اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم رانيا ممدوح



                                              
سارت بدر بخطواتٍ متسارعة نحو الخيمة الخلفية، ملامحها متوترة، وعيناها تشعّان قلقًا كبرقٍ يوشك أن يضرب. تبعها عبد ربه في صمتٍ، يعرف أن الحديث معها في مثل هذه اللحظات يشبه السير على حافة سيف. وحين اختليا، التفتت بدر إليه، وصوتها يقطر توترًا وهي تضع يديها على خصرها، كمن تحمل جبالًا فوق كتفيها قالت بدر، بحدةٍ خافتة:
"إيه... يعني... لازم أدبح الخروف بإيدي؟"
خرجت كلماتها مرتعشة، كأنها لا تصدّق ما يُفرض عليها.

3


أطرق عبد ربه برأسه قليلًا، ثم رفع عينيه إليها بثبات، ووجهه يحمل صرامةً تليق بمستشار وفيّ، وقال بلهجةٍ لا تحتمل النقاش:

+


"آه... بما إنك شيخة القبيلة، دي عادة عندهم، ولازم تلتزمي بيها قدام الناس."

2


ارتعشت أنفاس بدر، وبدت نظراتها كمن يحارب بين ما يمليه عليه قلبه وما تفرضه التقاليد. خطت خطوة إلى الأمام، ورفعت رأسها بتحدٍّ، لكن في عينيها سحابة خوف، وقالت بصوتٍ يحمل مرارةً عميقة:

+


"طب... وهعمل إيه؟! أنا قلت هروح... وماينفعش أرجع في كلامي دلوقتي. لو عملت كده، كل القبايل هتتكلم إني ماليش كلمة ولا مبدأ. هيقولوا بدر خانت وعدها، وإنها مش قد مكانها."

1


اقترب منها عبد ربه خطوة، حاجباه معقودان، وصوته حازم كأنه يضعها أمام مفترق طرق:

+


"يعني هتدبحي الخروف بيدك؟ ولا هتخلي أمان مكانك زي كل مرة؟"
كان في نبرة صوته مزيج من القلق والتحذير، وكأن قلبه يخشى عليها أكثر مما يخشى من القوانين.

+


زفرت بدر بقوة، وعيناها اشتعلتا بالغضب والاضطراب، ثم لوّحت بيدها بعصبية:

+


"ماينفعش... لأ! أنا لازم أظهر بوشي قدامهم. كل مرة أستخبى ، و أمان يبان مكاني؟ لأ، المرة دي مش هسمح بده ، أفرض طلبوا منه يخلع لثامه."

4


ظل عبد ربه يحدق فيها، وجهه متجهم، وكأنه يبحث عن مخرجٍ من مأزقٍ تتشابك خيوطه، وقال بصوتٍ خافتٍ يحمل رجاءً خفيًا:

+


"طب والعمل إيه؟"

+


تراجعت بدر قليلًا، وكأنها تبتعد عن فكرة لا تحتملها روحها، ثم همست بصوتٍ مبحوح، بينما عيناها تتأرجحان بين التصميم واليأس:

+


"سيبها بظروفها... وقتها ممكن نشوف هنعمل إيه."

2


ساد صمت ثقيل بينهما، صمت يشبه السكون الذي يسبق العاصفة. عبد ربه يعلم أن الأمر أخطر مما تتصوره، وأن الليلة القادمة قد تكون فاصلة بين مجد القبيلة أو انهيارها، أما بدر فكانت تُخفي خلف صلابتها قلبًا يرتجف من فكرة أن تلطخ يديها بالدماء أمام أعين الجميع.

+


كانت السماء في ذلك النهار صافية، والشمس تتلألأ كجوهرة ذهبية معلقة في صدر السماء، بينما انتشرت رائحة القهوة والبهارات في الهواء الدافئ الذي يغمر مضارب القبيلة. على أطراف الساحة الكبيرة، حيث يعلو ضجيج الرجال العاملين في الخارج وتحضيرات الغداء، جلست ليلى وحسناء في جانبٍ هادئٍ بعيد عن الأنظار في المنزل، كأنهما تبتعدان عن ضوضاء العالم لتخلوان بأحاديث القلب.

+



                                      


                
كانت ليلى تمسك بقطعة قماش صغيرة في يديها، تعبث بها بقلق، بينما تتسع عيناها كلما فكرت في الليلة المقبلة. فجأة، أطلقت ضحكة خفيفة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا، ثم التفتت إلى حسناء، وقالت وهي تغمز بعينيها:

+


"تفتكري الست بدر هتقدر تدبح الخروف بنفسها؟"
قالتها وهي تكتم ضحكة ارتجفت على شفتيها، وكأنها لا تستطيع تصوّر الموقف.

3


قهقهت حسناء بصوتٍ مرتفع قليلاً، وقد وضعت يدها على فمها محاولة كتم الضحك، ثم هزّت رأسها بقوة، وملامحها تفيض يقينًا:

+


"لا طبعًا! ولا حتى تقدر تدبح فرخة!"
قالتها وهي ترفع حاجبيها باستنكار، ثم انحنت نحو ليلى وكأنها تسرّ لها سرًا، لكن في عينيها بريق مرح.

1


زاد ضحك ليلى، وكأن خيالها راح ينسج صورة مضحكة في رأسها، ثم أردفت بصوتٍ متقطّع من شدة الضحك:

+


"ده أنا سمعت كمان إن بعض الشيوخ بيرفعوا رأس الخروف لفوق، ويسيبوا الدم ينزل على لبسهم!"
قالت ذلك وهي تمثل المشهد بيديها، فازدادت ضحكتهما حتى كاد صوتهما أن يصل إلى الخدم القريبين.

2


ضربت حسناء على فخذها وهي تهز رأسها في دهشة، ووجهها يجمع بين الاستهزاء والاستنكار:

+


"كمان! دي حاجة مسخرة والله... عادات هبلة مالهاش لازمة!"

1


ارتسمت على وجه ليلى ملامح الجدية فجأة، وقد مسحت دموع الضحك من عينيها، ثم أومأت موافقة وهي تتنهد:

+


"آه والله... مش عارفة، في شوية حاجات كده لازم تنتهي وتموت. الحياة بتتقدم وإحنا بنتأخر."
كلماتها خرجت كأنها سهام، تحمل غضب السنين.

1


رمقتها حسناء بدهشة، وقد عقدت ذراعيها أمام صدرها، ثم أمالت رأسها قائلة بنبرة إعجاب ممزوجة بالدهشة:

+


"يا سلام على العقل يا ناس!"
ابتسمت وهي تحاول التخفيف من حدة حديثها، لكن في عينيها تساؤل كبير.

+


رفعت ليلى بصرها إلى السماء، وكأنها ترى هناك حلمًا بعيد المنال، ثم قالت بصوتٍ حالِم، نبراته تمزج بين الحزن والأمل:

+


"آه... أصل أنا عشت برا القبيلة وشوفت الناس عايشة إزاي. كل واحد بيسارع الزمن عشان يكون حاجة، مفيش حد بيقف من غير هدف. كل ثانية مدروسة كويس و عارفين إن اللحظة اللي هتعدي مش هترجع تاني أبدا."

2


أطلقت حسناء ضحكة قصيرة، ثم غمزتها بخفة، محاوِلة إخراجها من ذلك الجو الحالم:

+


"إيه الكلام الكبير ده؟"

1


لكن ليلى لم تتراجع، بل ازدادت عيناها بريقًا، وكأنها تستمد قوة من حلمها الكبير، وقالت بصوتٍ حازم:

+


"آه، ده كلام كبير... ونفسي الحال يتبدل. نفسي الست بدر تحقق كل حاجة، وتخرج القبيلة من التأخر اللي إحنا فيه. البيوت... والناس نفسها، والعادات والتقاليد... وكل حاجة. ونفسي التعليم يكون لينا كلنا، مش بس لبيت الحكم.
نفسي كله يتعلم ويعرف راسه من رجله."
كانت كلماتها كنبعٍ يتفجر بعد طول صمت، حتى إن عينيها امتلأتا بالدموع.

+



        

          

                
أمالت حسناء جسدها نحوها، وقد وضعت يدها على يدها برفق، وقالت مبتسمة بخفة:

+


"ده إنتي سرحتي بخيالك قوي! كل ده هتقدر الست بدر تعمله في سنتين؟"

2


رفعت ليلى رأسها بثقة، وعيناها تلمعان كجمرتين مشتعلتين، وقالت بحزمٍ لا يقبل شكًّا:

+


"هتقدر! وهتنجح! وهتعدي كل حاجة لوحدها."
كان صوتها يهزّ قلب حسناء، وكأنه نبوءة لا أمنية.

1


لكن حسناء عضت شفتها بتوتر، وظهر على وجهها قلق خافت، ثم همست وكأنها تخشى أن يسمعها أحد:

+


"وهنادي... وقبيلة الشرقاوية... وباقي القبايل اللي تحسي قارشين ملحتها من ساعة ما رجعت؟"

1


ابتسمت ليلى، ولكن ابتسامتها هذه المرة كانت هادئة، عميقة، تحمل ثقة عمياء، وقالت وهي تضع يدها على صدرها:

+


"أنا واثقة إنها هتعدي كل ده. محدش عاش مع الست بدر قدي، ولا شاف اللي شافته.
مش ببالغ في كلامي، بس بجد... بنت بميت راجل. لا بتخاف، ولا بتضعف، ولا بترجع لورا. وعندها وفاء للقبيلة، رغم إنهم مش بيقابلوها بنفس الحب والوفاء."

