📁 آخر الروايات

رواية حتي اقتل بسمة تمردك ج2 الفصل السابع عشر 17 بقلم مريم غريب

رواية حتي اقتل بسمة تمردك ج2 الفصل السابع عشر 17 بقلم مريم غريب


الحلقة (17):

تحت جنح الليل البهيم ، جلست"ياسمين"إلي طاولة أخذت ركنا بسيطا بحديقة القصر الشاسعة و المضيئة بنور القمر كأنه مصباح يشع نورا ، إلي جانب ذلك ، كانت القناديل المعلقة تحت الأشجار المرصوفة ببراعة علي مدي أبعاد متناسبة تضئ أوراق الشجر الخضراء السميكة و اللماعة ، و بينما كانت"ياسمين"منكبة فوق دفاتر دراستها التي إعتلت الطاولة الخشبية المرفقة بالمقعد الذي جلست عليه ، آتي"عمر"إليها خلسة ، و إنتشلها من ذروة تركيزها فجأة بقوله:
-ممكن نتكلم شوية ؟؟
رفعت"ياسمين"رأسها بسرعة ، و نظرت إليه في تفاجأ إستحال إلي جفاف متعمد و غير مقصود في آن ، و لكن فكرة واحدة كانت تعزيها في تصرفها الأرعن حيال"عمر" ..
بعد أن علمت شقيقتها بعلاقتهما أصبح وجودها بينهما سلاح مخيف و مروع ، و هذا ما أرادته"داليا"أن تعرف"ياسمين"كيف تستعمل هذا السلاح بمهارة كافية ، لكي تدفع"عمر"خطوة إلي الأمام ، و لتكشف نواياه و ما الذي تضمره نفسه تماما !
فيما تنحنحت"ياسمين"و قالت واجمة:
-اهلا يا عمر.
بينما عاد يسألها عابسا في فتور هادئ:
-عايز اتكلم معاكي يا ياسمين.
تنهدت"ياسمين"بثقل ، ثم قالت و هي تصوب ناظريها إلي دفاتر دراستها مجددا:
-انا مش فاضية يا عمر ، زي ما انت شايف بذاكر.
-بس انا عايز اكلمك في موضوع مهم.
هتف بنزق منفعل ، فقضمت شفتها ، ثم صمتت لثوان و قالت:
-ماشي يا عمر .. اتفضل اتكلم ، قول اللي انت عايزه ، انا سمعاك ، بس بإختصار و بسرعة لو سمحت.
ثم أغلقت كتابها و حدقت به في تركيز منتظرة ما سيخرج من ثغره ، بينما رمش في إضطراب و سألها بلهجة مختلجة:
-هو ايه اللي حصل لما داليا شافتنا مع بعض؟ عملت معاكي ايه يعني ؟؟
-و لا حاجة.
هتفت"ياسمين" ببساطة ، فردد"عمر"مشدوها:
-و لا حاجة !!
ثم تابع سؤاله مستغربا:
-و لا حاجة ازاي يعني ؟؟
-قلتلك ماحصلش حاجة يا عمر.
أجابته في هدوء ، ثم أضافت في تهكم علي نفس الوتيرة الهادئة:
-هي بس قالتلي ابعد عنك.
-نعم ! تبعدي عني ؟؟
هتف مستنكرا ، ثم أضاف متسائلا:
-يعني ايه ؟؟
أجابته بإبتسامة مائلة:
-يعني ننهي اللي بينا ، مانكلمش بعض زي الاول ، اخرنا صباح الخير مساء الخير ، بإختصار علاقتنا ببعض تبقي رسمية.
هز رأسه غير مصدق ، و قال غاضبا:
-ايه الكلام الفارغ ده ؟ انتي وافقتي علي كده ؟؟
-ايوه يا عمر وافقت.
حدق بها مصدوما ، فأومأت رأسها مؤكدة:
-انا هنفذ كلام اختي بالحرف ، رغم اني عنيدة بطبعي و بعمل اللي في دماغي و بس ، لكن هي عندها حق المرة دي ، حتي لو كان كل اللي بينا حب و احترام ، ماينفعش تستمر علاقتنا.
-انتي بتقولي ايه ؟؟
-اللي سمعته يا عمر.
هتفت بصرامة ، ثم تابعت منهية للحديث:
-انا شايفة ان ده قرار عقلاني جدا ، انت طالب و انا طالبة ، ماينفعش نرتبط ببعض و احنا لسا ما حققناش اي حاجة لمستقبلنا.
-ايوه يا ياسمين بس احنا سبق و اتكلمنا في الموضوع ده ، و انا قلتلك اني هستناكي و مش هقف في طريقك و لا همنعك عن دراستك او شغلك ، احنا كنا متفقين علي كده بقالنا سنتين تقريبا ، و طول السنتين دول حياتنا كانت مظبوطة و ماشية كويس ، ايه اللي اتغير دلوقتي بقي ؟ انا ضايقتك في حاجة ؟؟
تأففت"ياسمين"في ضيق قائلة:
-يا عمر ماتصعبش الامور ، انا بفكر بعقلي في القرارات المصيرية و صدقني القرار ده في مصلحتنا احنا الاتنين.
-طيب و حبنا ؟؟
سألها و قد إرتسم علي وجهه وشاح آلم مرير ، فأجابته:
-انا اتعلمت ازاي اقدر اسيطر علي عواطفي ، و انت كمان لازم تتعلم يا عمر .. و اوعي تفتكر اني مابحبكش ، لأ انا بحبك بس في حاجات كتير في الحياة اهم من الحب ، اوليات لازم نهتم بيها.
-لآ.
هتف معترضا ، ثم تابع:
-انا مش هقدر اعمل اللي انتي بتقولي عليه ده ، صعب .. انا بحبك يا ياسمين و مستعد اتجوزك حالا.
-جواز ايه بس يا عمر ؟ ارجوك حاول تفهم ؟؟
-مش عايز افهم حاجة ، انا عايزك تفضلي جنبي و بس.
هزت"ياسمين"رأسها بأسف ، بينما إندفع"عمر"صوب المنزل هاتفا:
-انا هاروح اكلم اختك بنفسي.
إرتعدت!"ياسمين!"قائلة:
-استني يا عمر .. استني بس آا ..
و لكنه صم جميع حواسه ، و بقي مركزا علي ذلك الهدف الذي وضعه نصب عينيه فقط ...

