادر من أمامه، هو يعلم أن سليم لم يخدعه أحد بسهولة، ولكن جاء هذا الوحش واوقعه بفخه، ولكن استطع سليم كشف عن مساعد يوسف بعدما اخبار الرجال بأن يبحثوا عنها ثم راقبهم بالكاميرات الموجودة بالمكان ورأي أحدهم يتصل بيوسف ويخبره بأنهم يبحثون عنها، وقف سليم يتطلع حوله في جنون ثم امسك بهاتفه يرسل لباقي منظمة الأفعى بأن سدرا تحمل سر تشغيل هذا البرنامج، وأغلق هاتفه يبتسم في جنون قائلًا:
_ كده مش هتبقى ليا بس أنتِ المنظمة كلها هتجيبك!
****
مرت عدة أيام لم يستطع آدم الحديث مع تاليا، يحاول الالتزام بهذا الاتفاق الذي وضعه والده، بينما بقى يوسف إلى جوار سدرا يساعدها قدر المستطاع، حتى شعرت بأنها تحسنت وتستطيع المشي ولكن ليس بسرعة، بينما كاد سليم أن يجن من عدم معرفته بمكان سدرا.
**
حمل يوسف قدحين من الشاي، يجلس جوار سدرا بحديقة المنزل، كلاهما يتأمل السماء، في صمت يأخذهما عالم خاص بهما، قاطعت سدرا هذا الصمت متمتمة في اشتياق:
_ بابا زمان كان يوديني البلد عشان اشوف الزرع زي كده واجري كتير فيه والعب براحتي وبـ حرية.. ربنا يرحمه.
:_ ربنا يغفرله ويسامحه ويجعل مثواه الجنة.
قالها يوسف في ألم ظهر به، يستطرد حديثه بغصة أليمة:
_ ويرحم عليتي كلها.
صُدمت سدرا من حديثه، ونظرت له في ذهول، بينما ابتسم يوسف في حزن يردف بنبرة متألمة:
_ بعد ما دخلت الكلية عيلتي كانت مسافرة وعملوا حادثة وماتوا كلهم مبقاش غيري بس عايش.
شعرت سدرا بمدى ألمه، لم تعلم كيف فعلتها ولكن هما الأثنان بتلك الواحة المؤلمة، ربتت على ظهره في حنو قائلة:
_ ربنا يرحمهم يارب.
حرك رأسه يأمن خلفها، ثم نظر لها قليلًا تمتلئ حدقتيه عشقًا قائلًا:
_ ربنا عوضني بيكِ يا سدرا وبقيتي ليا كل حياتي.
لم تستطع منع ابتسامتها ولكن تلون وجهها خجلًا من كلماته، نهضت من جواره بعدما شعرت بـ نسمة من الهواء اتية، نظرت له قائلة في سعادة:
_ هقف في النص كده اشم الهوا اللي جاي عايزة احس بحرية.
اشار لها بالذهاب مانحًا إياها ابتسامة، وبالفعل انطلقت بخطواتٍ بطيئة تقف وسط هذا الحقل المليء بالعشب الأخضر الطويل تغمض عيناها في استمتاع، تبتسم في سعادة امتزجت بحبٍ لن تستطع اخفاؤه، تحتضن نسمات الهواء باردة، وكأن هذا الهواء ماء يطهر فؤادها من الجراح.
توقفت أنفاسها ولكن ليست هي فقط بل انفاسه هو الأخر فجأة يرى هذا المسدس مصوب في جبينها، وهو يبتعد عنها بثلاثة امتار، في حين فتحت حدقتها تتطلع للواقف أمامها فما كان سوى سليم الذي أردف بنبرة جنونية:
_ قولتلك أنتِ ليا وبس.
يتبع.
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
( نهاية لـ البلادونا، والأفعي البيضاء 2 )
ربما الثبات بتلك اللحظة يصبح سلاح ذو حدين إما الموت أو النجاة، استدار يتطلع للرجل الواقف خلفه، يحمل بندقيته بين يديه، عيناه تمتلأن بغضبٍ منه، يشعر بيد سدرا التي ترتجف حول عنقه، هبط في حذر ينزل سدرا ببطء أسفل نظرات هذا الغريب يساعدها على الوقوف، بينما كانت تتشبث به، لا تفكر سوى بأنها لا تريد أن تفقده يكفي ما ذهب، لا تريد أن تفقد المزيد!
