اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم سهي الشريف


21 | رُصـاصَة لا تُخطئ


                                              
أواسي نفسي دائمًا
عندما يشتد التعب
أن اللّٰه لا يُحمِّلنا فوقَ طاقتنا
وأنه مهما تثاقلت الأحمالُ على أكتافنا
فهو عليمٌ بذلك ورحيم بنا.. 

+


يُعطي أصعب المعارك لأقوى جنوده، يلطف بنا ويُنزل علينا رحماته.

+


ولا نقول سوى الحمد لله، مهما حدث، ودائمًا وأبدًا.

+


« لـ قائله »

+


_ لا تنسوا إخوانكم في غزة و السودان و اليمن و سوريا لا تنسوا المسلمين المُستضعفين في كل مكان، ضموهم في دعائكم و تتبعوا أخبارهم وسلوا الله لهم السلامة و الثبات. 

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الواحد_والعشرون
#سهى_الشريف 

+


_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


- أستاذ جواد !

+


استفاق " جواد " من شروده منزوع الفِكِر لمصدر الصوت ليجد " حسام " يقترب منه يهمس بالقرب من أذنه :

+


- جواد عاوزك لحظه …

+


كاد " جواد" أن تحجج بأمرٍ ما ، قبل أن ينظر " حسام " في عيناه بقوة و هو يقول :

+


- عشان ليلى …

+


اتسعت عينايّ " جواد " بتوجس و هو يُراقب ملامح " حسام " الجادة ليهتف بخفوت :

+


- في إيه ! إنطق يا حُسام .

+


- تعالى ورايا …

+


نبس بها " حسام " بجدية و عينايّ " جواد " ثابته امام عيناه التي تبحث عن الصدق في خاصته ، حتى شَعر بذلك و قرر الذهاب خلفه فأشار له بعيناه و إماءه خافته ليتقدمه ، و قد فعل " حسام " ذلك و تقدم به حتى وصل به إلى أمام مكتبه بينما القلق يأكل جوف " جواد" الذي يشعر بالحيرة من أنه يُضيع وقته هُـ… 

+


توقف تتابع الكلمات في عقله عندما إندفع باب مكتب " حُسام " أمامه و أبصر جسدها الذي حاوطته بذراعيها بفزع و رعشات خفيفة انبعثت من أطرافها تستكين على أحد الكراسي الجلدية ،ليقترب بخطواتٍ سريعه و أبصارٍ شاخصة يميل على ركبتيه أمامها بينما تتردد أنامله في لمسها فاقترب من كفها و مسح عليه برفق و همس بصوتٍ عميق :

+


- لـيلى !

+


توقفت " ليلى " عن الإرتجاف و ألتفت نحوه لتلتقي عيناها الزائغة بخاصته القلقة ، ليجدها تزفر الدموع تستعد للدخول في موجة بكاء لكنه هدأها :

+


- آشش .. إهدي ، إنتِ هنا في أمان خلاص .. إهدي يا ليلى .

+


فعلقت الدموع في عيناها و غصة توقفت في نصف جوفها ازداد معها إحمرار وجهها قبل أن تخرج عن كبتها بصوتٍ مذبوح وشفاه مرتعشة :

+


- جـواد …

+


ارتعشت جفون " جواد " و ارتخت ملامحه من لفظها لأسمه بهذا الطريقة التي أذابت جمود قلبه ، ليلتفت ببطء تجاه " حسام " الواقف عند الباب يُتابع المشهد بسكون و قال :

+



                                      


                
- سيبنا لوحدنا شوية يا حُسام .

+


و " حسام " لم يكُن بالغبي ليشعر بعلاقة تربط كلاهما لسببٍ ما ، فأومأ برأسه بهدوء و خرج يجُر الباب خلفه حتى أغلقه تمامًا ، ثم ابتعد بخطوات مُتريثة تمُر على عقله اللحظات الماضية .

+


كان " حسام " يتجول في المطعم كعادته يُتابع ، يتفحص ، يُقيم ، حتى لمح " ليلى" تسير باتجاه باب المطعم الزُجاجي لتعبُر للخارج و قد استنكر فعلها ، فهذا ضدد قواعد ساعات العمل و هو « الخروج بلا استئذان » و لكن لأجل هالة الغموض التي تُحيط تلك الشابة و ذلك الفضول الذي يتراقص بداخله .

+


تقدم بخطواته يلحقها حتى توقف عند مسافة مُعينة يُبصرها من وراء الزجاج تقف بالقرب من رجلٍ ما ، كان رثّ الثياب ظن في الأول أنه متسول رُبما ، لكن تلك القبضة التي حاوطت ذراعها و ذلك العُنف الواضح في حركات شفتاه رغم عدم وصولها لمسامعه ، حتى دق ناقوس الخطر بداخله عندما تذكر تلك الملامح جيدًا و التي لن يُخطئها كأسمه و هو يتذكر استنجاد شقيقته .

+


لم ينتظر " حسام " ثانيه آخرى و غلتّ الدماء بداخله و إندفع نحو الباب حتى بات بالخارج و بملامح صارمة هاج بصوتٍ عنيف و هو يتقدم بخطوات هائجة :

+


- آنـسه لـيـلى !!! مـخصـوملك أسـبوعـيـن عـشان خـروجـك بــرا ..

+


و عندما أنهى عبارته كان توقف أمام جسدها الفزع و الذي تحرر من قبضة والدها عندما سمع صوت " حسام " الهائج ، لترتعش شفتايّ "ليلى " و تسيل الدموع على وجنتيها بحرارة لتجده يهتف بصرامة :

+


- إنـتِ لـسه واقـفة !!! مخـصـومـلك الـشهـر كـلـه …

+


لتتسع عينايّ " ليلى " بفزع لتجده يُشير لها بذراعه نحو المطعم و يهدر بها :

+


- أدخــلي جــوا …

+


لم تتحمل " ليلى " كم الألم في صوته أو من الموقف برمته فأخذت تركض بعيدًا بينما ألتفت " حسام " سريعًا و أعترض طريق والدها الذي كاد يتبعُها ليرفع عيناه لخاصته لتقابله نظرات جحيمية ، و مرر عيناه على جسده العضلي و الذي يفوق خاصته بمستويات فأخرج صوتًا من حنجرته مع اتساع ابتسامة " حسام " الساخرة قبل أن يهتف له بصوتٍ كفحيح الأفاعي :

+


- أتفضل يا بيه من هِنا بدل ما أطلب الـ police .

+


و للعجب إنصاع " سامي " يجر قدماه بعيدًا يرمُقه كل ثانيتين بنظرات سوداوية حتى زفر " حسام " نفسًا و عاد ليقترب من باب المطعم قبل أن يسمع صوت همهمات باكية .

+


حاد بخطواته عن باب المطعم و ذهب باتجاه الصوت و الذي آتى من أحد زوايا المطعم الخلفية ، و فجأة توقف حين أبصر " ليلى" جاثيه أرضًا تحاوط جسدها بذراعيها و تشهق بأصواتٍ مكتومة ليقترب منها سريعًا قائلًا :

+


- ليلى !

+


توقفت " ليلى " عن بكائها و انتصبت فجأة أمامه لتعود و تبكي مُجددًا أمام عيناه التي تتفحصها بقلق قبل أن يهمس واضعًا إبهامه أمام ثغره:

+



        

          

                
- آششش … خلاص هو مشى .

+


- يا فندم أنا آسفه … بـ بس أرجوك … بالله عليكِ ما تخصملي الشهر دا 

+


نبست بها " ليلى " بشهقات مُتقطعة راجية ، ليتلفت " حسام " حوله ليتأكد من خلو المكان سوى من كلاهما قبل أن يعود ببصره لها قائلًا برجاء :

+


- أرجوكِ إهدي يا ليلى … و متعيطيش ، مش هخصم حاجة بس متعيطيش و أمسحي وشك .

+


مدت " ليلى " أكمام ذراعها نحو مدامع عيناها و مسحت دموعها في نفس الثانية التي كان " حسام " يُخرج لها منديلًا من جيبه ليهمس بسخرية :

+


- كنت هديكِ منديل بس إنتِ اتصرفتي …

+


لم تنبس " ليلى " بكلمة فقط رعشات خفيفة في شفتيها و هالة حمراء حول عيناها من شدة الدموع فأثارت شفقته ليمسح على وجهه بباطن كفه ثم تسائل بجدية :

+


- دا أبوكي صح ؟

+


أومأت " ليلى " ببطء و أخرجت شهقه آخرى يتبعها موجة بكاء عنيفة فعلم أن الموضوع أكبر من تخيله ، فشد على قبضة يده حتى ابيضت مفاصله و مسح على وجهه بعُنف فهدأت شهقات " ليلى " بخفوت و هي تبصره حالته الغاضبة و التي تُجزم إذا أمسك بها ليُفتت عِظامها ، فضمت قبضتيها لصدرها تحاول كتم شهقاتها ألا تُثير جنونه .

+


بعد بُرهة و جدته يقول بصوتٍ هادئ نسبيًا :

+


- تعالي معايا …

+


أومأت " ليلى " رأسها برفض و همست بوهن :

+


- عاوزه جواد .