*********************************************
بعد يوم طويل و مجهد بالعمل ، إمتن"خالد"لتلك المياه الدافئة التي ساعدته علي إستعادة نشاطه و عافيته بعد إغتساله بها ..
فيما إرتدي ثيابا نظيفة ، و غادر الغرفة في سرعة متجها إلي الطابق السفلي ، إذ كان يبحث عن"عبير"التي وجدها بسهولة ، حيث كانت تقف بالمطبخ تباشر طهي الطعام ، فدلف"خالد"إليها و جلس إلي الطاولة المخصصة لتقديم الوجبات ، بينما إنتبهت"عبير"إليه ، فإستدارت و حدقت به في تكاسل مرهق قائلة:
-دقيقتين و الاكل هيكون جاهز.
قطب"خالد"حاجبيه ، ثم راح يتأمل حركاتها الهزيلة ، إذ بدت مرهقة إلي أقصي حد ، عيناها ذابلتان ، شفتاها شاحبتان ، حتي وجهها ملأه إصفرار حاد ..
رمش في إضطراب و إنتابه قلق جاهد في إخفاؤه حتي نجح فعلا ، عندما أقبلت"عبير"نحوه ، و بدأت في وضع أطباق الطعام أمامه ، رسم علي وجهه معالم الجفاء و الصرامة ، فيما سألته"عبير"بنبرة خافتة ، شاحبة:
-عايز حاجة تاني يا خالد ؟؟
رفع رأسه في حدة ليحدق إليها بنظرة قاتمة ثاقبة ، و قال:
-لأ شكرا ، اقعدي كلي بقي.
هزت رأسها بوهن قائلة:
-لأ انا مش عايزة آكل ، ماليش نفس.
-قلتلك اقعدي.
أرادت أن تحتج مرة أخري ، فهتف بقوة:
-اقعدي.
أطرقت رأسها بقلة حيلة ، ثم سحبت مقعد مرفق بطاولة الطعام ، و جلست إلي جانبه ..
تم العشاء في جو متوتر ، و"عبير"الشاحبة ، ذات النظرة الحزينة ، حافظت علي الصمت أمام نظرات"خالد"المراقبة ، فيما كانت تشعر بصعوبة كبيرة في إبتلاع الطعام ، إذ أن الإعياء إحتلها فجأة و من دون مقدمات ، و لوهلة أحست بتقلص حاد بمعدتها ، فتوقفت فورا عن الطعام ، فإنتبه"خالد"إليها ، و راح يعينها مطولا ، ثم سألها في جفاف:
-مابتكليش ليه ؟؟
وضعت"عبير"شوكتها علي الطبق لتواجهه ، فإختلج محياها بإعياء قبل أن تجيبه بصوت محشرج:
-شبعت خلاص.
إبتسم"خالد"في تهكم قائلا:
-لأ يا عبير لازم تتغذي كويس ، عايزة اخواتك يقولوا اني مجوعك !!
رمقته في آسي عارم ، ثم سألته:
-مش شايف انك زودتها معايا اوي يا خالد ؟؟
قهقه"خالد"عاليا ، ثم قال:
-هو انتي لسا شفتي حاجة يا روحي ؟ انا مش هاسيبك الا اما اخلص فيكي القديم قبل الجديد.
ثم تناول كأس الماء و إرتشف القليل ، ثم أزاح طعامه جانبا لينحني عبر الطاولة لكي يقول بجفاف ، و هو يحدجها بنظرة مركزة:
-و اللي هايريحني اكتر ، اني اجيب منك ابن و اربيه علي فكرة واحدة .. و هي ان امه اد ايه كانت ست محترمة ، خدعت ابوه .. باعت نفسها مرة .. و كانت عايزة تكررها تاني.
لم تتمكن"عبير"من الرد علي كلامه الجارح المهين ، و عوضا علي ذلك ، غرزت أظافرها براحتيها في قوة لتحافط علي الدموع بعينيها لئلا تسقط و تكشف عن ضعفها ، بينما أضاف"خالد"في إزدراء فظ:
-و لحد ما الطفل ده يجي ، مش هتتنقلي من هنا لاني ماضمنش تصرفات واحدة زيك ، و لاني كمان ماحبش ابدا يبقي عندي شك واحد في المليون ان الطفل ده ممكن مايكونش ابني.
ضربة جديدة أقوي من أي شيء ، و هذه الذكري اللاإرادية لماضيها فتتت قلبها ، فحاولت كبت بكائها لكن الدموع راحت تتلألأ من جفنيها ، فصاحت به بأعلي صوتها:
-انت حيوااان.
ثم هبت واقفة ، إذ أصابها الغثيان فجأة ، فغطت فمها بكفها و إندفعت راكضة صوب الحمام حيث تقيأت بقوة ..
ثم جثت أرضا علي ركبتيها و هي تنشج بالبكاء المر ، بينما لم تفطن لوجود"خالد"إلا الآن ، عندما شعرت به ينحني فوقها ، و أحست بيده الدافئة تبعد الشعر الذي تناثر حول وجهها بفوضوية ، فتطلعت إليه واجمة ، و لكنها لم تستطع رؤية ندمه اللاسع و ذعره الشديد عليها بسبب موجة الإعياء التي إكتسحتها ، فيما صرخت بوجهه في هيستريا قائلة بصوت أبح:
-اطلع برااااا ، سيبني بقي في حالي ، انا بكرهك يا خالد مش عايزة اشوفك تاني ابدا ، مش عايزة اشوفك.
راعي"خالد"موقفها ، فتركها و شأنها حتي إستعادت بعضا من تماسكها ، و لكن حين إستدارت اخيرا لتواجهه ، لم تآبه بتاتا لشحوب وجهه المتقلص ، و لا للخوف العميق بعينيه ..
و عندما تحاملت علي نفسها و نهضت متجهة إلي خارج الحمام ، حاول"خالد"مساعدتها ، فحيدت عنه بعصبية ، فسكن بمكامه ، بينما تابعت سيرها حتي وصلت إلي الطابق العلوي ، ثم إلي غرفتها ، حيث أمضت بقية الليل ترتعد و تتعذب مسهدة ...

