📁 آخر الروايات

رواية بوتقة الحب الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم هدير الصعيدي

رواية بوتقة الحب الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم هدير الصعيدي


الفصل الحادي والعشرين

كانت تركض بالظلام وحدها , تنظر حولها بخوف لا تعلم أين هى , كلما ظهر أمامها ضوء ركضت تجاهه ليختفي فجأة , صرخت باسم معتصم ولكنه لم يُجيب , دارت حولها قبل أن تلمح نور ضعيف يأتي من بعيد , سارت تجاهه بخطوات بطيئة متمهلة وكأنه سينتبه لها فينطفئ , وصلت حيث النور لتضع يدها فوق عينيها تغطيهما من شدة الإضاءة وسارت بخطوات بطيئة من جديد داخل هذا النور حتى وصلت لباب أمسكت بمقبضة في تردد وفتحته لتقابلها فتاة صغيرة , اقتربت منها باستغراب تنظر لملامحها وقبل أن تصل إليها اختفت , دارت حولها تبحث عنها ولكنها لم تجدها !

فتحت عينيها ببطء ثم عادت تُغلقهما من جديد , نظرت لمن يقف أمامها باستغراب قبل أن تتساءل بفزع وهى تستوعب وجود رجل بغرفتها

- من أنت ؟ .. وماذا تفعل هنا ؟

هتف بهدوء محاولًا طمأنتها

- اهدئي رجاءً .. سلمى .. سلمى

دلفت فتاة عشرينية قصيرة القامة ترتدي إسدالًا من الستان , قمحية البشرة يظهر على وجهها علامات الذعر , نظرت للرجل متسائلة بقلق

- ما الذي حدث ؟

تساءل باستغراب

- أين كنتِ ؟

همت بإجابته لتقاطعهما كلثم متسائلة بانفعال

- من أنتما ؟ .. وماذا تفعلان بشقتي ؟

نظرا لها لتهتف الفتاة بابتسامة هادئة

- حمدًا لله على سلامتكِ .. أنا سلمى جارتكِ .. وهذا أخي آدم

نظرت لها كلثم باستغراب ؛ فهى أول مرة تراهما , نظرت للرجل الذي ابتسم ابتسامة هادئة قائلًا

- أنا آدم من أتيت لأخبركِ بأمر المياة بالحمام

هزت رأسها قائلة بعدم تركيز

- أنا لا أفهم شيئًا .. ما الذي يحدث ؟

نظرت سلمى لآدم الذي هتف بهدوء

- صعدت لأخبركِ بأمر المياة بحمامكِ والتي أفسدت الحائط الخاص بشقتي .. وبينما كنت أتحدث سقطتِ أرضًا مغشيًا عليكِ .. صحت باسم سلمى شقيقتي فصعدت تعاوني على وضعك بالفراش وظلت برفقتي حتى استيقظتِ قبل قليل .. استريحي قليلًا وتناولي طعامكِ وستكونين إن شاء الله بصحة جيدة

نظرت كلثم بجانبها حيث أشار خلال حديثه فوجدت صحن به شطيرتين من الجبن وكوب ماء , تساءلت باستغراب وهى تنظر له

- هل أنت طبيب ؟

أومأ برأسه إيجابًا قائلًا

- أنا طبيب نفسي

لم تعلق فنظر لسلمى قائلًا

- هيا كي نتركها كي ترتاح

ثم نظر لكلثم التي كانت تتابعهما

- إن احتجتِ شيئًا أخبرينا .. ستترك لكِ سلمى رقم هاتفها

أنهى حديثه وخطى تجاه الباب بخطوات هادئة , بينما دونت سلمى رقم هاتفها على دفتر صغير كان على الكومود بجانب كلثم ثم هتفت قبل أن ترحل

- حمدًا لله على سلامتكِ .. هذا رقم هاتفي إن احتجتِ شيئًا بأي وقت هاتفيني ولا تترددي

نظرت كلثم في أثرها باستغراب ثم فركت جبهتها تحاول تذكر ما حدث قبل أن تفقد وعيها , هى كانت تتحدث مع أحدهما ولكنها لا تتذكره , كل ما تتذكره أنها كانت تشعر بإعياء شديد , تذكرت الحلم الذي رأته بنومها ولم تفهم منه شيئًا ثم اعتدلت بالفراش تشعر ببعض الدوار , نظرت لصحن الشطائر بجانبها وحملته كي تتناول ما به وهى تشعر أنها حقًا جائعة.

