رواية شيخة القبيلة الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم رانيا ممدوح
كانت الليلة هادئة، والنجوم تلمع في السماء كحبات لؤلؤ متناثرة، بينما جلس صقر أمام نار تتراقص ألسنتها، يمد يديه نحو دفئها، في محاولة لتهدئة اضطراب قلبه الذي لم يتوقف منذ أن علم بحقيقة ضرب بدر بالسهم على يد أخيه. كان صوته الداخلي يصرخ، لكن وجهه ظل ثابتًا كالصخر.
اقترب زين، ملامحه مشوشة بين الخوف والقلق، وجلس بجواره، يرمق النار بنظرة شاردة، قبل أن ينطق باعترافه الثقيل الذي أسقطه كحجر في ماء ساكن. ومع كل كلمة تخرج من فمه، شعر صقر وكأن الأرض تتهاوى تحت قدميه.
2
رفع صقر رأسه ببطء، وعيناه اشتعلتا بغضب لم يستطع كبحه، وصوته خرج حادًا، قاسيًا كالسيف:
"عملت كده ليه يا زين؟!"
2
تفاجأ زين من حدة نبرته، فانعكس الارتباك في عينيه، وارتسمت على وجهه ملامح تحدٍّ مستتر وهو يرد ببرود دفاعي، محاولًا أن يبدو ثابتًا:
"مالك بتتكلم كده ليه؟ عادي... ده واحد عدونا، وكده كده هيموت ، و هنرتاح بموته."
2
لكن صقر، الذي كان يحاول بكل ما أوتي من قوة أن يخفي خوفه على بدر، تقدّم نحوه خطوة، ونظراته تزداد حدة، كأنه يطعن بكلماته لا بصوته فقط:
"لأ."
1
رمش زين في ذهول، مستنكرًا ذلك الرد القصير:
"لأ إيه؟ قصدك إيه؟"
2
تنفّس صقر بعمق، وكأنه يستجمع قواه ليقول ما يجب قوله دون أن ينكشف سره، وصوته خرج ثابتًا، يحمل تهديدًا خفيًا:
"قصدي دي حاجة ماتخصكش إنك تموته أو لأ... لو أبوك عرف إنك اتصرفت من وراه... كان موتك."
2
اتسعت عينا زين، وكأن صقر سكب على قلبه دلوًا من ماء بارد. شعر برهبة الموقف، وبدأ يتراجع بخطوة، صوته خافت، يحمل مزيجًا من الاعتراف والندم:
"عندك حق... بس أنا عملت كده... معرفش إزاي!"
3
جلس صقر على صخرة قريبة، ودفن كفيه في وجهه لثانية، يخفي العاصفة التي تضرب داخله. ثم رفع رأسه فجأة، وصوته عميق كهدير العاصفة، لكنه محمل بحكمة مقنعة:
"في مليون طريقة نقدر نحل بيها غير القتل... قتله هيصعب موقفنا."
1
هز زين رأسه في حدة، كمن يتمسك برأيه الأخير، وعيناه تلمعان بتصميم مشوب بالتهور:
"بالعكس... ده بقتله ينتهي كل حاجة، ونكون خلصنا منه ومن حكمه. بس لازم نفكر كويس في حيلة تبرّأنا من الباقي."
1
صرخ صقر فجأة، وكأنه يخشى أن يسمع أحدهم تلك الكلمات، أو أن تنطلق إلى السماء فتفضح سره:
"لا! لا لا لا! أوعى تقول كده! ما ينفعش تقتله"
كان صوته مرتجفًا، ليس من الغضب فقط، بل من الخوف العميق الذي يعتصره خوفًا على بدر.
2
ارتسمت على وجه زين علامات الاستفهام، فاقترب خطوة، حاجباه معقودان:
"ماينفعش أقتله؟ ليه؟"
1
تردد صقر لحظة، وهو يبحث في عقله عن عذر مقنع، وابتلع ريقه في صعوبة، قبل أن يتكلم متلعثمًا، كمن يختلق السبب:
"أ... أ... أ... اه... القبائل هتقف في وشنا."
1
لكن زين لم يقتنع تمامًا، وانحنى قليلًا للأمام، عينيه تضيقان بدهشة:
"هيكون مات... وهيغضبوا شوية وخلاص."
+
ضرب صقر الأرض بكعب حذائه في انفعال مكتوم، وصوته خرج كالزئير:
"ده مش كلامك ولا تفكيرك! مين قالك كده؟!"
1
تراجع زين خطوة للخلف، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الذهول:
"محدش."
1
رمقه صقر بنظرة عميقة، وكأنه يحاول سبر أعماق قلبه، ثم خفض صوته، وجعله أكثر هدوءًا لكنه مشبع بالقوة، محاولًا أن يزرع الحكمة في عقل أخيه:
"زين... اسمع. لازم تكون ذكي في تصرفاتك، وحكيم، وتحسب حساب أضعف ضعيف وإنت بتفكر. ابن الحمدانية وراه كتير... وأنا سمعت عن حاجات هو بيعملها. لو مات... هننتهي."
1
كانت تلك الكلمات هراءً محضًا، مجرد غطاء يضعه صقر ليخفي حقيقته، فهو لم يكن يخشى القبائل، ولا ابن الحمدانية كما اوهمه، بل كان يخشى على بدر، التي ظنها الجميع رجلاً وهي في الحقيقة قلب نابض يخفيه قناع القوة.
1
رفع زين رأسه، وعيناه تتسعان بدهشة ممزوجة بالخوف:
"معقول؟"
+
أومأ صقر بثبات، ونبرته حاسمة:
"اه. عشان كده لازم، قبل ما تعمل حاجة خطيرة، تقولي الأول."
2
تنهد زين، وكأنه تخلص من عبء ثقيل، ثم هز رأسه موافقًا، وفي صوته بقايا ندم:
"ماشي... اتفقنا."
+
ابتسم صقر ابتسامة باهتة، لكنها لم تصل إلى عينيه، بينما في داخله كان قلبه يشتعل رعبًا. لقد نجت بدر من موت محقق الليلة، لكن صقر أدرك أن الخطر ما زال يحيط بها كأشباح في الظلام، وأنه وحده من يقف بين تلك النيران وبينها.
+
وقفت رائحة الخشب المحترق تعبق في الهواء، تتراقص خيوط الدخان الرقيقة في سماء المساء بلونها البرتقالي الدافئ، بينما كانت النار تلتهم قطع الفحم ببطء، مُطلقة فرقعات خافتة تُضفي على المكان هالةً من الدفء. جلس صقر القرفصاء، عيناه تلمعان تحت ضوء النار، وهو يقلب قطع اللحم المتبلة بعناية، بينما كان يزيد ينظم أدوات الشواء بحذر. في تلك اللحظة، رفع صقر رأسه، وعيناه تتفحصان كومة الحطب الصغيرة بجانبه، قبل أن يقول بصوتٍ يحمل نبرة حازمة ممزوجة بحماسٍ خفيف:
+
"عايزين حطب كتير عشان الشوي."
+
التفت زين الذي كان يجلس غير بعيد، فابتسم ابتسامة خفيفة سرعان ما تلاشت تحت ظلال النار، وفي عينيه لمعة استعداد للمساعدة. نهض ببطء، ثم قال وهو ينفض الغبار عن يديه:
+
"ماشي، هروح أجمع شوية و أرجع."
+
راقبه صقر وهو يبتعد، وقد ظهر على وجهه مزيج من الثقة والارتياح، قبل أن يلتفت إلى يزيد قائلاً بلهجة مطمئنة، بينما يشير بيده إلى الأدوات المبعثرة حولهم:
+
"ماشي، أنا ويزيد هنخلص الباقي لحد ما ترجع."
+
أومأ يزيد موافقًا، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة عابرة.
