رواية بوتقة الحب الفصل العشرين 20 بقلم هدير الصعيدي
الفصل العشرين
الفرحة التي كانت تشعر بها كانت كفيلة بجعلها تتجاوز أي شيء يُزعجها , تعلم أن تصرفات زين باتت غريبة بحق فهو يهاتفها أكثر من ثلاث مرات باليوم على غير عادته وكل مكالمة تكاد تتجاوز النصف ساعة , يخرجا سويًا مرتين بالأسبوع ليبتاعا كل شيء من أجل زفافهما , حتى أنه أتى بفتاة لتساعدها بترتيب أغراضها بالشقة بشكل مختلف كي تشعر أنها عروس.
تلك الأفعال التي يقوم بها تَزيدها فرحة وتجعلها تُحلق عاليًا , لكنها تُلقي بنفس الوقت الخوف في قلبها من كون زين سيتغير فجأة كما بدأ كل ما يفعله معها الآن فجأة , ربما يُوهم نفسه بالفرحة أم تراه فرح حقًا ؟! , ذلك السؤال هو وحده القادر على إجابته , وكونها لا تمتلك إجابة للسؤال فتح ذلك بداخلها بابًا من القلق لا تستطيع إغلاقه.
نظرت بالمرآة تتأمل فستان زفافها الأبيض وتفاصيله البسيطة , لم تختار فستان منفوش , بل اختارت فستان رقيق في تصميمه منسدل فوق جسدها بنعومة , به عدة طبقات تعطيه رونقًا كفساتين الأميرات ولكنه ليس منفوش , ويعلو رأسها حجاب مزين بتاج صغير الجحم , عاونتها المساعدة في وضعه , تأملت زينة وجهها البسيطة وابتسمت بفرحة , سمعت طرقات على باب الغرفة دلفت عقبها هيام لتتسع ابتسامتها قائلة
- اللهم بارك .. سينبهر زين بكِ ما إن يراكِ
نظرت لها مزاهر بفرحة قبل أن تتساءل بشك
- حقًا سينبهر؟
أومأت هيام برأسها ثم خرجت كي تأتي بزين والذي ما إن دلف حتى اتسعت ابتسامته متسائلًا بمشاكسة باتت تعتادها مزاهر
- أين مزاهر ؟
لكزته والدته مبتسمة فاقترب يقبل جبينها قائلًا بابتسامة
- تبدين بغاية الجمال
توردت وجنتيها قائلة بخجل
- شكرًا لك
خرجت تتأبط ذراعه ثم استقلا برفقة والدته السيارة لينطلق زين حيث الحفل الذي اتفقا على إقامته وسط القليل من الأهل والأصدقاء.
استمر الحفل لساعتين قبل أن يخبرهما زين بابتسامة واسعة أن عليه أن يخطف العروس ويرحل سريعًا فلديهما موعد سفر بعد ثلاث ساعات.
وصلا المنزل فهتفت مزاهر بابتسامة واسعة
- لم أتوقع أن تكون تلك هى المفاجأة التي أخبرتني بها
كان ينظر لها وعلى وجهه ابتسامة واسعة دون أن يتحدث وتدريجيًا بدأت تلك الابتسامة في الزوال تحت نظراتها المستغربة , تساءلت باستغراب
- ما بك زين ؟
نظر لها قليلًا قبل أن يهتف بهدوء أربكها قليلًا بالبداية
- تلك ليست المفاجاة مزاهر
فكرت بحديثه بضعة ثواني قبل أن تتسع ابتسامتها قائلة
- كنت أعلم أن هناك شيئًا آخر
صفقت بيدها في فرحة قائلة برجاء وابتسامتها لازالت تزين ملامحها
- هيا أخبرني إذن
ظلت نظراته معلقة بها مما أثار القلق بداخلها , ولكنها لم تود إفساد الأمر بأفكارها تلك , تساءلت بنفس الابتسامة
- يجب أن نبدل ثيابنا كي نلحق بالطائرة أليس كذلك ؟
هتف بهدوء دون أن يُحيد بنظراته عنها
- لن نسافر
عقدت حاجبيها باستغراب قائلة
- ولكنك أخبرت الجميع أن لدينا سفرة و.......
قاطعها قائلًا بهدوء ومازالت نظراته مثبتة عليها كما هى
- ليس كل ما يقال حقيقة .. هناك بعض الأكاذيب التي تخرج من أصحابها وكأنها حقيقة
ارتبكت قليلًا , وزاد استغرابها أضعاف لتتساءل بعدم فهم
- ماذا تقصد ؟
ظل ينظر لها دون إجابة مما أربكها أكثر , دارت الأفكار بعقلها في خوف ليقطعها هو دفعة واحدة مُلقيًا تلك القنبلة أمامها
- أنتِ مثلًا ادعيتي عدم معرفتكِ بمنال وأنتِ تعرفينها
تزلزل كيانها بأكمله , شعرت بروحها تنسحب من جسدها وهى تحاول استيعاب ما تفوه به , ابتلعت ريقها بخوف , هل علم الحقيقة ! , هل ستهدم كافة أحلامها فوق رأسها الآن ! , لمَ أتت النهاية سريعًا هكذا !
