رواية حتي اقتل بسمة تمردك ج2 الفصل السابع عشر 17 بقلم مريم غريب
الحلقة (17):
تحت جنح الليل البهيم ، جلست"ياسمين"إلي طاولة أخذت ركنا بسيطا بحديقة القصر الشاسعة و المضيئة بنور القمر كأنه مصباح يشع نورا ، إلي جانب ذلك ، كانت القناديل المعلقة تحت الأشجار المرصوفة ببراعة علي مدي أبعاد متناسبة تضئ أوراق الشجر الخضراء السميكة و اللماعة ، و بينما كانت"ياسمين"منكبة فوق دفاتر دراستها التي إعتلت الطاولة الخشبية المرفقة بالمقعد الذي جلست عليه ، آتي"عمر"إليها خلسة ، و إنتشلها من ذروة تركيزها فجأة بقوله:
-ممكن نتكلم شوية ؟؟
رفعت"ياسمين"رأسها بسرعة ، و نظرت إليه في تفاجأ إستحال إلي جفاف متعمد و غير مقصود في آن ، و لكن فكرة واحدة كانت تعزيها في تصرفها الأرعن حيال"عمر" ..
بعد أن علمت شقيقتها بعلاقتهما أصبح وجودها بينهما سلاح مخيف و مروع ، و هذا ما أرادته"داليا"أن تعرف"ياسمين"كيف تستعمل هذا السلاح بمهارة كافية ، لكي تدفع"عمر"خطوة إلي الأمام ، و لتكشف نواياه و ما الذي تضمره نفسه تماما !
فيما تنحنحت"ياسمين"و قالت واجمة:
-اهلا يا عمر.
بينما عاد يسألها عابسا في فتور هادئ:
-عايز اتكلم معاكي يا ياسمين.
تنهدت"ياسمين"بثقل ، ثم قالت و هي تصوب ناظريها إلي دفاتر دراستها مجددا:
-انا مش فاضية يا عمر ، زي ما انت شايف بذاكر.
-بس انا عايز اكلمك في موضوع مهم.
هتف بنزق منفعل ، فقضمت شفتها ، ثم صمتت لثوان و قالت:
-ماشي يا عمر .. اتفضل اتكلم ، قول اللي انت عايزه ، انا سمعاك ، بس بإختصار و بسرعة لو سمحت.
ثم أغلقت كتابها و حدقت به في تركيز منتظرة ما سيخرج من ثغره ، بينما رمش في إضطراب و سألها بلهجة مختلجة:
-هو ايه اللي حصل لما داليا شافتنا مع بعض؟ عملت معاكي ايه يعني ؟؟
-و لا حاجة.
هتفت"ياسمين" ببساطة ، فردد"عمر"مشدوها:
-و لا حاجة !!
ثم تابع سؤاله مستغربا:
-و لا حاجة ازاي يعني ؟؟
-قلتلك ماحصلش حاجة يا عمر.
أجابته في هدوء ، ثم أضافت في تهكم علي نفس الوتيرة الهادئة:
-هي بس قالتلي ابعد عنك.
-نعم ! تبعدي عني ؟؟
هتف مستنكرا ، ثم أضاف متسائلا:
-يعني ايه ؟؟
أجابته بإبتسامة مائلة:
-يعني ننهي اللي بينا ، مانكلمش بعض زي الاول ، اخرنا صباح الخير مساء الخير ، بإختصار علاقتنا ببعض تبقي رسمية.
هز رأسه غير مصدق ، و قال غاضبا:
-ايه الكلام الفارغ ده ؟ انتي وافقتي علي كده ؟؟
-ايوه يا عمر وافقت.
حدق بها مصدوما ، فأومأت رأسها مؤكدة:
-انا هنفذ كلام اختي بالحرف ، رغم اني عنيدة بطبعي و بعمل اللي في دماغي و بس ، لكن هي عندها حق المرة دي ، حتي لو كان كل اللي بينا حب و احترام ، ماينفعش تستمر علاقتنا.
-انتي بتقولي ايه ؟؟
-اللي سمعته يا عمر.
هتفت بصرامة ، ثم تابعت منهية للحديث:
-انا شايفة ان ده قرار عقلاني جدا ، انت طالب و انا طالبة ، ماينفعش نرتبط ببعض و احنا لسا ما حققناش اي حاجة لمستقبلنا.