********

نحصد دومًا نتائج أفعالنا , وعلينا تقبل حصاد ما زرعناه , وها هى تتلقى حصاد ما أقبلت على فعله بملئ إرادتها , مر أسبوعًا بأكمله كانت حالتها تسوء فيه يومًا بعد يوم , كانت تظل واقفة خلف النافذة تتطلع للشارع على أمل أن يعود وتراه كي تتحدث معه , أغلق هاتفه منذ تلك الليلة التي أخبرها فيها بأنه لا يريد رؤيتها من جديد وغادر , غادر وتركها واقفة تنظر في أثره بصدمة , ترك عالمها الذي شيدته برفقته وأملت أن تحيا برفقته داخله يومًا.

غادر البناية بأكملها , حتى هيام لا تعلم شيئًا عنه , أخبرها حزينًا بأنه لا يُصدق أنها اشتركت في شيئًا كهذا , كانت هيام هى الأخرى تبكي وهى تخبرها أنه نزل يُخبرها بالأمر غاضبًا ليجدها مرتبكة فعلم حينها أنها كانت تعلم بالأمر واشتركت معهما في خداعه فترك عالمهما وغادر لعالمه الخاص الذي لا تعلم عنه شيئًا !

أتراه ذهب للمقابر , ولكن كيف سيذهب وهو غاضب من منال هى الاخرى , أسبوعًا لم تغفو فيه سوى ساعات قليلة وطيلة نومها كانت تراه بأحلامها , كانت تبكي وتركض نحوه ولكنه كان كلما اقتربت منه اختفى وكأنه سراب , يبدو حقًا أن كل ما عاشته بالأشهر الماضية كان سرابًا بنى على خداع فتهشم فوق رأسها وحدها وعليها تحمل ما حدث ولكن إلى متى ستتحمل لا تعلم.

انهمرت دموعها وهى تنظر للشارع الخاوي من المارة فلقد أوشكت الساعة على الثانية بعد منتصف الليل , تساءلت بنحيب

- متى ستعد زين ؟

اتسعت عينيها فجأة وهى تلمح سيارته تقترب من البناية , مسحت دموعها سريعًا ودققت النظر لتجدها سيارته بالفعل , أوقفها جانبًا وظل بداخلها دون أن يترجل , تابعته بقلب ينبض بجنون خلف ضلوعها إلى أن وجدته يترجل من السيارة , أغلق بابها ووقف ينظر للشارع ثم رفع رأسه ينظر للبناية فعادت للخلف سريعًا بخوف كي لا يراها فيرحل , ركضت سريعًا ترتدي اسدال الصلاة ثم حملت مفاتيحها وترجلت السلالم ركضًا ؛ كانت تخشى أن يغادر من جديد دون أن تتحدث معه وتخبره بكل شيء , وصلت لمدخل البناية تلهث بتعب لتجده يدلف من الباب غير منتبهًا لها , كان هو الآخر في حالة يرثى لها , كانت ملامحه باهتة , حزينة , يبدو عليه الوهن , وكتفيه متهدلان وكأنه يحمل أطنانًا فوقهما من الهموم , انتبه لها فظهر الغضب على ملامحه قبل أن يُشيح ببصره عنها ويمر بجانبها متجاهلها فأوقفته تمسك بذراعه قائلة بحزن

