اخر الروايات

رواية قطة في وادي الذئاب ج 2 ( اسيرة سطوته ) الفصل الثامن عشر 18 بقلم اسراء عبدالقادر

رواية قطة في وادي الذئاب ج 2 ( اسيرة سطوته ) الفصل الثامن عشر 18 بقلم اسراء عبدالقادر


(أسيرة سطوته)
الفصل الثامن عشر
إسراء عبدالقادر الوزير

بالصباح الباكر، أخذ يمشي جيئة وذهابا بينما يخلل أصابعه بشعره البني بعنف بعدما بث التوتر جرعاته باعصابه، حيث لا يصدق أنه قد فقد هاتفه الخلوي بالأمس واكتشف ذلك بساعة متأخرة من الليل! حيث لا يكاد يصدق بكونه نسيه بأحد الأمكنة! وحينما جرب الاتصال عليه وجده مغلقا فبالتأكيد صار لقيمة سهلة المضغ للسارق وقد أضاع شريحة الاتصال! بعد نصف ساعة من التفكير المتواصل جلس على طرف السرير ثم امسك بالهاتف الخاص بوالدته والذي أعطته إياه للبحث عن خاصته، فنظر للأعلى مناجيا الله في حين يردف بتوسل:
_ يارب التليفون مش مهم عندي أد ما مهمة الحاجات اللي فيه، دي توديني ف ستين داهية لو اتكشفت! ساعدني اعرف ارجعه يارب
عزم أمره على الاتصال من جديد وكله أمل في ان يستمع إلى إجابة تخالف تلك البغيضة _إن الرقم المطلوب مغلق أو غير متاح_ أخذ بعد اللحظات التي باتت دهور بالنسبة إليه والقلق صار ينهش نياط قلبه حتى وصل الراحة مع صوت إرسال الرنة إلى الطرف الآخر! إذا فالهاتف لم يسرق بل قد يكون سبب الإغلاق للشبكة مثلا! وبينما يخمن بسر عمل الشريحة حتى الآن فوجئ بإجابة أتته من الطرف الآخر يميزها صوت أنثوي يغلب النعاس بنبرته قائلة:
_ ألو
هز عينيه إلى الجهتين محاولا التركيز بما سيقول الآن او الأحرى التركيز بماهية الصوت الذي يحس بكونه مألوفا منذ ورد إلى مسمعه! نطق يقول ببعض التوتر:
_ سلام عليكم، لو سمحتي حضرتك، الفون ده...
أسرعت تقاطعه قائلة بدهشة:
_ اي ده، هو حضرتك صاحب الفون ده؟!
ماثلها السرعة بقوله:
_ أيوة أنا، حضرتك لقيتيه ازاي؟
عقدت حاجبيها بتعجب قبل ان ترفع صوتها قائلة بغير تصديق:
_ مش ممكن! حضرة الظابط!
وهنا فقط عرف الصوت ولمن هو ولم شعر بعدم غرابته حيث نسيه عندها بالتأكيد! أردف يقول بتأكيد:
_ أيوة أيوة، أهلا يا آنسة هيدي
_ أهلا بحضرتك
ثم استطردت تقول بنبرة يسكنها الاعتذار:
_ إنت نسيت الفون امبارح وكان قرب يفصل شحن ومش معايا حاجة اشحنه بيها، قلت اكيد بتاع حد من العملا، وصلته في الشاحن بليل ونمت علطول قبل مافتحه، آسفة لو ده سبب لك إزعاج
تنفس الصعداء في خفوت، قبل ان يردف بسعادة حقيقية:
_ لا لا ولا يهمك خالص، انا فرحان جدا انه وقع تحت إيدك، واحد غيرك كان سرقه وهو فيه معلومات مهمة، الحمد لله
اجابته تقول بجدية:
_ طب الحمد لله، مستنياك في المحل عشان تيجي تاخده
_ تمام هكون عندك العصر ان شاء الله