اصبح الفراق وحشًا قاسي، يزحف بحياتها في خفاء، يلتهم واحد تلو الأخر من أحبابها، حتى تقف بالساحة وحيدة تنتظر أن يلتهمها ولكن لن يفعلها فقط ينظر لها ويتمتع بملامحها التي تصرخ ألمًا من ندوبٍ باتت تحفر بداخلها دون رحمة، يتلذذ بيدها التي تحيطها لعلها تمنع وحدتها ولكن لن تستطيع فتنهمر دموعها تستغيث لأحد أن ينشلها من بئرٍ إلتهمها، لا تريد ان تشعر بهذا الظلام الذي حاوطها من قبل ومنعها من التنفس، لا لن تعود لهذا العالم مجددًا حتى لو كلف الأمر روحها المرهقة من مناضرة في تلك الحرب.
حرك يوسف يده محاولًا أن يهدئه ولكن رفع هذا الرجل بندقيته يستعد لضرب، أسرعت سدرا تحضن يوسف في خوف، تتشنج في عنف لاحظه يوسف، امسك بكفها في قوة، يهمس بنبرة دافئ لعلها كانت نسمة خفيفة تلحف قلبها الملتاع:
_ متخفيش يا سدرا.. مش هيحصل حاجة أنا بوعدك!
هدأ تشنج جسدها، بينما تحدث يوسف بالإيطالية مع الرجل الذي ظهر من نبراته انه غاضب وبشدة، لم تفهم سدرا كلمة مما يتفوه بها الأثنان ولكن تفهمت لغة واحدة وهي لغة الجسد، فقد بدأت أن تلين معالم وجهه، يتحدث برفقٍ أكثر حتى أشار له بأن يأتي، ابتسم له يوسف في امتنان ثم تتطلع نحو سدرا يتمتم في هدوء ممزوج بلين:
_ يلا يا سدرا.. هنروح مع ريتش البيت هيستضفنا عنده.
تطلعت نحوه في تعجب، ثم حاولت أن تسير ولكنها شعرت بألم عنيف أصاب قدمها، حمل يوسف الحقيبة على ظهره ثم مد يديه يحملها في رفق كي لا تتألم، لم تستطع سدرا أن تتحدث بل انشغل عقلها بهذا الألم الذي انفجر فجأة بقدمها، سار سويًا حتى وصلا لمنزل بسيط للغاية يحمل ملامح هادئة، دلف يوسف حاملًا سدرا بين يديه، حتى اتت سيدة كبيرة بسن تستقبلهما في حبور شديد، سار معهم ريتش نحو غرفتهما بعدما علم أنهم زوجان ودلفا لها ثم تحدث ريتش ليوسف يخبره ببعض الجُمل الصغيرة وغادر الغرفة، وضع يوسف سدرا على الفراش متعجبًا من صمتها، نظر لمعالم وجهها ليجدها تتشنج في ألم، هبط لمستواها ثم مد يديه يزيل هذا الرباط في هدوء ممزوج برفقٍ، في حين تألمت سدرا حتى صدر منها أنين.
نظر لها يوسف في حزن يردف وهو يُقِع ألمها على عاتقه:
_ استحملي معلش يا سدرا.. أنا آسف لكل اللي بتتعرضي ليه بس لو بأيدي اخفيكي عن المنظمة هعملها.
اعدت رأسها للخلف تغمض عيناها في ارهاق، تردد بنبرة يأسه:
_ متتأسفش كل حاجة بتحصل ليها حكمة.. أو ممكن ابتلاء واختبار ولسه مخلصش.. ربنا يمدنا بالصبر.
فتح يوسف حقيبته يخرج هذا الكريم وحبة دواء، مد يده بحبة الدواء ومعها زجاجة بلاستكية بها ماء يردد:
_ خدي دي هتسكن الألم شوية.