+
في ضوء القمر الذي تناثر فوق الأشجار كخيوط فضية رقيقة، وقف صقر عاقدًا ذراعيه على صدره، ملامح وجهه حادة تشي بالترقب والحزم، بينما كان ينظر إلى زين بنظرة تحمل القلق رغم صلابته المعتادة. نبرته جاءت قوية، لكنها مشوبة بخيط خفي من الاهتمام:
"خلي بالك من نفسك، وامشي في طريق واضح عشان ما تتوهش."
1
ابتسم زين ابتسامة واثقة، وعينيه تلمعان بحماس المغامرة، ثم هز رأسه بخفة، وكأنه يبدّد القلق الذي يكسو صوت صقر:
+
"ما تقلقش، أنا حافظ المنطقة كويس."
+
بينما كان الهواء يحمل رائحة الخشب اليابس والرماد الباقي من النيران القديمة، انحنى يزيد يلتقط قطعة فحم بعود خشبي، ثم رفع رأسه مبتسمًا بخفة، ليكسر حدة الجو الذي يخيّم بينهما:
يزيد، وهو يمازح:
"بس إوعى ترجع فاضي الإيدين، إحنا جعانين!"
+
ضحك زين ضحكة قصيرة، وكأنها طعنة من المرح وسط جدية الموقف، ثم لوّح بيده بثقة قبل أن يبدأ بالابتعاد:
"حاضر يا عم، هاجي ومعايا جبل حطب."
+
لكن قلب صقر ظل يراقب خطوات زين وهو يختفي تدريجيًا بين الأشجار الكثيفة. كان الليل قد بدأ يمد ستاره، والريح تحمل معها أصواتًا غامضة من عمق الغابة، مما جعل المكان يزداد هيبةً وغموضًا.
+
خطواته تلاشت شيئًا فشيئًا وسط الظلام، وصوت حركته اندمج مع همسات الليل وصرير الحشرات. بينما اختفى بين الأشجار، بقي صقر واقفًا للحظة، يتابعه بنظرة متفحصة، وكأن في داخله شعور غامض لا يعرف سببه.
+
التفت بعدها نحو يزيد، وقد استعاد صلابته المعتادة، ثم أشار إلى الفحم المشتعل بصوت منخفض لكنه حازم:
"يا يزيد، شوف الفحم ده جاهز ولا لأ."
+
انحنى يزيد مرة أخرى، وقد ارتسمت على وجهه ملامح التركيز، فيما انعكس وهج الجمر على ملامحه الدافئة، فأجاب بعد أن قلب بعض القطع بعناية:
"تقريبًا، بس محتاج يتقلب شوية."
+
مدّ صقر يده، وأخذ العود الخشبي، ثم جلس القرفصاء بجوار النار، وبدأ يقلب الجمر بحركة هادئة، بينما تسلّل الدخان إلى الهواء كوشاح رمادي يلتف حولهم، في انتظار عودة زين محمّلًا بالحطب… وربما بشيء أكبر مما يتوقعون.
+
لم يدرِ صقر في تلك اللحظة أن هذه الخطوات البسيطة لزين نحو جمع الحطب ستكون بداية لحدثٍ سيقلب هدوء تلك الليلة رأسًا على عقب.
2
كانت بدر تسير بخطواتٍ متوترة فوق أرضية الحديقة المرصوفة، تتأرجح أنفاسها ما بين غضبٍ مكتوم وقلقٍ عارم. عيناها تشعّان ببريقٍ حاد، وجسدها يتوتر كقوسٍ مشدود على وشك الانفجار. لم يكن في ملامحها ما يدل على كونها أنثى، فقد أتقنت تخفيها في هيئة رجل، لكن ثورتها الداخلية كانت أنثوية خالصة، تفيض بالغيرة والخوف في آنٍ واحد.
+
وقفت فجأة أمام عبد ربه، الذي كان يكدّ في ترتيب بعض الأخشاب قرب السور، فصرخت بصوتٍ حاد كالسوط، وهي تشير إلى السور بيدٍ ترتجف غضبًا:
+
"عبد ربه، ابني السور ده! مش عايزة حتة فاضية ولو صغيرة، لو فار مايعرفش يعدي منه!"
2
تجمد عبد ربه في مكانه لوهلة، ثم التفت إليها بدهشة ممزوجة بالضحك الخافت، محاولًا تهدئتها، وعيناه تنتقلان بينها وبين السور المفتوح على الحديقة الممتدة.
+
"ليه؟ هي حلاوتها في إنها مفتوحة على المنظر الجميل ده."
1
ازدادت ملامح بدر قسوة، وتقدمت خطوة نحوه، حتى بدا كأنها ستفتك به، وصوتها ينفجر حدةً وغضبًا:
+
"عبد ربه، صقر كان واقف هنا مع بنات عمي! شوية هنلاقيه بيطبخ في المطبخ!"
2
ضحك عبد ربه ضحكة مرتجفة، محاولًا أن يخفف من حدة الموقف، وهو يرفع كفيه مستسلمًا:
+
"حاضر يا ست بدر، ما تزعليش نفسك... هعملك كل اللي عايزاه."
1
لكن بدر لم تهدأ، بل استدارت بعنف، وعباءتها السوداء تلتف حولها مثل دوامة من الغضب، وتوجهت بخطواتٍ مسرعة نحو سارية، التي كانت تجلس بلا مبالاة على طاولة خشبية أمام المنزل، ساقاها متشابكتان، وكأنها في عالمٍ آخر لا يعترف بحدة اللحظة.
+
توقفت بدر أمامها، وصوتها يقطر غضبًا:
"ممكن أفهم إيه اللي حصل في الجنينة ده؟"
+
رفعت سارية حاجبيها ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هازئة، وهي ترفع كوب القهوة من أمامها، ثم قالت ببرودٍ واضح:
+
"إيه؟"
1
ازدادت نبرة بدر حدة، وكأن كلماتها تتفجر من أعماق صدرها:
"مش عارفة يعني؟"
+
هزت سارية كتفيها بلا اهتمام، ورشفت رشفة بطيئة من قهوتها، ثم وضعت الكوب أمامها وهي تقول بهدوءٍ مثير للأعصاب:
+
"لأ، مش واخدة بالي... بتتكلم عن إيه يا سي بدر؟"
2
حدقت بدر في عينيها مباشرة، وكأنها تحاول أن تزرع الخوف في قلبها، وقالت بصرامةٍ تقطر تهديدًا:
+
"إنتي عارفة كنتي بتتكلمي مع مين؟"
+
ابتسمت سارية ببرودٍ متعمد، ثم ردت وهي تعيد ترتيب جزء من ثوبها:
+
"آه... صقر الشرقاوي."
3
ازداد توتر وجه بدر، وصوتها يعلو أكثر، يحمل نبرة غضبٍ مكتوم:
+
"ولما إنتي عارفة بتكلميه ليه؟"
2
في داخلها، كانت بدر تشعر بمرارةٍ لا يستطيع أحد فهمها؛ غيرةٌ تشتعل في أعماقها، لكنها غيرة لا يمكن أن تبوح بها ، غيرة من نوع آخر أو بمعنى آخر خوف على بنات عمها ، إذ يراها الجميع رجلاً، لا امرأة. أما سارية، فقد أساءت فهم الأمر، واعتقدت أن بدر يتصرف كذكرٍ يغار على فتاةٍ تحدثت مع غريب.
+
قهقهت سارية ضحكة قصيرة، ثم مالت إلى الأمام قليلًا، متعمدةً أن تبدو متفوقة ومتحررة، وقالت بنبرة ساخرة:
+
"مكبر الموضوع ليه يا بدر؟ ده موضوع بسيط."
3
ضربت بدر بيدها على الطاولة، فاهتزت أكواب القهوة، وردت بحدةٍ تكاد تُمزق الهواء:
+
"ده موضوع بسيط؟! ده عدونا الأول! لازم تكرهيه ، و تنفري من التعامل معاه"
1
أدارت سارية عينيها في لامبالاة، ثم اعتدلت في جلستها وهي ترفع حاجبيها بثقة:
+
"ده كان زمان يا بدر... خليك في الواقع. خليك تفكر في المصلحة اللي ممكن تطلع من وراهم. بلاش يكون فكرك قديم!"