كانت ميرا تجلس خلف طاولة مكتبها تتابع سير خطة الأرباح عبر دراسة كومة الملفات أمامها، ارتشفت للمرة الأخيرة من فنجان القهوة قبل ان تسنده على سطح المكتب من جديد، دون ان تحيد ببصرها عن الورقة التي كانت تكتب بها حتى أتاها اتصال من هاتف السكرتيرة جانبها تخبرها بانتظار عمار بالخارج، عقدت جبينها في استنكار حيث تتساءل في نفسها بعدم فهم:
_ مش كنا لسة جايين مع بعض؟ يا ترى عايزني ف اي دلوقتي؟!
ألقت تساؤلها جانبا إلى حين لقائه في حين تقرب فمها من سماعة الهاتف آمرة إياها بالسماح له بالدخول، فدلف فورا دون الطرق على الباب وكأنما كان إذنها كافيا لاقتحام غرفتها بهذه الطريقة التي كادت تثير جلبة مع السكرتيرة بالخارج لولا أن أغلق الباب خلفه سريعا قاطعا مرور صوتها الناهي إلى أذنه، مفسحا المجال لغضب ميرا بالتكلم حيث تنتفض واقفة بينما تهتف بغضب:
_ اي يا عمار ما تخبط الأول، مش وكالة هي!
تجاهل كلماتها المحتجة قائلا بنبرة صلدة:
_ عايز اكلمك ف حاجة مهمة
تابعت تقول بقتامة:
_ كنت قلت لي على التليفون، ولو حاجة تبع البيت انا قدامك 24 ساعة، مش قضية هي!
تنفس بعمق قبل ان يردف معتذرا:
_ طب خلاص آسف
هل تتوهم؟ ام تعتقد كونها سمعته يعتذر؟ ام هي تحلم الآن به يعتذر؟ حروف الاعتذار لا تلفظ أبدا من فيه عمار؟ هل طبقت الأرض على السماء ام صاحبت النار الماء ام تساعدت القطط والكلاب؟! ما سمعت يعد خرقا لطبيعة عمار الآنفة التي لا تقبل الاستسلام! تحدثت بقسوة استعدادا للقتال فرفع الراية البيضاء فور اعلان الهجوم! أخرجها من أفكارها المشدوهة مكملا بشئ من التبرير:
_ عارف اني غلطت لما دخلت من غير معاد، بس صدقيني الموضع متوتر اوي ومش عارف افتحه معاكي في البيت أحسن نتخانق وبابا يعرف!
تقلصت معالمها وضيقت حدقتيها في حين تنظر الى عمار قائلة بريبة:
_ ليه؟ أي اللي حاصل يا عمار؟
دون ان يرفع عينيها الى خاصتيها أردف يقول بتثاقل:
_ من كام يوم كدة بابا كان وقفني في الصالون وسألني عن سبب ان لسة ما خلفناش لحد دلوقتي
ضيقت ميرا حدقتيها قائلة بذهول:
_ أفندم؟!
حدق بعينيها المشدوهتين مكملا بقلة حيلة:
_ حاولت أتوه عنه الموضوع بأي طريقة بس مانفعش خالص وأصر نروح نعمل تحاليل وبعدها تتعرضي إلى دكتور نسا ليكون في مشكلة عندك
وهنا وصل انفعالها إلى ذروته حيث هتفت تقول بثورة:
_ إنت بتقول ايه يا استاذ انت؟! بقى انا عمالة أفكر ف طريقة نتطلق بيها قوم انت عايز تنفذ كلامه ونروح نعمل تحاليل؟!
قابل ثورتها ببرود قائلا:
_ انا ما قلتش عايز كدة يا سكر، في الحقيقة انا نفسي الطلاق يكون النهاردة قبل بكرة، بس أمر بابا وتأكيده وكمان يكلم المعمل النهاردة ويعرفه ان احنا جايين مخليني مش عارف اعمل حاجة!
اضافت تقول بعناد:
_ انا يستحيل اروح أحلل
تحدث بنبرة استفزاز متعمدا اغاظتها:
_ يعني ممكن تروحي لدكتور النسا؟!
احتدت عيناها بغضب جم في حين تقول صارخة:
_ ولا ده كمان، واتفضل بقى من غير مطرود
هم ليستدير إلى الجهة الأخرى قبل ان يلتفت إليها نازعا قناع الجليد مكملا بجدية:
_ حاولي تفكري براحة يا ميرا، مجرد تحليل مش هيعمل مشكلة لحد ما الاقي صرفة من المشكلة دي
ثم عاد يرمق عينيها قائلا بشئ من الرجاء:
_ ده ياريت
ثم انصرف خارجا دون إبداء كلمة أخرى تاركا إياها تنفس بغضب في حين تفرك جبهتها محاولة التركيز بمخرج لهذا المأزق الشرس والذي يعني الخضوع عن مجابهته التنازل بأمور أخرى حتى يحصل مراد وجدي باحفاد على الرغم من كراهية الأبوين بذلك!

