رواية بوتقة الحب الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم هدير الصعيدي
الفصل الثاني والعشرين
عشرة أيام مروا منذ آخر لقاء بينهما كانت بهما جسد بلا روح , تتحرك بالمنزل بلا هوادة , تظل نظراتها عالقة بالساعة لساعات وهى تتمنى لو يمر الوقت سريعًا , أن ينتهى اليوم ليلحق به الآخر , باتت ملامحها باهتة , شاحبة , وإزداد الاسمرار أسفل عينيها , كان يدور بداخلها المئات والمئات من الأسئلة دون جواب , كل ليلة تدلف لغرفتها تُلقي بجسدها فوق الفراش وتظل تبكي حتى تغفو من شدة التعب.
هل ستظل على هذا الحال وإلى متى ستستطيع التحمل , هل عليها الرحيل والابتعاد عن تلك البناية , عن عالمه الذي سعت جاهدة لدخوله ولكنه كان ينبذها من البداية حتى أخرجها منه عنوة ولا أمل في الرجوع !
خروجه من المنزل بعد سماعه لحديثها دون كلمة كان ردًا كافيًا ينم عن قراره , لم يعد هناك أملًا في أن يُسامحها , لم يعد هناك أملًا لها بالحياة , لقد تمزق قلبها إربًا ولم يعد بإمكانها مداواته , كانت تأمل أن تحيا بجانبه , لقد أحبته بصدق ورغم هذا لم تتذوق حلاوة سماع أو رؤية حبه وكأن حب العالم اختزله لها وحدته ؛ زوجته !
ما أشبه اللفظين وما أبعدهما واقعًا تحياه ؛ فتلك زوجته التي لم يعشق غيرها , أما هى فزوجته مع إيقاف نبضات الحب التي توقفت برحيل الأخرى.
فكرت في مهاتفة هيام تسألها عنه ولكنها تراجعت ؛ لقد أخبرته أنها ستبتعد وستحترم قراره فكيف لها أن تتراجع الآن !
دلفت لغرفتها واستلقت فوق الفراش وأغمضت عينيها في محاولة للنوم كي تهرب من واقعها المؤلم الذي لا تعلم كيف لها أن تعتاد عليه بعد , كيف لها أن تعتاد الوحدة التي هربت منها وتعلقت بعائلة زين الصغيرة , ليتها تتوقف عن التفكير بالألام التي تلاحقها وتلاحق قلبها , أغمضت عينيها راغبة في النوم بسرعة ولكن بلا جدوى تساقطت دمعة من عينيها فوق وجنتيها فتركتها لتلحق بها أخرى وأخرى حتى باتت دموعها أنهارًا تتساقط بلا توقف , شعرت بملمس أصابع فوق وجنتيها ففتحت عينيها بفزع لتجده أمامها ينظر لها بعينين حزينتين , لا غضب بهما , ابتلعت ريقها ورمشت بعينيها عدة مرات محاولة التأكد مما ترى , تساءلت بصوت يكاد يكون مسموع
- هل ما أراه حقيقة أم أنني أتوهم ؟
أغمضت عينيها سريعًا تبكي من جديد قائلة دون أن تنتظر إجابة
- رجاءً لا تكون وهمًا .. رجاءً لم أعد أحتمل
شعرت بملمس الأصابع من جديد ففتحت عينيها بلهفة تنظر له من بين دموعها , كانت عينيها أصدق من أي حديث يحتاج سماعه منها , اعتدلت تجلس قبالته فمسح بيديه دموعها ثم هتف بهدوء
- سأعطي لتلك العلاقة فرصة حقيقية مزاهر .. فرصة سيبذل فيها كلانا كل ما بوسعه كي تنجح هذه العلاقة .. علاقة حقيقية بعيدة عن الكذب والتزييف .. لا كذبات من جديد .. هل أنتِ موافقة ؟
أومأت برأسها إيجابًا في لهفة ودموعها تتساقط من جديد , احتضنته قائلة من بين دموعها
- الحمد لله .. الحمد لله
********
كلما دق قلبها تألمت , كلما ظنت أنها ستتحرر يقف قلبها أمامها معاندًا قراراتها , تبًا لقلبها الذي يخونها ويعمل جاهدًا على إغماسها بداخل دوائر من الألم دون رأفة.
لا تعلم لمَ باتت تتجنب التواجد معه , تشعر بمشاعر غريبة تجاهه , مشاعر سبق أن شعرت بها ولكنها بُترت فجأة , ولكن تلك المرة تشعر بمشاعر جديدة , مشاعر تُلاحقها بكل مكان , باتت في حالة من الفوضى , لا تعلم أعليها أن تبتعد عن المكان بأكمله أم تظل حبيسة جدران هذا الملحق الذي لم تخرج منه لثلاثة أيام , كانت تتناول بهما الطعام بداخله , يعلو رنين هاتفها برقمه ولكنها كانت لا تُجيبه , لا تعلم كيف بدأ طوفان تلك المشاعر بداخلها , تبًا لك موسى !
على رنين هاتفها بتلك اللحظة باسمه فأخفضت صوت الهاتف , وما هى سوى لحظات وكانت طرقات الباب تدق فعلمت أنه هو من هتافه باسمها , نهضت بضيق وتوجهت تفتح الباب بعد أن ارتدت حجابها , فتحت الباب تنظر له بأعين غاضبة فرفع حاجبه متسائلًا باستنكار لما تفعله
- ما الذي يحدث ثويبة ؟ .. هلا شرحتي لي ما تفعلينه ؟
هتفت بضجر
- لا أفعل شيئًا .. موسى أنا ....
قطعت حديثها ثم نظرت له متسائلة بضيق
- موسى ماذا تريد مني ؟
لم يجيبها فتساءلت بتهكم
- هل ستظل تحرسني وتدافع عني هكذا ؟
لم يجيبها أيضًا فتساءلت من جديد باستياء
- وهل ستوافق زوجتك على كونك ستظل تدافع عني؟!
ابتسم قائلًا باستغراب
- زوجتي !! .. وأين هى ؟
نظر حوله وكأنه يبحث عنها فهتفت بضيق
- أتحدث بجدية ولا أمازحك .. ألن تتزوج يومًا ؟!
زادت ابتسامته ولم يعلق فتساءلت بغضب
- ما تلك السعادة المرتسمة فوق ملامحك ؟
هتف بنفس ابتسامته
- كنت أنا من يوجه الأسئلة وانقلب الوضع الآن .. ولكن كي أُجيبكِ لابد أن أتلقى إجابة لأسئلتي أولًا
نظرت له بضيق ثم تساءلت بتهكم
- أي أسئلة تلك التي تريد لها جوابًا
تساءل بهدوء دون مراوغة
- هل مازلتِ تأملين في القرب من منتصر ؟
ظهر الغضب على ملامحها فهتف بهدوء
- أريد جوابًا ولا داعي لكل هذا الغضب
زاد غضبها أكثر فدلفت للملحق صافعة الباب في وجهه بقوة فرفع كلا حاجبيه ثم هتف بهدوء قبل أن يرحل
- شكرًا لكِ ثويبة
********
لم تكن يومًا سيئة بتعاملها مع أي شخص , وخصوصًا لو أن هذا الشخص قدم لها معروفًا لا تعلم ماذا لو لم يرسله لها الله في هذا الوقت ربما كانت قد فارقت الحياة فلربما ارتطم رأسها بشيء أو ظلت فاقدة الوعي حتى فارقت روحها جسدها.
