رواية شيخة القبيلة الفصل العشرين 20 بقلم رانيا ممدوح
لم يجد صقر بدًّا من أن يهبط إلى ساحة التنافس عوضًا عن أخيه، وقد بدا على ملامحه تصميم يختلط به قلق خفي، فقال بصوت حازم:
"خلاص يا بوي أنا هنزل أنا."
4
ابتسم جمال ابتسامة يملؤها الفخر، ورفع رأسه عاليًا وهو يجيبه بثقة:
"ارفع راسي يا ولدي."
2
كان صقر يظن أنه سيقف أمام بدر، لكن ما لم يكن في الحسبان أنّ من سيواجهه هو شقيقها "أمان". انسحبت بدر في صمت لتتجهز في إحدى الخيام، بينما خرج أمان من الجهة المقابلة، وقد غطى وجهه بوشاح قاتم أخفى ملامحه، غير أنّ عينيه كانتا تشعان إدراكًا عميقًا لما ينتظره.
6
كانت الخطة أن تكون المبارزة بالسيوف. قبض صقر على سيفه بإحكام، والصلابة تعلو قسماته، وظل واقفًا في ترقب حتى تبدأ بدر أو هكذا اعتقد. غير أن البداية جاءت من أمان، بضربة باغتت صقر بقوة غير مألوفة، أقوى بكثير مما توهم. ارتبك لوهلة، لكنه سرعان ما تماسك وهو يلاحظ أنّ الخصم أمامه لا يقاتل بتردد، بل يهاجم بشراسة.
2
"مستحيل… دي مش بدر!" هكذا تمتم صقر في داخله، وعيناه تضيقان بريبة، فيما يزداد عراكه ضراوة ليكافئ الاندفاع الغريب لهذا الخصم الغامض.
2
اندفع الاثنان في ساحة القتال، والسيوف تتلألأ مع كل اصطدام، تبرق شراراتها في عيون المتفرجين. بحركة مباغتة، سقط أمان أرضًا، لكن صقر انقض عليه بلمح البصر، يعلوه بحدّة النظرات. وعندما التقت عيناه بعيني خصمه، شعر باختلاف مباغت، حدس يؤكد أن شكوكه لم تكن وهمًا.
+
تجمدت لحظة قصيرة بينهما، ثم عاد القتال ليمضي على محمل الجد. ورغم تفوق صقر في مهاراته، إذ تدرّب بقسوة حتى اشتد عوده، إلا أن أمان لم يكن ضعيفًا؛ بل قاوم بضراوة، يهاجم ويدافع بعزمٍ لا يلين، يتلقى الضربات ويردها بصلابة، حتى بدا كأن كلا منهما يعرف تمامًا أسلوب الآخر.
+
ارتفعت أصوات الهتاف من حولهما، وجوه المتفرجين مشدودة، يترقبون لحظة الحسم.
+
قال عرفان، وعيناه تتأملان المشهد بدهشة:
"ها يا بدر، مستواك اتحسن كتير عن زمان… وصقر كمان صار أقوى."
4
أما جمال، فصوته كان يعلو بحماس أبوي:
"شد حيلك يا صقر، خليك أقوى."
+
مر وقت طويل، والقتال لا يزال محتدمًا، دون أن يُهزم أحدهما. كل ضربة يقابلها دفاع صلب، وكل هجوم يُرد بمثله، وكأنما تنسجم أرواحهما في رقصة صراع عجيبة.
2
وفي خضم هذا الصراع، فكر صقر في نفسه:
"مين الشخص ده؟ وازاي قوي كده؟ تدريبه كويس وقوته كبيرة… مين اللي ممكن بدر تثق فيه كده لدرجة ينزل مكانها؟"
1
قطع صوت عرفان تيار تفكيره وهو يبتسم ابتسامة الإعجاب:
"خلاص يا ولاد… مبارزة ممتعة، وأنتم الاتنين كنتم كويسين واحترنا مين يكسب فيكم."
+
اعترض جمال بلهفة الأب:
"أي بس صقر كان خطواته أسرع."
+
فأجابه عرفان وهو يلوح بيده:
"بس بدر تصدى لكل الضربات وأثبت قوته وصرامته، وتدريبه ما يقل عن صقر أبدًا … عشان كده الاتنين متعادلين."
+
ابتسم جمال ابتسامة ارتياح وهو يتمتم:
"المهم ما يخسر صقر."
+
تقدّم صقر نحو خصمه ومد يده إليه، وقد ارتسمت على وجهه ملامح فضول غامض. وعندما لمس يده، شعر بخشونتها، يد رجل جُبل على القتال، جنديٍ خبر الصعاب ومرّ بالكثير. تسلّل إلى قلبه شعور غريب، ألفة مبهمة تجاه هذا الغريب، في الوقت ذاته الذي اجتاح الشعور نفسه أمان. لقد التقت روحيهما في تلك اللحظة، ليس كخصمين، بل كمن كُتب لهما أن يتلاقيا على نحوٍ أعمق.
+
جلس صقر جانبًا بعدما انتهت المبارزة، وقد ارتسمت على محيّاه ملامح حيرة لا تفارقه، عيناه شاردتان في الفراغ، وصوته يتهدج بخاطره المضطرب وهو يتمتم:
"ليه حاسس إني أعرف الشخص ده كويس؟ مع إنّي ما أعرفش جنود بدر… بس الشخص ده حاسس إنه مألوف… كأني أعرفه من زمان."
3
في تلك اللحظة، انحنى أمان بهدوء ليلتقط سيفه، ثم غادر إلى الخيمة متخفيًا بوشاحه، وبعد لحظات خرجت بدر من الجهة الأخرى بملامحها الرجولية التي اعتادها الجميع. تجمّدت نظرات صقر عليها، ثم تمتم في داخله بدهشة:
"يعني في ناس كتير تعرف إن بدر بنت مش راجل؟! معقول كلنا أغبياء ولا إيه؟"
3
أطرق رأسه قليلًا، وقد شرد ذهنه، يردد في صمت:
"آه… ده محدش ممكن يتخيّل إن ده يحصل أبدًا… معقول حد يفكر إن في بنت تتنكر كراجل، وتبقى وسطنا عادي، وما تخافش… وتقرر، و كمان تاخد قرارات، وتبقى جريئة كده؟"
+
ازدادت حيرته، وعاد يحدث نفسه بعمقٍ أشد:
"الموضوع في إنّه… إزاي اتحمّلت تعيش في شكل غير شكلها طول المدة دي؟ أنا لو مكانها… ما استحملش أعيش كده ثانية."
2
قطع تيار أفكاره صوت صديقه يزيد، وقد جلس بجواره وهو يرمقه بريبة:
"إيه يا صقر، كان نفسك تكسب؟ عشان كده زعلان؟"
+
رفع صقر حاجبيه باستغراب، وقال بلهجة هادئة:
"هو أنا خسرت؟"
+
ابتسم يزيد ابتسامة ساخرة وهو يهز كتفيه:
"لا… لا كسبت ولا خسرت."
+
تنهد صقر ببرود، وأجاب وهو يشيح بوجهه:
"خلاص… هزعل ليه؟"
+
لم يقتنع يزيد، فاقترب أكثر وقد ارتسم القلق على ملامحه:
"أومال ساكت ليه؟ لما بتسكت بتكون بتفكر… وأنا بقلق منك لما تفكر."
+
قهقه صقر بخفة، وبدت على وجهه لمحة مرحة، وقال وهو ينظر له بعينين لامعتين:
"ليه يعني؟"
+
أجابه يزيد وهو يلوح بيده في الهواء:
"أكيد في مصيبة… يا حصلت يا هتحصل."