+


توقفت خطوات " حسام " فجأة و ألتفت لها يُبصر الإصرار في عيناها و أجزم أنه رأى أمانًا في عيناها فقط لذكر إسمه ، ليقترب منها مُجددًا :

+


- تمام … تعالي معايا هدخلك من الباب إلي ورا .

+


و بالفعل ذهبت " ليلى " خلفه تتلفت حولها بتوجس حتى دلفت المطعم منه لمكتب " حسام " قبل أن يتركها بداخله و نبس بكلماتٍ أمام الباب :

+


- هروح أنادي جواد… متخرجيش برا المكتب .

+


فأومأت "ليلى" برأسها موافقة، فخرج مُغلقًا الباب خلفه، متوجهًا لمناداة "جواد" ، وها هو الآن يجلس معها في الداخل، بينما "هو" يجول في أرجاء المطعم، تتزاحم الأفكار في رأسه واحدة تلو الأخرى...

+


منذ تلك «المصلحة» التي رتبتها له شقيقته، تتوالى الأحداث كأنها شريط لا يتوقف .

+


بدأ كل شيء بلقائه بـ "ليلى"، 
ومن بعدها توالت الحقائق، 
تصطدم به الواحدة تلو الأخرى.

+


ووسط كل ذلك، لم يعد يفكر إلا في أمرٍ واحد...

+


"أمينة"، "كريم"، "ليلى"، والآن "جواد".. كلهم يدورون في دائرة واحدة، دائرة تربطهم خيوط من الماضي.

+


لكن كلٌ منهم يروي الحكاية من زاويته الخاصة،
كأن الحقيقة انعكاس في مرآة مشروخة... 
تُظهر وجوهًا مختلفة لقصة واحدة.

+



        
          

                
والقصة - كما يعلم في قرارة نفسه - لا تحتمل أكثر من بطل.

+


إذًا، فلا بد من ظالم ومظلوم...
وها هو، حائرٌ في منتصف الطريق، لا يعرف بعد في أيّ جانب يقف هو الآن .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


شُخذ إنتباه الجميع فجأة حينما استمعوا لصوت عجلات حقيبة تحتك بالأرض الأسفلتيه و توقفت فجأة لينبس تاليًا صوت رجلٍ من خلفهم :

+


- مش عيب عليكم في تجمع زي كده محدش يفتكرني بالشر حتى !

+


ألتفت الشباب جميعًا في نفس الثانية لتتسع أعيُنهم بصدمة و هم يمررون مُقلهُم على ذلك الجسد العضلي ببروز واضح في عضلات يداه و الذي كان يرتدي زِيًّا رسميًّا شتويًّا أنيقًا، يتكوّن من سترة داكنة اللون مُحكمة الزرّ، تعلوها شارة كلية الشرطة اللامعة، وبنطال مائل للسواد، وحذاءٍ جلديٍّ لامع ، غطّى رأسه بقبعة عسكرية مستقيمة، تنطق بالانضباط .

17


و تلك الهيئة لا تنتمي سوى لشخصٍ واحد ، غاب لشهرين عن دفء العائلة و الآن هو يقف أمامهم بثباتٍ و يضم قبضتاه خلف ظهره و عيون مُبتسمة قبل ثغره ، بينما العيون المُتعجبة كانت من نصيبهم .

1


هتف أولًا " يحيى " بصدمة :

+


- بسم الله 

1


بينما الحيرة كانت من نصيب " عابد " نابسًا :

+


- إيه دا !

+


بينما البهجة في النداء كانت من نداء " ريان " :

+


- نـــور !!

+


ابتسم " نور " بسخرية و أجاب باستنكار :

+


- بتقول بسم الله شفت عفريت قدامك ؟! و إنت بتقولي إيه دا هو أنا شفاف يعني مش باين ؟! و إنت بتقول نور و مستغرب كده مالك يا شقيق !

3


بينما الصمت مازال سيد الموقف قبل أن يقطعه عبارة " يوسف " المتعجبة :

+


- دا طلع نـور بجد !!

+


تأفف " نور " بنفاذ صبر ثم تقدم نحوهم قائلًا :

+


- لا بقا إنتوا لسه هتصدموا هاتوا الحضن الأول وبعدين أشوف حواركم !

2


و بالفعل تابع تقدمه نحوهم و كان أول مستقبلينه بحرارة هو " ريان " لتتسع ابتسامته قائلًا ببهجه :

+


- إيه يا ابني الفورمـا دي ! حقيقي دا ولا… ؟!

1


بينما ابتعد " نور " عنه و أطلق ضحكة صاخبه و هاتف بمغزى :

+


- لا حقيقي يا دكتور دا أنا هجيبلك عتاولة الجمهورية تحت دراعي دي .

+


- ياولا يا جامد 

+


غمز له " نور " بخفة و انتقل للسلام على " مروان " الذي استقبله بترحيب واسع ثم وجد ذراعيّ " يوسف " تتسع أمامه بسعادة فرحب به بحفاوة كبيرة نابسًا :

+


- لحقت طولت يا نور إمتى !

2


ليخرج " نور " من بين ذراعيه يُطالعه ليرفع " يوسف " نظره له قبل أن ينبس ساخرًا : 

+



        
          

                
- إمشي يالا من قدامي دا أنا بقيت برفع عيني عشان أبصلك …

1


لينفجر الجميع في موجة ضحك جماعية قبل أن يحتضن " عابد " بحفاوة و الذي كان أطولهم ، ليهتف " نور " ساخرًا:

+


- الأجازة الجاية هجيبك إن شاء الله .

+


- ربنا يعجل بتخرجك من الكلية دي .

+


نبس بها " عابد " بتسلية لتعتلي الضحكات مرة أخرى قبل أن ينتقل لآخرهم و الذي ارتفع صوت " نور " فرحًا :

+


- أخــويــا .

+


- حبيب أخــوك ...

+


و قفزا الثنائي في عناق حار و ظلا يقفزان في أماكنهم بسعادة وسط ضحكات الجميع اللذين يعلمون مدى قُرب الإثنان من بعضهم قبل أن يهتف " يحيى " :

+


- لا متعصرش أوي كده .

+


ارتفعت ضحكات " نور " و خفف من عناقه حتى أخرجه من بين ذراعيه و نظرا لبعض بعدم تصديق فعادا للعناق مرة آخرى وسط ذهول و ضحكات الجميع اللذين هتفوا لتفريقهم :

+


- لا يلا بقا العشاء هتفوتنا …

+


- معاكم اسبوع بحاله .

3


- الواحد مش بيقلق غير من اجتماعكم .

+


كلها عبارات عشوائية نبس بها الجميع قبل أن يوصي " يحيى " حارس المبنى بإرسال حقيبة " نور " للأعلى ليذهبوا سيرًا للمسجد يتبادلون الأحاديث و الضحكات قبل يرتفع فوق أصواتهم صوت الآذان …

+


« الله أكبر … الله أكبر »

+


فنطق صوت النصيحة فيهم ليهتف " ريان " قائلًا :

+


- خلاص يا شباب الآذان …

+


فاستحضر الجميع قول النبي ﷺ:  إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى عليَّ واحدةً صلى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا الله ليَ الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة؛ حلت له الشفاعة. 

+


و حينما وصلا عند الشهادتين ارتفع صوت " ريان " قليلًا بخفوت قائلًا :

+


- رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا .

+


كما ردد خلفه الباقين لقول النبي ﷺ:  من قال حين يجيب المؤذن عند الشهادة: رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا؛ غفر له ذنبه ، و حينما وصل المؤذن لـ « حي على الصلاة ، حي على الفلاح » ارتفعت التمتمات بـ لا حول ولا قوة إلا بالله.

+


و في تلك الأثناء كان قد وصل الجميع للمسجد و بدؤوا في نزع أحذيتهم - أكرمكم الله - إلا من " نور " الذي ذهب ليُجدد وضوءه ، رغم وصوله توًا لكن لا عذر في تأخير الصلاة عندما يدخل وقتها ، سفرًا كُنت أو في حضر ، و هذا ما نشىء عليه جميع الشباب .

+


حين دلف الشباب مُرددين دعاء دخول المسجد ، كان آخرهم وصولًا " ريان " مع ختام الآذان ، ليُبصر وقوف بعض الرجال على المُصلى بسكون فردد أذكار ما بعد الآذان مُبتعدًا عن أبناء عمومته نحو الرجال الواقفة المتشرة في المسجد و توقف أمام أحدهم مُرحبًا :

+



        
          

                
- السلام عليكم و رحمة الله وبركاته.

+


- و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته .

+


قالها الرجل ليبستم له " ريان " بـ وِد مُتسائلًا :

+


- حضرتك كنت واقف طول الآذان ؟

+


- آيوه ... إحترامًا للآذان 

+


أومأ الرجل برأسه بتعجُب ليستطرد "ريان " قوله بتوضيح :

+


- طب بص يا حبيب أخوك ، وقوفك وقت الآذان مش من السنة ، و ملوش علاقة بإحترام الآذان و لا ليك الحق تستنكر على أخيك إلي مقامش ، إنما الإقامة على المؤذن و ليس السامع ، فقد ذكر بعض الفقهاء أنه يُندب القيام عند سماع الأذان، كما قيل في كُتب الحنفية .. فهمتني ؟!

+


ابتسم له الرجل بطيبة و أومأ برأسه قائلًا :

+


- آيوه فهمتك جزاك الله خيرًا .