ما إن تحسنت حالتها حتى هاتفت رشدي تحدد معه موعد جديد بعد إلغاءهما لموعدهما , ها قد مر أسبوعًا تعافت به تمامًا من تلك الحالة التي كانت تستوطن بداخلها لا تفعل شيئًا سوى البكاء وحصد الذكريات القديمة التي قررت يومًا أن تمحوها ولكن أيطيعها قلبها بأمر كهذا !
وقفت أمام باب المنزل بتردد ثم قربت يدها من الجرس تضغطه لتنتفض صارخة فجأة ما إن شعرت بالكهرباء تصفعها , فُتح الباب لينظر لها آدم بأسف قائلًا
- أعتذر منكِ ولكن الخادمة سكبت مياة على الحوائط وجاءت فوق زر الجرس
كانت ملامحها متألمة لتهتف بهدوء وهى تحاول تناسي الأمر
- حسنًا لا عليك .. ولكن لتنتبه بالمرة القادمة
ابتسم آدم قائلًا
- لا تقلقي لقد عنفتها بسبب فعلتها ووعدتني ألا تفعلها من جديد
ابتسمت كلثم بهدوء ثم هتفت بامتنان صادق
- جئت كي أشكرك وأشكر شقيقتك .. سلمى أليس كذلك ؟
خرجت سلمي بتلك اللحظة قائلة
- هناك من يهتف باسمي
ابتسمت كلثم قائلة موجهة حديثها لسلمى
- جئت كي أشكركما .. كنت فظة بعض الشيء يومها ولكني كنت متعبة .. أعتذر منكما وأعاود شكركما من جديد .. لا أعلم كيف أوفيكما حقكما
ابتسم كلاهما لتهتف سلمى بابتسامة هادئة
- لا داعي للشكر .. ولكن إن أردتي أن تفينا حقنا كما ذكرتي فلتصلحي الحمام رجاءً
عقدت حاجبيها قبل أن تهتف بتذكر
- أعتذر .. ولكني لا أفهم ما المشكلة .. كنت سأسألكما عنه
هتف آدم بملامح يبدو عليها الضيق
- لقد دمر حائط المرحاض .. رجاءً أحضري سباكًا في أقرب وقت
هتفت كلثم بصدق
- لا أعلم عن الأمر شيئًا
هتف آدم بضيق
- لقد أخبرت الحارس وأخبرني أنه اخبرك .. هل كذب ؟ .. حسنًا سأحاسبه على هذا
هتفت كلثم برجاء
- لا داعي لذلك .. أنا كنت متعبة بالفترة الماضية .. ربما أخبرني حقًا ولكني لم انتبه له .. المهم الآن أن نصلح الأمر
أومأ آدم لتهتف كلثم بتردد
- أنا لا أعرف سباكًا لأحضره .. هل يمكنك......
قاطعها آدم بهدوء
- حسنًا سأجلب أنا وأخبرك بالأمر .. هل يناسبكِ الغد ؟
أومأت كلثم برأسها إيجابًا قائلة
- مناسب جدًا
ودعتهما وغادرت متوجهة للشركة الخاصة برشدي , وصلت حيث مكتب رشدي لتقابلها مديرة مكتبه والتي رحبت بها ودلفت تخبر رشدي لتدلف كلثم بعد عدة ثواني , رحب بها رشدي قائلًا
- لن أُخفيكِ سرًا أنني سعيد لتواجدكِ برفقتنا
ابتسمت كلثم قائلة
- أتمنى أن تظل هكذا .. وألا أُخيب ظنك
ابتسم رشدي قائلًا بعد أن هاتف مديرة مكتبه يخبرها أن تخبر مزمل بوصول الأستاذة كلثم
- سيأتي الآن مزمل .. ابن شقيقي رحمه الله وذراعي الأيمن بالشركة .. ستعملان سويًا إن شاء الله تعالى
ابتسمت كلثم وتابعت المكتب بعينيها حتى سمعت طرقات على باب المكتب , دلف عقبها مزمل , ابتسمت بهدوء ما إن التقت نظراتهما ليهتف رشدي مبتسمًا
- هذا مزمل .. هذه كلثم التي أخبرتك عنها
ابتسم مزمل وهو يتابعها بعينيه , لم تروق لها نظراته , لم تكن نظراته خبيثة ولكنها شعرت بنظراته وكأنه يستهزىء بها أو ربما ينظر لها بدونية قليلًا , على ما يبدو هذا الرجل غير راضي عن تواجدها هنا.
جلس مزمل على المقعد المقابل لها وهو مازال يتابعها بنظراته , أخبرهما رشدي أنه سيتركهما قليلًا فلديه اجتماع هام وأوصى مزمل بإخبار كلثم بطبيعة العمل.
خرج فنهض مزمل من جلسته وجلس على مقعد عمه , ابتسمت كلثم بسخرية ليلمح ابتسامتها فهتف ببرود
- أتيت زفافكما برفقة عمي وخطيبتي دليلة وأحزنني حقًا سماع خبر انفصالكما
ابتسمت كلثم دون أن يظهر التوتر على ملامحها , فكرت في أسلوب مزمل معها فهل سيلاعبها بتلك الطريقة من اللحظة الأولى !
وضعت ساقًا فوق الاخرى قائلة
- آسفة حقًا لحزنك .. لم أكن أعلم أنك تهتم بمتابعة مثل تلك الأخبار .. ظننتها فقط تهم المراهقين .. ولكن المهتمين بسوق العمل لا يهمهم مثل تلك الأحاديث
ظهر الغضب على ملامحه فابتسمت بانتصار قائلة في نفسها
" تظن أنك ستهزمني .. لم تعرفني بعد "
مال مزمل يستند بمرفقيه فوق المكتب , ومازال الغضب مرتسم فوق ملامحه , هتف بهدوء محاولًا التحكم بانفعالاته
- أرى أن نمر بجولة داخل الشركة كي تتعرفي جيدًا لطبيعة العمل ثم لنعود كي أخبركِ بكل شيء تفصيلًا بالمكتب
هتفت بابتسامة هادئة وهى تنهض من جلستها
- حسنًا هيا بنا
تابع ابتسامتها وهدوءها بغيظ ثم نهض هو الآخر , خطى تجاه باب المكتب فلحقت به وعلى وجهها ابتسامة منتصرة.