1


اغرورقت عينا حسناء بالدموع، فمسحتها سريعًا قبل أن تراها ليلى، ثم قالت بصوتٍ مرتجف يحمل دعاءً خفيًا:

+


"بتمنى ده يحصل... وما تيأسش أبدًا. تكمل، وعزيمتها ما تقلش... بالعكس، تزيد وتزيد."

+


خفضت ليلى رأسها، ثم قالت بصوتٍ مبحوح، وكأنها تعاتب القدر:

+


"تقدري تقوليلي ليه بتضيع عمرها ومظهرها وفلوسها... عشان إيه؟ مين يقدر يعمل كده وهي مش مضطرة تستحمل أصلا؟"

1


شهقت حسناء بخفة، وكأن الكلمات أصابتها في مقتل، ثم هزّت رأسها بأسى، وقالت:

+


"صحيح... واحدة غيرها كانت فضلت برا، وعاشت أحسن عيشة، ولا عمرها فكرت ترجع أبدًا لهنا."

1


رفعت ليلى عينيها، وفي نظرتها نارٌ متقدة، وقالت بحماسٍ صادق:

+


"ده عشان هي بنت سيدي سالم، اللي مات وهو لآخر لحظة بيدافع عنا. دمها منه، وهو وأهله تعبوا في الأرض دي سنين وسنين، ومش مستنيين مقابل من حد."

+


صمتت حسناء لحظة، ثم رفعت يديها إلى السماء وكأنها تدعو لها، وقالت بصوتٍ متهدّج:

+


"الله يعينك يا ست بدر... وتقدري تواجهي كل حاجة بعزم وصبر وقوة وشجاعة."

+


ابتسمت ليلى ابتسامة شاحبة، ثم أغمضت عينيها، وهمست كأنها تخاطب السماء نفسها:

+


"يا رب... هي تستاهل كل خير."

+


وساد بينهما سكوت، لكن هذا السكوت لم يكن فراغًا، بل كان امتلاءً بالإيمان ببدر، وبالأمل في أن يأتي اليوم الذي ترى فيه القبيلة نورًا بعد طول عتمة.

+


استفاقت نسيم من غيبوبتها، جفناها يثقلان كأنهما محملان برمال الزمن، وجسدها يئن من أثر ما مرّ به. كان قلبها يخفق بعنف، وكأنّه يريد أن يثقب صدرها، فيما صور الصباح تتقافز في ذهنها كالبرق، حادة، متلاحقة، حتى شعرت بالدوار من شدّتها. للحظة، لم تُميز بين الحلم والواقع، لكنَّ صدى اسمه  أمان  ما زال يرن في أذنيها كأنّه نقش على جدران روحها.

2



        
          

                
اقتربت منها والدتها، هنادي، بخطوات سريعة متعثرة، وعيناها متسعتان بالقلق، كأنهما بحيرتان تضجّان بالخوف. جلست إلى جانبها، وأمسكت بيدها المرتجفة، وصوتها يخرج متقطعًا:
"في إيه يا نسيم؟ مالك؟ إيه حصلك؟"

+


رفرفت أهداب نسيم وهي تحاول أن تركز في ملامح والدتها، ثم هزّت رأسها بارتباك، وصوتها يخرج خافتًا كنسيم الليل:
"مش عارفة... أنا فجأة... مادريتش بنفسي."

+


تجعد جبين سارية وهي تزداد قلقًا، فمالت بجسدها نحو اختها، تبحث في عينيها عن إجابة مخفية، وكأنها تريد أن تستخلص الحقيقة من أعماقها:
"ليه؟ شوفتي إيه؟ ولا سمعتي إيه؟"

3


لكن نسيم لم تُجب، فقد سُحبت فجأة إلى أعماق شرودها. ارتخت نظراتها، وغامت ملامح وجهها، كأنها انفصلت عن الحاضر وعادت تعيش ذلك الموقف الذي هزّ كيانها. كان صوتها ما زال يتردد في ذهنها، عميقًا، غامضًا، وهو يهمس باسمه... "أمان."

2


في محاولة لكسر الصمت الذي بدأ يثقل الأجواء، تدخلت العنود، وهي تجلس على حافة الفراش، وابتسامة باهتة ترتسم على شفتيها، محاولة تخفيف حدة القلق:
"ممكن من الشمس... فعلاً لو قعدتي كتير في الشمس أكيد هتتعبي."

1


هزّت بتول رأسها مؤيدة، وبنبرة عملية قالت:
"أيوه، ده طبيعي، الجسم لو اتعرض للشمس فترة طويلة بيتعب."

1


لكن قلب نسيم كان يصرخ في داخلها، مناقضًا كل محاولاتهم لطمأنتها. في نفسها، همست بصوت مرتجف:
"لا... مش شمس. ده أكيد مش حلم... لا لا لا... اللي أنا شوفته حقيقي... حقيقي... هو قالي اسمه أمان."

2


ارتعشت شفتاها وهي تستعيد تلك اللحظة، فبدت وكأنها على وشك البكاء، بينما الأم تراقبها بحيرة وعجز، فمالت نحوها مجددًا، وصوتها حنون لكن يتخلله القلق:
"روحتي فين؟ شكلك مش مظبوط."

+


رفعت نسيم نظرها فجأة، وكأنها قطعت حبل أفكارها، ونطقت بلهفة غير مبررة:
"هو بدر فين؟"

+


تجمدت ملامح سارية، واشتعل الغضب في عينيها وهي ترد بحدة لا تخلو من غيرة:
"إحنا اللي قلقانين عليكي مش هو، وتيجي تسألي عليه؟ إحنا مش مالين عينك؟"

2


ارتفع صوتها قليلًا، مما دفع هنادي إلى التدخل بسرعة، رافعة يديها وكأنها تريد أن توقف شجارًا وشيكًا:
"بس بس يا سارية، سيبي أختك، هي تعبانة، مش ناقصة زعل دلوقتي."

+


أما بتول، فقد نظرت إلى نسيم نظرة فاحصة، ثم قالت بهدوء وكأنها تقدم معلومة بسيطة:
"بدر برا مع العمال، أنا شوفته من شوية."

+


في تلك اللحظة، بدا وكأن شيئًا ما استيقظ في داخل نسيم. استجمعت ما تبقى من قوتها، دفعت الغطاء عن جسدها بحركة حاسمة، ونهضت رغم الدوار الذي هاجمها. كانت خطواتها متثاقلة في البداية، لكن شيئًا من الإصرار اشتعل في عينيها، جعل جسدها يستجيب.

+



        
          

                
وقفت الفتيات مذهولات، يراقبنها وهي تخرج من الغرفة، وكأنها تسير مدفوعة بنداء خفي لا يسمعه سواها. كان وجهها شاحبًا، وعيناها متوهجتين بمزيج من الخوف والبحث، بينما قلبها يردد في صمت:
"لازم أعرف... لازم ألاقيه... لازم أفهم مين هو أمان... وإيه علاقته ببدر ، وليه الاتنين زي بعض بالظبط."

2


وعندما وصلت إلى حيث توجد بدر، كان الهواء محمّلًا برائحة التراب والعرق وصوت الرجال العاملين، لكن داخلها لم يكن يسمع إلا دقات قلبها، تدق بعنف كطبول حرب تنتظر لحظة الانفجار.

+


ارتفعت صرخة نسيم فجأة، قوية وحادة، شقت الهواء كالسهم:
"بدر!"

1


تجمدت بدر في مكانها، والتفتت برأسها بسرعة، فالتقت عيناها بعيني نسيم. كان في نظرة نسيم اضطرابٌ وغليان مشاعر لا تخطئه العين، مما جعل حاجبي بدر ينعقدان في دهشة وقلق في آن واحد. لحظة صمت قصيرة مرّت بينهما، لكنها كانت كافية لتهزّ قلب بدر، ثم التفتت بسرعة نحو العامل الواقف بجوارها، وصوتها عاد متزنًا، حازمًا، وكأنها لا تريد أن يظهر ارتباكها:
"اعمل اللي قلتلك عليه."

+


أومأ العامل برأسه وانصرف، بينما أخذت بدر نفسًا عميقًا تحاول به تثبيت ملامحها، ثم خطت نحو نسيم بخطوات ثابتة، ملامحها صارمة تخفي خلفها طوفانًا من المشاعر. توقفت أمامها، وعيناها تتفحصان وجهها المشتعل بالأسئلة، قبل أن تقول ببرودٍ مصطنع:
"في إيه؟"

+


لكن نسيم لم تُجِبْها، بل اندفعت فجأة، وأمسكت بيدها بقوةٍ غير متوقعة، قوة نابعة من عزمٍ يائس، وسحبتها بعيدًا عن أعين الجميع. ارتبكت بدر في البداية، لكنها لم تقاوم، فقد شعرت أن ما سيُقال الآن ليس مما يُسمع على الملأ.

