اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل الثاني والعشرين 22 بقلم رانيا ممدوح



                                              
وقفت ميليسا، بثوبها الأنيق الذي يعكس حضارة المدن الكبرى، وقد رسمت على وجهها ابتسامة تحمل في طياتها تحديًا واضحًا، وعينيها تلمعان بجرأة ظاهرة وهي تتفحص المكان بنظرات متعالية. التقت نظراتها بنظرات بدر، لكنها لم تُكلّف نفسها عناء إخفاء نبرة السخرية في ملامحها، وكأنها جاءت لا لتزور فحسب، بل لتثبت شيئًا خفيًا لا أحد يعلمه غيرها.

2


رسمت بدر ابتسامة دافئة، متماسكة، ترحب بالضيوف رغم ما يعتمل في صدرها، ثم خطت خطوة للأمام، ومدت يدها في ترحيب رسمي:
"مرحبا سيد ماتيا، نورت مصر وخصوصًا قبيلتنا."

+


رد ماتيا، بصوته العميق وهو يبتسم بود ظاهر، رغم عينيه اللتين كانتا تتحركان بتركيز حاد، يفحصان المكان من حوله:
"أنا سعيد برؤيتك،يا سيد بدر.مبدئيا المكان تحفة"

+


قاطعت ميليسا الحديث بخفة لم تخلُ من استعراض، متقدمة نصف خطوة للأمام وكأنها تسرق الأضواء:
"تعرف يا ماتيا، إن بدر كان زميلي في الكلية؟ وكان كويس لدرجة إن اسمه اتكتب بحروف من ذهب على جدار الكلية هو و واحد تاني كان اسمه صقر!"

1


انعقد حاجبا ماتيا بدهشة طفيفة، بينما التفت نحو بدر وقد بدا عليه الاهتمام:
"ياه، طب ده كويس! ليه مكملتش في جامعتك؟ أحسن لك من العيشة هنا ، و تجربة كويسة فيها حاجات كتير هتفيدك ، و خصوصا إن المكان هنا يعتبر بدائي."

2


ابتسمت ميليسا ابتسامة جانبية، عيناها تلمعان بمكر وهي تتظاهر بالبراءة:
"معرفش... مع إن انسحابه هو اللي خلاني أخد الفرصة دي. متعرفش يا ماتيا، أنا اتعينت في الجامعة بعد ما بدر مشي ، و لولا كده مكنتش خدت الفرصة دي."

2


بقي وجه بدر ثابتًا، إلا أن صوتها خرج هادئًا ورزينًا، وكأن كلماتها تحمل من القوة ما يقتل أي محاولة لاستفزازها:
"آه، مبارك يا ميليسا. أنتي طيبة وتستاهلي طبعا."

2


بهذه الكلمات البسيطة ، قد أخمدت بدر كل محاولات ميليسا لغيظها لكن فجأة ضحكت ميليسا بخفة، لكن ضحكتها كانت مسمومة، تحمل سخرية خفية:
"افتكرت إنك هتزعل من حاجة زي دي... وتتصدم.. و تندم على أنك فوت فرصة زي دي."

2


اقتربت بدر قليلًا، ونظرت إليها نظرة غامضة تحمل بين طياتها ألف معنى، ثم قالت بابتسامة هادئة لكن مشحونة بالعزيمة:
"أنا مصدوم بس من حاجة واحدة... و هي من شوفتك النهاردة في مكان زي ده."

1


تبادلت ميليسا وماتيا النظرات، قبل أن تعود هي للحديث، وكأنها تستمتع بتوجيه الطعنات اللفظية:
"آه، أصل ماتيا أخويا بيحكي لي على كل حاجة. أول ما قالي إن في خيل كويس في مصر، وسألت وعرفت من ماركو إنك أنت مالك للخيل ده، حبيت أجي أشوفك... وأشوف عيشتك. كان عندي فضول فظيع أشوف بدر المتكبر المغرور عايش ازاي.
بس تخيلت إنك عايش في قصر وحياة فاخرة وكده، ماتخيلتش إن الحياة هنا بدائية كده. رغم هناك، لما شوفت لبسك وسكنك وسيارتك، تخيلت إنك غني جدًا... بس شكلي كنت غلطانة.
على العموم... أنا خليت ماتيا يجي هنا عشان يساعدك في ظروفك دي."

2



                                      


                
ارتسمت ابتسامة باردة على شفتي بدر، لكنها لم تصل لعينيها، وكأنها تضع قناعًا محكمًا ليخفي ما يعتمل داخله. ردت بهدوء، وصوتها يحمل لمحة من السخرية:
"ظروفي؟! طالما فاكرة كده ماشي، مش مهم. تقدروا تناموا دلوقتي، وبكرة إن شاء الله نشوف الخيل مع بعض، ومش هنختلف يا أستاذ ماتيا."

1


كان الحوار كله بالإيطالية، لذلك وقف يامن وعبد ربه على مسافة، يتابعان المشهد بعيون حائرة، غير قادرين على فهم أي كلمة، لكن ملامح بدر الحادة أوحت لهما بأن ما يجري ليس بالهين.

1


رفع ماتيا حاجبه باستغراب وهو يتلفت حوله:
"هنام هنا إزاي؟"

1


ابتسمت بدر ابتسامة دبلوماسية، مشيرة بيدها إلى الإتجاه الآخر:
"في مكان جاهز ليك لوحدك، و ماكناش هنعمل حساب ميليسا من بدري، لأني كنت فاكر إنك هتيجي لوحدك."

+


تقدمت ميليسا بخطوة، وعيناها تتعلقان ببدر في تحدٍ لامع، وقالت بصوت يحمل بعض الدلال:
"أنا ممكن أنام معاك يا بدر... عادي."

2


ساد صمت لحظة، تبعه ضحك خافت خنق بدر بسرعة، قبل أن ترد بثبات وبرود:
"ماينفعش. هنجهز لك مكان حالًا."

+


ثم التفت بحدة نحو عبد ربه، صوتها يحمل لهجة آمرة:
"عبد ربه، خليهم يجهزوا مكان لميليسا."

+


انحنى عبد ربه باحترام، وعيناه تنتقلان بين بدر وميليسا في حيرة، بينما الأخيرة تعقد ذراعيها أمام صدرها، وابتسامتها الماكرة لا تفارق محياها، كأنها تخطط لجولة جديدة من الاستفزاز.

1


في تلك اللحظة، كان القمر يلقي بضوئه الفضي على وجوههم جميعًا، وكأنه يشهد على معركة خفية لم تُعلن بعد، بينما في صدر بدر اشتعلت نيران الغضب، لكنه أخفاها خلف هدوءه المعتاد، مستعدًا لليوم التالي الذي سيحمل قرارات أكبر من مجرد صفقة خيول.

+


ذهب عبد ربه بخطواتٍ مسرعة نحو الحديقة الخلفيّة، يتصبّب جبينه عرقًا رغم برودة الليل، ليُخبر حسناء وليلى بما يجب عليهما فعله قبل أن يصل الضيوف. كان المنزل يزداد حيويةً كخلية نحل، والخدم يتحرّكون في كل اتجاه لإتمام التجهيزات. في ركنٍ من الحديقة، وُجدت غرفة صغيرة خصصتها بدر لتكون مكانًا يجلس فيه ماتيا وشقيقته ميليسا، بعيدًا عن الضوضاء، فبدأت حسناء وليلى في تنظيفها بجدية ظاهرة.