********
لقد تملك منها الغضب ولم يعد بإمكانها التوقف أو التراجع عما تفعله , ستحارب الجميع وتدافع عن حبها , ستفعل كل ما بوسعها كي يبادلها حبها ويُلقي بحب كلثم بعيدًا فلم يعد لها وجودًا من الآن ولن يعد لها وجودًا وستعمل هى على ذلك بكل طاقتها.
جلست بالسيارة في انتظاره إلى أن وجدته يخرج من باب الفيلا يتحدث بهاتفه غير منتبهًا لها , اقترب منها السيارة فالتقت أعينهما لينظر لها باستغراب , أنهى المكالمة سريعًا وفتح باب السيارة واستقلها بجانبها متسائلًا
- ماذا تفعلين هنا ؟
ابتسمت قائلة
- سأذهب معك للشركة
رفع حاجبه متسائلًا باستنكار
- ولمَ ؟
هتفت بنفس الابتسامة
- لأنني أود أن أتعلم العمل وأستلم حصتي بالشركة
ظهر الغضب على ملامحه قبل أن يهتف بضجر
- تريدين العمل مثلما كانت تفعل كلثم
ظهر الضيق على ملامحها قبل أن تخفيه ببراعة قائلة وهى تعتدل بمقعدها وتنظر أمامها
- لم تعد موجودة بحياتنا .. هى اختارت أن تترك العائلة التي عمل جدي على الحفاظ عليها لذا سنخرجها نحن أيضًا وليس من العائلة فقط
نظرت له لتكمل بجدية
- بل من عالمنا بأكمله .. لم نعد نعرف فتاة بذلك الاسم .. لقد توفت ابنة عمي بحادث
ظهرالغضب على ملامحه لتهتف بابتسامة هادئة
- من الممكن أن نعتبر أن هذا ما حدث لها .. ربما نخبر الجميع بذلك أيضًا .. سنرى ماذا سنفعل حينها
كان الغضب يزداد فوق ملامحه وهو ينظر لها ويستمع لجنون كلماتها , لقد جنت زينة أو هكذا كانت ولكنه لم يكن يرى جنونها من قبل !
وصلا الشركة فأمسكت بيده لينظر لها قائلًا وهو يحرر يده منها
- اطمئني لم ندخل أنا وكلثم الشركة يومًا متشابكي الأيدي .. الشركة للعمل فقط زينة
نظرت له وظلت نظراتها مثبتة إليه قبل أن تهتف وهى تتقدمه بخطواتها
- حسنًا هيا
لحق بها وهو يدعو الله أن يمر اليوم بسلام فكيف سيعمل معها الآن ؛ لقد تحولت زينة تمامًا , دلف مكتبه فهتف بهدوء وهو يجلس على مقعده
- سأخبرهم أن يُعدوا مكتب لكِ
ابتسمت قائلة بفرحة
- جيد
جلست على المقعد أمام المكتب فوقعت نظراتها على برواز لا ترى صورته , نهضت ونظراتها مُعلقة به فانتبه لنظراتها فحمل البرواز قبل أن تقترب بيدها منه متسائلًا بضيق
- ما الأمر؟
هتفت بابتسامة وهى تحاول أخذه
- أريني الصورة
فتح درج مكتبه ووضع البرواز به وأغلقه تحت نظراتها لتتساءل بغضب
- لمَ مازلت تضع صورتها فوق مكتبك ؟
تساءل بهدوء
- وما أدراكِ أنها صورتها ؟!
تساءلت بغضب
- لمَ أخفيتها إذن ؟!
ضرب المكتب بيده قائلًا بغضب
- زينة كفى .. لن أقبل تلك التصرفات الجنونية
انفعلت قائلة بغضب
- أنا مجنونة ! .. لأنني أُحبك وأغار أصبحت مجنونة !!
مرر يده في شعره ثم نهض وحمل هاتفه وبعض الأوراق وخرج من المكتب قائلًا بغضب
- رحماك يا الله
تابعته بنظراتها الغاضبة ثم جلست على مقعده , فتحت الدرج وأمسكت بالصورة لتجدها لكلثم , نظرت لها بأعين غاضبة تملؤها الغيرة والكراهية قبل أن تقلب البرواز وتفتحه بانفعال , أخرجت الصورة ومزقتها إربًا ثم ألقت بها بسلة المهملات بجانبها وأعادت البرواز بالدرج كما كان.
********
بعض القرارت الخاطئة تكون عاقبتها وخيمة , ونعلم ذلك ولكننا نسير مغمضي الأعين خلف اختيارات قلوبنا , ناحين العقل جانبًا.
وصل مكتبه يحمل بين يديه بعض الأوراق فنهضت مديرة مكتبه فور رؤيته قائلة بهدوء
- لقد غادرت السيدة فيروز قبل قليل
عقد حاجبيه باستغراب متسائلًا
- كيف غادرت ؟ .. ألم تخبركِ بشيء ؟
هزت رأسها يمنة ويسارًا قائلة بهدوء
- كلا .. غادرت وحاولت اللحاق بها ومحادثتها ولكنها لم تجيبني
زاد استغرابه , ولكنه لم يعلق , دلف مكتبه وأغلق الباب خلفه فوقعت عيناه على اللاب توب الخاص به مفتوح فرفع حاجبه وسار تجاهه بخطوات شبه راكضة , وصل فلمح شاشته ولمح الأوراق المنثورة بجانبه , حملها يقرأ محتواها ليضرب جبهته بيده , تركها فوق المكتب وخرج راكضًا تلاحقه نظرات مديرة مكتبه المستغربة !
..
