اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم سهي الشريف


22 | وباتَ الحـبُ مُعلنًا


                                              
ليس هناك ذنب يتعاظم علي رحمة الله 
ذنبك مهما عظم "شيء" 
ورحمة الله وسعت كل شيء.

+


| أبو اسحاق الحويني « رحمه الله » 

+


_ لا تنسوا إخوانكم في غزة و السودان و اليمن و سوريا لا تنسوا المسلمين المُستضعفين في كل مكان، ضموهم في دعائكم و تتبعوا أخبارهم وسلوا الله لهم السلامة و الثبات. 

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الثاني_والعشرون
#سهى_الشريف 

+


_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .

+


« قراءة مُمتعة »

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


منذ أن سُمي "أبًا" كان عليه أن يكون ملجأً، لا مصدرَ خوف، لكن أحيانًا يتحول البيت إلى متاهة،
والأب... إلى ظلٍّ مخيف.

+


كان "جواد" لا يزال واقفًا أمام الزجاج، أنفاسه تتسارع وتتباطأ ثم تعود لترتفع ثانية، وكل ذبذبة على الشاشة الموصولة بجسد "ليلى" تُذكّره أنها لا تزال هنا...
تُقاوم... تُحاول.

+


ومن خلفه كان الصمت لا يزال سيّد الموقف ؛
لكنه كان يعلم...حين يتكلم "حسام" أو "هَـنا"
ستتكشف خيوط حكاية أخرى .

+


عاد و ألتفت لهم و عقد ذراعيه أمام صدرهِ باهتمام وملامح واجمة شاردة ، ثم تسائل :

+


- هتفضلوا ساكتين كتير ؟!

+


رفعت " هَـنا " عيناها الحائرة نحو شقيقها لتجده صامت بشكل مُريب ، بينما " جواد" مازال ينقل بصره بينهم حتى سأم الوضع ، واعتدل في وقفته و مد أنامله لجيب بدلته العلوية و أخرج بطاقة صغيرة و أقترب منهم و مد يده نحو " هَـنا " و استطرد ببرود :

+


- بما إن حسام عارف ، اتفضلي الكارت دا يمكن تعرفي أنا مين .

+


تناولت " هَـنا " البطاقة منه في تردد و مررت بعيناها على الكلمات المنقوشة تزامنًا مع رجوع " جواد " خطوة للوراء و وضع يداه في جيب بنطاله و أردف بنفس النبرة الجافة :

+


- جواد الرفاعي ، خريج كلية حقوق قسم القانون التجاري .. و معلومة إضافيه مش في الكارت والدتي تكون فاتن القاضي خريجة كلية حقوق برضو قسم قانون الأسرة و الأحوال الشخصية.

+


رفعت "هَـنا" عيناها بذهول له لتجده يستطرد :

+


- و ليلى عايشة معانا من صغرها لولا... إن أبوها خدها و أختفى بعيد عننا من 15 سنة ، و ما صدقت لقيتها .

+


ثم بحركة خاطفة من أنامله التي تسللت بخفة ،سحب البطاقة منها و أعادها لجيبه ببرود و سط سكون " حسام " و نظراته الباردة للأسفل ، ليُردف :

+


- بما إني عرفتكم عني ، يجي دوركم ... و إنتِ أكيد صاحبتها ، إلي كانت ليلى هربانه من أبوها عندك و كانت عاوزه تودعك قبل ما تسيبك .

+


تنفست " هَـنا " بانتظام على قدر المُستطاع و أومأت بهدوء لتجد " جواد" يُتابع :

+


- و كريمة .. أختكم الكبيرة ، هي صاحبة الليلة كلها...

+



                                      


                
و قبل أن يُتابع قاطعه " حسام " بنبرة واجمة :

+


- كريمة كانت نرد زيها زينا .

+


ارتفع حاجبيّ " جواد" بإدراك صامت ثم قطب حاجباه و أجاب :

+


- يبقى كده في حد كبير ممشي الكل ... امم ، و دا يطلع أمينة ولا كريم ؟!

+


بينما الصمت ألتهم الأجواء بطريقة مُفزعة ، " هَـنا " تقف تحاول ربط الأحداث لا تفهم شىء، و تلك الأسماء المعروفة بالنسبة لها تتطاير أمام عيناها لا تفهم الوصل بينهم ، بينما " حسام " لا يرفع نظراته عن الأرض في سكون مُريب ، لتنبس " هَـنا " :

+


- حضرتك لو توضح عشان أنا معدتش فاهمة !

+


تجاهل " جواد " عبارتها و نقل بصره بينهم وألقي بكلماته بصوته الأجش:

+


- أكيد أمينة ...

+


و سكن لوهلة خاطفة للهواء المُحيط ، مُتابعًا :

+


- خالة ليلى .

+


و هُنا اتسعت الأربع أعيُن نحوه بذهول ، فارتسمت شبح ابتسامة جانبية على ثغره ثم تظاهر الجهل و تسائل مُجددًا :

+


- و كريم ! يطلع إبنها مش كده ؟!

+


نبس بتسائله و عيناه تنتقل بينهُم بانتشاء غريب ، لتُبلل " هَـنا " ريقها تحاول إستعاب الحقيقة التي قُذفت أمامها ، أما " حسام " فباتت علامات الإستفهام داخله تجد إجابتها المنطقية ، و تباينت الصورة أمامه، فأخفض أهدابه بشىء من الآسى لذلك الإدراك لاحظه " جواد " لكنه صمت .

+


فلم يعُد هناك مستراحٌ للانتظار الآن...
لقد بدأت الحقائق تخرج من جحورها، تتلوّى بين الكلمات، وتُزاح الستائر واحدة تلو الأخرى،
و"جواد"... لم يعُد يحمل فقط اسمًا أو لقبًا أو صفة قانونية !

+


بل يحمل وعدًا، قطعَهُ على قلبه قبل لسانه...
وعدًا لـ"ليلى"... تلك الطفلة التي سرقوا منها الأمان، 
ثم كبرت وظلت تبحث عنه بعيّنيها المُرتعشتين،
وعدًا بأن يُظهر الحقيقة كاملة، مهما تسترت...
بأن يُخرج ما في جُعبته من أدلّة وأسرار، كانت حبيسة الصمت، تُحارب وحدها في الظلام.

+


قطع ذلك الصمت الملىء بالجفاء عبارات " حسام " بخواء :

+


- أنا معرفش حاجة عن ماضي ليلى ، أنا لقيت أختي بتقولي في مصلحة هنطلع وراها بفلوس ، و المطلوب كدبة .

+


ضاقت عينايّ " جواد" من سماع العبارة الأخيرة وانجذبت حواسه لِما سيُقال تبعًا و الذي يحمل أمرًا خطيرًا تأكد منه حينما نبس " حسام " قائلًا :

+


- إني أقنع ليلى تكدب عليك في إسمها ...مقابل إني أهددها بمامتها إلي هي طلعت متعرفش عايشة ولا لأ .

+


رفع " جواد " رأسه لأعلى بخفة و تنهد بعُمق ، الآن وضحت أمامه الخطة بأكملها ، فهز رأسه بخفة عدة مرات في إدراك ثم رفع إحدى حاجبيه و تسائل بغموض :

+




          

                
- و إيه مصلحة أمينة ورا حاجة زي كده ؟!

+


- معرفش ، أنا كنت مفكرها مصلحة هطلع من وراها بقرشين ، بس لقيت الموضوع بيوسع و بقا كبير ، و لما واجهناها أنا و أختي و طلبنا نعرف إيه مصلحتها لفت و دارت بالموضوع و معرفتناش حاجة ، و فهمنا دا انتقام و هي هتنفذه بينا أو بغيرنا .

+


عادت " هَـنا " بخطوة للوراء و استندت على الحائط خلفها بذهول ،أخويها الإثنان إشتركا بشكل أو بآخر في الإنتقام من شابة بريئة ! ما كان ذنبُها !!

+


ما كان ذنبُها ...سوى إنها وُلدت لعائلة مسلوخة الرحمة من قلوبهم ، كلٌ يطمع لمصلحته مستخدمينها طُعمًا لمفاسدهم ، يتلاعبون بحياتها كما يتلاعب صانع الدُمى بألعابه ، يحركها كيفما شاء و يُنهي دورها متى شاء !
قاذفين بيها لأعمقِ هاوية ، مُجردينها من كاملِ حقوقها ، و تاركينها في غابة الضياع .

+


من المسؤول عن ما آلت له حياةُ فتاةٍ مثلُها ؟!
أم ! أب ؟! 
أم نفوسًا مريضة صنعت وحوشًا بشرية !

+


أطبق " جواد " قبضته بُعنف حتى أبيضت مفاصل أنامله ، و نبس بكلماتٍ حادة يحاول التحكم في أنفاسه :

+


- إنت عارف إني مش بعرف أمد إيدي على حد ،و لو في أسوء الحالات عملت مش هيبقى في المستشفى ، بس إنت دماغك مش هتعرف تجيب أنا نفسي أعمل فيك إيه دلوقتي.

+


رفع " حسام " نظراته الخاويه نحو عيناه الهائجة ، لكن رأى بها شيئًا آخر غير الغضب ... إنه الألم .

+


يقف أمامه بثبات مُزيف ، يستقبل جريمة نُسجت خيوطها من نار ، صُنعت للإيقاع بفتاةٍ سُلبت منهُ عنوةً لسنوات ، لتعود أمامه بجسدٍ مُعنف ، روحٌ مكسورة و أنفاسٍ قُطعت من شدة الصراخِ بلا رجاء ، كان المُتهم الوحيد فيها هو من أنجبها للحياة .

+


اخفض بصره مُجددًا ... لا يلومه...
هو مُخطأ ؟ نعم .
أ يعترف بذلك ؟! و بشدة .