وقف على الرصيف على الجانب الآخر من محل الذهب الخاص بها، يرمق بابه الزجاجي السميك عن كثب محاولا تجديد حصون ثباته التي ما تلبث أن تخور وتتهدم امام جمال عينيها وبسمة شفتيها! فعقد العزم على التوجه إليها والتحدث باختصار دون التطرق لأمر آخر سوى الهاتف، عبر الطريق إلى الجهة الأخرى حيث يوجد المحل، دفع أحد ضفتيه بيده بينما يدخل ببطء استعدادا للاستئذان، فقال:
_ سلام عليكم
سلطت العيون صوبه حيث شق صوته سكون المكان فكانت عينا هيدي وخلفها شاب يوجد خلف الباترينة يعمل عندها، اجابته هيدي قائلة بترحاب تخالطه البهجة:
_ وعليكم السلام، اهلا بحضرتك يا استاذ جاسر
ترك ضفة الباب ثم تقدم لتعود إلى الانغلاق وحدها بينما يقول مبتسما رغما عنه:
_ اهلا بيكي يا آنسة هيدي
كان يرجو بداخله ان يحصل على الهاتف دون أي مجاملات وحققت هي مراده باخراجها للهاتف سريعا وكأنها نجحت بقراءة مبتغاه! فناولته إياه بينما تقول بحبور:
_ اتفضل الفون مشحون لل100
أخذ يقلب الهاتف إلى الجهتين غير مصدق كونه صار بيده بينما ينظر إليها وكل معالم الامتنان صارت بادية على وجهه حيث يقول شاكرا:
_ شكرا جدا يا آنسة، ماتعرفيش عايز اشكرك ازاي على الخدمة دي!
اجابته برزانة:
_ لا ماتقولش كدة أبدا
ثم استطردت تسأله:
_ المهم تشرب إيه؟
أخذ يهز رأسه بسرعة نافيا:
_ لا لا...
قاطعته وهي تحدق به ببنيتيها قائلة بحزم:
_ مافيش حاجة اسمها لأ، كفاية انك جيت امبارح وماعرفتش اعزمك خالص، مافيش مجال ترفض النهاردة، ها تشرب إيه؟
أشهر الراية البيضاء منهزما أمام سحر عينيها الاسرتين قائلا بابتسامة هادئة:
_ إذا كان ولابد يعني، يبقى خليها شاي
التفتت الى الشاب الذي كان يتابع الموقف وكل علامات الامتعاض صارت جلية بنظراته، والتي استطاع تبديلها بمجرد أن التفتت إليه، قائلة:
_ اتنين شاي يا رامز ولو عايز انت كمان يبقى هات تلاتة
وقف عن الكرسي الخاص به في حين يقول بنبرة جامدة تخفي بداخلها قمت كبير:
_ حاضر يا آنسة

على طاولة الغداء، شرع مراد في تناول الطعام تحت ناظري نجاة ورضوى التي ابتلعت ريقها بصعوبة حيث حانت منها التفاتة قلقة إلى نجاة لتجدها تحثها على التحدث دون خوف، فتعود بعينيها إلى والدها قائلة:
_ أبوي كنت عايزة اجولك حاجة
دون ان يحيد ببصره عنها قال وهو يتناول قطعة من لحم الدجاج:
_ اتفضلي
حمحمت مجلية حنجرتها المرتعبة قبل ان تردف بنوع من التذمر كي تصبغ الصدق بكلماتها:
_ الصراحة، المواد في الكلية صعبة جوي، وعايزة تفكير كبير وتلخيص عشان اعرف اذاكر واحل في الامتحان اللي ينجحني
اجابها قائلا بعملية:
_ خلاص وقفي روحة الكلية ولخصي وذاكري في البيت
تناولت شهيقا عميقا قبل ان تتحدث مبررة:
_ لا يابوي ماجدرش اغيب، الدكاترة بيحذفوا علطول وأني أخاف اخد الحذف من زمايلي ليوجعوني!
ترك الملعقة من بين أنامله ثم عاد يلتفت إليها قائلا بتعجب:
_ طب والمطلوب؟
تثبتت عيون كل من نجاة وسلمى التي تركت طبقها هي الأخرى قائلة بتوتر:
_ أروح سكاشن خصوصية زي ما زمايلي بيروحوا
حاول جاهدا أن يبقى ثابتا وهو يرمقها من رأسها الى أخمص قدميها قائلا بتساؤل:
_ والسكاشن دي بتبدأ امتا بقى؟
حاولت تجنب النظر إليه قائلة بلجلجة:
_ كل يوم بعد الكلية من ستة سبعة اكدة يعني
همهم بهدوء مصطنع قبل ان يردف بضيق بدت نبرته واضحة للآذان:
_ امممممم، لا معلش يا رضوى ذاكري في البيت واصحابك يخموكي ولا انك تبقي برة ف وقت متأخر كدة وظروف شغلي ما تسمحش اقعد علطول هناك
وهي الأخرى ضربت بتوصيات نجاة الراجية إياها بعدم الانفعال عرض الحائط في حين تهتف باحتجاج:
_ يابوي مش لازم تجعد معاي ده سنتر وبعدين....
بتر كلمتها قائلا بصلابة بدت بعينيه كما نبرته:
_ وطي صوتك وانتي بتتكلمي
عادت تجادله بعناد:
_ يابوي مش هينفع تجول لأ، دي حاجة فيها علامي، ماتخافش مافيش حاحة هتحصل
وقف عن الطاولة قائلا بنبرة قاطعة:
_ ماعنديش مشكلة خالص في العلام، بس في المعقول يا رضوى، قلت لأ يبقى لأ
ثم غادر المكان والغضب معتريه كما الانفعال قد بلغ مبلغه لدى رضوى التي كادت تدمع عيناها من شدة ثورتها، فقط اكتفت هي الأخرى بإلقاء نظرة مؤنبة إلى نجاة المشدوهة ثم وقفت مغادرة هي الأخرى وقد سدت شهيتها عن الطعام

