رواية حتي اقتل بسمة تمردك ج2 الفصل الثامن عشر 18 بقلم مريم غريب
الحلقة(18):
كانت الأيام الخمس التالية من أتعس الأيام التي مرت علي"داليا"إذ أن"عز الدين"إزداد جفاء و غطرسة ، كما بقي باردا متنائيا و بعيدا ، كانت تراه فقط عند الإفطار ، و متأخرا في المساء عند رجوعه بوجه مكفهر و متحفظ ..
و في صباح اليوم الخامس ، إستجمعت شجاعتها لتواجهه ، فلا يمكن أن يستمرا علي هذا المنوال ، و إستعادت ما ستقوله ، و حرصت أن تنزل علي الإفطار قبله صباح الأربعاء ..
لكن كل ما نوته تبخر حين رأته يهبط متجها صوب باب المنزل بخطي واسعة صارمة ، فنسيت موقف عدم الحديث الذي إلتزمه ، و أسرعت إليه هاتفة:
-عز الدين !!
تجمد بمكانه لدي سماعه صوتها ، ثم إستدار إليها في برود و قد رسم علي وجهه معالم الوجوم و التساؤل ، فسألته هي بنبرة مختلجة:
-انت مش هتفطر قبل ما تخرج ؟؟
-لأ مستعجل.
أجابها في جفاف ، فتقلص فمها و هي تتابع سؤالها في خفوت:
-طيب ممكن نتكلم شوية ؟؟
أومأ رأسه إيجابا ، و قال:
-ممكن .. لما ارجع.
ثم سألها بدوره:
-عايزة حاجة تاني ؟؟
و بدا الصدع واسعا عميقا و باردا ، و لما لم ترد علي سؤاله ، إنسل في هدوء و خرج من المنزل بعد أن أغلق الباب من خلفة بقوة ..
بينما ماتت علي شفتيها الكلمات التي أوشكت أن تتمني بها نهارا سعيدا له ، فقد ذهب هو قبل أن تستطيع الإعتراض ، فطأطأت رأسها و قصدت غرفتها و هي تحس بالضيق يجثم عليها ، و بالرجفة تخلخل قلبها ..
كانت لو تقتنع بإن شبح"جومانة"ينتمي إلي الماضي ، و أن ذكراها لم تعد ماثلة في ذهنه ، لكن ذلك يحتاج إلي وقتا و حنانا لتشفي من شكوكها تماما ...
*************************************************
نهضت"عبير"من فراشها بصعوبة بعد أن غالبت شعور الغثيان الذي كثيرا ما ينتابها مؤخرا ، بينما راودها شك راحت تضرع إلي الله بإن يذهب سدي ، فهي لا تريد أي شيء قد يعزز علاقتها بـ"خالد" ..
كانت تترنح في مشيتها حتي هبطت إلي الطابق السفلي و قابلت"آية"وصيفتها الجديدة بقاعة المطبخ ، فيما رسمت الفتاة إبتسامة خفيفة علي ثغرها ، ثم ألقت علي سيدتها تحية الصباح بنبرة هادئة:
-صباح الخير يا هانم.
أجفلت"عبير"باسمة ، و بادلتها التحية ، ثم سألتها في تكاسل:
-ماتعرفيش جوزي مشي الساعة كام ؟؟
-الأستاذ خرج من البيت الساعة 8 الصبح حضرتك.
فركت"عبير"عينيها ، ثم رددت مقطبة:
-خرج 8 الصبح ! اومال الساعة كام دلوقتي ؟؟
نظرت"آية"بساعة يدها المتواضعة و أجابتها:
-الساعة دلوقتي 3 بالظبط.
-3 بالظبط ؟؟
سألتها شاهقة ، فأومأت الفتاة رأسها مؤكدة ، بينما أمسكت"عبير"برأسها و أغمضت عينيها بشدة قائلة:
-مش عارفة انا مالي اليومين دول !!
-مافيش حاجة ، حصل خير.