+


أشاح " جواد " بصره عنه عنوةً ، لم يعُد قادرًا على النظر في عيناه ، لا يستطيع تحمُل وقوفه أمامه حيًا معافى ، و الآخرى ترقُد على فراش المستشفى مُتخذه جهاز التنفس وصلة الأمل بين الحياة و الموت ...

+


ليس غاضبًا منه تحديدًا بقدر ما هو غاضب و مُحترق من أن المجرمين أحرارًا بالخارج ، لم يعيشوا ما مرت به ، فقط تلذذوا بالتعذيب ، ابتسموا بإنتشاء لدموعها ، و الآن ! الآن فقط يشاهدون نتيجة حصادهم !

+


حقًا ! الشيطان سعيد بهم ؛
لقد حظى برفقة رائعة لنار جهنم .

+


رنين آتى من هاتف " جواد" مزق ذلك الجو المُلغم ، ليرفع الهاتف أمام بصره و أجاب بجفاء :

+


- آيوه يا وائل .

+


كانت ملامحه الجامدة ، ترتخي بصورة مُريبة أمام استقابله لكلمات " وائل " المُندفعة ، ليهتف بعدم تصديق:

+


- آسر مين إلي إضرب بالنار ؟!

1


كان سؤال يبدوا غبيًا أن يُلقيه شخصٌ مثله ، لكن مع كلِ ما مر به خلال الدقائق الماضية لم يعُد يمتلك ذرة تعقُل واحدة تُثبته أمام هذا الخبر الفاجع .

+



        
          

                
- طيب أنا جاي ليكم .

+


و أغلق الإتصال بذهول صامت ، فبلل ريقه بصعوبة و ألتفت ليجد الأربع أعيُن مُصوبة نحوه بقلق ، تجاهلهم و تقدم نحو الزُجاج يُلقي بنظره على جسدها السكان و تلك النغمات المُنتظمه التي تصدر عن جهاز يقيس نبضات قلبها الرقيق ، ليشعُر بخطوات خافته من خلفه و صوتًا يقول :

+


- إحنا مش هنسيبها ، تقدر تروح.

+


سكن " جواد" لوهلة قبل أن يلتفت بنصف وجهه لتلتقي عيناه بعينيّ " حسام " و الذي رأى فيهم صدقًا ود لو يُصدقه لكنه دثر كل ذلك قائلًا بوجوم :

+


- أنا مش هسيبها عشان واثق فيكم ، بس هسيبها عشان أنا مش بإيدي أعمل حاجة دلوقتي غير لما تفوق ...

+


ثم ألتفت أمامه كليًا و تابع :

+


- لو الندم إلي شايفه في عينك حقيقي ، أحب أشوفها بخير لحد ما أرجع و ميقربش منها حاجة ، إنما لو ...

+


- من غير ما تكمل ، مش محتاج أسمع تهديدك عشان اخاف و ضميري يفوق ، محدش هيقرب منها ،إتأكد إني هعمل دا و لو على رقبتي .

+


عاد " جواد" برأسه للخلف بخفة و تنهد بخفوت ، و نقل بصره بين عيناه ، ثم حول بصره ببرود نحو شقيقته التي أتخذت الدموع سبيلًا حُرًا للتعبير عن صدقها ، ليميل " حسام " بجسده في نفس الثانية التي أندفع فيها " جواد " بعيدًا عن جمعهُم يُعدل من وضع بدلته فوق كتفه .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


صافرات مُدوية تقطع سكون الليل المُعتم سوى من أبواق المركبات في طرق القاهرة.

+


صافرات تُنبه الحواس بأمرٍ واحد ، يُنفذ على إصره فعل وحيد ، هو إفساح الطريق أمامها ، تلك هي سيارة الإسعاف .

+


و تحديدًا تلك السيارة التي تحمل جسدًا ينزف بعد أن طلبها " ريان " فور خروجه من المسجد و رؤية رفيقه بدمائه ، و الآن هو بجانبه رفقة الطاقم الطبي ، يُراه مُمددًا أمامه بعد محاولة لإيقاف النزيف الذي أصاب قدمه و أفقده دماء كثيرة من عُمق الإصابة .

+


ألتفت نحو الزجاج الصغير القابع في باب سيارة الإسعاف يُبصر سيارة آخرى تتبعهم و التي كان بها باقي شباب العائلة الذين آصروا اللحاق بهم ، ثم عاد ببصره لجسد " آسر " الذي كان في حالة واهنة و فقدان جزئي للوعي ، بينما جهاز التنفس القابع على وجهه يمُده بدقائق من الوعي الآخرى ألا يفقده و يذهب في فقدان تام .

+


و وسط حالة " ريان " المُظطربة الهاذية لم ينتبه لكف " آسر " الذي رفعه بمقاومة طفيفة من جسده ، ليمد " ريان " خاصته و يضم كفهُ بين كفِه في حركة دلت على الدعم و إرسال رسالة طمأنينة محتواها " أنا هُنا لا تبتأس ".

2


شعر " ريان " أن " آسر " يحاول التحدث فرفع عنه جاهز التنفس جزئيًا و اقترب من وجهه ليجده يقول بكلماته مُتفرقة :

+



        
          

                
- ريان .. لو .. لو حصلي حاجة .. إدعيلي كتير .. و .. و قول .. و قول لربنا إني .. إني كنت بحبه .. و بعدت عنه .. بعدت عنه غصب عني .. و آسف .. و آسف إني فضلت كده .. إدعيلي كتير .. و متنسنيش .. يا صـ ..صاحبي .

10


قال كلمته الأخيرة و سالت دمعة حارة من عيناه مسحتها أنامل " ريان " بخفة و همس بالقرب من أذنه و هو يمسح على شعره يحاول كبت دموعه :

+


- متقولش الكلام دا .. إنت هتقوم و تكون كويس ، و ربنا عالم بقلوب عبادة ... إنت هتبقى كويس و هتقوله الكلام ده و هو رحيم ، هيقبلك والله ، بس قول يارب .

+


- يارب .

+


نبس بها " آسر " بوهن فرفع " ريان " قناع التنفس على وجهه مرة آخرى و رآه يفتح عيناه يدور بمقلتيه في محيطه ليقترب " ريان " منه بتسلية و قال :

+


- بعدين إنت هتعيش الدور ولا إيه ؟! دا جت في رجلك يا جدع .

3


و رآى " ريان " اتساع ابتسامة " آسر " بوهن فابتسم بخفة لابتسامته و مازال وجهه مقتحن بإحمرار خفيف يحاول كبت دموعه قبل أن تخونه دمعه و تهبط على وجنته بخفة ليسمع صوت" آسر " يقول بعمق ، محاولًا الشد على قبضته التي بين قبضة " ريان " :

+


- متعيطش.

+


مسح " ريان " دمعته بطرف أنامله و قال بصوت مُختنق :

+


- مش بعيط عليك ، بس بكره عربيات الإسعاف .

+


ثم ختم عبارته بضحكه قصيرة إبتسم على إثره " آسر " بخفة .

+


و أخذت السيارة تقطع صفوف الطريق نحو المستشفى و كانت ذاتها التي يعمل بها " ريان " ، إحدى استثمارات شركة الرفاعي .

+


توقفت سيارة الإسعاف و خرج منها " آسر " على الناقلة نحو قسم الطوارئ و دخل معه " ريان " و " مروان " بينما توقف الباقي في الخارج يتمتمون بأدعية و رجاءات .

+


| قبل خمس ساعات |

+


فيلا على أطراف العاصمة : قاعة الاجتماعات الخاصة .

+


سكنت الأضواء الخافتة بين جدرانٍ مكسوة بخشب داكن، تُعانق جدرانها صورًا باهتة لأزمنة لم يعد لها أثر، بينما الطاولة الفخمة في المنتصف تنعكس على سطحها اللامع خطوط من وهج جهاز العرض.

+


كان الهواء داخل القاعة خانقًا، لا بفعل الطقس، بل بتراكم النوايا السوداءالتي لا تُقال.

+


وقف "عز" كظل على الجدار، يُقلّب بين الشرائح المعروضة على الشاشة و خلفه جلس أربعة رجال تتباين ملامحهم، لكن تتشابه نظراتهم... نظرات من اعتادوا أن لا يسألوا كثيرًا، طالما أن المال في الجيب والهدف واضح.

+


نبس "عز" بنبرة محسوبة يُشير لصورة معروضة :

+


- دي الأرض اللي همّا عايزين يبنوا فيها المشروع ، ودي نفس الأرض اللي كانت في المزاد من سنتين، واللي إحنا طيّرناه من تحت رجلهم ، بس ساعتها؟ آسر لعبها صح... وخرج بيها نظيف.

+



        
          

                
تحرك أحد الرجال في مقعده ،رجل أصلع بلحية خفيفة، عيونه غائرة كأنها تأبى أن تُظهِر شعورًا وقال بصوت أجش:

+


-والمزاد اللي جاي؟

+


هتف "عز" وهو يشير بالشاشة:

+


- هو ده الغنيمة ، الصفقة قدام الكاميرات، بحضور رجال أعمال، سفراء، إعلام... منظر رسمي بس تحت الترابيزة؟ إحنا بندخل السوق العقاري نغسل أموال، نشتري رجالة، ونقفل اللعبة عليهم للأبد .

+


تحدث رجل آخر في بدلة الرمادية ، ملامحه لا تنتمي لمكان بعينه، لكن نبرة ضحكته كانت مرعبة في هدوئها ،قال وهو يميل للأمام:

+


- و عيلة الرفاعي ؟

+


جلس "عز " بهدوء، ويده تعبث بكوب القهوة دون أن يشرب:

+


- اللي بدأنا بيه هننهي بيه، العيلة دي تفككت خلاص... كل واحد فيهم متراقب، و عندك مثلًا لما يضرب آسر؟ الباقي هيخاف، وهيبقى سهل نفرّقهم بالفضايح والخناقات .