لما عرفت عن طريق احدى الخادمات كون سفيان جالس وحيدا بالتراس الخاص بغرفتهما، يشرب كوب القهوة خاصته دون إزعاج، وجدتها فجر فرصة مناسبة للذهاب والجلوس معه، لا تعرف لم وليس لأمر يكمن بمخطط مراقبته بل لأنها تلقائيا أرادت ذلك! وقد تكون تلك إحدى المرات النادرة التي تنساق فيها فجر النجدي إلى قلبها وتطلعاته! دلفت الى التراس الكبير لتجد سفيان يجلس على الكرسي وهو يرتشف من كوب القهوة موليا ظهره لها، اقتربت منه بخطوات صغيرة لتلفت انتباهه بقولها بخفوت:
_ مساء الخير
التفت سفيان إلى مصدر الصوت فوجدها فجر التي تقف إلى جانبه وهي تمسك بكوب القهوة خاصتها في حين ترمقه مع ابتسامة واسعة تزين ثغرها، بادلها التحية ببسمة صغيرة:
_ مساء النور
اقتربت خطوة أخرى قائلة بصوت وقور:
_ تسمح اقعد معاك شوية؟
اماء برأسه إيجابا وهو يقول:
_ أكيد يا مدام فجر
جلست على الكرسي جانبه في حين تردف بمعالم مندهشة:
_ يااااه! مدام فجر! للدرجة دي علاقتنا رسمية أوي كدة؟!
اجابها مؤكدا بشئ من الاتهام:
_ إنتي اللي خلتيها رسمية من الأول، فاكرة يا مدام فجر؟
أجل تتذكر هذا اللقاء الثاني بينهما حيث عاملته باقتضاب استفزه هو الآخر إلى تهديدها مما اجج نيران الكراهية بداخلها تجاهه دون ان تعلم الأسباب التي تدفعه لذلك، ولم تنجح بعد في اكتشافها ولكن ازدادت ثقتها به خاصة بعدما عرفت كونه انقذها بذلك اليوم وأخفى لسبب أيضا لا تعلمه! اردفت تقول وعينيها زاغت إلى الجهة الأخرى بتثاقل
_ صح، بس وقتها ده كان بسبب مشكلة انك كنت بتخسرني علطول، وكان لسة اول لقاء وانا شايلة منك
ثم سلطت حدقتيها بخاصتيه مكملة بحزن:
_ وانا قلبي اسود يا سفيان
اتسعت ابتسامته حتى كادت تصل إلى أذنيه حيث يردف بحبور:
_ طالما نطقتي اسمي كدة من غير ألقاب يبقى راضية عني وقلبك صفي ولا اي يا مدام؟
اجابته قائلة بتأكيد:
_ أكيد وهيصفى اكتر لو شيلت أنت كمان اللقب ورجعت لفجر من غير مدام
قال بنبرة يسكنها الاعجاب:
_ حقيقي الكلام معاكي ما يتشبعش منه يا فجر
أنزلت بصرها للحظات في حين تقول شاكرة:
_ ميرسي على مجاملتك دي
ثم سرعان ما استرسلت متذكرة:
_ وكمان على رعايتك لإياد امبارح وانا مش موجودة واصرارك ان أمينة ما تقلقنيش باتصال
أدار رأسه بسرعة في حين يزيل التكلف عنها قائلا:
_ لا لا دي حاجة ماتستاهلش شكر، إياد يبقى ابني وربنا يعلم انا خفت عليه ازاي امبارح، كنت بدعي ربنا وجعه يخف ف أسرع وقت!
مطت فجر شفتيها بحزن في حين تردف وعيناها التصقتا بموضع الأرض قائلة على مضض:
_ فعلا هو معدته علطول وجعاه وماشي دايما بالأعشاب! ربنا يشفيه
وقد وجدها سفيان فرصة مثالية لاستدراج فجر والتحدث معها مجددا بأمر حياتها السابقة التي لا تزال كتابا مغلقا لا يعلم عنه سوى الظاهر، ولما حاول التدخل في البداية صدته ولم توافق على إعطائه مفتاح كنز أسرارها، أردف يقول بجدية:
_ قالي الدكتور إن سبب ده هو استعجال فطامه
ثم عاد ينظر إلى عينيها الواجمتين كما ملامحها مكملا باستفهام:
_ ممكن اعرف سبب استعجالك عليه؟
رفعت فجر مستوى بصرها حتى اصطدمت بنظراته المرتقبة لتقول بهدوء:
_ لو عايز تعرف يبقى انت عايزني احكيلك حكايتي من الأول يا سفيان!