منذ أن وصلت إلى منزل والدها وهى جالسة فوق فراشها تبكي , ووالدتها فوق رأسها تحاول معرفة ما بها ولكن دون جدوى , سمعا رنين جرس الباب فنهضت والدتها لتوقفها فيروز قائلة من بين دموعها
- إن كان تميم لا تخبريه أنني هنا
نظرت لها والدتها بغير رضا قائلة
- كلا لن أفعل ذلك .. هل تريديني أن أُخفيكِ عن زوجكِ ؟
نهضت فيروز تمسح دموعها قائلة بغضب
- لا تقولي زوجك .. أمي رجاءً لا تخبريه أنني هنا .. لا أريد رؤيته
عاد رنين جرس الباب فخرجت والدتها بخطوات مسرعة تجاه الباب , فتحته ليقابلها تميم بوجه قلق , تساءل بلهفة
- أين فيروز ؟ .. أتت أليس كذلك ؟
نظرت له والدتها ولم تُجيبه فتساءل بقلق
- ما بكِ زوجة عمي ؟ .. أخبريني رجاءً هل أتت فيروز ؟
اقتربت منه زوجة عمه قائلة بهمس
- هى بالداخل بغرفتها وأخبرتني أن أنفي وجودها ولكنني لن أفعل ذلك
ربت تميم فوق كتفيها بامتنان ودلف بخطوات شبه راكضة فأغلقت زوجة عمه الباب وهى تدعو لهما بصلاح الحال , وصل حيث غرفتها فوجد بابها موارب فنظر منه ليجدها تبكي , تألم قلبه وطرق الباب قبل أن يدفعه برفق , نظرت له بغضب لتنهض من جلستها قائلة بغضب
- لم تسمع لي أمي .. أنا المخطئة بقدومي هنا
اقترب منها تميم قائلًا برجاء
- اهدئي فيروز .. أود التحدث معكِ
نظرت له بغضب قائلة ودموعها مازالت تتساقط فوق وجنتيها
- تقصد تكذب .. كل الحديث الخارج من بين شفتيك ما هو سوى كذبات أتقنتها حتى باتت أشبه بالحقيقة وأنا الساذجة التي صدقها بسهولة ووثقت بك وأنت أبعد ما يكون عن الثقة
ظهر الحزن فوق ملامحه من حديثها فهتفت بغضب
- لا تدعي الحزن والتأثر .. أنت كاذب تميم ربما تكذب أيضًا بتلك التصرفات
هتف تميم برجاء
- اسمعيني فيروز أولًا .. لا تحكمي دون سماع
سارت تحت نظراته حتى وصلت لحقيبتها , فتحتها وأخرجت منها عدة أوراق , عادت حيث يقف يتابع فعلتها لتلقيها بوجهه قائلة
- أنت أكبر مخادع تميم .. سافر فادي أليس كذلك وتركني .. وأنت الحنون ذو القلب الكبير الذي أتيت لتنقذني من براثن الحزن الذي وقعت به
كان ينظر لها ولحالتها ويسمع لحديثها وبداخله يتمزق إربًا , لم يكن يتصور أن تعلم شيئًا بتلك الطريقة , لم يفكر في عواقب فعلته ولم يحسب يومًا كهذا.
اقترب منها يمسك بذراعها فدفعته عنها تحرر ذراعها منه قائلة بغضب
- لا تقترب مني مجددًا
دلفت والدتها بتلك اللحظة تنظر لهما بقلق قائلة
- لقد دلف الشيطان بينكما .. لا تفعلا ذلك .. تحدثا بهدوء
نظرت لها فيروز بعتاب قائلة
- أخبرتكِ أنني لا أريده أن يعلم بوجودي
هتف تميم برجاء
- فيروز .. أعلم أنكِ غاضبة ولكن ربما تكون الصورة غير واضحة تمامًا أمامكِ .. رجاءً دعيني أشرح الأمر لكِ
هتفت فيروز بغضب
- اخرج من المنزل تميم .. لا أريد رؤيتك .. وبالغد تكون ورقة طلاقي بين يدي هل تفهم ؟
شهقت والدتها مغطية فمها بيدها , بينما اتسعت عيني تميم قليلًا ليهتف بعتاب
- لن يصل الأمر لتلك النقطة فيروز .. يجب أن نتحدث
دفعته فيروز محاولة إخراجه من الغرفة قائلة
- اخرج تميم .. لا أريد أن أسمع منك شيئًا
دلف والدها بتلك اللحظة متسائلًا بقلق
- ما الذي يحدث ؟ .. لمَ هذا الصراخ ؟
نقل والدها نظراته بين ثلاثتهم لتهتف والدتها بأعين دامعة
- لا أعلم شيئًا ولكن يبدو أن هناك شيئًا كبيرًا بينهما .. وفيروز تخبره بأن يطلقها
اتسعت عيني والدها , بينما أخذت فيروز تدفع تميم فخرج من الغرفة على مضض , ظلت تدفعه حتى توقف يمسك بذراعيها قائلًا بغضب
- كفى فيروز .. اسمعيني قليلًا .. لا تدعي الغضب يحرككِ
حاولت تحرير ذراعيها منه ولكن دون جدوى فصرخت بوجهه أن يتركها ولكن أيضًا دون فائدة , تساءلت بانفعال غاضب
- ألا تمتلك ذرة كرامة واحدة ؟
نهرها والدها فصرخت تحاول تحرير ذراعيها إلى أن تركها فهتفت بغضب
- بالبداية أتيت تطلب الزواج مني وتنازلت عن كرامتك حينها .. والآن أخبرك أنني لا أريدك بالمنزل وأطردك وأخبرك أنني لا أريد إكمال تلك الزيجة وها أنت الآن تتنازل من جديد عن المتبقي من كرامتك
اقترب منها والدها يصفعها بقوة فوضعت يدها على وجنتها من هول الصدمة , هم بصفعها مجددًا فأمسك تميم به يبعده عنها قائلًا برجاء
- لا تفعل أرجوك ..هى غاضبة ولا تعي ما تتفوه به .. أنا لست غاضبًا من حديثها
نظر له والدها وعلامات الغضب مازالت مرتسمة فوق ملامحه , بينما سحبت زوجة عمه فيروز للداخل كي تبعدها عن والدها.
جلس والدها على أقرب مقعد ومازال الغضب يحتل قسمات وجهه , أخذ يتوعدها ويتمتم غاضبًا فنظر له تميم بحزن ثم هتف قبل أن يغادر
- يجب أن أذهب .. سيسوء الأمر أكثر إن بقيت وهى لن تقبل سماعي الآن
نظر عمه في أثره بحزن ثم نهض من جلسته متوجهًا حيث غرفة فيروز بخطوات غاضبة , دفع الباب بقوة فنظرت له زوجته بخوف قائلة برجاء وهى تقف أمام فيروز تحجبها عنه
- لا تضربها .. أعلم أنها مخطئة وكنت أعنفها بالحديث الآن ولكن لا تضربها
انفعل والدها غاضبًا
- ألم تشاهديها وهى تناطح زوجها بالحديث وتهينه أمامي بلا خجل
ظلت فيروز تبكي ولم تعلق على حديث والدها , خرج والدها من الغرفة غاضبًا , بينما جلست والدتها على الفراش بجانبها قائلة بجدية
- فلتزيلي أمر الطلاق هذا من رأسكِ
نظرت لها فيروز بأعين محمرة قائلة
- لن أعود لتميم أمي .. لن أُكمل تلك اللعبة
عقدت والدتها حاجبيها متسائلة باستنكار
- ماذا تعني بلعبة ؟ .. هل الزواج لعبة أم ماذا ؟
نظرت لها فيروز ولم تعلق بل عادت تبكي من جديد فنهضت والدتها قائلة بغضب
- تميم يُحبكِ وأقسم بالله أنكِ إن تركتيه ستخسري وستندمي على رجل كهذا .. ألم ترى كيف دافع عنكِ ومنع والدكِ من ضربكِ .. رجل غيره كان قد سمع حديثكِ هذا كان طلقكِ في الحال .. أما هو فونعم الرجال .. اعلمي أنني ووالدكِ سنكون غاضبين عليكِ إن استمريتِ في الهذيان بأمر الطلاق
أنهت حديثها وخرجت من الغرفة فدفنت فيروز وجهها بين كفيها تبكي بقوة قبل أن تسمع صرخات والدتها فنهضت تركض للخارج لتجد والدها مفترش الأرض ووالدتها بجانبه تبكي.