+


تقدّم الرجل الأصلع مرة أخرى، عبس:

+


- بس محاولة قتل كده في الشارع؟ مخاطرة كبيرة.

+


ضحك "عز" ضحكة قصيرة لا تخلو من استهزاء:

+


- الموت ساعات بيبقى رسالة... وساعات بيبقى بروڤة ، آسر لازم يعرف إننا شايفينه... وهنوصله، مهما استخبى.

+


وفجأة...
انكسر الصمت.

+


خرج الصوت من خلف الستارة، عميقًا، واثقًا، لا يعلو، لكنّه يُخرس ،لم يكن كصوت ضيف، ولا شريك، بل كأنه صوت ظلّ قديم خرج من حكاية مُهملة، تاهت نهايتها.

+


قال ذلك الرجل ذو الهيئة المُخيفو بنبرة باردة، تُخفي وراءها ألف لغم:

+


- اللعبة بدأت قبل ما أنتم تفتكروا إنها لعبة ،
واللي بيلعب على الحبلين؟ مش دايمًا بيقع...
فيه ناس بترقص عليه لحد ما كل الأطراف تنزف ،
والدم مش دايمًا خسارة... ساعات بيغسل السيرة.

3


تجمّدت الأنفاس ،
لم يردّ أحد ، لا" عز" ولا رجاله ،
حتى الشاشة توقفت عن التبديل، كأنها خافت أن تُعرض وجهًا يعرف الحقيقة.

+


ثم عاد وساد صمتٌ للحظة، كأن القاعة نفسها تجمدت على وقع كلماته ،لم يكن واضحًا أي طرف يقصده، ولا من سينزف أولًا...لكن شيءً واحدًا بات مؤكدًا ؛
هذا الرجل لا ينتمي لأحد ؛
هو فقط، ينتمي إلى النهاية.

+


ابتسم "عز" ابتسامة صامتة، عيناه فقط من ردّت:

+


- غريب دايمًا يا ... (ع.س)... بس واضح إننا مش لوحدنا على المسرح.

+


ظلّ ذلك المدعو (ع.س) ساكنًا، كأنه لم يكن، كأن صوته هو فقط من مرّ، كأن حضوره لا يُرى، لكن أثره لا يُمحى.

+


بعد انتهاء الاجتماع ، أُغلقت الأبواب الثقيلة خلف آخر الخارجين، بينما ظل "عز " واقفًا، يُحدّق في الخريطة المطفأة على شاشة العرض بعدة ساعات آخرى ،لم يكن وحده كانت خطوات "نورين" الأنثوية بذلك الكعب الرفيع تأتي من خلفه ، حتى يكن الصوت و جلست على طرف أريكة جلدية .

+



        
          

                
أدار "عز " ظهره، تقدّم نحوها بخطى بطيئة، لكنه كان كمن يزحف بثقل الغضب لا بخطوات البشر.

+


- الولد اتحرك النهارده للمسجد ... مكنة صغيرة بتستناه و في ظرف لحظة كله هينتهي و يمشي .

+


مدّ يده ورفع جهازًا صغيرًا أمامه، ضغط زرًا، وسمع صوت أحد رجاله في السماعة:

+


- الموقع تحت المراقبة يا باشا... أول ما يتحرك، نتحرك.

+


هز "عز" رأسه، ثم طفى الجهاز، والتفت إلى "نورين" اقترب منها ببطء، وابتسامة مائلة على طرف شفته، لكنها لم تكن بريئة أبدّا.

+


اقترب و جلس بالقرب منها و مد ذراعه بطول حواف الكنبة و قال :

+


-مالك يا بيبي؟ قاعدين نخطط وإنتِ وشّك زي اللي طالع من عزا... خايفة؟

+


ابتلعت "نورين " ريقها بصعوبة، ثم همست بصوت مبحوح:

+


- بصراحة... آه.

+


ابتسم " عز" ببرود ، و بنظرة خاوية تسائل :

+


- قوليلي بس... خايفة من إيه؟ أوعي تكوني خايفة على آسر؟

+


لم تُجبه. بل بلعت ريقها بصعوبة، وكأن الكلمات نفسها تخونها ، مدّ يده فجأة، وأطبق على فكّها بقسوة، شدّ وجهها نحوه بعنف و همس بعُنف :

+


- إوعى يكون قلبك لسه متعلق بيه!بقولك إيه يا نورين... اللي بيقرب من عدوي بيبقى عدوي ، وأنا ما برحمش عدوي.

+


دمعة صغيرة هبطت غصب عنها، و صوتها خرج مرتجفًا، واهنًا كظلّ بعد عاصفة:

+


- أنا مش... أنا مش قصدي ، بس اللي بيحصل ده كتير... وممكن يتقلب علينا !

+


أفلت وجهها، وكأن ما قالته لا يساوي حتى الغضب ، ثم وقف، ودار حول الأريكة ببطء، يمسح بأصابعه سطحها وكأنه يُفكّر... أو يخطّط.

+


ثم قال، ونبرته تجمع بين الغطرسة واليأس:

+


- آسر هيتضرب... مش علشان يموت، لأ ! علشان يعرف إننا شايفينه، وإن النار اللي ولّعناها ما بتهداش...النار مش بتسكت غير لما تخلص على اللي قدامها.

+


توقّف خلفها، وألقى نظرة أخيرة عليها من فوق كتفه، وكأنها لم تكن سوى قطعة من لعبة، قابلة للانكسار في أي لحظة.

+


- إنتي بس خليكِ في مكانك وكوّني عاقلة ، النار دي مش محتاجة حطب تاني .

+


ثم مضى.
وترَك خلفه جسدًا مرتجفًا، وقلبًا لا يعرف إن كان ما يخشاه هو فقدان " آسر" ...
أم مواجهة الوحش الذي صار أقرب مما ظنت.

+


| عودة للحاضر |

+


خرج " ريان " من غرفة الطوارئ بعد ما عادل النصف ساعة ، كان هناك بُقع دماء جافة من آثار حمله لجسد " آسر " حينما أُصاب ، ليخرج مُستقبلًا عيون قلقة فتنهد بعُمق و كاد أن يستطرد قبل أن يجد هتفات آتت من آخر الرواق ليُبصر إندفاع عائلة " آسر " منهم " وائل " و " مراد " و " جليل " و شقيقه " رياض" و شقيقتهم " مريهان " و بناتها الثلاثة و زوجها .

+



        
          

                
تسمرت الأعين في وجه "ريان" ينتظرون نطقًا يُنقذ قلوبهم من جحيم الاحتمالات ، أعيُن الجميع تطرح سؤالًا واحدًا ؛ " كيف حاله ؟ "

+


تنحنح الطبيب الشاب قليلًا، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حازمة:

+


-؛الرصاصة أصابت الساق في الجزء الأمامي، بين العضلات، مافيش كسر في العظام، ولا إصابة للشرايين أو الأعصاب الحمدلله... النزيف كان خارجي واتوقف بسرعة.

+


تبادلوا النظرات، قبل أن يسأل" رياض" بصوت مختنق:

+


- يعني هيبقى كويس؟

+


أجابه بهدوء، وهو يخلع القفاز من يده:

+


- آسر حالته مستقرة، هيمشي على عكاز لفترة وهيلبس رباط ضاغط، بس ما فيش أي خطر على الحركة الدائمة ، هيحتاج مسكنات، ومضادات حيوية... لكن طبيًا، الإصابة مش خطيرة الحمد لله .

+


تأوه الجميع بذهول خافت و سكنوا لحظة، اقترب "وائل" بخطوات متوترة، صوته مخنوق:

+


-يعني مش هيفقد القدرة على المشي؟

+


هزّ "ريان" رأسه بثقة:

+


-لا إن شاء الله ... العضلات هتتعافى، هو صغير في السن وبنيته قوية، بس محتاج صبر... ومراقبة نفسية كمان، الضغط اللي اتعرض له مش سهل.

+


فأومأ الجميع و تنهدوا براحة ثم أكمل " ريان" بنبرة أكثر جديّة:

+


-بس اللي حصل ده... مش صدفة ! ماكانش ضرب نار عشوائي ولا حادثة الهدف كان آسر.

+


تجمدت نظرات الجميع، و تسائل صوت أجش جامد من خلفهم و لم يكن سوى " جواد " :

+


- يعني تقصد محاولة قتل؟

+


ألتفت الجميع له من بينهم "ريان" ، ليقترب " جواد " و يتوقف بالقرب من الأول في انتظار بارد لإجابته ، ليستطرد " ريان " :

+


- أيوه، ومحسوبة كويس كمان ، طلقة واحدة بس، موجهة لرجله مش للرأس ولا القلب... كأن اللي ضربه كان عايز يبعتله رسالة، مش ينهيه.

+


تقدم حينها " جليل " يتقدم، مُغمغمًا :

+


- طب هو فين دلوقتي؟ نقدر نشوفه؟

+


أجابه "ريان" بصرامة طبية :

+


- دخلنا بيه العناية المركزة لساعتين كده ، بس مش علشان حالته، لكن علشان نأمّنه... من دلوقتي هيتنقل غرفة مراقبة خاصة، والزيارات محدودة جدًا... ما نقدرش نخاطر بحاجة تانية تحصل.

+


ثم قاطعهم صوت أحد الممرّضات، خرجت سريعًا من الداخل:

+


- دكتور ريان، آسر فاق... بيطلبك.

+


عندها أشار "ريان" بخفة:

+


- ممكن حد منكم يدخل معايا... بس بهدوء ، هو لسه تحت تأثير المُهدئ.