- زين رجاءً أريد التحدث معك

أبعد يدها عنه بقسوة ولم يُجيبها , فعاودت فعلتها قائلة ودموعها تنهمر فوق وجنتيها

- اسمعني ثم احكم بعدها .. فقط اسمعني زين

نظر لها بغضب فهتفت برجاء ودموعها مازالت تنهمر فوق وجنتيها

- لن أظهر أمامك مجددًا زين .. اسمعني فقط تلك المرة وأعدك أنني سأتقبل قرارك بعدها مهما كان

نظر لها قليلًا ثم هتف وهو يشير لها كي تسير أمامه

- حسنًا تفضلي

صعدت الدرج أمامه , ومع كل خطوة كان الخوف ينهش قلبها أكثر وأكثر , تخشى أن تكون بتلك الدرجات تقترب من نهايتها , تخشى أن يكون قراره هو تركها , ليتها ما أخبرته أنها ستتقبل قراره فماذا إن أخبرها أنه لا يريد رؤيتها حقًا !

وصلت شقتها ففتحت بابها ودلفت ليدلف هو الآخر مغلقًا الباب , جلس على المقعد ثم هتف بجمود

- هيا أسمعكِ

نظرت له بخوف قبل أن تقترب من الأريكة المقابلة لمقعده وتجلس فوقها , تشعر كأنها مذنبة سيعاقبها والدها ولكن كيف لأب أن يترك ابنته ما إن تخطئ !

ولكن هل خطأها هذا يُغتفر ؟!

ابتلعت ريقها بخوف , تخشى مما هو قادم , نظرت له بأعين مغروة بالدموع لتقابلها نظراته الجامدة , فركت يديها ثم هتفت وهى تتحاشى النظر بعينيه

- تعلم أن والديّ توفيا منذ كنت صغيرة بالسن وتولت تربيتي خالتي حتى توفاها الله لأحيا وحيدة وأنا بالخامسة عشر .. كنت أغفو وأنا أُشعل كافة الإضاءة بالمنزل من شدة الخوف .. كانت تمر ليالي أمرض بها وأنهض من الفراش بصعوبة ولا أجد بجانبي من يعطيني الدواء ويُعد لي الطعام .. كان لدي أموال ورثتها عن والدي وخالتي ولكن لم يكن لدي أحد يؤنس وحدتي .. لم أجد من يسأل عني يومًا .. لم أجد من أخبره بنجاحي كي يشاركني فرحتي .. تعلمت أن أفعل كل شيء وحدي وأن أربت فوق كتفي بيدي الأخرى .. لم أكن جميلة كما كانت زميلاتي .. كانت نظرات الرجال تبتعد عني لا أعلم هل كنت قبيحة إلى تلك الدرجة أم ماذا .

صمتت تبتلع غصة وقفت بحلقها ثم هتفت بألم

- وحينما دق قلبي لأول مرة كان لشاب اتفق مع فتاة أخرى على الايقاع بي وأخبرني بوقاحة حينما واجهته " انظرى للمرآة .. هل تظنين أن يُحبك مخلوق " .. مازلت أتذكر العبارة ويتردد صداها بأذناي وكأنه هتف بها الآن .. ومنذ تلك اللحظة وانا أضع مساحيق التجميل كي يراني الجميع جميلة

مسحت دموعها التي انهمرت فوق وجنتيها بظاهر كفها ثم هتفت بتردد

- وأُصبت عقب فترة بالسرطان وشفيت منه إلى أن عاد لي مجددًا وحينها التحقت بالمركز الذي التقيت فيه بمنال .. ولكن حينها لم أكن مريضة كنت قد شُفيت ولكني كنت أذهب كي أساعد المرضى الآخرين كعمل تطوعي مني .. التقيت بمنال وأُصبنا بالدهشة من التشابه بيننا وبمرور الوقت بدأت العلاقة بيننا تتوطد أكثر حتى أخبرتني منال عنك وعن حبك لها .. أخبرتني بعد فترة من تعارفنا انها فكرت بأمر ما فلقد أخبرها الطبيب أن حالتها تتأخر والعلاج بات لا يُجدي نفعًا .. أخبرتني كم تُحبك ولا تتخيل كيف ستكون حالتك عقب رحيلها .. أخبرتني أنها تريد أن تُزوجك بإمرأة أخرى عقب وفاتها ولن تجد زوجة مناسبة سواى