*************************************************
-اتفقنا ؟؟
قالتها"داليا"و هي تخاطب"آية"أمام غرفة المطبخ ، فيما أجابت"آية"باسمة:
-اتفقنا حضرتك.
-جميل ، جهزي نفسك بقي بكرة الصبح عشان هبعت معاكي السواق يوصلك لحد البيت.
-حاضر.
رمقتها"داليا"بإبتسامة هادئة ، بينما آتي"عمر"في تلك اللحظة ، و إقترب من"داليا"في تجهم قائلا:
-داليا .. من فضلك عايزك في كلمتين.
-طيب عن اذنكوا.
قالتها"آية"ثم إنسحبت في هدوء ، فيما رفعت"داليا"رأسها و تطلعت إلي"عمر"في وجوم قائلة:
-خير يا عمر ؟ عايز ايه ؟؟
تنفس"عمر"بعمق ، ثم أجابها:
-كنت عايز اكلمك بخصوصي انا و ياسمين.
رفعت"داليا"أحد حاجبيها مصغية إليه ، فتابع في توتر:
-انا بحبها .. و الله بحبها جدا يا داليا.
-و اللي بيحب حد يا عمر يعرض سمعته للخطر ؟ اللي بيحب اصلا بيداري حبه ؟ قولي كنت مستني ايه ؟ ايه اللي كنت منتظره يعني من الحب ده ؟؟
-الجواز طبعا.
هتف"عمر"بجدية بالغة ، فأومأت"داليا"رأسها قائلة:
-حلو ، و ماجيتش تكلمني ليه من الاول ؟ انت خليت منظرك و منظرها قدامي وحش اوي لما دخلت عليكوا فجأة و لقيتكوا في الوضع اللي كنتوا فيه.
-وضع ايه بس !!
قال"عمر"مستنكرا ، ثم تابع شارحا:
-احنا ماكناش بنعمل حاجة غلط ، انا بس كنت آا ..
-ماشي انا عارفة انكوا ماكنتوش بتعملوا حاجة غلط.
قاطعته"داليا"مجارية ، ثم تابعت:
-بس ايا كان .. لو حد غيري كان شاف حاجة زي دي كان هيبقي ايه الموقف ؟؟
تنهد"عمر"بثقل ، ثم أطرق رأسه قائلا:
-عموما يا داليا انا عايزك تتأكدي اني عمري ما فكرت آذي ياسمين ، بالعكس انا بحبها اوي و ماقدرش استغني عنها ابدا .. فأرجوكي تقبلي بجوازنا.
صمتت"داليا"لثوان ، ثم قالت:
-ماشي يا عمر .. انا موافقة.
رفع"عمر"رأسه سريعا و قد أشرق وجهه بإبتسامة عريضة ، و قال:
-بجد يا داليا ؟؟
أومأت"داليا"رأسها قائلة:
-ايوه بجد .. بس بعد ما تخلصوا دراسة انتوا الاتنين .. لكن نقدر في الفترة دي نعمل خطوبة عشان المظهر العام قدام الناس.
تهلل وجه"عمر"بفرحة عارمة ، أعرب عنها حين أمسك يدي"داليا"و رفعهما إلي فمه ليقبلهما ..
بينما كان يقف بعيدا يراقب هذا المشهد في غضب ساحق ...