-ايوه يا ياسمين بس احنا سبق و اتكلمنا في الموضوع ده ، و انا قلتلك اني هستناكي و مش هقف في طريقك و لا همنعك عن دراستك او شغلك ، احنا كنا متفقين علي كده بقالنا سنتين تقريبا ، و طول السنتين دول حياتنا كانت مظبوطة و ماشية كويس ، ايه اللي اتغير دلوقتي بقي ؟ انا ضايقتك في حاجة ؟؟
تأففت"ياسمين"في ضيق قائلة:
-يا عمر ماتصعبش الامور ، انا بفكر بعقلي في القرارات المصيرية و صدقني القرار ده في مصلحتنا احنا الاتنين.
-طيب و حبنا ؟؟
سألها و قد إرتسم علي وجهه وشاح آلم مرير ، فأجابته:
-انا اتعلمت ازاي اقدر اسيطر علي عواطفي ، و انت كمان لازم تتعلم يا عمر .. و اوعي تفتكر اني مابحبكش ، لأ انا بحبك بس في حاجات كتير في الحياة اهم من الحب ، اوليات لازم نهتم بيها.
-لآ.
هتف معترضا ، ثم تابع:
-انا مش هقدر اعمل اللي انتي بتقولي عليه ده ، صعب .. انا بحبك يا ياسمين و مستعد اتجوزك حالا.
-جواز ايه بس يا عمر ؟ ارجوك حاول تفهم ؟؟
-مش عايز افهم حاجة ، انا عايزك تفضلي جنبي و بس.
هزت"ياسمين"رأسها بأسف ، بينما إندفع"عمر"صوب المنزل هاتفا:
-انا هاروح اكلم اختك بنفسي.
إرتعدت!"ياسمين!"قائلة:
-استني يا عمر .. استني بس آا ..
و لكنه صم جميع حواسه ، و بقي مركزا علي ذلك الهدف الذي وضعه نصب عينيه فقط ...
*********************************************
بعد يوم طويل و مجهد بالعمل ، إمتن"خالد"لتلك المياه الدافئة التي ساعدته علي إستعادة نشاطه و عافيته بعد إغتساله بها ..
فيما إرتدي ثيابا نظيفة ، و غادر الغرفة في سرعة متجها إلي الطابق السفلي ، إذ كان يبحث عن"عبير"التي وجدها بسهولة ، حيث كانت تقف بالمطبخ تباشر طهي الطعام ، فدلف"خالد"إليها و جلس إلي الطاولة المخصصة لتقديم الوجبات ، بينما إنتبهت"عبير"إليه ، فإستدارت و حدقت به في تكاسل مرهق قائلة:
-دقيقتين و الاكل هيكون جاهز.
قطب"خالد"حاجبيه ، ثم راح يتأمل حركاتها الهزيلة ، إذ بدت مرهقة إلي أقصي حد ، عيناها ذابلتان ، شفتاها شاحبتان ، حتي وجهها ملأه إصفرار حاد ..
رمش في إضطراب و إنتابه قلق جاهد في إخفاؤه حتي نجح فعلا ، عندما أقبلت"عبير"نحوه ، و بدأت في وضع أطباق الطعام أمامه ، رسم علي وجهه معالم الجفاء و الصرامة ، فيما سألته"عبير"بنبرة خافتة ، شاحبة:
-عايز حاجة تاني يا خالد ؟؟
رفع رأسه في حدة ليحدق إليها بنظرة قاتمة ثاقبة ، و قال:
-لأ شكرا ، اقعدي كلي بقي.
هزت رأسها بوهن قائلة:
-لأ انا مش عايزة آكل ، ماليش نفس.
-قلتلك اقعدي.
أرادت أن تحتج مرة أخري ، فهتف بقوة:
-اقعدي.
أطرقت رأسها بقلة حيلة ، ثم سحبت مقعد مرفق بطاولة الطعام ، و جلست إلي جانبه ..
تم العشاء في جو متوتر ، و"عبير"الشاحبة ، ذات النظرة الحزينة ، حافظت علي الصمت أمام نظرات"خالد"المراقبة ، فيما كانت تشعر بصعوبة كبيرة في إبتلاع الطعام ، إذ أن الإعياء إحتلها فجأة و من دون مقدمات ، و لوهلة أحست بتقلص حاد بمعدتها ، فتوقفت فورا عن الطعام ، فإنتبه"خالد"إليها ، و راح يعينها مطولا ، ثم سألها في جفاف:
-مابتكليش ليه ؟؟
وضعت"عبير"شوكتها علي الطبق لتواجهه ، فإختلج محياها بإعياء قبل أن تجيبه بصوت محشرج:
-شبعت خلاص.
إبتسم"خالد"في تهكم قائلا:
-لأ يا عبير لازم تتغذي كويس ، عايزة اخواتك يقولوا اني مجوعك !!