...............
يتبع
عشرة أيام مروا منذ آخر لقاء بينهما كانت بهما جسد بلا روح , تتحرك بالمنزل بلا هوادة , تظل نظراتها عالقة بالساعة لساعات وهى تتمنى لو يمر الوقت سريعًا , أن ينتهى اليوم ليلحق به الآخر , باتت ملامحها باهتة , شاحبة , وإزداد الاسمرار أسفل عينيها , كان يدور بداخلها المئات والمئات من الأسئلة دون جواب , كل ليلة تدلف لغرفتها تُلقي بجسدها فوق الفراش وتظل تبكي حتى تغفو من شدة التعب.
هل ستظل على هذا الحال وإلى متى ستستطيع التحمل , هل عليها الرحيل والابتعاد عن تلك البناية , عن عالمه الذي سعت جاهدة لدخوله ولكنه كان ينبذها من البداية حتى أخرجها منه عنوة ولا أمل في الرجوع !
خروجه من المنزل بعد سماعه لحديثها دون كلمة كان ردًا كافيًا ينم عن قراره , لم يعد هناك أملًا في أن يُسامحها , لم يعد هناك أملًا لها بالحياة , لقد تمزق قلبها إربًا ولم يعد بإمكانها مداواته , كانت تأمل أن تحيا بجانبه , لقد أحبته بصدق ورغم هذا لم تتذوق حلاوة سماع أو رؤية حبه وكأن حب العالم اختزله لها وحدته ؛ زوجته !
ما أشبه اللفظين وما أبعدهما واقعًا تحياه ؛ فتلك زوجته التي لم يعشق غيرها , أما هى فزوجته مع إيقاف نبضات الحب التي توقفت برحيل الأخرى.
فكرت في مهاتفة هيام تسألها عنه ولكنها تراجعت ؛ لقد أخبرته أنها ستبتعد وستحترم قراره فكيف لها أن تتراجع الآن !
دلفت لغرفتها واستلقت فوق الفراش وأغمضت عينيها في محاولة للنوم كي تهرب من واقعها المؤلم الذي لا تعلم كيف لها أن تعتاد عليه بعد , كيف لها أن تعتاد الوحدة التي هربت منها وتعلقت بعائلة زين الصغيرة , ليتها تتوقف عن التفكير بالألام التي تلاحقها وتلاحق قلبها , أغمضت عينيها راغبة في النوم بسرعة ولكن بلا جدوى تساقطت دمعة من عينيها فوق وجنتيها فتركتها لتلحق بها أخرى وأخرى حتى باتت دموعها أنهارًا تتساقط بلا توقف , شعرت بملمس أصابع فوق وجنتيها ففتحت عينيها بفزع لتجده أمامها ينظر لها بعينين حزينتين , لا غضب بهما , ابتلعت ريقها ورمشت بعينيها عدة مرات محاولة التأكد مما ترى , تساءلت بصوت يكاد يكون مسموع
- هل ما أراه حقيقة أم أنني أتوهم ؟
أغمضت عينيها سريعًا تبكي من جديد قائلة دون أن تنتظر إجابة
- رجاءً لا تكون وهمًا .. رجاءً لم أعد أحتمل
شعرت بملمس الأصابع من جديد ففتحت عينيها بلهفة تنظر له من بين دموعها , كانت عينيها أصدق من أي حديث يحتاج سماعه منها , اعتدلت تجلس قبالته فمسح بيديه دموعها ثم هتف بهدوء
- سأعطي لتلك العلاقة فرصة حقيقية مزاهر .. فرصة سيبذل فيها كلانا كل ما بوسعه كي تنجح هذه العلاقة .. علاقة حقيقية بعيدة عن الكذب والتزييف .. لا كذبات من جديد .. هل أنتِ موافقة ؟
أومأت برأسها إيجابًا في لهفة ودموعها تتساقط من جديد , احتضنته قائلة من بين دموعها
- الحمد لله .. الحمد لله
********
كلما دق قلبها تألمت , كلما ظنت أنها ستتحرر يقف قلبها أمامها معاندًا قراراتها , تبًا لقلبها الذي يخونها ويعمل جاهدًا على إغماسها بداخل دوائر من الألم دون رأفة.
لا تعلم لمَ باتت تتجنب التواجد معه , تشعر بمشاعر غريبة تجاهه , مشاعر سبق أن شعرت بها ولكنها بُترت فجأة , ولكن تلك المرة تشعر بمشاعر جديدة , مشاعر تُلاحقها بكل مكان , باتت في حالة من الفوضى , لا تعلم أعليها أن تبتعد عن المكان بأكمله أم تظل حبيسة جدران هذا الملحق الذي لم تخرج منه لثلاثة أيام , كانت تتناول بهما الطعام بداخله , يعلو رنين هاتفها برقمه ولكنها كانت لا تُجيبه , لا تعلم كيف بدأ طوفان تلك المشاعر بداخلها , تبًا لك موسى !
على رنين هاتفها بتلك اللحظة باسمه فأخفضت صوت الهاتف , وما هى سوى لحظات وكانت طرقات الباب تدق فعلمت أنه هو من هتافه باسمها , نهضت بضيق وتوجهت تفتح الباب بعد أن ارتدت حجابها , فتحت الباب تنظر له بأعين غاضبة فرفع حاجبه متسائلًا باستنكار لما تفعله
- ما الذي يحدث ثويبة ؟ .. هلا شرحتي لي ما تفعلينه ؟
هتفت بضجر
- لا أفعل شيئًا .. موسى أنا ....
قطعت حديثها ثم نظرت له متسائلة بضيق
- موسى ماذا تريد مني ؟
لم يجيبها فتساءلت بتهكم
- هل ستظل تحرسني وتدافع عني هكذا ؟
لم يجيبها أيضًا فتساءلت من جديد باستياء
- وهل ستوافق زوجتك على كونك ستظل تدافع عني؟!
ابتسم قائلًا باستغراب
- زوجتي !! .. وأين هى ؟
نظر حوله وكأنه يبحث عنها فهتفت بضيق
- أتحدث بجدية ولا أمازحك .. ألن تتزوج يومًا ؟!
زادت ابتسامته ولم يعلق فتساءلت بغضب
- ما تلك السعادة المرتسمة فوق ملامحك ؟
هتف بنفس ابتسامته
- كنت أنا من يوجه الأسئلة وانقلب الوضع الآن .. ولكن كي أُجيبكِ لابد أن أتلقى إجابة لأسئلتي أولًا
نظرت له بضيق ثم تساءلت بتهكم
- أي أسئلة تلك التي تريد لها جوابًا
تساءل بهدوء دون مراوغة
- هل مازلتِ تأملين في القرب من منتصر ؟
ظهر الغضب على ملامحها فهتف بهدوء
- أريد جوابًا ولا داعي لكل هذا الغضب
زاد غضبها أكثر فدلفت للملحق صافعة الباب في وجهه بقوة فرفع كلا حاجبيه ثم هتف بهدوء قبل أن يرحل
- شكرًا لكِ ثويبة
********
لم تكن يومًا سيئة بتعاملها مع أي شخص , وخصوصًا لو أن هذا الشخص قدم لها معروفًا لا تعلم ماذا لو لم يرسله لها الله في هذا الوقت ربما كانت قد فارقت الحياة فلربما ارتطم رأسها بشيء أو ظلت فاقدة الوعي حتى فارقت روحها جسدها.