+


تقدم سريعًا " جواد " بالقرب منه و همس بنبرة راجية ، فإن كان في موقف آخر لعرف عن نفسه ، نسبه و عمله لكنه فقط نبس :

+



        
          

                
- دخلني معاه أنا جواد إبن عمه و عاوز أعرف منه شوية حاجات.

+


أومأ " ريان " بهدوء و هتف بتوضيح :

+


- طيب بس من غير ضغط .

+


أرخى "جواد" أهدابه بخفة، ثم رفعها بتزامن مع إماءة هادئة من رأسه، كأن قلبه سبق خطواته إلى الداخل ،و تبع "ريان" في صمتٍ مشوبٍ بالحذر، خطواتهما الخافتة تتردد على الأرضية المعقّمة كأنها تطرق على أعصابه هو لا على البلاط البارد.

+


للمرة الثانية في ذات الليلة، يدخل على جسدٍ يعرفه عن ظهر قلب...
لكنّه لم يعهده بهذا الضعف.

+


"آسر" كان ممددًا فوق فراش المستشفى، وقد انكمش الجسد الذي طالما بدا صلبًا لا يُكسر، صار الآن هشًّا، شاحبًا، تتناثر حوله أسلاكٌ ومعدّات لا حياة فيها، كأنها تطوّقه لا لتُعينه... بل لتُذكّره بأنه نجا، فقط مؤقتًا.

+


الرباط الأبيض يُطوّق ساقه المصابة، وعروق ذراعه تتصل بالمحلول الشفاف الذي يتقطر في صبرٍ بطيء ، وصدره يعلو ويهبط بانتظامٍ مرهق، كأن كل نفسٍ يخرج منه يستدعيه من حافة الألم.

+


أما بالخارج ...

+


لم يقطع صوت الخوف سوى همسات خافتة من " يوسف " حين ألتفت نحو " عابد " و قال :

+


- عابد ! خد أخواتك و روحوا البيت ، مينفعش نسيبهم كلنا و نقعد هِنا .

+


قطب " عابد " حاجبه و هتف باعتراض خافت:

+


- و إنت ! إنت عاوز تفضل هِنا ؟!

+


تحرك " يوسف " بضع خطوات و توقف أمام ثلاثتهم و نبس باهتمام : 

+


- يلا يا نور روّح البيت إنت جاي من مشوار و أهلك هيقلقوا عليك ، يلا يا عابد عشان مراتك و أنت يا يحيى روح عشان ماما متقلقش إنت عارفها .

+


كاد الجميع أن يعترض بهمهمات خافتة فقاطعهم " يوسف " بصرامة :

+


- آشش مش عاوز إعتراضات يلا على البيت مينفعش كلنا نبقى هِنا .

+


- يعني هتبقى بخير ؟

+


تسأل " يحيى " بقلق فأرخى " يوسف " أهدابه و لم ينظر لعيناه و أجابه : 

+


- آيوه هبقى بخير يلا روح بقا .. يلا يا عابد خد أخواتك و روح .

+


و بالفعل آخذ ثلاثتهم يجرون أقدامهم أمامهم ، و نظرات القلق تعتلي وجوههم و كان أكثرهم قلقًا " يحيى " لكن " يوسف " حاول تزيف نظراته ليُطمئنه ، حتى غابوا جميعًا عن الممر.

+


رفع " يوسف " نظارته قليلًا و مسح بأطراف أنامله مدامع عيناه المُغلقة يحاول إستحضار بعض التركيز ثم أعاد النظارة و مسح بكفه على وجهه ثم ألتفت للخلف لتكون أول ما يقع بصره هو على عيناها الزتونيتان اللتان تنبضان بدهشة.

+


لم تغب همسات " يوسف " عنها ، حينما ألتفت فجأة لتأخذ الصدمة مبلغها منها ، فلقد كان لقاءها به هنا آخر مكان يُمكن أن يخطر على بالها أن يجتمعوا به .

+



        
          

                
شحذ انتباهها بمهارة ، موقفة مع من ظنت أخوته ، ثم هدوءه المُريب .

+


فور أن وقع عيناه الكهرمانية على خاصتها شاح ببصره بخواء و كأن وجودها برمته لا يُمثل أمرًا مُهمًا ؛ لكن في الحقيقة " يوسف " كان أبعد من أن يُدرك محيطه بشكل واقعي طبيعي .

+


لم يُخطئ حدسها !
"يـارا" لم تكن تُجيد تلوين ملامح الآخرين، لكنها تُجيد ملاحظة الفراغات...و"يوسف" كان مليئًا بها .

+


كان وجوده في المستشفى كمن زُجّ به في كابوسٍ قديم ،
هناك بقايا رجفة في أنفاسه حين دخل...
ونظرات "يحيى" لم تكن نظرات قلق فقط... بل رجاء خافت أن لا يُعيده هذا المكان إلى ما فر منه قبل جاهدًا .

+


حدقت"يـارا" فيه أكثر...
كأنها تحاول أن تمسك بخيطٍ شفاف من ملامحه،
وفي تلك اللحظة، شعرت أن هذا الرجل الذي بدا واقفًا بثبات...في داخله شيء مكسور منذ زمن، ولم يجرؤ أحد على لمسه.

1


اقتحم عقلها صوت قطع الأجواء حينما وقف " وائل " أما " يوسف " و تسائل بصوت مُضطرب :

+


- إنت إبن عم الدكتور ريان صح ؟

+


رفع " يوسف " رأسه الذي أسنده على الحائط و أجابه بإماءة صامته ، ليُردف " وائل " :

+


- طيب إنت كنت مع آسر ؟! إيه إلي حصل ؟

+


لم تكُن أعيُن " وائل " فقط المُترقبة بل أعيُن الجميع بالمثل ، فبلل " يوسف " ريقه و أعاد بطرف سبابته النظارة للوراء بخفة و بدأ في سرد ما جرى ، مُنذ مجيىء " آسر" لهم المسجد حتى مغادرته ، ثم إنتهاء الموقف بسماع صوت طلقة رصاص أمام المسجد .

+


و انتهى من قصّ ما حدث عليهم ثم عاد الصمت يُخيم على الأجواء بثقل ، بينما " يوسف " لم يعُد قادرًا على المكوث في هذا الموقف لدقائق آخرى ، فتقدم بخطواتٍ هادئة بعيدًا ، و لم تغب خطواته عن مدى بصرها ،فلحقته بمُقلتيها قبل أن تستأذن من والدتها و تُغادر ورائه بجسدها .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


ارتفع صوت الجرس داخل الشِقة ليُعلمهم بقدوم زائر ، لكن تكرار صوت الجرس عدة مرات لم تكن نابعة سوى من زائر واحد.

+


خرجت " ميار " و " ريم " من غُرفتهما على صوت الجرس يتبادلان النظرات استغراب ، بينما خرج " علي " من دورة المياه باتجاه الباب ، و في تلك الأثناء خرجت " فريدة " من المطبخ و اتسعت ابتسامتها بفرحة تمسح عن وجهها تعب الطهو لساعات .

+


- خلاص إلي على الباب !!

+


هتف بها " علي " ليقطع وصلة صوت الجرس ، ثم قبض على الباب و دفعه للداخل ، ليتجلى أمامهم " نور " بـ بابتسامة واسعة و أردف سريعًا :

+


- السلام عليكم عيلتي و عزوتي ... وحشتوني .

+


شهقت الفتاتان بصدمة امتزجت بسعادة بالغة ، بينما تقدم " نور " نحو والده فاتحًا لهُ ذراعيه بسعادة ليتقطه " علي " بين أحضانه بحفاوة مُردفًا بتسلية :

+



        
          

                
- إيه يا باشا ! نمت على زرار الجرس ولا إيه ؟!

+


اتسعت ابتسامة " نور " و أجاب بخفة :

+


- دا بدل ما ألقاكم فاتحلي الباب قبلها بنص ساعة !

+


خرج من بين ذراعيه واقفًا أمام والده الذي أجاب :

+


- طبعًا ما إنت باشا قد الدنيا ! أي أوامر تانية يا بيه ؟!

+


- لا لا مش هتقل عليكم ، لما أفكر هقولكم .

+


نبس بها " نور " بتسلية فابتسم والده بلُطف مُمسدًا على ظهره برفق ، فلثم " نور " جبين والده بتقدير أثناء استماعه لتمتمات دعواته .

+


انتقل حينها لوالدته التي استقبلته بنفس الحفاوة بل يزيد عليها مشاعر الأمومة الفياضة تجاه ولدها الغائب لشهرين ، و حين خرج من بين ذراعي والدته ألتفت نحو شقيقاته ، ليُردف بتفاجىء :

+


- إيه ده ريم هنا !

+


ثم تقدم منها لتتلقفه " ريم" بين ذراعيها بحنان و شوق كبيران ، مُردفه :

+


- عامل ايه يا حبيب قلبي ؟

+


- بقيت كويس عشان شفتك .

+


ثم تركها ليجد أولادها الصغار يلتفون حولها بخجل ، فاتسعت ابتسامته بمحبة و انخفض بجذعه لمستواهم نابسًا بلُطف :

+


- إيه القطاقيط دول ! بقا في عيال أصغر مني عشان استخدم سلطتي ! .. تعالوا يا حبايب خالو.

+


ثم ضم " رقية" و " المعتصم بالله" في عناق واحد متمتمًا بسعادة قبل أن تتحدث " ريم" بسُخرية :

+


- نور حبيبي إنت بتستخدم سلطتك كده كده .

+


- اسكت يا عسكري .

+


نبس بها " نور" بجدية مُصطنعه و عاد و شد من ضم الصغيران ، ليسمع شقيقته تقول :

+


- هي بقت ميري بقا !