رمقته في آسي عارم ، ثم سألته:
-مش شايف انك زودتها معايا اوي يا خالد ؟؟
قهقه"خالد"عاليا ، ثم قال:
-هو انتي لسا شفتي حاجة يا روحي ؟ انا مش هاسيبك الا اما اخلص فيكي القديم قبل الجديد.
ثم تناول كأس الماء و إرتشف القليل ، ثم أزاح طعامه جانبا لينحني عبر الطاولة لكي يقول بجفاف ، و هو يحدجها بنظرة مركزة:
-و اللي هايريحني اكتر ، اني اجيب منك ابن و اربيه علي فكرة واحدة .. و هي ان امه اد ايه كانت ست محترمة ، خدعت ابوه .. باعت نفسها مرة .. و كانت عايزة تكررها تاني.
لم تتمكن"عبير"من الرد علي كلامه الجارح المهين ، و عوضا علي ذلك ، غرزت أظافرها براحتيها في قوة لتحافط علي الدموع بعينيها لئلا تسقط و تكشف عن ضعفها ، بينما أضاف"خالد"في إزدراء فظ:
-و لحد ما الطفل ده يجي ، مش هتتنقلي من هنا لاني ماضمنش تصرفات واحدة زيك ، و لاني كمان ماحبش ابدا يبقي عندي شك واحد في المليون ان الطفل ده ممكن مايكونش ابني.
ضربة جديدة أقوي من أي شيء ، و هذه الذكري اللاإرادية لماضيها فتتت قلبها ، فحاولت كبت بكائها لكن الدموع راحت تتلألأ من جفنيها ، فصاحت به بأعلي صوتها:
-انت حيوااان.
ثم هبت واقفة ، إذ أصابها الغثيان فجأة ، فغطت فمها بكفها و إندفعت راكضة صوب الحمام حيث تقيأت بقوة ..
ثم جثت أرضا علي ركبتيها و هي تنشج بالبكاء المر ، بينما لم تفطن لوجود"خالد"إلا الآن ، عندما شعرت به ينحني فوقها ، و أحست بيده الدافئة تبعد الشعر الذي تناثر حول وجهها بفوضوية ، فتطلعت إليه واجمة ، و لكنها لم تستطع رؤية ندمه اللاسع و ذعره الشديد عليها بسبب موجة الإعياء التي إكتسحتها ، فيما صرخت بوجهه في هيستريا قائلة بصوت أبح:
-اطلع برااااا ، سيبني بقي في حالي ، انا بكرهك يا خالد مش عايزة اشوفك تاني ابدا ، مش عايزة اشوفك.
راعي"خالد"موقفها ، فتركها و شأنها حتي إستعادت بعضا من تماسكها ، و لكن حين إستدارت اخيرا لتواجهه ، لم تآبه بتاتا لشحوب وجهه المتقلص ، و لا للخوف العميق بعينيه ..
و عندما تحاملت علي نفسها و نهضت متجهة إلي خارج الحمام ، حاول"خالد"مساعدتها ، فحيدت عنه بعصبية ، فسكن بمكامه ، بينما تابعت سيرها حتي وصلت إلي الطابق العلوي ، ثم إلي غرفتها ، حيث أمضت بقية الليل ترتعد و تتعذب مسهدة ...
*************************************************
-اتفقنا ؟؟
قالتها"داليا"و هي تخاطب"آية"أمام غرفة المطبخ ، فيما أجابت"آية"باسمة:
-اتفقنا حضرتك.
-جميل ، جهزي نفسك بقي بكرة الصبح عشان هبعت معاكي السواق يوصلك لحد البيت.
-حاضر.
رمقتها"داليا"بإبتسامة هادئة ، بينما آتي"عمر"في تلك اللحظة ، و إقترب من"داليا"في تجهم قائلا:
-داليا .. من فضلك عايزك في كلمتين.
-طيب عن اذنكوا.
قالتها"آية"ثم إنسحبت في هدوء ، فيما رفعت"داليا"رأسها و تطلعت إلي"عمر"في وجوم قائلة:
-خير يا عمر ؟ عايز ايه ؟؟
تنفس"عمر"بعمق ، ثم أجابها:
-كنت عايز اكلمك بخصوصي انا و ياسمين.
رفعت"داليا"أحد حاجبيها مصغية إليه ، فتابع في توتر:
-انا بحبها .. و الله بحبها جدا يا داليا.