صمتت تبتلع ريقها قبل أن تهتف بتوتر

- لم أصدق ما تفوهت به حينها .. أخبرتها ضاحكة أنها ليست بوعيها أو ربما تمزح ولا تستوعب ما تتفوه به .. ولكنها كانت مُصرة وأخبرتني أنك لن توافق على الزواج مباشرةً وعليّ التقرب منك تدريجيًا كي توافق على الزواج مني .. وجدتني بعد عدة أيام من التفكير أوافق وأنا أطمح في التقرب من أُناس يشاركونني عالمي الذي أحيا به وحيدة .. بدأت منال في سرد كل شيء وبدأتُ في تدوين كل ما تخبرني به عنك كي لا أنسى شيئًا وعقب وفاتها لم أقترب منك مباشرة كنت مترددة في تنفيذ ما اتفقنا سويًا على فعله .. كنت لا أود أن أقترف شيئًا كهذا ولكني بعد فترة وجدت قدماي تسوقاني إلى البناية هنا .. ووجدتك حينها تستقل سيارتك وتتحرك بها .. شعرت حينها بشيء يجذبني لتنفيذ الأمر .. لا أعلم ما هو .. وبمرور الوقت بدأت في مراقبتك حتى علمت مواعيد خروجك وذهابك للمقابر وكل شيء .. أتيت حينما رأيت الإعلان عن تلك الشقة للإيجار وبدأ حينها كل شيء .. أنا وددتُ أن أحيا وسط عائلة حُرمت منها بصغري .. وجدت نفسي أتوغل بداخل عائلتك وأتشبث بها بجنون حتى وقت الحادث الذي تعرضت له .. حينها شعرت بالخوف الشديد من فكرة فقدانك .. وحينها علمت أنني أُحبك وقد تعلق قلبي بك ولم أعد قادرة على الابتعاد عنك .. علمت من خالة هيام أن منال أخبرتها عن اتفاقنا .. لا تغضب منها فهى لم تكن تود إيذاءك .. هى والدتك وتتمنى فقط راحتك وأن تراك سعيدًا .. هى ما وافقت على الأمر سوى لراحتك ورغبتها في رؤيتك بأفضل حال

صمتت قبل أن ترفع رأسها وتنظر له فوجدته مازال على وضعيته , ملامحه جامدة كما هى فهتفت بحزن

- لقد أحببتك حقًا زين .. أنا أو منال أو والدتك لم نرغب يومًا في خداعك .. كل منا أحبك بطريقته وترجم حبه لأفعال ربما أخطانا بها ولكننا لم نود خداعك أو إيذاءك .. حينما اقتربت منك زين ورأيت كم تُحب منال تمنيت أن أكون نسخة مطابقة لها فكنت أتفنن بوضع مساحيق التجميل كي تراني مثلها .. حتى تلك العلامة بيدي كنت أحرق يدي عمدًا كي تتكون تلك العلامة .. تمنيت أن أحظى برجل يُحبني مثلما أحببتها .. لقد أحببتك بحق زين ولم يعد الأمر الذي يدفعني هو أن أكون عائلة فقط .. أقسم لك أنني صادقة في حديثي

صمتت وانتظرت منه أن يتحدث , ظل ينظر لها وطالت نظراته ومعها صمته الذي نشب بداخلها حرائق من الخوف والقلق ثم نهض فجأة وغادر تحت نظراتها الحزينة قبل أن تنهار باكية فوق الأريكة.