1
اتسعت عينا بدر، وكأن كلمات سارية صفعتها، وصوتها ارتفع حادًا كالسيف:
+
"أنا فكري قديم؟!"
2
ابتسمت سارية بسخريةٍ باردة، وقالت بنبرة متحدية:
+
"آه، فكرك قديم. عشان هو كان لطيف وبيساعدنا، المفروض نشكره، نعزمه على أكلة حلوة، نردله المعروف. مش نطرده ونكشر في وشه... ده جارنا!"
1
تقدمت بدر خطوة نحوها، وصوتها أصبح أشبه بزمجرة غاضبة:
+
"إنتي بتتكلمي عن حد نفسه ننتهي عشان ياخد أرضنا! إنتي ساذجة... وممكن أي حد يضحك عليكي بكلمتين، يقولك إنه عايز الخير والوحدة والحب... لازم تحرصي! لازم تفهمي إنك ممكن تكوني فريسة لحد مستغلك!"
2
ضحكت سارية ضحكة قصيرة، امتلأت بالغرور واللامبالاة، ثم أمالت رأسها قليلًا، وقالت بجسارة:
+
"لو مع صقر، هيكون الموضوع مجزي ويستاهل."
3
شهقت بدر، وكاد صوتها ينفجر غضبًا:
+
"تبعينا يعني عشان الموضوع مجزي و يستاهل؟!"
1
أجابتها سارية بابتسامة متغطرسة، وعينيها تلمعان بمكرٍ واضح:
"مش اسمه بيع... اسمه فن استغلال الفرص. وأنا بقى... في استغلال الفرص مافيش زيي. أبيع نفسي، مش أهلي بس المهم أكون فوق الكل."
3
لكنها لم تكمل جملتها... إذ فجأة وجدت يد بدر تهوي على وجهها بقوةٍ هائلة، فأصدرت الصفعة صوتًا مدويًا، كأنه كسر سكون المكان.
ترنحت سارية إلى الخلف، وقد اتسعت عيناها دهشة وصدمة، فيما لهب الصفعة يلسع خدها، بينما بدر وقفت أمامها، صدرها يعلو ويهبط بعنف، وعيناها تقدحان شررًا، كأنها نمرٌ غاضب يوشك أن ينقض على فريسته.
3
ركضت سارية بخطواتٍ متخبطة، والدموع تحرق وجنتيها كأنها شظايا زجاجٍ ساخن، حتى وجدت نفسها عند صخرةٍ في عمق الظلام. جلست عليها منهارة، تصدر عنها شهقاتٌ مختنقة، فيما الليل يلتهم أنينها ويخبئه بين طياته الكثيفة.
+
رفعت رأسها ببطء، عيناها كانتا كبحرٍ هائج، والشرر يتطاير منهما مع كل دمعة تسقط. أطبقت كفيها بقوة حتى اسودت مفاصل أصابعها، وصوتها خرج مبحوحًا، لكن في نبرته غضبٌ أسود:
+
"ماشي يا بدر... ماشي. إنت فاكر نفسك مين عشان تمد إيدك عليا؟! مين إداك الحق تهيني؟"
1
شهقت شهقةً طويلة، ثم صاحت بحقدٍ يوشك أن يلتهم المكان:
"أقسم بالله يا بدر، إني هخليك تندم على اليوم اللي فكرت فيه إنك تجرح كرامتي. دموع النهارده هتبقى نار بكرة... نار هتحرقك إنت قبل أي حد!"
6
ضربت الأرض بكفها بعنف، وهي تكمل بصوتٍ متحشرج لكنه يقطر سمًا:
+
"هتشوف... هتشوف بعينك إزاي هقلبلك حياتك ظلام زي ما عملت فيا. افتكر كلامي كويس... لأني عمري ما بنسى، وعمري ما بسيب حقي!"
2
في الظلام، كان زين يراقب كل هذا الموقف، عيناه تضيقان ببطء، والدهشة ترتسم على ملامحه الصارمة. لم يتخيل أن الغضب يمكن أن يُصاغ في كلماتٍ كالسكاكين الحادة، ولا أن فتاة مثل سارية تحمل في داخلها هذا القدر من الجموح والتمرد.
1
رفع حاجبيه ببطء، وابتسم ابتسامة جانبية غامضة، وبدأت الأفكار تدور في رأسه:
"تمردها ده... لو لعبت عليه صح، هعرف منها كل أسرار قبيلة الحمدانية. واحدة زي دي، غضبها هيمشيها، وكراهيتها لبدر هتخليها تقول أي حاجة لو عرفت أستفزها صح أو استغلها صح."
2
خطا خطوة بطيئة للأمام، دون أن تُصدر أقدامه صوتًا، وهو يراقب سارية التي ما زالت تهمس بحقد، غير مدركة لوجوده. كان زين يرى أمامه فرصة ذهبية؛ فتاة غاضبة، مجروحة الكرامة، تبحث عن حليف في معركتها ضد بدر. ابتسامته اتسعت أكثر، وعيناه لمعتا بمكرٍ خفي.
+
"بدر يا بدر… يمكن تظن إنك بتحكم قبيلتك بيد من حديد، لكن أهو… بنت عمك نفسها هتبقى سلاح ضدك. ومش هتكون عارف حتى إنها خانتك."
2
اقترب زين خطوة أخرى، ثم وقف صامتًا يترقب اللحظة المثالية ليتدخل، تاركًا سارية تغرق في غضبها، بينما هو يغرق في خططه الماكرة.
+
كانت سارية غارقة في نهر دموعها، كتفيها يهتزان مع كل شهقة، حتى شعرت بظلٍ يقترب منها بهدوء، وكأن الليل نفسه جاء يواسيها. رفعت وجهها فجأة، مبللًا بالدموع، لتجد أمامها شابًا يمد يده إليها بمنديل ناصع البياض، وملامحه يغمرها هدوء مريب.
+
زين، بابتسامةٍ صغيرة تنضح بالبراءة المصطنعة، قال بصوتٍ دافئ كالنسيم:
"ماتخافيش… خدي ده، امسحي دموعك. دموعك غالية قوي، وأغلى من إنها تفضل تنزل كده."
1
تراجعت سارية خطوةً إلى الخلف، نظرتها حائرة ومليئة بالارتباك، ثم سألت بحذرٍ وهي تشهق:
"إنت مين؟!"
1
ضحك زين بخفة، وكأنه يطمئنها، وقال وهو يرفع يديه كعلامة استسلام:
"أنا؟ ولا حاجة، مجرد غريب شايل همّ دموعك. خدي، امسحيها… وبعدها هقولك أنا مين."
2
ترددت سارية لحظة، ثم مدّت يدها المرتعشة وأخذت المنديل، لكن فضولها تغلّب على خوفها:
"لما أعرف إنت مين الأول."
+
ابتسم زين ابتسامة خفيفة، تحمل مزيجًا من اللطف والغموض، ثم قال وهو يضع يده على صدره باحترامٍ مفتعل:
"أنا زين الشرقاوي… ابن جمال الشرقاوي."
+
تجمدت سارية في مكانها لثوانٍ، وعيناها اتسعتا في ذهول، كأن اسمه صاعقة نزلت على قلبها. شعرت بارتباك شديد، فتلعثمت قائلة:
"آه… أنا…"
1
لكن زين لم يمنحها فرصة للكلام، بل تابع بلطفٍ مدروس، وكأنه يعزف على أوتار ضعفها:
"كنت بلم شوية حطب هنا، وفجأة سمعت صوت بكاءك. والله كسّر روحي. إيه اللي يخلي عيون جميلة زي دي تبكي؟"
2
خفضت سارية بصرها، ومسحت دموعها على عجل، محاولةً أن تبدو قوية رغم انكسارها:
"مافيش… موضوع بسيط."