-و اللي بيحب حد يا عمر يعرض سمعته للخطر ؟ اللي بيحب اصلا بيداري حبه ؟ قولي كنت مستني ايه ؟ ايه اللي كنت منتظره يعني من الحب ده ؟؟
-الجواز طبعا.
هتف"عمر"بجدية بالغة ، فأومأت"داليا"رأسها قائلة:
-حلو ، و ماجيتش تكلمني ليه من الاول ؟ انت خليت منظرك و منظرها قدامي وحش اوي لما دخلت عليكوا فجأة و لقيتكوا في الوضع اللي كنتوا فيه.
-وضع ايه بس !!
قال"عمر"مستنكرا ، ثم تابع شارحا:
-احنا ماكناش بنعمل حاجة غلط ، انا بس كنت آا ..
-ماشي انا عارفة انكوا ماكنتوش بتعملوا حاجة غلط.
قاطعته"داليا"مجارية ، ثم تابعت:
-بس ايا كان .. لو حد غيري كان شاف حاجة زي دي كان هيبقي ايه الموقف ؟؟
تنهد"عمر"بثقل ، ثم أطرق رأسه قائلا:
-عموما يا داليا انا عايزك تتأكدي اني عمري ما فكرت آذي ياسمين ، بالعكس انا بحبها اوي و ماقدرش استغني عنها ابدا .. فأرجوكي تقبلي بجوازنا.
صمتت"داليا"لثوان ، ثم قالت:
-ماشي يا عمر .. انا موافقة.
رفع"عمر"رأسه سريعا و قد أشرق وجهه بإبتسامة عريضة ، و قال:
-بجد يا داليا ؟؟
أومأت"داليا"رأسها قائلة:
-ايوه بجد .. بس بعد ما تخلصوا دراسة انتوا الاتنين .. لكن نقدر في الفترة دي نعمل خطوبة عشان المظهر العام قدام الناس.
تهلل وجه"عمر"بفرحة عارمة ، أعرب عنها حين أمسك يدي"داليا"و رفعهما إلي فمه ليقبلهما ..
بينما كان يقف بعيدا يراقب هذا المشهد في غضب ساحق ...
**************************************************
بقي داخل مكتبه لثلاث ساعات ، كان يذرع الأرض ذهابا و إيابا كأسد حبيس ..
كلما ومضت بمخيلته صورتهما معا ، يصيبه جنون هائل يدفعه إلي فعل أي شيء متهور ، و لكنه إستطاع بمعجزة أن يكبح جماح غضبه ، فغادر مكتبه في سرعة متوجها نحو غرفة شقيقه ، دفع باب الغرفة بعنف و دلف ، بينما نهض"عمر"عن فراشه ، ثم إنترع سماعتي أذنيه ، و إقترب من شقيقه متسائلا بوجه قلق:
-ايه يا عز ؟ في حاجة ؟؟
مد"عز الدين"ذراعه الأيسر لإصابة الأيمن بالكسر ، و جذب"عمر"من ثيابه ، ثم قال و هو يزأر من بين أسنانه:
-ماكنتش اتخيل عمري اني اشوفك في وضع زي ده.
-وضع ! انت بتتكلم عن ايه ؟؟
سأله"عمر"مقطبا ، فصاح"عز الدين"في غضب:
-ازاي تجيلك الجرأة تفكر في مرات اخوك ؟؟
إتسعت عينا"عمر"في دهشة عارمة ، فنزع يد شقيقه عنه بقوة صائحا:
-انت بتقول ايه ؟ انت اتجننت ؟ ايه اللي انت بتقوله ده اصلا ؟ مراتك دي بقت اختي من يوم ما اتجوزتوا و لا يمكن افكر ابصلها حتي !!
-انا شفتكوا تحت بعنيا.
هتف"عز الدين"في عنف ، فقطب"عمر"حاجبيه متمتما:
-شفت ايه ؟؟
ثم صاح بسرعة:
-آااه .. لآ انت فهمت غلط ، انا كنت آا ..
-انا فاهم صح جدا.
قاطعه"عز الدين! بلهجة صارمة ، فباغته"عمر"بقوة:
-لأ انت مش فاهم حاجة .. انا كنت بتكلم مع داليا من شوية في موضوع يخصني انا و اختها.
عبس"عز الدين"واجما ، فأومأ"عمر"رأسه متابعا:
-انا و ياسمين بنحب بعض ، و لو كنت حضرتك سمعت الحوار من اوله كنت عرفت اني كنت بطلب ايد اختها.
نظر"عز الدين"بوجه شقيقه المنفعل في تشكك ، ثم إستدار راحلا بخطي واسعة ، صارمة ، بينما زفر"عمر"و هز رأسه في ذهول مرددا:
-مجنون !!
