اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل العشرين 20 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل العشرين 20 بقلم سهي الشريف


20 | حُلُمِي فيكِ لا يُصدّ


                                              
لبيك وإن قست القلوب، 
لبيك وإن فاضت الذنوب، لبيك إنا عائدون، 
تائبون، نادمون.. لبيك إن العيش عيش الآخرة
لبيك ما شقى قلب لجأ إليك، 
لبيك اللهم عفوًا وعافية، 
لبيك اللهم إجابةً بعد إجابة،
لبيك رضا وحسن خاتمة، 
لبيك ربي وإن لم أكن بين الحجيج ملبيًا …

+


_ لا تنسوا إخوانكم في غزة و السودان و اليمن و سوريا لا تنسوا المسلمين المُستضعفين في كل مكان، ضموهم في دعائكم و تتبعوا أخبارهم وسلوا الله لهم السلامة و الثبات. 

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_العشرون
#سهى_الشريف 

+


_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .

+


« قراءة مُمتعة »

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


هبطت "هَـنا " على درجات السُلم بخطوات سريعة مُرتدية زيّها الطبي لكونها تأخرت عن الموعد الذي استأذنته في التأخير فقررت إرتدائه قبل الخروج لكي لا تُضيع وقتها هُناك بتبديل ملابسها .

+


لقد كان زيّها الطبي الأزرق القاتم يُعبّر عن انتمائها لمجال الصحة ، فتكونت من بلوزة فضفاضة قصيرة الاكمام وبنطالًا مريحًا من نفس اللون، ووضعت تحتها قميصًا أبيضًا بأكمام طويلة حفاظًا على الاحتشام ، بينما التفّ حول رأسها حجابٌ أبيض بسيط، مرتب بإحكام ليمنحها مظهرًا عمليًا دون أن يفقد أناقته.

+


وعلى صدرها تدلّت بطاقة تعريفية ومفتاح، وحملت حقيبة سوداء رفعت إحدى ذراعيها على كتفها .

+


كانت تهبط الدرجات بتعجُل قبل أن تتوقف خطواتها فجأة حين خرج " مراد " في ذات اللحظه من شِقة " عم منصور " الذي توقف يبتسم لها :

+


- أزيك يا بنتي عاملة إيه؟

+


توقفت " هَـنا " تتنفس ببطء و أجابت: 

+


- أنا الحمد لله،  إنت بخير عمو ! صحتك كويسة ؟

+


- بخير بخير متقلقيش. 

+


ابتسمت " هَـنا " بخفوت قبل أن تنقل بصرها للساكن في وسط ذاك الحوار دون النبس بكلمة يُتابعها قبل أن يقول بتسلية :

+


- طيب بما إنك نازلة خديني في طريقك لمكان عربيتي .

+


لم تُجبه " هَـنا " لكنها نقلت بصرها لعم منصور وهتفت :

+


- هتعوز مني حاجه يا عم منصور ؟ أنا نازلة المستشفى..

+


- في آمان الله .

+


وبعد تلك العبارة تركت " هَـنا " الوسط وتابعت الهبوط بينما فزع " مراد " لوهلة وألتفت لعم منصور يقول على تعجُل :

+


- طب سلام بقا يا عم منصور شكرًا على وقتك .

+


ولم ينتظر رده وأخذ يهبط الدرجات خلف " هَـنا " يود اللحاق بها بينما اعتلت تعابير الاستغراب أعلى ملامح الآخر .

+



                                      

                
توقفت خطوات " هَـنا " أمام بوابة المبنى بعد نداءات " مراد " المُتكررة لها لتلتفت له بنفاذ صبر دون النبس بكلمة لتجده يقول :

+


- معلش يعني.. لو سمحتي خديني معاكي في الطريق ، إنتِ ماشية أهو كمان يعني أنا مش هكلفك حاجة ..

+


- تمام .

+


نبست بها " هَـنا " بهدوء ثم تقدمته تسير بخطوات سريعه ليتعجل من خطواته خلفها يحاول مؤازرة خطواتها ولا يفهم سبب تعجُلها..هو نعم يود الوصول لسيارته الثمينة سريعًا والخروج من المكان لكن لِمَا التعجُل  !

+


- معلش هو إحنا بنمشي بسرعة مستعجلين على إيه ؟

+


ألتفتت له " هَـنا " بنظرة خاطفه وأجابت :

+


- أنا إلي مستعجله عشان عندي مستشفى ..

+


- عادي ما نمشي براحة و لما نوصل أوصلك بالعربية أكـ ..

+


توقفت خطواتها وألتفت له سريعًا متشنجه الملامح هاتفه :

+


- عفوًا ! توصلني دا بتاع إيه ؟

1


ابتسم " مراد " بحرج من عبارتها وأجاب ببساطة :

+


- هو أنا قلت حاجه غلط ؟ ... يعني بقول العربية توصلك أسرع في طريقي .

+


ارخت " هَـنا " ملامحها بهدوء نسبي وألتفت حولها لترى بعض نظرات السيدات يرمُقنها بحِدة لتلتفت له مجددًا وقالت بصوت خافت :

+


- يا أستاذ بعد إذنك متضيعش وقتي في الكلام .. لا الوقت ولا المكان مناسبين أشرحلك أسباب رفضي ، فعاوزين نوصل لعربيتك عشان أنا أروح في طريقي .

+


- تمام .. بس إنتِ بتتكلمي بصوت واطي ليه ؟

1


تنفست " هَـنا " بنفاد صبر وعادت تعدو بخطوات سريعة ولحق بها " مراد " ببرود تمكن من ملامحه حينها أجابته وهي تتابع نظرها للأمام :

+


- عشان أهل الحارة كلامهم كتير وأنا مش هخلص .. فبسرعة ورايا بقا عشان الكلام ميزدش. 

+


قطب " مراد " حجباه يتلفت حوله يُبصر تلك النظرات التي تطوف حولهم تارة من أطفال الشارع و آخرى من بعض النسوة الجالسات أمام منازلهنّ و البعض من عيون رجال متناثرين في المقاهي الشعبية .. كان يتعجب نظراتهم بحق لدرجة الشك بنفسه .

+


لكن خطواته تعثرت فجأة كاد فيها أن يسقط حينما توقفت " هَـنا " فجأة وانخفضت بالقرب من الأرض وكاد يصطدم بها ، ليُخفض عيناه يُبصر ماذا تفعل حتى وجدها تُمسد على فرو قطة صغيرة بحنو والتي كانت تستجيب للمساتها قبل أن تنتصب واقفة وهتفت لأحد الشُبان قائلة :

+


- يـولا يـا عـامـر ! إنت إلي خدت "مستكة" من عيلها ؟!

+


كان " مراد " يتلفت حوله في محاولة لمعرفة من " مستكة " المعنية قبل أن يقترب ذلك الشاب من تجمعهم قائلًا:

+


- هرجعها تاني يا هَـنا والله .. بس سبيها معايا شويه، أمي عاملة سمك النهاردة هديلها منه شوية .

+



          

                
- أمم، طيب خلاص خلي بالك منها ورجعها البيت .

+


كان " مراد " ينقل بصره بينهم يجهل المقصودة إلى الآن ،ليتسائل :

+


- مين .. مستكة معلش ؟!

+


لتلتفت الأعيُّن نحوه و قبل أن ينبس أحدهم بكلمة حتى سمع صوت ميواء قطة بالقُرب من قدم " هَـنا " فأخفض بصره لها ثم عاد ورفعه نحوهم ليستدرك أمرًا آثر تعجبه هاتفًا للقطة :

+


- متقوليش إنك مستكة !!

+


هتف بها بملامح متشنجه ليعود ميواء القطة مرة آخرى ليبتسم الجميع و يقول "عامر" :

+


- هي كده بترحب بيك ...

+


ابتسم الجميع بخفة قبل أن تتدارك "هَـنا " قائلة على عجل:

+


- طيب أنا مستعجلة بقا .. خلي بالك منها ، سلام .

+


ثم أسرعت في خطواتها تجر قدميها أمامها، بينما زاد "مراد" من سرعته خلفها، حتى مرت دقيقتان لمح خلالها سيارته مصطفة في ذات المكان ، تنهدت "هَـنا" بارتياح وهي تُبطئ خطواتها، قائلة:

+


- تفضل، وصلنا لعربيتك...

+


فوجئت حين رأت "مراد" يركض نحو السيارة بخفة، ليتوقف فجأة ويفتح ذراعيه، ثم مال بجسده على مقدمتها وكأنه يحتضنها، وقال مبتسمًا بعفوية:

+


- وحشتيني يا "قهوة".

+


تشنجت ملامح "هَـنا"، ثم أفلتت منها ضحكة رغمًا عنها، قبل أن تقول بدهشة:

+


- أنت مسمّي عربيتك "قهوة"!؟

+


رفع "مراد" عينيه واستقام واقفًا أمام السيارة، ثم قال مدافعًا:

+


- ماله قهوة يعني ! مش شايفه حلاوتها بالبني عاملة إزاي ! بالله مخطفتش قلبك من اول نظرة ؟

+


هزت "هَـنا" رأسها نافية عدة مرات، ثم ردّت ساخرة:

+


- لا مش دي الحاجات إلي تخطفني من أول نظرة عامةً !