+


- و خيرًا جزاك يا غالي .

+


ثم مسد على كتفه برفق و انتقل لعدة رجال آخرين يُصحح لهم نفس الخطأ ، و بعد أن انتهى ألتفت للمُقدمة ليجد الشباب بدؤوا في ركعتين تحية المسجد عدا " نور " الذي دلف توًا ، ليبتسم له " ريان " مُقربًا إليه بجانبيه يُمسد على كتفه قبل أن يصطفا سويًا و يؤدان ركعتين التحية .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كانت " أمينة " تدور في شِقتها ذهابًا و إيابًا بحيرة و تصبُر لتسمع صوت صرير البوابة الخارجية ، لتهرول نحو الباب و تفتحه و تقف عند سور السلم تُلقي نظرة على الصاعد لتجد أنها " هَـنا " ، فتتقدمت للسلم و هبطت درجاته سريعًا وصولًا لطابق شقتها تستقبلها صاعدة أمامها بينما " هَـنا " رمقتها بنظرة جافة و تابعت تقدُمها لباب الشِقة قبل أن تسمع صوت " أمينة " من خلفها :

+


- الضيفة اللي كانت عندكم مشت ولا لسه يا هَنا؟!

+


ألتفت لها " هَـنا " بتقطيبة حاجب :

+


- ضيفة مين يا طنط؟

+


زمّت " أمينة " شفتيها بضيق و هتفت من بين أسنانها :

+


- يا بت ما تلفيش وتدوري عليا ، لما كنتي رايحة كنت أنا راجعة !

+


رفعت " هَـنا " حاجبها بسُخرية و هتفت :

+


- بجد؟! طيب اللي كانت جوا مش ضيفة، دي صاحبة البيت… تمشي أو تقعد براحتها، مش محتاجة تاخد إذن من حد.

+


ثم فتحت باب الشقة سريعًا و دلفت و أغلقته خلفها ، لتتسع عينايّ " أمينة " بصدمة هاتفه باستنكار :

+


- شوفوا البنت قليلة الرباية ! 

+


ثم رفعت طرف عبائتها و صعدت لأعلى بغضب و صعدت شقتها و أغلقت الباب خلفها بعُنف و أمسكت هاتفها و من قائمة الأتصالات قامت بإجراء الإتصال بذات الرقم الذي رُفض لأكثر من خمسين مرة ، جعل أعصاب " أمينة " منفلتة من أوصالها من شدة التفكير .

+



        
          

                
لكن تلك المرة فُتح الخط لتشهق بخفة و تضع الهاتف اللوحي البسيط على أُذنها هادرةً بحنق :

+


- إنـت فـيـن يـا بـغـل أنـت و هـوا ؟!! رانة عـليكم يـجي خـمسين مـرة و مـحدش عـبرني يـا شـويـة [ … ]

+


و ختمت عبارتها بسبة لاذعة ، قبل أن تسمع صوت الطرف الآخر قائلًا بصلابة :

+


- آسفين يا مِعلِمة ، بس البت مدخلتش الحارة لوحدها ، جت بعربية ملاكي بعدها حسام وصفي قابلها و وصلها لحد باب العمارة… 

+


كانت " أمينة " تستمع بوجه متهجم غضبًا ، تدور في الشِقة بقلة حيلة قبل أن تهيج قائلة :

+


- و لمـا دا إلي حـصل ، مـفيـش [ … ] كلـمني فُيكـم و عـرفنـي إلي حـصل لـيه يا شـوية [ … ] ؟!

+


و أنهالت عبارتها عليهم بسبات بذيئة دون السماح لأعذارهم قبل أن تُنهي شريط الشتائم و تُغلق الخط في وجوههم بغيظ ، لتعود وصلة الشتائم مرة آخرى بلذاعة.

+


و في تلك الأثناء سمعت الباب يُفتح و دندنة مُظطربة تأتي من القادم ، لتقترب " أمينة " من الباب لتجده ولدها " كريم " يقف أمام الباب ، و قد كان … قد كان يتمايل في مكانه .

+


وقفت " أمينة " مُتخشبة أمام هيئة ولدها الرثّه و التي حاولت نُكران حقيقتها رغم وجود كل العلامات ،لكن ما كانت تبصره الآن .. هو " كريم " مخمورًا .

+


تقدم نحوها بخطواتٍ متأرجحه و دندنة لا تفهم منها حرفًا ، و أغلق الباب خلفه لتنهال والدته على وجنتيه بصفعات مُـتتالية بينما " كريم " كان مُستسلمًا لها و صوتها الهائج به :

+


- جايلي البيت شارب !؟ يا صايع يا ضايع … !! 

+


و العديد من السَبات الانهائية ، قبل أن يضُم " كريم " قبضتايّ يداه و يقوم بدفعها عنه بقوة جعلها تندفع للوراء بعدم إتزان لولا تشبُثها بكومود خلفها لتجد جسده يندفع لها بنظرات سوداوية مُتهجمة ، يحاوط عنقها بكفيه بعُنف نابسًا بحنق مُقيت :

+


- كلـه بـسببك ، كـله بسـببك يا بعـيدة … مــوتـي ، مـوتــي و ريـحـينـي مـنـك .

2


كانت " أمينة " تحاول إبعاده عنها بينما مؤشراتها الحيوية بدأت في الإنخفاض تهمس بكلماتٍ مُختنقة :

+


- كـ .. كـر..يم .. أ..نا.. أنا أمك .. يـا .. كـ ..كـر..يم .

+


و بالفعل تركها " كريم " على آخر لحظة ليهوى جسدها أرضًا بعدم إتزان و ارتفعت شهقاتها في محاولة للحصول على الأوكسجين ،لينبس " كريم " قريبًا من وجهها بعدها انخفض ليكون في مستواها :

+


- آشش ، أخرسي خــالص ، مش عاوز أسمع نفسك ،  بس .. بس عشان مش عاوز أوسخ إيدي .. أوسخ إيدي بيكِ كنت أنهيتك يا أمينة .. أنـهـيـتـك .

2



        
          

                
نبس آخر كلمة بعنف في وجهها بينما هي اكتفت بالبكاء و هزت برأسها عدة مرات بطاعة و فزع من تجرأ ولدها عليها ، لكنه قد ضاق منها ذرعًا و ما هي سوى البداية لجحيم أبدي سيحل عليها منه الآن .

+


انتصب " كريم " في مكانه و ذهب لغُرفته يتمايل في تحركاته حتى دلف لها و أخرج هاتفه و قرر الاتصال بأحد الأرقام ليظهر إسم " ليلى " أمامه على الشاشة و ابتسامة عبثية تُزين ثغره قبل أن ينتظر لعدة ثوان و … لا إجابة .

+


عبست ملامح " كريم " لوهلة و عاد الكرة مرة و الثانية و الرابعة و النتيجة ؟ لا إجابة .

+


قبض " كريم " على هاتفه بقوة و أمسك مزهرية صغيرة و قام بإلقائها في الحائط أمامه لتسقط قطعًا مُتهشمة أمام عيناه الهائجة و انفاسه العنيفة ليهدر بصوتٍ رنّ في أرجاء المنزل :

+


- لـــيــلــى !!!! مش أنــا إلـي أتــعلـق يـا بـنـت الحـداد !

+


ليسمع اقتراب خطوات من خلفة و صوتٍ مبحوح يُلقي عليه سمومه :

+


- جاي تتشطر عليا بدل ما تروح تشوف مـراتك إلـي بقـالك شـهر سـايـبـها ؟!

10


ألتفت لها " كريم " ببطء و رمقها بنظرات تُنذر بـ سعيرٍ سينال من كل ما هو أمامه .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


بينما عند "ليلى"…

+


كان "جواد" يجلس قبالتها على الطاولة الصغيرة، يتأمل رجفة جسدها وارتعاش أطرافها التي لم تخفَ عليه، عيناه لا تبارحان وجهها، ذلك الوجه الذي يعرفه أكثر من أي كتابٍ درسه، أكثر من أي قضيةٍ ترافع فيها.

+


وفجأة، بصوته العميق… الواثق… ذلك الصوت الذي طالما كان لها مأوى، ناداها بلقب لم ينطق به منذ سنين:

+


- "ليـل!"

+


هتف بها، تمامًا كما كان يفعل في طفولتهما حين تضيع، حين تخاف، أو تبكي في زوايا الساحة القديمة ، نداءٌ اختُزل فيه كل الحنين، وكل الحماية التي أراد أن يعيد نسجها حولها الآن.

+


تجمّدت نظرتها، توقّف كل شيء داخليها… قلبها، دموعها، حتى أنفاسها للحظة، كأن الزمن أعاد عقارب قلبها للوراء… لنفس الطفلة التي كانت تهرع إليه ما إن تسمع تلك الكلمة، وكأنها شفرة سريّة لا تفتح إلا باب الأمان.

+


رفعت عيناها له همسَت من بين ارتعاش صوتها:

+


- لسّه فاكرها؟

+


أجاب، ونظرُه معلق بعينيها:

+


- عُمري ما نسيتك... ولا نسيت صاحبة الأسم اللي كنت بلجألها لما كل الدنيا تقف في وشي... و كنتِ دايمًا تُردّي عليا حتى من غير ما أنده.