+


انتصب " نور " و ألتفت لها مُجيبًا بتسلية :

+


- مش عاوز أقولِك إنهم مش بيقولوا " اسكت " بس كده ، بس أنا عاملك احترام .

1


ابتسمت " ريم " بخفة و أجابت :

+


- متدخلنيش في تفاصيل دلوقتي 

+


- اجبلكم اتنين لمون !

+


هتفت بها " ميار " بحاجبان مُرتفعان و ملامح مُستنكرة ، فالتفت " نور " لها ، لتقع عيناه على شقيقته الأقرب بل و الأحب لقلبه ، لكنه تجاهل كل ذلك و آثر استخدام أسلوب المشاكسة كعادة لا تنفك عنه في حواراته معها و أجاب بلا مبالاة مُزيفه :

+


- أختي و مشفتهاش بقالي كتير ، في حاجة ؟!

+


ابتسمت " ميار" بخفة مُستنكرة و هتفت بضيق :

+


- طيب براحتك !

+


اتسعت ابتسامة " نور " بإنتشاء حينما وصل لمُراده ،و أجاب مُعاندًا :

+



        
          

                
- ما هو براحتي فعلا أومال براحتك إنتِ ؟!

+


زفرت " ميار " بنفاذ صبر و هتفت :

+


- أنت عيل بارد .. ايه الي جابك !!

+


أطلق " نور" ضحكة قصيرة مُستنكرة و أجابها باستفزاز :

+


- أكيد مش جاي عشان اشوفك .. جاي بيت ابويا 

+


- اسكت خالص مش عاوزه اسمع صوتك !

+


نبست بها " ميار " بحدة و عقدت ذراعيها أمام صدرها بضيق ، ليقترب منها " نور " واقفًا أمامها و اتسعت ابتسامته المُستفزة بالنسبه لها الآن، و تسائل :

+


- طب مش هتسلمي عليا ؟

+


آشاحت " ميار" بنظرها بعيدًا عنها و هتفت برفض :

+


- لا مش هسلم و متكلمنيش.. خاصم .

+


ثم مدت خُنصرها أمامه ، ليُمسك يدها بطريقة عنيفة قليلًا تأوهت على إثرها " ميار " هاتفه :

+


- ابعد عــني بــقا .. يـا بـابـا شـوف نــور !!

+


- يا والا سيب أختك بلاش الشغل الميري دا !

+


هتف بها " علي " بحدة طفيفة على صياح ابنته ، ليترُكها " نور " و يلتفت نحوهم هاتفًا :

+


- طب وربنا أنا ما عملت حاجه ، و لو مسكتها عجنتها دلوقتي هتعرفوا الشغل الميري الي بجد !

2


امسكت " ميار " ذراعه و أدارت جسده نحوها و هتفت باستنكار :

+


- تعجن مين يا حبيبي ؟!

+


اتسعت ابتسامة " نور " مُجددًا بتسلية و أردف :

+


- لا هو أكيد مش عنك عشان إنتِ بتدوبي زي البسكوت في الشاي بلبن .

+


ثم ختم عبارته بضحكه قصيرة و قنص وجنتها بخفة ، أرجعت " ميار " رأسها عنه للخلف بخفة مُستنكرة:

+


- الله يسامحك يا شيخ .. ارجع ما كان ما كنت مش طيقاك .

+


- لا قاعدلك شوية ..

+


نبس بها " نور " و تقدم نحو الأريكة و جلس عليها بالقرب من والده الذي جلس يُتابع تلك المسرحية في كل لقاء لهؤلاء الإثنان ، بينما قد تسحبتا " فريدة " و " ريم " للمطبخ بضحكات مرحة لمعرفتهم بالعرض المسرحي الذي سيبدأ الآن و لن يتوقفوا سوى بعد ساعات من الجدالات و المشاكسات التي لا تنتهي .

+


لتتقدم " ميار " هي الآخرى و تجلس على أريكة أخرى و أردفت باستعلاء :

+


- المرة الجاية لما تيجي هكون اتجوزت ومش قعدالك فيها .

+


اتسعت ابتسامة " نور " بسخرية و سكن لوهلة ، فبقدر ما أزعجه ذِكرها لزواجها ، إلا أنه نبس:

+


- معندناش بنات للجواز.. بابا البت دي ما تتجوزش .

1


ألتفت نحو والده حينما نبس بعبارته الأخيرة ليرُد الأب ببساطة:

+



        
          

                
- اقعدها جمبي يعني ؟

+


أنفعل " نور " بحدة طفيفة و هتف قائلًا:

+


- ما هي قاعدة جمبك بقالها خمسة و عشرين سنة ، سيبها بقية العُمر بقا .

+


اتسع فاهّ " ميار " بذهول و رفض قاطع لتجد شقيقها يلتفت إليها قائلّا ببرود قاتل يُنافي حالته من نصف ثانية :

+


- أنا اشوفه بنفسي و اقيمه و افلتره بعدين ارفضه .

2


- إيه دا ! حرام عليك .

+


زمت " ميار" شفتيها بشفقة و نبست بها ، ليرتفع حاجب " نور " باستنكار و أجاب :

+


- إيه ده هو صعبان عليكِ ؟ دا أنا مش مسيطر خالص بقا .. 

+


- بس ليه ترفضه؟ ولاد الناس مش لعبة !

+


قوس حاجباه بتعاطُف مُزيف و أردف :

+


- كل مرة بتأكديلي إنك غلبانه، و كل مرة بتأكد إني معايا حق اسيبك جمبي .

+


كادت " ميار" أن تُجيبه مُعترضه حتى قاطعهم والدهم بصرامة طفيفة :

+


- ما تخلصوا بقا من مسلسل توم و جيري إلي اشتغل قدامي دا !

+


فسكن كليهُما إلا نظرات ضيقة يرمقون بها بعضهم كأنهم أطفال في سن السابعة ، ليمسح " علي " على جبينه بتصبُر من تصرفاتهم الصبيانية ، بينما تقدمت "فريدة " نحوهم و تسائلت باهتمام :

+


- ما ترنوا يا ولاد على أخوكم ريان شفوه فين عشان نتعشى سوا !

+


فأجابها " نور " سريعًا بعد أن عادت نبرته المُتزنة الهادئة :

+


- أنا قابلت ريان أصلًا و كنا بنصلي سوا أنا و الشباب بس ... حد من صحابه أضرب بالنار قدام الجامع فـ راح معاه المستشفى.

+


قطب جميع الحضور حواجبهم بصدمة ، حتى " ريم " التي خرجت توًا من المطبخ ، فاعتدل " علي " في جلسته و تسائل بقلق :

+


- صاحبه مين دا ؟!

+


مال " نور " بجذعه إلى الأمام، وأسند مرفقيه على ركبتيه، وتشابكت أصابعه في شرود ، ناقلّا بصره بينهم عدا " ميار" و أجاب :

+


- آسر ... آسر الرفاعي .

+


- طيب هو كويس يعني ؟!

+


هتفت " فريدة " سريعًا بتسائل فِطري قلق ، فأومأ " نور " بهدوء و أردف :

+


- آه آه بخير الحمد لله ، الإصابة جت في رجله و وقفوا النزيف ... أنا أصلًا لسه راجع من المستشفى أنا و عيال عمي أحمد و يوسف فضل معاه هناك .

+


فتدخل " علي " في الحوار مُتسائلًا :

+


- و معرفتوش مين إلي ضربه بالنار ؟!

+


- لسه والله ، دا عيل كده راكب مكنة الظاهر كان مترصدله أول ما خرج من الجامع ضربه ...

+


ثم سكن لوهلة و أردف :

+



        
          

                
- و واضح مكنش عاوز يقتله ، متعرفوش بقا حد بيهدده ولا إيه بالظبط محدش عارف .

+


فـ نبست " فريدة " بشفقة :

+


- ربنا يعين أهل الشب دا ، مرة الطيارة إلي كانت هتقع بيه و مرة الرصاصة دي ..

+


تنهد " نور" بعُمق و أردف :

+


- إبتلاء يا ماما ، محدش عارف حكمة ربنا .

+


بينما " ميار " كانت جالسة في المنتصف أمام ذلك الخبر الذي أُلقيا على مسامعها بصدمة اجفلت قلبها ، و كل ما يدور في بالها ... " من أين يعرفون عنه ؟ "

3


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


| مقهى المستشفى - ليلًا |

+


ترك "يوسف" خلفه صخب العيون القلقة ولهفة السؤال، سحب أنفاسًا ثقيلة وهو يهبط السلالم بخطوات موزونة .

+


كانت المستشفى مكانًا يختصر عمره كله في مشاهد قصيرة؛ وجه أمه الشاحب خلف باب العناية، أنفاسه المتقطعة وهو صغير تحت أنبوب الأوكسجين، نظرات الأب التي تفر من الحزن لتسكُن في دعاء صامت.

+


وها هو الآن، رجل بكامل وعيه، لا تزال رائحة المطهر وهدير الأجهزة تُزعزع اتزانه من الداخل.

+


اختار ركنًا بعيدًا في مقهى المستشفى، جلس على كرسيٍ بجوار الزجاج الواسع، وضَع زجاجة الماء على الطاولة أمامه، لم يمد يده إليها، فقط حدّق فيها كأنها مرآة لعمرٍ مضى.

+


استند بذراعه اليمنى على الطاولة، وبدأ يُطرق بإبهامه بخفة فوق سطحها الخشبي، ضربات هادئة منتظمة... لا يعلم إن كانت تهدئه أم تحمله بعيدًا في شروده.

+


و عند نقطة ليست بعيدة ، وقفت " يـارا " التي كانت تراقبه منذ صعدت العائلة لغرفة "آسر"، و لاحظت انعزاله الغريب. 