تناولتها سدرا عنه ثم أخذتها سريعًا لعلها تسكن ألم قدمها، ابتسمت في حزن تتمنى أن يصبح هناك دواء يسكن ألم قلبها، ولكن هيهات والأمنيات لا تتحقق، نظرت نحو قدمها لتجد يوسف يضع بعض الكريم ( مرهم) عليه في حذر شديد، يعتني بها وكأنها طفلته، ولكن قلبها لا يزال يحمل جرحًا لم يشف بعد مما فعله، كلما رأت كلمة مسامحة تجسد هذا الموقف الأليم امام حدقتيها وكأنه شريط فيلم يعرض أمامها، فاقت من شرودها على صوت يوسف يتمتم بنبرة هادئة:
_ مكنش في حل قدامي يا سدرا.. أول يوم جيتي فيه الحارة ساعة ما اتخطفتي خرجتك منها بسرعة عشان المنظمة متعرفش أنك من الحارة وتخلص عليكي.. بس للأسف أيسل لما حكت ليكِ كل حاجة وسمير عرف كانت اكبر مشكلة وكده أنتِ دخلتي المنظمة.. كان ممكن تخرجي لو أيسل مقلتش الباسورد بتاع البرنامج ليكِ.. بس للأسف كنتِ عرفتي.. وكنت وقتها بحاول احميكي منهم واخرجك من الحارة والمنظمة.. واتجوزتك عشان لو سليم عرف ياخدك اعرف ارجعك واحميكي بالسفارة بس زاد حبي ليكِ أكتر وقررت لما المهمة تخلص اعرفك شخصيتي الحقيقية و لسوء الظروف اللي وقعت عليكي سمير جه ووقعك بالكلام وعرف أنك معاكِ الباسورد وبعت لـ سليم فبتالي أيسل لو اتقتلت أو لاء مش هتفرق معه قد ما كان عايزك.. وبعت ليا جواب بعد ما رجعنا من البيت التاني بأني ابقى العضو السادس في المنظمة مقابل أني أسلمك.. فكرت كتير وكنت محتاج ادخل معهم.. زائد أني لو رفضت كانت المنظمة كلها هتحاول تقتلني وتاخدك غصب عشان تشغلي البرنامج وبعدها هيقتلوكي ويقتلوا عيلتك او حد ليه علاقة بسدرا بمعني أصح كانوا هيخفوا تاريخ سدرا من الدنيا كلها، واللي هيحميكي منهم واحد منهم وهو سليم لأنه لو كان عايز يقتلك كان عملها من أول يوم شافك فيه بس سابك ومعني كده أنه بيحميكي فكان لزمًا أسلمك غصب عني.. أنا كنت بموت وأنا مش لقي حل غير أني أسلمك ليه.. واتفقت معاه وقررت أسلمك وارمي يمين الطلاق بس من غير مأذون.. وفضلت متابعك لحد ما وصولتوا هناك و بعت ليه رسالة بسرعة أني ممكن ارجعك واطلبك في السفارة لو مسبش البلادونا وفعلا اتفقنا وسلمني البلادونا اللي وقعتها حاليا.. بس قررت اخليكي معايا انا وقتها.. واخدتك.. وسليم قالب الدنيا عليكي.. هي دي الحكاية يا سدرا من أولها لأخرها.
اغرورقت الدموع حدقتيها، لم يتحكم بها سوى هذا الشعور المؤلم وهو الخذلان، نظرت لحدقتيه اللتان تتأملنها في حزن دفين، تردف بنبرة مبحوحة بعدما تراكمت الآلام فوقها:
_ أنا مش قادرة أمنع شعور الخذلان يا يوسف.. أنت وجعتني اوي وقتها.. عارف لو كلمة اتقالت بدون قصد والشخص اللي سمعها عارف انها اتقالت بدون قصد بس في النهاية النتيجة واحدة وهي أنك اتجرحت أوي.. هو دا حالي أنا عارفة أن كل الظروف غصب.. بس انا أتوجعت منك لدرجة تخليني عايزة اختفي عن الكل.. أنا تعبانة اوي ومش عارفة لو كل دا خلص أنا هكمل حياتي ازاي.. فأرجوك لما نرجع تطلقني يمكن اقدر ارجع ولو جزء صغير مني.