ما إن تحسنت حالتها حتى هاتفت رشدي تحدد معه موعد جديد بعد إلغاءهما لموعدهما , ها قد مر أسبوعًا تعافت به تمامًا من تلك الحالة التي كانت تستوطن بداخلها لا تفعل شيئًا سوى البكاء وحصد الذكريات القديمة التي قررت يومًا أن تمحوها ولكن أيطيعها قلبها بأمر كهذا !
وقفت أمام باب المنزل بتردد ثم قربت يدها من الجرس تضغطه لتنتفض صارخة فجأة ما إن شعرت بالكهرباء تصفعها , فُتح الباب لينظر لها آدم بأسف قائلًا
- أعتذر منكِ ولكن الخادمة سكبت مياة على الحوائط وجاءت فوق زر الجرس
كانت ملامحها متألمة لتهتف بهدوء وهى تحاول تناسي الأمر
- حسنًا لا عليك .. ولكن لتنتبه بالمرة القادمة
ابتسم آدم قائلًا
- لا تقلقي لقد عنفتها بسبب فعلتها ووعدتني ألا تفعلها من جديد
ابتسمت كلثم بهدوء ثم هتفت بامتنان صادق
- جئت كي أشكرك وأشكر شقيقتك .. سلمى أليس كذلك ؟
خرجت سلمي بتلك اللحظة قائلة
- هناك من يهتف باسمي
ابتسمت كلثم قائلة موجهة حديثها لسلمى
- جئت كي أشكركما .. كنت فظة بعض الشيء يومها ولكني كنت متعبة .. أعتذر منكما وأعاود شكركما من جديد .. لا أعلم كيف أوفيكما حقكما
ابتسم كلاهما لتهتف سلمى بابتسامة هادئة
- لا داعي للشكر .. ولكن إن أردتي أن تفينا حقنا كما ذكرتي فلتصلحي الحمام رجاءً
عقدت حاجبيها قبل أن تهتف بتذكر
- أعتذر .. ولكني لا أفهم ما المشكلة .. كنت سأسألكما عنه
هتف آدم بملامح يبدو عليها الضيق
- لقد دمر حائط المرحاض .. رجاءً أحضري سباكًا في أقرب وقت
هتفت كلثم بصدق
- لا أعلم عن الأمر شيئًا
هتف آدم بضيق
- لقد أخبرت الحارس وأخبرني أنه اخبرك .. هل كذب ؟ .. حسنًا سأحاسبه على هذا
هتفت كلثم برجاء
- لا داعي لذلك .. أنا كنت متعبة بالفترة الماضية .. ربما أخبرني حقًا ولكني لم انتبه له .. المهم الآن أن نصلح الأمر
أومأ آدم لتهتف كلثم بتردد
- أنا لا أعرف سباكًا لأحضره .. هل يمكنك......
قاطعها آدم بهدوء
- حسنًا سأجلب أنا وأخبرك بالأمر .. هل يناسبكِ الغد ؟
أومأت كلثم برأسها إيجابًا قائلة
- مناسب جدًا
ودعتهما وغادرت متوجهة للشركة الخاصة برشدي , وصلت حيث مكتب رشدي لتقابلها مديرة مكتبه والتي رحبت بها ودلفت تخبر رشدي لتدلف كلثم بعد عدة ثواني , رحب بها رشدي قائلًا
- لن أُخفيكِ سرًا أنني سعيد لتواجدكِ برفقتنا
ابتسمت كلثم قائلة
- أتمنى أن تظل هكذا .. وألا أُخيب ظنك
ابتسم رشدي قائلًا بعد أن هاتف مديرة مكتبه يخبرها أن تخبر مزمل بوصول الأستاذة كلثم
- سيأتي الآن مزمل .. ابن شقيقي رحمه الله وذراعي الأيمن بالشركة .. ستعملان سويًا إن شاء الله تعالى
ابتسمت كلثم وتابعت المكتب بعينيها حتى سمعت طرقات على باب المكتب , دلف عقبها مزمل , ابتسمت بهدوء ما إن التقت نظراتهما ليهتف رشدي مبتسمًا
- هذا مزمل .. هذه كلثم التي أخبرتك عنها
ابتسم مزمل وهو يتابعها بعينيه , لم تروق لها نظراته , لم تكن نظراته خبيثة ولكنها شعرت بنظراته وكأنه يستهزىء بها أو ربما ينظر لها بدونية قليلًا , على ما يبدو هذا الرجل غير راضي عن تواجدها هنا.
جلس مزمل على المقعد المقابل لها وهو مازال يتابعها بنظراته , أخبرهما رشدي أنه سيتركهما قليلًا فلديه اجتماع هام وأوصى مزمل بإخبار كلثم بطبيعة العمل.
خرج فنهض مزمل من جلسته وجلس على مقعد عمه , ابتسمت كلثم بسخرية ليلمح ابتسامتها فهتف ببرود
- أتيت زفافكما برفقة عمي وخطيبتي دليلة وأحزنني حقًا سماع خبر انفصالكما
ابتسمت كلثم دون أن يظهر التوتر على ملامحها , فكرت في أسلوب مزمل معها فهل سيلاعبها بتلك الطريقة من اللحظة الأولى !
وضعت ساقًا فوق الاخرى قائلة
- آسفة حقًا لحزنك .. لم أكن أعلم أنك تهتم بمتابعة مثل تلك الأخبار .. ظننتها فقط تهم المراهقين .. ولكن المهتمين بسوق العمل لا يهمهم مثل تلك الأحاديث
ظهر الغضب على ملامحه فابتسمت بانتصار قائلة في نفسها
" تظن أنك ستهزمني .. لم تعرفني بعد "
مال مزمل يستند بمرفقيه فوق المكتب , ومازال الغضب مرتسم فوق ملامحه , هتف بهدوء محاولًا التحكم بانفعالاته
- أرى أن نمر بجولة داخل الشركة كي تتعرفي جيدًا لطبيعة العمل ثم لنعود كي أخبركِ بكل شيء تفصيلًا بالمكتب
هتفت بابتسامة هادئة وهى تنهض من جلستها
- حسنًا هيا بنا
تابع ابتسامتها وهدوءها بغيظ ثم نهض هو الآخر , خطى تجاه باب المكتب فلحقت به وعلى وجهها ابتسامة منتصرة.