1
ضحك صقر بخفوت ثم تردد قليلًا، كأن على طرف لسانه سرًّا لم يبح به:
"لا بس…"
+
وفي تلك اللحظة، مرت بدر بهيئتها الرجولية أمامهما، فاستقرت عليها عينا صقر بنظرة مختلفة؛ لم تكن جامدة كعادته، بل كانت محملة بدهشة عميقة، وابتسامة خفيفة ساخرة ارتسمت على شفتيه من حيث لا يدري، وكأنما نفسه تعترف بما ينكره عقله.
+
رمقه يزيد وهو يتابع حركاته بعين فاحصة، ثم مال نحوه مستفسرًا:
"إيه… كنت بتقول إيه؟ كمل"
+
لكن صقر كان ما يزال مشدودًا بنظره خلف بدر التي ابتعدت بخطوات واثقة، فالتقط يزيد الخيط بسرعة، وقال متفاجئًا وهو يحدق في عينيه:
"هي النظرة دي… بتبصها لبدر؟"
1
ارتبك صقر للحظة حين باغته تعليق يزيد، فانعقد حاجباه وتبدلت ملامحه على عجل، قبل أن يرد بلهجة متوترة وهو يحاول إخفاء ارتباكه:
"نظرة إيه؟ أنا ببص عادي."
3
ابتسم يزيد ابتسامة مائلة تحمل شيئًا من السخرية وشيئًا من الريبة، ثم أشار برأسه نحو المكان الذي مرت منه بدر وقال بثقة هادئة:
"مالك اتوترت ليه؟ قصدي بتبص له باهتمام… مش مهم إنك خسرت يا صقر، ما تزعلش نفسك."
3
زفر صقر زفرة طويلة، وكأن صدره قد ضاق بما حمل، ثم تنفس الصعداء حين أيقن أن يزيد لم يلمح ما يخشاه. ارتسمت على وجهه ابتسامة باهتة، وقال بنبرة خافتة:
"لا… اه .. ايه .. مش مهم… عادي."
1
لكن يزيد لم يقتنع، فظل يراقبه بعينيه الثاقبتين، يقرأ ملامحه كمن يقرأ كتابًا مفتوحًا. ثم أردف بجدية ممزوجة بالقلق:
"عادي إيه؟ هو أنا مش عارفك؟ قلقت لما لقيتك بتبص له… شكلك ناوي على مصيبة."
1
رفع صقر بصره نحوه سريعًا، وعينيه يكسوهما مزيج من النفي والاضطراب، ثم قال بحزم خافت، وكأنه يقطع الطريق على شكوكه:
"لا… مش ناوي أعمل حاجة ما تقلقش."
+
ظلّ الصمت يخيّم للحظة بينهما، غير أن عيني يزيد لم تفارقا صقر، فيما كان الأخير يحاول أن يبدو ثابتًا، بينما قلبه لا يزال يضج بأسئلة لم يجد لها جوابًا.
+
كانت بدر تجلس في الصف المقابل لصقر، بين الشيوخ، بملامح جامدة تخفي خلفها ما هو أكثر من القوة. تبادلها الجميع بنظرات احترامٍ مشوبٍ بالريبة، حتى قال عرفان وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة شجية، وصوته يتخلله الحنين:
"من شوفتك يا بدر حتى تذكرت أبوك سالم. كان زين الرجال، يحب الضحك والفرفشة، وأي فرح أو مناسبة ما يفوتها. ما نسيت لما كان يعمل احتفالات في البحيرة اللي بقت مهجورة. كان يحب يقعد هناك في أغلب الوقت… المكان كان سبحان من صوّر."
+
أطرقت بدر برهة، وعيناها تلمعان بحزن صامت، ثم رفعت رأسها قائلة بثبات يقطر وجعًا:
"الله يرحمه… رحمك الله يا أبي ،ما شوفته، بس سيرته الحلوة تكفي. والله يجازي اللي كان سبب في موته."
+
انقبض وجه جمال، وارتفع حاجباه بحدة، فتدخل بصوت متوتر يخالطه غضب مكتوم:
"تقصد إيه يا ابن الحمدانية؟ بتلقح في الكلام على مين؟"
2
لم ترتجف ملامح بدر، بل نظرت إليه بعينين ثابتتين كالسهم، وقالت بسخرية هادئة:
"مقصدش حد… إنت اللي اتحسست من كلامي، ليه؟"
+
اشتعلت عروق جمال غضبًا، وانفجر صوته عاصفًا وهو يضرب صدره بيده:
"قصاد أبوك راح أخويا صقر، اللي كان أجدع من أبوك ميت مرة! زين الرجال وأشجعهم! أبوك ما كانش يسوى قدامه شي!"
1
حدقت بدر فيه بعينين تومضان كبريق الخنجر، وقالت ببرود جارح:
"بتتكلم عن حاجة ما شوفتهاش… ولا عايز أشوفها ولا أسمع عنها. شيخ القبائل كان يتكلم عن أبوي، وإنت اللي حشرت أخوك بينّا."
4
انتفض جمال غاضبًا، قبض يده حتى ابيضّت مفاصله، وصاح والشرر يتطاير من عينيه:
"إنت قليل الأدب… ومحتاج رباية!"
3
قام من مجلسه، وقد بدا كبركان يوشك أن ينفجر، لكن صقر نهض مسرعًا يعترض طريقه، واضعًا يده على صدر أبيه برفقٍ محسوب، وهمس بصوت منخفض يكاد لا يُسمع:
"خلاص يا بوي… إحنا قدام الناس. الكل هيغلطك انت، مش هو… لأنك انت الكبير."
1
زمجر جمال بغيظ، وعيناه تلتمعان كالنار:
"ما سمعتش قال إيه يا ولد؟!"
1
أجاب صقر بحزمٍ هادئ، ملامحه متماسكة كسيفٍ لا ينكسر:
"سمعت… سيبهولي، وأنا هربيه. بس مش دلوقتي… مش قدام الناس."
4
ساد الصمت لحظة، ثم ما لبثت ثورة جمال أن هدأت تدريجيًا، وكأن كلمات صقر سحبت فتيل الغضب من قلبه. جلس ببطء، والحمرة لم تفارق وجهه.
+
تدخل عرفان، وهو يرفع كفه كمن يحاول إصلاح الشرخ قبل أن يتسع:
"خلاص يا جمال… هدي نفسك. وإنت يا بدر… ما يصير تقول كلام زي ده لحد كبير."
+
رفعت بدر ذقنها بعنادٍ واضح، وقالت بثقة لا تخلو من تحدٍ:
"إحنا زي بعض… وهو شيخ وأنا شيخ. يعني بنتكلم شيخ لشيخ، ليه يزعل مني؟"
3
لم يستطع صقر أن يمنع نفسه، فانفرجت شفتاه عن ابتسامة مكتومة، وكتم ضحكة كادت تفلت منه، وقد وجد في جوابها جرأة لم يعهدها من قبل.
2
اشتعل وجه جمال غضبًا، وارتفع صوته كالرعد، يزمجر بغيظ لم يستطع كبحه:
"شيخ لشيخ؟! والله إحنا في آخر الزمان… صار ولد صغير يحط راسه براسي!"
2
التفتت بدر نحوه ببرودٍ متحدٍ، وعلى شفتيها ابتسامة ساخرة تحمل طابعًا لاذعًا، وقالت بنبرة هادئة تقطر سخرية:
"ما قدرش… لأن راسك كبيرة… أقصد كبيرة المقام مش الحجم."
4
تجمد المكان للحظة، ووجوه الشيوخ تعلوها الدهشة، بعضهم كتم ضحكة، وآخرون أطرقوا حتى لا يزداد الموقف حدة. اشتعلت عينا جمال غضبًا أكثر، وبدت كأنهما تقدحان شررًا.
+
لكن صقر، وقد شعر أن الأمور على وشك الانفجار، مد يده لوالده وأمسك ذراعه برفق وهو يقول بصوت حازم ممزوج بالرجاء:
"خلاص يا بوي… خلاص، هدي… اجلس بس."