2


كانتا تسيران مسرعتين بين صفوف الأشجار حتى وصلتا إلى مكان بعيد، مهجور، لا يُسمع فيه سوى حفيف الرياح. توقفت نسيم أخيرًا، تتنفس بعمق، ثم استدارت نحو بدر، نظراتها تشتعل بتحدٍ وقلق، بينما وجهها يكسوه الشحوب، وصوتها يخرج مرتجفًا لكنه حازم:
"هنا محدش هيسمعنا؟ ممكن أفهم بقى؟"

2


رفعت بدر حاجبًا بدهشة مصطنعة، محاوِلة أن تسيطر على ملامحها، لكن في أعماقها شعرت بخوف يتسلل إليها كخيط بارد يلتف حول قلبها:
"تفهمي إيه؟"

+


كانت نظرة نسيم كالسهم، حادة، تخترق جدار التظاهر الذي تحاول بدر تشييده. تقدمت خطوة نحوها، نبرتها هذه المرة ممتزجة بالغضب والسخرية، وعينيها تضيقان كمن يكشف سراً دفيناً:
"بلاش لف ودوران، أنا تقريبًا فهمت... بس عايزة اسمعها منك."

+


شعرت بدر بارتباك ينهش روحها، لكنها أخفت اضطرابها خلف قناعٍ من الغموض، فتظاهرت بعدم الفهم، رافعة كتفيها قليلًا:
"مش فاهم برضو."

+


ضحكت نسيم ضحكة قصيرة، لكنها كانت مُرة كطعم العلقم، ضحكة ممزوجة بالخذلان والدهشة، ثم نطقت بنبرة استهزاء، وكأنها توجه سهمًا نحو قلب بدر مباشرة:
"كل قبيلة ليها شيخ... إلا قبيلتنا ليها شيخة؟!!! فهمتي كده يا بدر ؟"

4



        
          

                
اتسعت عينا بدر فجأة، كأن صاعقة سقطت أمامها. شحب وجهها، وانفلتت شهقة مكتومة من بين شفتيها، بينما قلبها يخفق كطبول حرب. ارتدت خطوة إلى الوراء، وصوتها يخرج مرتعشًا لأول مرة، مليئًا بالذهول:
"بتقولي إيه؟"

+


لكن نسيم لم تتراجع، بل تقدمت نحوها بخطوات ثابتة، وعينيها دامعتان بمزيجٍ من الحزن واليقين. مدت يدها لتقبض على كتف بدر، وكأنها تريد أن تثبت لها أنها معها لا ضدها، ثم قالت بصوت خافت لكنه يمزق الصمت كسكين:
"أنا عرفت كل حاجة يا بدر... تقدري تثقي فيا. أنا حفيدة دليلة زيك... ومستحيل أقدر أأذي القبيلة أبدًا. ريحي قلبي يا بدر... أنتي بنت... مش كده؟"

1


في تلك اللحظة، كانت الأرض كأنها توقفت عن الدوران.
تسمرت بدر في مكانها، عيناها تتسعان أكثر، كأنها كُشفت أمام مرآة لا ترحم. شفتاها ترتجفان، تحاولان تكوين كلمات لكنها تتبخر قبل أن تولد. شعرت وكأن كل السنوات التي قضتها في إخفاء سرها قد انهارت فجأة، وأصبحت عارية أمام نسيم، بلا حيل ولا أقنعة.

+


أما نسيم، فكانت تحدق فيها بعينيها المليئتين بالرجاء، وفي قلبها صراع هائل بين الخوف والفضول، تنتظر لحظة الاعتراف التي ستغير كل شيء، لحظة الحقيقة التي لا عودة بعدها.

+


تراجعت بدر إلى الوراء خطوة واحدة، ملامحها جامدة، لكنها كانت تخفي خلف ذلك الجمود زلزالًا يوشك أن يُسقط كل ما بنته على مر السنين. حاولت أن تسيطر على ارتجاف صوتها، فتكلمت ببرودٍ متكلف، وهي تدير وجهها مبتعدة عن نظرات نسيم الثاقبة:
"ده كله من خيالك... شكلك تعبانة."

1


ثم استدارت بخطوة حاسمة، كمن يريد أن يهرب قبل أن ينكشف، إلا أن صوت نسيم جاء خلفها كالطلقة، قويًا، ثابتًا، يطعنها في الصميم:
"وأمان كمان... من وحي خيالي؟"

2


توقفت بدر فجأة، وكأن الأرض قد جمدت تحت قدميها. ارتعشت أنفاسها، وشعرت بدمائها تغلي في عروقها. التفتت ببطء، وعينيها تتسعان في مزيج من الدهشة والذعر، كأنها سمعت اسمًا محرّمًا. صوتها خرج منخفضًا، متقطعًا، كمن يواجه شبحًا:
"عايزة إيه؟ الكلام ده بتقوليه ليه ؟ جبتيه منين ؟ شكلك تعبانة روحي نامي و استريحي"

1


اقتربت نسيم منها بخطوة واثقة، وجهها صارم، لكن عينيها تلمعان بعاطفة جياشة، وصوتها يحمل رجاءً لا يخلو من الإصرار:
"عايزة أعرف الحقيقة  ، و أنا مش تعبانة يا بدر و مسئولة عن كل كلمة بقولها و متأكدة إن شكي في محله."

1


ظلّت بدر صامتة لحظة، تنظر إليها وكأنها تزن كلماتها في عقلها، ثم سألت، بمرارة مشوبة بالخوف:
"شكيتي إزاي؟"

1


رفعت نسيم ذقنها بشموخ، عينيها مثبتتان على بدر دون أن ترمش، ثم قالت بثقةٍ ممزوجة بالألم:
"لما قولتيلي إن الست ممكن تعمل اللي هي عايزاه... طالما مش غلط، مفيش حد ممكن يقول كده في قبيلتنا،
وكمان... لما حسّيت إن أمان حاجة... وانتي حاجة تانية خالص."

1



        
          

                
هنا انكسرت مقاومة بدر، فتدلت كتفاها كأنها تحمل فوقهما جبالًا من الأسرار. أغمضت عينيها لحظة، وكأنها تستجمع شجاعتها، ثم فتحتها ببطء، نظرة صادقة تلمع في عينيها، وقد انهار الحاجز الذي تخبئ وراءه حقيقتها:
"آه يا نسيم... أنا بنت.
وكل اللي عملته ده... كان عشان القبيلة.
والحل دلوقتي في إيدك... تقدري تكشفي سري قدام الناس، لو عايزة."

+


شهقت نسيم، وعيناها تبرقان بالدموع، ثم هزّت رأسها بعنف، وهي تمسك بيد بدر بقوة، نبرتها حاسمة تحمل ولاءً مطلقًا:
"أبدًا... لا يمكن أعمل حاجة زي كده.
أنا بجد... فخورة إنك أثبتي إن الموضوع مش مقتصر على راجل وبس... وإن الست ممكن تعمل نفس الشي... ويمكن أكتر."

+


لكن بدر أطرقت برأسها، ابتسامة مريرة ارتسمت على شفتيها، كأنها تحمل الحقيقة المرّة:
"لأ يا نسيم... الراجل قوي. وله معايير مختلفة عنّا كستات."

+


رفعت نسيم حاجبيها في تحدٍ، عينيها تشتعلان بالغضب والتمرد، فصاحت:
"بس دليلة حكمت... وكانت كويسة.
بالسر مكان أبوي!"

+


أغمضت بدر عينيها بقوة، ثم فتحتهما والمرارة تفيض من نظرتها، صوتها مهزوم كمن يعترف بجرحٍ قديم:
"لأ... حصل مصايب... وأنا بحاول أصلحها لحد النهارده."

+


أمسكت نسيم بكتفي بدر، تهزها برفق وكأنها تريد أن تبث فيها القوة، نبرتها دافئة لكنها حادة:
"مش مهم... المهم إنك مستمرة.
وما حاولتيش تهربي... ولا ترمي القبيلة ورا ضهرك وتمشي.
وده لوحده... شئ كويس جدًا، ومخليكي قدام عيني مرفوعة."

3


دمعة ساخنة انسلت من عين بدر، لكنها مسحتها سريعًا، محاولة أن تُبقي على قوتها. صوتها جاء متهدجًا، كمن يوشك أن ينكسر:
"بس أنا... مبقتش قادرة على ده."

+


تراجعت نسيم خطوة، لكنها سرعان ما تقدمت مرة أخرى، وجهها يشتعل بالعزم، صوتها قاطع كالسيف:
"لأ! كمّلي يا بدر.
القبيلة محتاجالك... محتاجة حد يكون مخلص ليها، ويضحي عشانها."

+


ابتسمت بدر ابتسامة حزينة، كمن يرى طريقًا طويلاً مظلمًا أمامه:
"وأخرتها إيه؟ هفضل طول عمري كده؟"

+


خفضت نسيم عينيها لحظة، وكأنها تبحث عن كلمات تواسيها، ثم رفعت رأسها بثبات:
"عارفة إنه صعب..."

+


لكن بدر قاطعتها بعصبية، عيناها تلمعان بالدموع والغضب:
"كفاية! عارفة اللي هتقوليه بعد كده.
محدش هيحس بالنار... إلا اللي فيها!"

1


ساد صمت ثقيل بينهما، قبل أن ترفع نسيم رأسها بفخر، وصوتها يخرج كأغنية بطولة، يفيض بالإيمان ببدر:
"اللي بتعمليه... هيكتبه التاريخ، ويفتخر بيه كل حمداني."