+
أمال زين رأسه قليلًا، وعيناه تلمعان بمكر، لكن صوته ظل حنونًا:
"واضح إنك مش حابة تحكي دلوقتي… وده حقك. بس اعرفي حاجة: أنا موجود طول الوقت، لو يوم حبيتي تفضفضي وتطلعي اللي في قلبك، هتلاقيني معاكي."
2
رفعت سارية نظرها نحوه فجأة، تحدق فيه بدهشة:
"كده من غير ما تعرف أنا مين؟"
+
ضحك زين ضحكة قصيرة، ثم أجابها بنبرة إعجاب مصطنع:
"مش مهم أعرف إنتِ مين. جمالك كفاية عندي… جمال يخلي أي راجل ينسى الدنيا كلها. على فكرة، عارفة جمالك ده ناقصه إيه؟"
1
تغيرت ملامح سارية، وفي عينيها لمعت فضول ممزوج بحذر:
"إيه؟"
+
اقترب زين قليلًا، صوته صار أعمق، وكأنه يهمس بسرّ خطير:
"توب زمركشي فاخر… قطعة تخلي كل البنات يغيروا منك. بس يا خسارة… إحنا مش هنتقابل تاني، فمش هتلحقي تلبسيه."
1
رفعت سارية حاجبيها بدهشة، وكأنها صدمت من قيمة ما يتحدث عنه، وقالت بتعجب:
"بس ده غالي قوي!"
+
هز زين كتفيه بخفة، وعيناه تلمعان بخبث خفي:
+
"لأ… مش غالي ولا حاجة. ولو كنا هنتقابل تاني، كنت هديكي منه كتير… لدرجة تزهقي منه."
1
لمعت عينا سارية بحماس مفاجئ، وفي قلبها تسللت فكرة مجنونة. قالت بسرعة، وكأنها لا تريد أن تضيع الفرصة:
"نتقابل… طبعًا هنتقابل!"
1
أمال زين رأسه بمكر، وصوته مزيج من الدهشة والتحدي:
"فين؟"
+
نظرت سارية حولها بحذر، ثم همست وكأنها تكشف سرًا دفينًا:
"تعرف تيجي عندنا؟"
+
ابتسم زين بثقة:
"آه، أعرف الطريق."
+
اقتربت سارية أكثر، حتى كاد أنفاسها تتلاقى مع أنفاسه، وقالت بصوت خافت:
"البحيرة المهجورة… بعد ست ليالي. الليلة السابعة هقابلك هناك، زي دلوقتي، تحت ضوء القمر."
1
ظهر في عيني زين بريق انتصار، لكنه أخفاه خلف ابتسامة رقيقة:
"ماشي… هستناكي على نار."
+
سارية، بابتسامة مرحة رغم دموعها التي لم تجف تمامًا:
+
"إنت بس."
1
زين، وهو يضحك ضحكة خفيفة، يرفع يده كأنه يعلن وعدًا:
+
"لأ طبعا… أنا والتوب الزمركشي!"
+
ضحكت سارية من قلبها، ضحكة صافية كأنها نسيت حزنها للحظة، ثم استدارت مسرعة، وقالت وهي تلوّح بيدها:
"أوعى تنساه!"
1
نظر إليها زين وهي تبتعد، وابتسامته تتحول تدريجيًا إلى قناع مملوء بالمكر.
"مش هنسى يا سارية… لا التوب، ولا اللقاء، ولا الخطة اللي هتبدأ بيكي. هتكوني المفتاح اللي يفتح لي أبواب الحمدانية… وأبواب قلبك أولهم بالوهم طبعا."
2
وقف صقر لحظة، يرفع رأسه عن الفحم المتوهج، وعيونه تتمعن في الظلام الذي يغلف الغابة كحجاب كثيف. نسيم الليل البارد لامس وجهه، ومعه شعور غريب يزحف في صدره، شعور لم يعرفه من قبل، مزيج من القلق والحذر.
+
نطق بصوت منخفض لكنه مشحون بالجدية:
+
"زين، شكله اتأخر."
1
اقترب يزيد منه، ويديه ما زالت متسخة من الرماد، لكن ابتسامته اختفت فجأة، وحل محلها انقباض طفيف في حاجبيه:
+
"غريبة فعلاً… كان المفروض يرجع من بدري."
+
وقف صقر ثابتًا، كأن الأرض تحت قدميه تحولت إلى مرآة تعكس مخاوفه، وحدق في أعماق الغابة المظلمة، حيث تماوجت الظلال بين الأشجار. صوته خرج أكثر صرامة هذه المرة، يخفي وراءه خوفه:
+
"حاسس إن في حاجة مش طبيعية… خلينا نروح ندور عليه لو ما رجعش خلال خمس دقايق."
+
استدار يزيد نحو الغابة بحذر، وأمسك بعود خشبي كأداة دعم له، بينما ارتجف الهواء حولهم، محملاً بأصوات الليل الغامضة، وكأن كل شجرة وكل ظل يهمس بشيء مجهول يترقبهم.
+
عاد زين متأبطًا كمية كبيرة من الحطب، خطواته متثاقلة بعض الشيء، لكن عينيه كانت تتلألأ بالرضا بعد المهمة التي أنجزها.
+
رفع صقر حاجبه، وابتسم بنبرة مزجت بين المزاح والقلق:
"ايه اتأخرت كده ليه؟"
+
ضحك يزيد وهو يربت على كتف زين:
+
"افتكرناك توهت ولا حاجة."
+
أجاب زين وهو يضع الحطب بحذر على الأرض، وتنفس الصعداء:
+
"لا… بس ماكنتش لاقي حطب كتير بس، الحمد لله ربنا جبرني."
+
جلس الثلاثة حول المكان المعد للشوي، حيث وضعوا الحطب في حفرة صغيرة وأشعلوه حتى تصاعدت النار ولعبت ألسنتها حول الأخشاب الجافة، فانتشرت رائحة دخان الخشب الحار. جهز صقر الخروف بعد تنظيفه جيدًا، ثم نقش عليه بعض التوابل بعناية: ملح، فلفل أسود، وبهارات سرية تركها يزيد.
+
ثبتوا الخروف على قطعة خشب عريضة بجانبيها حديد، وعلّقوه على أعمدة خشبية فوق النار، مع التأكد أن الحرارة موزعة بالتساوي على كل الجوانب. بدأوا بتقليبه ببطء، كل عدة دقائق، لضمان أن يتحمر من كل الجهات دون أن يحترق، وفي الوقت نفسه يتشرب رائحته الدخان الفواح، فيصبح اللحم شهيًا وذو لون ذهبي غامق، مع القشرة الخارجية المقرمشة والداخل الطري والعصاري.
+
بينما كانوا يعملون، كان يزيد يراقب النار ويضيف بعض الحطب عند الحاجة، وزين يضغط على مقبض الخشب ليضمن دوران الخروف بشكل متساوٍ، وصقر يرش عليه أحيانًا رشة زيت خفيف ليكتسب لمعانًا إضافيًا، فتشكلت لوحة من المهارة والصبر، حيث كل حركة كانت متوازنة لخلق أشهى طبق شهي، يستحق الانتظار.
+
عادت سارية بخطوات متعبة، وعيونها ما زالت تحتفظ بوميض الغضب والدهشة، لتجد بدر واقفة في مكانها تنتظرها بصمت، كأنها تراقبها من وراء حاجز صمتها الصارم. لم تنطق بدر بأي كلمة، وصمتها كان أكثر حدة من أي كلمة.
+
كسر الصمت صوت بدر الحاد الممزوج بالجدية:
+
"سارية."
+
أدارت سارية وجهها تجاهها، وعينها تتلألأ بسخرية، وكأنها تقول إن كل شيء تحت السيطرة:
+
"عايز ايه؟ مش ضربتني؟"
2
أغمضت بدر عينيها للحظة، تحاول ضبط نفسها، لكن شدتها الداخلية لم تخفف من صرامة نظرتها:
+
"أنا آسف… ماكنش ينفع اضربك، بس كلامك كان مستفز جدًا. لازم تعرفي إن قبيلتك أهم من نفسك، ومن أهلك، ومن كل حاجة."