+


كانت حسناء تنحني لتمسح الطاولة بعناية، ملامحها مشدودة، بينما ارتسمت على وجه ليلى ابتسامة خفيفة، ثم لم تلبث أن خنقتها ضحكة صغيرة حاولت كتمها دون جدوى، فرفعت حسناء رأسها نحوها بدهشة، حاجباها معقودان.

+


حسناء، بنبرةٍ متسائلة وقد ارتسمت علامات الاستغراب على وجهها:
"بتضحكي على إيه؟"

+


رفعت ليلى رأسها، عينيها تتلألآن بخبثٍ طفولي وهي تميل بجسدها قليلًا نحو حسناء، ثم همست وكأنها تروي سرًا خطيرًا:
ليلى، هامسة:
"أصل ميليسا دي… أنا عارفاها، كانت بتعمل في الست بدر مواقف كتير مالهاش أول من آخر."

+



        

          

                
توقفت يد حسناء عن المسح، عيناها اتسعتا، بينما نظرت إلى ليلى باهتمام متزايد.قالت حسناء، بفضول وحذر:
"وإيه اللي يضحك في كده؟"

+


ارتسمت على شفتي ليلى ابتسامة ماكرة، ثم انحنت أكثر لتزيد من حدة همسها، وكأنها تخشى أن تتسرب كلماتها إلى أذنٍ أخرى:

+


"أصلها كانت عايزاها تحبها… وتقع في غرامها."

2


شهقت حسناء بخفة، كمن صُدم بشيء لم يتوقعه، ثم وضعت يدها على فمها تكتم ضحكة مفاجئة، وقد احمرّت وجنتاها من الدهشة.
قالت حسناء، بضحكة مكتومة:
"إيه؟!"

+


هزّت ليلى رأسها بإصرار، ويديها تتحركان بحركاتٍ عشوائية لتؤكد صدق كلامها:

+


"آه والله! كانت بتلف حواليها زي القطة، لحد ما زهقت منها بدر وبعدت عنها… أو كده افتكرت يعني.لكن اللي ظهر غير كده ، يا ترى جاية ليه هنا؟"

1


ضحكت حسناء أخيرًا، وضحكتها امتزجت بدهشة واستغراب، ثم قالت وهي تهز رأسها بأسف:

+


"مش عارفة ، يا حرام! لو عرفت الحقيقة دي… هتكره نفسها.. و تكره محاولاتها بتاعة قبل كده."

+


ارتفعت حاجبا ليلى، واتخذ وجهها ملامح الجد للحظة، ثم رفعت كتفيها بخفة وكأن الأمر لا يعنيها:

+


"لأ… هي مش بيهمها. شوية على صقر وشوية على بدر. دي زي ما يكون ده تسلية عندها.
بس حسيت إنها ميالة لصقر أكتر… وبتغيظه بقربها من بدر، عشان كان بينهم تنافس.
يمكن كانت حابة الاتنين يتنافسوا، بس ده كان عايز يتفوق على التاني و بس و محدش مهتم بيها… وهي ولا فارق معاها أي واحد فيهم.حاجة كده غريبة مش تفهميها"

1


أطرقت حسناء قليلًا، تفكر فيما سمعته، ثم رفعت رأسها متسائلة بعينين فيهما قلق:

+


"طب إيه اللي جابها هنا؟"

+


تنهدت ليلى بعمق، وعينيها تتجهان نحو الباب وكأنها تتوقع دخول ميليسا في أي لحظة، ثم قالت بصوتٍ منخفض:

+


"معرفش… وكمان عرفت المكان منين؟
طلعت مش ساهلة ميليسا.
ربنا يستر من مجيتها هنا.الست بدر هتلاقيها من هنادي وبناتها، ولا ميليسا!"

2


اتسعت عينا حسناء أكثر، وغمرها شعور غريب بين الخوف والتوجس، ثم قالت بصوتٍ يشوبه الضيق:

+


"عندك حق… أنا نفسي اتخنقت.البيت بقى زحمة و مش عارفة الاقيها منين ولا منين"

+


جلست ليلى على طرف الطاولة، ووضعت كفّيها على ركبتيها، قبل أن تنطق وكأنها تكشف سرًا آخر:

+


"أنا سمعت الست بدر بتقول إنها هتقعد سنتين، وبعدين هتمشي مع الست فاطمة وأمان من هنا."

+


شهقت حسناء بشدة، وكأن قلبها انقبض في صدرها، ثم اقتربت خطوة من ليلى قالت حسناء، بصوتٍ متوتر:
"إيه؟! طب… وإحنا؟!"

+



        
          

                
نظرت ليلى إليها بعينين مترددتين، ثم رفعت حاجبيها وقالت بهدوء:

+


"هتقبلي تروحي معاها؟"

+


لم تتردد حسناء لحظة، فأجابت بحزمٍ واضح، ملامح وجهها مشدودة كمن اتخذ قرارًا مصيريًا:

+


"آه… أنا مع الست فاطمة. مقدرش أسيبها."

2


ابتسمت ليلى بخفة، وفي عينيها لمعة غامضة:

+


"معرفش والله… ممكن تاخدنا معاها."

+


تأملت حسناء وجه ليلى بدقة، ثم ضيّقت عينيها قليلًا بنبرة تمزج المزاح بالاتهام:

+


"شكلك كده حبيتي القعاد هنا… ولا إيه؟"

2


ضحكت ليلى بخجل، ثم رفعت يديها مستسلمة:

+


"مش عارفة."

+


أطلقت حسناء ضحكة قصيرة، وهزّت رأسها كمن يوبخ صديقة على جنونها:

+


"والله؟! اطلعي من دول يا أختي."

+


تغيرت ملامح ليلى فجأة، وكأنها تذكرت العمل المتراكم، فصفّقت بيديها وقالت بحزمٍ مرح:

+


"خلاص بقى… يلا نشتغل وكفاية رغي."

1


ضحكت حسناء بخفة، ثم حملت دلو الماء مجددًا:

+


"ماشي يا أختي."

+


وبينما عادتا للعمل، كان الهواء مشبعًا بمزيجٍ من القلق والضحك، كأن المنزل  نفسه يستشعر العاصفة القادمة مع قدوم ميليسا.

+


كان الليل يزحف بهدوء، يفرش ستائره السوداء على أرض الحديقة، بينما تلمع نجوم بعيدة في السماء كحبات لؤلؤ متناثرة. نسيم بارد داعب أغصان الأشجار، فتهادى صوته مع حفيف الأوراق في سيمفونية هادئة، تتخللها رائحة عطرية زكية تنبعث من زهور الياسمين المنتشرة في أرجاء الحديقة.

+


في ذلك الركن المظلل بين شجرتي نخيل عتيقتين، تتأرجح أرجوحة من القماش ، صنعها صقر بنفسه يومًا ليكون له ملاذًا حين يضيق صدره بهموم الحياة. جلس عليها صقر بكتفين منحنين قليلًا، يحمل في يده كتابًا بجلدٍ قديم، وقد بدت على وجهه علامات الانغماس في القراءة، إلا أن عينيه كانتا تحملان حزنًا دفينًا، وكأنهما تبحثان بين السطور عن شيء ضاع منذ زمن بعيد.

+


كان صقر عاشقًا للقراءة، يجد فيها نافذة للهروب من الواقع، لكن قلبه كان ينجذب دومًا إلى الشعر، فهو بالنسبة له لغة الروح وصوت القلب حين يعجز اللسان عن البوح. ومنذ أن تعلم القراءة والكتابة، وجد في الأبيات الشعرية أجنحةً يطير بها بعيدًا، ينثرها في فضاء خياله كما يشاء.