+


صمتت، لكن دموعها أجابته بالنيابة ،فاقترب قليلًا بصوتٍ أكثر هدوءًا:

+


- أنا ناديتك المرة دي مش عشان تردّي… بس عشان تفكّري، إن في حد لسه فاكر الطفلة اللي جواك، ولسه شايفك زي زمان… ليلتي المفضلة.

+



        
          

                
ثم اتّسعت ابتسامة عينيه قبل شفتيه، وكأن الطمأنينة نفسها تنبع منهما ، فـ كان يبث في عينيها ما يشبه الأمان المفقود، حتى بدأت تتنفس بهدوء، وتخفّفت أطرافها من ذلك الاحتشاد الدفاعي حول جسدها، ثم رفعت نظرها إليه بدموع حزينة، قرأ في بريقها المنطفئ كل ما لم يُقال.

+


غصّ قلبه كأن نظرتها طعنته، فبلّل ريقه وسأل بصوتٍ حنون مبحوح:

+


- إيه اللي حصل يا ليلى؟

+


وما إن تسلل السؤال إلى أذنيها، حتى بهت ذلك الضوء في عينيها مجددًا، وارتعشت أطرافها مرة أخرى، كأن السؤال أزاح الغطاء عن وجع دفين ، شعر "جواد" بذلك، فحاول تغيير دفة الحديث، مراوغًا برفق:

+


- طيب... جاهزة آخدك تشوفي مامتك دلوقتي؟

+


تجمدت لحظة كأنها تحاول استيعاب المعنى، ثم أومأت برأسها بصمت ثقيل ،فنهض أمامها، ومدّ يده مشيرًا نحو الباب بعينيه:

+


- يلا…

+


توقف لحظة يتأمل نظراتها المتابعة له، قبل أن تلتفت حولها بتيهٍ ظاهر، وكأنها لا تدري أين تمضي ،ثم همّت بالنهوض، لكن جسدها خذلها… خارت قواها فجأة، وارتطمت تلك المرة بالأرض بقسوة.

+


وفي لحظة خاطفة، كانت ذراعا "جواد" تصلان إليها، يسبقها صوته المجنون بنداءات يائسة:

+


- لـيلى! ليـلى، فوقي يا لـيــلى!!

+


لكن صوتَه كان يخفت شيئًا فشيئًا، كأن الدنيا كلها تنسحب من حولها… مرة أخرى.

+


مد أحد ذراعيه تحت ركبتيها و الآخرى خلفها ظهرها ثم حملها بخفة بين ذراعيه و اتجه نحو الباب و خرج عبره مهرولًا للخارج من البوابة الخلفية ، لكن " حسام " رأى ذلك المشهد فهرول بخطوات سريعه نحو و هتف متسائلًا :

+


- جـواد !! إيه إلي حصل ؟!

+


- مش عارف … أنا واخدها على المستشفى أهو …

+


ثم توقف " حسام " عن العدوّ بجانبه و أخرج هاتفه من جيبه و من قائمة الأتصالات أختار رقمًا و وضع الهاتف على أذنه في انتظار المُتلقي ، ليندفع متسائلًا فور فتح الخط :

+


- آيوه يا هَـنا إنتِ فين ؟

+


- في البيت يا حسام ، في حاجة ؟!

+


تردد " حسام " في النطق ثم أجاب :

+


- ليلى .. أغمى عليها و رايحين بيها على المستشفى كنت عاوز اتأكد إنتِ هناك ولا لأ !

+


ثم وصل له فزع " هَـنا " بجنون ، ليُغمض عيناه بقوة ثم فتحها نابسًا بهدوء نسبي ، مُحذرًا :

+


- أنا جاي أخدك ، إلبسي و إياكِ تنزلي الشارع لوحدك ، إيــاكِ .

+


ثم أغلق الخط و خرج ليجد سيارة " جواد " غير موجودة فأوقف سيارة أجرة و أتجه بها نحو منزله .

+



        
          

                
───────────────── ˖.˚⋆ .

+


وقف "آسر" بثبات، رافعًا بصره نحو المبنى الأبيض المُهيب أمامه.

+


مسجدٌ شامخ، قُبته الكبيرة تُعانق السماء، ومآذنه تُلامس السحاب في شموخ، وأبوابه الخشبية الضخمة ، كانت الأضواء المنبعثة من داخله لا تُشبه أضواء الكهرباء المعتادة، بل بدت وكأنها أنفاسٌ من نور، نسائم إيمانية تلفح قلبه مع كل خطوة يقترب بها منه.

+


ظل واقفًا يتأمل المسجد لدقائق، لا يرى البناء فقط، بل يمر أمامه شريط حياته؛ أخطاؤه، تردده، كل ما أخّره عن الله.

+


لم يكن يعرف من أين جاءت تلك القوة التي دفعته للتقدُّم، اجتاز السور، صعد الدرجات القليلة، عينه على باب المسجد حيث يهرول بعض الرجال للدخول.

+


مدّ يده ليفك حذاءه، لكن انتبه لرجل دخل قبله، كانت يداه لا تزالان مبللتين، وهنا تذكر أنه لم يتوضأ بعد ، تراجع بهدوء، يبحث عن مكان الوضوء، حتى وجده وتوضأ في سكينة، ثم عاد بخطواتٍ أقل ترددًا.

2


نزع حذاءه، ورفع عينه نحو لوحة صغيرة كُتب عليها بخط جميل:

+


"دعاء دخول المسجد"
قال رسول الله ﷺ: «إذا دخل أحدُكم المسجد، فليُسلِّم على النبي ﷺ، وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك».

+


ردّد الدعاء في قلبه بخشوع، ثم دلف بقدمه اليمنى إلى الداخل، خطوةً بعد خطوة، والارتباك في صدره يتراجع.

+


لم ينكر أن شيئًا داخله بدأ يهدأ.

+


المشهد كان مختلفًا، دافئًا،رجال متحلّقون حول كتبٍ يتدارسونها، أصوات قرّاء تتعالى بآياتٍ تُرتل بخشوع، أفرادٌ متفرقون يقرؤون القرآن منفردين، حتى بعض الأطفال يلعبون بهدوء في أحد الأركان يتنافسون على سؤال ديني.

+


وجوه هادئة، عيون مطمئنة، وسكينة تُغلف المكان كما لو أن الجميع في حضرة الله… آمنون.

+


مرّر "آسر" نظراته على الوجوه المتفرقة داخل المسجد، حتى توقفت عيناه عند نقطة بعينها...
لقد وجده.

+


هناك، بالقرب من مكان الإمام، كان "ريان" جالسًا في خشوع، يتأمل كتابًا بين يديه ،ثبّت "آسر" بصره عليه، ثم خطا نحوه بهدوء حتى وقف بجانبه، وقال بصوت خافت:

+


- السلام عليكم.

+


رفع "ريان" عينيه سريعًا، وبمجرد أن تعرّف على وجهه، اتسعت ملامحه بابتسامة دافئة، ثم نهض مرحبًا بحفاوة :

+


- أهــلًا… وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

+


صافحه بحرارة، ثم أردف بسعادة صادقة:

+


- أخيرًا يا راجل , لازم أبعتلك كتير يعني عشان أشوفك ! بس والله نورتني، فرحت بشوفتك هِنا.

+


ورغم أن "آسر" ابتسم، إلا أن ملامحه لم تُخفِ ما به من ضيق، قال بنبرة مثقلة:

+


- تسلم يا غالي… كنت مخنوق وقلت لازم أشوفك، وحمدت ربنا إني عرفت ألاقيك فين.

+



        
          

                
ازدادت ابتسامة "ريان" صفاءً، وقال وهو يشير له:

+


- دا ربنا اللي بعَتك… تعال، اقعد.

+


توقف "آسر" لحظة متعجبًا من كلماته، ثم جلس بجواره على الأرض وهو يسأله:

+


- ربنا بعَتني إزاي؟! أنا اللي كنت جاي لك…

+


تأمل "ريان" ملامحه المتسائلة، والابتسامة الهادئة لا تزال ترتسم على وجهه، ثم قال:

+


- لأ… ربنا استخدمني سبب علشان ترجعله.

+


و في تلك الأثناء أرتفع صوت الإقامة للصلاة ، لتتسع ابتسامة " ريان " و نظر له هاتفًا :

+


- يلا عشان الصلاة و هنبقى نكمل كلامنا .

+


فانتصبا الإثنان و ألتفت " آسر " خلفه للصفوف ليجد صفوف نصف ممتلئة رغم وِسع المسجد ، إلا أن إشارة من أحد المصلين أعادته من شروده و لم يكن سوى …" نور ".

1


اتسعت ابتسامته و اقترب منه يبادله السلام بحفاوة ، لينتقل لـ " يحيى " ، " عابد " و " يوسف " ثم أخيرًا تبادل السلامات بحفاوة مع " مروان " و هو أيضًا كان صديق قديم مُنذ معرفته بريان.

+


افسحوا الرجال له مكانًا في الصف الأول و وقف بجانب " مروان " في تأهُب و خشوع قبل أن يرتفع صوت " ريان " مُكبرًا :

+


« الله أكـبـر »

+


ثم فعل مثله المأمونين من خلفه ، ليدخل الجميع في الصلاة و ذلك اللقاء اليومي مع ربِهم .