1
أشارت سارية بكتفها بشكل ساخر، وعيناها تشعان تحديًا لا يلين:
+
"خلاص… روح لحالك ومالكش دعوة بيا، اعمل اللي تعمله."
1
تقدمت بدر خطوة، وملامح وجهها تظهر مزيجًا من القلق والحزم، وصوتها خافت لكنه ثاقب:
+
"ياريت يا سارية تفهمي إن الحياة دي لازم يكون ليكي فيها مغزى وهدف، مش عيشة وسلام."
2
سارت سارية بخطوات ثقيلة، عيونها تلمع بالغضب والكبرياء، وابتسامة مريرة تعلو شفتيها:
+
"كفاية إنك عارف… ممكن كفاية حكم ومواعظ؟ لأني عايزة أنام."
+
تنهدت بدر بهدوء، محاولة إخفاء صراعها الداخلي بين الحزم والقلق:
+
"ماشي… روحي نامي وفكري في كلامي كويس."
+
جلست سارية على سريرها، ويدها تداعب الوسادة بينما عينها تركز في الفراغ، وعقليها يغلي بخططها:
+
سارية في نفسها:
"مش هرحمك يا بدر… أنا الداهية اللي هتغورك من الدنيا."
1
كان الغضب يختلط بالعزم في قلبها، وكل نبضة فيه كانت تشعل شرارة من التحدي، وكأنها تعد نفسها لمعركة قادمة، معركة ستغير موازين القوة بينهما، وتثبت أن سارية لا تُقهر بسهولة.
+
جلست سارية في غرفتها، أضواء المشاعل تتسلل من النوافذ لتلون جدران الغرفة بدرجات برتقالية باهتة، وعيناها تلمعان بالغضب المكبوت والحقد العميق. أغلقت الباب خلفها بعنف، لتصبح الغرفة ملاذًا لتفريغ كل مشاعرها المكبوتة.
+
تحدثت سارية إلى نفسها، بصوت منخفض لكنه ممتلئ بالقسوة:
"آه… لو تيجي لي الفرصة إني أدمرك… مش هتأخر. مش هسيبك تفرح ولا ثانية… كل خطوة تخطيها هتدفع تمنها… كل كلمة تقولها هتتحول ضدك… هتندم يا بدر، هتندم قوي… أنا هكون في كل مكان، أنا اللي هقرر مصيرك بعد كده… مش هسيبك تنام مرتاح… مش هسيبك تسيطر على حاجة… أنا اللي هحكم اللعبة دي بعد كده."
+
أزاحت سارية وشاحها عن وجهها، وابتسامة باردة تمر على شفتيها، بينما قلبها ينبض بالحقد، كل فكرة عن بدر كانت كالسيف في يدها، وكل رغبة في الانتقام تتأجج أكثر مع كل لحظة صمت.
+
"آه… أكيد هتجي اللحظة… وأنا هضرب… هأخذ حقي… كل حاجة… كل صغيرة وكبيرة… مش هسيبك تنسى إنك ضربتني… آه… بس تتوكل عند ربنا… الفرصة هتيجي… وأنا مستنية… وأنا جاهزة…"
+
وبينما هي تتحدث، كان الظلام يغطي الغرفة تدريجيًا، ومعه يزداد شعورها بالقوة والعداء، كأن الحقد أصبح وقود قلبها، والانتقام حلمها الذي لن يهدأ إلا بتحقيقه.
+
جلست بدر في ركن هادئ من الحديقة، يعلو وجهها توتر واضح، وعيناها شاردتان كأنهما تسبحان في بحر من الأفكار الثقيلة. وضعت كفيها على ركبتيها، وأخذت نفسًا عميقًا، محاولةً تهدئة العاصفة التي تدور في عقلها، لكن الطرقات الخفيفة على الباب أيقظتها من شرودها.
+
دخلت نسيم بخطوات مترددة، وعيناها الواسعتان تلمعان بقلق، قبل أن تقول بصوت مبحوح:
+
"ممكن أقعد معاك؟"
+
ارتفع قلب بدر في صدرها، شعور غامض بالقلق اجتاحها، لكنها حاولت إخفاءه بابتسامة مشدودة.
+
بدر، بصوت متوتر قليلًا:
"اتفضلي."
+
جلست نسيم أمامها، يديها متشابكتان بقوة حتى بدت أصابعها بيضاء من شدة الضغط، وعيناها تهربان أحيانًا نحو الأرض وأحيانًا نحو وجه بدر وكأنها تبحث عن شجاعة مفقودة.
+
"كنت… كنت حابة أتكلم معاك."
+
حاولت بدر أن تُبقي صوتها ثابتًا رغم الترقب الذي ينهش أعصابها.
"في إيه؟"
+
تنهدت نسيم بعمق، كمن يتهيأ لإطلاق سرٍ يثقل صدرها:
+
"يوم الحفلة… أنا اكتشفت حاجة زعجتني جدًا."
+
شعرت بدر بدمها يتجمد في عروقها، وعقلها قفز فورًا إلى السر الذي تخفيه عن الجميع. حدقت في نسيم بحدة، وهي تبتلع ريقها بصعوبة، محاوِلةً أن تُظهر هدوءًا زائفًا:
+
بدر، بصوت خافت لكن مشدود:
+
"مش للدرجة دي يعني…"
+
نسيم هزت رأسها بعناد، ودموع القلق تتلألأ في عينيها:
+
"لأ… ده موضوع مضايقني وخايفة إنه يكبر ويبقى خطر. أنا… أنا ترددت أحكي لحد عنه."
+
ارتعشت يد بدر للحظة، لكنها خبأتها بين ثنايا ثوبها حتى لا تفضح نفسها، ثم قالت بسرعة وهي تحاول السيطرة على الموقف:
+
"بشكرك إنك خبيتي اللي عرفتيه."
+
رفعت نسيم حاجبيها بدهشة، ثم هزت رأسها مستنكرة:
+
"إزاي؟! كان لازم أتكلم."
+
ارتجفت شفتا بدر، وبدأت الكلمات تخرج منها بسرعة، كأنها تدافع عن حياتها:
+
"ليه؟ عايزة تتكلمي مع مين؟"
+
ارتسمت ملامح الحيرة على وجه نسيم، قبل أن ترد بصدق:
+
"معاك… لأني مش عارفة أنام من ساعة ما عرفت."
+
صمتت بدر لثوانٍ، تشعر بأن قلبها يدق كطبول الحرب، ثم قالت بصوت أشبه بالرجاء:
+
"أهم حاجة تكتمي عن الموضوع بعد ما عرفتيه."
+
ترددت نسيم، وظهر الصراع الداخلي في عينيها:
+
"مش عارفة…"
+
شعرت بدر أن الخطر يقترب، فاندفعت تقول بحدة:
+
"أومال تقولي للكل وننفضح؟"
2
اتسعت عينا نسيم بدهشة، ثم تراجعت خطوة للوراء وكأنها لم تصدق ما تسمعه:
+
"عندك حق… لازم أسكت. لو حد عرف إن أمي وأختي كده، هتكون خيبة كبيرة."
+
ارتفعت حاجبا بدر بصدمة، وكأن الكلمات سقطت عليها كالصاعقة.
+
"أمك وأختك؟!"
+
أومأت نسيم، ودموعها تتساقط على خديها:
+
"آه… ده اللي كنت عايزة أكلمك فيه. سمعتهم وهما بيتآمروا عليك. ومن ساعتها وأنا مش عارفة أعمل إيه. قلت لنفسي، إنت مهما كان كبيرنا، ولازم أحترمك."
+
لكن عقل بدر كان في مكان آخر تمامًا. كلمات نسيم تلاشت في الهواء، لتحل محلها ذكرى قديمة… ذلك اليوم الذي أصابها فيه السهم، ثم تلك اليد التي أنقذتها، والمنديل الذي ضمد جرحها.