1


وبينما كان يقلب صفحة جديدة، تسللت إلى مخيلته صورة وجهٍ أنثوي، لم تبرح قلبه يومًا. ملامحها تشبه طلوع الفجر، عيناها كغيمتين تحملان وعود المطر، وابتسامتها… آه من ابتسامتها، تلك التي كانت كفيلة أن تعيد الروح إلى جسده الواهن.
تاه في ذكرياته حتى أصبح الكتاب مجرد ورق بين يديه، وأحس أن قلبه يكاد ينفجر برغبة في البوح.

3



        
          

                
التقط قلمه، وقلب صفحة فارغة في آخر الكتاب، ثم بدأ يكتب، وكأنه ينزف حرفًا حرفًا. رفع رأسه قليلًا، وحدق في السماء المظلمة، ثم همس كأنه يناجي روحها:

+


"عيناكِ وطنٌ،
أضعتُ نفسي في طرقاتهما،
تاهت قدماي بين أزقتهما،
ولم أجد خارطةً للعودة."

1


ابتسم بحزن وهو يخط السطر التالي، فقد شعر أن قلبه يركض خلف الكلمات:

+


"كلما نظرتُ إليكِ،
انكشفت لي أسرارُ البحر،
وغاص قلبي في الأعماق،
حتى صار موجي يركض نحو شواطئك."

+


تنهد صقر، وكأن زفرة قلبه قد حملت وجعه إلى السماء، ثم أمال رأسه قليلًا على حبال الأرجوحة، وواصل يكتب بصوتٍ خافت، وعيناه تلمعان بشيء بين الحب واليأس:

+


"أما ابتسامتكِ،
فهي فجري الذي لا يطلع،
ووعودي التي لا تتحقق،
أنتِ ضحكةُ القدر في وجهي،
وأنا سجينُ حبٍّ لا خلاص منه."

3


توقف لحظة ومسح دمعة حارقة سالت على خده، ثم عاد إلى الكتابة وكأنه يخوض معركة بين قلبه وعقله:

+


"لو كنتِ نارًا،
لأحرقتُ نفسي قربكِ،
ولو كنتِ ريحًا،
لركضتُ خلفكِ حتى آخر العمر،
ولو كنتِ قدري،
فأنا أقبله ولو كان هلاكي
مجنون .. أنا مجنون."

2


ازدادت سرعة تأرجح الأرجوحة بفعل الريح، وكأن الطبيعة نفسها تنصت إليه وتردّد أوجاعه. رفع صقر صوته قليلًا، وكأنه يعلن اعترافًا أمام السماء:

+


"يا حبًّا وُلِدَ من رحم المستحيل،
يا قصةً لم يكتبها شاعر،
أنتِ حروفي التي ضاعت،
وأنتِ سطري الأخير الذي لم أجرؤ على كتابته."

3


ثم وضع القلم أخيرًا، وأغلق الكتاب بحركة بطيئة، كأنما يغلق قلبه على وجعٍ لا يريد لأحد أن يراه. أسند رأسه إلى الأرجوحة، وأغمض عينيه، تاركًا الريح تحركه ذهابًا وإيابًا.
لكن صدى كلماته ظل يتردد في أرجاء الحديقة، كما لو أن الليل كله قد حفظ قصيدته، ليحملها إليها يومًا ما… إن كان للقدر أن يحنو عليه.

+


كان الفجر ينسلُّ بخيوطه الذهبية، يكسو المنزل بضوءٍ خافت، حين فتحت سارية عينيها قبل الجميع.
نهضت بتثاقل من فراشها، لكن ملامحها لم تكن تحمل أثر النوم؛ بل كانت يقظة، حادة، وكأن عقلها لم يذق طعم الراحة طوال الليل.
تسلّلت إلى الخارج حيث وجدت هنادي، والدتها، تراقب الخدم وهم يحضّرون الإفطار.

1


التفتت هنادي إليها بدهشة، وقالت وهي تعقد حاجبيها:
"مالك يا سارية؟ صاحية بدري ليه؟"

+


أخذت سارية نفسًا عميقًا، كأنها تحبس في صدرها غضبًا وكبتًا، ثم قالت بحدة:
"كفاية كده، يلا نروح."

+


فتحت هنادي فمها بدهشة، وكأن الكلمات صفعتها:
"ليه؟ مليتي؟"

+


ارتفع صوت سارية وهي تحاول كتم نفاد صبرها:
"آه… القعدة هنا مملة ومافيهاش روح."

+



        
          

                
تقدمت هنادي خطوتين نحوها، نظراتها حادة، تبحث عن سرّ تغيّر ابنتها المفاجئ:
"متغيرة كده، مش زي عادتك. أنا كنت فاكرة قعدتك هنا هتخليكي مبسوطة."

+


رمقتها سارية بنظرة باردة، وعينيها تقدحان شررًا مكبوتًا:
"بالعكس… أنا مخنوقة ومش عايزة أفضل هنا."

+


شعرت هنادي بقلقٍ يتصاعد في صدرها، فسألتها وهي تضع يدها على كتفها:
"في حاجة حصلت؟"

+


هزّت سارية رأسها بسرعة، وكأنها تريد التخلص من هذا السؤال:
"لأ."

+


لكن هنادي لم تصدقها، فأشارت بيدها بحركة مستفزة:
"بس أخواتك حابين يقعدوا."

+


ارتسمت على شفتي سارية ابتسامة ساخرة، تخفي وراءها قسوة لا توصف:
"خلاص… أمشي أنا."

+


زفرت هنادي بضيق، ثم قالت بنبرة أمّ ممزقة بين الحيرة والقلق:
"دي أول مرة تكوني كده. مستنية إيه يحصل هناك؟ مافيش جديد."

+


أشرق في عيني سارية بريق غامض، نصفه طموح ونصفه جنون، وقالت بصوتٍ منخفضٍ مليء بالغموض:
"هيكون في جديد… وأحسن من القديم. تركت الماضي… وفكرت في المستقبل."

2


حدّقت فيها هنادي بحيرة:
"مش فاهمة!"

+


رفعت سارية ذقنها بتعالي، وكأنها تتحدث عن خطة لا يراها سواها:
"بكرا هتفهمي."

+


حاولت هنادي تهدئتها وهي تقول برجاء:
"طب كمان يومين هنمشي، استحمليهم."

+


أدارت سارية وجهها، وأطلقت زفرة ضيقة:
"هحاول."

+


ثم غادرت المكان بخطواتٍ متسارعة، وقلبها يخفق كطبل حرب.

+


سارت في الممرات حتى خرجت إلى حيث الهواء الحرّ، متجهة إلى ذلك المكان نفسه الذي التقت فيه بزين.
كانت الأرض ما تزال تحمل أثر خطواتهما، وكأنها لم تنسَ ما دار بينهما.
وقفت وسط الفراغ، تحدّق إلى الأفق، وريح الصباح تعبث بشالها المنسدل، بينما عيناها تشعّان بمزيج من الطموح والانتقام.

+


تمتمت بصوتٍ منخفض، وكأنها تعاهد نفسها أمام السماء:
"لو أخلي زين زي الخاتم في صباعي… ساعتها أكون كسبت.
ولو اتجوزته… برضو هكون خدت اللي أنا عايزاه."

+


ابتسمت بخبث، وملامحها تزداد قسوة مع كل كلمة:
"كده كده بدر هيخسر… وأنا هساعده، بس بشرط… يتجوزني.
بس إزاي هيتجوزني؟"

2


وضعت إصبعها على شفتيها تفكر بعمق، ثم نظرت إلى البعيد بعينين يملؤهما جنون السيطرة:
"لازم أوقعه في غرامي… أخليه يموت من العشق.
ساعتها… بس… أكون كسبت.
وأهلي معايا… أما بدر… ما يلزمنيش دلوقتي، يعيش ولا يموت، مش فارقة معايا هو اللي عمل كده في نفسه."