+


أما على بُعدٍ قريب من المسجد ، داخل منزل " علي " كانت النساء أنهت صلاة العشاء بطمأنينه ، و أخذت " ميار " هاتفها و آجرت إتصال مع رفيقتها المُقربة .

+


تمددت " ميار " على الفراش و بعد عدة ثوانِ طويلة ، فُتح الخط لتهتف فورًا :

+


- إيه كل دا !

+


أجابتها " مريم " بخفة :

+


- كنت مشغوله الأستشوار يا بنتي والله مشفتوش غير صدفة .

+


- دا بدل ما قلبك يحس بيا و تعرفي إنه أنا ؟!

+


- معلش قلبي عطلان بقا إنتِ عارفة إلي فيها .

+


أطلقت " ميار " ضحكة قصيرة ثم تسائلت :

+


- إيه ! قاعدة بتعملي إيه كده ؟

+


- كنت واخده دُش كده فلسه طالعة و كنت بنشف شعري .

+


- أممم …

+


لتُتابع " مريم " بينما تُجفف خصلات شعرها الجافة :

+


- عندنا بكرا إحتفال صغنون كده في الجمعية.

+


اتسعت ابتسامة " ميار " بمرح و هتفت بتعجُب :

+


- بجد !! جميل والله ، انبسطي بقا ..

+


أجابتها " مريم " و هي تُمسد على غِرتها أعلى جبينها تُصففها بنعومة تليق بملامحها  :

+



        
          

                
- ما تيجي معايا بكرا يا ميرو لو فاضية .

+


- مش عارفة هشوف كده … هو الحفلة دي عبارة عن إيه كده ؟

+


- مفيش أحتفال بفتح الجمعية و بنعمل فعليات و كده ليهم عشان يغيروا جو و ينبسطوا …

+


- ما شاء الله جميل ، ربنا يجعله في ميزان حسناتهم .

+


بينما عند" مريم " كانت أنهت من تصفيف شعرها ، و انتقلت لوجهها ، و من أبرز أدوات الجمال التي تُحبها هو الكحل الأسود ، فرفعت قلم الكُحل و أخذت ترسمه داخل عيناها بمهارة و رقة و هي تقول :

+


- آمين يارب … حقيقي الناس إلي هناك هتفرح أ…

+


ثم توقفت العبارة في نص حلقها حينما أنتهت من وضع الكحل داخل عيناها و تأملتهم في إنعكاس المرآة ليرتطم بعقلها عبارة " وائل " عن عيناها ، لتقطب " ميار " حاجبها باستغراب مُتسائله :

+


- مريم ! إنتِ معايا ؟!

+


و على إثر ندائها عادت " مريم " من شرودها و بللت ريقها بتوتر وضيق ، هتفت بإيجاز :

+


- ميار اقفلي دلوقتي هبقى أكلمك بعدين …

+


- طب في حاجة حصلت ؟

+


- اقفلي دلوقتي هقولك بعدين .

+


قالت عبارتها الأخيرة بصوتٍ خافتٍ يحمل غِصة عنيفة، ثم أغلقت الهاتف، بينما كانت "ميار" على الطرف الآخر تحدّق في الشاشة بذهول، لا تفهم سبب هذا الانسحاب المفاجئ.

+


أما "مريم"، فقد تجمّدت أمام المرآة، تحدّق في عينيها الكحيلتيّن بانكسار غريب، وتراقب تلك الغِرّة الناعمة التي انسدلت بانسيابية فوق جبينها، كأنها تؤكّد تناسقًا مؤلمًا مع ملامح لا تملك رفاهية الفرح.

+


تنهدت بعمق، ووضعت يدها على صدرها كأنها تحاول إسكات ذاك الارتجاف الغادر الذي سكن قلبها دون استئذان.

+


أصاب قلبها بمهارة عنيفة من ذكرى كلماته الغزلية البسيطة ، لِما كل هذا النفور و الإجفال ! 
لِما يعبث بداخلها بطريقة غير شرعية بالنسبة لمبادئها !

+


و هي !
تلك الفتاة ذات الحصن و الألف حصن حول قلبها و عقلها ، لم يخدعها يومًا مظهر أو تغرّها نغمة صوت،
ولا استمالها عقلٌ ناضج أو حديثٌ متزن ،
كانت ترفض الكل...
لكنها تعلم في قرارة نفسها أنها تتحاشى المواجهة ، الضعف و … تلك المشاعر المتذبذة التي تُسمى حُب .

+


لكنها الآن…
الآن تشعر بخيانة ما،
كأن قلبها خانها دون أن تستشيره، وسمح لذاك الرجل الغريب أن يدنو.

+


لسببٍ دفين ، دُفن فأعمق نقطة في كيانها ،
كتبت على نفسها الوحدة مدى الحياة ،
لكن … بسببه ، ذلك " المعتدي الأعزل "
ذلك الذي اقترب دون سلاح،
وغزا أعماقها بابتسامة،
بكلمة،
بنظرة شاردة … علّقت قلبها دون وعي.

+



        
          

                
رفعت يدها تمسح على وجنتيها، كأنها تُزيل أثره، ثم تمتمت لنفسها:

+


- مريم… فوقي… ده مجرد إعجاب لحظي… هو زي الباقي.

+


لكن صوتًا صغيرًا في داخلها همس بسخرية فزفرت ضيقًا، وكأنها تطرد أفكارها، ثم وقفت بتوتر ترتب ملابسها، تحاول لملمة شتاتها ،
لكن عيناها بقيتا على المرآة…
تنظران بصمتٍ إلى انعكاس خذلانها،
إلى أنثى لم تعد متأكدة من صلابتها كما كانت دائمًا.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


بخطواتٍ واثقة، بدأت "يـارا" في النزول من على درجات السلم الرخامي، تُمسك بطرف الدرابزين بيدٍ متأنّقة، بينما تنسدل تنورتها الواسعة بخفةٍ حول ساقيها، فتتماوج الأقمشة بانسيابية راقية مع كل خطوة تخطوها.

+


كان ضوء الثريا يتراقص فوقها، ينعكس على بشرتها الصافية كأنها لوحة زيتية أُتقن رسمها، فيما انطلقت ضحكاتٌ متفرقة من الصالة بالأسفل، أصواتٌ مزيج من الدفء والتكلف... لكنها لم تعرها اهتمامًا.

+


عينها مثبتة إلى الأمام، 
رأسها مرفوع، 
وكأنها تهبط من عرشٍ لا درج.

+


تتقدم برصانة تُشبه أولئك اللواتي وُلدن ليُشاهَدْن، 
لا ليُشاهِدن.

+


و ما أن أصبحت على الأرض الرُخامية في مُقدمة الصالة ، تباين أمام مرآى عيناها أفراد العائلة  ، لتنبس برزانة و ابتسامة هادئة :

+


- كنت لازم أعرف إن صوت الضحك دا مش هيبقى غير من وراكم …

+


ابتسم الجميع بينما هتف " مراد " بمرح :

+


- أوعا على السمعة !

+


فانتصب " وائل " أمامها و مد يده مُرحبًا :

+


- عاملة ايه يا يـارا ؟

+


- ازيك يا وائل !

+


بادلته " يـارا " السلام ثم اخفضت بصرها للجالس و رمقته بنظرات ضيقة , ليبتسم " مراد" بحرج نابسًا :

+


- مالك بتصلي من فوق لتحت كده ؟!

+


- مش طايقاك! 

+


- بجد ! شعور متبادل ..

+


تبادلا " مراد " و " يـارا " عبارات المناكشة قبل أن يستمعوا لصوت " وردة " ببراءة :

+


- ليه بس دا مراد كيوت ؟!

1


اتسعت ابتسامة " مراد " بمرح و هتف بسعادة :

+


- الوحيدة إلي نصفاني فيكي يا جمهورية 

+


ارتفع حاجب " وائل " باستنكار نابسًا :

+


- والله !

+


ابتسم " مراد " نحو " وائل " و أجابه بمرح :

+


- بعدك ياخويا طبعا .

+


جلست " يـارا " و وضعت قدم فوق الآخرى و تسائلت بفضول :

+



        
          

                
- المهم خير يا ولاد الخال عندكم إيه ؟

+


أجابها " مراد " بتسلية فورّا :

+


- جايين نسلم على عمتو فيها حاجه دي ؟

+


بينما ألتفت " وردة " في الثانية التي تليها ونبست بعفوية :

+


- جايين عاملين مصيبة …

+


ارتفع حاجب " يـارا " بتعجُب قبل أن يستمعوا لصوت " مراد " المستنكر :

+


- يا بت إلإيه ! كنت لسه بشكر فيكي من ثلاث تربع ثانية ! 

+


أطلق " وائل " ضحكة قصيرة بعدم فهم و ألتفت مُتسائلًا :

+


- إيه الرقم دا !!

+


بينما أقترب " مراد " و نبس بخفوت :

+


- متخدش على كلامي .

+


أما " يـارا " مدت ذراعيها حاوطت شقيقتها لها هاتفه بِلُطف  :

+


- جدعه يا حبيبة قلب أختك  .

+


ارتفع حاجب " مراد " باستنكار و ألتفت لوائل و هتف بحدة مرحة :

+


- والله ! وائل احضني زيها .

+


بينما الإبتسامة المرحة كانت تتلاعب على ثغر " وائل " قبل أن تخفُت فجأة من اقترب " مراد " منه و دفعه برفق هاتفًا باعتراض :

+


- لا ابعد عني ، متظبط بقا هو إنت خبطت العربية ولا دماغك الي اتخبطت!!