+
تردد جمال لحظة، نظر إلى ابنه بعينين ملتهبتين، ثم أطلق زفرة ثقيلة، وجلس في مقعده مجبرًا، بينما ظل الغضب متأججًا في صدره. أما بدر، فقد اعتدلت في جلستها كأنها لم تُلقِ سهمًا للتو، ثابتة النظرات، كأنها تعلن انتصارًا صامتًا.
+
ساد القاعة توتر كثيف أشبه بالدخان الخانق، فما إن هدأ جمال قليلًا حتى تدخل زين الذي كان يتابع الموقف بصمت ينتظر حتى يتدخل أخيه الأكبر صقر، وقد اشتعل وجهه غضبًا، وصوته يفيض تحديًا:
"في إيه يا بدر؟ ما تلم لسانك؟ عاد ما فينا نرد عليك قدام المشايخ… ما تسوقش فيها!"
+
و قفت بدر ثم ارتسمت على وجه بدر ابتسامة ساخرة متوترة، عيناها تتوهجان بصلابة، وردّت بهدوء فيه طعن مبطن:
"أبوك ما عنده لسان يرد… بترد عنه ليه؟"
+
اشتعلت ملامح زين غضبًا، فاندفع دون روية، يمد يده ويدفع بدر من كتفها. لم يكن يقصد أن يؤذي، لكنه أصاب موضع الألم، موضع الجرح المستتر. فجأة، سقطت بدر أرضًا بخفة غير معتادة، وكأن جسدها لم يحتمل اللمسة، فشهقت بألم مرير، صوتها يخرج متحشرجًا:
"آه…!"
2
جمدت العيون من الدهشة، وانعقدت الألسن. الجميع تساءل في صمت: أي قوة خفية جعلت بدر يسقط بهذه السهولة؟ لم يكن أحد يعلم سر إصابتها، ولا خفاء جرحها.
+
انحنى صقر بسرعة، عينيه تضطربان ما بين القلق والغضب، ووجهه يشع بنظرة استنكار حادة:
"ليه تعمل كده يا زين؟"
1
التفت زين بحدة، وعيناه تقدحان نارًا، وأجاب بعصبية وهو يشير بيده:
"مش شايف يعني طولة لسانه على أبوك؟ هو فاكر محدش يعرف يقف قصاده؟! لأ أنا أعرف كويس اربيه و اقطع لسانه ده طالما مش عارف يلمه."
1
لكن صوت أنين بدر ظل يتردد، يفضح ما حاولت أن تخفيه طويلًا.
+
في هذه اللحظة، كان عبد ربه واقفًا على الطرف، يحمل كأس مشروب التحية، يبتسم دون أن يتابع ما يجري. غير أن ابتسامته تلاشت فجأة حين لمح بدر تضع يدها على كتفها المصاب، وعينيها تنغلقان على ألمٍ لا تستطيع إخفاءه. ارتمى قلبه بين أضلعه، ورمى الكأس جانبًا، وانطلق يعدو بخطوات متعجلة حتى بلغها، وصوته يحمل ذعرًا صادقًا:
"سيدي بدر! إيه اللي حصل؟"
1
رفعت بدر رأسها بصعوبة، تحاول استعادة وقارها وسط الحشود، وقالت بصوت خافت لكنه حازم:
"مفيش… يلا نروح على البيت."
+
كان عرفان يراقب الموقف بعين الشيخ الحليم، فرفع صوته في محاولة لتهدئة النيران المشتعلة، وجهه يكسوه مزيج من الأسى والصرامة:
"هدّوا يا حمدانية وشرقاوية… إحنا اليوم بدنا نفرح. ليه تتعاركوا؟ احنا مش كنا انتهينا.. مد يدك يا صقر قومه و ساعده يقف ."
+
تردد صقر للحظة، وكأنه قد علق بين كبريائه وغريزته التي دفعته لمساندتها. عيناه ثبتتا على بدر وهي تحاول النهوض وحدها، ويدها تضغط على كتفها بإصرار يخفي خلفه ضعفًا عميقًا. لم يجد صقر مهربًا من نداء عرفان ولا من نداء داخلي خفي اجتاح قلبه، فمد يده إليها مترددًا.
+
رفعت بدر عينيها نحوه، وفي نظرتها مزيج من الألم والصلابة، ثم مدت يدها المرتعشة. ما إن التقت يدها بيده، حتى ضغطت بقوة أكبر مما تطيق، وكأنها تستمد منه سندًا لا من غيره. سرت في جسد صقر رعشة مباغتة، وكأن شرارة من البرق اخترقت قلبه، فأحس بحرارة غريبة تتغلغل في صدره. رفعها بخفة، رغم ثقل الألم الذي تكابده، وهي تقاوم الانحناء، تحاول أن تبقى شامخة.
+
ظل صقر ممسكًا بيدها، عيناه شاردتان في تفاصيلها، وهو يشعر بشيء لم يعرف له اسمًا، شعور مباغت غلبه ولم يستطع أن يسيطر عليه. أما بدر، فكانت تحاول أن تخفي وجهها المرهق خلف صلابتها المعتادة، وكأنها تأبى أن تُرى ضعيفة.
1
قطع عرفان لحظة الصمت، صوته يعلو بين الناس بابتسامة مُفتعلة لإعادة الفرح:
"الليلة لسه طويلة… وبدنا نفرح… وننسى العداوة اليوم."
1
تفرقت الأنظار بين بدر وصقر وزين، غير أن سرًا جديدًا كان قد بدأ ينبت في قلب صقر، لحظة ضغط يدٍ واحدة، أشعلت داخله ما لم يكن يتوقعه.
+
اقترب عبد ربه من بدر ، ملامحه مشدودة بالقلق، وصوته يتهدج بالاحترام:
"بنستأذن منكم… سيدي بدر هيمشي."
1
رفع عرفان رأسه، وعيناه تنظران بثبات فيه شيء من العتاب:
"خلاص يا عبد ربه ما تكبرش الموضوع، خلي سيدك يستمتع بالحفل… ما يجوز يمشي بدري."
2
ترددت أنظار الحاضرين بين عبد ربه وبدر، وكأنهم ينتظرون الكلمة الفاصلة. التفت عبد ربه إلى سيدته بنظرة متوسلة، فالتقطت بدر تلك النظرة، ورغم شحوب وجهها والألم الذي بدأ يتسرب إلى كل تفاصيلها، ابتسمت ابتسامة مصطنعة وقالت بصوت واهن يخفي ضعفًا كبيرًا:
"خلاص… بقعد شوية كمان."
2
أومأ عبد ربه على مضض، لكنه ظل واقفًا خلفها كظل لا ينفك عنها، عيناه تترقبان كل حركة من حركاتها خشية أن يفضحها الجرح. كان واضحًا أن الألم قد اشتد عليها، بل بدا على كتفها أثر خفيف يدل أن الجرح ربما نزف أو تفتح من جديد، لكن بدر تشبثت بكبريائها، لا تريد أن تُرى منكسرة أمام الجميع.
+
وفيما لا تزال الأحاديث تتعالى، أُعلن عن فقرة طال انتظارها: الرقص بالحصان.
هبّت همهمات الفرح بين الحضور، واصطفت الأنظار نحو الساحة المخصصة. صعد عدة رجال واحدًا بعد الآخر، ثم اثنان اثنان، يتبارون في براعة الرقص، كل منهم يمسك لجام حصانه ويؤديه بخطوات متناسقة تثير الإعجاب. ارتفعت الزغاريد، وضج المكان بالتصفيق، إذ كان المشهد يجذب القلوب بجماله.
+
الخيول تقفز وتتمايل مع وقع الدفوف، ورجال يتباهون بخفة حركتهم وقوة تحكمهم، والناس تنقسم ما بين مبهور ومشجع.