ظهرت الدموع بعينيها لتهتف بخوف وتلعثم
- و..و .. ولكني لا أعرفها
صرخ بوجهها وقد ظهر الغضب بعينيه فانتفضت تنظر له برعب حقيقي
- لا تكذبي
بدأت دموعها تتساقط فوق وجنتيها وهى تنظر لملامحه التي تحولت للغضب فجأة , سار أمامها بلا هدى قائلًا
- الشبه .. المرض .. العلامة باليد .. أصناف الطعام التي أُحبها .. كنت أشك بكِ من البداية مزاهر
توقف فجأة ونظر لها قائلًا بغضب
- ولكن شهادة حق كنتِ بارعة في التمثيل .. لم أتخيل وجود إمرأة متلاعبة مثلك تتقن التمثيل والبراءة بتلك الطريقة
زاد بكاؤها فأكمل دون اهتمام بحالها
- حينما طلبت منك الزواج كنت أود التعرف إليكِ أكثر .. ولكن لا أخفيكِ سرًا كان شكوكي بكِ مازالت موجودة .. كنت أشعر أنكِ تخفين شيئًا ولكني لا أملك دليلًا على شعورى هذا حتى أتي اليوم الذي أمسكت به بمذكراتكِ وانتابكِ الغضب من فعلتي فزاد يقيني من أن هناك ما تخفيه ولم أكن أعلم كيف لي أن أرى تلك المذكرات ثانية حتى جاءتني االفرصة على طبق من ذهب حينما أخبرتيني بأن لديكِ صداع شديد
غطت فمها بيدها وهى لازالت تبكي فأكمل وهو ينظر لها بغضب شديد
- بضعة أسطر كانت كفيلة بتأكيد شكوكي .. رأيت عنوان المركز الذي كانت تذهب إليه منال والذي التقيتما به .. رأيت تدوينكِ لكل شيء عني كما أخبرتكِ منال تفصيلًا
صمت فاقتربت منه مزاهر قائلة ببكاء
- لم أقصد خداعك
ابتسم بسخرية قبل أن يهتف بغضب
- انتهت مزاهر
اتسعت عينيها برعب , أمسكت بيده فدفعها بغضب لتتساءل ببكاء
- ما الذي انتهى ؟
هتف بغضب وهو يشدد على حروفه
- انتهت تلك المهزلة التي قمتي بحياكة أطرافها مع منال
هزت رأسها يمنة ويسارًا قائلة ببكاء وهى تمسك بيده
- لا زين أنا أُحبك .. أنا لم أقصد خداعك .. أقسم لك أنني أحببتك
دفعها من جديد وتوجه إلى باب الشقة ينوي الخروج لتلحق به ترجوه ببكاء
- لا تتركني زين .. سأفعل ما تريد ولكن لا تتركني
نظر لها بغضب قائلًا قبل أن يدفعها ويخرج
- لا أريد رؤيتكِ مجددًا مزاهر
********
كانت تسير في الحديقة بغير هدى , وقفت تنظر لأوراق النعناع المزروعة ومالت تستنشقها لتنتفض على صوت موسى الذي تساءل بهدوء
- لمَ تعبثين بالنعناع خاصتي ؟
نظرت له بخضة قبل أن تهتف بضيق
- لقد أفزعتني .. ثم إنني لا أعبث به .. أنا فقط كنت أستنشقها
تساءل بهدوء
- هل تُحبين النعناع الأخضر ؟
أومأت إيجابًا قائلة
- أعشق الشاي بالنعناع .. كما أنني أستخدم أوراق النعناع أيضًا في بعض الوصفات بالمطبخ
رفع حاجبه قائلًا بهدوء
- لديكِ ذوق جيد في الطعام .. أنا أحب إضافة أوراق النعناع للأكل أيضًا
نظرت ثويبة بهاتفها الذي على رنينه قائلة بهدوء
- يبدو أن حسناء أعدت الفطور لذا هاتفتني
نظر لها ثم تساءل بهدوء
- استغنيتِ عن خدماتي بإخباركِ بأمر الطعام ؟
ارتبكت قائلة
- كلا ولكن لا أود إزعاجك أو تحميلك مسئوليتي
رفع كلا حاجبيه فهتفت بضيق
- أنت غير مسئول عني موسى .. لا أُحب أن أكون عبئ على أي شخص
هتف بجدية
- ولكنكِ لست كذلك .. أنا لست غاضبًا أو حانقًا من كوني مسئولًا عنكِ
تساءلت بنبرة منفعلة قليلًا
- ولمَ تكون مسئولًا عني ؟ .. هل أنا طفلة أمامك !
عقد حاجبيه باستغراب لانفعالها ثم تساءل باهتمام
- ما الأمر ثويبة ؟
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى ولم تعلق ثم هتفت وهى تخطو بعيدًا عنه متجهة للفيلا
- سأذهب لتناول الفطور
تابعها بعينيه فى استغراب قبل أن يلحق بها مُفكرًا بحالها المتغير معه وانفعالها الغير مبرر بالنسبة له , دلف فوجدها تجلس على المقعد وعلامات الحرج تبدو على ملامحها كعادتها بأغلب الأوقات , كانت نهال هى الأخرى جالسة وعلامات الضيق ظاهرة بوضوح فوق ملامحها , اقترب ملقيًا السلام ثم جلس , وما هى سوى عدة ثواني وجاء صالح ولحقت به قدرية ودارين ومنتصر , تناولوا الطعام في صمت , كان موسى يتابع بعينين كالصقر ثويبة التي يقسم أنها إن استطاعت أن تدلف بداخل المقعد لتختبئ عن أعينهم لفعلت , سعلت فجأة بقوة فوضع موسى كوب الماء بجانبه أمامها فحملته بحرج وهى تنظر لأعينهم التي كانت تراقب ما يحدث , ارتشفت القليل منه لتهتف قدرية بسخرية
- أخيرًا بات هناك من يخاف لأجلكِ ثويبة بل ويهتم بك
ارتبكت ثويبة , بينما احتدت نظرات موسى لينظر لزوجة أبيه قائلًا بابتسامة
- الجميع يُحب ثويبة ويخاف لأجلها .. وأعتقد أن هناك من كان يتلهف كي تنظر له ولكنكِ...............
قطع موسى حديثه قاصدًا ونظرلمنتصر باستخفاف لتجز نهال على أسنانها بغضب , أما قدرية فهتف بغضب
- لمَ قطعت حديثك البغيض .. هيا أكمل لننهض جميعنا عن الطاولة .. أليس هذا ما جئت لأجله .. أن تفرقنا
قهقه موسى ضاحكًا بقوة قبل أن يهتف بابتسامة واسعة
- أتظنيني جئت لأجل هذا
عاود الضحك من جديد لتزداد نظراتها غضبًا فهتف بنفس ابتسامته
- مسكينة زوجة أبي
ضربت قدرية بيدها الطاولة في غضب قائلة
- كفى موسى .. لقد سئمت من أفعالك وحديثك
أكمل موسى تناول طعامه ولم يعير حديثها اهتمامًا فهتف صالح بهدوء
- كفى قدرية .. هيا تناولي طعامكِ
نظرت له قدرية شرذًا لتهتف بفحيح أفعى
- هل يخرج صوتك من أجلي أنا !