+


- أومال إيه ؟

+


سألها "مراد" بفضول، وعيناه الرماديتان تجولان في هيئتها منتظرًا ردها ،رمشت "هَـنا" عدة مرات قبل أن تعود من شرودها وتقول بلهجة مستعجلة:

+


- لا، كده كتير... اتأخرت وهترفد .. عن إذنك.

+


لكن "مراد" سبقها بخطوة، ووقف في طريقها مطلًا عليها، ثم مد كفه الأيمن نحوها قائلاً بنبرة مرحة:

+


- بالمناسبة، أنا مراد الرفاعي...

+


نظرت "هَـنا" إلى يده باستغراب، ثم رفعت بصرها إلى عينيه وقالت مستنكرة:

+


- طب أنا المفروض أعمل إيه ؟!

1


ثم تجاوزته بخطوات سريعة، وهي تزفر نفسًا متصبّرة، بينما "مراد" بلل شفتيه بإحراج، خفض يده ونظر إلى نقطة ما أمامه، ثم ما لبث أن استدار ليتأمل الطريق الذي سارت فيه، لترتسم على وجهه ابتسامة خفيفة امتزجت بالإعجاب وهو يهمس:

+



        
          

                
– لا... علّمتِ عليا يا بنت الحارة...

3


ثم تلفت حوله، وأخرج مفاتيح سيارته، قذفها في الهواء والتقطها بيده، وما زالت عيناه تتابعانها ، حتى دلف إلى سيارته، أدار المحرك، ثم انسحب تدريجيًا من الحارة بأكملها.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


بعد أن استقلّت "ليلىٰ" سيارة الأجرة، بدأت المركبة في الابتعاد رويدًا رويدًا عن تلك الحارة الضيقة التي احتضنتها مؤقتًا، واحتوت ضعفها في لحظاتٍ كانت فيها بأمسّ الحاجة إلى دفءٍ إنساني.

+


تركت خلفها أبوابًا فُتحت لها يوم أُغلقت كل الأبواب، وأذرعًا احتوتها حين أنكرها من كان أولى بالاحتواء. 

+


والآن، هي تغادر ذلك الأمان المؤقت، لتعود -شاءت أم أبت- إلى أصل الأمان... ذاك الذي طردتها الحياة منه يومًا، لكنها الآن تعيدها إليه بذات العنفوان الذي اقتلعتها به سابقًا.

+


كانت "ليلى" تستند بمرفقها إلى حافة نافذة السيارة، بينما داعبت نسمات الهواء وجهها في رفق، كأنها تواسيها، تمسح آثار الدموع التي حفرت صمتها العميق على ملامحها.

+


مرت الدقائق ببطء، و"ليلى" غارقة في صمتٍ يحمل كل ما لم يُقال ، إلى أن بدأت السيارة تُبطئ من سرعتها شيئًا فشيئًا، حتى توقّفت تمامًا أمام وجهتها ، فرفعت عينيها ببطء نحو الجهة المقابلة، لتقع على اسم المطعم مكتوبًا بالإنجليزية، بلونٍ ذهبيٍّ وبتصميم مزخرف.

+


فتحت حقيبتها، أخرجت النقود، وأعطتها للسائق، بالتزامن مع فتحها لباب السيارة ، ثم نهضت واقفة، تُغلفها نسمات الغروب التي بدأت تميل إلى البرودة مع اقتراب المساء.

+


وقفت أمام المطعم لبضع ثوانٍ، ترقبت المكان بعينٍ مشوبة بالرهبة، لكن شفتيها ارتسمت عليهما ابتسامة خفيفة... لم تكن ابتسامة فرح، بل كانت مزيجًا من الشكر والهدوء والرضا.

+


ثم تقدّمت نحو الداخل، بثباتٍ خالٍ من التردّد...
ولسببٍ ما... 
وربما لأوّل مرة... 
لم تَخَف من خُطواتها القادمة.

+


تقدمت بخطواتٍ ثابته نحو غرفة تبديل الملابس ، و بعد عدة دقائق خرجت منه ، و وقفت أمام المرآه و ألقت بنظرة سريعه على مظهرها و حواف حجابها الذي أظهر في مقدمته خِصلات قليلة من شعرها الأسود الناعم ، كان يُضفي جمالًا -بالطبع -لمظهرها لكنها كرهت تلك العادة وودت لو تُقوّمها و تعصي ذاتها و هواها لكن نفسها الآمرة بالسوء كانت أقوى منها في لحظات عديدة ..

+


لم يُوجّهها أحد، ولم يُقوِّم اعوجاج خطواتها إن زلّت
لا أبٌ مسؤول...
ولا أمٌ حاضرة!

+


كانت وحدها من تهتم بتعلُّم دينها، وتهذيب نفسها ،
سقط منها الكثير، لكنها كانت تحاول...
وبحقٍ، كانت تحاول.

+


تُجاهد للثبات، حتى على أبسط ثوابت الدين، وكانت في داخلها تشعر بامتنان عميق لذلك السداد، الذي - بعد توفيق الله - تنسبه إلى كُليتها... وتحديدًا قسم "اللغة العربية" الذي تخرّجت فيه.

+



        
          

                
فقد كانت مقررات ذلك القسم من أبرز ما وجّهها نحو طريق الاستقامة؛ لِما ضمّ من دراسات في الحضارة الإسلامية، والتاريخ الإسلامي، وعدة مقررات أخرى، لولاها، لربما بقيت غارقة في بحار الظُلمات...

+


ألقت نظرة أخيرة ثم تقدمت نحو الباب و خرجت ، و بعدة خطوات لتصل للمطبخ ، لكنها قبل أن تدلف حادت نظراتها نحو صالة المطعم حيث الزبائن ، حتى لقطته عيناها ..

+


كان " جواد " يقف بحركته المُعتاد يضع يده داخل جيب بنطاله و اليد الأخرى يُحركها في الهواء يصف عبرها كلماته التي كان يوجهها للرجل القابع أمامه .

+


كانت الجدية و الثبات تعتلي ملامحه ، و تلك الهالة حوله التي تجعلك لا تستطيع رفع نظرك عنه أثناء حديثه .. و هذه تمامًا كانت حالتها ، و تلك الابتسامة تشق ثغرها بحنو و هي تتأمله من بعيد غير منتبهٍ لها .

+


" لقد اصبح وسيمًا بحق "

+


عبارة طافت في جوف " ليلى " و هي تُقارن ٱخر مظهر في عقلها عنه عندما كان صبيًا يكبُرها بأربع أعوام فقط و ها هو الآن أصبح شابًا يافعًا ذو هيبة و سلطة و منصب .. 

+


تمامًا كما يتمنى و يرجوا في صِغره ..

+


عَبرة خفيفة تجمعت في عيناها و هي تُراقبه لثوانِ و الثوانِ أخذت دقائق و كأن لا أحد في مُحيطها غيره .. لم تستوعب مقدار شوقها له إلا في تلك اللحظة.

+


اخفصت اهدابها ببطء تُعطي لتلك العَابَرات إذن الهبوط برقة على وجنتيها .. ثم شردت بعيدّا ، حيث ذلك الصبي ذو الشعر الأسود الطويل و العيون الخضراء ..
ذلك الرفيق الأول و الأقرب ، 
الصادق و الوفي .

+


ثم رفعت أهدابها لتعود ببصرها له ، ذلك الصبي الصغير في طفولتها.. بات شابًا بعيد المنال بعد أن تشيّدت جُدران أمام قلبيهما .

+


رفعت أناملها و مسحت وجهها ثم ألتفت لداخل المطبخ سريعًا ، و ما أن وقفت عند مُقدمة طاولة الطلبات حتى وجدت فتاة تقترب منها هامسه على حين غرة :

+


- كل البنات عيونها عليه ، مش هلومك ..

+


ألتفت لها " ليلى" إثر كلمتها و استكانت لوهلة حتى فهمت مقصدها ، فأخفضت عينيها التي مازالت آثار الدموع عالقة بها و ابتسمت بارتباك و قالت و هي تُرتب الأطباق على الصينية استعدادًا لحملها :

+


- لا ، لا لا .. مش كده خالص .. دي حكاية طويلة .

+


ثم حملت الصينية و لم تنتظر ثانية أُخرى و خرجت من المطبخ تحت نظرات الفتاة المُتعجبة .

+


تقدمت " ليلى " من طاولة الزبائن و أخفضت الأطباق عليها برفق ، و ما أن استدارات حتى توقفت حين واجهته في مُقابلتها بنظراته الرُمادية الحادة التي دائمًا ما تستوطن ملامحه في مُراقبة موظفينه .

+


ألتفتت حولها في ارتباك لتجده يُشير لها بيده لتقترب منه ، و بالفعل استجابت له و لكن على غير عادته تقدم هو عدة خطوات يُقلص المسافة بينهم أسرع حتى استقرت هي أمامه و لم ترفع عيناها نحوه حتى وجدته يهتف بصوته الأجش بنبرة حادة :

+



        
          

                
- هو مين إلي أداكي الـ Order إنك تشتغلي ؟

1


رفعت عيناها له باتساع في تلك اللحظة لتتقابل عيونهم في لحظة صامته قبل أن تُجيب مُستفسرة :

+


- مش فاهمة ! بس دا شغلي ..

+


- إلي كان شُغلك .