أغمض يوسف عينيه في ألم بات يحرقه من الداخل، بينما أراحت سدرا رأسها ثم غطت في سُبات تحاول الهروب من واقعها المؤلم، وكأنها طفلة تبتعد عما يخيفها، بينما غطها يوسف جيدًا ثم خرج يقف بالشرفة، يشتم نسمات الهواء الباردة، ربما تطفئ تلك النيران التي اندلعت بداخله، أصبح كغابة محترقة لن ينتهي ألمها بل يمتد حريقها حتى يقضي عليه، زفر في بطء يتذكر حديثه مع حمزة عندما أخبره بالانتهاء من البلادونا..
*
:_ خلاص يا يوسف البلادونا خلصت شمعنا الأماكن التخزين بتاعتها وأمنا الأماكن اللي بتسلم فيها.. وسيطرنا على الموقع بتاعها.. كده دورك في الأفعى البيضا.
قالها حمزة في سعادة، بينما تلقى يوسف كلماته في صمت يمتلئ بالحزن، يردف في هدوء تفهمه حمزة:
_ ان شاء الله أخلص المهمة دي.
تنهد حمزة بعدما استمع لنبراته الحزينة، يردف في هدوء:
_ معلش يا يوسف عارف أنك شيلت حمل ازيد من طاقتك وضحيت كتير عشان المهمة دي تكمل.. بس هانت يا صحبي وقعنا واحدة والباقي قرب نهايته خلاص.
ازدرد حلقه في غصة أليمة، يردف بصوتٍ تجرع آلام عنيفة:
_ أنا هنتقم منهم واحد واحد يا حمزة.. سبت مراتي بالقوة يا أما أخسرها للأبد يا أما اسيبها والاتنين أصعب من بعض.. أنا عمري ما هنسى نظرات الوجع اللي في عيونها ليا.
صمت حمزة ولم يستطع الحديث، بينما زفر يوسف في هدوء ولكن يحمل غموضًا غريب معلقًا:
_ سبني دلوقتي يا حمزة خليني اكمل شغل.
*
فاق من شروده على صوت الباب، استدار يتقدم منه ليفتح ويرى من، ليجده ريتش صاحب المنزل يدعوه للعشاء، حرك رأسه في ايجابية مانحًا إياه ابتسامة ثم انطلق لإيقاظ سدرا كي تصبح امام عيناه، وبالفعل استيقظت معه وأثناء سيرهم هتف يوسف في هدوء وتملك:
- مش هقدر اطلقك يا سدرا حاولي تديني فرصة.
شعرت ببعض السعادة وهي ترى تمسكه بها، ولكن سارت دون أن تردف كلمة واحدة.
***
جلس شاردًا بما حدث بينهما، منذ أن اختفت ابنة شقيقته وقلبه يتأكل من القلق، حدقتيه لم تذقا حلوة النوم وأحلامه بل مرارته وكابوسه، تذكر كلماته وهو يعده بأنه سيعيدها ولكن لابد من أن يوافق على زوجهما..
*
:_ سدرا حاليًا حياتها وحياة كل اللي عايشين معاها في خطر.. ومحدش هيقدر يحميها غيري بعد ربنا طبعًا.. بس لزمًا اتجوزها.
قالها يوسف في هدوء، بينما تعجب جلال من طلبه قائلًا:
_ وايه علاقة جوازكم بالموضوع؟
اجابه في هدوء:
_ لأن سليم كان عايز يتجوزها في البداية ويدخلها واحدة واحدة معاه المنظمة.. بس لما عرفت الحقيقة كاملة ودخل الحارة اللي أنا فيها وطبعًا محدش يقدر يدخلها إلا بأذني قرر يلعب على المكشوف ولو في أي لحظة سليم خد سدرا وهي مش على ذمتي ممكن يتجوزها غصب ولو رجعتها مصر هيطلبها في السفارة وساعتها هترجع بالقانون غصب عن الكل وسليم وقتها يقتلها يخليها عايشة هو حر.. فلزمًا تبقى على ذمتي عشان أعرف ارجعها مصر لو حصلها شيء.