*******

بعض الأمور تبدو سهلة من الخارج وهم ظنوا أن الأمر سيكون سهلًا , ولكن ما إن زالت أثار المهدئ وعلمت بأمر العلاج حتى باتت بحالة شديدة من الغضب , حاولوا تهدأتها ولكنهم لم يفلحوا وقد تم حجزها بالقوة بأحد المصحات للعلاج , كان مزمل ورشدي وناهد دائمي الذهاب لزيارتها ولكن الطبيب منع عنها الزيارة بالوقت الحالي , حاول مزمل الإنهماك بالعمل ولكن بلا جدوى , كانت دليلة تحتل مخيلته بكل لحظة , فكر في كل الأشياء التي تسعدها والتي كانت دومًا تطلبها منه وأخذ عهدًا أن يفعلها لأجلها ما إن تتعافى , تمنى أن تكون بصحة جيدة ولن يتركها لحظة وسيعوضها عن كل شيء.

دلف للفيلا بوقت متأخر فوجد الإضاءة خافتة فهم بصعود غرفته ولكنه لمح ضوء غرفة المكتب مشتعل فتوجه يطرق بابها الشبه مغلق ليأتيه صوت رشدي يسمح له بالدخول , دلف بوجه حزين وهو يتابع علامات العجز التي ظهرت دفعة واحدة على رشدي وكأنه بات كهلًا في بضعة أيام فقط.

جلس على المقعد أمام المكتب قائلًا بحزن

- ظننتك قد غفوت عمي

نظر له رشدي ولم يعلق فتساءل مزمل بحزن

- ألا زلت غاضبًا مني ؟

تساءل رشدي بتهكم

- هل علىّ أن أكون فرحًا وأقابلك بابتسامة واسعة ؟

ظهر الألم على ملامح مزمل ؛ إن كان رشدي غاضب منه لأجل عدم إخباره له بأمر إدمان دليلة , فماذا سيفعل إذن إن علم بأن كل ما حدث كان بتخطيط منه ! , هل سيسامحه على ذلك ؟!

أدمعت عيني مزمل ونهض من جلسته واقترب من رشدي , جثى أمامه على ركبتيه قائلًا بحزن

- أعلم أنني مخطئ .. وخطئي كبير وأعلم أنه ربما لا يُغتَفر .. ولكن يشهد الله أنني نادم على كل شيء حدث مني .. أود منك أن تسامحني وتتركني أُصلح كل ما أفسدته

عقد رشدي حاجبيه ؛ هو غاضب منه لعدم إخباره له بأمر دليلة وقد كان يعلم ذلك , بل وتركه لها ولكن لمَ يشعر أن حديثه يختبئ خلفه قصة أخرى لا يعلمها !

أمسك مزمل بيد رشدي وقبلها ثم رفع رأسه لتتساقط دموعه فوق وجنتيه , ربت رشدي فوق رأسه قائلًا بابتسامة حنون

- سأسامحك بشرط أن تبذل قصارى جهدك في إعادة دليلة القديمة

********

على طاولة الفطور جلس موسى وهو يُحيي ثويبة برأسه والتي كانت دارين تجاورها , عدة ثواني وحضر البقية لينهض موسى فجأة فنظروا له ليهتف بابتسامة هادئة

- هناك ضيفة ستتناول الفطور برفقتنا

نظروا له باستغراب , بينما رفعت قدرية حاجبها متسائلة وهى تنظر لصالح

- أي ضيفة تلك التي يتحدث عنها ؟

رفع صالح كتفيه دليلًا على عدم معرفته , ليطفو الغضب فوق ملامح قدرية , نظرت نهال لمنتصر الذي كان يتناول طعامه بلا اهتمام بما يحدث ثم لكزت دارين التي تقع بالمنتصف بينها هى وثويبة متسائلة

- من تلك الضيفة ؟ .. هل تعلمين شيئًا عن الأمر ؟

رفعت دارين كتفيها قائلة

- لا أعلم

لم تكد تمر خمس دقائق وكان موسى يدلف تلحق به حسناء , جلس موسى على مقعده فظهرت حسناء والتي كانت تحمل بين يديها بسلة " القطة " , نظرت لها ثويبة باستغراب وقبل أن تتحدث تساءلت قدرية بغضب