تحت جنح الليل البهيم ، جلست"ياسمين"إلي طاولة أخذت ركنا بسيطا بحديقة القصر الشاسعة و المضيئة بنور القمر كأنه مصباح يشع نورا ، إلي جانب ذلك ، كانت القناديل المعلقة تحت الأشجار المرصوفة ببراعة علي مدي أبعاد متناسبة تضئ أوراق الشجر الخضراء السميكة و اللماعة ، و بينما كانت"ياسمين"منكبة فوق دفاتر دراستها التي إعتلت الطاولة الخشبية المرفقة بالمقعد الذي جلست عليه ، آتي"عمر"إليها خلسة ، و إنتشلها من ذروة تركيزها فجأة بقوله:
-ممكن نتكلم شوية ؟؟
رفعت"ياسمين"رأسها بسرعة ، و نظرت إليه في تفاجأ إستحال إلي جفاف متعمد و غير مقصود في آن ، و لكن فكرة واحدة كانت تعزيها في تصرفها الأرعن حيال"عمر" ..
بعد أن علمت شقيقتها بعلاقتهما أصبح وجودها بينهما سلاح مخيف و مروع ، و هذا ما أرادته"داليا"أن تعرف"ياسمين"كيف تستعمل هذا السلاح بمهارة كافية ، لكي تدفع"عمر"خطوة إلي الأمام ، و لتكشف نواياه و ما الذي تضمره نفسه تماما !
فيما تنحنحت"ياسمين"و قالت واجمة:
-اهلا يا عمر.
بينما عاد يسألها عابسا في فتور هادئ:
-عايز اتكلم معاكي يا ياسمين.
تنهدت"ياسمين"بثقل ، ثم قالت و هي تصوب ناظريها إلي دفاتر دراستها مجددا:
-انا مش فاضية يا عمر ، زي ما انت شايف بذاكر.
-بس انا عايز اكلمك في موضوع مهم.
هتف بنزق منفعل ، فقضمت شفتها ، ثم صمتت لثوان و قالت:
-ماشي يا عمر .. اتفضل اتكلم ، قول اللي انت عايزه ، انا سمعاك ، بس بإختصار و بسرعة لو سمحت.
ثم أغلقت كتابها و حدقت به في تركيز منتظرة ما سيخرج من ثغره ، بينما رمش في إضطراب و سألها بلهجة مختلجة:
-هو ايه اللي حصل لما داليا شافتنا مع بعض؟ عملت معاكي ايه يعني ؟؟
-و لا حاجة.
هتفت"ياسمين" ببساطة ، فردد"عمر"مشدوها:
-و لا حاجة !!
ثم تابع سؤاله مستغربا:
-و لا حاجة ازاي يعني ؟؟
-قلتلك ماحصلش حاجة يا عمر.
أجابته في هدوء ، ثم أضافت في تهكم علي نفس الوتيرة الهادئة:
-هي بس قالتلي ابعد عنك.
-نعم ! تبعدي عني ؟؟
هتف مستنكرا ، ثم أضاف متسائلا:
-يعني ايه ؟؟
أجابته بإبتسامة مائلة:
-يعني ننهي اللي بينا ، مانكلمش بعض زي الاول ، اخرنا صباح الخير مساء الخير ، بإختصار علاقتنا ببعض تبقي رسمية.
هز رأسه غير مصدق ، و قال غاضبا:
-ايه الكلام الفارغ ده ؟ انتي وافقتي علي كده ؟؟
-ايوه يا عمر وافقت.
حدق بها مصدوما ، فأومأت رأسها مؤكدة:
-انا هنفذ كلام اختي بالحرف ، رغم اني عنيدة بطبعي و بعمل اللي في دماغي و بس ، لكن هي عندها حق المرة دي ، حتي لو كان كل اللي بينا حب و احترام ، ماينفعش تستمر علاقتنا.
-انتي بتقولي ايه ؟؟
-اللي سمعته يا عمر.
هتفت بصرامة ، ثم تابعت منهية للحديث:
-انا شايفة ان ده قرار عقلاني جدا ، انت طالب و انا طالبة ، ماينفعش نرتبط ببعض و احنا لسا ما حققناش اي حاجة لمستقبلنا.