2


ضحكت ضحكة خافتة لكنها مشؤومة، قبل أن تدير ظهرها وتغادر المكان، بينما الريح تحمل ضحكتها إلى البعيد، كأنها نبوءة لدمارٍ قادم.
" كان ممكن يكسب ودي بس هو اللي اختار عداوتي"

2



        
          

                
في ذلك الصباح، كان قصر الشرقاوية يغمره هدوء مهيب لا يقطعه سوى وقع خطوات الخدم وهم يتهيأون لاستقبال أحد الضيوف. جلس زين في بهو القصر الواسع، تحيط به أعمدة رخامية شاهقة، ووجهه يحمل مزيجًا من الحزم والغموض، بينما عيناه تلمعان ببريق لا يُقرأ بسهولة. أرسل أحد الخدم في طلب بائعة القماش الشهيرة في البلدة، أم صابر، تلك المرأة التي يعرفها الجميع بمهارتها في جلب أفخر الأقمشة وأندرها، مهما كان ثمنها.

+


دخلت أم صابر القصر بخطوات حذرة، عيناها تدوران في أرجاء المكان بانبهار، فهي لا تزور مثل هذه القصور كل يوم. كانت ترتدي عباءة داكنة، ووجهها تعلوه مسحة تعب وفضول، بينما راحت تبتسم في محاولة لمداراة رهبتها من زين. توقفت أمامه وانحنت قليلًا احترامًا، ثم قالت بصوتٍ مبحوح كعادتها:

+


أم صابر: "خير يا زين باشا، ليه استدعيتني؟"
رفعت عينيها ببطء لترى تعبيره الجامد، فإذا به يشير إلى المقعد المقابل له بيده في حركة آمره، قائلاً بنبرة واثقة:

+


"اقعدي يا أم صابر."

+


ارتبكت المرأة قليلًا، وضحكة مترددة كادت تفلت منها وهي ترد:

+


"العفو يا بيه… العفو."
لكن زين قاطعها، صوته حاد كالسيف:
"اقعدي بس بقولك."

+


أم صابر بنبرة صوت مغلوب على أمرها:
"حاضر يا بيه."
جلست المرأة على حافة المقعد، كأنها تخشى أن تثقل على وساداته المخملية، بينما راحت تفرك كفيها بتوتر.

+


مال زين إلى الأمام قليلًا، عيناه تخترقانها بحدة، ثم قال ببرود آمر:

+


"فرجيني بقى على اللي معاكي."

+


ابتسمت أم صابر بحماس، وهي تفتح صرتها الكبيرة التي كانت تحملها، فأخرجت منها أقمشة ملونة بعناية:

+


"بص يا بيه… ده آخر قماش رجالي وصلني، إنما إيه… هيبة ورجولة، يخلي اللي يلبسه سيد الرجالة."

+


لكن وجه زين ظل جامدًا، لم يبدُ عليه أي اهتمام، بل قال بفتور شديد:

+


"لأ… عايز الحريمي."

+


تسمرت أم صابر في مكانها، عيناها اتسعتا بدهشة، ثم رفعت حاجبيها بدهاء وهي تقول بنبرة فضولية ممتزجة بالفرح:

+


"حريمي؟ ناوي تخطب يا باشا و لا ايه؟"

2


رمقها زين بنظرة حادة، جعلتها تبتلع ريقها فورًا، فهتف بصوت متهكم:

+


"بطلي رغي… وشوفي شغلك من سكات."

1


أم صابر، وهي تهز رأسها بسرعة: 

+


"حاضر… حاضر يا بيه تحت أمرك."

+


ثم فتحت جزءًا آخر من صرتها، فأخرجت أقمشة ذات ألوان زاهية، وقالت بفخر وهي تعرضها:

+


"عندي بقى تشكيلة… إنما إيه، جنان! عندي حرير لونه أخضر يخلي الصبية عفية، حاجة كده تنوّر في الضلمة… ولا الأحمر اللي يدوّب القلب."

+



        
          

                
كان زين يراقبها بصمت، ثم قاطعها بصوت منخفض لكنه مليء بالإصرار:

+


"معاكي توب زمركشي؟"

+


شهقت أم صابر، وكأنها لم تصدق ما سمعته، ثم مالت نحوه وهمست بدهشة:

+


"بس ده غالي قوي يا بيه… ومحدش بيشتريه غير الأكابر."

+


ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي زين، لكنها لم تصل إلى عينيه وهو يرد بثقة:

+


"أنا عايزه."

+


بدأت أم صابر تحك أنفها بتوتر، ثم سألت بنبرة فيها بعض المكر:

+


"شكلها كده بنت ناس أكابر زيكم… هي حلوة؟"

2


ضاقت عينا زين، وبدا الضجر في صوته وهو يقول بصرامة:

+


"وبعدين…"

+


ابتلعت أم صابر فضولها على الفور:

+


"حاضر يا بيه، هجيبهولك. تحب لون إيه؟"

+


زين، بلهجة آمرة:
"هاتي خمس ألوان."

+


اتسعت عيناها أكثر، وقالت بدهشة وابتسامة عريضة:

+


"خمس ألوان مرة واحدة؟! ده يا بختها… بجد يا بختها!"

+


لكن زين ضرب بكفه على مسند الكرسي، فارتجفت المرأة مكانها، وصوته دوّى في القاعة:

+


"لو ما قصرتيش لسانك… هطلب من حد تاني."

+


أمسكت أم صابر بفمها وكأنها تحاول إسكاته، ثم قالت بسرعة:

+


"لا لا لا، خلاص… ألوان إيه اللي تحبها؟"

+


أخذ زين نفسًا عميقًا، ثم عدّ على أصابعه بهدوء غامض:

+


"أحمر… وأخضر… وأسود… وبيج… وأزرق."

+


هزت رأسها وهي تدون الألوان في ذهنها، ثم سألت بتردد:
"أجيب أبيض… ولا نسيبه للفرح؟"

2


رفع زين حاجبيه بسخرية، ثم قال بحدة وهو يشير لها بالانصراف:
"قومي يا ولية… نفذي المطلوب منك."

+


ضحكت أم صابر بخوف وهي تجمع أغراضها بسرعة:

+


"حاضر يا بيه… حاضر، ربنا يهنيك يا زين باشا."

+


وقبل أن تغادر، التفت إليها زين وهو يتحدث ببرود، وكأنه يذكر أمرًا عابرًا:

+


"المهم… عايز ريحة، خمسة زجاجات، برضو على ذوقك. وكمان شوية حاجات للوش… ماشي؟ سيبي دول اتفرج عليهم لو عجبني حاجة هاخدهم"

+


رفعت أم صابر يدها إلى السماء، وهي تتمتم بنبرة ساخرة مغمورة بالرعب:

+


"يا دي النيلة على حظنا الهباب… أنا أمشي قبل ما أنكد على جوزي."

2


ضحك زين ضحكة قصيرة، لكنها لم تحمل أي دفء، بينما تابعها بعينيه وهي تغادر القاعة بخطوات مسرعة، كأنها تهرب من هيبة المكان ومن هيبته هو شخصيًا.
أما هو، فظل جالسًا، عينيه تلمعان بوميض غامض، وكأن خلف هذا الطلب الكبير خطة لم تُكشف بعد.

