اخر الروايات

رواية هكذا أحبته الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم رنا نوار

رواية هكذا أحبته الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم رنا نوار


الحلقة واحد و عشرون -

مرّ اليوم كيوم عمل عادي، تناولت حنين غداءها بالأسفل في الكافيتيريا، تعرفت على بعض الزميلات، و العاملين في الشركة، لكنها انزوت وحدها؛ لتتناول طعامها، فحنين لم تكن ذاك الشخص الذي يتفاعل مع الناس بسهولة، لقد كانت دائمًا تشعر أنها ثقيلة على الأشخاص من حولها، فكانت تفضل البقاء وحدها، لم يخترق وحدتها أبدًا سوى سعاد ..
لقد مرّ الأمس دون أن تحادثها؛ لتخبرها ما جرى معها، و كيف كان أول يوم لها في الشركة.
قاطع تفكيرها زياد ..
زياد: الجميل قاعد لوحده ليه؟
نظرت له حنين لا تدري بمَ ترد عليه سوى بابتسامة صغيرة، لكن تلك الابتسامة كانت كافية؛ لتشجيعه على الجلوس معها..
اتخذ مقعدًا أمامها على الطاولة.
زياد: إيه أخبار الشغل؟
حنين، بهدوء لم تكن تشعر به: الحمد لله.
لقد أزعجها وجوده، هي غير معتادة على مجالسة الرجال، كما أن زيادًا بصفة خاصة، يثير أعصابها، فهو.....صاخب، يضج كثيرًا، وليس المعنى أن صوته عالٍ، و لكن شخصيته ليست هادئة، و ليس مبعثًا للأمان أو الثقة.
أخذ زياد يثرثر، و يضحك، و لم تستوعب حنين نصف ما كان يحدثها به، فكانت تكتفي بهز رأسها، و الابتسام مجاملة له.
انتهى وقت الغداء، و تنفست هي الصعداء، اعتذرت منه بلباقة أن يجب عليها الذهاب، فأخبرها أنهما لنفس الطابق صاعدان، لم تجد بُدًّا من سيره معها، فكرت أن لا بأس ببضع دقائق إضافية و تنتهي منه.
عند وصولها للطابق، استأذنت منه بكلمات مبهمة و انصرفت دون انتظار الرد منه.
مرّ ما تبقى من اليوم بهدوء، أنهت قراءة الملف، و انصرفت؛ لتكمل ترتيب الملفات في الخزانة.
انتهى ميعاد العمل، دخلت مكتب أكرم بعد أن طرقت بابه، فسمح لها بالدخول.
سألها: عملتي إيه النهاردة؟
فاجابته: قريت ملف القضية تاني، و مش لاقيت حاجة تانية أعملها، فكنت برتب الملفات اللي في الدولاب جوا..
أكرم: مش شغلانتك.
حنين اعتقدت أنه يوبخها: أنا آسفة .
قاطعها: مفيش داعي، معملتيش حاجة غلط، أنا اقصد إنها وظيفة سكرتيرة ..
صمتت. سألها إن كان لديها أي مشكلة في العمل، فنفت ذلك، فصرفها، مؤكدًا عليها ميعاد الغد.
*****
عادت حنين إلى المنزل، تقبلت الكلمات اللاذعة المعتادة، لا بأس. فهي اليوم سعيدة إلى حد ما بالشركة، و سعيدة جدًّا جدًّا بالعمل، توجهت إلى غرفتها، أبدلت ملابسها، توضأت، و أدت صلاتها، ثم اتجهت للمطبخ، أكلت سريعًا على الطاولة هناك، ثم اتجهت ثانية إلى الغرفة، أمسكت هاتفها الخلوي، و طلبت رقم سعاد.
لم يرن الهاتف، كثيرًا حتى سمعت صوت سعاد ضاحكًا بصخب.
سعاد: حبيبة هارتي.
أطلقت حنين ضحكة خفيفة: إزيك يا سوسو؟
سعاد: يا روح قلب سوسو حشتيني يا بت.
حنين: و انتي كمان.
سعاد: أخبار الشغل إيه؟ أخبار الناس اللي في الشغل إيه؟
حنين: هههههههههه الشغل كويس، امبارح كان كارثة، بس النهارده الحمد لله عدى على خير.
سعاد: لا إله إلا الله، كارثة ليه يا حنون حصل ايه؟
حنين، بتوتر خجل قليلًا: كانت أعصابي متوترة؛ عشان أول يوم و كده، و اتاثرت شوية بالقضية اللي إدوهالي أقراها، و حبة ذكريات كده جت على بالي، ومديري تقريبًا كل ما كان يشوفني امبارح يلاقيني بعيط ..
سعاد: يخرب بيتك.
حنين: مش بقولك كان كارثة؟
سعاد: مديرك حلو؟
حنين: هههههههههههه شوفي أقولك إيه تقوليلي إيه؟
سعاد: ههههههههههه بفرفشك يا حنونتي، و النهارده الأخبار؟
حنين: الحمد لله، ربنا يستر بقى.