-ايوه يا ياسمين بس احنا سبق و اتكلمنا في الموضوع ده ، و انا قلتلك اني هستناكي و مش هقف في طريقك و لا همنعك عن دراستك او شغلك ، احنا كنا متفقين علي كده بقالنا سنتين تقريبا ، و طول السنتين دول حياتنا كانت مظبوطة و ماشية كويس ، ايه اللي اتغير دلوقتي بقي ؟ انا ضايقتك في حاجة ؟؟
تأففت"ياسمين"في ضيق قائلة:
-يا عمر ماتصعبش الامور ، انا بفكر بعقلي في القرارات المصيرية و صدقني القرار ده في مصلحتنا احنا الاتنين.
-طيب و حبنا ؟؟
سألها و قد إرتسم علي وجهه وشاح آلم مرير ، فأجابته:
-انا اتعلمت ازاي اقدر اسيطر علي عواطفي ، و انت كمان لازم تتعلم يا عمر .. و اوعي تفتكر اني مابحبكش ، لأ انا بحبك بس في حاجات كتير في الحياة اهم من الحب ، اوليات لازم نهتم بيها.
-لآ.
هتف معترضا ، ثم تابع:
-انا مش هقدر اعمل اللي انتي بتقولي عليه ده ، صعب .. انا بحبك يا ياسمين و مستعد اتجوزك حالا.
-جواز ايه بس يا عمر ؟ ارجوك حاول تفهم ؟؟
-مش عايز افهم حاجة ، انا عايزك تفضلي جنبي و بس.
هزت"ياسمين"رأسها بأسف ، بينما إندفع"عمر"صوب المنزل هاتفا:
-انا هاروح اكلم اختك بنفسي.
إرتعدت!"ياسمين!"قائلة:
-استني يا عمر .. استني بس آا ..
و لكنه صم جميع حواسه ، و بقي مركزا علي ذلك الهدف الذي وضعه نصب عينيه فقط ...
*********************************************
بعد يوم طويل و مجهد بالعمل ، إمتن"خالد"لتلك المياه الدافئة التي ساعدته علي إستعادة نشاطه و عافيته بعد إغتساله بها ..
فيما إرتدي ثيابا نظيفة ، و غادر الغرفة في سرعة متجها إلي الطابق السفلي ، إذ كان يبحث عن"عبير"التي وجدها بسهولة ، حيث كانت تقف بالمطبخ تباشر طهي الطعام ، فدلف"خالد"إليها و جلس إلي الطاولة المخصصة لتقديم الوجبات ، بينما إنتبهت"عبير"إليه ، فإستدارت و حدقت به في تكاسل مرهق قائلة:
-دقيقتين و الاكل هيكون جاهز.
قطب"خالد"حاجبيه ، ثم راح يتأمل حركاتها الهزيلة ، إذ بدت مرهقة إلي أقصي حد ، عيناها ذابلتان ، شفتاها شاحبتان ، حتي وجهها ملأه إصفرار حاد ..
رمش في إضطراب و إنتابه قلق جاهد في إخفاؤه حتي نجح فعلا ، عندما أقبلت"عبير"نحوه ، و بدأت في وضع أطباق الطعام أمامه ، رسم علي وجهه معالم الجفاء و الصرامة ، فيما سألته"عبير"بنبرة خافتة ، شاحبة:
-عايز حاجة تاني يا خالد ؟؟
رفع رأسه في حدة ليحدق إليها بنظرة قاتمة ثاقبة ، و قال:
-لأ شكرا ، اقعدي كلي بقي.
هزت رأسها بوهن قائلة:
-لأ انا مش عايزة آكل ، ماليش نفس.
-قلتلك اقعدي.
أرادت أن تحتج مرة أخري ، فهتف بقوة:
-اقعدي.
أطرقت رأسها بقلة حيلة ، ثم سحبت مقعد مرفق بطاولة الطعام ، و جلست إلي جانبه ..
تم العشاء في جو متوتر ، و"عبير"الشاحبة ، ذات النظرة الحزينة ، حافظت علي الصمت أمام نظرات"خالد"المراقبة ، فيما كانت تشعر بصعوبة كبيرة في إبتلاع الطعام ، إذ أن الإعياء إحتلها فجأة و من دون مقدمات ، و لوهلة أحست بتقلص حاد بمعدتها ، فتوقفت فورا عن الطعام ، فإنتبه"خالد"إليها ، و راح يعينها مطولا ، ثم سألها في جفاف:
-مابتكليش ليه ؟؟
وضعت"عبير"شوكتها علي الطبق لتواجهه ، فإختلج محياها بإعياء قبل أن تجيبه بصوت محشرج:
-شبعت خلاص.
إبتسم"خالد"في تهكم قائلا:
-لأ يا عبير لازم تتغذي كويس ، عايزة اخواتك يقولوا اني مجوعك !!