+



        
          

                
كانت القاعة لا تزال غارقة في عبق الأقمشة الفاخرة التي تركتها أم صابر، وهدوء المكان يقطعه فقط صوت خطواتٍ رشيقة تقترب شيئًا فشيئًا. عند الباب ظهرت رشيدة، والدة زين، امرأة ذات حضور طاغٍ، تحمل على كتفيها عباءة مطرزة بخيوط ذهبية، وشالها الفضي ينسدل في شموخ يليق بسيدة القصر. كانت عيناها تقدحان ذكاءً وفطنة، وقد بدا على ملامحها الفضول وهي تتساءل عن الحوار الذي سمعته منذ لحظات.

+


وقفت رشيدة أمام ابنها، ذراعاها معقودتان فوق صدرها، نظراتها نافذة كأنها تسبر أغوار قلبه، وقالت بصوتٍ هادئ لكنه مشحون بالدهشة والريبة:

+


"ليه كل ده؟… ولمين؟"

+


رفع زين رأسه إليها ببرود، محاولًا أن يخفي الاضطراب الذي لمحته عيناه، ثم أجاب باقتضاب، وصوته متثاقل:

+


"محدش."

+


تقدمت رشيدة نحوه بخطوة سريعة، حاجباها انعقدا في حدة، ونبرة صوتها أصبحت أكثر صرامة، كالسيف القاطع:

+


"زين، لما أسألك… ترد."

+


كان في نبرة صوتها قوة لا يستطيع حتى زين مقاومتها. أطرق رأسه لحظة، ثم زفر بعمق، وكأنه يسلم للأمر الواقع، وقال بلهجة واثقة ولكن فيها شيء من التحدي:

+


"لسارية… بنت ناجي الحمداني."

+


تجمدت رشيدة في مكانها، اتسعت عيناها من الصدمة، حتى ارتجف قلبها في صدرها، ثم وضعت يدها على جبينها في حركة درامية وهي تهتف بذهول:

+


"إيه! بتقول ايه ؟ يا مُرك يا رشيدة! على اللي بيحصلك يا رشيدة"

1


ضحكة ساخرة ارتسمت على شفتي زين، لكنه ظل ثابتًا في جلسته، وقد بدا في عينيه بريق مكر، وقال وهو يميل إلى الأمام قليلًا، صوته هادئ كمن يكشف خطة محكمة:

+


"ده لخطة أنا عاملها… هقدر أستفاد منها. ودماغها… سهل أكسبها بشوية الحاجات دي."

+


بدأ القلق ينسحب من وجه رشيدة، لتحل مكانه نظرة إعجاب وفخر، فابتسمت بخبث وقالت وهي تهز رأسها راضية:

+


"أيوا كده… سمعني الحاجات الحلوة دي ، إنت كده ابن بطني بجد!"
لكنها لم تترك الأمر دون تحذير، فرفعت إصبعها في وجهه، ونبرة صوتها امتلأت بالجدية والحرص:

1


"بس أوعى الموضوع يقلب جد… وتحبها!"

+


قهقهة قصيرة انطلقت من صدر زين، لكنها لم تكن ضحكة فرح، بل ضحكة استهزاء ممزوجة بالمرارة، ثم نظر في عيني أمه بثقة مطلقة وقال ببرود قاتل:

+


"لا، متخافيش… اللي تخون مرة… تخون ألف مرة. هستفاد منها… وأرميها."

+


شعرت رشيدة بالارتياح من كلماته، لكنها لم تُخفِ فضولها، فمالت نحوه قليلًا، وابتسامة ماكرة ارتسمت على شفتيها وهي تقول بصوت خافت كأنها تكشف سرًّا:

+



        
          

                
"بس أنا اسمع… إن البنت دي جميلة…جميلة قوي."

+


صمت زين لحظة، وابتسامة غامضة ارتسمت على وجهه، عينيه تلتمعان بوميض اعتراف صامت، ثم قال بهدوء لم يخفِ إعجابه:

+


"آه… دي حقيقة."

+


ارتفعت حاجبا رشيدة بدهاء، ونبرتها اتخذت طابع التحذير وهي تحدق فيه بعيني ثعلبٍ عجوز:

+


"أوعى يا زين… تعوز تصطادها… وهي اللي تصطادك! على رأي المثل تيجي تصيده يصيدك"

3


ضحك زين ضحكة خفيفة، لكنه لوى فمه بازدراء، وقال بحدة، كأنما يقطع وعدًا أمام نفسه وأمام أمه:

+


"مستحيل… أحب بنت الحمدانية."

2


اقتربت رشيدة أكثر، ووضعت يدها على كتفه في حنوٍ ظاهر، بينما عقلها يدور في دوامة من الخطط، ثم قالت بصوت مشحون بالمكيدة:

+


"عشان الخطة تكمل… هشوفلها كام حتة دهب. وكده… تدوب فيك على الآخر."

+


تبادل الاثنان نظرات تفيض بالمكر والخداع، ثم انطلقت ضحكاتهما معًا، ضحكة ثقيلة كأنها نذير عاصفة مقبلة.
ضحكة زين حملت في طياتها نبرة نصرٍ مبكر، بينما ضحكة رشيدة كانت خليطًا من الكبرياء والدهاء، وكأن القصر بأكمله اهتز بصوتها، إيذانًا ببدء لعبة خطيرة، لا يعلم أحد كيف ستكون نهايتها… سوى زين، الذي كان يخطط للإمساك بزمامها مهما كان الثمن.

1


أرسل جمال لولده زين مرسال يحضره للمجلس، وعيناه تمتلئان بانتظار الرد.قطع جلسته مع والدته.

+


قال زين، وهو يحني رأسه احترامًا: 
"خير يا أبوي."

+


رد جمال بقلق واضح على وجهه:
"صقر مجاش برضو."

+


أجاب زين بهدوء: 
"لأ."

+


سأله جمال متعجبًا:
"ليه؟"

+


ابتسم زين بخفة وحاول تلطيف الموقف: 
"قلت لحضرتك هيجي كمان يومين تلاتة أو أسبوع بالكتير."

+


ارتفع حاجبا جمال بتوتر: 
"لأ، روح هاته ومتجيش غير بيه."

+


تنهد زين وقال بصدق:
"بس أنا كلمته ومش عايز يرجع دلوقتي، أعمله إيه؟"

+


تقدم جمال بخطوة نحو الحسم: 
"تقوله أبوك عايزك."

+


تردد زين قليلاً:
"طب لو رفض؟"

+


أجابه والده بحزم:
"قوله أبوك هيجيلك يشوف بتعمل إيه عندك."

3


هز زين رأسه موافقًا:
"حاضر يا بوي."

+


وكانت الكلمات بين الأب وابنه تحمل ثقل المسؤولية، وفي عين زين لمحة من التوتر ممزوجة بالاحترام والالتزام.

+


توجهت بدر نحو الساحة الواسعة حيث الخيول الأصيلة، وكل خطوة لها كانت تتردد صدىً بين جدران الحظيرة، فيما شعاع الشمس الذهبية ينعكس على فروها اللامع. أطلقت أحد الخيول ليمرّق مسرعًا، شعرت بدر بعنفوانه واندفاعه، لكن سرعان ما شرد الحصان في حركاته، متملصًا من السيطرة، كأنه روح حرّة لا يمكن حبسها.

+



        
          

                
تنفست بدر بعمق، عيناها تلمعان بالحلم والحنين، وقالت بصوتٍ هامس لكن يحمل ثقل شعور محاصر:

+


"نفسي أجري زي الحصان ده… وأحس بالحرية… بدل ما أنا حاسة بالسجن، وانّي محبوسة طول الوقت."