_ أدي آخرة ما سمعت كلامك يا أبلة نجاة، عجبك أكده؟ اهو رفض خالص!
صاحت بها رضوى بنزق زاجرة نجاة على فشل خطتها في الاستئذان من والدها، قبل ان تنبس نجاة ببنت شفة أتاها صوت سلمى قائلة باستنكار:
_ أمال كنتي عايزة تروحي من غير ما تجولي لابوكي وتسمعي كلام الشلة البايظة اللي صاحبتيها دي؟!
استدارت رضوى نحوهها وعلامات التذمر بادية على وجهها حيث تهتف بغضب:
_ خليكي ف حالك يا أبلة سلمى، ماوجهتلكيش كلام
هنا تحدثت سارقة النيابة عن سلمى:
_ بس اني بجى عرفت اجنعه
اعتدلت رضوى في جلستها بسرعة في حين تلتفت إلى نجاة مرتقبة معالمها بتفرس حيث تهتف بغير تصديق:
_ بجد والله؟ يعني وافج أروح السنتر؟
_ لأ
رفعت رضوى أحد حاجبيها بعدم فهم حيث تقول:
_ أمال ليه بجى؟!
أكملت نجاة بنبرة عادية:
_ وافج يجيلك مدرس مخصوص البيت
زمت رضوى شفتيها تذمرا في حين تردف باستهجان:
_ أي الجفلة دي؟ ده عايز يوجف حريتي خالص، ويظهر صحابي بجى كان عندهم....
قاطعت نجاة كلماتها الغاضبة قائلة بتساؤل:
_ مش لما تعرفي اسم الأستاذ الأول يا بت؟!
اردفت بلا اكتراث:
_ ما يهمنيش أعرفه ولا عايزة اعرف، اني هجعد في البيت زي ما جال واصحابي يتتريجوا بجى
رفعت نجاة كلا كتفيها قائلة بقلة حيلة:
_ طيب خلاص هجول لعصام يلغي الكلام
عادت رضوى إلى النظر إليها متسائلة بدهشة:
_ عصام مين؟
أكملت نجاة تقول باستنكار:
_ هو اني معايا كام عصام يا بت؟! عصام واد اخويا طبعا، أصل هو ده كان هيبجى الأستاذ
ثم همت لتقف قائلة بحزن:
_ يالا يجى مافيش نصيب
وقبل أن تقف أسرعت رضوى بامساك يدها هاتفة بشئ من اللهفة لم تستطع إخفائها:
_ استني يا أبلة نجاة

بعد مرور عشر دقائق من السرد المتواصل لروايتها الطويلة التي يشع الألم بخباياها، حيث لم تفتح بابا إلا ووجدت له مطالبه ذات الثمن الباهظ! روت كيف تم استغلالها من قبل أي كان، حتى قابلها عمار وميرا، وكانت تلك بمثابة فرمانا لإعلان ثقتها بسفيان من جديد فلم تنكمش على نفسها وتتعرف من إجابة السؤال بل تحدثت على الفور دون مشكلة، وهو ما جعل سفيان يتراقص قلبه من شدة الفرح حيث نال ثقة فجر أخيرا وقريبا حبها!
اختتمت قولها بنبرة باكية ممتعضة:
_ وكان لازم اتصرف وخدت ابني وفلوس تعويض من حباب عنيهم وهددتهم بشكل فظيع ده غير اني كلمت الدكتور اللي كانت مها بتاع عمل معاه عشان يعرفها أن الإجهاض خطر عشان تعيش ذل الفضيحة، ولما أشرف اتجوزها فرحت أكتر، ده كأن ربنا بيوريني فيهم الأمرين! يعني بدل ما كان يحتويني وياخد ابنه من صلبه دلوقتي بقى معاه ابن مش ابنه
ثم سلطت بصرها بعيني سفيان من جديد تستشف ردة فعله في حين تكمل:
_ بس بسبب الناس دول انا فقدت حاجات كتيييير، ثقتي ف نفسي، وثقة أهلى، وموت اخويا وهو مش راضي عني، ابني اللي خد وقت طويل لحد ماتعود عليا من غير ما ياخد مني ومعدته علطول تعبانة! انا ماستعجلتش يا سفيان والله هما السبب، مش عارفة ليه حسيت ولسة حاسة أني رخيصة اوي يا سفيان! مافيش واحد منهم عرفني إلا لمصلحة! عمر ما حد فيهم حس معايا بمجرد عاطفة حتى! كل اللي همهم الفايدة، زي الديب اللي مستني الغنمة عشان ياكلها! حسيت بجد اني ضايعة
ثم عادت تقولها من جديد مؤكدة وقد فرت عبراتها الساخنة هاربة من وقع هذه الكلمات المتالمة من لسانها:
_ والله حسيت اني ضايعة!
أسرع سفيان إلى جذب منديل ورقي من الصندوق المستند على سطح الطاولة ثم يمده إليها ليجدها تبكي إلى الحد الذي حجب عنها رؤيته ليقترب منها سفيان منحنيا بجذعه العلوي كي يمسح عبراتها بطرف المنديل في حين يردف بقلق:
_ أهدي يا فجر خلاص
لما وجدها لم تستجب بل علت شهقاتها خاصة مع تذكرها للمشاهد الأليمة التي تعرضت لها وكؤوس الغدر التي ذاقت منها اصنافا، وقف عن الكرسي سريعا ثم امسك بكلا كتفيها ضاما إياها إليها ولا تزال جالسة فتشبثت بخصره طالبة الأمان والهرب من مستنقع الذكريات! ومع قرب سفيان استشعرت تلاشي تلك الصور تدريجيا وكأنه ساحر أدار عصاه فانفكت الخدعة بسرعة

جلس مراد على طرف السرير ثم أخذ يفك أزرار قميصه قائلا بعدم تصديق:
_ ووافقت بجد؟
وضعت نجاة ملابسه البيتية على السرير قائلة بموافقة:
_ اي والله وافجت على عصام دي شوية وكانت هتطير
شرد مراد مع تصرفات هذه الفتاة الغريبة التي هي ابنته بالدم فقط ولكن لا تملك شيئا من مورثاته، حيث تريد دوما تجربة الجديد وتنساق إلى رغبات زملائها الطائشين! كما وقد أصابته الحيرة لما وجدها وافقت بهذه السرعة بعدما عرفت باسم الأستاذ، وقد تسلل الشك إلى ذهنه قطعا بنوع من المشاعر يربطهما، ولكن لا يعرف ماهيتها!
_ بتفكر ف ايه؟
اجفل مع صوت نجاة ليلتفت إليها قائلا بابتسامة هادئة وبلهجة الصعيد المتعطشة:
_ ف جمال عيونك!
اردفت نجاة تقول بضحك:
_ يالهوي على لهجتي اللي نجلتها مني دي؟!
تحدث بنفي يفاجئها:
_ لا يا نجاة دي مش نجلتها منك، اني اصلا بتكلم صعيدي
عقدت نجاة حاجبيها في حين تقول بحيرة:
_ هه! ازاي؟!
أشار إليها بالجلوس في حين يقول بتثاقل:
_ اجعدي جنبي وهجولك إزاي


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close