- من الذي سمح لكِ بإدخال تلك القطة هنا ؟

نظرت حسناء بخوف لموسى ليهتف موسى بهدوء وهو ينظر لحسناء

- ضعى القطة أمام صحنها وضعى لها الطعام

نظر له الجميع باستغراب , بينما هتفت قدرية بانفعال

- إياكِ أن تضعي تلك القطة فوق الطاولة وإلا قذفتها بالشارع

هتف موسى بنفس الهدوء وهو مازال ينظر لحسناء غير عابئًا بحديث قدرية ولا نظرات ثويبة الهلعة والتي يعلم أنها كذلك دون الحاجة للنظر لها

- ضعيها حسناء وضعي لها الطعام

ابتلعت حسناء ريقها بخوف ثم اقتربت من الطاولة تنوي وضع القطة لتصرخ قدرية باسمها فانتفضت تنظر لها برعب , بينما نهضت ثويبة تمسك بالقطة من بين يدي حسناء المذعورة , نظرت حسناء لموسى بأسف وخوف لينهض موسى من جلسته ويحمل القطة تحت نظرات ثويبة ودارين المصدومة ؛ فكيف له أن يحملها ! , ألا يكره الحيوانات ويخاف من القطط , وضعها موسى أمام الصحن الذي طلب من حسناء بالصباح الباكر وضعه لها على الطاولة ثم وضع أمامها بعض الطعام لتأكله القطة بنهم تحت نظرات الجميع.

جلس موسى على مقعده , بينما ظلت ثويبة واقفة بجانب القطة تتابعها بقلق لينظر لها قائلًا بهدوء

- اجلسي ثويبة وأكملي فطوركِ

نظرت له بتوتر ثم توجهت لمقعدها وجلست لتهتف قدرية بغضب

- إن كانت مشاعرك مرهفة إلى تلك الدرجة فلتأكل طعامك من الآن مع تلك القطة ولا تشاركنا المائدة

تناول موسى طعامه وكأنه لا يسمعها , بل إنه سكب القليل من الطعام من جديد بصحن القطة فهتفت قدرية بغضب موجهة حديثها لحسناء

- أما أنتِ فسيخصم نصف راتبكِ هذا الشهر عقابًا لكِ على فعلتكِ

اتسعت عيني حسناء ليهتف موسى بهدوء

- لا تخافي حسناء ستأخذين إن شاء الله راتبكِ كما هو .. بل سأُضيف لكِ مكافأة لما فعلتِ بمعاونتي بحمل القطة

نظرت قدرية لموسى شرذًا قبل أن تتساءل بغضب

- ماذا تظن نفسك فاعلًا ؟ .. هل ستعود بعد كل تلك السنوات لتتحكم
بالجميع ؟ .. أنا سيدة هذا البيت

نظر لها موسي بسخرية أغضبتها أكثر قبل أن يهتف وهو يُشير لوالده

- سيد هذا البيت يجلس أمامكِ ولكن على ما يبدو قد ضعف نظركِ زوجة أبي .. ورواتب العاملين بالفيلا أنا الذي أُخرجها من الخزينة وليس لكِ أي سلطة بهذا الشأن

احتدت نظراتها وإحمر وجهها غضبًا من وقاحته في الحديث , نظرت لصالح الذي كان ينظر لموسى بعتاب قائلة بغضب وانفعال

- هذا كل ما ستفعله معه !!