+


قاطع عبارتها فور أن انتهت لتعتلي ملامحها علامات الحيرة لتجده أخذ نفسًا و هدأت حدة ملامحه و هو يقول :

+


- بصي يا ليلى .. يمكن كلامي مكنش واضح إمبارح ، بس لما قلتلك نتقابل في المطعم عشان أخدك بعد الشُغل لأهلك مكنش قصدي هتيجي تشتغلي ، إنتِ هتيجي عشان هاخدك معايا من هنا بس .. 

+


- بس ...

+


- بس إيه يا ليلى ؟! إنتِ مش محتاجه الشغل دا ، أنا عارف إنك مُدرسة و شغالة في مدرسة دولية معتقدش هتحتاجي شغل إضافي من اليوم و رايح و لا لأي سبب ..

+


ابتلعت " ليلى" غصة مريرة و كأنها أدركت الآن مقصده ، كيف غابت تلك التفصيلة عنها !

+


لم يعد هُناك إجبار بعد الآن ، لكن رُبما لتلك العادة البائسة التي لازمتها لسنوات لم يستطع عقلها الخروج عن دائرة الضغط و الخوف.. لم يألف الطمأنينة بعد .. و ها هي تتنفس نفس الحرية بإدراك ، ليُرفرف بأهدابه عدة مرات يضغط على شفتاه قبل أن يقول بصوت خافت به شىء من المُكر :

+


- بس مقلتيش ! كان شكلي حلو من عند المطبخ ؟

4


اتسعت عينايّ " ليلى" تزامنًا من اتساع ابتسامته بُبطء شديد ، لتتورد وجنتيها بخجل و تجولت عيناها حولها بعيدًا عن مواجهة عيناه .

+


رفع عيناه حولهم و بلل شفتاه يكبح ابتسامته ، ثم عاد ببصره لها ليجدها تحاول الصمود و هي تقول على استعجال :

+


- طب عن إذنك ..

+


اوقف خطواتها في ذات الثانية حينما أمسك معصمها ، لتستقر أمامه فسحبت يدها سريعًا في ارتباك و تردد تطُالع محيطها و قد لاحظها بعض العيون لتشعر أنها في مأزق ليجدها تقول بصوت خافت:

2


- جواد لو سمحت سبني أمشي عشان الكل بيبصلنا .. و دا هيعملك مشاكل ..

+


كان يبتسم بتسلية حتى قول عبارتها الأخير لتتلاشى فورًا وتحتد نبرته بصيغة لا مُبالاه بتعاليم يُحفرها في عقلها :

+


- محدش يقدر يعملي مشاكل .. و محدش له عندي حاجة ، و من بين كل الأسباب إلي ممكن يجيلي من وراها مشاكل إنتِ أصلًا برا الحِسبة ، فـ خدي راحتك و عاوز اشوف حد يعترض !

+


رغم حدة كلماته لكنها ابتسمت بخفة رُغمًا عنها ثم هتفت :

+


- بس ولو برضو .. المظهر مش لطيف يعني لأي حد يفكر عننا..

+


ليُقاطعها " جواد " بصرامة لا مُتناهيه و ثبات :

+


- ما إلي يفكر يفكر .. طالما محدش عارف حاجة ميشغلنيش رأيهم عني ، و إنتِ برضو ميشغلكيش و هتقعدي مش هتشتغلي و إلي يتكلم معاكِ نص كلمة قوليله بالحرف " جواد قالي مشتغلش " و إبقي خليني أسمع رغي منهم في ثانية عشان يبقوا برا في الثانية إلي بعدها .. 

4



        
          

                
اتسعت عينايّ "ليلى" بصدمه من خِتام عبارته :

+


- لا لا مش مستاهلة كل دا .. حاضر تمام .. إلي تشوفه .

+


رفع يده اليسار يتأمل ساعة معصمه قبل أن يعود بنظره لها و هو يُشير للمطبخ :

+


- كان نفسي تشوفي مامتك و هي واقفة في المطبخ زي زمان .

+


اتسعت عيناها و هتفت بتعجُب :

+


- ماما ! في المطبخ هنا !!

+


عاد ببصره لها و ابتسم بحنو ثم أومأ برأسه و أجاب :

+


- أيوه بقالها شغالة هنا من حوالي شهر و نص .. بس مجتش بقالها اسبوع .

+


فتحت " ليلى" فاهها بعدم تصديق و تسائلت :

+


- بس إزاي مشفتهاش ؟! أنا .. أنا بدخل كتير المطبخ !

+


طالع فيها لوهلة و أومأ برأسه و أجاب بتوضيح :

+


- هي بتكون في المطبخ إلي جوا عشان 
بتعمل " Haute cuisine " عندنا و إلي مش بيطلبها غير أصحاب المناصب العالية في الدور التالت ..

+


قطبت ملامحها لوهلة و تسائلت بتعجُب :

+


- و هي ماما بتعرف تعمل  " الهـ " إلي إنت قلتها دي؟!

+


اتسعت ابتسامته بُبطء حتى انفلتت منه ضحكة قصيرة خافته ثم بلل شفتاه و أجاب بتوضيح:

+


- آيوه بتعرف تعملهم .. و دي كلمة بالفرنسي يعني الأطباق الفاخرة 

+


أومأت برأسها و مازال الإندهاش يعتلي محياها لتردد :

+


- في الدور التالت !

+


و سكنت لوهلة و هتفت بعفويه :

+


- أنا ولا مرة شفته ، سمعت إن مش أي حد بيطلع فوق أصلًا ..

+


- تعالي معايا شوفيه ..

+


نبس بها " جواد" سريعًا حينما أنهت عبارتها ليجدها ثابته في مكانها من الصدمه ليهتف قائلًا :

+


- هتيجي ! ولا أشدك من إيدك أطلعك معايا ؟! 

+


عادت " ليلى " من شرودها و أومأت برأسها سريعًا و تتبعت خطواته ليرتقيا الدرجات للطابق الثالث ، و لم تُخفي تلك الابتسامة الناعمة التي ترتسم على محياها و هي تتُابع خطواتها خلفه ، تتمنى أن يدوم ذلك الأمان و ذلك الحصن الذي يتقدمها في كل مرة .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


خرج " ريان " من غرفة " ميرال " و أغلق الباب خلفه بهدوء ثم تنهد بعُمق و رفع أنامله يضغط بها على مدامع عيناه المُغلقة يحاول إستحضار بعض التركيز قبل أن يقطع وصلة راحته قول شخص بالقرب منه :

+


- إزيك يا دكتور ريان ؟

+


فتح " ريان " عيناه ليُبصر جسد سيدة رُبما في عقدها الخامس تبتسم لريان من خلف نظراتها السوداء التي التهمت نصف وجهها ، ليُعدل " ريان " معطفه و يُجيب :

+



        
          

                
- اهلًا و سهلًا حضرتك ..

+


اتسعت ابتسامة السيدة و تابعت حديثها :

+


- عاوزه أشكرك يا دكتور على تعبك معايا .. أنا جاية أشكرك و العلاج الي كتبتهولي ريحني خالص .

+


كانت تتحدث بنبرة مُرتاحه مما أراح قلب " ريان " و شكر الله في جوفه و كاد يُجيبها ليجدها تستطرد قائلة بشكوى :

+


- بس يعني في مش مشكلة كانت صغيرة كده .. إنت كتبتلي على vitamin B12 بس أنا ملقتوش فجبت vitamin B6 و خدت منه حبيتين مع بعض ..

3


و فور أن انهت عبارتها حتى ختمتها بابتسامة بريئة بينما ارتسمت الصدمة على ملامح " ريان " و شعر أن لسانه تعقد عن الحديث ليُرفرف بأهدابه بعدم تصديق قائلًا بنبرة يتحكم فيها بهدوءه :

1


- حضرتك خدتي إيه إلي حبتين ؟!

+


- ء. vitamin B6 يا دكتور ..

+


يا إلاهي ! نها تُعيد ذات العبارة الغبية على مسامعه بنفس البراءة ، ثم تابعت عبارتها :

+


- بس أنا بقيت كويسة يا دكتور دلوقتي الحمـ ...

+


- هو حضرتك ممكن تفكريني عندك إيه ؟!

+


تلاشت ابتسامة السيدة و راحت تتذكر مُشكلتها ثم استطردت على مسامعه بينما كان يُتابع "ريان" كلماتها بعناية بلغية:

+


- أنا كنت حاسّة بنغز كده في جنبي، وكل ما أتحرك أحس كإنه فيه حاجة بتشد، ومبقاش فيا حيل أتحرك، ولما جِيت لحضرتك واديتني العلاج حسيت براحة بعد أول يومين.

+


أومأ "ريان" برأسه وهو يسترجع ما كتب لها في الوصفة الطبية، ثم أردف بنبرة مُحايدة لكن فيها حرص:

+


- طيب حضرتك، الـ B6 اللي خدتيه بدل الـ B12 مش نفس التركيب، ومش من المفروض يتاخد بجرعة حبتين مرة واحدة، خصوصًا في سن حضرتك .

+


نظرت له السيدة بعيون متسعة وبعفوية مُربكة:

+


- بس أنا بقيت أحسن اهو! يعني يمكن جسمي كان محتاجه...