+


اتسعت عينايّ " يـارا " بخفة و هتفت بتسائل :

+


- خبط العربية ! عربية مين !! جواد ؟!

+


ألتفت لها " وائل " وأومأ برفض موضحًا :

+


- هي لو عربية جواد كان هيبقى قاعد قدامك ؟ دا كان هتلقيه في الحبس على ذمة التحقيق في ثلاث قواضي .

+


مطت " يـارا " شفتيها تزامنًا مع رفعة حاجبها باقتناع و نبست :

+


- حاجات جواد يعملها.. whatever ..

+


أما " مراد " ينقل بصره بين كليّهُما بذهول ، هتف بحنق :

+


- هو أنا جي هنا تزودوا عليا ؟ أنا لو جواد أو آسر يعرفوا الي حصل في العربية هينفوني برا مصر

+


- ياريت 

+


نبست بها " يـارا " بلا مبالاة مع ابتسامة ساخرة ، لتحتد نظرات " مراد " مُجيبًا بتسلية :

+


- جربي تحبيني بقا .. جـربي !

1


- لا طعمك بــاايــخ 

+


نبست بها " يـارا " بمزح ليضحك الجميع من بينهم " مريهان " و " وردة " ، ثم تسائل " مراد " بملل :

+


- هو اونكل ممدوح هيجي إمتى بقا ؟

+


ليقطع انتباه الجميع صوت يأتي من خلفهم قائلًا :

+


- أدي اونكل ممدوح جه .. بس مش لوحده !

+


ألتفت الجميع لمصدر الصوت ليجدوا " ممدوح " يتقدم منهم يتبعه " جليل" ليبلل " مراد " ريقه بتوتر نابسًا :

+



        
          

                
- بابا !

+


- مراد !

+


هتف " جليل " بإسمه بتصبُر فاعتدل "مراد " في جلسته وابتسم بحرج و نبس بتسلية :

+


- منور يا سيد الناس .

1


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


في المستشفى…

+


كانت خطوات "جواد" تتسارع داخل الطوارئ، يحمل "ليلى" بين ذراعيه كأنها أمانة عمره كله، صوته يعلو بنداءات سريعة:

+


- دكتور! Nurse ! حد يساعدني… 

+


تلقّفته إحدى الممرضات، وأشارت له نحو غرفة قريبة:

+


- هنا… دخّلها هنا بسرعة!

+


وضعها برفق على السرير، بينما تجمع حولها الطاقم الطبي، وبدأوا بالفحص السريع، تحرّكات سريعة، أجهزة تُوصل، ضغط دم يُقاس، وأنفاس مُتابعة بدقة.

+


وضعها برفق على السرير، لتبدأ الأيدي الطبية بالتحرك في تناغم سريع، تُوصل الأجهزة، تُقاس المؤشرات، تُراقب الأنفاس ، وقف "جواد " على بُعد خطوة، لكنه شعر وكأنه على مسافة عمر كامل... قلبه يهوي، ونظراته متوترة، كل ما فيه يرتجف؛ كأن ما يحدث أمامه أثقل من احتماله.

+


مرت دقائق، نقولها لغرفة آخرى هادئة و تبعهم " جواد " حتى وجد الطبيب يدخل لها و ظل يراقبهم عبر النافذة الزجاجية و بدت تلك الدقائق كأنها دهر، حتى خرج الطبيب، وملامحه تحمل بعض الجديّة:

+


- إنت قريبها؟

+


- آه… أنا أقرب حد ليها دلوقتي… هي كويسة؟!

+


- حالتها مستقرة مبدئيًا، بس واضح إنها كانت تحت ضغط نفسي شديد، وعندها هبوط حاد… هل كانت بتمر بفترة صعبة أو في حاجة حصلتلها مؤخرًا؟

+


زاغت عيناه في الفراغ قبل أن يهزّ رأسه ببطء:

+


- حصل كتير… أوي.

+


أطرق الطبيب قليلًا و كاد أن يتابع قوله قبل أن يقطعه هتاف بلوعة من ظهور " هَـنا " أمام " جواد " :

+


- لـيلـى ! ليلى عاملة إيه دلوقتي ؟!

+


تعجب " جواد" و الطبيب من سؤالها بينما ظهر " حسام " في الخلفية بهدوء ليتسائل " جواد " :

+


- حضرتك بتعملي إيه هِنا ؟!

+


ألتفت " هَـنا " له بأعيُن مُتسعة بفزع و هتفت :

+


- أنا.. أنا هَـنا ، صاحبة ليلى و كانت قاعدة معايا شهر .

+


ارتسمت علامات الذهول على ملامح " جواد" قبل أن ينقل بصره نحو " حسام " يتأكد من صحة ما استنتج ، و بإماءة بسيطة من " حسام " تأكدت ظنونه ليعود من شروده على سؤال الطبيب :

+


- طيب أنا لازم أعرف إيه إلي حصل قبل ما أبلغ الشرطة !

+


اتسعت أعيُن الجميع بصدمة ليتسائل " جواد" باتزان و تركيز :

+



        
          

                
- محضر ليه يا دكتور ؟!

+


ألتفت له الطبيب و تنهد بعُمق قبل أن يستطرد  :

+


- الممرضات اكتشفوا و هما بيغيروا هدومها وجود كدمات في مراحل شفاء مختلفة، يعني الضرب متكرّر مش مرة واحدة ، في كدمات زرقاء، تانية صفراء، وده معناه إن التعنيف ممتد لفترة و كمان في مناطق مينفعش بأي شكل الأقتراب منها عليها علامات كذلك ... بنشتبه في وجود تمزقات عضلية سطحية، وأشعة الحوض والضلوع مطلوبة دلوقتي فورًا، بالإضافة لتحاليل عدوى وتحاليل دم شاملة.

1


سقطت كلمات الطبيب كالصاعقة، ارتجَّ لها الهواء من حولهم، وتجمد الزمن لوهلة، بينما شهقت "هَـنا" بقوة ، أما ملامح الشباب فغمرها ذهول حاد، عيون متسعة، وعضلات وجوه مشدودة، وكأن الواقع انكمش فجأة حولهم، ليسمح للحقيقة وحدها أن تصرخ في وجوههم دون رحمة ،ليُتابع الطبيب :

+


- إحنا ملتزمين قانونًا نبلّغ الشرطة فورًا في حالات الاشتباه في العنف الجسدي ، خاصةً لما تكون الضحية غير قادرة على الدفاع عن نفسها… وفي حالتها، الصدمة النفسية خلتها تدخل في حالة لاوعي لحظي.

+


سادت لحظة من الصمت المشحون، قبل أن يُتابع الطبيب بنبرة إنسانية:

+


- اللي حصل ليها محتاج علاج نفسي فوري، مش بس جسدي ، لازم تبدأ جلسات مع طبيب مختص في الصدمات، ويفضل إنها تتنقل لمكان آمن فيه دعم نفسي مستمر، وإلا الأعراض هتتحول لأزمات مزمنة زي اضطراب ما بعد الصدمة، كوابيس، انعدام ثقة، بل وأحيانًا ميول انتحارية.

+


بلّل "جواد" ريقه بصعوبة، وابتلع غصّة مريرة كأنها شوكة استقرت في حلقه، ثم نطق بحيرةٍ وانفعال، بينما كان يشعر بأن جمجمته تغلي من شدة الصدمة والارتباك:

+


- بس .. بس مين ممكن يكون عمل فيها كده بالطريقة دي ؟!

+


- أبوها …

+


نبست بها " هَـنا " بوجوم و دموع حارة سالت على وجنتيها لتشحذ صدمة الجميع لها قبل أن تُتابع :

+


- ليلى قبل ما تيجي عندي ، أنا شفت الآثار دي بس في إيدها و كنت جبتلها كريم تحطه بس مكنتش أعرف إن في تاني ، و حتى لو كده المفروض إن الآثار دي تكون خفت .

+


- الكدمات دي مش حديثة أوي، لكن بالنظر لطبيعة لونها وانتشارها، و وجودها بالشكل ده بعد مرور حوالي شهر يرجّح إنها ناتجة عن تكرار تعرّض لنفس المواضع، أو إن الجسم ما خَدش فرصة يتعافى بسبب ضغط نفسي أو بدني مستمر .. كمان، فيه اشتباه بوجود تمزقات في الأنسجة أو تلف داخلي، وده السبب اللي خلاني أطلب الأشعة.

+


أجاب الطبيب بهدوءٍ مهني، لكن كلماته سقطت كالصاعقة على مسامعهم، لتُخيم الصدمة الثقيلة من جديد ، لم يكَد أحدهم يلتقط أنفاسه حتى تكلّم "حسام" بصوت منخفض  :

+


- قبل ما تيجي هِنا ، هي شافت إلي ما يتسمى أبوها و كان زي ما يكون بيحاول ياخدها تاني عنده و هي كانت بترتعش جامد و كأنها دخلت حالة صدمة نفسية ...

+



        
          

                
قاطعته شقيقته مُستطرده :

+


- بس هي ماشية من عندي كويسة ، هي آه لسه بيجلها كوابيس بالليل بس يعني حالتها النفسية كانت أحسن شوية متوقعتش من مجرد ظهوره هتدمر نفسيًا كده .