3


وقفت للحظة، تدير وجهها نحو السماء، ثوبها يرفرف مع النسيم، وكأنها تبحث عن أي فسحة من الحرية، أي شعور بالانطلاق بعيدًا عن قيود الواقع، بعيدًا عن المواعيد والواجبات والحدود التي وضعها لها العالم. شعرت بأن قلبها يدق بإيقاع متسارع يشبه خفقة جناح طائر، ومع كل خفقة كانت تتمنى أن تحلّق بعيدًا، بعيدًا عن القيود، بعيدًا عن كل ما يعيقها، لتصبح حرة… كما الحصان الذي يجري بلا عقال.

1


توجه الجميع إلى مكان الخيول بعد الإفطار، وكانت الأجواء مشبعة برائحة التراب والهواء النقي من حول المزرعة، بينما كانت أشعة الشمس تتسلل بين الأشجار لتلقي بريقًا ذهبيًا على الأعشاب الخضراء.

+


ابتسم يامن وهو يحيي بدر:
"صباح الخير يا سي بدر."

+


أجابته بدر بهدوء رشيق: 
"صباح النور."

+


واصل يامن مبتسمًا:
"ضيوفك أهم، صحيوا ، وتهنوا ومش فاهمين منهم أي حاجة بس هما مبسوطين باين كده."

+


ضحكت بدر بخفة، ورمت له نظرة مليئة بالمودة: "خلاص روح إنت."

+


ثم التفتت إلى ضيوفها بابتسامة دافئة:
"أتمنى تكونوا نمتوا كويس امبارح."

+


نظر ماتيا حوله بإعجاب، وقال بابتسامة حقيقية: "المكان حلو ومليان مناظر طبيعية، والفاكهة كانت لذيذة."

+


أجابت بدر بثقة:
"اه، ده من واجب الضيافة عندنا."

+


أما ميليسا، فقد عبست قليلًا وقالت بحدة مزعجة: "طول عمرك يا ماتيا بتبالغ في كلامك، المكان مش حلو والأكل كمان وحش، والصراحة اتخنقت كتير."

+


قالت بدر بفكر داخلي:
" ما تمشي، إيه اللي جابك هنا؟ "
ثم قالت بصوت هادئ:
"معلش يا ميليسا، كلها يومين وتمشوا، مش مستاهلة."

+


نظرت ميليسا لها بنظرة تحايلية وقالت:
"أحب اتكلم معاك لوحدنا بس في آخر اليوم."

+


ردت بدر بهدوء:
"خير، قولي دلوقتي."

+


ابتسمت ميليسا بخبث: 
"لا، خليها بليل أحسن ، و لوحدنا."

3


أشارت بدر إلى ماتيا بابتسامة خفيفة:
"ماشي، يلا يا أستاذ ماتيا، دي عينة من الخيول، تقدر تركبها وتشوف بنفسك مدى جودتها زي ما تحب."

+


نظر ماتيا نحو حصان أبيض يطل خارج الإسطبل، وابتسم:
"أحب أشوف ده."

+


حذرت بدر بعينين حادتين:
"ده ملكي ومحدش بيركبه غيري، وغيور جدًا وممكن يأذيك."

+


أصر ماتيا بابتسامة متحدية:
"بس ده اللي أحب اجربه."

+


أشارت بدر برأسها برفق:
"زي ما تحب، أنا حذرتك."

+



        
          

                
ركب ماتيا الفرس الأبيض، لكن الحصان بدأ يتحرك بعنف، كاد يسقطه أرضًا، فنزل بسرعة وهو يتنفس بضيق: 
"مش عجبني أصلا، عنيف على الفاضي."

2


نظرت له بدر بعينين شبه غاضبتين:
"مش قلتلك؟"

+


هز ماتيا رأسه بحركة استفهام:
"مش مهم هو خارج البيعة أصلا."

+


ثم قال بحماس واضح: 
"أحب اتسابق مع حد."

+


هزت بدر رأسها بابتسامة خفيفة: 
"أنا مش هقدر، لكن هخلي حد يسابقك."

+


أرسلت عبد ربه ليأتي بأمان، فقد كانت متألمة وغير قادرة على إمساك الحبل ومجاراة الحصان بنفسها، بينما كانت بدر تخطط مراقبة الموقف بعينين حادتين، مستعدة للتدخل إذا اقتضت الحاجة.

+


بدأ السباق يجري بين أمان و ماتيا .كانت نسيم تتابع المشهد من بعيد، عينيها تتسعان بدهشة وفضول، وهي تلتقط كل حركة وصمت، حتى لاحظت بدر تقف جانبًا في الخلف، متخفية عن أعين الجميع، لكن نسيم رأت ملامحها بوضوح، وشعرت بالحيرة تتصاعد في قلبها.

+


همست نسيم لنفسها بصوت يملؤه الذهول: 
"ايه ده اللي بيحصل ده؟ ازاي بدر في واحد شبهه كده؟ يعني ده عادي اتنين يكونوا زي بعض بالضبط ولا إيه؟"

3


انتهى السباق البسيط بين أمان وماتيا، وكان واضحًا أن أمان ترك الفوز لهدف، حتى يسهل عليهم بيع الخيول لاحقًا. توجه أمان بعدها إلى غرفته الخاصة حيث ينام هو وعبد ربه، و وقف قليلا، بينما كان قلبه لا يزال يسبح بين إرهاق السباق وصمت الغرفة.

+


في أجواء الغرفة الدافئة، وبعد عناء السباق، جلس أمان على كرسي خشبي قديم، خلع عمامته وأرخى جسده مستريحًا من إرهاق السباق الذي كاد يجهده

+


فجأة، وقفت نسيم أمامه، عيناها ممتلئتان بالدهشة، وهي تراقبه عن قرب. استدرك أمان وجودها بصمت، لكنه لم ينطق بكلمة واحدة.

+


قالت نسيم بحدة وارتباك: 
"إنت مين؟"

+


لا جواب، استمر في الصمت، وكان صمته يغمر الغرفة بثقل غريب.

+


واصلت نسيم، بصوت أكثر إلحاحًا:
"اه هو إنت اللي أنقذتني يوم المجلس؟"

+


ولا جواب، فتقدمت خطوة، وعيناها تتفحصانه بدهشة: 
"رد عليا، إنت ليه مابتردش عليا؟"

+


أشار أمان بإصبعه إلى فمه، في إشارة واضحة أنه لا يتكلم، لكن عينيه كانت مليئتين بالهدوء والحذر.

+


قالت نسيم باندهاش وغضب خفيف: 
"إنت أخرس؟ طب ازاي إنت وبدِر زي بعض كده؟ ايه ازاي… إنت مين وبتعمل ايه هنا وازاي ماشوفتكش قبل كده أبداً؟ أنا كنت حاسة إنكم اتنين مش واحد… لأن بدر لما بكون معاه الإحساس بيكون مختلف."

1


أخرج أمان ورقة صغيرة وكتب عليها، مدها لها: "بتعرفي تقرأي؟"

+


ابتسمت نسيم وقالت:
"اه، أنا وأخواتي كلنا بنعرف نقرأ ونكتب، ده شئ أكيد."

+



        
          

                
كتب أمان على الورقة ثانيةً: 
"أنا مجرد خادم عادي، وأنا أخرس لكن بسمع كويس، وعشان كده أنا ممنوع من الخروج برا عشان ما أقعش في مشكلة، وما أقدرش أطلب مساعدة من حد."

+


نظرت نسيم بدهشة مختلطة بفضول:
"طيب، وازاي إنت وبدر جسمكم زي بعض؟ مستحيل ده يحصل… انتم الاتنين زي بعض بالظبط. لازم تعرفني كل حاجة. اسمك ايه؟"

+


كتب أمان بخط واضح:
"أمان."