نظر صالح حوله بحرج قبل أن يعاود تناول طعامه فهتفت قدرية موجهة حديثها لثويبة
- قطتكِ تلك لا تدعيها تدلف من جديد للفيلا .. يكفيها الحديقة وإلا سأفصل لكِ رأسها عن جسدها
اتسعت عيني ثويبة قبل أن تهتف بتردد
- دارين هى من أخبرتني أنها تود اللعب معها فأحضرتها لها
قاطعتها قدرية بغضب فانتفضت ثويبة
- لا تجادليني
كان موسى يتابع حديثهما بصمت أثار استغراب قدرية ولكنها اعتدلت في مقعدها تفرد ظهرها وهى تظنه قد خاف منها أخيرًا كما كان يفعل بصغره, وما أكد لها ذلك هو صمته حتى انتهى من تناول طعامه لينهض مغادرًا الفيلا بهدوء.
********
منذ أن كانت طفلة وهى تحتمي به من الجميع وكأنه المسئول عنها , كلما مرت بضائقة كان هو أول من يعرف بها , وما إن دق قلبها لفادي هرولت إليه تخبره , دومًا كانت تعتبره شقيقها الأكبر ورغم كل ذلك دومًا ما كانت تخشاه في غضبه وانفعالاته , كانت له هيبة تُخيفها في بعض الأوقات وبطلبه الزواج منها صفعها بقوة ليخبرها أنه لم يعد شقيقها , ولكن تلك لم تكن الصفعة الأخيرة التي تتلقاها من أحدهم ؛ فلقد صفعها قلبها صفعة أكبر لا تعلم كيف ستواجه عواقبها !
هزت رأسها يمنة ويسارًا , هى تُحب تميم كشقيقها وعليها إخراج تلك الأفكار من رأسها , تميم شقيقها فقط , جاء ينقذها من مشكلة وسينتهي دوره .
ولكن لا تعلم متى سينتهي , ولكن ما إن ينتهي دوره ويبتعد هل سيتزوج بأخرى !
شعرت بالغضب من تفكيرها ومن زواج تميم أيضًا من أخرى , ضمت قبضة يدها بقوة وجزت على أسنانها كي لا تصدر منها صرخة غاضبة , ما هذا الهراء الذي يدور بعقلها !
عليها التفكير الآن كيف ستعيد تميم , ولكن من أين لها أن تُعيده وهى لا تعلم أين ذهب وتركها وحدها !
لن تستطع إخباره بما تفكر به ؛ فكيف ستخبره أنها تخشى من كونها قد وقعت في حبه , وماذا إن لم يكن يبادلها مشاعرها !
كيف لها أن تتصرف الآن , وماذا إن عاد فادي فجأة , سينفجر رأسها من كثرة الأفكار التي تدور به بلا توقف , كلما ظنت أنها تخلصت من فكرة أتتها الأخرى مهرولة.
ظلت تجوب غرفة الفندق ذهابًا وإيابًا , فكرت في مهاتفته ولكنها تراجعت في خوف , نظرت بساعة هاتفها فوجدتها اقتربت من منتصف الليل , ترى أين ذهب كل هذا الوقت وبهذا المكان الأشبه بالصحراء بل هو كذلك , جلست على الفراش تهز ساقها بقلق وتوتر , هى مخطئة ولكنه هو من أغضبها بانفعاله وحديثه.
مررت كلتا يديها في شعرها حتى كادت تقتلعه لتسمع صوت فتح الباب , نهضت بلهفة فوجدته يدلف مغلقًا الباب فهتفت بتردد وخوف
- تميم
لم يعيرها اهتمامًا وتخطاها وكأنه لا يراها فهتفت باستياء
- أظنك عاقبتني بما يكفي .. لقد تركتني أموت قلقًا من التفكير طيلة اليوم أين ذهبت وماذا كنت تفعل ؟
لم يعلق ودلف للحمام مغلقًا الباب بهدوء , ألا يسمعها حقًا !
وقفت في انتظاره حتى خرج لتلتقي أعينهما فهتفت برجاء
- تميم أعلم أنني أخطأت وأنك غاضب ولكن أنا نادمة على ما فعلته و ....
قاطعها قائلًا بهدوء
- لا أريد أن أتحدث فيروز
نظرت له بحزن وهى تراه يذهب للمقعد كي يغفو فوقه , اقتربت منه قائلة بتردد
- لن تستطع النوم فوق المقعد .. فلتغفو فوق الفراش
نظر لها ولم يعلق ثم أغمض عينيه فهتفت برجاء
- تميم رجاءً انهض واغفو بالفراش
لم يعلق وظل مغمضًا عينيه فتوجهت للفراش تغفو وهى تتابعه بنظراتها حتى غفت , وبالصباح استيقظت لتجده يُغلق حقيبة السفر الخاصة به , تساءلت بنعاس
- كم الساعة ؟
رفع رأسه ينظر لها قليلًا قبل أن يهتف بهدوء
- فلتجهزي حقيبتكِ سنغادر بعد قليل
اتسعت عينيها ليضع حقيبته جانبًا دون أن يعيرها اهتمامًا ثم دلف للحمام فنهضت بملامح غاضبة تلملم أغراضها .
مرت ساعتين وكانت فيروز تجاوره بالسيارة عاقدة ساعديها بضيق وهى تنظر للطريق أمامها , اختلست النظرات تجاهه فوجدت ملامحه جامدة , طالت نظراتها فنظر لها فجأة ثم عاود التطلع أمامه لتنفض قائلة بخوف
- لقد أفزعتني
فركت يديها ثم تساءلت بتردد
- تميم .. لمَ غفوت ليلة أمس على المقعد؟ .. ألم تخبرني من قبل أنه غير مُريح لك و........
قطعت حديثها وهى لا تعرف ماذا تخبره , هزت ساقها قبل أن تتساءل بحزن
- هل ستظل غاضب مني ؟!
لم يجيبها وظلت نظراته مسلطة على الطريق أمامه فوضعت يدها على ذراعه تهزه قائلة
- تميم
تساءل بمضض
- ماذا تريدي فيروز ؟
اعتدلت في جلستها قائلة برجاء
- أريدك أن تسامحني .. أعلم أنني أخطأت ولكني ....
قاطعها قائلًا بغضب
- أخطأتي !! .. وهل تخطئين فيروز .. أنا فقط من أُخطئ .. أنا عديم الكرامة الذي أتيت طالبًا الزواج منكِ وأنتِ ....
قاطعته قائلة بأعين دامعة ندمًا
- أعتذر عن غباء ما تفوهت به .. كنت فقط غاضبة
نظرلها فلمح الدموع بعينيها , عاود التطلع أمامه متسائلًا بقلب رق لرؤية دموعها
- لمَ تبكين ؟ ..هل أيضًا لأجل .......