+
لكن لحظة الصمت الحقيقية حلّت حين نادى المنادي:
"دور صقر… ومنافسه بدر!"
3
ارتفعت الرؤوس جميعًا، العيون تتنقل بين الاثنين، وكأن الزمن توقف لحظة. صقر نهض بخطوات ثابتة، عينيه تقدحان شررًا من حماسٍ مكبوت، بينما على وجهه ابتسامة خفيفة تكشف شيئًا من الثقة والتحدي.
+
أما بدر، فقد شدّت على أسنانها لتقاوم ألم كتفها، ونهضت كأنها تحمل جبلًا على جسدها، لكن وقفتها كانت شامخة، متماسكة، كأنها لا تعرف الضعف. حملت في عينيها بريقًا متحديًا يخفي خلفه وجعًا كبيرًا.
+
وقف الاثنان متقابلين في وسط الساحة، بين صهيل الخيول وأصوات الطبول، كل منهما يحمل عبء اسمه وهيبته، لا مجال للتراجع.
+
ارتفعت أصوات الطبول، وتمايلت الخيول في الساحة استعدادًا للرقصة، والأنظار كلها شاخصة نحو المبارزة الجديدة من نوعٍ آخر. وقف صقر وبدر متقابلين، كل منهما يمسك بزمام حصانه، يتبادلان النظرات التي اشتعلت فيها نيران التحدي.
+
انطلقت الإيقاعات، وقفز صقر بخفة على صهوة جواده، يضبط خطواته مع وقع الطبول، يرفع يده في الهواء بثقة، فيستجيب الحصان لحركته برشاقة. التصفيق دوّى في الأرجاء، والهتافات علت باسمه.
+
لم تتأخر بدر، صعدت إلى حصانها بجرأة، وضغطت بساقيها لتدفعه في حركات مدروسة، محاولة أن تبقي ابتسامتها ثابتة كي لا يلحظ أحد ما يحدث داخلها. كانت خطواتها متقنة، عيناها ثابتتان، والناس يهللون إعجابًا.
+
لكن صقر، بعينه المدربة وذكائه الحاد، لم ينخدع بالمظهر. كان يراقبها عن قرب، يلمح ارتجافة خفية في كتفها كلما جذبت اللجام بقوة، أو لحظة صمت قصيرة حين حاولت كبح أنفاسها. عينيه ضيقة، قلبه دق أسرع… لقد التقط الإشارة الألم يأكلها رغم صمودها.
2
ازدادت وتيرة الطبول، والحصانان يتمايلان جنبًا إلى جنب. صقر ينفذ الحركات بثبات كأن جسده والفرس واحد، أما بدر، فكلما ارتفعت الحركة زاد الجهد على كتفها المصاب، حتى كاد عرق بارد يتصبب من جبينها.
+
رفع صقر حاجبه قليلًا، وابتسم ابتسامة خفيفة لم يرها أحد، ابتسامة فهمٍ خفي، وكان يقول في نفسه: "مش معقول… إزاي واقفة كده وهي متألمة بالشكل ده؟ عنيدة."
2
لم يوقف حركاته، بل تابع رقصه على الحصان بإتقان، لكن عينيه لم تفارقا بدر لحظة، يلتقط كل إشارة، كل ارتعاشة صغيرة تخون جسدها، حتى صار أكثر يقينًا أن هذه القوة التي تُظهرها ليست سوى قناع يخفي خلفه وجعًا عظيمًا.
+
والجمهور من حولهما لم يرَ سوى مبارزة راقصة مبهرة، أما صقر، فقد كان يرى ما لا يراه غيره… ويرى بدر كما لم يرها أحد من قبل.
+
اشتعلت الساحة بالتصفيق والتهليل، الطبول تقرع بشدة، والخيول تقفز يمينًا ويسارًا، وكأنها تشارك في التحدي. صقر يعتلي حصانه بخفة فارسٍ واثق، خطواته متزنة، نظرته ثابتة، والناس تهتف باسمه. بجانبه بدر، شامخة رغم ألمها، تُجاهد لتُبقي كتفها المصاب سرًا خلف قناع القوة.
+
طلب الجمهور رقصة أخرى فاستكملت بألم كلما سحبت اللجام، ارتجف جسدها قليلًا، وكلما لوّحت بيدها، انكمش وجهها للحظة قبل أن تُعيده إلى ملامح الصلابة. لم يلحظ أحدٌ ذلك… إلا صقر. عيناه تترصدانها بدقة، حتى أدرك أنها تكاد تنهار إن استمرت الرقصة طويلًا.
+
ارتفع الإيقاع فجأة، وتعالت أصوات المتفرجين، وطُلب من الفارسين أن يؤدّيا قفزة عالية بخيولهما في ختام الرقصة. شدّت بدر على أسنانها، وجهها ازداد شحوبًا، وصقر علم أن هذه الحركة قد تُسقطها أمام الجميع.
+
وفي لحظة حاسمة، اتخذ قراره. أرخى زمام حصانه قليلًا، وأدار جسده بحركة محسوبة، ثم مال فجأة إلى الأمام كأن قدميه فقدتا الثبات، ليسقط عن صهوة الحصان سقوطًا بخفة وسط الساحة.
3
شهق الحضور في صوتٍ واحد، وارتفعت الصرخات:
"صقر وقع!"
2
توقفت بدر في مكانها، وقد عقدت الدهشة لسانها، عينها اتسعت، وكتفها ارتجف، لكنها سرعان ما أخفت مشاعرها وأمسكت بلجام حصانها كي تظل واقفة.
+
أما الجمهور، فقد انشغل تمامًا بصقر، هرعوا نحوه، بعضهم يضحك قائلًا إن السقوط جزء من اللعبة، وآخرون يصيحون:
"سلامتك يا صقر!"
+
نهض صقر بخفة وهو يربت على الغبار فوق ثيابه، ضاحكًا ضحكة خفيفة فيها شيء من التهكم على نفسه:
"أنا بخير… الحصان هو اللي غلبني ، فوقعت."
+
عمّت الضحكات، وتحولت الرقصة إلى حديث عن سقوطه الطريف بدلًا من أي ملاحظة عن بدر. وحده صقر يعلم أن سقوطه لم يكن ضعفًا، بل سترًا… سترًا على سرّها، وعلى ألمٍ قاومته حتى النهاية.
+
وبينما يعود إلى مجلسه، لمح بدر وهي تنظر إليه نظرة خاطفة، عيناها قالت ما لم يقله لسانها.
+
كان جمال في قمة غضبه، وجهه محمرًّا، وعيونه متقدة كالجمر، وصوته يعلو كالرعد فوق كل الأصوات حوله:
"مش عارف تتحكم في الحصان؟! كيف تسقط كده قدام الناس؟! إنت ما تعرفش أبسط حاجة؟! والله فضحتنا، والله خيّبت ظني فيك!"
2
صرخاته لم تترك مجالًا للصمت، وكل كلمة كأنها جلدة تصيب قلب صقر، لكن الأخير ظل ثابتًا، عيناه مسمّرتان على بدر وهي تغادر الساحة، كأنها محور كل اهتمامه، وكأن كل غضب والده لا يساوي عنده شيئًا.
+
اقترب جمال أكثر، وارتعشت شفتاه من شدة الغضب، يلوّح بيده في الهواء وكأنه يهدد صقر بالعقاب:
"إنت ضعيف! حتى الحصان ضحك عليك! كل الناس شايفينك… كل الناس فضحتنا! مين علمك الرجولة؟ مين؟ إنت مش ولدي، إنت مجرد ولد خايب!"