+


ابتسمت نسيم بخفة وقالت:
"أمان، اسمك حلو، بس إنت ازاي وبدر ازاي؟"

+


شعرت نسيم فجأة بدوخة، وكأن الهواء قد انسحب من صدرها، وبدأت تفقد وعيها شيئًا فشيئًا. أسرع أمان إليها، أمسَكها بحنان وأمسك بكتفيها ليبقيها واقفة، ثم أشار إلى عبد ربه.

+


كان عبد ربه واقفا أمام الغرفة ثم دخل  مذهولًا: 
"ايه جابها هنا؟"

+


استدعى أمان بدر بسرعة:
"ايه ده، ايه جاب دي هنا؟"

+


كتب أمان على الورقة الأخيرة: 
"هي كانت بتسأل ازاي احنا الاتنين جسمنا زي بعض، وبعدين اغمي عليها."

+


كانت الغرفة مليئة بالتوتر، وعيون نسيم نصف مغلقة، بينما ارتسمت على وجه أمان ملامح الحذر والهدوء، وبدر تقف على الباب تنظر بعينين ثابتتين، لا تكاد تُظهر أي أثر للدهشة، لكنها تعرف أن السر الكبير بدأ يكشف أمام أعينهم جميعًا.

+


وقفت بدر للحظة تتأمل الوضع، عينيها تتبادل النظرات مع عبد ربه، وهي تحاول أن تهضم ما حدث. كان المشهد كله محملاً بالتوتر والدهشة، ونسيم على وشك أن تفقد وعيها تمامًا.

+


قالت بدر، بصوت منخفض متردد:
"طب هنعمل ايه؟"

+


أجابها عبد ربه بثبات وهدوء، محاولًا أن يخفف من التوتر: 
"احنا هنرجعها لسريرها، ولما تصحى هتفتكر إنها كانت بتحلم."

+


نظرت بدر إلى أمان الذي كان واقفًا صامتًا، وعيناها مليئتان بالقلق: 
"وأمان… هننقله لمكان تاني غير ده؟"

+


رد عبد ربه:
"مفيش حل غير ده."

+


تمتمت بدر في نفسها، وكأنها تحاول ترتيب أفكارها: "أصل هي كانت ناقصة نسيم كمان…"

+


أومأ عبد ربه برأسه بحزم:
"روحي بس شوفي ماتيا، وأنا هعمل اللي قلت عليه."

+


وكانت كلمات عبد ربه كافية لتجعلهما يتحركان بسرعة، كل واحد في مهمة محددة، بينما الغرفة بقيت صامتة، محملة بآثار الدهشة والقلق، وكأن كل شيء في هذه اللحظة يتوقف على خطواتهما التالية.

+


حمل عبد ربه نسيم برفق بعد أن فقدت وعيها، متجهًا بها نحو المنزل، حتى لمحته والدتها وإخوتها واقفين عند الباب، وجوههم مشوشة وممتلئة بالقلق.

+


قالت هنادي بسرعة وارتعاش في صوتها:
"في ايه؟ ايه اللي حصل لبنتي؟"

+


أجابها عبد ربه بهدوء، محاولًا تهدئة القلق:
"مفيش، هي أغمي عليها عادي، شكلها مانمتش كويس بس."

+



        
          

                
تنهدت هنادي وهمست بقلق: 
"بنتي..."، واقتربت سارية من نسيم وهمستت لها بحنان: 
"نسيم فوقي."

+


العنود مدّت يدها واهتمّت:
"نسيم، أنتي كويسة؟"

+


بتول نظرت إليها بعينين مليئتين بالريبة: 
"مش شايفة يا بنتي، دي مش دريانة بحاجة."

+


ابتسم عبد ربه قليلًا وحاول تهدئتهم: 
"سيبوها بس، وهي هتفوق لوحدها."

+


ظلّت نسيم بين ذراعيه، كأنها زهرة واهية تحتاج للراحة، والقلق يلوح على وجوه من حولها، في صمتٍ يملؤه الحنان والقلق معًا.حتى وضعها في سريرها.

+


بعد أن أمعن ماتيا النظر في الخيول، وتفحص كل حصان بعناية، أومأ برأسه بإعجاب وقال مبتسمًا: "حلوة الخيول دي وفعلاً طرازها فاخر."

+


ردت بدر بعينين تتلألأ فيهما فخرها: 
"كويس إنهم عجبوك."

+


تقدم ماتيا خطوة، يده تشير إلى الحصان الأبيض البديع:
"في كمية قد إيه؟"

+


أجابته بدر بثقة وابتسامة خفيفة على شفتيها: "خمسمائة."

+


عقد ماتيا حاجبيه بتعجب:
"بس، أنا كنت فاكر العدد أكبر من كده بكتير."

+


ابتسمت بدر بمكر:
"ممكن نتعامل مع بعض كل سنتين تاخد كمية صغيرة."

+


همس ماتيا بتفكير:
"ممممم، فكرة برضو، جاهز تبيع امتى؟"

+


أجابت بدر بعينين حازمتين:
"أي وقت وبالسعر اللي نتفق عليه."

+


تراجع ماتيا خطوة إلى الوراء، يده تمر على ذقنه في تأمل: 
"أنا لازم أرجع وأدبر نفسي وكمان عندي شوية صفقات خاصة بشغلي، محتاج شهر كده أو تلت أسابيع أقل حاجة لحد ما يجيلي سيولة."

+


أومأت بدر مطمئنة:
"مش مشكلة."

+


ثم أشار ماتيا إلى حصانها الخاص:
"أنا هاخد اتنين معايا، لما أرجع هعمل شوية فحوصات عليهم قبل ما اخد القرار الأخير وأقولك إني مكمل في الصفقة دي. وماتقلقش، السعر اللي تطلبه هتاخده، بس هاخد الحصان ده."

+


ارتجفت شفاه بدر قليلاً، وعيناها تلتمعان:
"لكن ده مش للبيع زي ما قلتلك و هو مش هيقبل حد يركبه."

+


ابتسم ماتيا بثقة، وعيناه تشعان شغفًا:
"لكن أنا هستعمله استعمال شخصي من غير أي ضرر ليه وهحافظ عليه.و هيتدرب لحد ما يكون مطيع معايا دي حاجة سهلة."

+


شدت بدر أنفاسها:
"أستاذ ماتيا، في كتير غيره، ده لأ، لأنه عندي ذكريات كتيرة ومقدرش أستغنى عنه."

+


حرك ماتيا كتفيه بابتسامة وعيون متوهجة:
"حتى لو هدفع فيه خمس أضعاف التمن."

+


ارتفع حاجب بدر بتساؤل:
"ليه ده بالذات؟"

+


أجابها وهو ينظر للحصان بعينين تلمعان بالدهشة والإعجاب: 
"مش عارف، حاسس إني حبيته وإني اتعلقت بيه."

+



        
          

                
تنهدت بدر، وعيناها تتسعان بدهشة: 
"من نص ساعة بس حصل كل ده؟"

+


ابتسم ماتيا وقال بجدية وخفة: 
"على العموم مش هنتكلم كتير ، أنا ماشي بكرا الضهر تكون فكرت كويس في عرضي ده."

1


كانت المشاعر تتصاعد بين المكان، والخيل يلمع في ضوء الصباح كما لو أنه يعلم أنه أصبح محور اهتمام، بينما كان ماتيا متشبثًا برغبته بامتلاك حصان بدر الخاص، وعيناها تراقبان كل حركة، تحاول الموازنة بين ذكرياتها ومطالب الواقع.