********
لقد تملك منها الغضب ولم يعد بإمكانها التوقف أو التراجع عما تفعله , ستحارب الجميع وتدافع عن حبها , ستفعل كل ما بوسعها كي يبادلها حبها ويُلقي بحب كلثم بعيدًا فلم يعد لها وجودًا من الآن ولن يعد لها وجودًا وستعمل هى على ذلك بكل طاقتها.
جلست بالسيارة في انتظاره إلى أن وجدته يخرج من باب الفيلا يتحدث بهاتفه غير منتبهًا لها , اقترب منها السيارة فالتقت أعينهما لينظر لها باستغراب , أنهى المكالمة سريعًا وفتح باب السيارة واستقلها بجانبها متسائلًا
- ماذا تفعلين هنا ؟
ابتسمت قائلة
- سأذهب معك للشركة
رفع حاجبه متسائلًا باستنكار
- ولمَ ؟
هتفت بنفس الابتسامة
- لأنني أود أن أتعلم العمل وأستلم حصتي بالشركة
ظهر الغضب على ملامحه قبل أن يهتف بضجر
- تريدين العمل مثلما كانت تفعل كلثم
ظهر الضيق على ملامحها قبل أن تخفيه ببراعة قائلة وهى تعتدل بمقعدها وتنظر أمامها
- لم تعد موجودة بحياتنا .. هى اختارت أن تترك العائلة التي عمل جدي على الحفاظ عليها لذا سنخرجها نحن أيضًا وليس من العائلة فقط
نظرت له لتكمل بجدية
- بل من عالمنا بأكمله .. لم نعد نعرف فتاة بذلك الاسم .. لقد توفت ابنة عمي بحادث
ظهرالغضب على ملامحه لتهتف بابتسامة هادئة
- من الممكن أن نعتبر أن هذا ما حدث لها .. ربما نخبر الجميع بذلك أيضًا .. سنرى ماذا سنفعل حينها
كان الغضب يزداد فوق ملامحه وهو ينظر لها ويستمع لجنون كلماتها , لقد جنت زينة أو هكذا كانت ولكنه لم يكن يرى جنونها من قبل !
وصلا الشركة فأمسكت بيده لينظر لها قائلًا وهو يحرر يده منها
- اطمئني لم ندخل أنا وكلثم الشركة يومًا متشابكي الأيدي .. الشركة للعمل فقط زينة
نظرت له وظلت نظراتها مثبتة إليه قبل أن تهتف وهى تتقدمه بخطواتها
- حسنًا هيا
لحق بها وهو يدعو الله أن يمر اليوم بسلام فكيف سيعمل معها الآن ؛ لقد تحولت زينة تمامًا , دلف مكتبه فهتف بهدوء وهو يجلس على مقعده
- سأخبرهم أن يُعدوا مكتب لكِ
ابتسمت قائلة بفرحة
- جيد
جلست على المقعد أمام المكتب فوقعت نظراتها على برواز لا ترى صورته , نهضت ونظراتها مُعلقة به فانتبه لنظراتها فحمل البرواز قبل أن تقترب بيدها منه متسائلًا بضيق
- ما الأمر؟
هتفت بابتسامة وهى تحاول أخذه
- أريني الصورة
فتح درج مكتبه ووضع البرواز به وأغلقه تحت نظراتها لتتساءل بغضب
- لمَ مازلت تضع صورتها فوق مكتبك ؟
تساءل بهدوء
- وما أدراكِ أنها صورتها ؟!
تساءلت بغضب
- لمَ أخفيتها إذن ؟!
ضرب المكتب بيده قائلًا بغضب
- زينة كفى .. لن أقبل تلك التصرفات الجنونية
انفعلت قائلة بغضب
- أنا مجنونة ! .. لأنني أُحبك وأغار أصبحت مجنونة !!
مرر يده في شعره ثم نهض وحمل هاتفه وبعض الأوراق وخرج من المكتب قائلًا بغضب
- رحماك يا الله
تابعته بنظراتها الغاضبة ثم جلست على مقعده , فتحت الدرج وأمسكت بالصورة لتجدها لكلثم , نظرت لها بأعين غاضبة تملؤها الغيرة والكراهية قبل أن تقلب البرواز وتفتحه بانفعال , أخرجت الصورة ومزقتها إربًا ثم ألقت بها بسلة المهملات بجانبها وأعادت البرواز بالدرج كما كان.
********
بعض القرارت الخاطئة تكون عاقبتها وخيمة , ونعلم ذلك ولكننا نسير مغمضي الأعين خلف اختيارات قلوبنا , ناحين العقل جانبًا.
وصل مكتبه يحمل بين يديه بعض الأوراق فنهضت مديرة مكتبه فور رؤيته قائلة بهدوء
- لقد غادرت السيدة فيروز قبل قليل
عقد حاجبيه باستغراب متسائلًا
- كيف غادرت ؟ .. ألم تخبركِ بشيء ؟
هزت رأسها يمنة ويسارًا قائلة بهدوء
- كلا .. غادرت وحاولت اللحاق بها ومحادثتها ولكنها لم تجيبني
زاد استغرابه , ولكنه لم يعلق , دلف مكتبه وأغلق الباب خلفه فوقعت عيناه على اللاب توب الخاص به مفتوح فرفع حاجبه وسار تجاهه بخطوات شبه راكضة , وصل فلمح شاشته ولمح الأوراق المنثورة بجانبه , حملها يقرأ محتواها ليضرب جبهته بيده , تركها فوق المكتب وخرج راكضًا تلاحقه نظرات مديرة مكتبه المستغربة !
..