تطلع له جلال قليلًا ثم أردف بنبرة متألمة:
_ موافق تتجوزها.
نهض يوسف وهو يشعر براحة من موافقته، يستطرد حديثه قائلًا:
_ سدرا متعرفش أني ظابط مخابرات.. اللي تعرفه أن اسمي وحش ومجرم لما يتيجوا تزورها محدش يعرفها حاجة.
حرك جلال رأسه في ايجابية، ولكن يحمل كم من الأحزان لم يحملها من قبل، ربت يوسف على كتفه مبتسمًا في هدوء:
_ متقلقش يا عمي سدرا هحميها على قد ما اقدر.. هي هتبقى مراتي.
تعجب جلال من كلماته، بينما استرسل يوسف حديثه:
_ لأن أصلا كنت عايز اتقدم ليها من يوم ما اتخطفت.. بس حكم شغلي وقفت لحد ما اخلص مهمتي.. ولكن الظروف جمعتنا تاني ببعض وكنت هرجعها بس للأسف هي دخلت في الدايرة دي وصعب تخرج وعشان كده طلبت اتجوزها دلوقتي لحد ما ارجعهالك تاني سليمة وساعتها اتقدم رسمي وبشخصيتي الحقيقية.
ابتسم له جلال في حزن، يردف بنبرة ممتنة:
_ ربنا يباركلك يابني.. ويقدرك ترجعها ليا بالسلامة.. دي أمنة عندي لحد ما أموت.
*
فاق من شروده على صوت فريال تناديه، نظر لها في وهن ثم أردف:
_ ايوة يا فريال!
تطلعت له في حزن، تعلم جيدًا أين ذهب تفكيره، فهي تعلم الحقيقة كاملة، اردفت في تساؤل ربما تبعد تفكيره بهذه النقطة:
_ ليه مقولتش لآدم أن تاليا فاقدة الذاكرة؟
تطلع لها في وهن، يجيبها بنبرة متألمة:
_ عشان بقيت خايف اخد خطوة ادمر بيها بنتي التانية.. كفاية الأولانية مش عارفة هترجع امتي ولا هشوفها ازاي! خايف لما تفتكر حالتها النفسية تبوظ وسدرا مش معها تسندها، خايف على بنتي يا فريال ليحصلها حاجة.. أنا بقيت تايه الراجل بيكلمني وانا مليش نفس اكلمه وعشان مكسرش فرحة تاليا خليته و كلمته وكمان عشان يوسف قالي امشي الدنيا عادي.. لأنهم ممكن يهددوها بينا فلزمًا اظهر الفرحة واننا عادي زعلنا يومين وخلاص.
ادمعت عين فريال مما هم فيه، فهي الأخرى لا تعلم إن علم آدم أنها فاقدة الذاكرة ماذا سيفعل؟ فيكفي ما حد بزواجها السابق، والآن ماذا؟ تمتمت بنبرة حزينة:
_ اعتقد كده أحسن عشان لو عرف وقالها حاجة او سابها فجأة مش عارفين هيحصلها ايه، بالأخص لو تاليا رجعت ليها الذاكرة مش عارفين رد فعلها ايه!
صمت جلال ولكن تلك الغصة الأليمة العالقة بحلقه تجعله يتخذ الصمت افضل حل له، يشعر بفقدان جزءًا هامًا بحياته، رحيل ابنته هي ابنته لا يشعر سوى بذلك الشعور ليست فقط ابنته شقيقته، فـ بلحظاتٍ نتمنى أن نغلق أهدابنا لعلنا ننسى تلك الفترة المؤلمة ولكن هذا الجرح العالق بداخلنا لن يسمح بأن نتجاوزها.. أما أن نتواكب معه أو نندثر بعدها فنصبح رماد يتطاير مع نسمات هواء خفيفة.
****
شعورٌ بالاهتمام انغمس به، جعلها تتمنى أن ترتشف منه المزيد، فبالرغم من علمها بما يفعله ولكن هي تتعطش لهذا الشعور، تذكرت شكله على المقعد نائما من الارهاق بعدما قضي الليل بأكمله في القيام بكمداتٍ، ابتسمت ببعض الحياء متذكرة كلماته لها:..