+


ترك ماتيا المكان وتوجه بهدوء نحو الاستراحة في الحديقة، حيث جلس على الأرجوحة مسترخياً، يراقب الأفق وكأنه يستعيد شغف المغامرة في قلبه. أما بدر، فقد بقيت واقفة، عيناها لا تفارقان حصانها، ذاك المخلوق النبيل الذي ورثت منه دماء الفخر والكرامة من سلالة والدها، آخر نسلها المباشر.

+


مدت بدر يدها لتلمس فروه الناعم، وأصابعها تتسلل بين خصلات شعره ببطء، كأنها تحاول أن تحفظه في ذاكرتها قبل الرحيل. صوتها هادئ لكنه مشبع بالحنين: 
"أنا كده كده شوية وهامشي من هنا، يعني لو سيبتك مين هيرعاك، جالي سعر كويس ليك، لولا أني همشي مكنتش فرطت فيك."

+


كأن الحصان، بعينيه العميقتين، يدرك كل كلمة تنطق بها، يشعر بألمها، يتفهم ترددها بين حبها له وواجبها نحو القرارات التي فرضتها الظروف. كانت لحظة صمت طويل، يسودها الحزن والوفاء، حيث بدا أن كل نفس من الهواء يملأ صدرها بعاطفة ممزوجة بالحب والفقد، وكأنها تتحدث إلى قلبه النبيل، والقلب يجيبها بصمت، بفهم لا يحتاج لكلمات.

+


تم تجهيز الإفطار بعناية فائقة، ووضعت أطباق الطعام على الطاولة بشكل مرتب وجذاب، الألوان تتناغم مع بعضها، والروائح تعبق في المكان، مما يجعل كل من يشمها يتوق لتذوقها.

+


همست ليلى بحذر وهي تراقب تحركات الضيوف:
"يا ترى أكلنا هيعجبهم؟"

+


ابتسمت حسناء بثقة وهي تنظر للطاولة الممتلئة: "أكيد، هو في حد ما يحبش أكلنا."

+


ردّت ليلى ضاحكة: 
"على رأيك."

+


ثم دعت بدر الضيوف: 
"تفضلوا يا سيد ماتيا، وسيّدة ميليسا، الإفطار جاهز."

+


اقترب ماتيا وميليسا، وجلسوا بجانب بدر وعبد ربه، وبدأوا يتأملون الأطباق المنوعة بعينين متحمستين، بينما كانت ليلى وحسناء تراقبان بانتظار ردود أفعالهم، والفضاء ممتلئ بالهدوء الممزوج بالحماس والترقب.

+


بدأ الضيوف يتناولون الطعام، وأعينهم تتأمل التنسيق الجميل للأطباق وروائحها الشهية.

+


ميليسا بابتسامة عريضة وهي تتذوق قطعة من المعجنات:
"يا سلام، الطعم ده فعلاً مختلف، مشفتش حاجة زي كده قبل كده."

+


ماتيا وهو يضع قطعة من اللحم في فمه:
"والله، الأكل ده ممتاز، الطعم كويس وكل حاجة واضحة إنها معمولة بحب."

+


بدر بابتسامة فخر خفيفة:
"سعيد إنه أعجبكم، دا من واجبنا في الضيافة و العادي ، كويس إنه عجبك يا ميليسا."

+


ميليسا وهي ترفع يدها لتدعو عبد ربه لتجربة الصحن نفسه:
"استعجلت في الحكم على الأكل قبل كده."

+


ماتيا ابتسم وهو يلتقط قطعة:
"فعلاً، ما توقعتش إن الطعم يكون ممتاز كده."

+


ليلى وحسناء تتبادلان نظرات رضا صامتة، بينما بدر تتابع تعابيرهم، فرحة بأن جهودها في تجهيز الإفطار لم تذهب سدى.

+


بينما كانوا منهمكين في تناول الإفطار، دخل أحد المرسالين مسرعًا وهو يلهث قليلًا، فانقطع الحديث على المائدة، والتفتت الأنظار إليه.

+


المرسال بانحناءة احترام:
"السلام عليكم... عندي خبر يا سي بدر."

+


بدر وهي تضع الكوب بهدوء وتنظر إليه: 
"خير يا ولد، في إيه؟"

+


المرسال: 
"قبيلة عزيز بتقيم حفل احتفال بمولود جديد من بيت شيخ القبيلة، والشيخ عزيز بنفسه بيطلب حضورك... الحفل هيكون بعد المغرب، والقبيلة قريبة من هنا."

+


بدر بابتسامة خفيفة:
"مولود جديد؟ ربنا يجعله من الذرية الصالحة. بلغ الشيخ عزيز إنّي هحضر إن شاء الله."

+


المرسال وهو ينحني مرة أخرى للمغادرة: 
"سمعًا و طاعة يا سي بدر عن إذنك."

+


بعد أن غادر المرسال، وبقي صدى كلماته يتردد في أجواء المكان، لاحظ عبد ربه شرود بدر وهي تعطي التعليمات للخدم. كان في عينيه بريق قلق مكتوم، فتقدّم نحوها بخطوات حذرة، وكأنه يخشى أن يسمعه أحد. مدّ يده بخفة ليلمس طرف عباءتها، فأدارت وجهها إليه مستغربة، حاجباها معقودان في تساؤل.

+


عبد ربه، بصوت خافت يختلط فيه التردد بالتحذير:
"هتروحي بجد هناك للحفلة دي؟"

+


ارتسمت على وجه بدر نظرة استغراب، وارتفعت إحدى حاجبيها، بينما شبكت ذراعيها أمام صدرها في هيئة من يبحث عن إجابة:

+


"آه... في حاجة ولا إيه؟"

+


تنفس عبد ربه بعمق، وكأن الكلام يثقل على لسانه، ثم نظر حوله سريعًا ليتأكد أنهما وحدهما، قبل أن يقترب أكثر حتى صارت همساته لا تُسمع إلا لها. كانت عيناه تتسعان ببطء، مزيج من الخوف والرهبة يتراقص فيهما:

+


"متعرفيش بيعملوا إيه في حفلة المواليد؟"

+


بدر أمالت رأسها قليلًا، وفي وجهها فضول متحفّز، بينما ارتسمت على شفتيها نصف ابتسامة مترددة، وفي صوتها تساؤل حذر:

+


"لأ...؟"

2


في تلك اللحظة، انعكس ضوء الشمس على ملامح عبد ربه، فزاد من حدة القلق البادي على وجهه. بلع ريقه بصعوبة، ثم أطلق كلماته دفعة واحدة، كمن يزيح سرًا ثقيلاً من صدره:

+


"كل شيخ قبيلة بيجيب خروف... ويدبحه بنفسه قدام كل الناس، دليل على مباركة المناسبة دي."

+


تسمرت بدر في مكانها، وعيناها تتسعان بدهشة صامتة، بينما جمدت شفتيها في صمت ثقيل. بدا وكأن النسيم الذي كان يمرّ بين الأشجار قد توقف بدوره، يترقب وقع تلك الكلمات الثقيلة. وفي أعماقها، بدأ سؤال لم تنطق به يتصاعد، عن أي أسرار أخرى تخفيها تلك القبائل خلف ستار الاحتفالات والبهجة.

+


...

+


الفصل أتأخر شوية و ممكن يكون قصير شوية ، مش عارفة مالي كده مش قادرة أكتب و كل  ما اكتب كلمة أرجع امسحها و لا أبدع كعادتي،  النفسية مش أحسن حاجة .. استحملوني شوية الفترة دي و ادعولي عشان أنا زهقانة من الكتابة خالص خالص 
و شكرا على تعليقاتكم الجميلة ❤️🙋🏻‍♀️

6



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close