منذ أن وصلت إلى منزل والدها وهى جالسة فوق فراشها تبكي , ووالدتها فوق رأسها تحاول معرفة ما بها ولكن دون جدوى , سمعا رنين جرس الباب فنهضت والدتها لتوقفها فيروز قائلة من بين دموعها
- إن كان تميم لا تخبريه أنني هنا
نظرت لها والدتها بغير رضا قائلة
- كلا لن أفعل ذلك .. هل تريديني أن أُخفيكِ عن زوجكِ ؟
نهضت فيروز تمسح دموعها قائلة بغضب
- لا تقولي زوجك .. أمي رجاءً لا تخبريه أنني هنا .. لا أريد رؤيته
عاد رنين جرس الباب فخرجت والدتها بخطوات مسرعة تجاه الباب , فتحته ليقابلها تميم بوجه قلق , تساءل بلهفة
- أين فيروز ؟ .. أتت أليس كذلك ؟
نظرت له والدتها ولم تُجيبه فتساءل بقلق
- ما بكِ زوجة عمي ؟ .. أخبريني رجاءً هل أتت فيروز ؟
اقتربت منه زوجة عمه قائلة بهمس
- هى بالداخل بغرفتها وأخبرتني أن أنفي وجودها ولكنني لن أفعل ذلك
ربت تميم فوق كتفيها بامتنان ودلف بخطوات شبه راكضة فأغلقت زوجة عمه الباب وهى تدعو لهما بصلاح الحال , وصل حيث غرفتها فوجد بابها موارب فنظر منه ليجدها تبكي , تألم قلبه وطرق الباب قبل أن يدفعه برفق , نظرت له بغضب لتنهض من جلستها قائلة بغضب
- لم تسمع لي أمي .. أنا المخطئة بقدومي هنا
اقترب منها تميم قائلًا برجاء
- اهدئي فيروز .. أود التحدث معكِ
نظرت له بغضب قائلة ودموعها مازالت تتساقط فوق وجنتيها
- تقصد تكذب .. كل الحديث الخارج من بين شفتيك ما هو سوى كذبات أتقنتها حتى باتت أشبه بالحقيقة وأنا الساذجة التي صدقها بسهولة ووثقت بك وأنت أبعد ما يكون عن الثقة
ظهر الحزن فوق ملامحه من حديثها فهتفت بغضب
- لا تدعي الحزن والتأثر .. أنت كاذب تميم ربما تكذب أيضًا بتلك التصرفات
هتف تميم برجاء
- اسمعيني فيروز أولًا .. لا تحكمي دون سماع
سارت تحت نظراته حتى وصلت لحقيبتها , فتحتها وأخرجت منها عدة أوراق , عادت حيث يقف يتابع فعلتها لتلقيها بوجهه قائلة
- أنت أكبر مخادع تميم .. سافر فادي أليس كذلك وتركني .. وأنت الحنون ذو القلب الكبير الذي أتيت لتنقذني من براثن الحزن الذي وقعت به
كان ينظر لها ولحالتها ويسمع لحديثها وبداخله يتمزق إربًا , لم يكن يتصور أن تعلم شيئًا بتلك الطريقة , لم يفكر في عواقب فعلته ولم يحسب يومًا كهذا.
اقترب منها يمسك بذراعها فدفعته عنها تحرر ذراعها منه قائلة بغضب
- لا تقترب مني مجددًا
دلفت والدتها بتلك اللحظة تنظر لهما بقلق قائلة
- لقد دلف الشيطان بينكما .. لا تفعلا ذلك .. تحدثا بهدوء
نظرت لها فيروز بعتاب قائلة
- أخبرتكِ أنني لا أريده أن يعلم بوجودي
هتف تميم برجاء
- فيروز .. أعلم أنكِ غاضبة ولكن ربما تكون الصورة غير واضحة تمامًا أمامكِ .. رجاءً دعيني أشرح الأمر لكِ
هتفت فيروز بغضب
- اخرج من المنزل تميم .. لا أريد رؤيتك .. وبالغد تكون ورقة طلاقي بين يدي هل تفهم ؟
شهقت والدتها مغطية فمها بيدها , بينما اتسعت عيني تميم قليلًا ليهتف بعتاب
- لن يصل الأمر لتلك النقطة فيروز .. يجب أن نتحدث
دفعته فيروز محاولة إخراجه من الغرفة قائلة
- اخرج تميم .. لا أريد أن أسمع منك شيئًا
دلف والدها بتلك اللحظة متسائلًا بقلق
- ما الذي يحدث ؟ .. لمَ هذا الصراخ ؟
نقل والدها نظراته بين ثلاثتهم لتهتف والدتها بأعين دامعة
- لا أعلم شيئًا ولكن يبدو أن هناك شيئًا كبيرًا بينهما .. وفيروز تخبره بأن يطلقها
اتسعت عيني والدها , بينما أخذت فيروز تدفع تميم فخرج من الغرفة على مضض , ظلت تدفعه حتى توقف يمسك بذراعيها قائلًا بغضب
- كفى فيروز .. اسمعيني قليلًا .. لا تدعي الغضب يحرككِ
حاولت تحرير ذراعيها منه ولكن دون جدوى فصرخت بوجهه أن يتركها ولكن أيضًا دون فائدة , تساءلت بانفعال غاضب
- ألا تمتلك ذرة كرامة واحدة ؟
نهرها والدها فصرخت تحاول تحرير ذراعيها إلى أن تركها فهتفت بغضب
- بالبداية أتيت تطلب الزواج مني وتنازلت عن كرامتك حينها .. والآن أخبرك أنني لا أريدك بالمنزل وأطردك وأخبرك أنني لا أريد إكمال تلك الزيجة وها أنت الآن تتنازل من جديد عن المتبقي من كرامتك
اقترب منها والدها يصفعها بقوة فوضعت يدها على وجنتها من هول الصدمة , هم بصفعها مجددًا فأمسك تميم به يبعده عنها قائلًا برجاء
- لا تفعل أرجوك ..هى غاضبة ولا تعي ما تتفوه به .. أنا لست غاضبًا من حديثها
نظر له والدها وعلامات الغضب مازالت مرتسمة فوق ملامحه , بينما سحبت زوجة عمه فيروز للداخل كي تبعدها عن والدها.
جلس والدها على أقرب مقعد ومازال الغضب يحتل قسمات وجهه , أخذ يتوعدها ويتمتم غاضبًا فنظر له تميم بحزن ثم هتف قبل أن يغادر
- يجب أن أذهب .. سيسوء الأمر أكثر إن بقيت وهى لن تقبل سماعي الآن
نظر عمه في أثره بحزن ثم نهض من جلسته متوجهًا حيث غرفة فيروز بخطوات غاضبة , دفع الباب بقوة فنظرت له زوجته بخوف قائلة برجاء وهى تقف أمام فيروز تحجبها عنه
- لا تضربها .. أعلم أنها مخطئة وكنت أعنفها بالحديث الآن ولكن لا تضربها
انفعل والدها غاضبًا
- ألم تشاهديها وهى تناطح زوجها بالحديث وتهينه أمامي بلا خجل
ظلت فيروز تبكي ولم تعلق على حديث والدها , خرج والدها من الغرفة غاضبًا , بينما جلست والدتها على الفراش بجانبها قائلة بجدية
- فلتزيلي أمر الطلاق هذا من رأسكِ
نظرت لها فيروز بأعين محمرة قائلة
- لن أعود لتميم أمي .. لن أُكمل تلك اللعبة
عقدت والدتها حاجبيها متسائلة باستنكار
- ماذا تعني بلعبة ؟ .. هل الزواج لعبة أم ماذا ؟
نظرت لها فيروز ولم تعلق بل عادت تبكي من جديد فنهضت والدتها قائلة بغضب
- تميم يُحبكِ وأقسم بالله أنكِ إن تركتيه ستخسري وستندمي على رجل كهذا .. ألم ترى كيف دافع عنكِ ومنع والدكِ من ضربكِ .. رجل غيره كان قد سمع حديثكِ هذا كان طلقكِ في الحال .. أما هو فونعم الرجال .. اعلمي أنني ووالدكِ سنكون غاضبين عليكِ إن استمريتِ في الهذيان بأمر الطلاق
أنهت حديثها وخرجت من الغرفة فدفنت فيروز وجهها بين كفيها تبكي بقوة قبل أن تسمع صرخات والدتها فنهضت تركض للخارج لتجد والدها مفترش الأرض ووالدتها بجانبه تبكي.
...............
يتبع