+


وهُنا تدخل الطبيب قائلًا بتوضيح:

+


- لأ، ظهور الأب مش "مجرد ظهور"… ده بالنسبة ليلى بمثابة زرار لذكريات الصدمة.

+


أخذ نفسًا عميقًا ثم أكمل:

+


- في حاجة بنسميها في الطب النفسي صدمة عصبية حادة ، وفي حالتها دي حصلت نتيجة ما يُعرف بـ إعادة تفعيل الصدمة .

+


نظر إليهم بتركيز وواصل:

+


-الشخص لما بيتعرّض لصدمة شديدة ومتكررة، زي العنف الأسري، الجسم والعقل بيدخلوا في حالة دفاع، بنسميها حالة "التأقلم القهري"، يعني تفضل تمثل إنها كويسة، تضحك، تحاول تتعامل… بس في الحقيقة، هي بتهرب من الألم الحقيقي ، ولما فجأة تحس بالأمان ، زي ما حصل لما سابت بيتها العنيف وقعدت عند صاحبتها  الجهاز العصبي بيبدأ يهدأ، وهنا يبدأ العقل يخرج المخاوف المكبوتة.

+


سادت لحظة من الصمت الثقيل، فاستطرد الطبيب بنبرة أكثر جدية:

+


- بمجرد ما شافت الأب تاني، وده كان رمز مباشر للتهديد، جهازها العصبي دخل في حالة اسمها "الانهيار الفسيولوجي"، يعني الجسم حرفيًا ما استحملش يرجع للتهديد، فدخلت في حالة تشنج عصبي أو فقدان مؤقت للوعي، وحصل اضطراب شديد في ضربات القلب والتنفس.

+


ثم أضاف بصراحة مباشرة:

+


- ده مش مجرد انهيار نفسي… ده جسمها بيقول "أنا مش قادرة أعيش ده تاني"،  لازم تتنقل على قسم العلاج النفسي الطارئ فورًا، وتبدأ في جلسات "علاج بالتعرض التدريجي"، وجلسات دعم لعلاج "اضطراب ما بعد الصدمة المعقد".

+


رفع عينيه نحو "جواد" و ختم كلامه بنبرة حاسمة:

+


- أيّ محاولة دلوقتي للضغط عليها أو إجبارها على تذكّر تفاصيل أو مواجهة اللي حصل، ممكن يسبب لها انهيار عصبي دائم أو حالة تجمّد عاطفي.. عن إذنكم .

+


غادر الطبيب بخطوات ثابتة، تاركًا خلفه سكونًا ثقيلًا خنق الأجواء، وكأن الكلمات التي نطق بها لا تزال تتردد في المكان بصدى موجع.

+


جلس "جواد" على أقرب كرسي معدني في الممر، أسند مرفقيه إلى ركبتيه، ودفن وجهه بين كفيه ، لم يكن يعلم هل يغلي دمه غضبًا، 
أم يغرق قلبه حزنًا، أم كلاهما؟

+


ظلت جمل الطبيب تتردد في عقله ؛
"كدمات… تمزقات… آثار اعتداء…"
كيف يمكن لإنسان أن يُعامِل ابنته هكذا؟! 
كيف صبرت "ليلى"؟! 
بل كيف نجَت بروحها من هذا الجحيم؟!

+


أما "هَـنا" فوقفت كأن الأرض سُحبت من تحت قدميها ، تشبثت بالحائط خلفها، تحاول أن تفهم كيف فاتَها كل هذا ! كيف كانت تنام بجوارها دون أن تلاحظ هذا الكم من الألم الصامت؟ 

+



        
          

                
الدموع لم تتوقف عن الانحدار …
تشعر بالعجز والذنب 
في آنٍ واحد.

+


و"حسام" ظل واقفًا مكانه، يضم ذراعيه إلى صدره، يحدق في الأرض بعينين خاليتين من التعبير ،كان يُعيد المشهد الأول لهما في ذهنه، حين وقف أمامها وهددها ، و حين توسلت له لمعرفة أي خبر عن والدتها ثم موجة البكاء العنيفة التي دخلت بها … 
لم يفهم وقتها، 
لكنه الآن يفهم... 
وكم تمنى لو لم يفهم أبدًا.

+


ساد الصمت لعدة دقائق... صمت ثقيل، متوتر، لا يُقطعه سوى صوت الأجهزة في الداخل ترصد نبض قلبٍ أنهكته الحياة.

+


ظل "جواد" جالسًا بوضعه ذاته، لم ينبس بحرف، لم يُعلّق، حتى أن ملامحه جمدت كأن الزمن توقف داخله.

+


وفجأة، ودون مقدمات، مدّ يده إلى رأسه، وشدّ على شعره بقوة حادة، كأنما يحاول اقتلاع الألم من جذوره، أو يوقظ نفسه من كابوسٍ عبثيٍّ يرفض أن ينتهي.

+


انتفض واقفًا دفعة واحدة، مما جعل "هَـنا" و"حسام" ينتفضان بدورهما من وقع الحركة المباغتة ، تقدم بخطواتٍ حثيثة نحو الزجاج الفاصل بينه وبين الغرفة التي ترقد فيها "ليلى"، ثم وقف أمامها كتمثالٍ من صخر، لا يتحرك منه سوى عينيه المشتعلتين بنارٍ لا تُرى.

+


كانت الأجهزة تحيط بجسدها ، أنابيب، وأسلاك، وشاشة ترصد نبضات الحياة لقلبها البريئ ، لم تكن "ليلى" في غيبوبة، بل في عزلةٍ أكبر من ذلك... عزلة نفسية تنأى بها عن الوعي والواقع، عنهم جميعًا.

+


همس داخل نفسه بصوت لا يكاد يُسمع:

+


-أنا هنا يا ليل… مش هسيبك تاني، مش بعد ما لقيتك ، و ليكِ وعدي و كلمتي لأجيبلك حقك من كل حد مس شعرة منك ، و تشوفيهم راكعين قدام عيونك … بس عشان خاطري أنا متمشيش و تسبيني .

+


ثم التفت إليهما ببطء، وعيناه تخلّتا عن كل تعبير سوى الثبات الجاف ، أرخى رأسه للخلف وأسندها إلى الزجاج البارد، وكأنما يستمد منه تماسكًا مفقودًا، ثم سأل بنبرة جامدة، أقرب إلى الاستسلام منها إلى الغضب:

+


-  قولولي بقى... مين كريمة؟ ومين أمينة و كريم؟

+


الجمود الذي خيّم على الرواق انكسر فجأة بذهول واضح ارتسم على وجه "هَـنا" … و أرتباك على وجه"حسام" ، تبادلا النظرات بتعجُب، رغم كونه سؤالًا واضحًا... 

+


لكنه يحمل خلفه أيامًا من الشكّ، 
من البحث، 
من تتبع الخيوط في صمت ، 
ولم يكن توقيته عشوائيًا… 
بل مدروسًا، كضربة خنجرٍ في صميم الحكاية.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


انتهت الصلاة، وتعالى صوت الأذكار بهمسٍ مريح، تداخل مع خطوات المصلين وهم يغادرون في سكينة ، بقي "آسر" جالسًا في مكانه، واضعًا يديه على فخذيه، ينظر للأرض بشرود، كأن كل شيء في الدنيا توقف لحظة.

+



        
          

                
فنهض " ريان " و ألتفت له ثم جلس بجواره يُتم تسابيحه، ثم التفت إليه دون أن يقطع خيوط الهدوء وقال " آسر" بابتسامة خفيفة:

+


- أول مرة أحس إني مرتاح في صلاة كده ، صوته فيه خشوع الدنيا مستعد أسمعه طول العمر .

+


ابتسم "ريان" بسعادة دون أن ينظر له، ثم تابع " آسر" بصوت أقرب للهمس:

+


- كنت محتاج أكون... محتاج أرجع من عن بدري كده، بس اتأخرت.

+


رد "ريان" وهو يميل للخلف مسندًا ظهره للحائط:

+


- كلنا بنتأخر... بس مش كلنا بنرجع.

+


سكت "آسر" للحظة، ثم التفت له وسأله بصدق:

+


- إنت رجعت إمتى؟

+


ضحك "ريان" بخفة وقال:

+


- هو في حد بيرجع مرة واحدة؟ كل يوم برجع، وكل يوم بغلط... بس ربنا بيخليني أكمّل.

+


نظر "آسر" أمامه مرة آخرى، لتتغلل كلماته بداخله ثم قال بصوتٍ رخيم :

+


- أنا مش عارف أبدأ حتى... يعني بحاول، بس دايمًا برجع لنفسي القديمة، واللي حواليّا كلهم بيحكموا عليّ كأني مش ممكن أتغير.

+


- يمكن عشان اللي حواليك مش هما اللي هيحاسبوك، ولا هما اللي شايفين نيتك !

+


رمقه "آسر" بنظرة طويلة، ثم تنهد وقال:

+


- مشكلتي مش في الناس... مشكلتي إني ماشي تايه، بعمل حاجات وأنا مش مقتنع بيها، وببعد عن كل حاجة كنت بحبها بجد.