قاطعته من جديد قائلة ببكاء وقد بدأت دموعها تتساقط فوق وجنتيها
- أبكي لأنني أغضبتك تميم .. أعتذر منك حقًا
اختلس النظرات لها , دموعها أطفأت لهيب غضبه ونيرانه المشتعلة بسبب حديثها , رق قلبه لصوت تنهيدتها واعتذراها فهتف بصدق
- لاتبكي فيروز .. لم أعد غاضبًا
مسحت دموعها بكف يدها متسائلة بشك
- حقًا لست غاضبًا ؟
ربت فوق يدها قائلًا بحب
- حقًا لم أعد غاضبًا
نظرت ليده التي تربت فوق يدها وشردت بتفكيرها , انتبه لنظرتها فسحب يده قائلًا بابتسامة وهو يقرص وجنتها
- سأعوضكِ عن تلك السفرة إن شاء الله بوقت لاحق
نظرت له وابتسمت , فهتف مشاكسًا
- تبدين رائعة وأنتِ مطيعة هكذا
رن هاتفه فأخرجه من جيب سترته ونظر للمتصل قبل أن يُغلقه ويضعه من جديد كما كان تحت نظراتها فتساءلت بتردد
- لمَ لم تُجيب ؟
هتف بهدوء وهو ينظر للطريق أمامه
- مكالمة عمل غير هامة .. سأهاتف المتصل بوقت لاحق إن شاء الله
ابتسمت ابتسامة باهتة ثم هتفت بتهكم
- كثرت مكالمات العمل الخاصة بك
نظر لها ثم عاود التطلع للطريق أمامه قائلًا
- لست مرتاحًا لأسئلتكِ تلك ..كما أنني أشعر بنبرة سخرية بحديثكِ
لم تعلق فأخرج هاتفه قائلًا وهو يوصله بالسيارة
- سأهاتف الشركة كي تتأكدي أنني لا أكذب
نظرت له بطرف عينيها , صدح بالعربة صوت فتاة أخبرها تميم هامسًا أنها مديرة مكتبه , ظلت تتابع حديثهما بغير رضا حتى أنهى تميم المكالمة قائلًا بابتسامة
- تأكدتِ من أنني لا أكذب
هتفت باستياء
- كنت أظن أن مديرة مكتبك سيدة كبيرة بالعمر .. لقد أخبرني أبي بذلك ذات مرة.. هل صوت السيدة الخمسينية هكذا !
ضحك رغمًا عنه فتساءلت بضيق
- ما المضحك بحديثي ؟
هز رأسه قائلًا بابتسامة
- فيروز تلك الخمسينية تركت العمل منذ فترة وأتى لي خالد بتلك الفتاة
لم تعلق على حديثه ونظرت للطريق بجانبها فاختلس النظرات لها وابتسم , ظل الصمت يخيم لفترة حتى قطعته متسائلة بغيرة
- هل ستذهب للشركة اليوم ؟
ابتسم رغمًا عنه فتساءلت بضيق
- ما تلك السعادة التي ارتسمت فوق ملامحك ؟
نظر لها قائلًا بنفس الابتسامة
- ربما أمر قليلًا .. هل تودين أن ترافقيني ؟ .. لن أمكث كثيرًا
عقدت ساعديها ونظرت للطريق بجانبها قائلة
- سأفكر بالأمر
********
لم تكن تدري كيف ستتوجه للشركة بتلك الهيئة المذرية ؛ عينيها متورمة من أثر البكاء وملامحها شاحبه فهى لم تأكل شيئًا منذ يومين , كانت تكتفي فقط بشرب الماء.
اعتقدت أن بمحادثتها مع رشدي وطلب العمل برفقته ستتحسن حالتها , ولكنها ساءت أكثر فبعد أن أنهت المكالمة معه تذكرت الشركة وكيف خطت لأول مرة بها برفقة جدها ومعتصم , كيف تشربت العمل من جدها ومعتصم حتى تفوقت عليهما وبات جدها يضرب بها المثل في النشاط والتفوق والذكاء.
انهالت عليها الذكريات دفعة واحدة فانهارت مقاومتها الواهية ونزعت عنها رداء القوة الذي تتشبث به أمام الجميع حتى نفسها في بعض الأحيان.
ارتمت فوق الفراش بإعياء شديد بعد أن أنهت المكالمة مع رشدي تعتذر منه عن موعدهما ليخبرها أنه هو الآخر كان سيعتذر منها فابنته مريضة ولن يستطع تركها , أمسكت برأسها وهى تشعر بدوار يعصف بها , تحاملت على نفسها ونهضت تجر ساقيها للمطبخ كي تأكل شيئًا فإن سقطت لن ينجدها أحد فهى باتت وحيدة بعد أن كانت وسط عائلة ينظر إليها الجميع بانبهار يتمنون الانضمام إليها , ولكن جدها أبى ذلك وقرر هدم تلك العائلة فوق رأسها وحدها , فرغم كل ما حدث هي الخاسرة الوحيدة في تلك القضية.
لقد تمزق قلبها إربًا , وكيف له ألا يتمزق وقد نُزع عنه الحب والأمان , لن ترى معتصم ثانية ولن يحققا حلمهما في رؤية أطفالها يركضون حولهما.
قاطع أفكارها رنين جرس الباب فعقدت حاجبيها باستغراب ؛ من سيأتيها الآن , أوشكت الساعة على العاشرة صباحًا , دفعت جسدها دفعًا حتى وصلت للباب لتتساءل بإعياء
- من ؟
أجابها صوت رجل لا تعرفه فعقدت حاجبيها باستغراب , فتحت الباب ونظرت للرجل الذي كان يبدو عليه الغضب , تساءلت برؤية مشوشة قليلًا
- ما الأمر ؟
نظر لهيئتها باستغراب قبل أن يتذكر ما أتي من أجله فهتف بغضب
- أخبرت حارس البناية أن يخبركِ أن تُصلحي الحمام الخاص بكِ
قاطعته قائلة وهى تفرك جبهتها بتعب شديد
- أي حمام ؟ .. عن ماذا تتحدث ؟
تساءل بقلق وهو يرى حالتها
- هل أنتِ بخير سيدتي ؟
نظرت له بعينين زائغتين , أغمضت عينيها ثم عاودت فتحهما مجددًا قائلة بشحوب
- أشعر أنني سأسقط
أنهت حديثها وسقطت أمامه مغشيًا عليها فاتسعت عينيه هلعًا.