*
:_ حمزة.. حمزة!
قالتها وهي تزيل تلك القطعة من القماش، بينما فتح حمزة عيناه في ارهاق، يدلك رقبته مما حدث بها بعد غفتله الخاطئة، اردف متسائلا:
_ بقيتي احسن؟
حركت رأسها تبتسم في خجل، تُعيد خصلات شعرها للخلف، بينما أكمل حمزة يبتسم في هدوء متمتمًا:
_ طب الحمدلله.. قلقتني عليكي بليل!
لا تعلم ماذا تردف بتلك اللحظة، هي تختبر مشاعر جديدة، كلماتٌ لم تسمعها من قبل، اهتمامٌ احتوى قلبها الصغير الخائف. نهض حمزة يبتسم في حماس قائلًا:
_ هروح نجيب فطار عشان نفطر سوا وارجع.
نظرت له في حرج، تريد شيئًا ولكن لا تعلم هل سيوافق أم لا؟ ، شعر بها حمزة وعاد يجلس يردف في حنو:
_ عايزة حاجة يا أيسل؟
فركت يدها في توتر، تردف بنبرة حزينة:
_ نفسي اشوف الشارع.. الحبسة دي بتفكرني باللي بيعملوه فيا هناك.. مكنوش بيخلوني اشوف شكل الشمس.. عايزة اخرج واشم هوا وارجع تاني.
زفر حمزة في هدوء ثم أردف بنبرة دافئة لمست فؤادها:
_ لو اقدر اخرجك هخرج يا أيسل وكمان اوريكي اماكن كتير في مصر هتحبيها.. بس للأسف لسه في خطر عليكي والمهمة بتاعت يوسف مخلصتش وعشان كده مضطر أخليكي هنا لحد ما أأمن حياتك كويس.
ألتمع الحزن بحدقتيها، بينما ابتسم حمزة في مكر يردف:
_ عايزة تشوفي الناس.. زهقتي من حمزة!
حركت رأسها نافية سريعًا تندفع بكلماتها قائلة:
_ لا لا لا والله مزهقتش منك خالص بالعكس أنت بتهون عني كتير.
زحفت ابتسامة لشفتيه ولكن غصة ألمت قلبه وهو يعلم إن انهى يوسف مهمته لن يكمل حياته معها وسيتركها، لا يعلم كيف تعلق بها ولكن هو بالنهاية في مهمة ولابد من أن يمنع مشاعره، نهض من مكانه يردف سريعًا بعدما نظر بساعته:
_ طب هروح اجيب فطار بسرعة لأن كده هتأخر على الشغل وأنا سرحان هنا.
غمز بعينيه مغادرًا الغرفة، بينما ضحكت أيسل في خجل تملك منها، تتمنى أن تنتهي تلك المهمة وتصبح حرة، أو تصبح زوجته، ولكن لكل طريق صخرة ضخمة توقعه دون رحمة، فكيف ستعبر منها وهي لم تعبر الصخرة الأولى!
***
عادت من تذكرها تتمتم في سعادة:
- يارب تفضل كده يا حمزة.
****
سار أمام رجاله في هدوءٍ مخيف، منهم من يشعر بالخوف، ومنهم من يشعر بالتوتر والتعجب، ولكن بلحظة رفع مسدسه امام أحدهم وقام بقتله، يهمس بصوتٍ فحيح مخيف:
_ اللي هيفكر يخوني تاني زي ما *** عمل مش هخليه يلحق يموت بس هيتمناه وهيحاول يعمله يمكن يخلص على نفسه من اللي هعمله فيه.
تراجع الرجال للخلف، ثم توجه نحو زميلهم الذي ساعد يوسف على الدلوف لهم وأخذ سدرا منهم، وحمله بعد اوامر مساعد سليم، غادروا حاملين اياه، بينما اردف سليم في برود:
_ فين سدرا؟
ازدرد المساعد حلقه متمتمًا:
_ للأسف الاتصال انقطع عند الشقة اللي كانت قاعدة فيها ومنعرفش راحت فين!