+


كتم "ريان" زفرة ثقيلة، ثم أخرج دفتر صغير من جيب معطفه وبدأ يُدون بعض الملاحظات وهو يتمتم:

+


- لازم أطلب تحليل وظائف كبد وكلى... وحضرتك هتعملي تحليل دم تاني النهاردة قبل ما تمشي .. و تعرضيه عليا بكرا

+


ابتسمت السيدة بارتباك:

+


- يعني هو فيه حاجة خطر؟

+


نظر إليها "ريان' للحظة، ثم قال بنبرة مطمئنة:

+


- إن شاء الله لأ... بس احنا بناخد احتياطنا، والمرة الجاية، أي حاجة مش موجودة، تكلمي العيادة قبل ما تبدّلي الدوا.. تمام كده؟

+


هزّت رأسها كطفلة صغيرة أُمسكت بجرم صغير، وهمست:

+


- تمام يا دكتور، حاضر والله...

+



        
          

                
ثم ناولها الورقة فاستلمتها منه و شكرته بهدوء و ذهبت بينما زفر " ريان " نفس ثقيل بعدم تصديق ، ليتقدم عدة خطوات قبل أن يُقابله " مروان " من إنعطاف جانبي يوقف خطواته حينما رأى الأرتباك على ملامحه .

+


- ريان ؟!

+


توقف " ريان " و ألتفت له و بادله السلام ، ثم عاد و سارَ مؤزران لبعضهم بينما هتف " مروان " باهتمام:

+


- مالك كده ؟!

+


استطرد " ريان " قائلًا بعدم تصديق :

+


- في ست جاتلي من شوية بتقول أنا كاتبلها على B12 فملقتهوش خدت حبيتين من B6 !!

+


كان يقولها بأمر مغلوب عليه بينما اتسعت ابتسامة " مروان" حتى أطلق ضحكه قصيرة .. ليس من عُذر السيدة فقط بل من رد فعل " ريان " المصدوم ، ليستطرد :

+


- فكرتني بـمريض جالي النهاردة فـ بأكد عليه مواعيد العلاج لقيته بيقولي إنه بياخد الدوا قبل معاده عشان يفاجىء المكروبات !

+


و ما أن أنهى عبارته حتى ضحك مرة أخرى تحت نظرات " ريان " المُندهشة قبل أن تتلاشى و تنفلت منه ضحكه قصيرة بغير تصديق ليجد " مروان " يُتابع :

+


- أنا طبعًا لما سمعت كده سكت شوية بستوعب بيقول إيه و بعدها فَهِمته الصح بس لما طلع من عندي و فكرت في الموقف تاني ضحكت.. والله الواحد بيشوف العجب في الشغلانة دي 

+


اتسعت ابتسامة " ريان " إثر كلماته حينما فكر في الأمر ، و رغم كونها تصرفات عفوية لكنها ربما تكون خطرًا عليهم إذ لم يتم التدخل في الوقت الصحيح.. لكن رغم ذلك هي مواقف طريفة تُخفف من عِبء الضغط عليهم طوال اليوم .

+


تقدما الثنائي حتى هبطا للطابق الأرضي بعد أن أخذ " ريان " حقيبته من مكتبه و نزع عنه معطفه ليتسائل " مروان " :

+


- إنت عندك إيه دلوقتي ولا رايح فين ؟

+


اخفض " ريان" بصره نحو ساعة معصمه ثم ألتفت للأمام و أجابه :

+


- باقي نص ساعة على العشاء ، هروح البيت عندي درس الليلة في الجامع .

+


- خلاص جاي معاك .. من زمان مسمعتش دروسك .

1


ابتسم " مروان " ليُبادله " ريان " بابتسامة ثم تقدما سويًا خارج المُستسفى .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


- سيبي النار زي ما هي و اطلعي برا ..

+


استدارات " ميار " بفزع على عبارة والدتها التي دلفت عليها المطبخ لتبتعد الأولى عن موقد النار تُفسح المجال لها قائلة :

+


- يا ماما حاسه النار عاليه شوية كنت هاوطيها ..

+


- لا ملكيش دعوة سبيها .

+


- يعني أنا غلطانه إني بساعدك ؟!

+


هتفت بها " ميار " بحُزن مصطنع لتلتفت لها والدتها قائلة :

+



        
          

                
- آيوه غلطانه يا ميار يا بنتي .. اطلعي برا المطبخ بقا روحي شوفيلك مصلحة بعيد عني.

+


ثم أمالت بجزعها لأمام باب الفُرن تفتحه لتُبصر " ميار " ما بداخله لتهتف بسعادة :

+


- إيه دا مكرونة بشاميل و صينية بطاطس بالفراخ !!

+


انتصبت " فريدة " في وقفتها و ألتفت لأبنتها و قبل أن تتحدث قاطعتها الأخيره قائلة بلهفه :

+


- أنا نقطة ضعفي البشاميل إنتِ عملاه عشاني صح ؟

+


- مـيـار !

+


- نعم يا مامي!

+


امسكت " فريدة" كتف ابنتها برفق و كبحت ابتسامتها تجرها بجانبها لخارج المطبخ قائلة :

+


- اطلعي برا يا قلب مامي عشان إنتِ مش بتدخليلي المطبخ و أنا فيه إلا و بتعمليلي مصيبـ… 

+


و لم تكتمل عبارتها حتى وصل لمسامع كلاهُما صوت اصطدام آتى من داخل الفرن لتهتف " ميار " بتعجُب :

+


- إيـه دا ؟!

+


زمتّ " فريدة " شفتيها و حررت ذراع ابنتها و هتفت بحِدة خافتة :

+


- شبكة الفرن وقعت اتفضلي اطلعي بقا كده !

+


اتسع فاهّ " ميار " بصدمة و هتفت بحُزن عفوي :

+


- هو أنا جيت جمبك يا أستاذ فرن !! اتبلوا عليا بقا ..

+


ثم ابتعدت خطوتان بعيدًا لكنها تراجعتهم سريعًا تهتف بعفوية :

+


- بس مقلتيش الأكل دا كله عشان إيه ؟!

+


وقفت " فريدة " أمامها و نبست بنفاذ صبر :

+


- و أنا قلت أطلعي برا !

+


مطت " ميار " شفتاها و ابتعدت عن المطبخ ببطء تهتف بصوت مرتفع :

+


- أنا غلطانة إني عاوزة أتعلم ، يعجبك أجيلك من تاني يوم و يقول عليا مش بعرف أعمل حاجة ؟!

+


استمعت " فريدة " لقول ابنتها و هي بالداخل فاتسعت ابتسامتها و قالت بخفوت :

+


- دا لو رجعك لينا أصلًا.. دا ما هيصدق .

5


ثم أخذت نفسًا عميقًا بشرود .

+


دلفت " ميار " غرفتها و رفعت يدها لشعرها تُبعد عنه ذلك الطوق القطني لتُبصر تمدُد شقيقتها " ريم " على فراشها و عيناها تجولان الكتاب بيدها باهتمام عميق ، لتقترب الأولى من المرآة و تقف أمامها و تنظر على انعكاس شقيقتها قائلة :

+


- لما تقومي إبقي رجعي السرير زي ما قعدتِ عليه ..

+


نبست بها و أخذت تُصفف شعرها القاتم المائل للبُني و الذي ينتهي مع حدود كتفها لكنه ينساب بنعومة حريرية بينما رفعت الآخرى نظراتها من فوق عدسات النظارة قائلة بلا مبالاة :

+


- تعالي اقفلي باب البلكونة دي جايب هوا ساقع .

+


توقفت " ميار " عن صنيعها بوجوم ثم ابتعدت عن السراحة و ألتقطت حجاب من على الكومود و وضعته على رأسها بعشوائية و خرجت للشرفة لتُغلق الباب لكنها اقتنصت نظرة للأسفل لمحت بها سيارة رُمادية تقف في محاذاة شُرفتها تمامًا لكن من الطريق المعاكس و المعلوم أن هذا الموقف هو خاص بعائلتها ،فتعجبت أمر تلك السيارة التي تُبصرها للمرة الأولى لكنها سريعًا ما أغلقت ضلفتيّ الشرفة و دلفت للداخل .

+



        
          

                
أما عند السيارة الرُمادية بالأسفل و صاحبها القابع بداخلها و الذي صف سيارته بفعل مقصود من عقله الذي يختزن كل تفصيلة …خاصةً إن كان يتعلق بِها الأمر .

+


فتح باب سيارته و توجل منها يتلفت حوله بعيناه يلتقط ذلك الهدوء النسبي الذي يحتضن المُحيط خاصةً في هذا الوقت .. ما بعد غروب الشمس .

+


أغلق باب سيارته و مد يده نحو الأزرار العلوية لقميصه الأبيض يزيحها عن عنقه بخفه و الذي كان جليًا إنها تنتمى لبدلة رسمية قرر التحرر عن معطفها في مكانٍ ما ..

2


استند بنصف ظهره على باب السيارة و أسكن قبضتاه بداخل جيوب بنطاله و رفع رأسه قليلًا يسمح بنفسٍ عميق بلجوج لداخله ، و لم يكن نفسًا عاديًا على رئتيه بل عبيرًا مُحملًا بعبق أثر المحبوبة ، توجل بداخله أحيا أوصاله الذابله من ذلك الشوق لاجتماعه بها ، و داعب أوتار قلبه الملتهبة للقائها ، كان كل شىء بداخله يتعرف على آثرها و يحيا بقُربها ، أما ظاهرُه .. فكان يكتفي بالثبات المُزيف ،  لأن لا سبيل له غير ذلك.