...................
يتبع
الفرحة التي كانت تشعر بها كانت كفيلة بجعلها تتجاوز أي شيء يُزعجها , تعلم أن تصرفات زين باتت غريبة بحق فهو يهاتفها أكثر من ثلاث مرات باليوم على غير عادته وكل مكالمة تكاد تتجاوز النصف ساعة , يخرجا سويًا مرتين بالأسبوع ليبتاعا كل شيء من أجل زفافهما , حتى أنه أتى بفتاة لتساعدها بترتيب أغراضها بالشقة بشكل مختلف كي تشعر أنها عروس.
تلك الأفعال التي يقوم بها تَزيدها فرحة وتجعلها تُحلق عاليًا , لكنها تُلقي بنفس الوقت الخوف في قلبها من كون زين سيتغير فجأة كما بدأ كل ما يفعله معها الآن فجأة , ربما يُوهم نفسه بالفرحة أم تراه فرح حقًا ؟! , ذلك السؤال هو وحده القادر على إجابته , وكونها لا تمتلك إجابة للسؤال فتح ذلك بداخلها بابًا من القلق لا تستطيع إغلاقه.
نظرت بالمرآة تتأمل فستان زفافها الأبيض وتفاصيله البسيطة , لم تختار فستان منفوش , بل اختارت فستان رقيق في تصميمه منسدل فوق جسدها بنعومة , به عدة طبقات تعطيه رونقًا كفساتين الأميرات ولكنه ليس منفوش , ويعلو رأسها حجاب مزين بتاج صغير الجحم , عاونتها المساعدة في وضعه , تأملت زينة وجهها البسيطة وابتسمت بفرحة , سمعت طرقات على باب الغرفة دلفت عقبها هيام لتتسع ابتسامتها قائلة
- اللهم بارك .. سينبهر زين بكِ ما إن يراكِ
نظرت لها مزاهر بفرحة قبل أن تتساءل بشك
- حقًا سينبهر؟
أومأت هيام برأسها ثم خرجت كي تأتي بزين والذي ما إن دلف حتى اتسعت ابتسامته متسائلًا بمشاكسة باتت تعتادها مزاهر
- أين مزاهر ؟
لكزته والدته مبتسمة فاقترب يقبل جبينها قائلًا بابتسامة
- تبدين بغاية الجمال
توردت وجنتيها قائلة بخجل
- شكرًا لك
خرجت تتأبط ذراعه ثم استقلا برفقة والدته السيارة لينطلق زين حيث الحفل الذي اتفقا على إقامته وسط القليل من الأهل والأصدقاء.
استمر الحفل لساعتين قبل أن يخبرهما زين بابتسامة واسعة أن عليه أن يخطف العروس ويرحل سريعًا فلديهما موعد سفر بعد ثلاث ساعات.
وصلا المنزل فهتفت مزاهر بابتسامة واسعة
- لم أتوقع أن تكون تلك هى المفاجأة التي أخبرتني بها
كان ينظر لها وعلى وجهه ابتسامة واسعة دون أن يتحدث وتدريجيًا بدأت تلك الابتسامة في الزوال تحت نظراتها المستغربة , تساءلت باستغراب
- ما بك زين ؟
نظر لها قليلًا قبل أن يهتف بهدوء أربكها قليلًا بالبداية
- تلك ليست المفاجاة مزاهر
فكرت بحديثه بضعة ثواني قبل أن تتسع ابتسامتها قائلة
- كنت أعلم أن هناك شيئًا آخر
صفقت بيدها في فرحة قائلة برجاء وابتسامتها لازالت تزين ملامحها
- هيا أخبرني إذن
ظلت نظراته معلقة بها مما أثار القلق بداخلها , ولكنها لم تود إفساد الأمر بأفكارها تلك , تساءلت بنفس الابتسامة
- يجب أن نبدل ثيابنا كي نلحق بالطائرة أليس كذلك ؟
هتف بهدوء دون أن يُحيد بنظراته عنها
- لن نسافر
عقدت حاجبيها باستغراب قائلة
- ولكنك أخبرت الجميع أن لدينا سفرة و.......
قاطعها قائلًا بهدوء ومازالت نظراته مثبتة عليها كما هى
- ليس كل ما يقال حقيقة .. هناك بعض الأكاذيب التي تخرج من أصحابها وكأنها حقيقة
ارتبكت قليلًا , وزاد استغرابها أضعاف لتتساءل بعدم فهم
- ماذا تقصد ؟
ظل ينظر لها دون إجابة مما أربكها أكثر , دارت الأفكار بعقلها في خوف ليقطعها هو دفعة واحدة مُلقيًا تلك القنبلة أمامها
- أنتِ مثلًا ادعيتي عدم معرفتكِ بمنال وأنتِ تعرفينها
تزلزل كيانها بأكمله , شعرت بروحها تنسحب من جسدها وهى تحاول استيعاب ما تفوه به , ابتلعت ريقها بخوف , هل علم الحقيقة ! , هل ستهدم كافة أحلامها فوق رأسها الآن ! , لمَ أتت النهاية سريعًا هكذا !