تهدجت أنفاس سليم بشدة، حتى صرخ في غضب يدمر ما يقف أمامه، ثم اردف بنبرة تحمل وحشية مخيفة:
_ تقلب القري اللي حولينا وتجبهالي.. سدرا ليا أنت فاهم!
حرك رأسه سريعًا، ثم غادر من أمامه، هو يعلم أن سليم لم يخدعه أحد بسهولة، ولكن جاء هذا الوحش واوقعه بفخه، ولكن استطع سليم كشف عن مساعد يوسف بعدما اخبار الرجال بأن يبحثوا عنها ثم راقبهم بالكاميرات الموجودة بالمكان ورأي أحدهم يتصل بيوسف ويخبره بأنهم يبحثون عنها، وقف سليم يتطلع حوله في جنون ثم امسك بهاتفه يرسل لباقي منظمة الأفعى بأن سدرا تحمل سر تشغيل هذا البرنامج، وأغلق هاتفه يبتسم في جنون قائلًا:
_ كده مش هتبقى ليا بس أنتِ المنظمة كلها هتجيبك!
****
مرت عدة أيام لم يستطع آدم الحديث مع تاليا، يحاول الالتزام بهذا الاتفاق الذي وضعه والده، بينما بقى يوسف إلى جوار سدرا يساعدها قدر المستطاع، حتى شعرت بأنها تحسنت وتستطيع المشي ولكن ليس بسرعة، بينما كاد سليم أن يجن من عدم معرفته بمكان سدرا.
**
حمل يوسف قدحين من الشاي، يجلس جوار سدرا بحديقة المنزل، كلاهما يتأمل السماء، في صمت يأخذهما عالم خاص بهما، قاطعت سدرا هذا الصمت متمتمة في اشتياق:
_ بابا زمان كان يوديني البلد عشان اشوف الزرع زي كده واجري كتير فيه والعب براحتي وبـ حرية.. ربنا يرحمه.
:_ ربنا يغفرله ويسامحه ويجعل مثواه الجنة.
قالها يوسف في ألم ظهر به، يستطرد حديثه بغصة أليمة:
_ ويرحم عليتي كلها.
صُدمت سدرا من حديثه، ونظرت له في ذهول، بينما ابتسم يوسف في حزن يردف بنبرة متألمة:
_ بعد ما دخلت الكلية عيلتي كانت مسافرة وعملوا حادثة وماتوا كلهم مبقاش غيري بس عايش.
شعرت سدرا بمدى ألمه، لم تعلم كيف فعلتها ولكن هما الأثنان بتلك الواحة المؤلمة، ربتت على ظهره في حنو قائلة:
_ ربنا يرحمهم يارب.
حرك رأسه يأمن خلفها، ثم نظر لها قليلًا تمتلئ حدقتيه عشقًا قائلًا:
_ ربنا عوضني بيكِ يا سدرا وبقيتي ليا كل حياتي.
لم تستطع منع ابتسامتها ولكن تلون وجهها خجلًا من كلماته، نهضت من جواره بعدما شعرت بـ نسمة من الهواء اتية، نظرت له قائلة في سعادة:
_ هقف في النص كده اشم الهوا اللي جاي عايزة احس بحرية.
اشار لها بالذهاب مانحًا إياها ابتسامة، وبالفعل انطلقت بخطواتٍ بطيئة تقف وسط هذا الحقل المليء بالعشب الأخضر الطويل تغمض عيناها في استمتاع، تبتسم في سعادة امتزجت بحبٍ لن تستطع اخفاؤه، تحتضن نسمات الهواء باردة، وكأن هذا الهواء ماء يطهر فؤادها من الجراح.
توقفت أنفاسها ولكن ليست هي فقط بل انفاسه هو الأخر فجأة يرى هذا المسدس مصوب في جبينها، وهو يبتعد عنها بثلاثة امتار، في حين فتحت حدقتها تتطلع للواقف أمامها فما كان سوى سليم الذي أردف بنبرة جنونية:
_ قولتلك أنتِ ليا وبس.
يتبع.