+


قهقهت بدر بسخرية مريرة، عيناها تشتعلان بالخوف:
"بيتهيألك!
الكل هيشمت.
الكل هيحاول يكسرني، يدمرني، يقتلني!
وإزاي أعمل كده... من وراهم؟"

1


اقتربت نسيم منها أكثر، حتى كادت أن تلتصق بها، وضعت يديها على وجنتي بدر، عينيها تلمعان كاللهب، صوتها هادئ لكنه مزلزل:
"ده بطولة منك... وشرف.
مش أي حد يعمله.
القيادة اتخلقت عشانك... والحكم اتعمل عشانك...
والكرسي ليكي... وبس.
كمّلي... ووثقي فيّا.
وأنا معاكي... جنبك، ومستعدة لأي مهمة... مهما كانت صعبة."

+



        
          

                
في تلك اللحظة، انكسرت بدر تمامًا، دموعها سالت بلا خجل، بينما قلبها ينبض بقوة جديدة، ممزوجة بالخوف والأمل.
كانت كلمات نسيم كالنور الذي شقّ ظلامها، كأنها وعد بأن هذه الرحلة، مهما اشتدت، لن تخوضها وحدها بعد الآن.

+


ارتجفت شفتا نسيم، لكنها تماسكت، عينيها تتقدان بإصرار وهي تحدق في بدر بعمق، ثم قالت بصوت حازم، كأنه عهد لا رجعة فيه:
"عمر سرك ما هيخرج من لساني... غير على الموت. مصدقاني يا بدر؟"

2


ارتجفت أنفاس بدر، نظرتها مليئة بالشكوك والخوف، وكأنها تقف على حافة هاوية مظلمة. أطرقت رأسها قليلًا، ثم رفعت عينيها ببطء نحو نسيم، وصوتها يخرج ضعيفًا، يحمل شيئًا من التردد:
"بحاول... أصلك بنت..."

+


قاطعتها نسيم بسرعة، وعينيها تتسعان بنظرة فخر وغضب في آن واحد، نبرتها مشتعلة كالنار:
"بنت هنادي، بس مش زيها...
ولا عايزة أكون زيها...
ولا هكون زيها!
أنا... زي دليلة الحمداني، أم سالم الحمداني، اللي الكل بيحبه... من غير ما حتى يشوفه."

+


حين سمعت بدر اسم أبيها، سالم الحمداني، ارتعشت ملامحها، وغمرت الدموع عينيها رغماً عنها. نظرت إلى نسيم وكأن قلبها انكشف أمامها للحظة، ثم تمتمت بصوت متحشرج، تختلط فيه القوة بالخذلان:

+


"أنا... كنت ناوية أكمل السنتين... وأمشي.
لكن... كلامك، يا نسيم... خلاني أحاول أفكر في حل تاني."

+


ارتسمت على وجه نسيم ابتسامة عريضة، لم تخلُ من العزيمة، بينما أشرق في عينيها ضوء فخر لم يظهر من قبل. تقدمت خطوة نحو بدر، ومدت يدها لتضعها برفق على كتفها، ثم همست بصوت دافئ لكنه قوي، وكأنه يمنحها سيفًا من الشجاعة:

+


"حياكِ الله يا بدر... يا بنت عمي."

1


في تلك اللحظة، شعرت بدر بدفء لم تعرفه منذ زمن، وكأن قلبها المثقل بالهموم قد خفّ للحظة واحدة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، لكنها كانت تحمل وعدًا خفيًا، وعدًا بأن هذه المعركة لن تكون وحدها فيها بعد الآن.
كانت تلك اللحظة بداية عهد جديد بينهما، عهد دم وولاء، لا يُكسر إلا بالموت.

+


ضحكت نسيم ضحكة دافئة خرجت من أعماق قلبها، ثم قالت وهي ترفع حاجبيها بمكر، وعينيها تلمعان بالمرح وسط كل ما يحيط بهما من جدية:

+


"ودي أحضنك يا بدر... بس الكل هيفهم غلط!"

3


انفرجت شفاه بدر عن ابتسامة حقيقية، ربما الأولى منذ وقت طويل، ضحكتها هذه المرة صافية كنسمة ربيعية تخترق صحراء قلبها المتعب. أمالت رأسها قليلًا وأجابت بخفة ظل ممزوجة بعمقٍ خفي:

+


"آه والله... ويطلبوا مني أصلح غلطتي كمان! وأنا الصراحة... مش ناقصة وجع دماغ جديد."

2


تبادلتا نظرات مليئة بالتواطؤ والمرح، وكأن لحظة الضحك هذه كانت ملاذًا صغيرًا من قسوة الحياة، ثم غمرهما صمت قصير، صمت يحمل في طياته وعدًا غير منطوق بأنهما، مهما تعاظمت المؤامرات والأعباء، ستظلان سندًا لبعضهما البعض.

+



        
          

                
في تلك اللحظة، أدركت بدر أن وجود نسيم بجانبها ليس مجرد دعم، بل حياة جديدة تُزرع في قلبها، حياة فيها أمل، وفيها ضحكة صافية تقتحم ظلامًا كان يوشك أن يبتلعها.

+


كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلّل بخجل عبر نافذة الغرفة الصغيرة، تلقي بخيوطها على وجه صقر النائم، الذي بدا مستغرقًا في سبات عميق، كأنّ الليل قد أثقل جفنيه بأثقال من حديد.
ارتفع صوت أنفاسه المنتظمة، بينما كان صدره يعلو ويهبط بهدوء، قبل أن يتسلل إلى أنفه عبق طعام الفطور، ممتزجًا برائحة التراب النديّ، فيوقظه شيئًا فشيئًا من عالم الأحلام. فتح عينيه بتثاقل، نصف وعيه ما زال عالقًا هناك في ظلمة الليل، قبل أن يلمح وجه يزيد يطلّ عليه بملامح مكفهرة، وشفتيه مطبقتين كأنهما تخفيان بركانًا على وشك الانفجار.

+


رمش صقر مرتين، ثم اعتدل جالسًا، يمرّر يده على شعره الكثيف المبعثر، وقال بصوت متثاقل يحمل ضجرًا:
"مالك فارد بوزك ليه؟... هي ناقصة على الصبح؟"

1


زمّ يزيد فمه، ونفخ الهواء من أنفه بغضب مكبوت، قبل أن يرد بنبرة ممتعضة:

+


"أصل أخوك زين كان هنا ومشي... فضِل مستنيك تصحى، لكنك نايم في بحر إيه كل ده!"

1


انفرج فم صقر عن ابتسامة متكاسلة، ثم حكّ رقبته وهو يتمطّى بتكاسل واضح، وقال بتثاقل:

+


"أصل كنت سهران طول الليل."

1


تقدّمت حاجبا يزيد إلى الأمام في استنكار، وانحنى بجذعه قليلًا إلى الأمام، مبحلقًا في وجه صقر بعينين متّقدتين، ثم قال بسخرية ظاهرة:

+


"ولا تلفزيون ولا نت ولا أي حاجة... سهران تعمل إيه؟!"

1


رفع صقر حاجبه في غرور خفيف، وألقى الكلمة وكأنها سرّ عظيم:

+


"بقرأ."

+


تراجع يزيد للخلف، وفتح عينيه دهشة، ثم أطلق ضحكة قصيرة ساخرة وهو يومئ برأسه في تهكّم:

+


"بتقرأ؟! يا واد يا مثقف!"
ثم سرعان ما تغيرت ملامحه، وعاد الجِدّ إلى صوته:
"المهم... أخوك بيقولك، لو مرجعتش، أبوك هيجيلك بنفسه يشوف بتعمل إيه!"

3


قفز صقر من مكانه دفعة واحدة، كأن أحدهم صبّ عليه دلوًا من الماء البارد، وقد اتسعت عيناه ذعرًا:
"يا نهار أبيض!"

+


ضحك يزيد بخفّة ممزوجة بالقلق، ثم اقترب منه قليلًا يخفض صوته، وكأنه يروي سرًا قاتلًا:
"ابقى روح شوفه... عشان لو عرف إنك وديت لابن الحمدانية طبق لحم مشوي، احتمال نتغدى بيك ولا حاجة!"
ثم أشار بيده في الهواء تمثيلًا للمشهد، وقال متصنّعًا الرعب:
"لا وكمان كنت عندهم في الجنينة وعملت ليهم المرجيحة... ده لو عرف، هيعلّقك في المرجيحة، راسك تحت ورجلك فوق... زي الجدي يوم العيد!"

3


ارتسمت على وجه صقر ملامح الارتباك، وراح يعضّ شفته السفلية بتفكير محموم، ثم قال متنهّدًا:
"آه ده ممكن يعملها فعلًا... طب نعمل إيه؟"

+



        
          

                
شبك يزيد ذراعيه على صدره، وأخذ يتمختر بخطوات قصيرة كخبير في وضع الخُطط، حتى استدار فجأة نحو صقر، وقال بعينين لامعتين:

+


"في حفل استقبال مولود جديد في قبيلة عزيز... هناك، لما تروح، اذبح خروفكم قدام الكل... ساعتها هيرضى عليك، وهيبقى الموضوع كأنك بتكرّم القبيلة مش بتكسر كلمته."

1


تنفّس صقر الصعداء، وكأنّه وجد مخرجًا، وهزّ رأسه موافقًا وهو يقول بثقة مستعادة:

+


"ماشي، سهلة."