قالت"آية"في لطف ، ثم تابعت و هي تتجه نحو موقد الطعام:
-انا قربت اجهز الغدا ، ارتاحي انتي في اوضتك و انا هاجيبلك الاكل لحد عندك.
رفضت"عبير"في هدوء باسمة ، ثم قالت:
-لأ انا هقعد قصادك هنا.
منحتها الفتاة إبتسامة رقيقة ، ثم إندفعت تباشر عملها بالمطبخ ، بينما راحت"عبير"تسألها عدة أسئلة:
-و انتي بقي عندك كام سنة يا آية ؟؟
أجابتها"آية"و هي توليها ظهرها:
-24 سنة يا هانم.
-اهلك موجودين ؟؟
صمتت"آية"لثوان ، ثم قالت:
-انا مقطوعة من شجرة يا هانم ، ابويا مات و انا عندي 18 سنة ، كان عيان ، و امي حصلته بعد سنتين هي كمان.
ثم تنهدت بثقل ، و أضافت:
-الله يرحمهم بقي .. ماتوا و سابوني في الدنيا لوحدي.
-مالكيش حد خالص ؟ و لا حتي قرايب من بعيد ؟؟
سألتها"عبير"في تأثر بالغ ، فأجابتها في حزن:
-كان ليا خطيبي.
-راح فين طيب ؟؟
تلألأت الدموع بعينيها ، ثم صمتت للحظات و قالت:
-مات ، قصدي اتقتل.
-اتقتل ازاي ؟؟
أجابتها"آية"و هي تقطع شرائح اللحم بعنف عدائي:
-ولاد الحرام ضربوه بالنار.
-ليه ؟ هو عمل ايه ؟؟
إستدارت"آية"لتواجه"عبير"ثم هزت رأسها في وجوم قائلة:
-من فضلك يا هانم كفاية اسئلة ، انا بتعب اوي لما بفتكر الحكاية دي.
رمشت"عبير"في إضطراب قائلة:
-اسفة يا حبيبتي ماقصدش اضايقك و الله.
-حصل خير.
هتفت باسمة ، فبادلتها"عبير"البسمة عينها ، ثم صاحت فجأة:
-صحيح بكرة خطوبة عمر اخويا ، جهزي نفسك عشان هتروحي معايا القصر عشان تساعدي الناس اللي هناك.
-حاضر يا هانم.
-ماتقلقيش مش هاتتعبي خالص ، دول هيعملوا حفلة صغيرة للعيلة و بس.
أومأت"آية"رأسها باسمة ، ثم عادت تباشر عملها من جديد ، فيما إزدادت حالة"عبير"سوءاً ، إذ شعرت بيد خفية تعصر أحشائها ، كما عاودها شعور الغثيان مرة أخري حين تصاعدت رائحة اللحم المفقفق في المقلاة ..
جاهدت بصعوبة لكي تحافظ علي تماسكها ، بينما كانت قد إنتهت"آية"من تحضير الطعام ، و كانت آشعة الشمس تخترق زجاج نوافذ المطبخ و تتراقص علي الصحون المزينة برسومات الصفصاف ، و علي الإبريق المماثل المليء بالعصير الطازج .. :
-الغدا جاهز يا هانم.
لم تحرك"عبير"ساكنا بل تجمدت بمكانها كالتماثل تصارع شعور الغثيان ، و قد تناثرت حبيبات العرق الباردة فوق جبهتها ، بينما عبست"آية"مستغربة ، فإنحنت صوبها ، و ربتت علي كتفها قائلة:
-عبير هانم .. الغدا جاهز.
عند ذلك ، رفعت"عبير"وجهها ، ثم حدقت فيها بفم شاحب و عينان ذابلتان ، و عندما حاولت النهوض ، إرتخت ساقاها فسقطت أرضا غائبة عن الوعي ...
**************************************************
بقصر الـ"نصار"تحت آشعة الشمس الحارقة ..