2
كلماته كانت قاسية، كأنها سيوف تشق الهواء لتصيب قلب صقر، لكنها لم تفلح في إخراجه من صمته، لم تحرك فيه سوى نظرة واحدة ثابتة نحو بدر. صقر لم يرفع صوته، لم يرد، لم يبدي أي إشارة للندم أو الخوف، بل كل اهتمامه كان بها، بخطواتها، بحركة يدها، بتلك النظرة التي لم تفارقه منذ سقوطه.
+
حاول جمال أن يزداد قسوة، يصرخ ويهزّ يده في وجهه:
"إنت مهزوم قبل ما تبدأ أي شيء! حتى الخيل ما تعرف تتغلب عليه! يا ليتك تعرف الرجولة… والله عيب عليك!"
4
لكن صقر ظل ساكنًا، ثابتا كصخرة تواجه العاصفة، صوته هادئ حين همس لنفسه أكثر من مرة:
"مش مهم كلامه… المهم هي…"
2
وبينما استمر جمال في صراخه وتهديده، كان صقر يرى بدر تغادر، كل خطوة منها كأنها نار تشعل قلبه، وكل وهمٍ أو ألم في كتفها يزيد عزمه على حماية سرّها، مهما بلغت قسوة أبيه.
+
وصلت بدر إلى المنزل، وقد امتزج شعورها بالإرهاق والألم، وكل خطوة كانت تثقل كاهلها أكثر من السابقة. أومأت لعبد ربه بصوت هادئ لكنه حازم:
"امشي دلوقتي… أنا أقدر أتعامل."
+
ابتعد عبد ربه مطيعًا، وخلفه صمت المنزل، فقط وقع خطواتها وهي تمشي نحو غرفتها، كأنها تحمل جسدها المثقل بألمها. أغلقت الباب خلفها، وأخذت نفسًا عميقًا، لكنها لم تستطع منع نفسها من الانحناء أمام المرآة، لتكتشف ما تخفيه الأقمشة عن نفسها.
+
كانت تنزف، نزيف خفيف لكنه واضح، يُظهر أثر الجرح القديم الذي قاومته طوال اليوم، وظل يتسلل منه الألم مع كل حركة. شعرت بدر بوجع يخترق قلبها، وعيناها امتلأت بالحزن لضعفها، لكنها لم تفكر لحظة واحدة في صقر، الذي ساعدها أكثر من مرة في الساحة، وحمل عبء سقوطه وتغلبها على الحفل دون أن يلاحظه أحد.
+
جلست على سريرها، يمينها على كتفها المصاب، تحاول كبح الدم، وداخلها شعور بالارتباك والخوف، ممزوج بغضبها على نفسها لضعف جسدها رغم إرادتها الصلبة. كانت وحدها، بعيدا عن كل الهتافات والعيون التي تحبست عليها طوال اليوم، تنظر إلى نفسها، إلى أثر الجرح، وكأنها تحاول أن تفهم كيف استطاعت الصمود طوال الوقت.
+
في تلك اللحظة، لم يخطر ببالها أن هناك من لاحظ كل شيء، وأن صقر كان دائمًا قريبًا منها بصمت، يحميها بخطواته، ويخفف عنها الألم بوجوده، دون أن تسمح له الظروف أن يظهر تضحيته أمام أعين الناس.
2
في صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ الصغيرة، لتضيء المطبخ الذي امتلأ برائحة الطعام الطازج. كانت ليلى وحسناء منشغلتين في إعداد الطعام، كل واحدة منهما تتحرك بين القدور والأواني بمهارة واندفاع.
+
حسناء، وهي تلمح بعض المكونات على طبقها، بمكر: "اديني، عملت أنا الأكل كله، ما نشوف بقى هيعجبه ولا لا."
1
ليلى، مرفوعة الحاجب، نظرت إليها بدهشة:
"قصدك ايه؟"
+
حسناء، ضاحكة بخبث:
"أصل هو قالك أكيد النص بتاعك الأحلى. المرة دي لو قال الأكل كله حلو يبقى النص بتاعي أنا اللي كان الأحلى!"
1
ليلى، متململة ولكن ابتسامتها تلمع على شفتيها: "حسناء، أنتي بتغيظيني."
+
حسناء، بنبرة مليئة بالمحبة والحنان، قالت وهي تمسح يديها على مئزرها:
"لأ، بهزر معاكي ، بس نفسي أفرح بيكي يا ليلى. أنا بحسبك مش اختي الصغيرة لأ، بحسبك بنتي. أنا اتجوزت زمان وكنت صغيرة، وما حصلش نصيب إني اخلف من وقتها… وأنا أحبك مثل بنتي يا هبلة. وخصوصًا إنك جيتي متأخر أوي، كأن ربنا بيعوضني بيكي… نفسي أفرح بيكي مع الشخص اللي يستاهلك."
2
ليلى، وهي تحرك الملعقة في القدر بحركة عفوية، قالت:
"وإيه لازمة النكد ده دلوقتي؟ أنا عارفة كل ده و ياريت ماتاخديش كلامي جد يا أمي."
+
حسناء، وهي تضحك بخفة، قالت:
"عندك حق… يلا بقى، ودي الأكل للناس، زمانهم جاعوا قوي!"
+
مع كل كلمة وضحكة، كان بين الأختين دفء لا يُخفى، وروح مرحة تجعل المطبخ ينبض بالحياة، وكأن الأجواء كلها تحتفل بحبهما المتبادل والاهتمام الذي يجمعهما.
+
بعد أن وصلت ليلى إلى مكان عمل الرجال ،أخذت ليلى تضع الأطباق بهدوء، دون أن تلفت انتباه أحد أو تتحدث بكلمة. أما يامن، فجلس على المقعد القريب يتناول طعامه بصمت، محاطًا برجاله الذين كانوا منشغلين في تناول وجبتهم أيضًا.
+
بعد أن أنهوا الطعام، رفع يامن رأسه، وعيناه تتقدان بإعجاب واضح:
"مين اللي طبخ النهارده؟"
+
ليلى، وهي تلمع قدميها قليلًا في حرج:
"ليه؟ الاكل وحش؟"
+
ابتسم يامن ابتسامة عريضة، وعيناه تلمعان بشيء من الدهشة والدهشة الممزوجة بالإعجاب:
"لأ، ده كان طعمه جميل بشكل… حاجة كده ماكلتش زيها من زمان. من حلاوته أحب أبوس إيد اللي طبختها وأشكرها من كل قلبي."
+
تقدمت ليلى بخفة، غير مكترثة كثيرًا بما يقوله و بدأت تلملم الاطباق، وقالت بنبرة مرحة وصدّها للدهشة:
"ماشي، روح بوس إيد اختي حسناء، واشكرها زي ما أنت عايز."
3
توقف يامن فجأة، شعر بصدمة خفيفة، عينيه تتسعان للحظة وهو يحاول استيعاب ما قالته، ثم اندفع في حركة سريعة نحو عمله ؛ ليتابع ما كان يفعله، والدهشة لا تزال مرسومة على وجهه.
1
كان الصمت يملأ المكان لدقائق قصيرة حتى أنهت مهمتها، مليئًا بالإعجاب والدهشة، فيما لم تتمالك ليلى نفسها من الابتسام بخفة، مسرورة برد فعل يامن على كلماتها، وكأنها صنعت لحظة صغيرة من الانتصار في جعل يامن يشعر بالحرج.
+
كانت هنادي تجلس في هدوء، عينيها تلمعان بشيء من التفكير العميق، فقد شعرت بالضيق من بعد بدر من أمام عينها، ومن ابتعادها إلى السهل الغربي الذي يبعد بضع ساعات عن مكانهم المعتاد. كان قلبها يرفض أن تظل المسافة بينهن أكبر من اللازم، وكانت تبحث عن طريقة لتقربها منهن، لتعيد التفكير في مخططات جديدة.
+
فجأة خطرت لها فكرة، ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها، وقررت تجهيز بعض الطعام لتأخذه معهم إلى السهل الغربي، ليكون سببًا في إدعاء لم شملهم والاقتراب من بدر ، قالت بصوت عال أمام بناتها:
"اليوم بنروح للسهل الغربي، واعمِلوا حسابكم هتيجوا معايا!" قالتها وهي تنظر إلى بناتها الأربع بعينين مليئتين بالحماس والتحدي.
2
سارية، الكبيرة، لم تتردد لحظة:
"أكيد، طبعًا هروح!"،
عينيها كانت تلمعان بشغف الرحلة المقبلة.
+
بتول، بمرحها المعتاد، أضافت:
"أه، أكيد! هتكون رحلة حلوة ، بدل القعدة هنا"، وابتسامتها كانت لم تفارق وجهها.
+
العنود، بطبيعتها الفضولية، رفعت حاجبيها وقالت: "هنشوف الزرع والخضرة والحاجات الحلوة"،
وعينها كانت تتأمل في صورة السهل الغربي في خيالها، تتخيل اللون الأخضر والسماء الصافية.
+
أما نسيم، فجاءت الكلمة منها مفاجئة للجميع، إذ لم يكن أحد يتوقع حضورها دائمًا ما كانت تعارض مخططاتهم:
"احم… وأنا هاجي معاكم."
1
ساد الصمت لبرهة، وعيون الجميع تتسع بالدهشة، فقد اندهشوا بشدة لمجيء نسيم، ولم يتصوروا أن تكون جزءًا من هذه الرحلة، خاصة وأنها عادة ما تتجنب أي نشاط تخطط له باقي العائلة.
+
هنادي، بابتسامة هادئة لكنها مليئة بالرضا، نظرت إلى نسيم وقالت بعينين دافئتين:
"كويس إنك جاية معانا… هيكون أحسن لما نكون كلنا سوا."
+
وعادت الفرحات الصغيرة تتردد في الغرفة، كأن الشمس نفسها قد تسللت لتلتمع على وجوههن، تحمل معها طاقة جديدة لكل واحدة منهن، متأملة أن تكون هذه الرحلة بداية لمزيد من التقارب والوئام بينهن جميعًا.
+
في الجهة الأخرى من السهل الغربي، كان هناك منزل قديم يخص قبيلة الشرقاوية، مهجور منذ سنوات طويلة، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه، وكأن الزمن توقف عند أبوابه المتآكلة. الجدران كانت مغطاة ببقع من الطين المتصدع، والنوافذ المكسورة تسمح للرياح بالدخول بحرية، حاملة معها أصوات الطيور وأوراق الشجر المتساقطة.
+
أمر صقر رجاله بأن يباشروا تنظيف المكان، بينما وقف هو على بعد خطوات قليلة من منزل بدر، يراقب الفناء الموحش بعينين متفحصة. الهواء النقي كان يملأ رئتيه، ويحمل معه رائحة الأرض الرطبة والأعشاب، ومناظر الطبيعة المحيطة بالمكان كانت تخطف الأنفاس، أشجار طويلة تتمايل بسلام، وأزهار برية تنتشر هنا وهناك، وكأن المكان يخبئ بين صمتاته جمالًا خفيًا لم تكتشفه البشرية بعد.
+
صقر، ووجهه المليء بالجدية، أخذ نفسًا عميقًا، وعينيه تتأملان البيت وكأنهما تبحثان عن سرٍ قديم مدفون بين جدرانه.
"مكان مثالي…" همس لنفسه، وابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، لكنه سرعان ما عاد إلى جدية الموقف.
"لازم يتحول من مكان مهجور إلى شيء نقدر نستخدمه… ويكون آمن."
+
المنظر حوله كان ساحرًا، لكنه أيضًا يثير شعورًا بالخوف قليلًا، بقايا الزمن المهجور تعطي المكان هالة غامضة، وكل نافذة مكسورة وكل لوحة متشققة تحكي قصة ماضٍ لم يكتمل بعد. صقر شعر بشيء من التحدي، وكأن المكان ينتظره ليكتب فصلاً جديدًا من حياته فيه، ويجعل من هذا البيت الموحش نقطة قوة واستراتيجية له في السهل الغربي، بالقرب من منزل بدر.
+
كانت فاطمة منشغلة بأعمال المنزل، تنتقل من غرفة إلى أخرى، ترتب الأثاث، وتتفقد الأواني، بينما يملأ صوت حركاتها المكان. فجأة، وصل إلى مسامعها صوت مألوف في الخارج، صوت هنادي وهي تتحدث مع أحد الجنود عند البوابة.
+
"بلغ الست فاطمة إن هنادي برا مع بناتها…"
جاء الصوت واضحًا، وكأن الهواء حمل الخبر عبر النوافذ المفتوحة إلى مسامع فاطمة. توقفت فجأة عن عملها، وارتسمت على وجهها ملامح الدهشة والقلق معًا، نظرت نحو الخارج، ثم عادت لتفكر في خطواتها القادمة.
+
"هنادي برا؟ مع البنات؟" همست لنفسها، وأخذ قلبها يخفق بسرعة من مزيج الدهشة والمسؤولية. تركت الأدوات جانبًا، وركضت نحو الباب لتخرج وتستقبلهن، محاولة أن تخفي مزيج الدهشة والفرح من تعابير وجهها، لكنها لم تستطع إخفاء ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيها.
+
في لحظة، شعرت فاطمة بأن الأمور ستتغير قليلًا اليوم، وأن حضور هنادي وبناتها قد يجلب معها نشاطًا وحيوية للبيت، وربما يقرب المسافات بين العائلة بعد فترة من الانشغال والانفصال الجزئي.تأمل أن تكون هنادي قد تغيرت حقا.
2
هنادي وقفت بثقة، ووجهها يعكس الرضا والارتياح: "ناجي مشغول، وقلنا نيجي نقعد معاكم كام يوم".
2
تجمدت فاطمة للحظة، عينها اتسعت من المفاجأة، وصوتها خرج مزيجًا من الدهشة والفرح و القلق في آن واحد:
"إيه؟! كام يوم؟ ده خبر سعيد! ، يا نهار ابيض لو مش شالتكم الأرض نشيلكم فوق راسنا"، لكن ما لبثت أن ارتسمت على وجهها علامات القلق والخوف الخفي، فقد كان يقينها أن بضع ساعات تكفي لتقلب اليوم إلى فوضى أو إرهاق، أما مكوثهم لأيام فقد يحمل معها متاعب لم تكن مستعدة لها.
1
سارية، بعينين متسعتين مليئتين بالفضول والانتظار، نظرت حولها وصرخت:
"أومال بدر فين؟"
1
نسيم، بابتسامة هادئة ووجهها المشغول ببعض الأشياء التي تبحث عنها بعينها، أجابت:
"أكيد وراه شغل، هيجي على آخر النهار كده باين."
+
سارية عبست بخيبة أمل طفولية:
"يا خسارة، طب ممكن تبعتو له تقولوله إحنا جينا."
+
نسيم، بعينين متأملتين وحركة متزنة، قالت بهدوء: "أكيد مشغول يعني، لما يخلص هيجي، ولا حضرتك مستعجلة؟"
2
فاطمة، بابتسامة دافئة، لوّحت لهن بيدها:
"روحوا يا بنات اتفرجوا على المكان ، بدر ممكن يجي كمان شوية، تعالي يا هنادي نشرب قهوة مع بعض."
+
جلست هنادي على طرف الطاولة، ترتشف قهوتها ببطء، وعينيها تتأملان بدر في خاطرهما، ابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها وهي تقول:
"مش حان الوقت أننا نفرح ببدر؟"
3
ابتسمت فاطمة برقة، محاولًة تخفيف الجو:
"اه طبعا، هو حر."