+


لكن يزيد رفع سبابته في وجهه محذرًا، وقطّب حاجبيه بشدّة:

+


"حاول ما تستفزّه، ماشي؟ بلاش حركاتك اللي معرفش ليها تفسير دي... اللي بتطلع في وقت غير مناسب! إحنا مش ناقصين مصايبك."

3


لوّح صقر بيده في الهواء مستهترًا، وقال باستخفاف:

+


"خلاص... اسكت! إيه؟... إنت شريط كاسيت بقى؟"

+


انتفخت وجنتا يزيد غضبًا، ثم ضرب كفّيه ببعضهما وقال بغيظ:
"أنا غلطان، تصدق؟! ما هو اللي مخليني أتكلم إني بتهزأ معاك، وأنا ماشي وراك أصلاً... ولا عارف بتنيل إيه!"

1


قهقه صقر ضاحكًا، وحاول تهدئة صديقه، فوضع ذراعه على كتف يزيد وهو يهزه بلطف:

+


"خلاص، ماشي! يلا ناكل لقمة، وبعد كده نجهز ونشوف الحفلة دي."

+


وفي تلك اللحظة، انفرجت أسارير يزيد رغمًا عنه، لكنه تمتم ببطء وكأنه يحذر نفسه:
"يا رب تعدّي الليلة دي على خير... من غير مرجيحة، ولا خروف، ولا صقر يتدلدل زي الجدي!"

+


وانطلقا معًا نحو المائدة، بينما كان القلق والمرح يتصارعان في أجواء الغرفة، كأنّ الليل القادم يعدهما بمغامرة لا تقل جنونًا عن شخصية صقر نفسه.

+


وجدت ميليسا أخيها ماتيا واقفًا في زاوية الحديقة، عينيه شاخصتان نحو الأفق وكأن ذهنه يسبح في بحر من الأفكار المعقدة. اقتربت منه بفضول، محاولة أن تقتحم صمت تفكيره:

+


"بتفكر في ايه يا ماتيا؟" سألته بنبرة نصف استهزاء ونصف اهتمام.

+


رفع رأسه قليلاً، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه وهو يحدق في المناظر الطبيعية أمامهما: "شوفي المنظر ده، القبيلة دي سحر… ممكن نعمل فيه أعمال تجارية كتير."

+


ميليسا عبست، وعيناها تعكسان الاستهجان:
"دي… دي مقرفة."

2


ضحك ماتيا بخفة، وعاب عليها قصر نظرها:
"عيبك إن نظرتك سطحية للحاجة، إنما أنا نظرتي لازم تكون مختلفة."

+


ميليسا رفعت حاجبها مستفهمة:
"طب فهمني."

+


أدار ماتيا نظره نحوها بعينين واثقتين، وكأن كل كلمة يلفظها مفتاح لخطة كبيرة:
"لازم استغل المكان ده لمشاريع مالهاش أول من آخر، وأخدها وضع يد."

2



        
          

                
ميليسا هزت رأسها ساخطه:
"معقول فاكر الموضوع بالسهولة دي… دلوقتي مين فينا السطحي؟"

+


ماتيا اقترب منها قليلاً، وعيناه تتوهجان بحماس التفكير:
"الناس هنا مشغولة في الصراعات والمنافسة اللي مالهاش لازمة، وناسين تمامًا الخير اللي غرقانين فيه. تخيلي، مثلا لو عملنا هنا قرية سياحية وقدرنا نستغل المناظر دي."

+


ميليسا قفزت بحدة: 
"معقول الناس هيسيبوا إيطاليا ويجوا هنا؟"

+


ماتيا اكتفى بابتسامة طفيفة، كمن يربط خيوط سرية بخطة معقدة:
"اه، الملل أحيانًا بيخليهم يفكروا يغيروا… ومش بس كده."

+


ميليسا رفعت حاجبها بتهكم:
"أومال ايه؟"

+


ماتيا بيده يشير نحو الأرض:
"في هنا مصادر ومعادن نقدر نستفاد منها، ومستحيل حد يفكر يعمل كده لأنها محتاجة معدات وفلوس بالمليارات."

+


ميليسا صمتت قليلاً، عيناها تلمعان بالشك:
"حاساها خطة فاشلة… وإن المكان ده ما هو إلا حظيرة للبهائم."

2


ماتيا ضحك ضحكة قصيرة، يملأها تحدٍ وثقة:
"لا… وبكرة أثبتلك كلامي."

+


ميليسا نظرت له بعينين متسائلتين:
"طب وإنت فاكر ممكن الناس تفرط في أرضها بسهولة كده؟"

+


ماتيا ابتسم ابتسامة غامضة، كأنه يكشف سرًا صغيرًا: "دي أسهل حاجة هنا، مجرد فتنة صغيرة تحصل هتفرق الدنيا، والخيانة تكون في كل اتجاه… ساعتها بس الطريق يكون واسع، ومتى ما حطينا إيدنا على الأرض خلاص يعتبر وصلنا لهدفنا."

+


ميليسا نظرت حولها بقلق، ويدها تلعب بخيط من ثوبها:
"لكن إنت عرفت كل ده منين وإنت متعرفش عربي؟"

+


ماتيا نظر لها بعينين حادتين، وصرامة تعكسها كل تفاصيل وجهه: 
"قبل ما أجي، قدّرت أجمع معلومات كويسة، وحطيت هدف كويس قبل ما أحط رجلي هنا."

+


ميليسا تنهدت، نبرة صوتها تعكس خوفها:
"بس اللي بتعمله ده خطير."

+


ماتيا أومأ برأسه، كمن يطمئنها على قدرته على السيطرة: 
"لا… مش خطير ولا حاجة، الناس هنا مغفلين وما يعرفوش حاجة. هسافر وأبعت خبير على إنه جاي يعمل أي حاجة، ومحدش هيفهم هو بيعمل ايه… وقدامي كذا حاجة ناوي أعملهم، هيشعلل الدنيا."

1


ميليسا ابتعدت خطوة، وعيونها تعكس الخوف والمفاجأة معًا: 
"ما بلاش أحسن… الناس دي عندهم القتل زي شرب الشاي."

+


ماتيا ضيق عيناه ثم قال بتحدي: 
"المشاريع تستحق ، و مبقاش رجل أعمال ناجح الا لو جازفت "
وفي صمت الحديقة، بقي ماتيا متأملًا، عينيه تتوهجان بفكرة، كأن كل شجرة وكل حجر أمامه هو جزء من مخططه الكبير، فيما ميليسا تقف بجانبه، مزيج من الرهبة والفضول يلتف حول قلبها.

1


كانت هنادي تقف عند نافذة المنزل، عينان تراقبان بترقب كل حركة داخل الحديقة. نظرت إلى فاطمة بجانبها، ووجهها يعكس مزيجًا من القلق والريبة:

+



        
          

                
"تعرفي يا فاطمة، الاتنين دول مش مرتاح لهم… شغالين كلام مع بعض، ولا فاهمين بيقولوا ايه."

1


فاطمة ابتسمت بخفة، محاولة التخفيف:
"هيكونوا بيقولوا ايه؟ تلاقي بلدهم واحشاهم بس."

1


هنادي هزت رأسها بجدية، عيناها تشعّ بالريبة: 
"أنتي طيبة يا فاطمة. دول تلاقيهم بيخططوا لينا بحاجة."

+


فاطمة ارتعشت قليلاً:
"هيخططوا ايه؟ دول يومين وماشيين، وضيوف لينا."

1


هنادي ضغطت على حافة النافذة بيدها، ونبرتها تعكس حدة الإحساس بالخطر: 
"بصي يا فاطمة، لما أقول مش مرتاحة لحد، لازم تعرفي إنه وحش ومعفن كمان… ودول لازم تخلي بدر يطرقهم بأسرع وقت."

1


فاطمة نظرت لها مستغربة: 
"هما عملولك حاجة يعني؟"

+


هنادي تنهدت، محاولة أن تبرر شعورها الغامض: "لا… بس ده إحساسي."

+


وقفت هنادي لحظة صامتة، عينها ما زالت تتابع كل حركة. لم تشعر بأي تهديد مباشر، لكن قلبها كان يعرف أن ميليسا تلتف حول بدر بطريقة تبدو بريئة للوهلة الأولى، إلا أن هنادي خشيت من أن تكون هذه الأفعال مجرد وسيلة للسيطرة عليه. رغم كل ذلك، كان هناك شيء في شعورها صحيح… كلا الشخصين كانا غير مريحين، وهنادي شعرت ببرودة غريبة تجتاح عقلها، تحذرها من أن الأمور لن تبقى كما هي.

1


كانت نسيم جالسة تنظر من شرفة المنزل تفكر فيما دار بينها و بين بدر، بينما سارية وقفت أمام نسيم بعينين تتقدان بالفضول.

+


سارية قالت بصوت رقيق لكنه حاد:
"أنا شوفتك بتتكلمي مع بدر."

+


نسيم شعرت بتوتر يسري في جسدها، وتراجعت خطوة:
"طب سمعتي حاجة؟"

+


ابتسمت سارية ابتسامة نصفها دعابة ونصفها جدية: "لا، بس واضح إن الحوار بينكم كان شيق وممتع."

+


ارتبكت نسيم، وحركت حاجبيها بدهشة: 
"قصدك إيه؟"

+


سارية أمالت رأسها قليلاً، كأنها تختار كلماتها بعناية: "افهمي اللي تفهميه بقى."