ظهرت الدموع بعينيها لتهتف بخوف وتلعثم
- و..و .. ولكني لا أعرفها
صرخ بوجهها وقد ظهر الغضب بعينيه فانتفضت تنظر له برعب حقيقي
- لا تكذبي
بدأت دموعها تتساقط فوق وجنتيها وهى تنظر لملامحه التي تحولت للغضب فجأة , سار أمامها بلا هدى قائلًا
- الشبه .. المرض .. العلامة باليد .. أصناف الطعام التي أُحبها .. كنت أشك بكِ من البداية مزاهر
توقف فجأة ونظر لها قائلًا بغضب
- ولكن شهادة حق كنتِ بارعة في التمثيل .. لم أتخيل وجود إمرأة متلاعبة مثلك تتقن التمثيل والبراءة بتلك الطريقة
زاد بكاؤها فأكمل دون اهتمام بحالها
- حينما طلبت منك الزواج كنت أود التعرف إليكِ أكثر .. ولكن لا أخفيكِ سرًا كان شكوكي بكِ مازالت موجودة .. كنت أشعر أنكِ تخفين شيئًا ولكني لا أملك دليلًا على شعورى هذا حتى أتي اليوم الذي أمسكت به بمذكراتكِ وانتابكِ الغضب من فعلتي فزاد يقيني من أن هناك ما تخفيه ولم أكن أعلم كيف لي أن أرى تلك المذكرات ثانية حتى جاءتني االفرصة على طبق من ذهب حينما أخبرتيني بأن لديكِ صداع شديد
غطت فمها بيدها وهى لازالت تبكي فأكمل وهو ينظر لها بغضب شديد
- بضعة أسطر كانت كفيلة بتأكيد شكوكي .. رأيت عنوان المركز الذي كانت تذهب إليه منال والذي التقيتما به .. رأيت تدوينكِ لكل شيء عني كما أخبرتكِ منال تفصيلًا
صمت فاقتربت منه مزاهر قائلة ببكاء
- لم أقصد خداعك
ابتسم بسخرية قبل أن يهتف بغضب
- انتهت مزاهر
اتسعت عينيها برعب , أمسكت بيده فدفعها بغضب لتتساءل ببكاء
- ما الذي انتهى ؟
هتف بغضب وهو يشدد على حروفه
- انتهت تلك المهزلة التي قمتي بحياكة أطرافها مع منال
هزت رأسها يمنة ويسارًا قائلة ببكاء وهى تمسك بيده
- لا زين أنا أُحبك .. أنا لم أقصد خداعك .. أقسم لك أنني أحببتك
دفعها من جديد وتوجه إلى باب الشقة ينوي الخروج لتلحق به ترجوه ببكاء
- لا تتركني زين .. سأفعل ما تريد ولكن لا تتركني
نظر لها بغضب قائلًا قبل أن يدفعها ويخرج
- لا أريد رؤيتكِ مجددًا مزاهر
********
كانت تسير في الحديقة بغير هدى , وقفت تنظر لأوراق النعناع المزروعة ومالت تستنشقها لتنتفض على صوت موسى الذي تساءل بهدوء
- لمَ تعبثين بالنعناع خاصتي ؟
نظرت له بخضة قبل أن تهتف بضيق
- لقد أفزعتني .. ثم إنني لا أعبث به .. أنا فقط كنت أستنشقها
تساءل بهدوء
- هل تُحبين النعناع الأخضر ؟
أومأت إيجابًا قائلة
- أعشق الشاي بالنعناع .. كما أنني أستخدم أوراق النعناع أيضًا في بعض الوصفات بالمطبخ
رفع حاجبه قائلًا بهدوء
- لديكِ ذوق جيد في الطعام .. أنا أحب إضافة أوراق النعناع للأكل أيضًا
نظرت ثويبة بهاتفها الذي على رنينه قائلة بهدوء
- يبدو أن حسناء أعدت الفطور لذا هاتفتني
نظر لها ثم تساءل بهدوء
- استغنيتِ عن خدماتي بإخباركِ بأمر الطعام ؟
ارتبكت قائلة
- كلا ولكن لا أود إزعاجك أو تحميلك مسئوليتي
رفع كلا حاجبيه فهتفت بضيق
- أنت غير مسئول عني موسى .. لا أُحب أن أكون عبئ على أي شخص
هتف بجدية
- ولكنكِ لست كذلك .. أنا لست غاضبًا أو حانقًا من كوني مسئولًا عنكِ
تساءلت بنبرة منفعلة قليلًا
- ولمَ تكون مسئولًا عني ؟ .. هل أنا طفلة أمامك !
عقد حاجبيه باستغراب لانفعالها ثم تساءل باهتمام
- ما الأمر ثويبة ؟
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى ولم تعلق ثم هتفت وهى تخطو بعيدًا عنه متجهة للفيلا
- سأذهب لتناول الفطور
تابعها بعينيه فى استغراب قبل أن يلحق بها مُفكرًا بحالها المتغير معه وانفعالها الغير مبرر بالنسبة له , دلف فوجدها تجلس على المقعد وعلامات الحرج تبدو على ملامحها كعادتها بأغلب الأوقات , كانت نهال هى الأخرى جالسة وعلامات الضيق ظاهرة بوضوح فوق ملامحها , اقترب ملقيًا السلام ثم جلس , وما هى سوى عدة ثواني وجاء صالح ولحقت به قدرية ودارين ومنتصر , تناولوا الطعام في صمت , كان موسى يتابع بعينين كالصقر ثويبة التي يقسم أنها إن استطاعت أن تدلف بداخل المقعد لتختبئ عن أعينهم لفعلت , سعلت فجأة بقوة فوضع موسى كوب الماء بجانبه أمامها فحملته بحرج وهى تنظر لأعينهم التي كانت تراقب ما يحدث , ارتشفت القليل منه لتهتف قدرية بسخرية
- أخيرًا بات هناك من يخاف لأجلكِ ثويبة بل ويهتم بك
ارتبكت ثويبة , بينما احتدت نظرات موسى لينظر لزوجة أبيه قائلًا بابتسامة
- الجميع يُحب ثويبة ويخاف لأجلها .. وأعتقد أن هناك من كان يتلهف كي تنظر له ولكنكِ...............
قطع موسى حديثه قاصدًا ونظرلمنتصر باستخفاف لتجز نهال على أسنانها بغضب , أما قدرية فهتف بغضب
- لمَ قطعت حديثك البغيض .. هيا أكمل لننهض جميعنا عن الطاولة .. أليس هذا ما جئت لأجله .. أن تفرقنا
قهقه موسى ضاحكًا بقوة قبل أن يهتف بابتسامة واسعة
- أتظنيني جئت لأجل هذا
عاود الضحك من جديد لتزداد نظراتها غضبًا فهتف بنفس ابتسامته
- مسكينة زوجة أبي
ضربت قدرية بيدها الطاولة في غضب قائلة
- كفى موسى .. لقد سئمت من أفعالك وحديثك
أكمل موسى تناول طعامه ولم يعير حديثها اهتمامًا فهتف صالح بهدوء
- كفى قدرية .. هيا تناولي طعامكِ
نظرت له قدرية شرذًا لتهتف بفحيح أفعى
- هل يخرج صوتك من أجلي أنا !