سعاد: لا يا حبيبي، كل اللي فات من حياتك كوم، و اللي جاي و بدأتي فيه كوم تاني و حياة تانية، اعتبري نفسك بتبدئي من جديد، و أنا متاكده إنك هتبني لنفسك حياة حلوة بإذن الله.
حنين: يااااااااا رب يا سعاد، أنا تعبت أوي.
صمتت سعاد لحظات غصت بدموعها، فهي تعرف جيدًا كم تألمت حنين، و عانت في ذاك البيت الرهيب.
سعاد: يا رب يا حبيبتي، ربنا يريح قلبك و يفرحك.
حنين: جميعًا يا رب.
سعاد: مش انا جالي عريس!!
حنين: بجد؟!
استمرت المكالمة نحو ساعة، بين حنين و سعاد، شعرت بعدها حنين ببعض الراحة و الكثير من السعادة، فسعاد أخبرتها أن ذاك العريس سيأتي لزيارتهم بالغد، و لا تدري عنه شيئًا سوى أنه خريج تجارة، و والده يعمل مع والدها بالمدرسة، فوالد سعاد، كان مدرسًا أول لغة عربية بإحدى المدارس الإعدادية ..
أخذتا تثرثران كثيرًا عن الاستعدادات، و عن الصديقات، و عن الكلية، و العمل، و عن المسلسلات، و غيرها، و أنهتا المكالمة على أن تتحدثا في الغد؛ لتخبر سعاد حنين تفاصيل ما سيحدث في الزيارة.
سكنت حنين على وسادتها، تتذكر أول مرة رأت فيها طاهرًا عندما جاء لزيارتهم، كان أنيقًا للغاية، و دخل سائق سيارته محملًا بالكثير من الهدايا، و الأكياس، لم تره كفتى أحلامها، و لم تره كحبيب، لم تره كرجل يروي شغف حبها، و يكون لها سندًا، برغم ذلك، قررت أن توافق عليه، على شرط أن تكون هناك فترة خطبة، قد تقل عن العام إن وجدا أنهما يستطيعان الاستمرار معًا، تمنت أن يكون هو المختار لها، و من يسعدها، و عهدت لنفسها أنه إن كان من سيحتويها، فستحرص على إسعاده مدى الحياة، و ستهبه حياتها، و روحها راضية، رغم فرق السن الكبير بينهما، و هكذا كان أول شهر بينهما، كان رائعًا معها، لم تكن عيناها تقع على شيء إلا و يحضره لها، كان يغرقها في الهدايا و النزهات، كان كريمًا إلى أبعد الحدود، رقيقًا إلى أبعد الحدود معها، شعرت أنه استجابة صلواتها و دعائها، كان يسمعها بلا كلل أو ملل، يحدثها في اليوم عشرات المرات، أعطته الأمان، و وثقت به، لم تكن قد أحبته بالمعنى الطبيعي بين خطيبين، لكنها لم تهتم كثيرًا لذلك، فالمثل يقول (خذ من يحبك، و لا تأخذ من تحبه أنت) و هكذا اختارت أن تتبع المثل، كان يثير حفيظتها أحيانًا بنظراته الغريبة، لكن تصرفاته كانت تبعث بها الأمان، متى تغير الوضع؟ هي لا تدري، لكن ما حدث، أنه بأحد الأيام، سألها إن كانت تثق به؟ فأجابته أنها بالفعل تثق به، فسألها إن كانت تأتمنه على نفسها؟ فأجابته أنها بالطبع تفعل، وقد كانت بالفعل تأتمنه، و خاصة يومها.
لقد كان يومًا صعبًا، كعادة أيامها بهذا البيت.
كانت عائدة من جامعتها، و ما لبثت أن دخلت المنزل حتى باغتتها عمتها بالكثير من العتاب، و أنه يوجد الكثير من العمل في المنزل، و أنها ليست الخادمة التي اشتراها لها أبوها و ما إلى ذلك، حاولت حنين أن تهدئها، و تخبرها أنها ستفعل كل الأعمال، و لا داعي لأن تغضب، و لكنها ما كانت لتصمت بل ظلت تقذفها بكل الكلام السيئ، و تتهمها بالكثير من الاتهامات التي لا تدري حنين لِمَ كانت عمتها تقولها؟ هي لا تفعل شيئًا سوى أن تذهب؛ لتحضر محاضراتها، و تشتري ما تحتاجه من أوراق، و كتب ثم تعود، هي أبدًا لم تتأخر خارج المنزل سوى الأيام التي احتاجتها؛ لكي تطبع بعض الأوراق اللازمة لدراستها، هي أبدًا لم تعرف رجلًا، أو تسير مع شاب داخل أو خارج الجامعة، لماذا تتهمها تلك الاتهامات البشعة؟ هنا لم تستطع حنين النطق من صدمتها بما تسمع، ظلت عيناها تبكي، و هي صامتة، لا تملك أن تعدو نحو غرفتها، ولا تملك أن تغادر المنزل. *****