جلست"داليا"فوق أرجوحة مظللة بأوراق الشجر ، بينما آتت"ياسمين"إليها مهرولة ، ثم صاحت فرحة ، عندما وصلت إليها:
-داليا ! بصي .. شفتي المجنون بتاعي جابلي ايه ؟؟
إنتفضت"داليا"منتبهة ، ثم تطلعت إلي شقيقتها عابسة و سألتها:
-في ايه يا ياسمين ؟؟
قطبت"ياسمين"حاجبيها ، ثم قالت و هي تجلس إلي جانبها:
-كنت بقولك شفتي عمر جابلي ايه ؟؟
-جابلك ايه ؟؟
سألتها"داليا"بإبتسامة مائلة ، فمدت"ياسمين"يدها اليمني قائلة بخفوت ، و هي ترمق شقيقتها في تشكك:
-جابلي دبلة بلاستيك.
رفعت"داليا"حاجبيها في ذهول بالغ ، فيما ظهر"عمر"فجأة ، و قهقه قائلا:
-انا مش عايزك تتصدمي كده يا داليا اطمني ، انا لا يمكن طبعا اقدم لـياسمين اي حاجة و خلاص ، انا بس كنت بهزر معاها.
-هزارك تقيل علي فكرة.
قالتها"ياسمين"بإبتسامة باهتة ، فضحك"عمر"و سألها:
-انتوا مش بتشتروا راجل زي ما بيقولوا ؟ يعني انا لو كنت فقير ماكنتيش هترضي تتجوزيني ؟؟
مازحته"ياسمين"قائلة:
-لأ طبعا ماكنتش هرضي ، يا ابو دبلة بلاستيك.
-المهم حبي يا حبيبتي ، حقيقي و لا مش حقيقي ؟؟
-بصراحة مش متأكدة !!
هتفت"ياسمين"مراوغة ، فإبتسم"عمر"متمتما:
-ماشي يا ستي ، عموما لو كان الدهب هو اللي هيثبتلك حبي ماشي.
ثم أخرج من جيب سترته علبة صغيرة من المخمل الأسود و فتحها، ثم قدمها إلي"ياسمين"التي شهقت في سرور بالغ لدي رؤيتها قطعتي الذهب الصغيرتين ، بينما سألها"عمر"باسما:
-ايه رأيك بقي ؟؟
كانت العلبة الصغيرة تحوي دبلة ذهبية رفيعة الذوق ، و خاتم من الذهب الفضي مرصع بفصوص ماسية صغيرة .. :
-الحاجة حلوة اوي يا عمر.
هتفت"ياسمين"بفرح عارم ، ثم عادت تقول في لطف:
-بس مش غاليين شوية ؟؟
إختفت إبتسامة"عمر"سريعا ، ثم قال متبرما:
-انتي شايفاني واقف بشحت في اشارات المرور و لا ايه ؟؟
قهقهت"ياسمين"في خفة قائلة:
-لأ مش قصدي و الله ، خلاص ماتزعلش.
ثم أخذت العلبة بين يديها كي تريها لشقيقتها ، فأدارت رأسها تنظر في إتجاه الأرجوحة التي جلست"داليا"فوقها ، و ظلت تحدق في ذهول إلي المساحة الخالية .. :
-ايه ده ! هي مشيت امتي ؟؟
هتف"عمر"ذاهلا ، فتنهدت"ياسمين"بثقل قائلة:
-معقول احنا خطوبتنا بكرة !!
زفر"عمر"في ضيق ، بينما أضافت:
-وسط الكآبة دي ! ازاي ؟؟
ضغط"عمر"علي شفتيه ، ثم أمسك بكتفيها ، و قال في هدوء باسما:
-بكرة لما هنجمعهم كلهم سوا ، الامور كلها هتتصلح .. ماتقلقيش.
رمقته"ياسمين"بإبتسامة رقيقة متمنية بشدة أن يتحقق ما تكهن به توا ...
*****************************************************
كانت تجلس آرضا إلي جانبها ، تعينيها في حقد ، تتأملها في عداء سافر ، بشرتها البيضاء ، فمها المكتنز ، أنفها الدقيق ، أهدابها الكثة ..