+
"إذا كانت نسيم ما عرفت إني بنت… أومال مين اللي أنقذني يوم ما اتصابت بالسهم؟!"
مر هذا السؤال كالصاعقة في ذهنها، وجسدها يرتجف. ثم همست في نفسها بعزم:
1
"الحل في المنديل… أنا رميته، لازم ألاقيه وأغسله وأشوفه تبع مين!"
1
لم تنتبه نسيم لشرود بدر، فأكملت بصوت مرتجف:
+
"إنت معايا يا بدر؟ بقولك… مش عارفة أعمل إيه، قلت أقولك وخلاص."
+
استفاقت بدر من دوامة أفكارها فجأة، ثم رسمت ابتسامة خفيفة على وجهها محاولةً تهدئة نسيم:
+
"ما تشغليش نفسك يا نسيم، أنا هعرف أقف قصادهم… وعارف هما عايزين إيه بالظبط."
+
مسحت نسيم دموعها بطرف كمها، ونظرت إليه برجاء:
+
"يعني عارف إنهم…"
لكنها صمتت فجأة، مترددة في إكمال الجملة.
+
ضحكت بدر ضحكة قصيرة حاولت أن تبدو طبيعية، لكنها كانت ثقيلة ومليئة بالتوتر:
+
"آه، عارف. بيخططوا إني أتجوز سارية. ده مستحيل."
+
اتسعت عينا نسيم بدهشة:
"ليه؟"
+
أشاح بدر بوجهه عنها، وأجاب بصوت جاف يخفي وراءه عاصفة من الأسرار:
+
"كده… مش بفكر في الموضوع ده دلوقتي."
+
عمّ الصمت المكان، لكن في داخل كل منهما كانت عاصفة تعصف بلا هوادة… نسيم تقاتل قلقها، وبدر تقاتل للحفاظ على سرها الكبير.
+
كانت هنادي تقف على بعد أمتار قليلة، عيناها تتلألأان بفرح صامت، تتبع كل حركة لكل منهما. نظراتها كانت مليئة بالفخر والرضا، كمن يشاهد ثمرة جهدها تتحقق أمام عينيها. قلبها ارتجف بالسرور، وابتسامة خفية ارتسمت على شفتيها وهي ترى نسيم وبدر يتبادلان الحديث بانسجام، وكأن العالم كله اختفى حولهما.
+
همست لنفسها، كأنها تخاطب القدر نفسه:
+
"الله الله يا حظك يا هنادي… مش مهم سارية، المهم أي واحدة من بناتك تكون هي سعيدة الحظ وتنولك مرادك."
1
وفي تلك اللحظة، اقتربت سارية بخطوات مترددة، لكنها تحملت شعورًا متقلبًا بين الفضول والغضب:
"أمي…"
+
رفعت هنادي إصبعها تحذرها من الكلام، وعيناها تلمعان بنور التفاهم:
+
"شششش… اسكتي."
+
تقدمت سارية خطوة أخرى، لا تزال الحيرة ترتسم على وجهها:
"في إيه؟"
+
ابتسمت هنادي ابتسامة خفيفة، مليئة بالسرور والحكمة:
+
"نسيم وبدر قاعدين سوا."
+
حدقت سارية في وجه والدتها، وكأنها لا تبالي، محاولة إخفاء شعورها الداخلي:
+
"وإيه يعني؟"
+
أشاحت هنادي بوجهها قليلاً، لكنها لم تخفِ الفخر في عينيها:
"شاطرة إنك مش زعلانة… المهم خطتنا تنجح، وأي واحدة فيكم تكون جار بدر."
1
ابتلعت سارية ريقها، وابتسامة خبيثة ارتسمت على وجهها، وعيناها تلتمعان بالحقد المتأجج:
+
سارية في نفسها:
"إن شاء الله… على يدي مش هيكون في حاجة اسمها بدر خالص. عشان يتجرأ ويرفضني… وكمان يمد أيده علي."
+
ثم رفعت عيناها نحو والدتها، محاولة أن تخفي عواطفها الحقيقية خلف قناع الهدوء:
+
"بقى يرفضني أنا… عشان نسيم… صحيح أعمى و ما بيشوفش."
2
ضحكت هنادي بخفة، وهي تلمس كتف ابنتها لتطمئنها، ثم قالت بصوت منخفض لتجنب أن يسمع أحد:
+
"خلاص خلاص… يلا ندخل، وبطلي دوشة عشان محدش يحس بينا."
+
سارية ابتسمت بخفة، لكنها في داخلها كانت تخطط لكل خطوة قادمة، كل حركة ستكون محسوبة بدقة، كل نظرة ستكون سلاحًا في صراعها القادم مع بدر.
+
جلست بدر بمفردها في الحديقة بعد أن غادرت سارية، والقمر يكاد يظهر بخجل وراء الأشجار، تاركا ضوءًا خافتًا يكسو الأرض بألوان فضية باهتة. كانت تتأمل في خطواتها القادمة، خططها التي تنوي تنفيذها بعزم وهدوء، وكل فكرة تمر في ذهنها تزيد قلبها توترًا وإثارة. أمامها، على طاولة خشبية صغيرة، وُضع طبق مرفوع في الهواء، وكأن أحدهم أراد أن يقدمه لها وكأنه يقدم تحديًا أو رسالة.
+
ظهر صقر فجأة، وابتسامة ماكرة ترتسم على وجهه، عيونه تلمعان بحركة طفيفة من التحدي والجرأة:
+
"بيقولك من الآداب الإيطالية أنك تعطي أول لقمة للي بتحبه… مالقتش حد بحبه غيرك."
1
ارتجفت بدر، ارتباك واضح على وجهها، ورفع حاجبيها:
+
"نعم؟ إنت تاني؟ دخلت ازاي؟"
+
اقترب صقر، بخطوات واثقة، وابتسامة ساخرة تلعب على شفتيه:
"من ورا."
+
قطبت بدر حاجبيها، محاولة أن تُظهر غطرستها، وصوتها يلفه التهديد:
+
"أنا هقفلها عشان نخلص منك ومن سماجتك."
2
ضحك صقر بخفة، وكأن الكلمة مجرد مزحة، وعيناه مليئتان باللطف المتصنع:
+
"أنا سمج؟ الله يسامحك… ده أنا جايبلك طبق أكل تأكله."
2
رفعت بدر عينيها بسخرية، تلمعان بالغضب المختلط بالدهشة:
+
"حد قالك إني محروم ولا مستنيك لما تجيبلي الأكل؟ فكر في طريقة تانية تموتني بيها."
+
هز صقر رأسه ببراءة ساخرة، وابتسم ابتسامة تكشف عن لعبته:
"ليه؟ فاكر حاطط سم فيه؟ هاجيب سم منين دلوقتي؟"
1
ارتجفت شفاه بدر في غيظ، وعيناها تلتمعان بالغضب:
"هتمشي ولا أنادي الحراس يشيلوك و يروحوك؟"
+
ابتسم صقر، مسترخياً، وكأنه يخفف من شدة الموقف:
"اه…ياريت أصل أنا مكسل أرجع تاني."
2
شدت بدر شفتيها، وعيناها تلمعان باللوم والدهشة:
+
"هو البعيد إيه، معندوش دم ولا إحساس؟"
+
هز صقر رأسه بسرعة، وملامحه تعكس صدقًا مزيفًا:
+
"لا… ماعنديش دم… ماشي، إنما أنا كلي إحساس وعاطفة."
3
ارتجفت يدي بدر، وكأنها تحاول أن تهدئ غضبها:
+
"فين ده؟ المفروض ماتجيش هنا لو بتحس… ومهما تعمل اللي في دماغك عمره ما يحصل."
+
اقترب صقر أكثر، وعيناه تلمعان بالغموض والجرأة:
+
"إيه اللي في دماغي؟"
+
قطبت بدر حاجبيها، تحدي واضح في نظرتها:
+
"بنات ناجي… شيلهم من دماغك، وأوعى تفكر هتقدر تسيطر على أي واحدة منهم… أنا بحذرك."