+


رفعت نسيم كتفها بعصبية خفيفة:
"قلتلك قبل كده يا سارية إني مابفكرش بنفس أسلوبك و لا ناوية انافسك على حاجة ، احنا الاتنين دماغنا مختلفة عن بعض تماما."

1


سارية ابتسمت بصدق، لكن عينيها كانت تختزن شيئًا من القلق: 
"أنا بس بتمنى إنك ماتنسيش أننا أخوات في يوم من الأيام."

1


نسيم ضحكت بخفة، محاولًة كسر التوتر:
"في ايه يا سارية؟ قولي كلامك بصراحة ووضوح أحسن، بلاش الغاز وألعاب ذكاء."

1


سارية توقفت قليلاً، عينها تتفحص نسيم وكأنها تقرأ بين السطور: 
"على العموم أنا لازم انبهك إن الكفة اللي ممكن تفتكريها كسبانه ممكن تكون خسرانة، وقبل ما تخسري معاها لازم تروحي للي هتكسب وهتطب قبل فوات الأوان."

2



        
          

                
نسيم زفرت بصوت خافت، وعبّست جبينها:
"تاني يا سارية، كلام مش مفهوم تاني. بصي يا سارية، ياريت تفضلي في لبسك وتهتمي بنفسك وجمالك وما تفكريش في أي حاجة زي زمان."

+


سارية أمالت رأسها مرة أخرى، نظرة تحدي خافتة في عينيها: 
"قصدك إيه إني تافهة؟ قصدك إني ماليش حياة و لا هدف"

1


ابتسمت نسيم بابتسامة هادئة لكنها حازمة:
"لا، بس قصدي ماتسمعيش لأمي ولا تكوني زيها، حبي قبيلتك وكوني وفية لشيخها."

+


سارية ضحكت بخفة، عيناها تلمعان بنبرة من الفضول والحذر:
"اه، ما هو هيكون في صالحك، لكن هنشوف مين هيكون شيخها بقى."

1


ضيقت نسيم عيناها ثم قالت بتفكر: 
" قصدك ايه ؟ شيخها هو بدر و مالهاش شيخ تاني "

+


سارية قالت بقلق تحاول الهروب من الحديث مع نسيم :
" طبعا ، هو أنا قلت غير كده يعني "

+


الجو كان مشحونًا بتوتر خفي، وكأن كل كلمة بين الفتاتين تحمل وزن سرّ خفي، وكل ابتسامة تختزن تحذيرًا أو وعدًا. نسيم شعرت بأن كلمات سارية تحمل معنى أعمق، ومع ذلك تمسكت بثقتها وعزيمتها، بينما سارية ظلت تراقبها بعينين لا تفوتهما حركة، وكأنها تتوقع المستقبل بين طيات اللحظة الراهنة.

+


كانت بدر جالسة على جذع شجرة عتيق، ظهرها منحني قليلاً وذراعاها ملتفتان حول نفسها،رأت نفسها في المنام تجمع بين أصابعها بعض التوت الأحمر وتضعه في فمها بهدوء. النعاس كان يغلب عليها، عيونها تنغلق وتفتح بين الحين والآخر، حتى جاءها صوت ناعم لكنه صارم في الوقت نفسه:

+


"بدر، بدر!"

+


انتفضت بدر، فتحت عينيها على وسعها ونظرت حولها بدهشة:
"انتي مين؟"

+


ابتسمت امرأة عجوز، وجهها مضيء وكأن الضوء ينبعث من داخلها، ترتدي ملابس سوداء داكنة تتمايل برقة مع نسيم الغابة:
"أنا جدتك دليلة."

+


ارتعشت بدر، نظراتها تتردد بين الشك والدهشة: "جدتي ، شكلك متغير؟"

+


اقتربت المرأة بخطوات هادئة وقالت بنبرة هادئة لكنها مملوءة بالحكمة: 
"جيت أديكي حاجة وأقولك حاجة."

+


مالت بدر برأسها قليلًا، عينها تبحث عن معنى الكلام: "ايه هي الحاجة؟"

+


أشارت دليلة إلى خلفها، حيث يقف حصان فخم، فرسه يلمع في ضوء الشمس الخافت: 
"ده حصان هدية مني ليكي."

+


رفعت بدر حاجبيها مستغربة: 
"بس أنا عندي واحد."

+


ضحكت دليلة، ضحكتها لم تفهم بدر مغزاها، كانت أشبه بالسر الذي لا يُفصح عنه

+


تقدمت بدر، فضولها بدأ يسيطر عليها: 
"طب ايه اللي عايزة تقوليه؟"

+


تنهدت دليلة قليلاً، عيناها تتأملان بدر بعمق: 
"العدو هو الحبيب، والشك ممكن يصيب، لكن عدوك ما يكرهك هو اللي بيحميك يا بدر."

2



        
          

                
التفتت بدر بحيرة: 
"قصدك ايه؟"

+


ابتسمت المرأة مرة أخرى وقالت بنبرة غامضة:

+


"في مكان في البيت، دوري عليه، هتلاقي كل الأسرار وإجابتها."

1


فتحت بدر عينيها على مصراعيهما، قلبها ينبض بسرعة، لكنها لم تفهم مغزى هذا المنام، ولم تهتم بما حدث، مجرد أضغاث أحلام أخرى عابرة في خضم النهار. ظلت نظراتها تلاحق الفراغ، وأصابعها لا تزال تلعب بشالها ، وكأنها تحاول استعادة هدوءها وسط الغموض الذي تركته كلمات جدتها.

+


حلّ المساء على مضارب القبائل كوشاح مخمليّ داكن، وقد تزيّنت السماء بنجومٍ صغيرة تلمع بخفوت، كأنها تشارك القوم احتفالهم بمولودٍ جديد.
أُضرمت النيران في الساحة الكبرى، فارتفعت أعمدتها الذهبية ترقص في الهواء البارد، بينما تردّد صدى الطبول في أرجاء الوادي، ممتزجًا بأصوات الرجال وأصوات الماعز التي جُلبت قربانًا.
كان المشهد مهيبًا؛ كل شيخ قبيلة يتقدّم بخطوات ثابتة، وخلفه رجاله يحملون الخروف المقدم هدية، ليقدّمه في حضرة الجميع تكريمًا للمولود، رمزًا للمودّة والكرم.

+


وسط هذا الحشد الكبير، كان صقر يتقدّم بخطواتٍ واثقة، ملامحه تتأرجح بين القلق والتحدّي.
عندما لمح والده جمال يقف متصدّرًا الجمع، شقّ طريقه بين الرجال حتى وقف أمامه.
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم أطلق صوته هادئًا، يخفي خلفه اضطراب قلبه:

+


"كيفك يا أبوي؟"

+


التفت جمال إليه ببطء، وملامحه مشدودة، عينيه تضيقان بشكّ عميق، وكأنه يبحث عن سرّ يختبئ خلف وجه ابنه.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه، ثم قال بصوتٍ جافّ يخلو من الدفء:

+


"إيه... لازم يصير حفل حتى نشوفك؟"

1


ارتبك صقر للحظة، وظهر الارتباك في نظرة خاطفة بعينيه، لكنه تمالك نفسه سريعًا، وهزّ رأسه نافياً، ونبرة الدفاع في صوته واضحة:

+


"لا والله يا أبوي!"

+


ظلّ جمال ينظر إليه بثبات، كأنما يحاول أن يقرأ أفكاره، ثم تقدّم خطوة للأمام، ويده تعبث بعصاه، وقال بلهجةٍ تحمل توبيخًا خفيًا:

+


"إيه... بتعمل إيه هناك؟"

+


ارتفع حاجبا صقر، وألقى نظرة جانبية متوترة، ثم عاد ليواجه عيني والده، محاولًا أن يبدو عاديًا:

+


"قاعد عادي، ما بعملش حاجة... بقضي يومين وخلاص، أفك فيهم عن نفسي."

+


زمّ جمال شفتيه، وضاق فمه بنظرة ريبة، ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه مشحون بالتهديد الخفي:

+


"مش كفاية كده ولا إيه؟"

+


ارتبك صقر أكثر، وأخذ يحكّ مؤخرة رأسه في محاولة لتخفيف التوتر، ثم تردّد قليلًا قبل أن يرد:

+


"يعني؟"

+


رفع جمال حاجبه الأيمن في حدة، وصوته يزداد صرامة:

+


"يعني إيه؟"

+



        
          

                
شردت عينا صقر، كأنه يحاول أن يختلق عذرًا، ثم قال بتردد:

+


"كمان يومين."

+


ساد صمت قصير، لم يُسمع فيه سوى صوت النيران ووقع حوافر الخراف.
ثم انحنى جمال قليلًا للأمام، يخترق بعينيه عيني صقر، وقال ببطءٍ يحوي أمرًا لا يقبل النقاش:

+


"بدي تيجي... حتى نشوف هنعمل إيه جديد في القبيلة. وصلني أخبار غير زينة... عن ابن الحمدانية شغّال، وبدأ يعمل أشياء كتيرة."