+


هزّ "ريان" رأسه بتفهّم، ثم سأل بنبرة ناعمة:

+


- ولسه بتحبها؟

+


لم يرد "آسر" مباشرة، اكتفى بإيماءة صغيرة برأسه، ثم قال:

+


- بحس قلبي بيرتاح لما بفكر فيها... وبخاف ، بخاف أكون مش مستاهلها، أو إن خلاص فات الأوان.

+


- مفيش حاجة اسمها فات الأوان، في ناس بتفضل تستناك طول عمرها وماتقولش... بس بتتمنى.

+


نظر له "آسر" بسرعة، وكأن الكلمة لمست وترًا حساسًا فيه، ثم قال بترقّب:

+


- و هو … في حد مستنيني يا ريان؟

2


ابتسم "ريان" وقال وهو يلعب بمسبحته:

+


في شخص... إنت ماقابلتوش، نفسه يقابل حد زيك.

+


رفع "آسر" حاجبه مُستغربًا، ثم قال بسرعة وكأنه يستفسر عن أمل غامض:

+


- يعني هي مستنيّة حد زيي؟

+


رد "ريان" وهو يميل بجسده للأمام قليلًا، كأنما يلقي بكلمة لها أكثر من معنى:

+


- على حسب هي مستنيّة إيه... وإنت ناوي تديها إيه.

+


تبدلت نبرة "آسر" فجأة وارتفعت بشيء من الحدة والتوتر:

+


- أديها؟! يعني إنت موافق آخدها؟

+


لم يذكر "آسر" اسمها، لكنه لم يكن بحاجة إلى ذلك، فقد لمح "ريان" تلك اللمعة في عينيه حين ذكرها، تلك النظرة التي ما كانت لتخُص أحدًا سواها، فصمت بُرهة ثم قال بنبرة شبه ساخرة تخفي قلقًا دفينًا:

+



        
          

                
- أنا مقلتش... بتكلم في العموم، ليه كل حاجة عندك بتلف وترجع لأختي؟

+


رفع "آسر" نظره إليه بثبات كأنه يضع قلبه بين يديه وقال بصوت مُنخفض لكنه صادق:

+


- عشان كل حاجة في دنيتي بتلف وترجعلها برضو

+


تنهّد "ريان" بحدة، لم يتوقع أن تُقال بهذه البساطة، نظر له بنظرة تحمل مزيجًا من الدهشة والانزعاج وقال:

+


- وبتقولها كده عادي؟ ما تتكسف شوية، أنا قاعد قدامك

+


لم يبدُ على "آسر" خجل بل قال بصوت هادئ يختزن وجعًا من نوع خاص:

+


- يعني أتكلم من وراك؟ أنا ما حكيتش عنها لحد، ومش هاحكي، أنا بحكيلك عشان إنت أخوها.

+


أشاح "ريان" بوجهه، وأحس بثقل في صدره، ثم قال بنبرة قصيرة حاسمة:

+


- أنا أصلًا مش موافق عليك... إهدى بقى

6


ضحك "آسر" ضحكة قصيرة لكنها لم تكن ساخرة، بل أقرب للاعتراف، ثم قال بهدوء:

+


- قول إنك غيران، بس ما تقولش مش موافق.

+


التفت له "ريان" بعينين ضيقتين وقال بحدة فيها غصة لم يُرد الإفصاح عنها:

+


- مالكش دعوة بمشاعري يا أخي... خلينا فيك دلوقتي و قوم صلي ركعتين السنة.

+


ثم نهض " ريان " أولًا و كبر للصلاة بينما اتسعت ابتسامة " آسر " بتسلية بعدها انتصب بجانبه و كبر للصلاة أيضًا .

+


سجد " ريان " و أطال سجوده يدعو الله لرفيقه ، فما أصدق الحب إن كانت أفعاله دعوات يُرسها لله ، لكن امتزجت صوت همهماته بأصوات آخرى مرتفعه أتت من رفيقه ، و التي كانت واضحه له :

+


- يارب أنا عارف إنها تستاهل حد أحسن مني ،بس مش عارف أعمل إيه إنت رب القلوب و أنا قلبي مش بإيدي و مش عارف أعمل إيه ، يارب متوجعش قلبي فيها و اجعلها من نصيبي .

+


ثم " ريان " رأسه من السجود و سلم عن يمينه و يساره ، ثم ألتفت لذلك الذي أطال سجوده مازال يُناجي ربه ،فارتسمت ابتسامة حانية متأملة على ثغره ، فلقد رآه يحاول لأجل شقيقته و كان هذا أحن مشهد تشهده عيناه مُنذ فترة طويلة .

+


انتهى "آسر" من الصلاة، وما إن سلّم حتى التقت عيناه بنظرات "ريان" الحالمة ، التي تحمل شيئًا خفيًا لم يُصرّح به.

+


كان "ريان" يُفكّر، في صمت، أن لا أحد قد رأى شقيقته كما رآها "آسر"... ولا أحد بدا له جديرًا بها مثله ،لكنّه لم يكن مستعدًا بعد لأن يُفصح عن هذا الاعتراف ، ليس الآن و"آسر" ما زال في أول الطريق، والطريق إلى الثبات لا يُقاس بالاندفاع ولا بالمشاعر وحدها، بل بالثقل، بالصبر، وبالنية التي لا تهتز.

+


نهض " آسر " و مد يده لريان قائلًا :

+


- أنا همشي دلوقتي هتعوز مني حاجة ؟

+


رفع " ريان " بصره له بتعجُب و انتصب قائمًا :

+


- ليه بس خليك شوية ، أسمع حتى الدرس بتاعي .

+


- مرة تانية معلش يا ريان …

+


تأمله " ريان" لعدة ثوان ثم أومأ له برأسه بطاعة قائلًا :

+


- خلاص في آمان الله ، بس هستنى تكرر اللقاء دا تاني ، متغبش يا آسر زي كل مرة .

+


- مش هغيب يا ريان المرة دي جد و إلتزام إن شاء الله.

+


- إن شاء الله ، ربنا معاك .

+


ثم ابتعد " آسر " عدة خطوات قبل أن يعودها مرة آخرى نابسًا بخفوت :

+


- مليكة جاية بكرا إن شاء الله… 

+


ابتسم " ريان " بهدوء و أومأ برأسه بخفة قائلًا :

+


- ربنا يتمم شفاها على خير و يفرحك بيها .

+


وبعد تلك العبارات غادر "آسر" المسجد بخطواتٍ واثقة ،بينما عاد "ريان" بهدوء إلى موضع الإمام، يستعد لإلقاء درسه الذي انتظرته الوجوه المطمئنة في الصفوف الأولى.

+


سكونٌ نسبي خيّم على المكان... 
هدوء الروح بعد الصلاة، قبل أن يبدأ الحديث ،
لكن …
ذلك الهدوء لم يدم.

+


فجأة ومع أول شهيق يتلقّاه الجمع قبل بداية الدرس ، اخترق الأجواء صوت طلقات نارية حادّة، مدوية، كأنها جاءت من العدم... لكن مصدرها كان واضحًا، 

2


من خارج المسجد …

+


في لحظة، انقلب الهدوء إلى فوضى... هرع المصلّون في كل اتجاه، صيحات، جلبة، أقدام تتسابق، وقلوب تتخبط بين الخوف والفضول.

+


كان "نور"، الأقرب إلى الباب، يُرتب المصاحف في مكانها المعتاد ،لكن صوته الداخلي سبقه إلى الفعل ،أدار جسده بسرعة، ومدّ يده نحو الحزام الجلدي الذي يلتف حول خصره، يسحب سلاحه المرخّص بخبرة رجل يعرف جيدًا ما يفعله.

5


بسرعة صاعقة، اندفع خارج المسجد، ورفع سلاحه نحو الدراجة البخارية التي تبتعد في جنون ،
ضغط على الزناد.
واحدة... اثنتان... ثلاث.
طلقات تخترق الهواء، تُصفر في الأفق... لكن الدراجة تابعت طريقها، وسائقها انزلق خلفها واختفى عن الأنظار.

+


بينما كان "نور" يهمّ بالركض خلفه، جاءه صوت آخر... هذه المرة، صوتُ الناس.

+


استدار ..
وما رآه لم يحتَج إلى تفسير.

+


دائرة من الرجال تجمّعوا في صمت صادم، كل منهم ينظر للأسفل وكأنه لا يُصدّق ما يراه ،شقّ "نور" الصفوف سريعًا، وقلبه يسبق خطواته.

+


وفي مركز الدائرة، كان "آسر"...
ممددًا على الأرض يتأوه بألمٍ شل جسده ،
و الدماء تسيل تحته ، تنساب على أرضية الشارع، كأنها تكتُب مشهدًا لم يكن من المفترض أن يُكتب.

9


ٰ
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


إن كنت تظن، قارئي الكريم، أن هذه هي النهاية... فأنت لم تعلم بعد إلى أين ستخرج الرصاصة القادمة …
و أن ما رأيته ليس إلا أول فصول الهاوية !

+


لا تقولوا أني لم أُحذركم !

+


معادنا كل أحد و أربعاء من [ 9 مساءًا - 12 صباحًا ]

+


هنتظر آرائكم هنا أو على جروب الفيس بوك ستجدون الرابط في وصف حسابي على واتباد، هكون متواجده هناك و أتفاعل معكم و مع آرائكم .

+


شكرًا لحُسن قرائتكم … و السلام على قلوبكم .

+


|| سُهى الشريف ||

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close