**************************************************
بقي داخل مكتبه لثلاث ساعات ، كان يذرع الأرض ذهابا و إيابا كأسد حبيس ..
كلما ومضت بمخيلته صورتهما معا ، يصيبه جنون هائل يدفعه إلي فعل أي شيء متهور ، و لكنه إستطاع بمعجزة أن يكبح جماح غضبه ، فغادر مكتبه في سرعة متوجها نحو غرفة شقيقه ، دفع باب الغرفة بعنف و دلف ، بينما نهض"عمر"عن فراشه ، ثم إنترع سماعتي أذنيه ، و إقترب من شقيقه متسائلا بوجه قلق:
-ايه يا عز ؟ في حاجة ؟؟
مد"عز الدين"ذراعه الأيسر لإصابة الأيمن بالكسر ، و جذب"عمر"من ثيابه ، ثم قال و هو يزأر من بين أسنانه:
-ماكنتش اتخيل عمري اني اشوفك في وضع زي ده.
-وضع ! انت بتتكلم عن ايه ؟؟
سأله"عمر"مقطبا ، فصاح"عز الدين"في غضب:
-ازاي تجيلك الجرأة تفكر في مرات اخوك ؟؟
إتسعت عينا"عمر"في دهشة عارمة ، فنزع يد شقيقه عنه بقوة صائحا:
-انت بتقول ايه ؟ انت اتجننت ؟ ايه اللي انت بتقوله ده اصلا ؟ مراتك دي بقت اختي من يوم ما اتجوزتوا و لا يمكن افكر ابصلها حتي !!
-انا شفتكوا تحت بعنيا.
هتف"عز الدين"في عنف ، فقطب"عمر"حاجبيه متمتما:
-شفت ايه ؟؟
ثم صاح بسرعة:
-آااه .. لآ انت فهمت غلط ، انا كنت آا ..
-انا فاهم صح جدا.
قاطعه"عز الدين! بلهجة صارمة ، فباغته"عمر"بقوة:
-لأ انت مش فاهم حاجة .. انا كنت بتكلم مع داليا من شوية في موضوع يخصني انا و اختها.
عبس"عز الدين"واجما ، فأومأ"عمر"رأسه متابعا:
-انا و ياسمين بنحب بعض ، و لو كنت حضرتك سمعت الحوار من اوله كنت عرفت اني كنت بطلب ايد اختها.
نظر"عز الدين"بوجه شقيقه المنفعل في تشكك ، ثم إستدار راحلا بخطي واسعة ، صارمة ، بينما زفر"عمر"و هز رأسه في ذهول مرددا:
-مجنون !! 


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات