رواية قطة في وادي الذئاب ج 2 ( اسيرة سطوته ) الفصل الحادي والعشرين 21 بقلم اسراء عبدالقادر
أسيرة سطوته)
الفصل الواحد والعشرون
إسراء عبدالقادر الوزير
طفيليات الخوف الطامعة تنهش بطاقتهما وتطفئ الأجواء حولهما يدعمها الصمت الرخيم في مستنقع الانتظار الممل، حيث قدم عمار وميرا قبل ساعات والهلع يغرس بقلبيهما، حيث خرج الطبيب من غرفة الفحص على عجل وأسقط الصاعقة المهلكة على رأسيهما حيث اتضح كونه أصيب بنوبة قلبية، ولم يتح الفرصة امامهما أنطق المزيد حيث أسرع يأمر طاقم التمريض بنقل المريض فورا إلى غرفة العمليات حتى يستطيع بما يملك من جهد إنقاذه، وبالفعل خرج بعدها بفترة فلا يعطيهما إجابة وافية بل نصحهما بالانتظار إلى حين ظهور مؤشر باستقرار الحالة المضطربة لوجدي الذي تعب فجأة وقد تسللت بوادر النهاية الحتمية إلى عداد عمره، كما ساور الشك ذلك لعمار الذي أخذ يضم قبضتيه ويسند وجهه عليهما وقد تفصد جبينه بالعرق فزعا لمجرد التفكير بالأمر، بينما التفتت إليه ميرا التي شحب وجهها جذريا بعد كم الضغط الذي تعرضت له هذه الليلة بين العراك مع عمار ووعكة عمها المفاجئة، في حين تسارعت خفقاتها بعد أن استشعرت ما لاح إلى ذهنه في تلك اللحظة، أجل تنبأ مقدما بموت والده، وهو الذي يعشقه ولا يخال لحظة بدونه حتى وإن كان دوما على خلاف معه، إلا أنه في الغالب يرضخ ويعود مطيعا، وأقوى دليل على هذا أن قبل بالزواج من ابنة عمه على الرغم من حبه لاخرى! تناست خيانته لها بمواعدة اخرى وتناست كونه لم يحقق رغبتها في إدخال مجال الأزياء الى الشركة بل وقفت بسرعة عن مجلسها وتقدمت منه حتى جلست الى جانبه كي تمده بالأمان وراحة البال، التف برأسه نحوها كي يواجهها بنظراته المتألمة الموشكة على البكاء، بينما تربت على منكبه قائلة بنبرة مطمئنة:
_ ماتخافش إن شاء الله هيبقى بخير
زفر مطولا قبل ان يميل برأسه على كتفها بتلقائية جعلتها تندهش في حين يقول بتضرع:
_ يااارب
أغلق دفتي المستند أمامه قبل ان يقف عن الكرسي الخاص به وعلامات السرور بادية على وجهه حيث يلتفت الى فجر الجالسة أمام المكتب بانتصار فيقول مبتسما:
_ برافو يا مدام فجر، الملف ده كفاية ينقذ سفيان بيه من الشبهات
وضعت فجر قدما فوق أخرى في حين ترمق جاسر الذي جلس مقابلها بنظرة ثاقبة قائلة:
_ كدة أبقى انا وجوزي بعيدين كل البعد عن مستوى الاتهام، مش كدة؟
اماء برأسه قائلا:
_ طبعا، ولو عايزة تتطلقي منه أقدر اساعدك، عشان خلاص مهمتك انتهت
وقفت فجر عن الكرسي قائلة بنبرة قاتمة نافية:
_ لا شكرا جدا لحد هنا
وقف جاسر مقابلها وهو يحدق بها بتعجب بينما أسترسلت هي بجدية:
_ انا عملت اللي عليا عشان انقذ جوزي قبل ما انقذ نفسي، ودلوقتي سلمتك الملفات عشان اعرف أعيش انا وهو من غير أي مشاكل تنغص علينا، من ضمنها اتهام الأسمنت الفاسد والعمارة اللي وقعت
علت ثغره ابتسامة واسعة وقد فهم لتوه ما ترمي إليه فجر من عشقها لزوجها الذي بني رباطهما في البداية على مهمة جاسوسية، ولكن هي تود الإكمال معه على ما يبدو، اردف يقول متعجبا:
_ سبحان الله! مع إن كان نفسه سفيان اللي خفتي منه وكنتي رافضة جوازه وقلتي مستبد وكلام كتير عليه!
اجابته بنفس الجدية:
_ لإني ما شفتش إللي ورا الاستبداد والتكبر ده إلا لما عشت معاه، وشفت الحاجة الحلوة اللي فيه قبل الوحشة، ومن ساعتها ماقدرتش اقاوم انجذابي ليه، دي حقيقة يا حضرة الظابط، اللي في الباطن هو بس اللي اعتمد عليه في حكمي مش الظاهر أبدا
مست كلمتها الأخيرة وترا حساسا بفؤاده حيث حدق بها قائلا برضا:
_ أتمنى لك حياة زوجية سعيدة
_ شكرا
اردفت بها وهي تلتف كي تخرج من هذا المكان عازمة عدم العود إليه أبدا وقد حصلت على فرمان براءتها وبراءة زوجها أخيرا، وقد شعرت بخيوط السعادة تغزل حولها من جديد، حيث تعود إلى سفيان وتخبره بالحقيقة وتطلب عفوه الذي هي متأكدة منه لأجل حبهما، فيدخلا معا بعش الزوجية دون مشاكل، ولكن أحلامها تعددت وطالت عنان السماء ثم تهدمت بلحظة واحدة حيث فتحت باب الغرفة لتجد سفيان يقف أمامها وهو يرمقها بنظراته المشتعلة ثم ينقل بصره إلى جاسر الذي اقترب من الباب قائلا ببعض التوتر:
_ اهلا اتفضل يا سفيان بيه
كانت تلك كافية إلى أن يندفع سفيان إلى الداخل وهو يدفع فجر المشدوهة كي تفسح له المجال للدخول، اغلق العسكري الباب خلفه في حين أخذ سفيان بأن ينقل جمرتيه المشتعلتين بين كل من جاسر وفجر التي باتت ترمقه بقلق، في حين ثبت بصره أخيرا على جاسر هاتفا بغضب:
_ ها يا حضرة الظابط! خدت الدليل اللي كنت مستنيه خلاص؟
جحظت عينا جاسر فجأة غير مصدقا كون سفيان قد استطاع كشف الأمر في حين التفت إلى فجر لتبادله بمعالم الدهشة والحيرة بينما يكمل سفيان من بين أسنانه حانقا:
_ عملت اللي عليك، وعشان تكشفني تقوم تقنع فجر هانم تراقبني وأخرج منها انا زي المغفل؟! فاكريني مش هعرف؟!
بادرت فجر تقول بتلعثم:
_ سفيان انا...
الجمها بلحظة حيث التفت إليها وهو يصرخ بها زاجرا:
_ هش اخرسي خالص، كلامك معايا بعدين
ولكن أسرع جاسر كي ينطق قائلا:
_ إنت برئ يا أستاذ سفيان وبعيد عن مستوى الشبهات، وده اللي أثبتته مدام فجر عشان تخرجك
عاد سفيان يلتفت إليه بسخرية في حين يردف مستنكرا:
_ ومين قالك اني مستني حد يراقبني عشان يعرفني اني برئ ولا لا؟! إنت اللي عملت اللي عايزه وأقنعتها تتجوزني عشان تتجسس عليا! ف نظرك التصرف ده صح؟
هم ليدافع عن نفسه وقد شعر بكونه هو المتهم بهذه اللحظة لا الضابط ولكن أسرع سفيان يصيح باقتضاب:
_ خلااااص مش عايز اسمع أي مبررات تاني، ويارب اكتشف انك على اتصال بمراتي من تاني!
ثم استدار كي يحدج فجر بنظراته البركانية قائلا بلهجة غليظة آمرا:
_ وانتي قدامي عالعربية
انتفضت في وقفتها مع نبرته المخيفة بينما أسرعت بكل طاقتها كي تمتثل لأمره وقد خشيت أن تمتد باطشته إليها في هذه اللحظة، سارعت الخطى كأنها تجري نحو السيارة حيث احتلت المقعد الأمامي في حين أتى هو كي يجلس على مقعد السائق وينطلق بالسيارة كي يعم الصمت الرخيم بالاجواء، فلا هي تقوى على أن تنبس ببنت شفة خوفا من غضبه الجم بهذه اللحظة، وكذلك هو الذي حاول بكل ما أوتي من قوة أن يسيطر على جام غضبه حيث لم يكن ليتخيل أبدا ان تصدق شكوكه بالأمس من كونها تحاول أن تصل إلى شئ ما، بل كان يعتقد أن لطافتها المفاجئة معه منبعثة من أعماق فؤادها، او حتى على هيئة رد للجميل بعدما داوى طفلها، ولكن على العكس تماما، فقد دبر لها الاتصال المفاجئ كي تبتعد فيتخلص هو من المشروب سريعا، ثم تظاهر بالنعاس كي يعرف مدة تأثير ذلك معها، فكانت إجابتها بأن قبلته بشغف لم يألفه منها قبلا، وبعدها أخذ يراقبها أمام باب غرفة مكتبه حيث كانت تفتش بالملفات في أدراجه ثم انتخبت أحدها للتدقيق به والحصول عليه وعرضه الآن أمام جاسر! فعلت ذلك ولم يدر بخلدها أنها أدمت قلبه بهذه الفعلة الشنيعة، فما كان يظن أبدا كونها ستقبل الزواج به لأجل تبرئة نفسها أمام الشرطة، لقد انفلت عيارها ولابد لها أن تتأدب، ولكن كيف وهو الذي يعشقها بملء فؤاده ويخشى من نسمات الهواء الطائرة بأن تؤذيها، أجل الأمر في غاية الصعوبة، ولكن شيطان غضبه يسيطر عليه الآن ويوحي إليه بأقسى أنواع العقاب كي يلقيها عليها!
وبينما تنبعث زفراته الحارة التي وصلت لفحاتها إلى فجر الساكن الحزن قلبها أكثر من كونها مرتعبة، صدح هاتف سفيان بالرنات قاطعا السكون، حيث التفت سفيان إلى هاتفه ثم سرعان ما أمسك به كي يسحب الإجابة ثم يجيب قائلا بقتامة:
_ أيوة يا مراد، في إيه؟
أتاه صوت مراد الهادئ قائلا بحزن:
_ تعالى بسرعة يا سفيان، أستاذ وجدي والد عمار مات
لم تستطع قدماه حمله أكثر من ذلك حيث جثى على ركبتيه فور وصول خير وفاة والده العزيز إلى مسمعه، فما كان منه إلا أن يسقط منكس الرأس وهو يغطي وجهه بكفيه باكيا بحسرة على فقد والده دون سابق إنذار، وكذلك ميرا التي استندت على الحائط خلفها وأخذت تشهق ويزداد نحيبها بعدما سمعت من خبر فقدان عمها وأنيسها الأول وداعمها بعد ذهاب والدها وجفاء أخيها غير الشقيق، فكان هو أمانها الذي ابتهلت إلى الله أن لا يضيع منها أبدا، فقد ذهب وتركها كالفقير الضائع على الطريق بليلة قارسة البرودة دون غطاء يحميه!
نهض سريعا بمجرد رؤيته للترولي الخارج من الغرفة يجره ممرضين إلى الخارج، حيث يوجد عليه جثمان وجدي المغطى بالملاءة البيضاء، أسرع نحوهم وهو يهتف بدهشة:
_ واخدين بابا فييييين؟! إنت يا أخ
لم يلتفتا إليه وإنما اكملا طريقهم إلى المشرحة فهما على دراية بما يحدث من حالة هستيرية أصابت كل من بمثل هذا اليافع فور فقد عزيز عليهم! أخذ يسرع بساقين مزلزلتين نحو السرير المهرول إلى المشرحة، في حين تسارع ميرا الخطى وهي تحاول التشبث بقميص عمار راجية إياه بالتوقف قائلة ببكاء:
_ أقف يا عمار، أرجوك
لم يلتفت وإنما ظل يسارع ناطقا بعناد:
_ هياخدوا أبويا يا ميرا، لا مش هسيبه
أخذت تحاول إثناءه بكل ما أوتيت من قوة حتى خارت تلك القوة تدريجيا بعمل تشوشت الرؤية أمامها ولم تقو على الوقوف من جديد بل تجمدت الدماء بعروقها ووقعت أرضا مغشيا عليها حيث تلقتها إحدى الممرضات المارة حيث تهتف وهي تنظر إلى عمار منادية:
_ يا أستاذ ياللي هناك، الحق المدام!
ثم عادت تلتفت إلى ميرا التي هربت الدماء عن وجهها وصارت مغيبة، وأخذت تضربها على وجنتها بخفة في حين ترفع صوتها بقلق:
_ يا مدام، يا مدام، فوقي ارجوكي!
استدار بجسده مع سماع هتافها وقد دب القلق بفؤاده بمجرد أن رأى ميرا متسطحة أرضا لا حول لها ولا قوة، ويبدو أن السكري فعل فعلته بها بعد هذه الصدمة الغير متوقعة، أسرع إليها ثم جلس ارضا وحمل رأسها مريحا إياها على صدره في حين يهتف بهلع:
_ ميرا! ميرا فوقي يا حبيبتي! ميرا
قاطعته الممرضة قائلة:
_ ساعدني نشيلها لاوضة على ما ييجي الدكتور
حين انتهى الطبيب من حقن الإبرة المعبأة بمحلول الأنسولين بوريد ميرا واطمأن على استقرار حالتها من جديد، خرج وخلفه الممرضة تاركان عمار الذي جلس إلى جانبها وهو يحدق بها بجفون متهدلة إثر سهر هذه الليلة تبعه البكاء المتواصل على فقد والده العزيز، تطلع بها وبملامحها المجهدة حيث شفتيها الجافتين وبشرتها الصفراء وما إلى ذلك، كان ينظر إليها بتأمل في حين يحمد الله ويثنيه على عدم ذهابها هي الأخرى وإلا لكان تبعهم إلى العالم الآخر، ولكن كان فضله عليه عظيما، فلا تزال على قيد الحياة، وهو ما يسبب استمرار النبض بقلبه حتى الآن
توقفت السيارة أمام الباب الرئيسي للمستشفى ليترجل عنها سفيان وخلفه فجر التي حاولت وبكل طاقتها ان تكبح عبراتها عن النزول من عينيها المختبئتين خلف عدستي النظارة الشمسية، التفتت الى سفيان القاتم المعالم ثم سرعان ما انتقل بصرها نحو مراد الذي نزل عن السيارة هاتفا:
_ دخلتوا ولا لسة؟
نزع سفيان نظارته قائلا بوجوم:
_ لا لسة، يالا نروح نسأل فين
دلف ثلاثتهم إلى داخل المشفى وبعد أن عرف مراد رقم الطابق الموجودين فيه والذي عرف من خلال موظف الاستعلامات أن حالة ميرا تدهورت وحجزت غرفة لها، توجهوا جميعا إلى الأعلى حيث توجد ميرا، ولكن استوقفتهم فتاة شابة كانت تقف أمام الباب الخاص بغرفة ميرا، تقدمت فجر منها وهي تتفرس بملامحها بشك قبل ان تقول:
_ إنتي مين؟
أسندت حزام الحقيبة عل كتفها قائلة بشئ من التعالي:
_ انا الآنسة سما أحمد
زادت فجر من اقترابها منها قائلة بشئ من الاستهجان:
_ وواقفة هنا ليه يا آنسة سما أحمد؟
ظنت أنها تستطيع السيطرة على نفسها كي لا تتحدث عن المستور بل تكلمت بكل أريحية:
_ حبيبة عمار وجدي، وقريب أوي هبقى مراته
هتفت فجر بصدمة:
_ نعم؟! ده اللي هو ازاي؟
أمسك سفيان بمنكبها سريعا قبل ان تزيد في الحديث محضا إياها على الصمت في حين يقول بجدية:
_ تمام يا آنسة، حاليا عمار جوة ومراته تعبانة، ياريت تسبقي عالبيت عشان هنخلص الإجراءات ونعمل العزا
التفتت إلى سفيان وكل معالم السخط بادية على وجهها في حين بادلها الثاني بأخرى هادئة يحثها على التأجيل لهذا الأمر احتكاما إلى حدة الموقف المؤلم
((يا أيتها النفس المطمئنة*ارجعي الى ربك راضية مرضية*فادخلي في عبادي*وادخلي جنتي))
صدق الله العظيم
انتهت التلاوة العطرة لسورة الفجر بصوت القارئ الشيخ الذي استأجره مراد للقراءة بصوان العزاء بحديقة فيلا وجدي، لتشرع ميرا في البكاء من جديد ولم تعد تستطيع الكتمان أكثر من ذلك على الرغم من ضعفها التام، في حين تربت نجاة التي تجلس بجانبها على منكبها وهي تقول بحزن:
_ خلاص بجى يا ميرا، كفاية عشان صحتك!
أسندت ميرا رأسها على كتف نجاة قائلة بحسرة:
_ عمو وجدي سابنا وراح يا نجاة! آاااااه
ربتت فجر على ركبتها كي تثنيها عن البكاء قائلة:
_ معلش يا ميرا، دي حكمة ربنا، هو دلوقتي ف مكان أحسن
وبينما انخرطت ميرا في بكاء مرير وقلبها يدمي حزنا لأجل فقدان عمها الذي كان بمرتبة والدها، كانت تجلس سما على الجهة المقابلة تحاول جديا كبح ابتسامة الانتصار كي لا تتسلل إلى ثغرها حيث شعرت أخيرا بمنفذ للهواء كي تحصل على ما تريد أخيرا والذي كان وجدي عائقا لتنفيذه، فقد صارت شهادة وفاته بمثابة صك لأن تملك قلب عمار أخيرا وتنعم بالحياة معه ولم تعد هناك حجة لبقاء ميرا معه، فقط هي مسألة شهر او اثنين حتى تبرد نيران الأحزان!
أسدل الليل ستاره وبلغت الساعة الثانية عشر صباحا، وعاد كلاهما معا إلى المنزل بعد تأدية واجب العزاء مع عمار وميرا اللذان كانا بحالة يرثى لها، دلف سفيان إلى الغرفة وخلفه فجر التي احتلت أقرب مقعد قابلها كي تريح قدميها وتلتقط أنفاسها بهدوء، بعد شد الأعصاب الذي كاد يفتك بها، فتحت عينيها سريعا حينما سمعت صوت صفع الدولاب بقوة لتجد سفيان الذي حمل بعضا من ملابسه البيتية ومنشفته متجها إلى الخارج، فاستوقفته هاتفة باستنكار:
_ سفيان إنت رايح فين؟
توقف مكانه دون ان ينظر إليها كنوع من الاستحقار قائلا بكبرياء:
_ مالكيش تسأليني رايح فين وجاي منين
وقفت عن الكرسي ثم تقدمت منه بخطى سريعة وهي تقول باحتجاج:
_ ليا أسألك بصفتي مراتك
استدار كي يواجهها بنظراته المستهجنة في حين يردف بتهكم:
_ لا مش مراتي إنتي الجاسوسة اللي باعتينك عشان تراقبيني، يستحيل زوجة تعمل كدة ف جوزها!
تنهدت بضيق قبل ان تردف مبررة:
_ والله يا سفيان كان ليا اسبابي، وقلت اديهم الملف ف أسرع وقت عشان اخلصك من التهمة دي وكنت هقول....
أسرع يقاطعها متهما:
_ لا مش عشان تطلعيني يا مدام، لا عشان تطلعي نفسك من التهمة بحجة مساعدة الشرطة! ولا انتي فاكراني اهبل
عاد يلتف صوب الباب قائلا باقتضاب:
_ إنتي أكبر إنسانة مخادعة شفتها ف حياتي، استخدمتي الرشوة، والأسمنت الفاسد، واستغليتي كل اللي عملته معاكي عشان مصلحتك الشخصية، انا مش عارف ازاي اتخدعت فيكي كدة؟ وازاي ما رميتش عليكي اليمين لحد....
استشعرت الخطر الجسيم بنطقه للجملة الأخيرة فأسرعت تهتف معترفة:
_ سفيان انا بحبك
نهاية أحداث الفصل الواحد والعشرون
يا ترى سفيان ممكن يلين مع الجملة دي؟
الفصل الواحد والعشرون
إسراء عبدالقادر الوزير
طفيليات الخوف الطامعة تنهش بطاقتهما وتطفئ الأجواء حولهما يدعمها الصمت الرخيم في مستنقع الانتظار الممل، حيث قدم عمار وميرا قبل ساعات والهلع يغرس بقلبيهما، حيث خرج الطبيب من غرفة الفحص على عجل وأسقط الصاعقة المهلكة على رأسيهما حيث اتضح كونه أصيب بنوبة قلبية، ولم يتح الفرصة امامهما أنطق المزيد حيث أسرع يأمر طاقم التمريض بنقل المريض فورا إلى غرفة العمليات حتى يستطيع بما يملك من جهد إنقاذه، وبالفعل خرج بعدها بفترة فلا يعطيهما إجابة وافية بل نصحهما بالانتظار إلى حين ظهور مؤشر باستقرار الحالة المضطربة لوجدي الذي تعب فجأة وقد تسللت بوادر النهاية الحتمية إلى عداد عمره، كما ساور الشك ذلك لعمار الذي أخذ يضم قبضتيه ويسند وجهه عليهما وقد تفصد جبينه بالعرق فزعا لمجرد التفكير بالأمر، بينما التفتت إليه ميرا التي شحب وجهها جذريا بعد كم الضغط الذي تعرضت له هذه الليلة بين العراك مع عمار ووعكة عمها المفاجئة، في حين تسارعت خفقاتها بعد أن استشعرت ما لاح إلى ذهنه في تلك اللحظة، أجل تنبأ مقدما بموت والده، وهو الذي يعشقه ولا يخال لحظة بدونه حتى وإن كان دوما على خلاف معه، إلا أنه في الغالب يرضخ ويعود مطيعا، وأقوى دليل على هذا أن قبل بالزواج من ابنة عمه على الرغم من حبه لاخرى! تناست خيانته لها بمواعدة اخرى وتناست كونه لم يحقق رغبتها في إدخال مجال الأزياء الى الشركة بل وقفت بسرعة عن مجلسها وتقدمت منه حتى جلست الى جانبه كي تمده بالأمان وراحة البال، التف برأسه نحوها كي يواجهها بنظراته المتألمة الموشكة على البكاء، بينما تربت على منكبه قائلة بنبرة مطمئنة:
_ ماتخافش إن شاء الله هيبقى بخير
زفر مطولا قبل ان يميل برأسه على كتفها بتلقائية جعلتها تندهش في حين يقول بتضرع:
_ يااارب
أغلق دفتي المستند أمامه قبل ان يقف عن الكرسي الخاص به وعلامات السرور بادية على وجهه حيث يلتفت الى فجر الجالسة أمام المكتب بانتصار فيقول مبتسما:
_ برافو يا مدام فجر، الملف ده كفاية ينقذ سفيان بيه من الشبهات
وضعت فجر قدما فوق أخرى في حين ترمق جاسر الذي جلس مقابلها بنظرة ثاقبة قائلة:
_ كدة أبقى انا وجوزي بعيدين كل البعد عن مستوى الاتهام، مش كدة؟
اماء برأسه قائلا:
_ طبعا، ولو عايزة تتطلقي منه أقدر اساعدك، عشان خلاص مهمتك انتهت
وقفت فجر عن الكرسي قائلة بنبرة قاتمة نافية:
_ لا شكرا جدا لحد هنا
وقف جاسر مقابلها وهو يحدق بها بتعجب بينما أسترسلت هي بجدية:
_ انا عملت اللي عليا عشان انقذ جوزي قبل ما انقذ نفسي، ودلوقتي سلمتك الملفات عشان اعرف أعيش انا وهو من غير أي مشاكل تنغص علينا، من ضمنها اتهام الأسمنت الفاسد والعمارة اللي وقعت
علت ثغره ابتسامة واسعة وقد فهم لتوه ما ترمي إليه فجر من عشقها لزوجها الذي بني رباطهما في البداية على مهمة جاسوسية، ولكن هي تود الإكمال معه على ما يبدو، اردف يقول متعجبا:
_ سبحان الله! مع إن كان نفسه سفيان اللي خفتي منه وكنتي رافضة جوازه وقلتي مستبد وكلام كتير عليه!
اجابته بنفس الجدية:
_ لإني ما شفتش إللي ورا الاستبداد والتكبر ده إلا لما عشت معاه، وشفت الحاجة الحلوة اللي فيه قبل الوحشة، ومن ساعتها ماقدرتش اقاوم انجذابي ليه، دي حقيقة يا حضرة الظابط، اللي في الباطن هو بس اللي اعتمد عليه في حكمي مش الظاهر أبدا
مست كلمتها الأخيرة وترا حساسا بفؤاده حيث حدق بها قائلا برضا:
_ أتمنى لك حياة زوجية سعيدة
_ شكرا
اردفت بها وهي تلتف كي تخرج من هذا المكان عازمة عدم العود إليه أبدا وقد حصلت على فرمان براءتها وبراءة زوجها أخيرا، وقد شعرت بخيوط السعادة تغزل حولها من جديد، حيث تعود إلى سفيان وتخبره بالحقيقة وتطلب عفوه الذي هي متأكدة منه لأجل حبهما، فيدخلا معا بعش الزوجية دون مشاكل، ولكن أحلامها تعددت وطالت عنان السماء ثم تهدمت بلحظة واحدة حيث فتحت باب الغرفة لتجد سفيان يقف أمامها وهو يرمقها بنظراته المشتعلة ثم ينقل بصره إلى جاسر الذي اقترب من الباب قائلا ببعض التوتر:
_ اهلا اتفضل يا سفيان بيه
كانت تلك كافية إلى أن يندفع سفيان إلى الداخل وهو يدفع فجر المشدوهة كي تفسح له المجال للدخول، اغلق العسكري الباب خلفه في حين أخذ سفيان بأن ينقل جمرتيه المشتعلتين بين كل من جاسر وفجر التي باتت ترمقه بقلق، في حين ثبت بصره أخيرا على جاسر هاتفا بغضب:
_ ها يا حضرة الظابط! خدت الدليل اللي كنت مستنيه خلاص؟
جحظت عينا جاسر فجأة غير مصدقا كون سفيان قد استطاع كشف الأمر في حين التفت إلى فجر لتبادله بمعالم الدهشة والحيرة بينما يكمل سفيان من بين أسنانه حانقا:
_ عملت اللي عليك، وعشان تكشفني تقوم تقنع فجر هانم تراقبني وأخرج منها انا زي المغفل؟! فاكريني مش هعرف؟!
بادرت فجر تقول بتلعثم:
_ سفيان انا...
الجمها بلحظة حيث التفت إليها وهو يصرخ بها زاجرا:
_ هش اخرسي خالص، كلامك معايا بعدين
ولكن أسرع جاسر كي ينطق قائلا:
_ إنت برئ يا أستاذ سفيان وبعيد عن مستوى الشبهات، وده اللي أثبتته مدام فجر عشان تخرجك
عاد سفيان يلتفت إليه بسخرية في حين يردف مستنكرا:
_ ومين قالك اني مستني حد يراقبني عشان يعرفني اني برئ ولا لا؟! إنت اللي عملت اللي عايزه وأقنعتها تتجوزني عشان تتجسس عليا! ف نظرك التصرف ده صح؟
هم ليدافع عن نفسه وقد شعر بكونه هو المتهم بهذه اللحظة لا الضابط ولكن أسرع سفيان يصيح باقتضاب:
_ خلااااص مش عايز اسمع أي مبررات تاني، ويارب اكتشف انك على اتصال بمراتي من تاني!
ثم استدار كي يحدج فجر بنظراته البركانية قائلا بلهجة غليظة آمرا:
_ وانتي قدامي عالعربية
انتفضت في وقفتها مع نبرته المخيفة بينما أسرعت بكل طاقتها كي تمتثل لأمره وقد خشيت أن تمتد باطشته إليها في هذه اللحظة، سارعت الخطى كأنها تجري نحو السيارة حيث احتلت المقعد الأمامي في حين أتى هو كي يجلس على مقعد السائق وينطلق بالسيارة كي يعم الصمت الرخيم بالاجواء، فلا هي تقوى على أن تنبس ببنت شفة خوفا من غضبه الجم بهذه اللحظة، وكذلك هو الذي حاول بكل ما أوتي من قوة أن يسيطر على جام غضبه حيث لم يكن ليتخيل أبدا ان تصدق شكوكه بالأمس من كونها تحاول أن تصل إلى شئ ما، بل كان يعتقد أن لطافتها المفاجئة معه منبعثة من أعماق فؤادها، او حتى على هيئة رد للجميل بعدما داوى طفلها، ولكن على العكس تماما، فقد دبر لها الاتصال المفاجئ كي تبتعد فيتخلص هو من المشروب سريعا، ثم تظاهر بالنعاس كي يعرف مدة تأثير ذلك معها، فكانت إجابتها بأن قبلته بشغف لم يألفه منها قبلا، وبعدها أخذ يراقبها أمام باب غرفة مكتبه حيث كانت تفتش بالملفات في أدراجه ثم انتخبت أحدها للتدقيق به والحصول عليه وعرضه الآن أمام جاسر! فعلت ذلك ولم يدر بخلدها أنها أدمت قلبه بهذه الفعلة الشنيعة، فما كان يظن أبدا كونها ستقبل الزواج به لأجل تبرئة نفسها أمام الشرطة، لقد انفلت عيارها ولابد لها أن تتأدب، ولكن كيف وهو الذي يعشقها بملء فؤاده ويخشى من نسمات الهواء الطائرة بأن تؤذيها، أجل الأمر في غاية الصعوبة، ولكن شيطان غضبه يسيطر عليه الآن ويوحي إليه بأقسى أنواع العقاب كي يلقيها عليها!