+


رفع عيناه لأعلى أكثر ، حتى استقرت على تلك الشُرفة التي أطلت منها هي مُنذ ثوانِ و كان من نعيمه المُعجل أن ينعم بمُتعة النظر لها خلسةً وإن كان اللقاء ثوانيّا ..

+


ابتسم " آسر " بحنو ، وهمس لنفسه رغم عدم تواجد أحد في محيطه :

+


- دا مكانك الطبيعي يا ميار.. تبقي فوق، فوق أوي، وأنا تحت، ببصلك من بعيد، مستني لحظة حنية من عيونك، و إشارة صغيرة بس تقوليلي فيها إن القرب ممكن.

3


سكن لبُرهة ثم تابع :

+


- إنتي تستحقي يتحارب عشانك بلاد، بس أنا؟
أنا البلاد، وأنا الجيوش، وأنا الشعب اللي كله بيهتف باسمك ، مفيش قوة تقدر تمنعني عنك، إلا ضعفي..و ما أقسى إن اللي بيني وبينك مش حدود، ولا أهل، ولا ظروف..دي نفسي الضعيفة هي اللي وقفت بينا …

+


ابتسم بتهكُم و تابع و كأن أمامه من يستمع :

+


- بس أقولك إيه ! إلي ليكِ جوايا أقوى من كل الجيوش اللي ممكن تتصدّى لحلمي فيكِ …

+


تزعزت نظراته التي ما زالت مُعلقة بشُرفتها و استطرد :

+


- نفسي تستنيني لما أجيلك…مش علشان أنا أستاهلك،
بس علشان قلبي من يوم ما عرفك وهو تايه فيكي، بيحاول يلحق خطاكِ حتى لو من بعيد ، نفسي تفضلي هنا، ثابتة،
زي نجمة في السما بستمد منها النور وأنا ماشي في عتمة سنيني.

+


ثم أخفض نظراته للأرض ، تشتت نظراته أمامه ، تزعزت على محيطه بعيدًا عن النظر لشُرفتها ، يشعر بغصة أليمة تنهش حنجرته و تهبط على قلبه تعتصره ألمًا ولوعة ، ليبتعد عن الباب ليتمكن منه تردد طفيف جعل بصره يخونه للمرة التي يجهل عددها ليعود بنظراته لشُرفتها ، تلك النظرات التي تلمع تحت ضوء النجوم الخافت أو رُبما كانت آثار حُب مؤصد بمفاتيح الزمن و الأقدار … أو هي عَبَراتِ حُبٍ صادق كُوي صاحبه شوقًا للقاء.

+



        
          

                
باعد بين شفتاه و ألقى آخر مافي جوفه لهذا اللقاء :

+


- مفيش فيا غيرك،ولو لفيت الأرض هرجع فاضي،
عشان هفضل شايفك الوطن اللي ما يتعوضش .

1


ثم بعنفوان يُناقض رِقة كلماته أحكم على مقبض الباب ثم ولج للداخل و أعاد برأسه للخلف و أخفض اهدابه ، و زفر نفسًا خافتًا ثم تمتم بصوتٍ عذب :

+


- " أَحَبَّكَ البَعضُ مِنّي
وَقَد ذَهَبتَ بِكُلّي

+


يا كُلَّ كُلّي فَكُن لي
إِن لَم تَكُن لي فَمَن لي

+


يا كُلَّ كُلّي وَأَهلي
عِندَ اِنقِطاعي وَذُلّي "

+


ثم باعد بين أهدابه ، و تنفس بعُمق مُلقيًا نظرة سريعًا على شُرفتها ثم أدار المُحرك و انطلق بعيدًا تاركًا كلماتٍ رقيقة .. و حُب غير مُكتمل .. و قلب عاشقٍ ذابل .

+


أما بالعودة لصاحبة الشرفة و مُعذبة الفؤاد فكانت مازالت تتغنج أمام المرآه بشعرها البُندقي ، لتجذب نظرات شقيقتها بعيدًا عن الكتاب هاتفه :

+


- إنتِ بتعملي إيه ؟!

+


- بشوف حلاوتي ، عندك مانع !

+


كبحت " ريم " ابتسامتها لكن كعادة متأصلة في الأخوة و هي المشاكسة بسخط مُزيف هتفت قائلة :

+


- لا حوش يعني الجمال إلي مغرقنا !

+


اتسعت ابتسامة " ميار " و قررت الخوض معها في تلاعبها لتلتفت لها لتدور خصلاتها حولها في مظهر رقيق قائلة :

+


- يا خبر لا تكونيش شيفاه ! لا أزعل يعني تبقي محتلة أوضتي و مش حاسة بنعيم وجودك فيها !

+


- بت بت بطلي رغيّ !

+


- و إنتِ بطلي تقللي مني !

+


نبست بها " ميار " ثم أدارت وجهها للمرآه لترفع " ريم " نظرها بوجوم من عبارة شقيقتها ردًا على عبارتها الفكاهية في نظرها ، لستسشف نظرًا لحساسية شقيقتها أنه حاز في نفسها أمرًا ، أغلقت الكتاب و نهضت حتى وقفت خلف شقيقتها و أمسكت بيدها لتأخذ عنها مهمة التصفيف و الذي قامت به بحنان و رقي بعد أن أذنت لها " ميار " بهدوء حينما لاحظت الجدية على ملامحها شقيقتها .

+


أخذت " ريم" تُصفف شعر شقيقتها الصُغرى بحنو و شردت بعيدًا حين قالت :

+


- " أختك أحلي منك" دي أكتر جُملة أنا سمعتها فـ حياتي، و مانكرش إني كُنت بضايق، كُنت بستغرب إزاي يسيبوا عيوني الخضرا و يحبوا عيونك البني العادية ، إزاي يحبوا شعرها القصير و يسيبوا شعري الطويل و إلي أي حد يتمناه ، ليه بنكون لابسين من نفس المستوى و يشوفوكي أرق و أطعم مني ! كل دا و كتير .. 

+


كانت مازالت " ريم " شاردة في خصلات شقيقتها بينما الأخيرة تُبصرها عبر إنعكاس صورتها في إنصات تام لتجدها تستطرد :

+


- لكن لما كبرت لقيت إن أختي الأحلى مني بتحب كُل حاجة فيا ! بتحب شعري الطويل و هي شعرها قصير ، بتحب عنيا الواسعة الخضرا ، و إلي اكتشفت أن لون عنيها عسلي دافي مش بني بس ، حببتني فـ كُل حاجة فيا، حتي لو هي أحلي مني، أنا حاسة إني أنا كمان حلوة عشان بس حبها ليا .

1



        
          

                
ألتفت لها " ميار " في مواجهتها و ألتقت بعيناها التي تحشرجرت بها الدموع في نظرات هادئة صامته تبُث الكثير من المشاعر المتذبذة ، لترتمي الأولى بين ذراعيها في عناقٍ عميق يفيض عن كل ما تختزنه الصُغرى لشقيقتها الكبرى .

+


بينما لم تتردد " ريم " و لفت ذراعيها حول جسد شقيقتها و اسندت بوجنتيها على رأسها و أذنت لدموعها بتحرُر من مدامعها و هي تقول بصوت متحشرج :

+


- إنتِ شفتي فيا الحلو إلي محدش شافه ، و مع كل إلي سمعتيه كنتِ بتحسسيني إن دا ولا فارق معاكِ و إني هفضل في عيونك الدافية أجمل بنت ... عشان كده عمري ما هقلل منك .

+


- و إنتِ أجمل بنت في الدنيا يا ريم .. و أنا آسفه مكنش قصدي .

+


نبست بها " ميار " و دموعها تسيل على وجنتيها بخجل لتُشدّد " ريم " من ضمها لها و تطبع قُبلة رقيقة على مقدمة رأسها و تظلان على تلك الحالة لعدة دقائق إضافية .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


في تلك اللحظات التي لا هي نهارٌ ولا ليلٌ صريح ، حيث يهمس الأفق بدخول العتمة دون استعجال ،  بين مغربٍ انقضى وعشاءٍ لم يحن، خيّم السكون على الطرقات كأنها تحبس أنفاسها.

+


اصطف " ريان " بسيارته في الجراچ الخلفي للمبنى السكني ثم ولج منها كما فعل رفيقه " مروان " أيضًا ، و تقدما سويًا بهدوء و بعد عدة دقائق حينما اصبحوا أمام واجهة المبنى حتى أبطأ " ريان " خطواته عندما شاهد ابن عمه " يحيى " يهبط من سيارة أجرة و الضيق يأخذ من ملامحه ما أخذ ليهتف الأول:

+


- يـحيـى !! يـحيـى خُد ..

+


لكن يبدو أن " يحيى " لم يكُن في حالة مزاجية ليسمع ندائه ، فأسرع " ريان " بخطواته ليلحق به حتى قابلهم خروج " يوسف " يتبعه " عابد " لتتوقف خطوات الهائم على وجهه فجأة. 

+


توقف الأخوان أمام " يحيى " يقطعان طريقه بينما في الخلف توقف " ريان " بجانب " مروان " ليُمرر " يوسف " بنظره على هيئة أخيه و ملامح التعجُب تتمكن منه كما تمكنت من الجميع :

+


- فيه إيه مالك ! حصل إيه ؟

+


زفر " يحيى " بنفاذ صبر و تحاشى لقاء العيون مع أخيه و أجاب :

+


- مفيش يا يوسف سبني في حالي  ..