رمقته في آسي عارم ، ثم سألته:
-مش شايف انك زودتها معايا اوي يا خالد ؟؟
قهقه"خالد"عاليا ، ثم قال:
-هو انتي لسا شفتي حاجة يا روحي ؟ انا مش هاسيبك الا اما اخلص فيكي القديم قبل الجديد.
ثم تناول كأس الماء و إرتشف القليل ، ثم أزاح طعامه جانبا لينحني عبر الطاولة لكي يقول بجفاف ، و هو يحدجها بنظرة مركزة:
-و اللي هايريحني اكتر ، اني اجيب منك ابن و اربيه علي فكرة واحدة .. و هي ان امه اد ايه كانت ست محترمة ، خدعت ابوه .. باعت نفسها مرة .. و كانت عايزة تكررها تاني.
لم تتمكن"عبير"من الرد علي كلامه الجارح المهين ، و عوضا علي ذلك ، غرزت أظافرها براحتيها في قوة لتحافط علي الدموع بعينيها لئلا تسقط و تكشف عن ضعفها ، بينما أضاف"خالد"في إزدراء فظ:
-و لحد ما الطفل ده يجي ، مش هتتنقلي من هنا لاني ماضمنش تصرفات واحدة زيك ، و لاني كمان ماحبش ابدا يبقي عندي شك واحد في المليون ان الطفل ده ممكن مايكونش ابني.
ضربة جديدة أقوي من أي شيء ، و هذه الذكري اللاإرادية لماضيها فتتت قلبها ، فحاولت كبت بكائها لكن الدموع راحت تتلألأ من جفنيها ، فصاحت به بأعلي صوتها:
-انت حيوااان.
ثم هبت واقفة ، إذ أصابها الغثيان فجأة ، فغطت فمها بكفها و إندفعت راكضة صوب الحمام حيث تقيأت بقوة ..
ثم جثت أرضا علي ركبتيها و هي تنشج بالبكاء المر ، بينما لم تفطن لوجود"خالد"إلا الآن ، عندما شعرت به ينحني فوقها ، و أحست بيده الدافئة تبعد الشعر الذي تناثر حول وجهها بفوضوية ، فتطلعت إليه واجمة ، و لكنها لم تستطع رؤية ندمه اللاسع و ذعره الشديد عليها بسبب موجة الإعياء التي إكتسحتها ، فيما صرخت بوجهه في هيستريا قائلة بصوت أبح:
-اطلع برااااا ، سيبني بقي في حالي ، انا بكرهك يا خالد مش عايزة اشوفك تاني ابدا ، مش عايزة اشوفك.
راعي"خالد"موقفها ، فتركها و شأنها حتي إستعادت بعضا من تماسكها ، و لكن حين إستدارت اخيرا لتواجهه ، لم تآبه بتاتا لشحوب وجهه المتقلص ، و لا للخوف العميق بعينيه ..
و عندما تحاملت علي نفسها و نهضت متجهة إلي خارج الحمام ، حاول"خالد"مساعدتها ، فحيدت عنه بعصبية ، فسكن بمكامه ، بينما تابعت سيرها حتي وصلت إلي الطابق العلوي ، ثم إلي غرفتها ، حيث أمضت بقية الليل ترتعد و تتعذب مسهدة ...
*************************************************
-اتفقنا ؟؟
قالتها"داليا"و هي تخاطب"آية"أمام غرفة المطبخ ، فيما أجابت"آية"باسمة:
-اتفقنا حضرتك.
-جميل ، جهزي نفسك بقي بكرة الصبح عشان هبعت معاكي السواق يوصلك لحد البيت.
-حاضر.
رمقتها"داليا"بإبتسامة هادئة ، بينما آتي"عمر"في تلك اللحظة ، و إقترب من"داليا"في تجهم قائلا:
-داليا .. من فضلك عايزك في كلمتين.
-طيب عن اذنكوا.
قالتها"آية"ثم إنسحبت في هدوء ، فيما رفعت"داليا"رأسها و تطلعت إلي"عمر"في وجوم قائلة:
-خير يا عمر ؟ عايز ايه ؟؟
تنفس"عمر"بعمق ، ثم أجابها:
-كنت عايز اكلمك بخصوصي انا و ياسمين.
رفعت"داليا"أحد حاجبيها مصغية إليه ، فتابع في توتر:
-انا بحبها .. و الله بحبها جدا يا داليا.
-و اللي بيحب حد يا عمر يعرض سمعته للخطر ؟ اللي بيحب اصلا بيداري حبه ؟ قولي كنت مستني ايه ؟ ايه اللي كنت منتظره يعني من الحب ده ؟؟
-الجواز طبعا.