وبينما تنبعث زفراته الحارة التي وصلت لفحاتها إلى فجر الساكن الحزن قلبها أكثر من كونها مرتعبة، صدح هاتف سفيان بالرنات قاطعا السكون، حيث التفت سفيان إلى هاتفه ثم سرعان ما أمسك به كي يسحب الإجابة ثم يجيب قائلا بقتامة:
_ أيوة يا مراد، في إيه؟
أتاه صوت مراد الهادئ قائلا بحزن:
_ تعالى بسرعة يا سفيان، أستاذ وجدي والد عمار مات
لم تستطع قدماه حمله أكثر من ذلك حيث جثى على ركبتيه فور وصول خير وفاة والده العزيز إلى مسمعه، فما كان منه إلا أن يسقط منكس الرأس وهو يغطي وجهه بكفيه باكيا بحسرة على فقد والده دون سابق إنذار، وكذلك ميرا التي استندت على الحائط خلفها وأخذت تشهق ويزداد نحيبها بعدما سمعت من خبر فقدان عمها وأنيسها الأول وداعمها بعد ذهاب والدها وجفاء أخيها غير الشقيق، فكان هو أمانها الذي ابتهلت إلى الله أن لا يضيع منها أبدا، فقد ذهب وتركها كالفقير الضائع على الطريق بليلة قارسة البرودة دون غطاء يحميه!
نهض سريعا بمجرد رؤيته للترولي الخارج من الغرفة يجره ممرضين إلى الخارج، حيث يوجد عليه جثمان وجدي المغطى بالملاءة البيضاء، أسرع نحوهم وهو يهتف بدهشة:
_ واخدين بابا فييييين؟! إنت يا أخ
لم يلتفتا إليه وإنما اكملا طريقهم إلى المشرحة فهما على دراية بما يحدث من حالة هستيرية أصابت كل من بمثل هذا اليافع فور فقد عزيز عليهم! أخذ يسرع بساقين مزلزلتين نحو السرير المهرول إلى المشرحة، في حين تسارع ميرا الخطى وهي تحاول التشبث بقميص عمار راجية إياه بالتوقف قائلة ببكاء:
_ أقف يا عمار، أرجوك
لم يلتفت وإنما ظل يسارع ناطقا بعناد:
_ هياخدوا أبويا يا ميرا، لا مش هسيبه
أخذت تحاول إثناءه بكل ما أوتيت من قوة حتى خارت تلك القوة تدريجيا بعمل تشوشت الرؤية أمامها ولم تقو على الوقوف من جديد بل تجمدت الدماء بعروقها ووقعت أرضا مغشيا عليها حيث تلقتها إحدى الممرضات المارة حيث تهتف وهي تنظر إلى عمار منادية:
_ يا أستاذ ياللي هناك، الحق المدام!
ثم عادت تلتفت إلى ميرا التي هربت الدماء عن وجهها وصارت مغيبة، وأخذت تضربها على وجنتها بخفة في حين ترفع صوتها بقلق:
_ يا مدام، يا مدام، فوقي ارجوكي!
استدار بجسده مع سماع هتافها وقد دب القلق بفؤاده بمجرد أن رأى ميرا متسطحة أرضا لا حول لها ولا قوة، ويبدو أن السكري فعل فعلته بها بعد هذه الصدمة الغير متوقعة، أسرع إليها ثم جلس ارضا وحمل رأسها مريحا إياها على صدره في حين يهتف بهلع:
_ ميرا! ميرا فوقي يا حبيبتي! ميرا
قاطعته الممرضة قائلة:
_ ساعدني نشيلها لاوضة على ما ييجي الدكتور
حين انتهى الطبيب من حقن الإبرة المعبأة بمحلول الأنسولين بوريد ميرا واطمأن على استقرار حالتها من جديد، خرج وخلفه الممرضة تاركان عمار الذي جلس إلى جانبها وهو يحدق بها بجفون متهدلة إثر سهر هذه الليلة تبعه البكاء المتواصل على فقد والده العزيز، تطلع بها وبملامحها المجهدة حيث شفتيها الجافتين وبشرتها الصفراء وما إلى ذلك، كان ينظر إليها بتأمل في حين يحمد الله ويثنيه على عدم ذهابها هي الأخرى وإلا لكان تبعهم إلى العالم الآخر، ولكن كان فضله عليه عظيما، فلا تزال على قيد الحياة، وهو ما يسبب استمرار النبض بقلبه حتى الآن
توقفت السيارة أمام الباب الرئيسي للمستشفى ليترجل عنها سفيان وخلفه فجر التي حاولت وبكل طاقتها ان تكبح عبراتها عن النزول من عينيها المختبئتين خلف عدستي النظارة الشمسية، التفتت الى سفيان القاتم المعالم ثم سرعان ما انتقل بصرها نحو مراد الذي نزل عن السيارة هاتفا:
_ دخلتوا ولا لسة؟
نزع سفيان نظارته قائلا بوجوم:
_ لا لسة، يالا نروح نسأل فين
دلف ثلاثتهم إلى داخل المشفى وبعد أن عرف مراد رقم الطابق الموجودين فيه والذي عرف من خلال موظف الاستعلامات أن حالة ميرا تدهورت وحجزت غرفة لها، توجهوا جميعا إلى الأعلى حيث توجد ميرا، ولكن استوقفتهم فتاة شابة كانت تقف أمام الباب الخاص بغرفة ميرا، تقدمت فجر منها وهي تتفرس بملامحها بشك قبل ان تقول:
_ إنتي مين؟
أسندت حزام الحقيبة عل كتفها قائلة بشئ من التعالي:
_ انا الآنسة سما أحمد
زادت فجر من اقترابها منها قائلة بشئ من الاستهجان:
_ وواقفة هنا ليه يا آنسة سما أحمد؟
ظنت أنها تستطيع السيطرة على نفسها كي لا تتحدث عن المستور بل تكلمت بكل أريحية:
_ حبيبة عمار وجدي، وقريب أوي هبقى مراته
هتفت فجر بصدمة:
_ نعم؟! ده اللي هو ازاي؟
أمسك سفيان بمنكبها سريعا قبل ان تزيد في الحديث محضا إياها على الصمت في حين يقول بجدية:
_ تمام يا آنسة، حاليا عمار جوة ومراته تعبانة، ياريت تسبقي عالبيت عشان هنخلص الإجراءات ونعمل العزا
التفتت إلى سفيان وكل معالم السخط بادية على وجهها في حين بادلها الثاني بأخرى هادئة يحثها على التأجيل لهذا الأمر احتكاما إلى حدة الموقف المؤلم
((يا أيتها النفس المطمئنة*ارجعي الى ربك راضية مرضية*فادخلي في عبادي*وادخلي جنتي))
صدق الله العظيم
انتهت التلاوة العطرة لسورة الفجر بصوت القارئ الشيخ الذي استأجره مراد للقراءة بصوان العزاء بحديقة فيلا وجدي، لتشرع ميرا في البكاء من جديد ولم تعد تستطيع الكتمان أكثر من ذلك على الرغم من ضعفها التام، في حين تربت نجاة التي تجلس بجانبها على منكبها وهي تقول بحزن:
_ خلاص بجى يا ميرا، كفاية عشان صحتك!
أسندت ميرا رأسها على كتف نجاة قائلة بحسرة:
_ عمو وجدي سابنا وراح يا نجاة! آاااااه
ربتت فجر على ركبتها كي تثنيها عن البكاء قائلة:
_ معلش يا ميرا، دي حكمة ربنا، هو دلوقتي ف مكان أحسن
وبينما انخرطت ميرا في بكاء مرير وقلبها يدمي حزنا لأجل فقدان عمها الذي كان بمرتبة والدها، كانت تجلس سما على الجهة المقابلة تحاول جديا كبح ابتسامة الانتصار كي لا تتسلل إلى ثغرها حيث شعرت أخيرا بمنفذ للهواء كي تحصل على ما تريد أخيرا والذي كان وجدي عائقا لتنفيذه، فقد صارت شهادة وفاته بمثابة صك لأن تملك قلب عمار أخيرا وتنعم بالحياة معه ولم تعد هناك حجة لبقاء ميرا معه، فقط هي مسألة شهر او اثنين حتى تبرد نيران الأحزان!
أسدل الليل ستاره وبلغت الساعة الثانية عشر صباحا، وعاد كلاهما معا إلى المنزل بعد تأدية واجب العزاء مع عمار وميرا اللذان كانا بحالة يرثى لها، دلف سفيان إلى الغرفة وخلفه فجر التي احتلت أقرب مقعد قابلها كي تريح قدميها وتلتقط أنفاسها بهدوء، بعد شد الأعصاب الذي كاد يفتك بها، فتحت عينيها سريعا حينما سمعت صوت صفع الدولاب بقوة لتجد سفيان الذي حمل بعضا من ملابسه البيتية ومنشفته متجها إلى الخارج، فاستوقفته هاتفة باستنكار:
_ سفيان إنت رايح فين؟
توقف مكانه دون ان ينظر إليها كنوع من الاستحقار قائلا بكبرياء:
_ مالكيش تسأليني رايح فين وجاي منين
وقفت عن الكرسي ثم تقدمت منه بخطى سريعة وهي تقول باحتجاج:
_ ليا أسألك بصفتي مراتك
استدار كي يواجهها بنظراته المستهجنة في حين يردف بتهكم:
_ لا مش مراتي إنتي الجاسوسة اللي باعتينك عشان تراقبيني، يستحيل زوجة تعمل كدة ف جوزها!
تنهدت بضيق قبل ان تردف مبررة:
_ والله يا سفيان كان ليا اسبابي، وقلت اديهم الملف ف أسرع وقت عشان اخلصك من التهمة دي وكنت هقول....
أسرع يقاطعها متهما:
_ لا مش عشان تطلعيني يا مدام، لا عشان تطلعي نفسك من التهمة بحجة مساعدة الشرطة! ولا انتي فاكراني اهبل
عاد يلتف صوب الباب قائلا باقتضاب:
_ إنتي أكبر إنسانة مخادعة شفتها ف حياتي، استخدمتي الرشوة، والأسمنت الفاسد، واستغليتي كل اللي عملته معاكي عشان مصلحتك الشخصية، انا مش عارف ازاي اتخدعت فيكي كدة؟ وازاي ما رميتش عليكي اليمين لحد....
استشعرت الخطر الجسيم بنطقه للجملة الأخيرة فأسرعت تهتف معترفة:
_ سفيان انا بحبك
نهاية أحداث الفصل الواحد والعشرون
يا ترى سفيان ممكن يلين مع الجملة دي؟