+


في البداية لم تهتم... لكنها كانت دومًا فضولية تجاه الوجوه الغامضة، وما جذبها إليه لم يكن فقط مظهره الهادئ أو كلماته القليلة، بل تلك الحساسية العميقة التي لاحظتها في نظراته، ابتعاده المفاجئ، طريقته في كتم رد فعله عند رؤية الدماء.

+


اقتربت بخطوات هادئة، وتوقفت أمام الطاولة، وصوتها خرج بخفة:

+


- إزيك يا دكتور؟

+


رفع "يوسف" عينيه ببطء نحوها، نظرته لا تحمل دهشة بل تساؤل هادئ، ثم أجاب بنبرة معتادة:

+


- الحمد لله... أخبارك إنتِ يا يـارا؟

+


قالها دون أن يثبت نظره فيها، و عادت عينيه نحو النقطة التي كان يطرقها بإبهامه ، وقفت " يـارا " لحظة وهي تراقب حالته، ثم تسائلت بإحترام :

+


- تسمحلي أقعد؟

+


أشار لها بكفه إشارة قصيرة، فيها قبول دون اهتمام زائد ،فجلست مُقابله، وأرجعت خصلة من شعرها البندقي وراء أذنها بحركة أنثوية خفيفة، ثم ظلت تراقبه لوهلة... ملامحه ساكنة، إبهامه ما زال يطرق بخفة، وعيناه تتابعان ذلك النبض.

+



        
          

                
نصبت ذراعها اليمين على الطاولة و استكانت راحة كفها بجانب وجنتها اليُمنى ، وقطعت الصمت بجملة ناعمة، فيها مزيج من الاندهاش والاختبار:

+


- متوقعتش أشوف حضرتك هنا يا دكتور.

+


تنهد "يوسف" بعمق، وقال بهدوء ناعم كعادته:

+


- يوسف بس يا يـارا... إحنا مش في السيكشن ولا في الجامعة.

+


توقفت " يـارا " قليلًا عند كلماته... طريقة إسقاط الرسميات فتحت عندها بابًا جديدًا للفضول ، راقبت تفاصيله كأنها تُجمّع لغزًا بشريًّا:

+


- آسر يبقى ابن خالي... وزعلت على اللي حصله أوي، مش مصدقة اللي حصل بجد... هو دا اللي حصل بس؟ يعني اللي حضرتك قلتوا فوق هو كل حاجة؟

+


أومأ لها "يوسف" برأسه بهدوء، بلا تعبير زائد ، لم تدرِ لمَ شعرت من طريقته بنوع من اللا مبالاة... أو ربما هدوء يُخفي ما هو أعمق، فتغيرت نبرتها قليلًا، ثم قالت بنبرة فيها مسحة دفاع:

+


- على فكرة دا تعاطف إنساني عشانه قريبي، وأي حد في مكانه هتعاطف معاه على إلي حصله بعيدًا عن مشاعري تجاه الشخص.

5


رفع "يوسف" عينيه لها ، نظرته لم تكن ساخطة ولا مستنكرة، بل هادئة بقدر يُربك الطرف الآخر، وقال بنبرة رخيمة خالية من الحُكم:

+


- بس أنا مسألتش عن طبيعة مشاعرك تجاه تعاطفك معاه.

+


قطبت " يـارا " حاجبيها قليلًا، ثم مالت للأمام باهتمام زائد ونظرة فيها تحدٍ لطيف، وقالت بثقة مفرطة:

+


- مش محتاج حضرتك تقول عشان أعرف تفكير شخصية حضرتك إيه.

+


هنا اتسعت عيني "يوسف" قليلًا كأنه يستكشف نبرة الغرور في جملتها، لكنه لم يتسرع، فقط سأل وهو يعود لطرقات إبهامه الهادئة على الطاولة:

+


- بجد؟ وقوليلي بقى إنتِ تعرفي إيه عن شخصيتي؟

+


ضحكت " يـارا " ضحكة قصيرة، تميل للدهشة ثم أردفت:

+


- يعني شخصيتك واضحة، حدود بيحكمها الدين.

+


رفع "يوسف" حاجبًا، نظرة مختلطة بين الفضول والتأمل، وقال وهو يسند ظهره قليلًا للكرسي:

+


- ودا بانلك إزاي؟

+


استجمعت " يـارا " ذكرياتها عنه لقائتها به داخل الحرم الجامعي ، ثم قالت بثقة ناعمة:

+


- أول مرة دخلت السيكشن، نزلت عينك لما عديت قدامك، وبتعملها مع أي بنت، غير إن حدودك في الكلام واضحة جدًا... ودي بتدل على إيه اللي بيتحكم في عقلك.

+


لم يُظهر "يوسف" انبهارًا بتحليلها، و تجاهل كون ما أعترفت به يحمل إنطباعًا بالمُراقبة ، بل قال بسؤال مباشر يختبر فهمها:

+


- وإنتِ بقى... شايفاه دا غلط ولا صح؟

+


أمالت " يـارا " رأسها قليلًا، وبنظرة حيادية مع نبرة فيها لمحة فكرية، ردّت:

+



        
          

                
- هو صح... طالما مش بيإذي غيرك.

+


توقف "يوسف" عن الطرق، ووجه نظره مباشرة نحوها، صوته منخفض لكنه صارم:

+


- يعني دا مفهومك عن الصح والغلط؟ مدى الأذية اللي هتصدر من ورا الفعل؟

+


هزّت كتفها بخفة وردّت ببساطة:

+


- ء. Sure.

+


ضاقت عينا "يوسف" و سكن لبُرهة بتفكير ،ليجدها تستطرد :

+


- يعني طالما بعمل حاجة ومش بيأذي بيها غيري... إيه اللي يخليها غلط؟

+


ابتسم " يوسف " بخفة ثم تلاشت ،بينما نبرة صوته أصبحت أثقل قليلًا، كأنها تحمل مرارة منطق سائد ، لكنه أكمل دون أن ينتظر ردها:

+


- نظرتك سطحية شوية يا آنسة.

+


نطقت بانفعال بسيط، وكأنها ترفض هذا التوصيف:

+


- دا إزاي؟

+


أخذ "يوسف" نفسًا طويلًا، وعاد بنظره لزجاجة الماء أمامه كأنه يسترجع مواقف سابقة قبل أن يُجيب بهدوء بالغ:

+


- مش شرط الفعل يصدر منه أذى لغيرك، كفاية الأذى يكون راجع لنفسك... ودا كافي عشان تدركي إنه غلط، والإنسان بيكون بيظلم نفسه لما يبعد عن تعاليم ربنا في تصرفاته.

+


لمعت عينا " يـارا " باهتمام زائد، لكنها ارتدت قناع العند، وقالت وهي تراقب هيئته عن كثب:

+


- حضرتك قاعد قدامي وبتضرب بالمبادئ دي عرض الحائط !

+


هنا، رفع "يوسف" رأسه نحوها، نظرته ثابتة، صوته لا يحمل انفعال بل قوة راكزة:

+


- راعي كلامك يا آنسة... وافتكري إن حضرتك اللي جيتي ليا، مش أنا... وإنتِ اللي فتحتي كلام مش أنا.

+


ساد الصمت بينهما لبرهة، كانت " يـارا " خلالها تُحدّق فيه بنظرات فاحصة، كأنها تحاول فكّ طلاسم رجل اعتاد إخفاء طباعه خلف ستار هدوءه ،أمّا "يوسف" عاد لهدوءه المعتاد، وطرقات إبهامه تستأنف عزفها الصامت من جديد .

+


لكنه لم يلبث أن قُطع سكونه بنبرتها التي خفتت شيئًا فشيئًا، وكأن حرارة الجدل بدأت تذوب أمام حرارة إنسانيته:

+


- على فكرة... أنا مش جايّة أهاجمك، يمكن بس... اتعودت أكون هجومية لما بحس إني قدام حد بيخبي نفسه.

+


رفع "يوسف" زجاجة الماء الموضوعة أمامه، وارتشف منها رشفة صغيرة، أعادها مكانها بتروٍ، ثم التفت إليها، بنظرة مستقيمة، هادئة، لا تحمل تحديًا، ولا هروبًا:

+


- يمكن أنا فعلاً مش بقول كل حاجة... بس مش عشان بخبي، عشان مش كل حاجة بتتقال.

+


رمقته " يـارا " للحظة، بعينين ضاقتا بنفاد صبر، ثم ارتخت ملامحها فجأة، ومالت إلى الوراء، بينما رفعت حاجبها الكثيف بنبرة ساخرة خفيفة، لم تخلُ من دهشة:

+



        
          

                
- بتحب الأجوبة الغامضة زي الناس اللي في الروايات صح؟

+


أطلّ طيف ابتسامة على شفتي "يوسف"، تلك الابتسامة التي لا تكشف الكثير، لكنها تقول ما يكفي، وقال بنبرة دافئة، خافتة:

+


- لأ... بس بحب كل حاجة ليها وقتها ومكانها.

+


لم تُجبه، لكنّ صمتها كان أبلغ من الرد ، بدت " يـارا " وكأنها تقف على أول عتبة لإعادة النظر، لا في كلماته فقط، بل في نظرتها له، وفي انطباعاتها التي اعتادت أن تسبق عقلها.

+


نهضت بهدوء، وعدّلت حزام حقيبتها على كتفها، ثم قالت بنبرة أخفّ مما اعتادته، وكأن فيها امتنانًا خفيًا:

+


- طيب يا ... يوسف، لو قررت في مرة تقول شوية حاجات من اللي "ما بتتقالش" أنا شخص فضولي جدًا... وبلقط الإشارات بسرعة.