1
ابتسم صقر ابتسامة هادئة، وكأن قلبه ينساب بحرية في الهواء:
"بقولك خد كل وفكك من بنات ناجي… ولا بنات ناجي يشغلوني أصلاً… دوق كده… طعمه ولا أروع… عامل زي كده طعم الشوق."
1
رمشت بدر، وعيناها تتسعان بالدهشة والفضول:
+
"هو الشوق له طعم؟"
1
ابتسم صقر وهو يمد يده وكأنه يقدم شيئًا سرّيًا:
"اه… دوق وانت تعرفه."
1
أخذت بدر نفسًا عميقًا، وابتسمت ببطء:
"اه… ادوق… اه!"
+
صاحت بدر فجأة، بصوت عالٍ ملؤه الانفعال:
"يا عبد ربه تعال بسرعة!"
+
لكن صقر، بابتسامة غامضة، وضع الطبق جانبًا، ثم اختفى في لمح البصر، تاركًا الحديقة صامتة، والهواء يهمس بأثر خطواته الغامضة.
+
جاء عبد ربه مسرعًا، خطواته الخفيفة تكاد تلمس الأرض بصوت خافت، وعيناه تتسعان بالفضول والقلق:
+
"إيه يا ست بدر؟"
+
رفعت بدر رأسها ببطء، عينان تلمعان بالجدية الممزوجة بالغضب الخفيف:
+
"ابني السور في أسرع وقت."
+
ابتسم عبد ربه، وأومأ برأسه بحزم:
"حاضر… هنبدأ فيه بكرا."
+
لكن وقع نظره فجأة على طبق اللحم الموضوع على الطاولة، وعيناه اتسعتا بدهشة وفضول:
+
"إيه ده؟"
+
رفعت بدر كتفها بلا مبالاة، وصوتها هادئ وملؤه الغموض:
"دي لحمة مشوية بطعم الشوق."
1
ضحك عبد ربه بخفة، يتمايل على قدميه وهو يحاول استيعاب العبارة الغريبة:
+
"يعني إيه؟"
+
أشاحت بدر بوجهها، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها، وعيناها تلمعان بالإرهاق والرضا الداخلي:
+
"والله ما أنا عارفة… أنا رايحة أنام، تصبح على خير."
+
ثم استدارت بخفة، خطواتها تتلاشى بين ثنايا الحديقة، تاركة عبد ربه واقفًا أمام الطبق، يتساءل في صمت عن سر تلك الكلمات الغريبة وطعم الشوق الغامض.
+
في صباح اليوم التالي، كانت بدر تتفقد المكان بعينين حادتين، تحدق في الأرض المفتوحة والمساحات الشاسعة أمامها، بينما كان يامن يسير بجوارها، يحمل همّ التنظيم في ملامحه.
+
"لسه مش خلصنا تنظيف الأرض، وبنحاول بكل همتنا."
+
رفعت بدر حاجبها وهي تحدق في المساحات أمامها، صوتهما يتخلله صدى خطواتهم على التراب الناعم:
+
"هو إحنا عندنا كام حصان فوق الحاجة؟"
+
فكر يامن لحظة قبل أن يجيب:
+
"حوالي خمسمائة."
+
ابتسمت بدر ابتسامة مدروسة، عيناها تتوهجان بخطة واضحة:
"طب ليه إحنا مش بنضاعف الرقم ده؟ دلوقتي الطلب على الحصان العربي الأصيل كتير جدًا."
+
تعجب يامن من الفكرة، وعيناه تتسعان قليلًا:
+
"معقول؟"
+
أكدت بدر وهي تلوح بذراعها نحو المساحات الشاسعة:
"أه… عايزين نضاعف الكمية ونعمل جزء من الأرض إسطبل خيل كبير، مقسم لكذا مرحلة."
+
هز يامن رأسه بتردد، وهو يحاول استيعاب الطموح الكبير:
+
"بس محدش فكر يبيع الخيول قبل كده."
+
نظرت بدر إليه بعينين حادّتين، كأنها ترى مستقبلًا مجهزًا بكل تفاصيله:
+
"إحنا فكرنا…الخيول موجودة، هنعمل بيهم إيه كلهم؟ نبيعهم ونفكر نعمل بفلوسهم في حاجة مفيدة."
+
كان الهواء مليئًا بالحماس، والخطط تتكشف شيئًا فشيئًا أمام عينيهما، بينما الأرض تنتظر أن تُحول إلى مشروع ضخم يضع بصمة بدر على كل زاوية فيها.
+
همس عبد ربه لبدر بصوت منخفض وهو يقترب منها قليلًا:
"اللي عايزاه وصل".
1
ابتسمت بدر بخفّة وقالت:
"بجد؟ عن إذنك يا يامن، في حاجة طارئة لازم أتعامل معاها".
+
وقفت بدر للحظة، تتنفس بعمق، ثم أخذت جوابها الذي كتبته مسبقًا ووجهته إلى ماركو، رئيس قسمها في الجامعة، أثناء سفر عبد ربه إلى المدينة. في الرسالة أوضحت:
"أنا أمتلك مجموعة كبيرة من الخيول الأصيلة، ويمكنك الاستفادة منها في السباقات مع حصولك على نسبة من الأرباح".
+
بعد قليل، وصلها خطاب الرد من ماركو، قال فيه: "تمت الموافقة التامة، يمكنك المضي قدمًا في المشروع".
+
ثم أضاف: "تحدثت أيضًا مع أحد أشهر رجال الأعمال، ماتيا، الذي يمتلك خيولًا نادرة، وهو مهتم بشراء مجموعتك، لكنه يرغب بالحضور شخصيًا لفحصها والتأكد من جودتها".
+
وقفت بدر للحظة، تنظر إلى الخيول وهي تتحرك برشاقة في المراعي، وقالت في نفسها:
"زيارة ماتيا هتكون اختبارًا حقيقي لقدرتي على الإدارة، و دي الفرصة ممكن تغيّر مجرى المشروع بشكل كامل".
2
جلست بدر على صخرة صغيرة بجوار المزرعة، تتنفس بعمق بعد أن أنهت قراءة محتويات الجواب، وعيناها تتلألأان بحماسة وارتياح. التفتت إلى عبد ربه وابتسامة واسعة ترتسم على شفتيها وقالت بصوت مليء بالفرح:
"الحمد لله يا عبد ربه، الحمد لله".
+
رفع عبد ربه حاجبيه باستغراب:
"إيه؟"
+
أجابت بدر وهي تلمّس الورق بين أصابعها بعناية: "فاكر الجواب اللي خدته معاك؟"
+
هزّ عبد ربه رأسه وهو يبتسم قليلًا:
"آه، ومعرفتش إيه اللي فيه".
+
بدر نظرت إليه بعينين واثقتين، وقالت:
"ده كان جواب بعته لماركو".
+
ابتلع عبد ربه ريقه وقال بدهشة:
"هتسيبي القبيلة وتقَبلي عرض الجامعة؟"
2
صاحت بدر ضاحكة بخفة، وأشارت إلى المراعي والخيول وهي تتحرك برشاقة:
"لأ، أنا قلتله على الخيل اللي بنملكه، وإنه يسهل بيعه لأي رجل أعمال إيطالي وياخد نسبة من الربح".
+
عبّر عبد ربه عن فضوله قائلاً:
"وبعدين؟"
+
بدر رفعت حاجبيها، وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهها:
"وافق، وكلم واحد اسمه ماتيا، بيقول إنه غني قوي ويحب الخيل، وجايز ياخد كمية كبيرة بسعر ممتاز".
1
تقدّم عبد ربه نحوها، وعيناه تلمعان بالفخر:
"كويس جدًا يا ست بدر، مع إنك مش قولتيلي على الموضوع ده".
+
ضحكت بدر بخجل قليل، وهي تنظر إلى الأرض قبل أن تلتفت إليه:
"خوفت يرفض ويكون شكلي وحش قدامك".