+


و أخذ يحاول التملُص للولوج للداخل لكن أعترض طريقه شقيقه الأكبر " عابد " مُتسائلًا بإصرار :

+


- هو إيه الي مفيش ما تنطق يا ابني !

+


ابتلع " يحيى " ريقه و أخذ يتردد في مكانه ثم نبس قائلًا :

+


- اتخانقت مع واحد صاحبي أرتحتم ؟

+


ليجد صوت " ريان" يأتيه من خلفه و هو يستدير ليُصبح في مواجهته مُتسائلًا باهتمام :

+


- و إيه إلي حصل للخناقة ؟!

+


- حصل إلي حصل بقا

+


هتف بها " يحيى " بتصبُر ليتحدث " يوسف " :

+



        
          

                
- آيوه فهمني يعني هو عمل إيه عشان تتخانقوا و ترجع قالب وشك كده  ؟

+


تسائل " يوسف " و سكن الجميع في اهتمام لسماع كلماته ليمسح " يحيى " بكف يده بنفاذ صبر و أجاب :

+


- مفيش يا عم .. انا كان مزاجي وحش و هو شاف حالتي و قاعد يهزر معايا و يواسيني و بتاع و انا مش حمل كلام .

+


- و بعدين ؟!

+


نبس بها " يوسف " ليستطرد الأخر :

+


- مفيش قلتله كبر دماغك مني أنا ماشي و مش فايق أسمعك و قمت مشيت  .. فشبط فيا و قالي بتعاملني كده ليه هو انا غلط فيك .. قلتله لا غلط فيك ولا غلط فيا و سبني أنا مش كويس فالكلام شد بينا و مشيت و سبته ..

+


مسح " عابد " على وجهه بتصبُر و رفع " ريان " حاجباه بسخرية و بينما " يوسف " اقترب و وضع كفه على كتفه و تسائل :

+


- يعني هو هزر قلل منك ولا كان بيواسيك ولا عمل إيه بالظبط ؟!

+


- لا بيهزر عادي بقا و من جو طبطبة و فرفشة و شغل ضيق تنفس دا ..

+


ابتسم " يوسف " بعدم تصديق و تسائل :

+


- طب إنت شايف إلي عملته صح؟

+


احتدت نبرة " يحيى " حين هتف قائلًا باندفاع :

+


- بقولك أنا مش حِمل كلام مش عاوز أسمع طبطبه من حد  ، محدش عارف إلي فيا يبقا يسكت ..

+


- هو إنت غبي يا يحيى ؟! جاوبني يعني .. إنت شايف كده معاك الحق ؟؟

+


- حط عليا يوسف كمان .. الحكاية ناقصة 

+


نبس بها " يحيى " يتلقفه قول " عابد " بحِدة :

+


- أفهم يا بني إنت بقا و متقفليش الحديد المصدي الي في دماغك دا ! عرفنا إنك مخنوق و مضايق مقلناش حاجه .. بس إنك تقل أدبك و تتعامل بقلة ذوق مع حد بيحبك و بيحاول يهون عليكِ دا يركبك الغلط من ساسك لراسك ..

+


تشنجت ملامح " يحيى " بعدم تصديق و ارتفعت نبرته أكثر قائلًا :

+


- كنت عاوزني اعمل ايه ؟! هو شايفني مضايق يبعد عني بقا ..

+


فتدخل " يوسف " مُجددًا بنبرة أكثر رزانه لم تخلو من الشدة :

+


- بس متهونش عليه .. مفيش حد في الدنيا هيشوف حد بيحبه مخنوق و يتجاهل زعله بالعكس دا أكتر وقت يبين معادن الناس .. و كل واحد بيحاول يهون بالطريقة إلي يعرفها فمتبقاش غبي و تطلع إنت قليل الذوق !

+


أغمض " يحيى " عيناه بقوة بتصبُر و هتف قائلًا :

+


- يا يوسف افهمني بقا .. أنا لما ببقى مخنوق محدش هيفهمني ولا يفهم الي جوايا .. أنا ببقى مش طايق نفسي و مش عاوز أسمع كلام من حد.. سبوني لوحدي .. سبوني لوحدي و أنا هظبط حالي و أفوق ..

+


كانت نظرات الذهول تعتلي ملامح الشباب ليهتف " يوسف " بقوله :

+


- طيب يا سيد الفاهمين إنت ! هتبرر قلة ذوقك بإيه ؟؟ بإنك مخنوق ولا إنك زعلان ولا إن محدش فاهمك !!

+



        
          

                
و قبل أن يُفكر " يحيى " في رد أتاه قوله " ريان " الرزين :

+


- و قبل ما تتكلم مفيش مبرر متفكرش.. مفيش تبرير ف الدُنيا لسوء الخُلق إطلاقًا ، لا نفسيهَ مش بخير ولا مزاجّ متعكر ولا غيره ، المحترمُ الخلوق يا يحيى مهما مرّ بظروف صعبه بيفضل محترم ومحافظ على شعور إلي حواليه ..حتى في بيت شعر بيقول :

2


إن الكِرام وإن ضاقت معيشتهمُ ؛ 
دامت فضيلتهمُ والأصل غلابُ  ..

+


ألتفت له الجميع بوجوم ، لتنفلت ضحكة من " عابد " قائلًا :

+


- بيت شعر إيه ريان ؟ طيب بص خليك على جمب كده الله يهدي سرك 

+


كان " يوسف " يوافقه الرأي فليس الموقف مُناسب لإلقاء الشعر و خاصةً إن كانت تُلقى على أخيه المتهور لكنه محى كل ذلك و ضغط بكفه على كتف " يحيى " ليشحذ انتباهه قائلًا بصوته الأجش و عيناه يُدققها في عمق عينايّ أخيه عسى أن تصل لأعماقه برسائل لا تصل بها الكلمات :

+


- عامةً هو معاه حق ببيت الشعر بتاعه .. الأصل غلاب .. عشان الإنسان الخلوق بيبان وقت الشدة، مش وقت الراحة ، ودي حقيقة ناس كتير بتخدها سبوبة وبتستسهل تجرح اللي حواليها بحجة إنها "مش في المود" .. ميبقاش الحق معاك و الي حواليك مقدرين تعبك و حالتك و تبقى إنت زي .. زي الطور داخل فيهم .. استغفر الله متخلنيش اشتمك بقا 

+


ليتدخل " ريان " في عبارته نابسًا :

+


- يوسف حبيبي إنت شتمت خلاص توب بقا 

+


ليقف " عابد " في مواجهته و تتسع ابتسامته بتسليه :

+


- بتهيألي قلت خليك على جمب شوية  .

+


ارتفعت ضحكات " ريان " باتزان و أجاب :

+


- يا جدع سيبني أعبر عن رأيي .

+


بينما تسللت الإبتسامات لجميع الواقفين عدى " يحيى " الذي ضاق ذرعًا و همّ بالإنفلات و الإبتعاد عنوةً إلا أن كف " عابد " أعترض طريقه و تسائل : 

+


- خد يالا هنا ، مش الكبار واقفين ! أنت ماشي و سايبنا كده فين؟

+


توقف " يحيى " و هاج قائلّا :

+


- وربنا روحي في مناخيري .. أنا مش بكرههم... انا مش بكرهم يا عابد ولا عاوز دا يطلع مني أنا بكره نفسي لما بتتوجع ومش بتعرف تعبر .. متضغطوش عليا بعد إذنكم أكتر من كده 

+


- خلاص يا عابد سيبه ، و اطلع أتوضى يا يحيى و حصلنا على الجامع ، و عالله ما ألمحكش في ظرف خمس دقائق.

+


تدخل " يوسف " هنا و أذن لأخيه بفترة نقاهة صغيرة ليُعيد حساباته في حديثهم و تصرفاتهم ، فعبرر " يحيى " من بينهم بخطواتٍ سريعه ، ثم تبادلوا السلامات مع " مروان " و الذي كانوا على معرفة مُسبقة به ، حتى توقف " يوسف " أما " ريان " و بابتسامة ساخرة هتف :

+


- منور الدنيا 

+


اتسع ابتسامة " ريان " حين فهم مقصده و أجابه :

+



        
          

                
- حبيبي بنورك…

+


ليسترسل " يوسف " في قوله :

+


- أومال باعتلي رسالة  من الصبح و متتأخرش يا يوسف على الدرس بتاعي و أوعى متجييش يا يوسف .. و في الآخر لما استنجد بيك تقوله شِعر ! شِعر يا ريان ! 

+


- ماله الشعر يا يوسف ! ما هو معبر أعملك إيه ؟

+


هتف بها " ريان " بسخرية و الابتسامات تعتلي وجوه الجميع أمام ذلك النقاش الفُكاهي ليستطرد " يوسف " قائلًا :

+


- بس مش مع يحيى ، الواد كان مغلي و إنت بتقوله شِعر !! بص هديك خمس ثوان حط نفسك في الموقف و قولي حاسس بإيه !

+


و سكن لوهلة قبل أن يتدخل " مروان " يحاول كبح ضحكاته و قال :

+


- يا دكتور .. الخمس ثوانِ خلصوا يا دكتور !