+
هنادي أومأت برأسها، لكنها لم تستطع كتمان القلق، عيناها تشعان الحرص:
"هو حر طبعا، لكن برضو لازم إنك تقوليله وتحذريه من عمره اللي بيضيع ده من غير جواز وخلفه و البنات الحلوين كتير... عايزين نشوف ولاده"
1
فاطمة رفعت حاجبها قليلًا، وعينيها تحملان مزيجًا من الحذر والحكمة، محاولًة تهدئة هنادي:
"اه هشوف الموضوع ده بعدين، المهم خلينا في أحوالك أنتي."
+
كانت فاطمة تغير الموضوع برقة، تحرك شفتيها بابتسامة صغيرة، كأنها تضع حاجزًا بين القلق والخوف، محاولة أن لا يغرق الحديث في ما قد يثير القلق أو التوتر، بينما هنادي تشعر ببعض الاطمئنان، لكنها لم تتوقف عن التفكير في بدر ومستقبلها.
+
نسيم، بخطوات واثقة، بدأت تستكشف المكان، عيونها تتحرك يمينًا ويسارًا، تلتقط أدق التفاصيل في الحديقة والمباني المحيطة. ملامحها الحادة وذكاؤها الواضح جعلتها تبدو كنسخة مصغرة من جدتها دليلة: صارمة، حادة الملاحظة، وذكية بطريقة لا تخفى على أحد.
1
في الجانب الآخر، اندفعت بتول والعنود نحو الأرجوحة القديمة في الحديقة، عيونهن تتلألأ بالحماس، وأصواتهن ترتفع بالضحك والجدال.
1
بتول، بوجه متوهج بالحماس والغيرة الطفولية:
"أنا شوفتها الأول!"
+
العنود، مرفوعة الذقن بعناد:
"بس أنا اللي قعدت الأول."
+
بتول، بعينين متسعتين وصوت مفعم بالإلحاح:
"لااا ده حرام بقى قومي."
+
العنود، بابتسامة مصممة:
"لا."
+
بتول، محاولًة التفاوض:
"خلاص أنتي دور وأنا دور يلا قومي دوري."
+
العنود، بعينين متحديتين وابتسامة عريضة:
"لا، أنا هقعد طول اليوم."
+
بتول، متألقة بالغضب الطفولي:
"متبقيش رخمة وأنانية."
+
ارتفعت أصواتهما في الهواء الصافي، حتى جذبت انتباه صقر الذي كان يراقب من قريب. اقترب مبتسمًا بخفة وروح مرحة، بعينيه المتلألئتين بالدهشة والمرح.
+
صقر، بصوت هادئ لكنه مسموع:
"خلاص، ممكن أعمل لكم واحدة تانية."
+
بتول، بعيون متسائلة، تحدّثت بارتباك:
"إنت مين؟"
+
العنود، بعينين مستفزتين:
"روحي نادي حد.ماينفعش نكلم حد غريب."
+
ضحك صقر بخفة، وابتسامة رقيقة ترسم على وجهه: "أنا جاركم، ممكن أعمل لكم مرجيحة تانية بدل ما تتخانقوا."
+
بتول، بعينين مشككتين:
"هتعرف؟"
+
العنود، بثقة طفولية:
"الجديدة دي هتكون بتاعتي أنا ماشي."
+
بتول، متذمرة وبتنهيدة طفولية:
"لأ، أنتي أنانية كده ليه؟ مش انتي قعدتي على دي، خليكي قاعدة عليها وسيبيلي الجديدة."
+
صقر، بابتسامة هادئة وعيون تحمل الحزم والمرح معًا:
"خلاص، نلعب لعبة تحدد مين اللي هتاخد الجديدة ومين هتاخد القديمة."
2
ابتسم صقر وهمس بخفة وهو يلاحظ حماسهما: "يلا هحط رقم في دماغي و كل واحدة تختار رقم من دماغها، والرقم الكبير ياخد المرجيحة الجديدة، والرقم الصغير ياخد القديمة."
+
رفعت بتول حاجبيها بدهشة، بينما كانت العنود تضغط على شفتيها بعناد، كل واحدة منهما تحاول أن تقرّب نفسها من صقر لتختار الرقم الذي تريده.
+
بتول، بعينين متألقتين بالحماس:
"طب إيه الأرقام؟"
+
صقر، وهو يخرج أصابع يده بطريقة فكاهية:
"الأرقام من واحد لعشرة، اختاروا بسرعة قبل ما أغير رأيي."
+
ابتسمت العنود بثقة، وأشارت بيدها:
"أنا هخد الرقم سبعة."
+
بتول، وهي تحاول أن تبدو واثقة لكنها كانت متوترة: "طب أنا رقم خمسة."
+
صقر، وهو يضحك بخفة:
"تمام، يبقى الجديدة للعنود والقديمة لبتول، بس متزعلوش، اللي بعدها نعمل لعبة تانية."
+
رفعت العنود يديها بفخر وهي تهتف:
"ها، شايفين، أنا كسبت!"
+
اقتربت سارية لتتابع ما يحدث عن قرب
سارية، بصوت هادئ يحمل لمسة من الفضول: "معقول قدرت تفصل بينهم الاتنين دول مشاكل طول النهار و الليل، على فكرة أنا سارية، بنت ناجي."
1
صقر، وهو يلوح بيديه وكأنه يريد التملص من الموقف:
"أنا صقر."
+
سارية، مبتسمة بخفة، اقتربت قليلاً ووضعت يدها على جانبها:
"ما أنا عارفة إنك صقر."
+
توقف صقر للحظة، وعيناه تتلاقى مع عينيها لثوانٍ، ثم همس:
"و عرفتي منين؟"
1
سارية، بنبرة مرحة وعيونها تلمع:
"هو في حد ما يعرفش صقر."
+
ارتعش وجه صقر قليلاً من الدهشة، ثم قال مبتسماً بنبرة متواضعة:
"هو أنا مشهور للدرجة دي؟"
+
ضحكت سارية ضحكة خفيفة، تصاعدت مع نسيم الهواء الذي كان يمر بين الأشجار:
"اه."
+
تجول صقر بين الأشجار والنباتات، وعيناه تتابعان كل زاوية في الحديقة وكأنه يريد أن يختار أفضل مكان لتركيب الأرجوحة الجديدة.
+
رفع صقر رأسه إلى الحارس الخاص به، صوته هادئ لكنه صارم:
"جيبلي حبال قوية، وقطعة خشب عريضة، وكل الأدوات اللي نحتاجها."
+
نظر الحارس إليه بدهشة وابتسامة خفيفة على وجهه، لكنه لم يجرؤ على السؤال أكثر من ذلك، فهو يعرف طبيعة صقر عندما يقرر القيام بشيء بنفسه.
+
بدأ صقر بفحص القطعة الخشبية بعناية، يمرر أصابعه على حوافها، يتأكد من قوتها وصلابتها، ثم امسك الحبال، وشدها بحذر ليتأكد من أنها قادرة على تحمل وزن البنات أثناء اللعب.
+
كانت ملامحه جادة، وعيناه تلمعان بمزيج من التركيز والفخر، وكأنه يشعر بسعادة صغيرة غريبة من مجرد التفكير في إدخال البهجة على قلب البنات، خاصة بعد ما حدث بين بتول والعنود.
+
كانت النسائم تحرك ملابس سارية وهي تراقب صقر وهو مشغول في تجهيز الأرجوحة بحذر وتركيز. كانت الدهشة واضحة على وجهها، وعينانها تتلألأ بالفضول:
2
"معقول هتعمل ده بنفسك؟"
+
صقر رفع رأسه ونظر إليها بعينين ثابتتين، صوته هادئ وثابت:
"اه، دي حاجة سهلة خالص."
+
ابتسمت سارية بخفة، لم تخف إعجابها بطريقته: "مكنتش أعرف إنك لطيف كده. طلعت غير ما بسمع عنك."
