رواية قطة في وادي الذئاب ج 2 ( اسيرة سطوته ) الفصل التاسع عشر 19 بقلم اسراء عبدالقادر
(أسيرة سطوته)
الفصل التاسع عشر
إسراء عبدالقادر الوزير
تراجعت إلى الوراء منتفضة والصدمة تكسو معالمها برعونة بينما تحدج هذا الذي وقف عن مجلسه يرمقها بخوف يلازمه الخزي على ما أقدم من فعلة خاطئة! هتفت تقول بذهول يكالبه الاستنكار:
_ ازاي يعني انت مش مراد وبتجول سليم الشهاوي؟ سليم الشهاوي أهله جتلوه من زمان!
اقترب منه خطوة فعادت إلى الوراء بضعفها ليردف مبررا بجمود ظاهري:
_ سليم مماتش، للأسف سليم فضل عايش بس باسم غير اسمه، سليم حتى كل حاجة تربطه بعيلة الشهاوي، حتى بناته سابهم ولولا ما شافهم من تاني لولا ما حن وطلبهم! سليم اللي لولاه وجف الطار سنين بس على حساب كرامته واسمه بين العيلة اللي اتبرت منه! سليم اللي بعد كل ده لجى الطلب رجع من تاني اتدخل هو برضه وفض الخناج بس باسم مراد ناصر! سليم اللي لحد دلوك مش جدار يصلح حاله مع بته اللي ملوا راسها بحديت فارغ خلاها طول عمرها تستحقرني! سليم اللي كان عامل حسابه على الموت وحده جلبه انفتح من جديد وحب صوح ولكى واحدة ما يستاهلش ضفرها عشان دخل سكته بالكدب من الأول!
صمت للحظات كي يلتقط أنفاسه اللاهثة وكأنه عائد لتوه من ماراثون سباق، وهنا وجدتها نجاة فرصة لإطلاق أحد الأسئلة العالقة بذهنها والطالبة الإجابة الفورية حيث تردف وقد علا الاقتضاب بنبرتها:
_ واي اللي خلاك تجول الحجيجة أدام انت وبناتك اتفجتوا تخبوا من الأول؟!
أسرع يقول مدافعا:
_ البنات مالهمش ذنب، كل اللي كانوا عايزينه إنك تبجي وسطيهم
سلطت بصرها على عينيه مغيرة صيغة السؤال وهي تقول بتثاقل:
_ وانت اتجوزتني ليه؟
رفع عينيه صوبها قائلا بتقرير:
_ عشان جذبتيني من اول مرة شفتك، حسيت بيكي حاجة جريبة من جلبي، جاومت وجلت انسى اللي حاسس بيه عشان البنات اللي ماكنتش لسة صلحت معاهم حاجة، لحد ما اتفاجأت ان رضوى عارفاكي وحاباكي، ووجتها اتجدمتلك علطول ماستنيتش
ثم أكمل قائلا بنبرة هائمة:
_ وبوجت جصير جوي لجيت الإعجاب ده اتجلب حب وحب كبيييير لدرجة بعد الساعات اللي ببجى فيها بعيد عنك!
انسابت الدموع من مقلتيها دون ان يرمش لها جفن فنظرها مسلط على هذا الذي يتحدث وفؤادها يقسم بأغلظ الأيمان أنه صادقا بينما يضرب العقل بنداءاته عرض الحائط ناشدا إياها ان تصم اذنيها مما يقول هذا المحتال! وبين صراع عقلها وقلبها أكمل سليم قائلا بصوت متعذب:
_ جلت لك دلوك عشان افهمك مجصدي من الأول للآخر يا أحلى حاجة حصلت لي ف حياتي، احسن ما تعرفي منيرة وساعتها اخسرك وماجدرش ارجعك تاني
هم ليتقدم نحوها ولكن اوقفتها بإشارة من يدها تبعتها بقولها بقتامة:
_ مراد
ثم سرعان ما اعتصرت عينيها بقوة لتنهمر شلالات عبراتها على صفحة وجهها حيث تفتح عينيها من جديد بينما تكمل بمقت:
_ اجصد يا سليم، عايزة ابجى لوحدي دلوك
بسط كفه على عينيه يأسا وقد استشعر لتوه بكونها لن تسامحه أبدا ولو طبقت الأرض على السماء! زفر بتعب ثم ألقى عليها نظرة أخيرة يود لو ان لا تكون الأخيرة، ثم اتجه إلى باب الغرفة حيث خرج تاركا إياها بين سهام الذهول الحارقة التي تصيبها بلا رحمة تاركة بقلبها جروحا غائرة! تود لو تقتل نفسها وأن لا ترى مثل هذه اللحظة القاسية! وضعت كلتا يديها امام عينيها وثد أجهشت في بكاء مرير تندب حظها العثر ولفحاته! ترجو القدر ان يرحمها وقد أصابتها كدماته حيث لا ترى أبدا كمالا لسعادتها! فكلما تسللت الضحكة الى فمها فوجئت بصفعة مفاجئة تعيدها الى الوراء مائة درجة! ماذا تفعل وكيف تتصرف؟ لقد كانت قبلا أرملة وحصدت ما يكفي من نظرات الشفقة والازدراء! فما يحدث لو صارت مطلقة كذلك؟! ستصير وقتها نذير شؤم أمام الجموع من نساء بلدتها! والأسوأ من نظرات البعض وهمزات الآخرين ان تتخيل حياتها بلا مراد _أقصد سليم_ الذي عشقته وذاقت بقربه لذة العشق الحقيقية وصارت متيقنة بكونه العوض الذي حضر بعد طول فترة من العذاب! كيف لها أن تتركه وقد وجدت به الانيس الروحي والأب قبل ان يكون الزوج؟! كيف لها أن تستيقظ فيما بعد دون أن تملي شغفها بابتسامته وهمساته العاشقة التي تدغدغ بحق حواسها، وبنبرة صوته تشتعل جوارحها ويطرب قلبها فرحا! نصل التشتت يمزقها من الداخل حيث لا يحتمل القلب الفراق بينما يحثها العقل على ذلك! جثت على ركبتيها بتعب في حين تنظر إلى السماء هامسة بصوت متحشرج مستغيثة:
_ ياااارب، ارحمني
تنهدت ميرا بضيق بينما تسمع هتاف صديقتها الغاضبة قائلة:
_ إنتي هبلة يا بنتي؟ ازاي يعني تروحي تعملي التحليل، هو انتي ناوية تخلفي منه أصلا؟!
أسرعت ميرا تقول نافية:
_ لأ طبعا، بس انا قلت امشي الدنيا كدة لحد ما اعرف الاقي سكة أخلع بيها، وبعدين كان في حاجة تانية مخططة أعملها بس عايزة دعمه فيها فقلت ارضيه باللي عاوزه الأول!
_ واي هي دي؟
_ عايزة ادخل الفاشونيستا في منتجات الشركة، انتي عارفة طبعا إني شاطرة في تصميم الأزياء، بعت له بالطلب ده ف رسالة وهشوف رده ايه
اضافت الثانية بسخرية:
_ لا وانتي فاكرة هيوافق؟!
قالت ميرا بلهجة ثقة ظاهرية:
_ اكيد طبعا هيوافق، عمار اتغير اوي الفترة دي، ماظنش يرفض يعني
_ عموما يا ستي أتمنى لك كل الخير، بس الحقي الموضوع ده بقى بسرعة قبل ما عمك يشد على حاجة تاني تكوني اصريتي على الطلاق عشان تخلصي بقى
في المساء، كانت فجر تقلب قنوات التلفاز بينما يلعب إياد بجابنها، إلى أن وصلت إلى إحدى قنوات الكارتون التي تعرض الفيلم المعروف (هرقل) انجذب له انتباه إياد سريعا ليسارع في البكاء ما ان يراها قد انتقلت إلى القناة الأخرى، أخذ يضرب بذراعها يحثها إلى العودة، لتتنهد بضجر ثم تعاود القمع مجددا وهي تردف بضيق:
_ خد يابوي، آخرتي اسمع هرقل؟!
اجفلت لسماع طرقة صغيرة على الباب فنظرت باتجاهه لتجدها أمينة التي تقف هناك تقول مستأذنة:
_ ممكن اقعد معاكي يا مدام فجر؟
اماءت فجر برأسها قائلة:
_ أكيد، اتفضلي
تقدمت إلى الداخل حتى جلست على أقرب مقعد مجاور لفجر حيث تود الكلام بأمر في غاية السرية، التفتت إليها فجر والتساؤل يعتلي معالمها بينما تزدرد أمينة ريقها بتوتر قبل أن تردف بخفوت:
_ أنا عرفت من اللي بيحصل يا مدام، انك عايزة تطلعي دليل عن سفيان بيه بخصوص الأسمنت
شهقت فجر بفزع وقبل أن تبدي أي رد فعل أسرعت أمينة مدافعة عن نفسها معتذرة:
_ والله عرفت وأنا بمر لحد أوضتك عشان أكل إياد وسمعتك بتكلمي مع الظابط، انا آسفة
لما وجدت معالم الصدمة لا تزال مؤثرة بها إلى الحد الذي يردعها عن إطلاق أي رد، أكملت أمينة بنبرة جادة لا تخلو من الخوف:
_ انا بس عايزة اقولك، ارتاحي لأستاذ سفيان يا مدام فجر، البني آدم ده مستحيل يتاجر ف الكلام الفاضي ده
عادت فجر تحدجها بنظرات متعجبة بينما أكملت أمينة بتقرير:
_ كمان أنا شايفة انه أحسن راجل هيكون مناسب ليكي، حاولي تواربي الباب وهتشوفي اد ايه هو يستاهلك، إنتي اتعذبتي كتير، بس ده البني آدم الوحيد اللي عايزك من غير مصلحة بجد
لما وجدتها لم تنبس ببنت شفة وقفت أمينة ثم استرسلت:
_ بعد إذنك، وسامحيني
ثم خرجت سريعا مختفية عن أنظار فجر التي تركت مجالا لكلمات أمينة بالسباحة ببحر أفكارها، حيث وجدتها تقول باحتمال كبير ما يجانب الصواب، فقد تعبت وتألمت وذاقت مرارة المصلحة ولكن هءا حتى الآن لم يبد للمصلحة اهتماما حتى في أقل حقوقه بساطة! اجفلت عن شرودها مع أغنية البطلة ميجارا لما كانت تتحدث عن مأساتها بالوقوع في حب هرقل وهي التي كسر قلبها قبلا وتحطم إلى أشلاء مع خائن قابل إحسانها بعناق أخرى، وكانت نجمات الاستعراض يثنينها عن التراجع ويخبرنها بكم تكن له عشقا:
_ لو كان في جايزة للعباطة
انا خدت الجايزة دي مراات
مافيش راجل يستاهل حبي
دي حكاية قديمة بزيادة، حكاية
= إنتي بتخدعي قلبك
روووحك فيه على مين راح تخفي
مهما تداري ف حبك
شايفين قلبك ده باللي فيه
_ آه لااا
= مهما تخبي يا حلوة
عارفين معنى الغنوة دي
واللي شاغلك مييين
_ آااااااه كلام أحلام لأ مش هنطق لا لا
= تناهيد هيام قلب بيعشق يا حلوة
_ كلام أحلام لأ مش هنطق انا لاا
خلاص الدرس ده اتعلمته
هو ده الحب ف بدايته
ع اللي بيصرخ هنسى اللي حلمته
مافيش حلم الا ومخيف ف نهايته
= ليه مصرة تكابري
وانتي عيونك اهي معترفة
مهما يا روحي تخبي
احنا قلوبنا شايفة وعارفة
واجهي الأمر بحكمة
وانطقي يالا الكلمة وقولي
آه آه فعلا آااااااه
_ آاااااه كلام أحلام مش هنطق لا لا
= هو ده الحب
بسمتك بتقول عاشقاه
_ أوهام لا لا
مش هقول عاشقاه لااااه
= هيمانة فيه بتحبيه ورايداه
_ كلام تخريف مش هنطقها لا
بلاش تأليف مش هنطقها لااا
= ماتخافيش ده
الغرام يا محلااااه
_ آاااه بيني وبينكوا
أنا دايييبة ف هوااااه
انقضت الغنوة ومعها افاقت فجر من الشرود بها على تساؤل فحواه:
_ يعني معجول يرجع الحب لجلبي تاني؟ ولا اني أصلا ما دوجتوش اولاني؟
على طاولة الغداء، كانت نجاة تجلس على أحد الكراسي المجاورة للكرسي الرئيسي الفارغ والذي كان من المفترض أن يشغله مراد اليوم ولكن لم يعد بعد ولن يشاركهم الوجبة على ما يبدو، تماما كما حدث في الصباح فلم تر وجهه منذ حديثهما البارحة، قلبها ينزف دما في حين تشعر كونها تتألم لشدة ما حدث، فما قد يكون أسوأ من سماع اعتراف كهذا من لسانه بعد فوات أوان التصرف؟! شاردة عينيها متورمتين من شدة البكاء الذي ذرفته بالأمس، تشعر بأن هموم العالم قد اجتمعت كلها لتثقل على كاهلها، فما قد يكون الأسوأ من ذلك؟ أفاقت بعد طول غفوة مع أفكارها المتصارعة على هتاف سلمىبصوت مرتفع:
_ أبلة نجااااة، يا أبلة نجاااة!
رفت عيناها مرتين قبل ان تلتفت إلى مصدر الصوت أمامها حيث تجلس سلمى ورضوى، قالت بصوت خفيض:
_ إيه في إيه؟
أشارت سلمى إلى رأسها قائلة بتعجب:
_ إنتي اللي في إيه؟ بجالنا ساعة بننده
تحدثت نجاة بتأسف:
_ معلش يا سلمى مش مركزة
تفرست رضوى بمعالمها المنهكة وجفونها المتهدلة والتي استطاعت بسهولة إرجاع ذلك إلى البكاء، فقالت بتساؤل:
_ مالك يا أبلة؟ شكلك مش عاجبني، إنتي كنتي بتبكي؟
قطبت نجاة حاجبيها قائلة بدهشة ولم تفهم كيف ميزت ذلك:
_ اييه؟
ثم سرعان ما تداركت الموقف قائلة:
_ لا لا بس اني تعبانة شوية
قالت سلمى بحزن:
_ تلاجيه البرد عامل عمايله معاكي
التفتت إليها نجاة ثم اومات برأسها بينما تعود من جديد الى تساؤلاتها الحائرة عن كيفية التصرف بهذا المأزق الذي لا تعرف هل تفضل فيه أهلها ورفض رباط الزواج بين العائلتين، أم تقبل وتعيش مع معشوقها برغد فتقبل تلك الكذبة الشنيعة دون عقاب!
ضبت ميرا المستندات الخاصة بالشركة فور دراستها، ثم حملت حقيبتها وخرجت من غرفة المكتب ومنها حتى باب الشركة حيث كان ينتظر عمار داخل سيارته، احتلت الكرسي المجاور وهي تقول:
_ مساء الخير
_ مساء النور
قالها عمار ثم أدار المفتاح كي تتحرك السيارة عائدا إلى المنزل بينما تكاد تأكله ميرا من شدة نظراتها المتلهفة منتظرة إياه بفارغ صبر كي يريح قلبها ويخبرها بشأن الموافقة على القرض وخلافه لأجل التصميمات التي تود إدخالها بالشركة، ولكن على خلاف ما توقعت أن يجيبها على الفور ظل على حاله متابعا الطريق دون إبداء رد فعل حتى! وجدت ان لا بد من انتظار افتتاحه للحديث فبدأت هي محمحمة ثم تقول:
_ اي أخبار الرسايل اللي بعتهالك النهاردة
دون ان يحيد ببصره عنها أجاب باختصار:
_ كويس
لما وجدت كم اللامبالاة هذه صادرة منه احتقنت الدماء بوجهها بينما تقول بغضب داخلي:
_ وبالنسبة لسؤال الفاشونيستا؟
أردف يقول باستهزاء:
_ يا ميرا المشروع بتاعك ده لسة بدري اوي عليه، عايز تمويل وقروضه مش مضمونة، استني الشركة تقف على رجلها ونعمل اللي حاباه
_ طيب
قالتها ميرا بحنق وقد شعرت بغليان الدماء حتى رأسها فقد توقعت جدا كونه سيضع موافقتها على إجراء التحليل نصب عينيه ولكن لا! فهذا هو ناكر الجميل عمار! نظرت إلى الطريق أمامها بعبوس دون ان تنبس ببنت شفة، بينما يبتسم عمار من جانب فمه بخفة محدثا حاله:
_ اللي عاوزاه هيحصل يا سكر، بس انا بعشق المفاجآت، ولازم الطلب اللي نفسك فيه يبقى بمفاجأة حلوة تفرحك زي ما فرحتيني امبارح بموافقتك ع التحليل
بالصباح للباكر، عاد مراد الى المنزل أخيرا بعدما انهك جسده واستنفذ جميع طاقته بالعمل بالشركة غير راغب بالعودة مجددا والنظر بوجه نجاة بعد هذا الاعتراف المؤلم وهذه الحقيقة الصادمة! أجل حقها ان تغضب بل وحقها ان تطلب الطلاق، ولكن مهلا، ليست سهلة عليه تلك الكلمة بحيث يجعله خيارا سهل المنال أمامها! نيران الطلاق هذه ستحرقه وتعذبه ولن تتركه الا رمادا، لا يقوى على الفراق ونطق كلمة الطلاق، ولكن ليت المطالب بالتمني! فالأمر ليس بيده حتى! فما كان منه سوى ان قرر بتركها لبضعة أيام حتى تهدا ثورتها علها تتخذ الصالح من وجهة نظرها
دلف الى الغرفة الموجودة بالطابق السفلي، والتي قضى بها ليلته الفائتة التي لفظ فيها بالصراحة، ضغط زر الإضاءة حتى غلف النور المكان، وفوجئ بحوريته جالسة هناك تتوسط الأريكة، مغمضة العينين ساندة رأسها على ظهر الأريكة نائمة، تقدم منها بعدما أغلق الباب خلفه فكان يظن كونه يتوهم او هو بحلم يود بالفعل لو يتحقق، فما قد يحضر نجاة الغاضبة بهذه الغرفة بالذات؟! ما ان جلس على الأريكة جانبها حتى اقترب منها برأسه لتصير المسافة الفاصلة بينهما لا تتعد السنتيمترات، ظل يتفرس بمعالم حورية أحلامه لثوان قاربت الدقائق، ولم يعد يطيق الإنتظار ولابد ان يلمسها كي يتأكد كونها حقيقية لا يحلم باليقظة! مسد بأنامله على وجنتها لتهب هي واقفة وقد افاقت توا من غفوتها وهي لا تزال في انتظاره، التفتت إليه وهي تعيد شعرها إلى الوراء قائلة بنعاس:
_ سليم!
أخفض بصره قائلا:
_ آسف صحيتك بس انا....
أكملت عنه قائلة:
_ ماكنتش فاكر اني هستناك اهنه!
التفت إليها ثم هز رأسه نفيا بينما أكملت نجاة قائلة بهدوء:
_ كان لازم استناك عشان احط النجط عالحروف
وقف حتى صار مقابلها ثم نطق بجدية لا يلامسها المزاح:
_ جبل ما تتكلمي لازم تعرفي الأول إني بحبك يا نجاة، استني شوية جبل ما تقولي قرارك، يمكن تجولي الصح بعد ما تهدي، لإن انا مش هطلقك وماجدرش اعملها، بلاش تموتيني وتطلبي البعد يا نجاة
ثم امسك بكلتا يديها رغما عنها مسترسلا وعيناه موشكتان على الدمع:
_ عارف انك ممكن ما تتشرفيش براجل زيي اتحكم عليه أنه جبان وما يستاهلش ضفرك والمفروض كان انجتل بس خاف، بس أملي ف ربنا كبير انك تفهمي نيتي صوح، فياريت ماتجوليش اللي عايزاه دلوك
أغمضت نجاة عينيها اللتين احترقتا بالدمع المكبل الناشد إياها للهروب، ولكن لم يحدث فلابد لها من الصمود خاصة بهذه اللحظة التي قالت فيها:
_ مش محتاجة وجت انا عشان اجرر صح اني مش صغيرة ولا هبلة، وعارفة مصلحتي فين كويس جوي
تنهد بتعب في حين مكس رأسه بخمول وقد عرف نيتها الساكنة بصوتها الجامد مقدما بينما أكملت نجاة وقد غزا اللين نبرتها:
_ الكدب ده حاجة غلط وربنا بيعاجب عليها، بس للأسف زماننا ده بجى يضطرنا دايما للكدب، بتجول ماتشرفش بسليم! اللي فضى الطار وكان زينة الرجال والبلد دي كلها تتحاكى بيه وباخلاجه ويا هنا مرته بيه، طردوه ونبذوه مع إنه كان كل غرضه يوجف سفك الدم، الراجل اللي دخلت بيته افتكرت هكون خدامة لجيت حالي ست البيت وخدت حب زي ما كنت بحلم واشوف في الأفلام
رفع بصره كي يواجه نظراتها الحالمة بينما أكملت تقول مع ابتسامة واسعة:
_ ما تجيش كدبة هما السبب فيها توجع اللي بيننا، الحمد لله العيلتين اصطلحوا يبجى اي اللي يمنع جوازة بين اتنين منهم؟!
بالفعل شعر بدمعة ساخنة فرت من بين جفونه ولكن هذه ليست للحزن كما توقع قبل وهلات وإنما للسعادة والسرور حيث لا يكاد يصدق بأن قد حدث ما عده واحدا بالمائة من الاحتمالات، لا يصدق كون نجاة اخترقت صدره ولحظت مكنونات قلبه من الداخل متجاهلة ما بالخارج، شعر بكونه لا يستطيع عنها الابتعاد أكثر من ذلك وقد ابتعد عنها يومين كاملين دون ان يتنعم بدفء حنانها، فما كان منه سوى ان يضمها إليه سريعا دافنا اياها بصدره فبادلته العناق الحميمي مؤكدة له عدم أهمية الامر بالنسبة لها، أحبها وتزيد بنظره اضعافا ولن يفرقهما شيئا آخر وزال الخطر الذي كان يهدد كيان عشقهما، وجالت نسمات العشق حولهما وتجولا معا برحلة طويلة لا يشركهما فيها أحد
نهاية أحداث الفصل التاسع عشر
هل كدة جه الوقت اللي فجر تثق فيه في سفيان
الفصل التاسع عشر
إسراء عبدالقادر الوزير
تراجعت إلى الوراء منتفضة والصدمة تكسو معالمها برعونة بينما تحدج هذا الذي وقف عن مجلسه يرمقها بخوف يلازمه الخزي على ما أقدم من فعلة خاطئة! هتفت تقول بذهول يكالبه الاستنكار:
_ ازاي يعني انت مش مراد وبتجول سليم الشهاوي؟ سليم الشهاوي أهله جتلوه من زمان!
اقترب منه خطوة فعادت إلى الوراء بضعفها ليردف مبررا بجمود ظاهري:
_ سليم مماتش، للأسف سليم فضل عايش بس باسم غير اسمه، سليم حتى كل حاجة تربطه بعيلة الشهاوي، حتى بناته سابهم ولولا ما شافهم من تاني لولا ما حن وطلبهم! سليم اللي لولاه وجف الطار سنين بس على حساب كرامته واسمه بين العيلة اللي اتبرت منه! سليم اللي بعد كل ده لجى الطلب رجع من تاني اتدخل هو برضه وفض الخناج بس باسم مراد ناصر! سليم اللي لحد دلوك مش جدار يصلح حاله مع بته اللي ملوا راسها بحديت فارغ خلاها طول عمرها تستحقرني! سليم اللي كان عامل حسابه على الموت وحده جلبه انفتح من جديد وحب صوح ولكى واحدة ما يستاهلش ضفرها عشان دخل سكته بالكدب من الأول!
صمت للحظات كي يلتقط أنفاسه اللاهثة وكأنه عائد لتوه من ماراثون سباق، وهنا وجدتها نجاة فرصة لإطلاق أحد الأسئلة العالقة بذهنها والطالبة الإجابة الفورية حيث تردف وقد علا الاقتضاب بنبرتها:
_ واي اللي خلاك تجول الحجيجة أدام انت وبناتك اتفجتوا تخبوا من الأول؟!
أسرع يقول مدافعا:
_ البنات مالهمش ذنب، كل اللي كانوا عايزينه إنك تبجي وسطيهم
سلطت بصرها على عينيه مغيرة صيغة السؤال وهي تقول بتثاقل:
_ وانت اتجوزتني ليه؟
رفع عينيه صوبها قائلا بتقرير:
_ عشان جذبتيني من اول مرة شفتك، حسيت بيكي حاجة جريبة من جلبي، جاومت وجلت انسى اللي حاسس بيه عشان البنات اللي ماكنتش لسة صلحت معاهم حاجة، لحد ما اتفاجأت ان رضوى عارفاكي وحاباكي، ووجتها اتجدمتلك علطول ماستنيتش
ثم أكمل قائلا بنبرة هائمة:
_ وبوجت جصير جوي لجيت الإعجاب ده اتجلب حب وحب كبيييير لدرجة بعد الساعات اللي ببجى فيها بعيد عنك!
انسابت الدموع من مقلتيها دون ان يرمش لها جفن فنظرها مسلط على هذا الذي يتحدث وفؤادها يقسم بأغلظ الأيمان أنه صادقا بينما يضرب العقل بنداءاته عرض الحائط ناشدا إياها ان تصم اذنيها مما يقول هذا المحتال! وبين صراع عقلها وقلبها أكمل سليم قائلا بصوت متعذب:
_ جلت لك دلوك عشان افهمك مجصدي من الأول للآخر يا أحلى حاجة حصلت لي ف حياتي، احسن ما تعرفي منيرة وساعتها اخسرك وماجدرش ارجعك تاني
هم ليتقدم نحوها ولكن اوقفتها بإشارة من يدها تبعتها بقولها بقتامة:
_ مراد
ثم سرعان ما اعتصرت عينيها بقوة لتنهمر شلالات عبراتها على صفحة وجهها حيث تفتح عينيها من جديد بينما تكمل بمقت:
_ اجصد يا سليم، عايزة ابجى لوحدي دلوك
بسط كفه على عينيه يأسا وقد استشعر لتوه بكونها لن تسامحه أبدا ولو طبقت الأرض على السماء! زفر بتعب ثم ألقى عليها نظرة أخيرة يود لو ان لا تكون الأخيرة، ثم اتجه إلى باب الغرفة حيث خرج تاركا إياها بين سهام الذهول الحارقة التي تصيبها بلا رحمة تاركة بقلبها جروحا غائرة! تود لو تقتل نفسها وأن لا ترى مثل هذه اللحظة القاسية! وضعت كلتا يديها امام عينيها وثد أجهشت في بكاء مرير تندب حظها العثر ولفحاته! ترجو القدر ان يرحمها وقد أصابتها كدماته حيث لا ترى أبدا كمالا لسعادتها! فكلما تسللت الضحكة الى فمها فوجئت بصفعة مفاجئة تعيدها الى الوراء مائة درجة! ماذا تفعل وكيف تتصرف؟ لقد كانت قبلا أرملة وحصدت ما يكفي من نظرات الشفقة والازدراء! فما يحدث لو صارت مطلقة كذلك؟! ستصير وقتها نذير شؤم أمام الجموع من نساء بلدتها! والأسوأ من نظرات البعض وهمزات الآخرين ان تتخيل حياتها بلا مراد _أقصد سليم_ الذي عشقته وذاقت بقربه لذة العشق الحقيقية وصارت متيقنة بكونه العوض الذي حضر بعد طول فترة من العذاب! كيف لها أن تتركه وقد وجدت به الانيس الروحي والأب قبل ان يكون الزوج؟! كيف لها أن تستيقظ فيما بعد دون أن تملي شغفها بابتسامته وهمساته العاشقة التي تدغدغ بحق حواسها، وبنبرة صوته تشتعل جوارحها ويطرب قلبها فرحا! نصل التشتت يمزقها من الداخل حيث لا يحتمل القلب الفراق بينما يحثها العقل على ذلك! جثت على ركبتيها بتعب في حين تنظر إلى السماء هامسة بصوت متحشرج مستغيثة:
_ ياااارب، ارحمني
تنهدت ميرا بضيق بينما تسمع هتاف صديقتها الغاضبة قائلة:
_ إنتي هبلة يا بنتي؟ ازاي يعني تروحي تعملي التحليل، هو انتي ناوية تخلفي منه أصلا؟!
أسرعت ميرا تقول نافية:
_ لأ طبعا، بس انا قلت امشي الدنيا كدة لحد ما اعرف الاقي سكة أخلع بيها، وبعدين كان في حاجة تانية مخططة أعملها بس عايزة دعمه فيها فقلت ارضيه باللي عاوزه الأول!
_ واي هي دي؟
_ عايزة ادخل الفاشونيستا في منتجات الشركة، انتي عارفة طبعا إني شاطرة في تصميم الأزياء، بعت له بالطلب ده ف رسالة وهشوف رده ايه
اضافت الثانية بسخرية:
_ لا وانتي فاكرة هيوافق؟!
قالت ميرا بلهجة ثقة ظاهرية:
_ اكيد طبعا هيوافق، عمار اتغير اوي الفترة دي، ماظنش يرفض يعني
_ عموما يا ستي أتمنى لك كل الخير، بس الحقي الموضوع ده بقى بسرعة قبل ما عمك يشد على حاجة تاني تكوني اصريتي على الطلاق عشان تخلصي بقى
في المساء، كانت فجر تقلب قنوات التلفاز بينما يلعب إياد بجابنها، إلى أن وصلت إلى إحدى قنوات الكارتون التي تعرض الفيلم المعروف (هرقل) انجذب له انتباه إياد سريعا ليسارع في البكاء ما ان يراها قد انتقلت إلى القناة الأخرى، أخذ يضرب بذراعها يحثها إلى العودة، لتتنهد بضجر ثم تعاود القمع مجددا وهي تردف بضيق:
_ خد يابوي، آخرتي اسمع هرقل؟!
اجفلت لسماع طرقة صغيرة على الباب فنظرت باتجاهه لتجدها أمينة التي تقف هناك تقول مستأذنة:
_ ممكن اقعد معاكي يا مدام فجر؟
اماءت فجر برأسها قائلة:
_ أكيد، اتفضلي
تقدمت إلى الداخل حتى جلست على أقرب مقعد مجاور لفجر حيث تود الكلام بأمر في غاية السرية، التفتت إليها فجر والتساؤل يعتلي معالمها بينما تزدرد أمينة ريقها بتوتر قبل أن تردف بخفوت:
_ أنا عرفت من اللي بيحصل يا مدام، انك عايزة تطلعي دليل عن سفيان بيه بخصوص الأسمنت
شهقت فجر بفزع وقبل أن تبدي أي رد فعل أسرعت أمينة مدافعة عن نفسها معتذرة:
_ والله عرفت وأنا بمر لحد أوضتك عشان أكل إياد وسمعتك بتكلمي مع الظابط، انا آسفة
لما وجدت معالم الصدمة لا تزال مؤثرة بها إلى الحد الذي يردعها عن إطلاق أي رد، أكملت أمينة بنبرة جادة لا تخلو من الخوف:
_ انا بس عايزة اقولك، ارتاحي لأستاذ سفيان يا مدام فجر، البني آدم ده مستحيل يتاجر ف الكلام الفاضي ده
عادت فجر تحدجها بنظرات متعجبة بينما أكملت أمينة بتقرير:
_ كمان أنا شايفة انه أحسن راجل هيكون مناسب ليكي، حاولي تواربي الباب وهتشوفي اد ايه هو يستاهلك، إنتي اتعذبتي كتير، بس ده البني آدم الوحيد اللي عايزك من غير مصلحة بجد
لما وجدتها لم تنبس ببنت شفة وقفت أمينة ثم استرسلت:
_ بعد إذنك، وسامحيني
ثم خرجت سريعا مختفية عن أنظار فجر التي تركت مجالا لكلمات أمينة بالسباحة ببحر أفكارها، حيث وجدتها تقول باحتمال كبير ما يجانب الصواب، فقد تعبت وتألمت وذاقت مرارة المصلحة ولكن هءا حتى الآن لم يبد للمصلحة اهتماما حتى في أقل حقوقه بساطة! اجفلت عن شرودها مع أغنية البطلة ميجارا لما كانت تتحدث عن مأساتها بالوقوع في حب هرقل وهي التي كسر قلبها قبلا وتحطم إلى أشلاء مع خائن قابل إحسانها بعناق أخرى، وكانت نجمات الاستعراض يثنينها عن التراجع ويخبرنها بكم تكن له عشقا:
_ لو كان في جايزة للعباطة
انا خدت الجايزة دي مراات
مافيش راجل يستاهل حبي
دي حكاية قديمة بزيادة، حكاية
= إنتي بتخدعي قلبك
روووحك فيه على مين راح تخفي
مهما تداري ف حبك
شايفين قلبك ده باللي فيه
_ آه لااا
= مهما تخبي يا حلوة
عارفين معنى الغنوة دي
واللي شاغلك مييين
_ آااااااه كلام أحلام لأ مش هنطق لا لا
= تناهيد هيام قلب بيعشق يا حلوة
_ كلام أحلام لأ مش هنطق انا لاا
خلاص الدرس ده اتعلمته
هو ده الحب ف بدايته
ع اللي بيصرخ هنسى اللي حلمته
مافيش حلم الا ومخيف ف نهايته
= ليه مصرة تكابري
وانتي عيونك اهي معترفة
مهما يا روحي تخبي
احنا قلوبنا شايفة وعارفة
واجهي الأمر بحكمة
وانطقي يالا الكلمة وقولي
آه آه فعلا آااااااه
_ آاااااه كلام أحلام مش هنطق لا لا
= هو ده الحب
بسمتك بتقول عاشقاه
_ أوهام لا لا
مش هقول عاشقاه لااااه
= هيمانة فيه بتحبيه ورايداه
_ كلام تخريف مش هنطقها لا
بلاش تأليف مش هنطقها لااا
= ماتخافيش ده
الغرام يا محلااااه
_ آاااه بيني وبينكوا
أنا دايييبة ف هوااااه
انقضت الغنوة ومعها افاقت فجر من الشرود بها على تساؤل فحواه:
_ يعني معجول يرجع الحب لجلبي تاني؟ ولا اني أصلا ما دوجتوش اولاني؟
على طاولة الغداء، كانت نجاة تجلس على أحد الكراسي المجاورة للكرسي الرئيسي الفارغ والذي كان من المفترض أن يشغله مراد اليوم ولكن لم يعد بعد ولن يشاركهم الوجبة على ما يبدو، تماما كما حدث في الصباح فلم تر وجهه منذ حديثهما البارحة، قلبها ينزف دما في حين تشعر كونها تتألم لشدة ما حدث، فما قد يكون أسوأ من سماع اعتراف كهذا من لسانه بعد فوات أوان التصرف؟! شاردة عينيها متورمتين من شدة البكاء الذي ذرفته بالأمس، تشعر بأن هموم العالم قد اجتمعت كلها لتثقل على كاهلها، فما قد يكون الأسوأ من ذلك؟ أفاقت بعد طول غفوة مع أفكارها المتصارعة على هتاف سلمىبصوت مرتفع:
_ أبلة نجااااة، يا أبلة نجاااة!
رفت عيناها مرتين قبل ان تلتفت إلى مصدر الصوت أمامها حيث تجلس سلمى ورضوى، قالت بصوت خفيض:
_ إيه في إيه؟
أشارت سلمى إلى رأسها قائلة بتعجب:
_ إنتي اللي في إيه؟ بجالنا ساعة بننده
تحدثت نجاة بتأسف:
_ معلش يا سلمى مش مركزة
تفرست رضوى بمعالمها المنهكة وجفونها المتهدلة والتي استطاعت بسهولة إرجاع ذلك إلى البكاء، فقالت بتساؤل:
_ مالك يا أبلة؟ شكلك مش عاجبني، إنتي كنتي بتبكي؟
قطبت نجاة حاجبيها قائلة بدهشة ولم تفهم كيف ميزت ذلك:
_ اييه؟
ثم سرعان ما تداركت الموقف قائلة:
_ لا لا بس اني تعبانة شوية
قالت سلمى بحزن:
_ تلاجيه البرد عامل عمايله معاكي
التفتت إليها نجاة ثم اومات برأسها بينما تعود من جديد الى تساؤلاتها الحائرة عن كيفية التصرف بهذا المأزق الذي لا تعرف هل تفضل فيه أهلها ورفض رباط الزواج بين العائلتين، أم تقبل وتعيش مع معشوقها برغد فتقبل تلك الكذبة الشنيعة دون عقاب!
ضبت ميرا المستندات الخاصة بالشركة فور دراستها، ثم حملت حقيبتها وخرجت من غرفة المكتب ومنها حتى باب الشركة حيث كان ينتظر عمار داخل سيارته، احتلت الكرسي المجاور وهي تقول:
_ مساء الخير
_ مساء النور
قالها عمار ثم أدار المفتاح كي تتحرك السيارة عائدا إلى المنزل بينما تكاد تأكله ميرا من شدة نظراتها المتلهفة منتظرة إياه بفارغ صبر كي يريح قلبها ويخبرها بشأن الموافقة على القرض وخلافه لأجل التصميمات التي تود إدخالها بالشركة، ولكن على خلاف ما توقعت أن يجيبها على الفور ظل على حاله متابعا الطريق دون إبداء رد فعل حتى! وجدت ان لا بد من انتظار افتتاحه للحديث فبدأت هي محمحمة ثم تقول:
_ اي أخبار الرسايل اللي بعتهالك النهاردة
دون ان يحيد ببصره عنها أجاب باختصار:
_ كويس
لما وجدت كم اللامبالاة هذه صادرة منه احتقنت الدماء بوجهها بينما تقول بغضب داخلي:
_ وبالنسبة لسؤال الفاشونيستا؟
أردف يقول باستهزاء:
_ يا ميرا المشروع بتاعك ده لسة بدري اوي عليه، عايز تمويل وقروضه مش مضمونة، استني الشركة تقف على رجلها ونعمل اللي حاباه
_ طيب
قالتها ميرا بحنق وقد شعرت بغليان الدماء حتى رأسها فقد توقعت جدا كونه سيضع موافقتها على إجراء التحليل نصب عينيه ولكن لا! فهذا هو ناكر الجميل عمار! نظرت إلى الطريق أمامها بعبوس دون ان تنبس ببنت شفة، بينما يبتسم عمار من جانب فمه بخفة محدثا حاله:
_ اللي عاوزاه هيحصل يا سكر، بس انا بعشق المفاجآت، ولازم الطلب اللي نفسك فيه يبقى بمفاجأة حلوة تفرحك زي ما فرحتيني امبارح بموافقتك ع التحليل
بالصباح للباكر، عاد مراد الى المنزل أخيرا بعدما انهك جسده واستنفذ جميع طاقته بالعمل بالشركة غير راغب بالعودة مجددا والنظر بوجه نجاة بعد هذا الاعتراف المؤلم وهذه الحقيقة الصادمة! أجل حقها ان تغضب بل وحقها ان تطلب الطلاق، ولكن مهلا، ليست سهلة عليه تلك الكلمة بحيث يجعله خيارا سهل المنال أمامها! نيران الطلاق هذه ستحرقه وتعذبه ولن تتركه الا رمادا، لا يقوى على الفراق ونطق كلمة الطلاق، ولكن ليت المطالب بالتمني! فالأمر ليس بيده حتى! فما كان منه سوى ان قرر بتركها لبضعة أيام حتى تهدا ثورتها علها تتخذ الصالح من وجهة نظرها
دلف الى الغرفة الموجودة بالطابق السفلي، والتي قضى بها ليلته الفائتة التي لفظ فيها بالصراحة، ضغط زر الإضاءة حتى غلف النور المكان، وفوجئ بحوريته جالسة هناك تتوسط الأريكة، مغمضة العينين ساندة رأسها على ظهر الأريكة نائمة، تقدم منها بعدما أغلق الباب خلفه فكان يظن كونه يتوهم او هو بحلم يود بالفعل لو يتحقق، فما قد يحضر نجاة الغاضبة بهذه الغرفة بالذات؟! ما ان جلس على الأريكة جانبها حتى اقترب منها برأسه لتصير المسافة الفاصلة بينهما لا تتعد السنتيمترات، ظل يتفرس بمعالم حورية أحلامه لثوان قاربت الدقائق، ولم يعد يطيق الإنتظار ولابد ان يلمسها كي يتأكد كونها حقيقية لا يحلم باليقظة! مسد بأنامله على وجنتها لتهب هي واقفة وقد افاقت توا من غفوتها وهي لا تزال في انتظاره، التفتت إليه وهي تعيد شعرها إلى الوراء قائلة بنعاس:
_ سليم!
أخفض بصره قائلا:
_ آسف صحيتك بس انا....
أكملت عنه قائلة:
_ ماكنتش فاكر اني هستناك اهنه!
التفت إليها ثم هز رأسه نفيا بينما أكملت نجاة قائلة بهدوء:
_ كان لازم استناك عشان احط النجط عالحروف
وقف حتى صار مقابلها ثم نطق بجدية لا يلامسها المزاح:
_ جبل ما تتكلمي لازم تعرفي الأول إني بحبك يا نجاة، استني شوية جبل ما تقولي قرارك، يمكن تجولي الصح بعد ما تهدي، لإن انا مش هطلقك وماجدرش اعملها، بلاش تموتيني وتطلبي البعد يا نجاة
ثم امسك بكلتا يديها رغما عنها مسترسلا وعيناه موشكتان على الدمع:
_ عارف انك ممكن ما تتشرفيش براجل زيي اتحكم عليه أنه جبان وما يستاهلش ضفرك والمفروض كان انجتل بس خاف، بس أملي ف ربنا كبير انك تفهمي نيتي صوح، فياريت ماتجوليش اللي عايزاه دلوك
أغمضت نجاة عينيها اللتين احترقتا بالدمع المكبل الناشد إياها للهروب، ولكن لم يحدث فلابد لها من الصمود خاصة بهذه اللحظة التي قالت فيها:
_ مش محتاجة وجت انا عشان اجرر صح اني مش صغيرة ولا هبلة، وعارفة مصلحتي فين كويس جوي
تنهد بتعب في حين مكس رأسه بخمول وقد عرف نيتها الساكنة بصوتها الجامد مقدما بينما أكملت نجاة وقد غزا اللين نبرتها:
_ الكدب ده حاجة غلط وربنا بيعاجب عليها، بس للأسف زماننا ده بجى يضطرنا دايما للكدب، بتجول ماتشرفش بسليم! اللي فضى الطار وكان زينة الرجال والبلد دي كلها تتحاكى بيه وباخلاجه ويا هنا مرته بيه، طردوه ونبذوه مع إنه كان كل غرضه يوجف سفك الدم، الراجل اللي دخلت بيته افتكرت هكون خدامة لجيت حالي ست البيت وخدت حب زي ما كنت بحلم واشوف في الأفلام
رفع بصره كي يواجه نظراتها الحالمة بينما أكملت تقول مع ابتسامة واسعة:
_ ما تجيش كدبة هما السبب فيها توجع اللي بيننا، الحمد لله العيلتين اصطلحوا يبجى اي اللي يمنع جوازة بين اتنين منهم؟!
بالفعل شعر بدمعة ساخنة فرت من بين جفونه ولكن هذه ليست للحزن كما توقع قبل وهلات وإنما للسعادة والسرور حيث لا يكاد يصدق بأن قد حدث ما عده واحدا بالمائة من الاحتمالات، لا يصدق كون نجاة اخترقت صدره ولحظت مكنونات قلبه من الداخل متجاهلة ما بالخارج، شعر بكونه لا يستطيع عنها الابتعاد أكثر من ذلك وقد ابتعد عنها يومين كاملين دون ان يتنعم بدفء حنانها، فما كان منه سوى ان يضمها إليه سريعا دافنا اياها بصدره فبادلته العناق الحميمي مؤكدة له عدم أهمية الامر بالنسبة لها، أحبها وتزيد بنظره اضعافا ولن يفرقهما شيئا آخر وزال الخطر الذي كان يهدد كيان عشقهما، وجالت نسمات العشق حولهما وتجولا معا برحلة طويلة لا يشركهما فيها أحد
نهاية أحداث الفصل التاسع عشر
هل كدة جه الوقت اللي فجر تثق فيه في سفيان