+


رفع بصره إليها، بعينين ساكنتين، ثم أومأ برأسه ابتسامة خاطفة، وقال دون أن ينظر طويلًا:

+


- خلي فضولك دايمًا في الحلال... بيبقى ذكي أكتر.

+


ضحكت، ضحكة صغيرة لكن حقيقية، وكأنها لم تتوقع تلك الجملة منه، ثم تمتمت، قبل أن تستدير للمغادرة:

+


- خلّي بالك من نفسك يا دكتور يوسف... واضح إنك شايل كتير .

+


وغادرت بخطى هادئة، بينما ظلّ هو في مكانه، وقد توقفت أصابعه عن الطرق المنتظم فوق الطاولة، ثم رفع عينيه نحو ظهرها، يتابعها وهي تبتعد، تتناقص خطواتها شيئًا فشيئًا حتى تلاشت عن مجال بصره، ثم استدار برأسه نحو النافذة الزجاجية، يُسدل عينيه للحظة، ثم فتحهما ببطء وكأن شيئًا ما انزاح عن صدره ، و همس بخفوت، بنبرة بالكاد تُسمع:

+


- وإنتِ كمان خلي بالك من نفسك ... باين إنك اللي شايلة كتير، عشان كده حسيتي.

2


ثم ارتسمت على ثغره ابتسامة باهتة، لا سخرية فيها ولا تهكُّم، بل دفء إنسانٍ عرف الألم وألفه حتى صار يراه في الآخرين دون أن يتكلموا.

+


كانت لديه قناعة راسخة، لا يساوم عليها ؛ أن الأشخاص الذين مرّوا بالألم الحقيقي، يملكون حاسةً خفية تجعلهم يلتقطون وجع الآخرين حتى من خلف الأقنعة... وكأن القلوب التي جُرحت، تُصبح أكثر قدرة على تمييز الندوب في القلوب الأخرى، ولو لم تُكشف.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


انقشع الليلُ على استحياء، كمن يجرّ أذيال خطيئة لم يقترفها، لكنه كان شاهدًا عليها.

+


كان ضوء الصباح قد تسلل بخفة إلى الغرفة، يحمل في طياته دفئًا خجولًا لا يكفي لإذابة الصقيع الذي استوطن زواياها ، بينما رائحة المطهّرات لا تزال تعبق في الهواء، والهدوء يسود المكان، كأن الليل اختنق بسرٍ ثقيل ولم يبح به لأحد.

+


دُفعت عربة برفق في الممر، وتقدّمت "نهى" بخطوات هادئة نحو باب الغرفة ، تحمل معها بعض الأدوية، وكوبًا من الماء الدافئ.

+



        
          

                
فتحت الباب بخفوتٍ مألوف، وألقت نظرةً سريعة إلى الداخل...
ثم تجمّد نظرها للحظة.

+


كانت "ميرال" لا تزال على الفراش، ملتحفةً بغطاء خفيف، لكن ملامحها كانت مختلفة...شاحبة، زائغة النظرات، وعيناها معلّقتان بزجاج النافذة، كأنها تحاول أن تجد خلف الزجاج شيئًا يُشبه النجاة... أو يُشبهها قبل أن تُكسر.

+


تقدّمت "نهى" ببطء، محاولة ألا تُفزعها، وقالت بصوت خافت يشبه نسمة:

+


- صباح الخير يا ميرا ...

+


لم تأتِ أي استجابة.

+


ابتسمت " نهى" بتسلية فلقد حيتها باللهجه العامية التي لا تفقه عنها شيئًا و بالطبع لن تُجيبها ، فاقتربت أكثر، لتضع كوب الماء على الطاولة الجانبية، ثم نظرت إلى وجهها باستغرابٍ خفيف...

+


بعض خصلاتها الشقراء مبعثرة، و الفراش اصبح في حالة فوضى ، لكن "ميرال" كانت صامتة... لا تتحرك، لا تجيب.

4


جلست "نهى" على طرف الفراش برفق، وقالت وهي تميل نحوها قليلًا:

+


- الجو جميل اليوم... هل تردين الخروج و المشي في الحديقة ؟

+


اقترحت " نهى " تلك المبادرة ليتنسى للعاملات تنظيف غرفتها ، فرمشت "ميرال" ببطء، وكأنها فقط الآن انتبهت لوجود أحد، لكنها لم تُجب ،وأكملت " نهى " بنبرة أحنّ:

+


- الهواء النقي ينعش القلب ، لن نبتعد، فقط خطوات قليلة... وإن شعرتِ بالتعب، نعود فورًا.

+


أدارت "ميرال" وجهها نحوها ببطء، لكن نظرتها كانت مكسورة، مُفرغة من كل تعبير ، فتابعت " نهى" قائلة:

+


- إذًا هيا، سأساعدك ...

+


وقفت " نهى " وأحضرت لها رداءً قطنيًّا أبيضًا، ووضعته فوق كتفيها برفق، ثم ساعدتها على الوقوف، وسندتها بذراعها.

+


- لا تقلقي... أنا هنا، ولن أترككِ.

+


فتحت الباب على مهل، وخرجتا معًا، خطواتهما بطيئة، لكن الهواء الذي لامس وجهيهما بدا وكأنه يحمل وعدًا جديدًا... أو بداية هدوء بعد العاصفة.

+


مرت دقائق آخرى و مازال الصباح في أوله ، لكن أشتدت حرارة الشمس بخجل ، فألقت تلك الأشجار كثيفة الورق بظلالها الدافئة على مقعدهم في حديقة المستشفى الخلفية .

+


كانت " نهى " تسير بجانب "ميرال" تتحدث بجملٍ متقطعة، تحاول أن تُجمّل بها الصمت، تبتسم حينًا، وتُصوّب نطقها أحيانًا، ثم تتوقف في منتصف العبارة حين تخذلها المفردة الإنجليزية، فتلوّح بكفها وكأنها تُكمّل الفكرة بالإيماء ، لكن "ميرال" لم تكن تُنصت حقًا، ولم ترد.

+


كانت تسير بجوارها بهدوء غريب، وكأن قدميها تتحركان بلا أمرٍ منها، وعينيها الزرقاوين تسبحان في أفقٍ لا تراه "نهى"... أفقٍ ساكنٍ في الذاكرة، لا في الواقع.

+



        
          

                
عَبرة صغيرة تأرجحت في محجريها، لا تسقط، ولا تنجو، فقط تتشبّث بحافة الألم بصمت.

2


سارتا وسط الحديقة الصغيرة للمستشفى، يدًا بيد وكان العشب لا يزال نديًّا، فجلست "نهى" على المقعد الخشبي القريب، واسندت "ميرال" إلى جانبها، تنظر أمامها بصمتٍ مائلٍ إلى الغياب.

+


مرّت لحظات طويلة لم تقطعها سوى صوت عصفور صغير حطّ على إحدى الأغصان القريبة، فرفعت "ميرال" عينيها نحوه ،وحينها فقط، تمتمت بصوت خافت جدًا، كأنها تحدث نفسها:

+


- كم تبدو ... الحرية بعيدة...

+


نظرت إليها "نهى" باستغراب، ثم ابتسمت بلطف، ظنّت أن "ميرال" بدأت تتحسّن.

+


لكن الحقيقة، أن الكلمات لم تكن وليدة التعافي... بل شهقة داخلية، خرجت من بين شقوق الألم، كأول اعتراف بالانكسار.

+


جميلةٌ أنتِ، كزُرقة البحر حين يهدأ، تُبهرين من يراكِ وتُطمئنين من يقترب ،لكن البحر وإن بدا ساكنًا، لا ينسى كيف يثور...ومن ظنّ أن الجمال ضعف ! لم يعرف يومًا طباع البحر ولا قرأ أمواجه .

+


ألتفت " نهى " و نبست مُقترحه :

+


- ما رأيك أن أتي لكِ بالفطور هُنا ؟ ... هجبهولك هنا أصبري عليا .

+


نبست بالعبارتين تتابعًا ثم نهضت نحو المستشفى مرة آخرى .

+


أما في الداخل ... تحديدًا داخل غرفة " آسر " ، و كانت غرفة عادية بعد نقله من العناية المركزة بأمر من الرائد " خالد " و تكثيف الأمن على غرفته حينما علم بما حدث له .

+


تجمعت عائلته - عدا والديه - معه بالداخل أثناء فحص " ريان " لمؤشراته الحيوية ، ليجدوا " مراد " يتحدث بخفة كعادته مُقتربًا من ساق " آسر " المُضمدة يتفحصها :

+


- لا بس إلي ضرب النار دا مش قد كده !

+


ألتفت له الجميع بفضول حتى " آسر " الذي أستعاد بعضًا من وعيه بعدما حرص " ريان " عليه طوال الليل لينام على المُسكنات بعيدًا عن الأرق ، و في أثناء كتابته لبعض التأشيرات سمع " مراد " يستطرد بانفعال درامي :

+


- يعني مكنش ينفع يضرب في مكان تاني غير الرِجل ! مكان يكون عليه القيمة كده ...

+


و فور أن أنهى عبارته حتى شعر بألم في نهاية عنقة بعدما لصق " جواد " كفه عليها تأديبًا ، مُردفًا بتوبيخ :

+


- حسن ألفاظك شوية !

+


حك " مراد " نهاية عنقه لتخفيف الألم و أطلق تأوهًا بينما أطلق الجميع ضحكات ساخره لم يستثني " آسر " نفسه منها ثم أردف بتسلية :

+


- عنيا يا مراد المرة الجاية خليها تيجي في قلبي .

+


فقطع " ريان " وصلة الحديث و هتف بتحذير :

+


- هو مفيش مرات جاية بإذن الله ، أقداركم تؤخذ من أفواهكُم ، خلي لسانك يتعود على الطيب عشان يُرزق بالطيب .