2


تسارعت أنفاس صقر، وأخذ قلبه يخفق بعنف، لكنه أخفى اضطرابه تحت قناعٍ من البرود، وسأل بهدوء مصطنع:

+


"مين قالك يا أبوي؟"

+


التفت جمال برأسه قليلًا، وعيناه تتوهجان بحدة، وقال بنبرةٍ مريبة، تحمل مزيجًا من الغموض والهيمنة:

+


"حد بيساعد... من جوا القبيلة. بياخد قرشين، ويجيب لي الأخبار أول بأول."

1


اتسعت عينا صقر، وشعر كأن الأرض تميد تحت قدميه، لكنه سرعان ما ضغط على أسنانه حتى لا ينفلت أي انفعال، وقال ببطءٍ حذر:

+


"حد مين؟"

+


عقد جمال ذراعيه على صدره، ومال بجذعه قليلًا إلى الأمام، في حركة سلطوية، ثم رفع ذقنه وقال بنبرةٍ متعالية، كأن سؤاله كان جريمة:

+


"مالك به؟ عايز تعرفه ليه؟"

+


أخفى صقر قلقه بابتسامةٍ شاحبة، لكن صوته خرج متماسكًا رغم الغليان في داخله:

+


"أشوف إذا كان فعلًا صادق... ولا لا."

+


لم يبدُ على جمال الاقتناع، بل أطلق ضحكة قصيرة خالية من البهجة، وقال بحزمٍ قاطع:

+


"ما تقلق... هو بيساعدني من زمان. من أيام سالم الحمداني."

2


تجمد صقر في مكانه، وكأن سهمًا مسمومًا أصاب قلبه مباشرة.
اتسعت عيناه بدهشة صاعقة، وانكمشت أنفاسه في صدره، حتى إن صدره ارتفع وانخفض كأنه يختنق.
شعر للحظة وكأنه يسمع هدير دمائه في أذنيه، بينما كل كلمة نطقها والده تطنّ في رأسه كصفعة.

+


"من أيام سالم الحمداني..."

+


ترددت العبارة داخله كالرعد، ومعها تدفّقت الصور القديمة؛ صرخات، نيران، ودماء...
في تلك اللحظة، لم يعد يرى الحفل ولا يسمع أصوات الطبول أو النيران، كان كل شيء يتلاشى أمامه، إلا وجه والده، وملامحه التي اكتست بالبرود والغموض.

+


بينما وقف جمال شامخًا، لا يدرك أن ابنه أمامه قد انكسرت داخله يقيناته، وبدأت الأسئلة تنهش روحه...
من هو هذا "المخبر"؟
ولماذا يرتبط اسمه بـ"سالم الحمداني"؟
وهل كان والده طوال هذه السنين يحيك خيوطًا أعمق مما يتصوّر؟

1


كانت عينا صقر تتلألآن بمزيجٍ مرعب من الغضب والذهول، فيما تعلو شفتيه ابتسامة صغيرة، لكنها لم تكن سوى قناع يخفي خلفه عاصفة هادرة تتأهب للانفجار.

+



        
          

                
كان جمال يقترب من ابنه، صوته صارمًا كالسيف:

+


"روحت فين؟"

+


رفع صقر رأسه قليلًا، محاولًا إخفاء توتره، وأجاب بهدوء متماسك:

+


"ها... مفيش."

+


لم يتركه والده يتهرب، فاقترب أكثر، عيناه تخترقان المدى، ونبرة صوته تأمر دون رجاء:

+


"عايزك ترفع راسي، وتدبح خروفنا قدام الناس كلها، وتثبتلهم إن قلبك من حديد ، و إن ولد جمال صح."

1


ابتلع صقر ريقه، وأومأ برأسه بثبات، صوته صار حادًا رغم توتره:

+


"حاضر يا أبوي."

+


في تلك اللحظة، ظهر شيخ عرفان، رجل طويل القامة، ذو لحية بيضاء مصفوفة بعناية، يخطو بخطوات هادئة حتى وقف أمام جمال، مصافحًا إياه بحرارة:

+


"أهلا بجمال وبابنه صقر."

+


ابتسم جمال باحترام، وأجاب:

+


"أهلا بيك يا شيخ."

+


صقر انحنى قليلًا تحية له، وقال بهدوء:

+


"أهلا يا شيخ عرفان."

+


ارتفع حاجبا شيخ عرفان، وعيناه تتوهجان بإعجاب، ثم نظر إلى صقر بابتسامة خفيفة وقال:

+


"سمعت إنك تقول الشعر يا صقر."

+


تراجع جمال قليلًا، معبرًا عن شكه، صوته حاد:

+


"شعر؟ إيه ده؟ مالناش احنا في الكلام الماسخ ده!"

1


لكن عرفان أصرّ على رأيه، وصوته ملؤه الحماس والود:

+


"لأ، دي حاجة كويسة يا شيخ جمال. قوم يا صقر، قولنا بيتين كده من الشعر."

1


تجمّد صقر للحظة، عيناه تتفحصان الحشد من حوله، قلبه يخفق بعنف، لكنه أخذ نفسًا عميقًا، وابتسم بخفة، مستجمعًا شجاعته ليقف أمام القبائل، ولأول مرة يُظهر جزءًا من روحه بين رجال يراقبونه بعناية، وعيناه تتوهجان بعزمٍ يخفيه خلف هدوءه الظاهر.

+


حلّت بدر بخطوات ثابتة واثقة، يرافقها عبد ربه، لتجلس في المكان المخصص لها وسط تجمع القبائل. ارتدت ملابسها الرجولية، يعكس الهيبة والسلطة، فيما كان وجهها المشدود ينضح بالجدية والتركيز.

+


نظرت حولها، عيونها تقرأ كل تفاصيل المكان، كل شيخ وكل ضيف، وكل حركة تعكس موقفه. جلست بدر مستقيمة، كتفاها مشدودان، ونظرتها حادة كرمح، لكن فيها هدوء داخلي يثبت حضورها بين الرجال من حولها، وكأن المكان كله صُنع لتتربع عليه هي وحدها.

+


عبد ربه وقف بجانبها، يقف كحارسها الوفي، يراقب كل زاوية، ويستعد لأي موقف قد يطرأ، بينما بدر بعينيها الثاقبتين تتابع كل شيء، كأنها تخطط لكل خطوة مستقبلية، ووجهها لم يبدُ عليه أي ارتباك، بل كان يلمع بالإصرار والشجاعة، مؤكدًا للجميع أن هذه الشيخة ليست للتهديد فقط، بل للحكمة والقيادة أيضًا.

+



        
          

                
ابتسم عرفان وقال مجددًا، بنبرة تشجيع وحماس:
"يلا يا صقر، سمعنا شعرك!"

1


ثم نظر حوله بعينين مليئتين بالفضول، كأنه يريد أن يشعر بروح الحماس التي تنتقل من الكلمات قبل أن تُنطق، منتظرًا أن يطلق صقر أبياته أمام الحضور كله.

+


وقف صقر، عيناه تتأملان الحضور، وصوته يرتجف قليلًا من الحذر والصدق:

+


"كان هناك رجل طيب، له صديق يثق به،
يسير معه في الدرب، ويقسم معه الرضا.
ضحكوا معًا في الفرح، وبكوا في الحزن،
حتى ظن الرجل الطيب أن قلب صديقه معلق به."

1


صقر ألقى نظرة حوله، كما يختبر صدى كلماته، ثم واصل بصوت أعمق وأكثر حزمًا:

+


"لكن الأيام تكشف، وما وراء الضحك سر،
فالصديق الذي وعد، خان حين جاء القدر.
ترك الرجل وحيدًا، في الليل والبرد،
وأثبتت الأيام أن الثقة ليست لكل قلب يُعهد."

+


وقف قليلًا، يضغط على أطراف أصابعه، وكأنه يلمس حقيقة ما شعوره داخله، ثم أضاف بنبرة تحذيرية:

+


"فاحذر يا من تمنح قلبك دون قياس،
فالوفاء قليل، والخيانة تجد طريقها في الناس.
ومن يبتسم اليوم، قد يتركك غدًا،
وعهدك ثقيل على من لا يعرف معنى الوفاء."

+


ثم أغمض صقر عينيه للحظة، مستحضرًا الألم والخيبة، قبل أن يفتحهما مجددًا بنظرة صامتة، كأنها رسالة مبطنة لمن يهمه الأمر، ليترك للزمان والحاضر أن يفهما وحدهما.

+


كأن الكلام قد وصل إلى قلب بدر، شعرت برعشة خفية تجتاح جسدها، وكأن كل حرف فيه صدى تحذير من الثقة الزائدة. وقفت للحظة صامتة، عيناها تتأملان صقر وكأنهما تبحثان عن سر في تلك الأبيات، عن رسالة مبطنة تحمل لها عبرة قاسية.

+


تنهدت بدر ببطء، وجفف عرقًا وهمسته روحها في هدوء: 
"لا أحد يُستحق الثقة المطلقة… كل قلب يحمل في طياته خيانة محتملة."

+


حتى الحصان الذي كان يقف بجانبها، بدا وكأنه يشعر بوجومها، أقدامه تتمايل برفق على الأرض، كأنه يشاركها تلك الحيرة والقلق.

+


وبينما صقر يغلق كلماته الأخيرة، أدركت بدر أن هذه الأبيات لم تكن مجرد شعر، بل كانت تحذيرًا صارمًا من العالم من حولها، درسًا عن الوفاء والخيانة، ومكانها في قلب كل قرار تتخذه مستقبلاً.