نظر لها صالح ولم يعلق , وحينها سارت القطة فجأة بين الصحون تلعق منها تحت نظرات قدرية المتسعة والمصدومة مما يحدث , صرخت قدرية قائلة بغضب

- ما تلك الفوضي .. ابتعدي .. ابتعدي

نهضت ثويبة سريعًا تحملها لتنهض قدرية منفعلة وجسدها يهتز من شدة غضبها

- أقسم بالله أنني لن أمررها لك موسى دون عقاب

ضحك موسى بقوة فضمت قبضتها بغضب وصعدت لغرفتها , لحقت بها نهال وهى تنظر لموسى بضيق وكذلك منتصر الذي خص موسى بنظرات كره واضحة , أما دارين فنظرت لثويبة قائلة بخوف

- خذي القطة واختفي حتى يحل المساء وأنا سأحاول تهدئة أمي

نظر صالح لموسى بعتاب شديد ثم توجه لغرفة مكتبه , أما موسى فنهض بهدوء ونظر لثويبة التي كانت تنظر له بغير رضا , خرج من الفيلا تحت نظراتها فلحقت به , هتفت باسمه حتى توقف لتقف أمامه متسائلة بضيق

- لمَ أدخلت بسلة بلعبتك مع زوجة عمي ؟

رفع حاجبه متسائلًا بتهكم

- وهل ألعب أنا وزوجة أبي !

ظهر الضيق فوق ملامحها لتهتف بانفعال

- موسى لا تلعب معي أنا الأخرى

ابتسم موسى ولم يعلق فتساءلت بعدم فهم

- ماذا تريد مني ومن وراء ما تفعله ؟ .. لمَ تدخلني بما تفعله ولمَ تدافع عني و........

قاطعها موسى قائلًا بهدوء

- سأخبركِ حينما يحين الوقت لذلك

هزت رأسها يمنة ويسارًا قائلة بعند

- ولكني أريد إجابة الآن .. ولا تخبرني أن والدي كان يقف بجانبك وكل هذا .. هناك شيء آخر أليس كذلك ؟

لمحت شبح ابتسامة ظهر لثانية واحدة قبل أن يمنعه من الإكتمال فوق ملامحه , هتف بهدوء

- أنتِ من ستحددين بإجاباتكِ المؤجلة متى سيحين وقت إخباري لكِ

ظهر الضيق على ملامحها لتتساءل بانفعال

- ما معني حديثك هذا ؟ .. لا أفهم منك شيئًا موسى

هتف موسى بهدوء

- أعدك أنني لن أضركِ يومًا ثويبة .. لن أستطع ذلك حتى وإن كان بداخلي شر العالم بأكمله

ارتبكت ملامحها فضمت بسلة لحضنها وتركته بخطوات شبه راكضة تجاه الملحق.

********

ظلت طوال الطريق صامتة , وما إن اقتربوا من الشركة حتى أخرجت المرآة من حقيبتها وضبطت شعرها , وصلا فترجلت من السيارة تنظر للمبنى الفخم قائلة بانبهار

- لم أرى الشركة من قبل .. يبدو تصميمها الخارجي رائعًا

ابتسم قائلًا

- ستعجبكِ كذلك من الداخل

ضيقت عينيها وهى تظنه يتحدث بشأن مديرة مكتبه فعبست بوجهها ولم تعلق , سارت بجانبه حتى وصلا لمكتبه فنهضت مديرة مكتبه مبتسمة لتهتف بأدب

- حمدًا لله على سلامتك سيد تميم

نظرت لها فيروز تتفحصها بعينيها فانتبهت الفتاة لنظراتها لتنظر لها باستغراب , انتبه تيم لنظراتها فهتف وهو يُشير بيده لفيروز

- فيروز زوجتي

صافحتها الفتاة بابتسامة قائلة

- مرحبًا بكِ سيدة فيروز .. أنرتِ الشركة

صافحتها فيروز بابتسامة ثم دلفت المكتب برفقة تميم , جلست على المقعد المقابل لمكتبه متسائلة

- سنمكث فترة طويلة ؟

هز رأسه قائلًا بهدوء

- سأرى مدير الحسابات قليلًا ثم نغادر

خلع سترته ووضعها فوق الأريكة قائلًا

- سأرسل لكِ شيئًا تشربيه .. وإن احتجتِ شيئًا هاتفيني .. لن أتأخر

تابعته بعينيها حتى غادر المكتب , أخرجت هاتفها تعبث به قليلًا حتى شعرت بالملل , نهضت تتفحص المكتب بعينيها , سمعت طرقات على الباب دلف عقبها رجل كبير في السن اقترب منها يضع كوب النسكافية على المكتب قائلًا