هتف"عمر"بجدية بالغة ، فأومأت"داليا"رأسها قائلة:
-حلو ، و ماجيتش تكلمني ليه من الاول ؟ انت خليت منظرك و منظرها قدامي وحش اوي لما دخلت عليكوا فجأة و لقيتكوا في الوضع اللي كنتوا فيه.
-وضع ايه بس !!
قال"عمر"مستنكرا ، ثم تابع شارحا:
-احنا ماكناش بنعمل حاجة غلط ، انا بس كنت آا ..
-ماشي انا عارفة انكوا ماكنتوش بتعملوا حاجة غلط.
قاطعته"داليا"مجارية ، ثم تابعت:
-بس ايا كان .. لو حد غيري كان شاف حاجة زي دي كان هيبقي ايه الموقف ؟؟
تنهد"عمر"بثقل ، ثم أطرق رأسه قائلا:
-عموما يا داليا انا عايزك تتأكدي اني عمري ما فكرت آذي ياسمين ، بالعكس انا بحبها اوي و ماقدرش استغني عنها ابدا .. فأرجوكي تقبلي بجوازنا.
صمتت"داليا"لثوان ، ثم قالت:
-ماشي يا عمر .. انا موافقة.
رفع"عمر"رأسه سريعا و قد أشرق وجهه بإبتسامة عريضة ، و قال:
-بجد يا داليا ؟؟
أومأت"داليا"رأسها قائلة:
-ايوه بجد .. بس بعد ما تخلصوا دراسة انتوا الاتنين .. لكن نقدر في الفترة دي نعمل خطوبة عشان المظهر العام قدام الناس.
تهلل وجه"عمر"بفرحة عارمة ، أعرب عنها حين أمسك يدي"داليا"و رفعهما إلي فمه ليقبلهما ..
بينما كان يقف بعيدا يراقب هذا المشهد في غضب ساحق ...
**************************************************
بقي داخل مكتبه لثلاث ساعات ، كان يذرع الأرض ذهابا و إيابا كأسد حبيس ..
كلما ومضت بمخيلته صورتهما معا ، يصيبه جنون هائل يدفعه إلي فعل أي شيء متهور ، و لكنه إستطاع بمعجزة أن يكبح جماح غضبه ، فغادر مكتبه في سرعة متوجها نحو غرفة شقيقه ، دفع باب الغرفة بعنف و دلف ، بينما نهض"عمر"عن فراشه ، ثم إنترع سماعتي أذنيه ، و إقترب من شقيقه متسائلا بوجه قلق:
-ايه يا عز ؟ في حاجة ؟؟
مد"عز الدين"ذراعه الأيسر لإصابة الأيمن بالكسر ، و جذب"عمر"من ثيابه ، ثم قال و هو يزأر من بين أسنانه:
-ماكنتش اتخيل عمري اني اشوفك في وضع زي ده.
-وضع ! انت بتتكلم عن ايه ؟؟
سأله"عمر"مقطبا ، فصاح"عز الدين"في غضب:
-ازاي تجيلك الجرأة تفكر في مرات اخوك ؟؟
إتسعت عينا"عمر"في دهشة عارمة ، فنزع يد شقيقه عنه بقوة صائحا:
-انت بتقول ايه ؟ انت اتجننت ؟ ايه اللي انت بتقوله ده اصلا ؟ مراتك دي بقت اختي من يوم ما اتجوزتوا و لا يمكن افكر ابصلها حتي !!
-انا شفتكوا تحت بعنيا.
هتف"عز الدين"في عنف ، فقطب"عمر"حاجبيه متمتما:
-شفت ايه ؟؟
ثم صاح بسرعة:
-آااه .. لآ انت فهمت غلط ، انا كنت آا ..
-انا فاهم صح جدا.
قاطعه"عز الدين! بلهجة صارمة ، فباغته"عمر"بقوة:
-لأ انت مش فاهم حاجة .. انا كنت بتكلم مع داليا من شوية في موضوع يخصني انا و اختها.
عبس"عز الدين"واجما ، فأومأ"عمر"رأسه متابعا:
-انا و ياسمين بنحب بعض ، و لو كنت حضرتك سمعت الحوار من اوله كنت عرفت اني كنت بطلب ايد اختها.
نظر"عز الدين"بوجه شقيقه المنفعل في تشكك ، ثم إستدار راحلا بخطي واسعة ، صارمة ، بينما زفر"عمر"و هز رأسه في ذهول مرددا:
-مجنون !!