دق باب المنزل، صمتت عمتها، و فتحت الباب؛ لتجد أمامها طاهرًا، لم تملك حنين سوى أن تتجه بعينيها نحو الأرض، و لكنه كان قد لمح دموعها، دخل من باب المنزل متوجهًا نحوها، رفع رأسها بهدوء؛ ليرى أن دموعها تغرق وجهها، لم تفهم وقتها لِمَ برقت عيناه بهذا الشكل؟ هي ظنت أنه شق عليه رؤيتها تبكي، و ما أكد ظنها أنه اتجه بنظره ناحية عمتها سائلًا إياها،
طاهر: حصل ايه؟
صمتت عمتها، و هذا مالم تتوقعه حنين، أن تصمت عمتها أمام طاهر! أحست وقتها بالحماية، كان احساسًا جميلًا، لا تتذكر أنها شعرت به من قبل.
تكلم طاهر بصرامة أكثر: حنين عملت إيه؟
فصمتت عمتها ثانية، فاتجهت أنظار طاهر لحنين،
سائلًا: حصل إيه؟
حنين: اتأخرت في الجامعه بس والله علشان ..
قاطعها طاهر: حاجات للجامعه.
حنين و هي تهز رأسها: أيوه.
طاهر: فين المشكله؟
و اتجه بأنظاره إلى بثينة، التي استعادت لسانها؛ لتجيب.
بثينة: شغل البيت كتير و ...
طاهر: جيبي خدامه تساعدك و انا هادفع أجرتها، لو سمحتي مش تزعلي حنين تاني.. ممكن؟
بثينة! و للغرابة: اللي تشوفه..
بعدها دعته بثينة للدخول إلى حجرة الاستقبال، ولكنه اعتذر، و طلب أن ياخذ حنين للخارج، و وعد بألا يؤخرها..
و غفت حنين ..
***


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close