نظر صالح حوله بحرج قبل أن يعاود تناول طعامه فهتفت قدرية موجهة حديثها لثويبة
- قطتكِ تلك لا تدعيها تدلف من جديد للفيلا .. يكفيها الحديقة وإلا سأفصل لكِ رأسها عن جسدها
اتسعت عيني ثويبة قبل أن تهتف بتردد
- دارين هى من أخبرتني أنها تود اللعب معها فأحضرتها لها
قاطعتها قدرية بغضب فانتفضت ثويبة
- لا تجادليني
كان موسى يتابع حديثهما بصمت أثار استغراب قدرية ولكنها اعتدلت في مقعدها تفرد ظهرها وهى تظنه قد خاف منها أخيرًا كما كان يفعل بصغره, وما أكد لها ذلك هو صمته حتى انتهى من تناول طعامه لينهض مغادرًا الفيلا بهدوء.
********
منذ أن كانت طفلة وهى تحتمي به من الجميع وكأنه المسئول عنها , كلما مرت بضائقة كان هو أول من يعرف بها , وما إن دق قلبها لفادي هرولت إليه تخبره , دومًا كانت تعتبره شقيقها الأكبر ورغم كل ذلك دومًا ما كانت تخشاه في غضبه وانفعالاته , كانت له هيبة تُخيفها في بعض الأوقات وبطلبه الزواج منها صفعها بقوة ليخبرها أنه لم يعد شقيقها , ولكن تلك لم تكن الصفعة الأخيرة التي تتلقاها من أحدهم ؛ فلقد صفعها قلبها صفعة أكبر لا تعلم كيف ستواجه عواقبها !
هزت رأسها يمنة ويسارًا , هى تُحب تميم كشقيقها وعليها إخراج تلك الأفكار من رأسها , تميم شقيقها فقط , جاء ينقذها من مشكلة وسينتهي دوره .
ولكن لا تعلم متى سينتهي , ولكن ما إن ينتهي دوره ويبتعد هل سيتزوج بأخرى !
شعرت بالغضب من تفكيرها ومن زواج تميم أيضًا من أخرى , ضمت قبضة يدها بقوة وجزت على أسنانها كي لا تصدر منها صرخة غاضبة , ما هذا الهراء الذي يدور بعقلها !
عليها التفكير الآن كيف ستعيد تميم , ولكن من أين لها أن تُعيده وهى لا تعلم أين ذهب وتركها وحدها !
لن تستطع إخباره بما تفكر به ؛ فكيف ستخبره أنها تخشى من كونها قد وقعت في حبه , وماذا إن لم يكن يبادلها مشاعرها !
كيف لها أن تتصرف الآن , وماذا إن عاد فادي فجأة , سينفجر رأسها من كثرة الأفكار التي تدور به بلا توقف , كلما ظنت أنها تخلصت من فكرة أتتها الأخرى مهرولة.
ظلت تجوب غرفة الفندق ذهابًا وإيابًا , فكرت في مهاتفته ولكنها تراجعت في خوف , نظرت بساعة هاتفها فوجدتها اقتربت من منتصف الليل , ترى أين ذهب كل هذا الوقت وبهذا المكان الأشبه بالصحراء بل هو كذلك , جلست على الفراش تهز ساقها بقلق وتوتر , هى مخطئة ولكنه هو من أغضبها بانفعاله وحديثه.
مررت كلتا يديها في شعرها حتى كادت تقتلعه لتسمع صوت فتح الباب , نهضت بلهفة فوجدته يدلف مغلقًا الباب فهتفت بتردد وخوف
- تميم
لم يعيرها اهتمامًا وتخطاها وكأنه لا يراها فهتفت باستياء
- أظنك عاقبتني بما يكفي .. لقد تركتني أموت قلقًا من التفكير طيلة اليوم أين ذهبت وماذا كنت تفعل ؟
لم يعلق ودلف للحمام مغلقًا الباب بهدوء , ألا يسمعها حقًا !
وقفت في انتظاره حتى خرج لتلتقي أعينهما فهتفت برجاء
- تميم أعلم أنني أخطأت وأنك غاضب ولكن أنا نادمة على ما فعلته و ....
قاطعها قائلًا بهدوء
- لا أريد أن أتحدث فيروز
نظرت له بحزن وهى تراه يذهب للمقعد كي يغفو فوقه , اقتربت منه قائلة بتردد
- لن تستطع النوم فوق المقعد .. فلتغفو فوق الفراش
نظر لها ولم يعلق ثم أغمض عينيه فهتفت برجاء
- تميم رجاءً انهض واغفو بالفراش
لم يعلق وظل مغمضًا عينيه فتوجهت للفراش تغفو وهى تتابعه بنظراتها حتى غفت , وبالصباح استيقظت لتجده يُغلق حقيبة السفر الخاصة به , تساءلت بنعاس
- كم الساعة ؟
رفع رأسه ينظر لها قليلًا قبل أن يهتف بهدوء
- فلتجهزي حقيبتكِ سنغادر بعد قليل
اتسعت عينيها ليضع حقيبته جانبًا دون أن يعيرها اهتمامًا ثم دلف للحمام فنهضت بملامح غاضبة تلملم أغراضها .
مرت ساعتين وكانت فيروز تجاوره بالسيارة عاقدة ساعديها بضيق وهى تنظر للطريق أمامها , اختلست النظرات تجاهه فوجدت ملامحه جامدة , طالت نظراتها فنظر لها فجأة ثم عاود التطلع أمامه لتنفض قائلة بخوف
- لقد أفزعتني
فركت يديها ثم تساءلت بتردد
- تميم .. لمَ غفوت ليلة أمس على المقعد؟ .. ألم تخبرني من قبل أنه غير مُريح لك و........
قطعت حديثها وهى لا تعرف ماذا تخبره , هزت ساقها قبل أن تتساءل بحزن
- هل ستظل غاضب مني ؟!
لم يجيبها وظلت نظراته مسلطة على الطريق أمامه فوضعت يدها على ذراعه تهزه قائلة
- تميم
تساءل بمضض
- ماذا تريدي فيروز ؟
اعتدلت في جلستها قائلة برجاء
- أريدك أن تسامحني .. أعلم أنني أخطأت ولكني ....
قاطعها قائلًا بغضب
- أخطأتي !! .. وهل تخطئين فيروز .. أنا فقط من أُخطئ .. أنا عديم الكرامة الذي أتيت طالبًا الزواج منكِ وأنتِ ....
قاطعته قائلة بأعين دامعة ندمًا
- أعتذر عن غباء ما تفوهت به .. كنت فقط غاضبة
نظرلها فلمح الدموع بعينيها , عاود التطلع أمامه متسائلًا بقلب رق لرؤية دموعها
- لمَ تبكين ؟ ..هل أيضًا لأجل .......