+



        
          

                
ابتسم له " آسر " بامتنان ، مُردفًا :

+


- مش عارف من غيرك هعمل إيه والله !

+


- ربك إلي بيعين يا صاحبي ، ألف لا بأس عليك مرة تانية ، طهور إن شاء الله.

+


نبس " ريان " عبارته بابتسامة عذبة و مسد على كتفه برفق ، وهمّ أن يخرج من الغُرفة ليبتسم" وائل " بحرج ، مُتسائلًا :

+


- هو يعني إيه بس إلي قلته في الأخير دا ؟

+


توقف " ريان " في مكانه و أغلق القلم الحبر و علقه في جيب معطفي العلوي و أجاب ببساطة و نبرة رخيمة :

+


- دا كان من هديّ النبي ﷺ لما يزور مريض يقوله " طهورٌ إن شاء الله " و دا من الفَأْلٌ مباركٌ، يعني إلي أصابَك طهورٌ لك إن شاء الله من الذّنوب ، فلم نشوف حد تعبان قدامنا مع دعائنا ليه يقوم بالسلامة ندعيله يكون دا تكفير لذنوبه كمان .

+


كانت عباراته مُنمقة شحذت و تمكنت من عقول كل من كان بالغرفة بمهارة ، ليبتسم " ريان " بخفة نحو " وائل " ثم استأذن بالمغادرة و خرج .

+


وما إن ابتعد بخطوات قليلة نحو المصعد، حتى قطعت عليه هدوء اللحظة نداءٌ يحمل شيئًا من الذُعر والارتباك:

+


- دكتور ريـان! ... دكتور ريـان!

+


كان ذلك الصوت قد ألفه، بل وألف رنينه في المواقف الطارئة... لكن ما سمعه هذه المرة كان خارج المألوف.

+


تقدّمت "نهى" أمامه وهي تلهث، تتلعثم، ثم استطردت بأنفاسٍ متقطعة:

+


- كويس إن لحقتك... البنت، البنت الأجنبية... ميرال... خرجت بيها من شوية تتمشى في الجنينة، وسبتها قاعدة لوحدها عشان أجيب لها الفطار... رجعت ملقتهاش!!

+


تجمّد "ريان" في مكانه، حاجباه يشتدّان، وعقله يحاول استيعاب ما قيل. ميرال؟ في الحديقة؟ ثم... اختفت؟

+


- كنتوا قاعدين فين آخر مرة ؟! 

+


سألها بصوتٍ عميق وحازم، وقد بدأت خطواته تسبق حديثها، متجهًا نحو السلالم المؤدية للطابق الأرضي، فيما كانت "نهى" تركض خلفه بتوترٍ ظاهر:

+


- هو .. هو في ضهر معمل الأشعة كده .. مكان هادي و رائع ،قلت تفك عن نفسها بعد ما شفت سريرها الصُبح متبهدل عبال ما ينضفوه ليها .. مكنتش أعرف دا هيحصل والله

+


لم يرد عليها، بل أسرع بخطواتٍ حثيثة حتى وصل إلى ردهة المستشفى في اللحظة التي علا فيها صوت الإسعاف، وتدفقت الطواقم الطبية عبر الباب الرئيسي ،دويّ السيارات، والركض، وأصوات متداخلة، كلّها أشعلت في داخله شعورًا مُبهمًا.

+


وفي خضم الزحام، ظهر "مروان" فجأة أمامه، وهتف بوجهه بنفس اللهفة:

+


- ريان! ميرال مش موجودة!

+


تسمرت قدما "ريان" مرةً أخرى ،زاغت عيناه للحظة، كأن عقله يحاول مقاومة الفوضى داخله، بينما "مروان" لم يتمكّن من تحديد مشاعره بين القلق والحيرة ،لكن صوتًا آخر اخترق الموقف، جاء من أحد أعضاء الفريق الطبي:

+



        
          

                
- حادثة من على الطريق الدولي... الحالات بتنـزف!

+


تحرك "مروان" سريعًا بخطوته المهنية المعتادة، لكنّه توقّف حين رأى "ريان" لا يزال واقفًا في مكانه، فتوجّه إليه صارخًا:

+


- أنا هتصرف، روح دور على ميرال يا ريان!

+


وفي تلك اللحظة، كان "ريان" بين كفّتين من المسؤولية ؛حياةٌ تنزف أمامه، وروحٌ تائهة قد تكون في خطر...
لكنه، ولأول مرة، لم يختر ما اعتاد اختياره.

+


استدار فجأة، بعينين تفيض بالقلق، وتوجه خلف المستشفى بخطواتٍ حادة، كأن قلبه هو من يقوده.

+


لم يكن هذا تدخّلًا طبيًا ككل مرة...
بل كان قلقًا شخصيًا... لا تشوبه سوى بعض مهنية.

+


كانت "ميرال" قد تسللت إلى أعماقه دون أن يشعر،
والآن، فقدانها يعبث بداخله كما لم يفعل شيء من قبل.

3


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


جلست "ميار" أمام المرآة، تُحاول أن تُهيّئ نفسها ليوم مدرسي جديد ، ترتّب خصلاتها بنمطها المعتاد لكي لا يُعيقها أسفل الحجاب، وتختار ملابسها الفضفاضة بعناية كما تفعل كل صباح... لكنها لم تكن "ميار" ذاتها اليوم.

+


في عينيها بقايا شرود، وفي حركاتها بطء غير مألوف، وكأنَّ خبر الأمس قد تشبّث بأطراف قلبها، يأبى أن يغادر.

+


" آسر؟ آسر الرفاعي؟ "رددت الاسم داخليًا كمن يعيد قراءة جملة غير مفهومة، لكنها لا تجد تفسيرًا.

+


كيف عرفت العائلة به؟ وكيف اجتمعوا على ذكره هكذا؟
بل، كيف أصبح ذكره جزءًا من حديثٍ عائليّ عابر، وهي بالكاد تعرف إن كان ما بينهما ماضٍ أو محض صدفة؟

+


أفاقت من شرودها على صوت حركة خافتة في الخارج، فنهضت وخرجت من غرفتها بخطى مترددة.

+


سارت في الممر القصير حتى توقفت أمام باب غرفة "نور" طَرَقت بلطفٍ، ثم فتحت الباب دون انتظار.

+


كان شقيقها قد قلب غُرفته رأسًا على عقب في ظرف ليله ، لكنها لم تدخل في جدال معاه كعادتها ، بل كانت تبحث عن إجابة ما... 

+


تقدّمت بخطوتين داخل الغرفة تُشاهد يعبث بخزانة ملابسه ، عيناها تتأمل ما حولها دون تركيز ثم تنهدت بصمت، وهمست لنفسها:

+


- نور عاوزة أسألك سؤال !

+


أجابها " نور " فورًا كأنها رد فعل تلقائي :

+


- لأ .

1


لكنها تجاهلت جوابه، ومضت تُلقي بسؤالها، تحمل في نبرتها شيئًا من التردد:

+


- هو أنتم تعرفوا آسر دا منين ! يعني صُحاب ريان كلنا نعرفهم.

+


توقفت يداه عن الحركة، وأدار وجهه نحوها وقد علت ملامحه دهشة خفيفة، ثم ألقى جملته بهدوء قاتل، كمن يُسقط قنبلة في صحن من السكون:

+


- ليه ! متعرفيش إنه كان متقدملك قبل كده و أترفض !

8


قالها ببساطة، وعاد يُكمِل ما بيده وكأن الأمر لا يستدعي وقفته.

+


أما هي، فاتسعت عيناها بذهول، وتجمدت ملامحها في مكانها، وكأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة ،شحبت تعبيراتها، ولم تقوَ حتى على طرح سؤال مباشر، فاكتفت بتمتمة مشوشة:

+


- مين دا إلي أتقدم ؟!

+


التفت "نور" نحوها، وقد قرأ في صمتها ما يكفي، فاقترب منها ببطء وابتسم ابتسامة ساخرة ممزوجة بالدهشة:

+


- هو ياريته وقف على إنه أتقدم و أترفض ، دا بينه و بين أخوكي حرب باردة عشان لسه بيحبك .

8


يُـحبـني !!!!

+


"و بات الحبُ مُعلَنًا"
كأن الزمنَ كله تواطأ ليُخبرني،
كأن كل نظرة قديمة كانت تعني،
وكل صمتٍ بيننا... كان يبوح ،
وها أنا أمام الحقيقة لا أملك إلا أن أبتسم... متأخرة.

+


ٰ

+


يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


فصل دسم و طويل و نهايته لطيفة نوعًا ما ، تعويضًا عن التأخير ، بعتذر منكم حقيقي الفصل كان هيكمل في معاده لولا ظروف أتت و شغلتني .

+


عاوزه أعرف رأيكم في الأحداث لحد دلوقتي حقيقي رأيكم بيفرق جدًا ، فحابه أسمع أرائكم و نتناقش فيها كمان ، و متنسوش الڤوت والله بيفرق في دعمي ، هو مجهود بسيط بس بيفرق عندي جدًا و بيدعمني .

+


_هنتظر آرائكم هنا أو على جروب الفيس بوك ستجدون الرابط في وصف حسابي على واتباد، هكون متواجده هناك و أتفاعل معكم و مع آرائكم .

+


_ حابة أسمع أرائكم حوالين قصة آسر و ميار ، و لو مكان ميار هتعملوا إيه ؟!
و كمان قصة ريان و ميرال ، إيه توقعاتكم للقادم !

+


جواد ؟
نور ؟
يوسف ؟
يـارا ؟
حسام و هـنا ؟
عز و نورين و العصابة ؟

+


شكرًا لحُسن قرائتكم ... و السلام على قلوبكم .

+


|| سُهى الشريف |

+




تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close