+


ابتسم " ريان " بهدوء ثم ارتسم على ملامحه الجدية و أجاب :

+


- إحنا نلغي البشر بحوارتها عشان كترت .. إنتوا هتصدعوني ليه انا مش قاعدلكم فيها !

+


لينبس " عابد " بمرح :

+


- خرجتوا الدكتور إلي حيلتنا عن شعوره…

+


لتنفلت ضحكة جماعية من الجميع في ذات الوقت ، ليتبادلوا أطراف الحديث في تلك الدقائق التي ينتظرون فيها " يحيى " .

+


و بذكر " يحيى " وجدوه عائدًا لهم ينفث بضيق :

+


- حد يديني مفتاح الأسانسير 

+


ليلتفت له الجميع قبل أن يهتف به " عابد " بحنق :

+


- أطلع على السلم ... أطلع على السلم ، جايز تفكر في كلامنا شوية و تصرفاتك 

+


زمّ " يحيى " شفتاه يكبحُ غضبًا عارم يغلي في كل ذرة في دمه ، ليعود أدراجه مُستخدمًا السلم للطابق التاسع … و قد يبدو عقابًا في ظاهره لكنها الطريقة الوحيدة لإحكام غضب" يحيى " الذي يعلمونه جميعًا حق العلم ، فمشقة إرتقائه لأعلى سُتشتِت عن عقله الغضب و العناد .

+


أما بالأسفل قطع ذلك السكون الذي ألتهم الأجواء بينهم قول " ريان " :

+


- خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة خطبة و اتكلم عن الغضب فقال"ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، أما رأيتم إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه؟ فمن أحس من ذلك شيئا فليلزق بالأرض"… يعني لو حد غَضب و هو قاعد يقوم يقف و لو كان واقف يقعد المهم يغير وضعه .

+


أومأ له الجميع بالإيجاب حتى تحدث " يوسف " بذات الإتزان :

+


- و برضو قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - و لو كان بيه حتى شىء من الضعف لكن علماء عملوا بيه و هو  "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" … فأحسن حاجة إنه طلع يتوضا عشان العشاء ، و أدينا قاعدين مستنيين حضرة المُبرمج .

+



        
          

                
و عند حضرة المُبرمج الذي أخذ يرتقي درجات السلم بحنق هاتفًا :

+


- أنا كده في كل مرة ببقى مخنوق و تعبان... بخسر حد بيحبني عشان بس مش قادر أقول إنّي ... إني مش بخير.

+


و أخذ باقي الدرجات يندب في نفسه حتى أصبح في الطابق الثامن الذي وصل له بشق الأنفاس ، و ما هي سوى درجات قليله على الطابق التاسع و للحق هو لم ينسى سبب غضبه فقط بل نسى إسمه حتى ، و تلك من المرات القليلة التي ارتقى بها التسع طوابق على الدرج .

+


و ها هو يضع المفتاح بداخل مزلاج الباب و يدفعه أمامه بوهن ، ليستقبله ضوء الشِقة الخافت فأغلق الباب خلفه برفق و نزع حذائه و اتجه نحو دورة المياه لكن توقفت خطواته بتوجس حين وصل لمسامعه صوت همهمات خافته امتزجت بأصوات نحيب من إحدى الغرف التي تعرف على موقعها " يحيى " فورًا .

+


حاد " يحيى " بخطواته سريعًا نحو غرفة والدته ليجد الباب مواربًا فدفعه برفق مُرددًا :

+


- مـامـا ؟!

+


دفع الباب أمامه و تقدم لتقع عيناه على والدته الجالسة أرضًا و بين أناملها صور تتأمل فيها بدموعٍ و و آخرى منتشرة حولها بعبثية و معظمها تتعلق بشخصٍ واحد…

+


تقدم منها " يحيى " و انخفض بجانبها بقلق متسائلًا :

+


- ماما إنتِ كويسة ؟! حصل إيه !

+


ثم حاد بعيناه نحو الصورة بين أناملها و الدموع التي عادت تسيل من مقلاتيها : 

+


- مالك مطلعة صورة يوسف و هو صُغير ! إيه إلي حصل لكل ده ؟

+


هُنا تحدثت " هند" بصوتٍ مُتحشرج :

+


- هِنا … هِنا كان عنده عشر سنين و كان طالع رحلة للمدرسة ، شفت … شفت كان جميل إزاي ؟ كان هو مختار الطقم بتاعه و كان أغلى واحد في المحل بس جبتهوله عشان عينه كانت متعلقة بيه ..

+


قالت عبارتها الأخيرة وهي تأخذ نفسها بصعوبة و تمسح دموعها برفق ، بينما " يحيى " كانت نظراته مُعلقة بالصورة بين أناملها و هو يتذكر ذلك الموقف كأنه بالأمس رغم كونه لا يصغُر أخيه سوى بثلاثة أعوام .

+


- طب يوسف كويس يعني ولا إيه إلي حصل ؟

+


تسائل " يحيى " بقلق من أثر دموعها ليجدها تُهدئ من روعة أنفاسها و تنظر إليه بألم دفين :

+


- يوسف .. يوسف أخوك لسه بيفكر في أمه … أنا معرفتش أعوضه 

1


ثم عادت في موجة بكاء عنيفة اسند بعدها " يحيى " بجسده أرضًا تمامًا و مسح على كتفها و نبس :

+


- طيب .. يعني يا ماما هي مامته برضو طبيعي هيفضل فاكرها ..

+


لكن لا جواب من " هند" فقط شهقات باكية ، ليّزمّ شفتاه يحاول التفكير في قول يُخفف عنها :

+


- بصي يا ماما يعني … إنتِ عملتي إلي صعب أي أم تقبله .. و رضيتي بيه مع إنه من أم تانية و ربتيه و كبرتيه وسطنا و مكنش ناقصة حاجة … يوسف استحاله ينكر إلي عملتيه عشانه ، وهي مهما كانت أمه إلي أتحرم منها بدري .

+



        
          

                
لكن والدته لم تفعل شىء سوى البكاء و مدامع عيناها لا تكُف عن البوح بما في صدرها من آلام و توجعات ، لتجد صوت ولدها مُجددًا :

+


- بعدين إنتِ بتفكري في يوسف و سايبة إبنك ! دا يوسف واخد راحته على الآخر و مهزقني من تحت و مطلعني أتوضى و حالف عليا هنزل معاه الجامع ...

+


أخرجت " هند" ضحكة قصيرة ابتهجت ملامح " يحيى " على إثرها مُتابعًا :

+


- آه و ربنا ، دا واخد حقه تالت و متلت و مسيطر مبعرفش أرفع عيني في وشه … تربيتك بقا يا ست الكل.

+


لتعود " هند" و تبتسم مُجددًا مع الحفاظ على سكون هدوئها ليستطرد :

+


- فكي كده يا أم يوسف ، والله الولا إلي تحت دا إلي أنا مطلع عنيه بيحبك و بيحترمك و هو أكيد ميقصدش يحسسك بأي نقص .. دا هو من حبه ليكِ بيحكيلك وجعه حتى لو عن أمه ، مش كان قادر يبعد عنك و ميحكيش ؟؟ كان يقدر …

+


- حبيبي هو ربنا يصرف عنه الحُزن …

+


- آمين و ماله ! و ماله برضو يا أم يوسف … مفيش غير يوسف هنا و هناك دلوقتي 

+


ألتفت " هند " لولدها و وجدت علامات الضيق تعتلي ملامحه لتمسح على وجنته قائله بلُطف :

+


- أنا أم يحيى و أم يوسف و أم عابد … مفيش فرق بينكم عندي 

+


- ماهو باين !

+


نبس بها " يحيى " بضيق امتزجت بغيرة بريئة فهمتها والدته لتتُابع :

+


- يا ابني حقكم عليا لو شفتوني بديه أكتر ، بس بيصعب عليا وفاة أمه و هو صغير مش فاكرها ولا عاش معاها بس فاكر إن ليه أم كانت بتحبه بس معرفتش تفضل معاه طول العمر … أم وعى على الدنيا بيسمعهم بيتكلموا عنها بس هو مش شايفها حواليه ، بيدور في الوشوش عنها مش بيلمحها ، يوسف كان طفل تايه في العالم الكبير دا و لولا حضني عليه معرفش كان هيبقى عايش ولا ميت !

+


- لا ميت إيه صلي على النبي يامه ؟

+


استنكر " يحيى " عبارتها الأخيرة و اجفل قلبه ليجدها تقول :

+


- أنا عارفة إنك بتحبه .. و هو كمان والله ، و بيخاف عليك و عاوزلك الأحسن متزعلوش منك يا يحيى 

+


ابتسم " يحيى " بهدوء و أجاب :

+


- ماشي يا ست الكل لمي بقا صندوق الذكريات دا و انا هروح أتوضا عشان متاخرش عليه ألقاه طالع يجبني من الحمام …

+


ثم قَبل جانب رأسها برفق ونهض نحو دورة المياه بينما ابتسمت " هند " و أخذت نفسًا براحة و سكينة .

+


و إن كان لـهند مكرمة غير إنها احتضنت طفلًا يتيمًا ، لتكون أنها ربت أولادها الثلاثة بلا تفريق بين من هو من أم مماثلة أو مختلفة .