- تفضلي .. أرسله لكِ السيد تميم

شكرته فيروز فغادر وأغلق الباب لتجلس على المقعد الخاص بتميم , نظرت للأوراق الموضوعة بملل ثم فتحت اللاب الخاص به , وجدت كلمة سر فظهر الضيق على ملامحها , أدخلت تاريخ ميلاده فلم يفتح , فكرت أن تهاتفه كي تسأله ولكنها تراجعت وفكرت أن تُجرب شيئًا خطر بعقلها فجأة ربما يُفلح , أدخلت تاريخ ميلادها وانتظرت بترقب ففتح اللاب لتتسع عينيها بدهشة حقيقية , ابتسمت بحالمية مفكرة في سبب وضع تميم تاريخ ميلادها ككلمة سر , هل يُكن لها مشاعر حب ؟! , ألهذا السبب أقدم على الزواج منها !

اعتدلت مُفكرة بالأمر لتزداد حيرتها , ولكنها أخبرته أنه سيطلقها فور عودة فادي ووافق فكيف إذن سيفي بوعده إن كان يُحبها ! , تزاحمت الأسئلة داخل عقلها وجميعها بلا جواب !

فكرت أن تنحي الأفكار جميعها جانبًا ولتبحث عن أي شيء على اليوتيوب لتشاهده , فتحت اليوتيوب تتفحص محتواه ولكن الأفكار لم تتركها وعادت تهاجمها من جديد , هل تسأل تميم لمَ يضع تاريخ ميلادها كلمة سر لجهازه أم تُغلق الجهاز بأكمله ولا تخبره شيئًا وتتصرف وكأنها لا تعلم شيئًا ! , ولكن إن كان يُكن لها مشاعر حب لمَ لم يخبرها صراحةً ؟! , ألهذا السبب غضب مما تفوهت به أثناء سفرتهم ؟! , ولكن أي رجل غيره سيُغضبه الحديث وإن كان لا يُحبها !

مررت يدها على وجهها قبل أن يصدر الجهاز أمامها صوت إشعارًا من البريد الإلكتروني , عقدت حاجبيها وفتحت الإشعار لتجد رسائل عديدة من نفس الإيميل , نظرت للمرسل بملامح تملؤها الدهشة ؛ لمَ يُرسل فادي كل تلك الرسائل لتميم !

وكيف لم يخبرها تميم بأنه وصل له بل ويُحادثه , قرأت محتوى الرسالة الأخيرة فعقدت حاجبيها باستغراب " إن لم تُجيب على رسائلي سأضطر للنزول ولا تحاسبني حينها "

هتفت باستنكار

- ما هذا الهراء .. يهدده بأنه سينزل !

فتحت الرسائل السابقة تقرؤها لتتسع عينيها بصدمة , هتفت بغير استيعاب

- ما معني تلك الرسائل !!

نظرت لأول رسالة وصلت فوجدتها بتاريخ يسبق تاريخ معرفتها بسفرة فادي بيومين , أي أن تميم كان يعلم بسفرته , وما تلك الأموال التي يخبره فادي باستلامها من حسابه البنكي الذي قام بفتحه !

شحب وجهها وهى تُحاول استيعاب ما يحدث , عادت للرسالة الأخيرة تقرؤها من جديد " إن لم تُجيب على رسائلي سأضطر للنزول ولا تحاسبني حينها "

ما معنى أنه سيضطر للنزول !! , أسافر فادي بغير إرادته !

اتسعت عينيها وهى تستوعب شيئًا دمر المتبقي من قوتها , هزت رأسها يمنة ويسارًا قائلة بذهول

- لا لن يفعلها بي

................

يتبع


تعليقات