+


بدأت فقرة ذبح الخرفان في جو مشحون بالترقب والتوتر، وأخذ كل رجل من الحضور مكانه بحذر، وامتلأت الأجواء بصرخات الطيور والريح الخفيفة التي تعانق المكان، فيما العيون تراقب كل حركة بدقة.

1


قام خمسة رجال متتاليين، وكل منهم ذبح خروفه الخاص، فتصاعدت رائحة الدم في الهواء وارتسمت على وجوه الحاضرين ملامح الدهشة والترقب.

+


حين حان الدور على بدر، لم يكن صقر يغفل عن حقيقة أن الخروف أمامه ليس لهم، إلا أن تصرفه كان مفاجئًا للجميع؛ تقدّم بسرعة، ورفع السكين بيد مرتجفة قليلًا لكنه حازمة، ونزل بها على الخروف بدقة وعزم، في لحظة أثارت صمتًا ثقيلًا في المكان، بينما الجميع كان متجمّدًا في دهشة خالصة.

+



        
          

                
جمال، ووجهه يملؤه الغضب والاندهاش، اقترب من صقر وعيناه تتوهجان بالحزم:
— "ده مش خروفنا، إنت مش شايف العلامة؟"

2


صوته، رغم هدوئه الظاهر، لم يكن يخلو من التوتر، وقال:
"مخدتش بالي، خلاص عادي، هدبح خروفنا، مفيش مشكلة."

+


لكن صقر لم يجد في ملامح وجه والده الهدوء، صقر تنفس ببطء، محاولًا السيطرة على توتره، وأجاب ببرود رغم سرعة نبضات قلبه:
"خلاص يا بوي، اللي حصل حصل."

+


جمال، وقد بدت ملامحه صارمة أكثر من أي وقت مضى، صرخ محذرًا:
"إنت ناوي تموتني طاقق من تصرفاتك، فكر قبل ما تتصرف، وركّز وشوف الحاجة كويس."

1


في تلك اللحظة، توقف الزمن في عيون الحاضرين، كل واحد منهم يتأمل شجاعة صقر وجرأته المفاجئة، بينما الدماء على الأرض تتلألأ في ضوء المساء، مشهداً يرسخ في الذاكرة، يجمع بين الخطر والإثارة، بين الطاعة والتحدي، وبين دهشة الجميع وعزم شاب يخوض المجهول بجرأة لا توصف.

+


عرفان، وعيناه ترمقان الحضور بحكمة:
"خلاص يا جمال، بدر هيدبح خروفكم."

+


جمال، ووجهه يعكس اندهاشًا مختلطًا بالجدية:
"لا، صقر اللي يدبحه برضو ، ما نسمح لحد إنه يمس حاجتنا."

2


عرفان حاول التخفيف من حدة الموقف بابتسامة بسيطة، وقال:
"بس ده ممكن يضايق بدر."

+


لكن بدر، وابتسامة الرضا ترتسم على وجهها، كانت في قمة السعادة، وعيونها تتلألأ بالإعجاب مما حدث:

+


"حقهم، خروفهم ويدبحوه، الشيخ جمال عنده حق."

1


جمال، وقد ظهر على وجهه القليل من الدهشة والاعتراف، قال وهو يبتسم قليلاً:
"أول مرة تقول حاجة صح يا ابن الحمدانية."

+


أشعل أحد الأشخاص النيران في إسطبل الخيل فجأة، وبدأت ألسنة اللهب تتراقص بخبث بين القش والخشب. هرع الخدم مسرعين محاولين السيطرة على الحريق قبل أن يمتد إلى أماكن أخرى، لكن الدخان الكثيف جعل الرؤية صعبة والحرارة خانقة.

+


اقترب أحد الخدم من بدر وهمس في أذنها بصوت متوتر:
"يا سي، فيه حريق في الإسطبل… لازم تتصرف بسرعة قبل ما يحصل كارثة!"

2


نهضت بدر بقلق واضح في عينيها: 

+


"إيه؟"

+


غادرت المكان مسرعة، وهي تركب حصانها بسرعة، كأنها تحمل قلبها على جناح الريح. وصلت إلى مكان الحريق، وألسنة اللهب تتصاعد بخبث:
"إيه اللي بيحصل؟ بسرعة، هاتوا الماية! هاتوا تراب! طفوها بسرعة!"

1


صوتها ارتفع مع التوتر، وأمرّت أحدهم: 

+


"حد يفتح أبواب الإسطبل!"
لكن الخوف من الدخان واللهب جعل الجميع متجمدًا في أماكنهم، ولم يجرؤ أحد على الاقتراب.

+


لكنه توجهت حتى تذهب هي و ترمي نفسها في النار محاولة لإنقاذ الحيوانات لكن حاول عبد ربه الإمساك بها ومنعها:
"رايحة فين ؟ سيبك من ده يا ست بدر، الموضوع خطير والنار كبرت… لو دخلتي هنخسرك للأبد!"

1


بدموع غزيرة وألم في صوتها، صرخت: 
"سيبني يا عبد ربه! الخيل كله هيموت!"

1


تجمع الجميع حول الإسطبل المشتعل، أيديهم ترتجف وهم يحملون دلاء المياة ويقذفون التراب على اللهب المتصاعد. الدخان الأسود غطى المكان، والرائحة الحادة للحطب المحترق ملأت الأنفاس. بدر وقفت على مسافة قريبة، عيونها تلاحق كل شعلة، قلبها يكاد ينفطر من الخوف على خيولها.

+


عبد ربه كان ينادي على الخدم:
 "قربوا بسرعة! حركوا كل حاجة ممكن تطفّي النار!"، وهم ينسحبون ويتقدمون في آن واحد، يحاولون السيطرة على اللهب المتطاير.

1


الساعة الأولى كانت معركة ضارية بين البشر والنار، اللهب يزحف على الجدران، والحرارة تكاد تحرق الجلد، لكن العزيمة لم تخبو، والصراخ وصرخات التحذير تملأ المكان.

+


بعد ساعتين من الجهد المستمر، وبفضل التعاون والشجاعة، بدأ الدخان يتراجع، وتلاشت ألسنة اللهب شيئا فشيئا، حتى تم السيطرة على الحريق بالكامل.

+


الدخان تلاشى، لتظهر الحقيقة القاسية أمام أعين الجميع: مئة وخمسون حصانًا قضوا نحبهم بين النيران واللهب.

2


بدر وقفت مذهولة، قلبها يكاد ينفطر، ودموعها تنهمر بلا توقف. أصوات الصراخ والندب انتشرت في المكان، وكل من كان حاضرًا شعر بثقل المصيبة. عبد ربه حاول تهدئتها، يمسك بيدها المرتجفة: 
"هدّي نفسك يا بدر… مش هنقدر نرجع اللي راح، بس لازم نتحرك بسرعة."

+


الجثث المحترقة للخيول، الرائحة الكريهة للدخان، والدمار الهائل للإسطبل جعل المكان أشبه بكارثة طبيعية. كل من كان هناك شعر بصدمة عميقة، ولم يكن هناك أي كلام يمكنه تخفيف الألم.

+


بدر نظرت حولها، عيونها تلمع بالحزن والغضب، وهي تدرك أن هذا الحريق لم يكن حادثًا عابرًا… شعرت بحاجة قوية لمعرفة السبب، ومن يقف وراء هذا الدمار الهائل، وبدأت تشعر أن العدالة أو الانتقام أصبح واجبًا.

+


بدر وقفت وسط الرماد والدخان، عيونها ممتلئة بالدموع، وصوتها يرتجف من الألم:
 "ليه كل ما أحاول أعمل حاجة تبوظ؟ ده كان آخر أمل ليا… الخيل دول كانوا حياتي، كانوا ذكريات والدي، كانوا جزء مني… وكل ده راح في ثواني."

2


أخذت نفسًا عميقًا، محاوِلة كبح انفجار الحزن والغضب في قلبها، لكنها شعرت بثقل المسؤولية يزداد على كتفيها.
 "مش بس الخسارة دي… أنا لازم أعرف مين اللي عمل كده… مين اللي أراد يمسح تعبنا ويقتل روحنا بين النيران… أنا مش هسكت، مش هخلي دمهم يروح هدر."

1


تحولت دموعها إلى عزم، وعيناها الشرارتين الحادتين بدأت تتوهجان بالغضب: 
"لو ده كان انتقام… أنا هلاقيك… ولو كنت مجرد حريق… هخلي كل حد يعرف إن أي ظلم هنا مش هيمر بسهولة. مش هسيب الحق يموت… مهما كلّفني."

+


الصمت حلّ للحظة، والدخان لا يزال يتصاعد، لكن في قلب بدر بدأ شعاع جديد من القوة يتشكل، شعاع يجعلها أقوى، أشدّ تصميمًا، وأشدّ استعدادًا لمواجهة كل من يقف أمامها.

+


توقفت بدر فجأة عن كل شيء، كأن الزمن تجمّد حولها، وعينيها اتسعتا من الصدمة. ارتجف جسدها قليلًا بينما حاولت أن تصدّق ما سمعته.

+


صوت الخادم جاء محملاً بالخوف والارتباك: 
"يا سي بدر… الحصان اللي كنت راكبه… لقيناه مدبوح… لما انشغلنا في الحريقة… حد عمل كده فيه…"

9


...



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close