+
ابتسم عبد ربه برقة، ومد يده في الهواء:
"لأ، مستحيل، مهما حصل، شكلك قدامي هيكون كويس".
+
في تلك اللحظة، شعرت بدر بأن الأفق مفتوح أمامها، وأن كل خطوة تخطوها مدروسة بعناية، وأن الشجاعة والحكمة يمكن أن تجمع بين القوة والنجاح بطريقة ساحرة تجعلها تتحكم بمصيرها ومصير من حولها.
+
وقف عبد ربه أمام بدر، وقد ارتسمت على وجهه علامات القلق وهو يعبث بيديه في توتر، ثم قال بصوت متردد:
"هو جاي إمتى؟"
+
أجابته بدر بثبات وحزم، بينما كانت عيناها تتألقان بعزيمة واضحة:
"النهارده بليل… تروح تجيبه وتيجي."
+
تنهّد عبد ربه، ونظراته تمتلئ بالاعتراض والخوف عليها:
"وأسيبك لوحدك تاني؟"
+
اقتربت منه بدر خطوة، وابتسامة مطمئنة رسمتها على وجهها، رغم أن في أعماقها شعورًا خفيًا بالترقب:
"مش هيحصل حاجة ليا، روح إنت… الصفقة دي أهم من أي حاجة."
+
ظلّ واقفًا في مكانه، يحرك رأسه يمينًا ويسارًا وكأنه يحاول أن يجد سببًا للبقاء، ثم قال بتردد شديد:
"طب… وبنيان السور؟"
+
رفعت بدر يدها بحركة حاسمة، وعيناها تحدقان فيه بقوة:
"سيبه دلوقتي، واهتم بالموضوع ده الأول… وجهّز نفسك ... يلا بسرعة، يدوب تمشي قبل ما يوصل."
1
تأمل عبد ربه ملامحها القوية، ثم أومأ بصمت، مدركًا أن ما تفعله بدر ليس مجرد صفقة، بل خطوة قد تغيّر كل شيء في حياتهم. ومع ذلك، لم يستطع أن يمنع قلبه من الخفقان قلقًا وهو يبتعد، بينما ظلّت بدر تراقبه بعينيها، متأهبة لما سيأتي.
+
فاطمة و هنادي و الفتيات جلسن جميعًا حول المائدة، حيث أشعة الصباح الدافئة تتسلل من نوافذ المطبخ، ممتزجة برائحة القهوة والخبز الطازج، فكان الجو ينبض بالدفء والألفة. كانت فاطمة تتناول الإفطار بابتسامة واسعة، وعيناها تتأملان كل واحدة من الفتيات الأربع بعناية وحنان.
+
قالت فاطمة ببهجة:
"بجد أنا مبسوطة إنكم بتفطروا معايا كلكم… من زمان ماكنش في لمة كده."
+
ابتسمت نسيم وهي تلوّح بيدها بخفة:
"كله من خيرك يا مرات عمي."
+
أضافت بتول بحماس وهي تتناول قطعة من الطعام: "فعلا الأكل جميل."
+
أما العنود فمدّت يدها لتلتقط فنجانها وقالت بابتسامة حالمة:
"والجو كمان… مش عايزة أمشي من هنا أبدا."
+
لكن سارية، جلست صامتة، تتأمل طبقها دون أن تلمسه، وعيناها مشغولتان في التفكير، تتراقص في رأسها صور هدية زين التي تشتاق لرؤيتها.
+
همست في نفسها بصوت خافت وكأنها تخاطب قلبها فقط:
"يا ترى هيجي ويجيب الهدية فعلا، ولا كان بيهزر… ده أنا هعمل منه حتة فستان أكيد بيه القبيلة كلها."
2
ظلّت سارية غارقة في أحلامها الصغيرة، بينما كان حولها ضحك الأخريات وأحاديثهن تملأ المكان بالدفء والراحة، لكنها شعرت بأن قلبها مشغول بشيء آخر، شيء ينتظر أن يأتي ويغيّر يومها بأكمله.
+
استعرض الصباح بصفائه المعتاد فوق بيت الشرقاوية ، فيما كان زين يركب حصانه، يلمس لجامه بيد ثابتة، وعيناه تتطلعان نحو الطريق الذي سيقوده إلى المغامرة التالية. خطوات الحصان الخفيفة على الأرض كانت تصنع إيقاعًا متناغمًا مع خفق قلبه، حتى اقترب من بوابة القصر، حيث كان والده جمال واقفًا ينتظره، عيناه تحملان خليطًا من القلق والغضب.
+
قال جمال بغضب ممزوج بالحيرة:
"هو أنا مش قلتلك ماترجعش من غير أخوك؟"
+
أجاب زين بصوت هادئ يحاول أن يخفف التوتر:
"يا بوي هو مارضيش يجي معايا."
+
تجهم جمال أكثر، ورفع حاجبيه متسائلًا:
"ازاي؟ وليه؟"
+
رد زين مبتسمًا بتفهم:
"يا بوي هو قال إنه هيريح يومين تلاتة."
+
تنهد جمال بامتزاج من الاستياء والدهشة:
"و لا زعلان؟ أنا مش عارف زعلان ليه؟ مش هو اللي بيهمل، منتظر مني ايه يعني… اخده في حضني و أقول له أغلط كمان وكمان؟"
2
قال زين مطمئنًا:
"يا بوي كلها يومين تلاتة أو أسبوع بالكتير و هيرجع."
+
هز جمال رأسه بتعبير عن السخرية من الوضع، ومزّق الهواء من حوله بغضب:
"اعمل ايه، ربنا رازقني برجال مالهمش لازمة… غور من وشي إنت كمان."
1
ظل زين للحظة ينظر إلى والده، يدرك تمامًا أنّ الصبر والتفهم سيكونان سلاحه خلال هذه الأيام القليلة، قبل أن يرفع رأسه مجددًا، ويضغط على خصر حصانه، مستعدًا لرحلته القادمة.
+
حلّ الليل بهدوئه الساحر على المزرعة، لكن الحركة لم تتوقف. ظلّت بدر تعمل بلا كلل مع الرجال، تراقب كل تفصيلة في المكان، تتأكد من أن الأرض نظيفة، وأن الممرات مرتبة بدقة، وأن الإسطبلات والملاعب الخاصة بالخيول جاهزة لاستقبال رجل الأعمال الإيطالي ماتيا. كل حصان تمسّكت بدر بفحصه بعناية، تلمّس قوته ولياقته، وتتابع نظافته، وكأنها تعرف أنّ هذه اللحظة قد تغيّر الكثير.
+
حين بدأ الظلام يغطي الأفق، وصلت عربة الخيل، ونزل عبد ربه أولًا، يسير بخطوات واثقة نحو المكان المعد. خلفه، ظهرت شخصية طويلة أنيقة، مُرتدية ملابس فاخرة، يحيط به هالة من السلطة والثراء ماتيا، رجل الأعمال الإيطالي الشهير الذي اشتهر بحبه للخيول النادرة وبحسّه الحاد في الصفقات.
+
ولكن ما جعل عبوسًا يرتسم على وجه بدر فور رؤيتهما، هو خطوة ثالثة مفاجئة، اقتحمت المكان برشاقة وجرأة؛ ميليسا، شقيقة ماتيا الصغرى، نزلت خلفه مباشرة. كانت حضورها له وقع خاص، فتوجّهت بدر بنظرة مليئة بالمزيج من الدهشة وعدم الرضا، وابتسمت ميليسا بابتسامة خفيفة، لا تحمل سوى الغموض والتحدي، لتزداد أجواء المكان توترًا وإثارة.
4
كانت الخيول تتحرك برشاقة حولهما، وكل ضوء خفيف يلقي بظلامه على الأرض المصفوفة بعناية، بينما بدر تحاول أن تحافظ على رباطة جأشها، رغم أن قلبها يخفق بشدة، فهي تعرف أنّ هذا اللقاء لن يكون عاديًا.
6
.....
+