قاطعته من جديد قائلة ببكاء وقد بدأت دموعها تتساقط فوق وجنتيها
- أبكي لأنني أغضبتك تميم .. أعتذر منك حقًا
اختلس النظرات لها , دموعها أطفأت لهيب غضبه ونيرانه المشتعلة بسبب حديثها , رق قلبه لصوت تنهيدتها واعتذراها فهتف بصدق
- لاتبكي فيروز .. لم أعد غاضبًا
مسحت دموعها بكف يدها متسائلة بشك
- حقًا لست غاضبًا ؟
ربت فوق يدها قائلًا بحب
- حقًا لم أعد غاضبًا
نظرت ليده التي تربت فوق يدها وشردت بتفكيرها , انتبه لنظرتها فسحب يده قائلًا بابتسامة وهو يقرص وجنتها
- سأعوضكِ عن تلك السفرة إن شاء الله بوقت لاحق
نظرت له وابتسمت , فهتف مشاكسًا
- تبدين رائعة وأنتِ مطيعة هكذا
رن هاتفه فأخرجه من جيب سترته ونظر للمتصل قبل أن يُغلقه ويضعه من جديد كما كان تحت نظراتها فتساءلت بتردد
- لمَ لم تُجيب ؟
هتف بهدوء وهو ينظر للطريق أمامه
- مكالمة عمل غير هامة .. سأهاتف المتصل بوقت لاحق إن شاء الله
ابتسمت ابتسامة باهتة ثم هتفت بتهكم
- كثرت مكالمات العمل الخاصة بك
نظر لها ثم عاود التطلع للطريق أمامه قائلًا
- لست مرتاحًا لأسئلتكِ تلك ..كما أنني أشعر بنبرة سخرية بحديثكِ
لم تعلق فأخرج هاتفه قائلًا وهو يوصله بالسيارة
- سأهاتف الشركة كي تتأكدي أنني لا أكذب
نظرت له بطرف عينيها , صدح بالعربة صوت فتاة أخبرها تميم هامسًا أنها مديرة مكتبه , ظلت تتابع حديثهما بغير رضا حتى أنهى تميم المكالمة قائلًا بابتسامة
- تأكدتِ من أنني لا أكذب
هتفت باستياء
- كنت أظن أن مديرة مكتبك سيدة كبيرة بالعمر .. لقد أخبرني أبي بذلك ذات مرة.. هل صوت السيدة الخمسينية هكذا !
ضحك رغمًا عنه فتساءلت بضيق
- ما المضحك بحديثي ؟
هز رأسه قائلًا بابتسامة
- فيروز تلك الخمسينية تركت العمل منذ فترة وأتى لي خالد بتلك الفتاة
لم تعلق على حديثه ونظرت للطريق بجانبها فاختلس النظرات لها وابتسم , ظل الصمت يخيم لفترة حتى قطعته متسائلة بغيرة
- هل ستذهب للشركة اليوم ؟
ابتسم رغمًا عنه فتساءلت بضيق
- ما تلك السعادة التي ارتسمت فوق ملامحك ؟
نظر لها قائلًا بنفس الابتسامة
- ربما أمر قليلًا .. هل تودين أن ترافقيني ؟ .. لن أمكث كثيرًا
عقدت ساعديها ونظرت للطريق بجانبها قائلة
- سأفكر بالأمر
********
لم تكن تدري كيف ستتوجه للشركة بتلك الهيئة المذرية ؛ عينيها متورمة من أثر البكاء وملامحها شاحبه فهى لم تأكل شيئًا منذ يومين , كانت تكتفي فقط بشرب الماء.
اعتقدت أن بمحادثتها مع رشدي وطلب العمل برفقته ستتحسن حالتها , ولكنها ساءت أكثر فبعد أن أنهت المكالمة معه تذكرت الشركة وكيف خطت لأول مرة بها برفقة جدها ومعتصم , كيف تشربت العمل من جدها ومعتصم حتى تفوقت عليهما وبات جدها يضرب بها المثل في النشاط والتفوق والذكاء.
انهالت عليها الذكريات دفعة واحدة فانهارت مقاومتها الواهية ونزعت عنها رداء القوة الذي تتشبث به أمام الجميع حتى نفسها في بعض الأحيان.
ارتمت فوق الفراش بإعياء شديد بعد أن أنهت المكالمة مع رشدي تعتذر منه عن موعدهما ليخبرها أنه هو الآخر كان سيعتذر منها فابنته مريضة ولن يستطع تركها , أمسكت برأسها وهى تشعر بدوار يعصف بها , تحاملت على نفسها ونهضت تجر ساقيها للمطبخ كي تأكل شيئًا فإن سقطت لن ينجدها أحد فهى باتت وحيدة بعد أن كانت وسط عائلة ينظر إليها الجميع بانبهار يتمنون الانضمام إليها , ولكن جدها أبى ذلك وقرر هدم تلك العائلة فوق رأسها وحدها , فرغم كل ما حدث هي الخاسرة الوحيدة في تلك القضية.
لقد تمزق قلبها إربًا , وكيف له ألا يتمزق وقد نُزع عنه الحب والأمان , لن ترى معتصم ثانية ولن يحققا حلمهما في رؤية أطفالها يركضون حولهما.
قاطع أفكارها رنين جرس الباب فعقدت حاجبيها باستغراب ؛ من سيأتيها الآن , أوشكت الساعة على العاشرة صباحًا , دفعت جسدها دفعًا حتى وصلت للباب لتتساءل بإعياء
- من ؟
أجابها صوت رجل لا تعرفه فعقدت حاجبيها باستغراب , فتحت الباب ونظرت للرجل الذي كان يبدو عليه الغضب , تساءلت برؤية مشوشة قليلًا
- ما الأمر ؟
نظر لهيئتها باستغراب قبل أن يتذكر ما أتي من أجله فهتف بغضب
- أخبرت حارس البناية أن يخبركِ أن تُصلحي الحمام الخاص بكِ
قاطعته قائلة وهى تفرك جبهتها بتعب شديد
- أي حمام ؟ .. عن ماذا تتحدث ؟
تساءل بقلق وهو يرى حالتها
- هل أنتِ بخير سيدتي ؟
نظرت له بعينين زائغتين , أغمضت عينيها ثم عاودت فتحهما مجددًا قائلة بشحوب
- أشعر أنني سأسقط
أنهت حديثها وسقطت أمامه مغشيًا عليها فاتسعت عينيه هلعًا.
...................
يتبع