4
لكن فجأة، قُطع الجو بصرخة حادة جاءت من خلفها، صوته كان صارخًا وحادًا:
+
بدر:
"سارية!"
1
استدارت سارية بخفة، وملامح وجهها ارتسم عليها الحرج، فيما اقتربت بدر بخطوات سريعة نحو صقر، عيناها حادتان، وصوتها مشحون بالغضب:
"إنت ازاي تدخل هنا؟"
+
سارية حاولت تهدئة الوضع بسرعة، محاولة إظهار البراءة:
"براحة عليه يا بدر، هو بيعمل خدمة لينا."
+
بدر، بحدة واضحة في كلامها:
"خدمة ايه؟ المفروض ماتسمحيش لحد يدخل هنا، لأ وكمان واقفة معاه!"
2
سارية، بعينين متسعتين:
"ليه؟ ده هو لطيف وحب يساعدنا."
+
بدر، بغضب مختلط بالحرص:
"خلي عندك خشى وحياء، ازاي تقفي مع راجل غريب وتتكلمي معاه؟"
+
سارية، بحماس صغير وحماية لصديقتها الجديدة: "ما بتول والعنود اتكلموا معاه."
+
بدر، صارمة وحازمة:
"دول لسه صغيرين! ادخلي جوا، وحذاري تعملي كده تاني، روحي!"
3
توجهت سارية بخجل نحو الداخل، لكن عينها لم تفارق صقر الذي كان لا يزال مستغرقًا في عمله، يربط الحبال، يثبت الخشب، كل حركة منه تنم عن إتقان وحرص شديد.
+
بدر، وهي تراقبه عن قرب، أضافت بصوت متحفظ: "خلاص، سيب اللي في إيدك وروح، مش محتاجين مساعدة من حد."
1
صقر، بهدوء غير مبالٍ:
"أنا اتعودت لما أبدأ حاجة أنهيها."
+
بدر، مستغربة من جرأته:
"دخلت هنا ازاي أصلا؟"
+
صقر، مبتسمًا بطريقة بسيطة:
"من هنا، أصل أنا بيتي قريب وسمعت كلام البنات وحبيت أساعد. أنا كده غلطان؟"
+
بدر، وهي تحاول إخفاء قلقها:
"اه، ماتساعدش تاني بقى، هتقعد في بيتك. ياريت عينك ما تجيش عند جارك."
+
صقر، بابتسامة ساخرة ولمعة في عينه:
"ازاي؟ وجاري عنده بنات حلوين."
1
كانت تظن أن صقر يقصد سارية أو ربما نسيم أو أي فتاة أخرى ، لكنه كان يقصدها هي ، فهو بالكاد نظر إلى سارية لبضع لحظات لم يهتم لحفظ ملامحها حتى.
+
تراجعت بدر خطوة إلى الوراء، عيناها لا تزال تتلفت نحو صقر، وعبر وجهها كانت الغيرة والحرص مختلطين بقلق خفي على بنات عمها:
+
"المفروض تغض بصرك ومالكش دعوة ببنات الناس، وعينك تحطها في بيتك و بس."
1
في تلك اللحظة، جاء يزيد بخطواته السريعة، وابتسامة خفيفة تعلو وجهه وهو ينادي:
"صقر، تعال أخوك زين هنا."
+
صقر رفع رأسه ببطء، عيناه تتساءلان عن السبب، ووجهه يحمل بعض الامتعاض:
"ايه جابه؟"
+
يزيد، وهو يهز كتفيه بلا مبالاة:
"مش عارف."
+
صمت قصير، يسود المكان للحظات، حيث تبادل الجميع النظرات، والصمت الممزوج بفضول البنات في الخلفية، فيما صقر يشعر بنوع من الترقب الحذر، متسائلًا ما الذي سيحدث بعد قليل.
+
قال صقر لبدر بابتسامة لطيفة :
" نبقى نكمل كلامنا بعدين ."
2
وصل صقر إلى حديقته ثم جلس على الحافة الخشبية المهترئة، يديه ممتدتان نحو الأرض وكأنه يحاول تثبيت توازنه مع الأفكار المتشابكة التي تدور في ذهنه. عيناه تبحث عن شيء ما بين الأفق وأوراق الأشجار المتمايلة، حين لمح زين يقترب بخطوات مترددة، وجهه متجهم قليلًا ويداه مشدودتان بجانبيه.
+
صقر رفع نظره بسرعة، تعابير وجهه تخالط الفضول مع الانتباه:
"ايه يا زين جاي هنا ليه؟"
+
زين تلعثم قليلًا، وحاول أن يخفف من توتره بابتسامة غير مكتملة:
"أبوك بعتني هنا ليك و بيسألك جيت هنا ليه؟"
+
صقر تنهد ببطء، يده تمسح ذقنه في إيماءة تعب واضحة:
"تعبان و بريح شوية."
1
زين لاحظ ارتخاء كتفيه وتردد صوته، فحاول أن يخفف من حدة الموقف:
"و لا زعلان؟"
+
صقر ابتسم ابتسامة خفيفة، عيناه تلمح فيها لمعة الدعابة:
"هزعل من ايه؟"
+
أدرك زين أن صقر يفهم رسالة والده، فواصل بحذر: "من كلامه معاك أخر مرة، إنت عارف يا صقر إن أبوك بيشد عليك عشان تكون قد المسئولية… هو بعتني أقولك كده."
1
صقر هز رأسه ببطء، وجهه صار أكثر جدية، لكنه عاد ليبتسم قليلًا:
"لا مش زعلان، هو اللي حصل ده جديد علي، أنا جاي هنا ارتاح شوية بعيد عن أي حاجة، قوله يومين تلاتة و هرجع."
+
زين تنهد، وعيناه تعكسان الحيرة والقلق:
"ماشي أنا هبات الليلة و أمشي الصبح."
+
صقر نظر إليه بعينين نصف مغلقتين، بتحدٍ ساخر لكنه مليء بالود:
"حلو، عشان تجرب تشوي معايا."
+
زين ابتسم برفق، مع قليل من العصبية:
"كويس."
+
صقر لاحظ توتره، وعيناه تتحولان إلى نظرة حادة وتحليلية:
"هو أنا ليه حاسس إنك مضايق و مش مظبوط؟"
+
واجه زين صعوبة في إيجاد الكلمات، لكن بعد لحظة من الصمت، قال بوجهه الشاحب وعيناه تحاول الالتقاء بعيني صقر:
"بصراحة يا صقر أنا عملت حاجة تخالف أخلاقي و مش قادر أسامح نفسي."
+
صقر اتسعت عيناه قليلًا، وحواجبه ارتفعت بدافع الدهشة، لكن صوته بقي هادئًا وثابتًا:
"ايه اللي عملته؟"
+
زين تلعثم مرة أخرى، كأن الكلمات ثقيلة على قلبه: "مش هقدر أقولك عليها، خايف تفكر فيّ غلط."
2
صقر أزاح رأسه قليلًا نحو الأعلى، صوته صار صارمًا وحنونًا في آن واحد:
"لأ، قول و فضفض و نفس عن نفسك."
+
زين أخذ نفسًا عميقًا، وعيناه تلمعان بالذنب والخوف: "أنا ضربت ابن الحمدانية بسهم، و الحمدلله إنه ما ماتش."
3
صقر بقي ساكنًا للحظة، عيونه تتأمل زين بكل جدية وقلق، وجهه صار أكثر حدة، ويداه مشدودتان على فخذيّه، بينما الهواء حولهما خالٍ من أي صوت سوى نسيم الشجر المتمايل، محيطًا اللحظة بثقل وهدوء، وكأنها تجمعت كل مشاعر الخوف، المسؤولية، والتفكير في نفس الزمان.
7
....
+