+


بعد عدة دقائق وجدوا الشباب باب المصعد ينفتح على مصراعيه ليخرج من خلاله " يحيى " و قد بدل ملابسه ليقترب منهم و قد استكانت ملامحه بشكل واضح و حين اقترب منهم و قبل أن ينبس بكلمة وجد أنامل " يوسف " تحاوط عُنقه يُهندم قميصة المُخطط باهتمام فابتسم " يحيى " بخفوت بينما ألتقط أخيه تلك الابتسامة و بادله بملامح واجمة دليلًا على ضيقه منه للآن و قبل أن يتفوه بكلمة شُخذ إنتباه الجميع فجأة حينما استمعوا لصوت عجلات حقيبة تحتك بالأرض الأسفلتيه و توقفت فجأة لينبس تاليًا صوت رجلٍ من خلفهم :

+



        
          

                
- مش عيب عليكم في تجمع زي كده محدش يفتكرني بالشر حتى !

3


───────────────── ˖.˚⋆

+


- آنسه ليلى !

+


توقفت " ليلى " عن صنيعها عندما سمعت النداء و ألتفت لنادل الذي توقف بالقرب منها يُتابع :

+


- آنسه ليلى في حد عاوزك برا .

+


قطبت " ليلى " حاجباها و تركت الأطباق برفق بين يديها و تسائلت : 

+


- برا فين !

+


- برا المطعم..

+


ازدادت من تقطيب حاجباها و مسحت بيديها في منشفة سريعًا و تسائلت :

+


- مقالكش مين طيب ؟

+


- معرفش يا آنسه والله .

+


فأومأت "ليلى" برأسها سريعًا، والريبة تتسلل إلى ملامحها رويدًا رويدًا، تُتابع خطواتها بحذرٍ حتى وصلت إلى باب المطعم ، عبرته ببطء، تشحذ بصرها مُحاوِلةً أن تخترق عتمة الليل حولها ، وتقدّمت بخطوات مترددة، تتلفت يمينًا ويسارًا، حتى التقطت أذناها همسات خافتة تنبعث من أحد الزوايا البعيدة.

+


انحرفت بنظرها نحو مصدر الصوت، وإذا بالدماء تتجمد في عروقها، وبصرها يشخص، وجسدها يُصاب بشللٍ تام ، كانت نظرتها معلّقة بذلك الجسد الذي تحفظ هيئته عن ظهر قلب.

+


اقترب منها ذاك الشخص، وعيناها المتسعتان ترتجفان هلعًا وهي تحدق فيه، حتى وقف أمامها تمامًا ، ارتسمت على وجهه ملامح خبيثة، تشبّعت بها كل زاوية من قسماته التي تعرفها "ليلى" أكثر من أي شخص آخر.

+


قال بصوت مشوب بالسخرية والحنين المسموم:

+


- والله وطولتِ الغيبة يا بنتي... مش بنتي برضو؟ ولا نسيتيني يا ليلى؟

+


ابتلعت "ليلى " غصّة مريرة تُمزق جوفها، ودموعٍ مُتحجّرة تُزغلل في مُقلتيها ، تجمّد جسدها تمامًا، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة.

+


و بعد عدة دقائق آخرى وصلت للنصف ساعة ، كان "جواد" يجوب أرجاء المطعم بعينيه القلقتين، يفتش عنها بنظراتٍ حائرة، يتوقف بين حين وآخر ليسأل العاملين:

+


- مشفتيش ليلى؟

1


- لا والله يا فندم، ماشفنهاش.

+


تكررت الإجابة ذاتها، تتردد في أذنه كصفعاتٍ تزيد من جنونه قلقًا، رغم حرصه على الحفاظ على مظهره المتماسك.

+


كان قلبه يصرخ باسمها، لكنها لم تعد...
هل يناديها من جديد؟
هل صراخه الآن سيُعيدها؟
لو كان الأمر كذلك، لكانت عادت منذ خمس عشرة سنة...

+


- أستاذ جواد !

+


استفاق " جواد " من شروده منزوع الفكِر لمصدر الصوت ليجد " حسام " يقترب منه يهمس بالقرب من أذنه :

+


- جواد عاوزك لحظه …

+


كاد " جواد" أن تحجج بأمرٍ ما ، قبل أن ينظر " حسام " في عيناه بقوة و هو يقول :

+



        
          

                
- عشان ليلى …

+


و ما أن ذكر إسمها حتى أستثارت كل خلية في جسمه تباعًا لقوله و الجدية التي ارتسمت على ملامحه .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


المهنة...

+


تلك الكلمة المختصرة التي تحوي مبادئ جمّة، ومواثيق صامتة يُقسمها القلب قبل اللسان ، لم تكن يومًا مجرد لقب يُعلّق على بابٍ أو يُكتب في نهاية توقيع، بل كانت عهدًا داخليًا، ووعدًا أخلاقيًا لا يُخترق.

+


المهنة كانت شرفًا، 
كانت ضميرًا حيًّا لا يغفو، 
كانت يقظةً دائمة في وجه المغريات والانحرافات... 
لم تكن تُمارَس،
بل تُعاش بكل تفاصيلها... بكل آلامها وتضحياتها.

+


لكن،
حين مات الضمير في لحظة طمع،
وحين رُفعت المصلحة الشخصية فوق حاجات الناس،
حين صار الحياد ضعفًا، والحق عبئًا،
بدأ قَسم المهنة يذوب كجليدٍ هشّ أمام نار الأطماع.

+


ضاع قَسم المهنة يوم صمت من رأى الخطأ،
ويوم برّر من خان،
ويوم باع من أقسم أن يصون.

+


كانت تلك الكلمات تتلاشى بجوف من كان يتقدم بخطواتٍ بسيطةٍ حذرة عبر أروقة المستشفى ، بل إن صح التعبير لم تكن تلك الكلمات في قاموسه و لم يضع لها وزنًا في كفة أعماله ، بل كانت كفةً صاعدة بلا أي قيمة مُقابل الضياعِ و الإستغلالِ ... و الخيانة .

+


بحركة صغيرة يُحكم على مِقبض الباب ليُصدر صريرًا خافتًا نتج عنه انفتاح الباب أمامه ليُظهر ما يُخبئ خلفه من غرفةٍ تحوي سريرًا طبيًا و أجهزة و معدات … لكن ما كان دخيلًا هو وجود جسد يستوطن ذلك الفراش .

+


دلف ذلك الشخص وذلك الرداء الأبيض الذي غلف جسده،كان أقرب إلى كفنٍ يستر جثة الضمير ، فأغلق الباب خلفه بإحكام ، بينما تقدم بخطواتٍ آخرى خافته و نظراته تتعلق بجسد من توسط الفراش …و إن أتينا للواقع فقد كان جسدها …

1


ذلك الجسد الذي استوطنه التعبُ و الألم ُلشهرين ، بينما لم يستوطن جسده سوى الخُبث و الدناءة .

+


تلك الصفات التي حركت غرائز كان واجبٌ عليه إخمادها ، لكنه باع نفسهُ للهوى بثمنٍ بخس .

+


اقترب أكثر بخطواتٍ حذرة و عيناه لا تحيدان عن جسدها المُمدد على الفراش و وجهها التي تُديره للجهة الٱخرى تُركز في نقطة معينة بشرود .. قبل أن تشعر بأنفاس ثقيلة تلحف وجنتيها و شعور بتوجس يتمكن من أوصالها .. و تلك … تلك الأنامل التي بدأت تشعر بها تتوجل بين خصلاتها الشقراء برفق .

+


ألتفتت " ميرال " بترقُب للجهة المُعاكسة ليقع نظرها على جسدٍ صلب و ملامح وجهٍ كانت مؤلوفة بالنسبة لها لكن صمت يخنق المكان حولها و زغللة عيناها تمُران بين أنامله العالقة بها بعض خصلاتها و بين جذعه المائل عليها و صوت همساته الدنيئة التي نسجت خبائث الكلمات:

+


- آشش … لا تقلقي ، لن تشعري بشىء .

1


بعد تلك الكلمات لم تعُد أي أصوات أو همهمات،
سوى صوت الحرية المُستباحة،
كزهرةٍ طُويت أوراقها قسرًا قبل أن تُزهِر،
وكسكون الليل حين يُغتال فيه الأمان.

+


مرت اللحظات كدهرٍ خانق،
والغرفةُ أضحت قبرًا لصوت النور داخلها،
لا شهود سوى أجهزة صمّاء،
ولا مقاومة سوى رعشة خافتة... لا تُرى، لكن تُحس.

+


وفي عيّنيها،
انطفأ شيءٌ كان يُشبه الحياة.

+


'
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


عودًا حميدًا… 

+


أعلم أنكم قرأتكم أحداث ثقيلة و لكن لا تتسرعوا بإطلاق الأحكام ، فلقد تقدمتم على دخول ذروة الأحداث و التي تحمل العديد من الحقائق النفسية و المنعطفات الصادمة ، فما مرت عليه أعيُنكم الآن ليس سوى البداية …

+


معادنا كل أحد و أربعاء من [ 9 مساءًا - 12 صباحًا ]

+


هنتظر آرائكم هنا أو على جروب الفيس بوك ستجدون الرابط في وصف حسابي على واتباد، هكون متواجده هناك و أتفاعل معكم و مع آرائكم .

+


شكرًا لحُسن قرائتكم … و السلام على قلوبكم .

+


|| سُهى الشريف ||

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close