قارنت بينها و بين غريمتها ، و كانت لا تريد الإعتراف بإنها تفوقها حسنا و جمالا ، بل ودت لو تجلب السكين الأن و تنتقم لمشاعرها كأنثي ، و لحبيبها الراحل الذي نكث بوعده لها و خدعها ، و لكنها لا زالت تحبه !
إنتفضت"آية"فجأة حين سمعت صوت إنصفاق باب المنزل عنيفا ، فهمت بالنهوض ، فيما سمعت خطوات مهرولة يتبعها ظهور"خالد"و هو يلهث قائلا في ذعر عندما رأي جسد"عبير"مطروحا فوق أرض المطبخ:
-ايه اللي حصل ؟؟
رمشت"آية"في إضطراب ، ثم أجابته متلعثمة:
-حضرتك انا كنت بحضر الغدا و الهانم كانت قاعدة قصادي هنا و فجأة لاقيتها وقعت علي الارض ، فكلمت حضرتك علطول.
جثي"خالد"علي ركبتيه إلي جانب"عبير"ثم رفع رأسها بيديه صائحا في غضب:
-و سايباها مرمية علي الارض كده من ساعة ما كلمتيني ! اومال هما باعتينك هنا ليه ؟ مش عشان تاخدي بالك منها ؟؟
إعتذرت"آية"في توتر:
-اسفة يا بيه ، انا و الله كنت قلقانة اوي علي الهانم و كنت متلخبطة ، فمعرفتش اعمل اي حاجة غير اني كلمتك.
تجاهلها"خالد"تماما في تلك اللحظة ، و راح يعتم بـ"عبير"فأمسك بوجهها بين كفيه مناديا:
-عبير .. عبير .. عبير.
و لكنه لم يلقي ردا ، فنهض و حملها بين ذراعيه ، ثم إتجه بها نحو الدرج و صعد إلي الغرفة ..
بينما إنتظرت"آية"حتي إختفيا عن ناظريها ، و أخرجت هاتفهها ، ثم أجرت إتصالا سريا ، إذ كانت تردد في خفوت حذر:
-ايوه .. خليكي علي اتصال معايا لحد بكرة .. يمكن بكرة ننفذ !!
كانت الأيام الخمس التالية من أتعس الأيام التي مرت علي"داليا"إذ أن"عز الدين"إزداد جفاء و غطرسة ، كما بقي باردا متنائيا و بعيدا ، كانت تراه فقط عند الإفطار ، و متأخرا في المساء عند رجوعه بوجه مكفهر و متحفظ ..
و في صباح اليوم الخامس ، إستجمعت شجاعتها لتواجهه ، فلا يمكن أن يستمرا علي هذا المنوال ، و إستعادت ما ستقوله ، و حرصت أن تنزل علي الإفطار قبله صباح الأربعاء ..
لكن كل ما نوته تبخر حين رأته يهبط متجها صوب باب المنزل بخطي واسعة صارمة ، فنسيت موقف عدم الحديث الذي إلتزمه ، و أسرعت إليه هاتفة:
-عز الدين !!
تجمد بمكانه لدي سماعه صوتها ، ثم إستدار إليها في برود و قد رسم علي وجهه معالم الوجوم و التساؤل ، فسألته هي بنبرة مختلجة:
-انت مش هتفطر قبل ما تخرج ؟؟
-لأ مستعجل.
أجابها في جفاف ، فتقلص فمها و هي تتابع سؤالها في خفوت:
-طيب ممكن نتكلم شوية ؟؟
أومأ رأسه إيجابا ، و قال:
-ممكن .. لما ارجع.
ثم سألها بدوره:
-عايزة حاجة تاني ؟؟
و بدا الصدع واسعا عميقا و باردا ، و لما لم ترد علي سؤاله ، إنسل في هدوء و خرج من المنزل بعد أن أغلق الباب من خلفة بقوة ..
بينما ماتت علي شفتيها الكلمات التي أوشكت أن تتمني بها نهارا سعيدا له ، فقد ذهب هو قبل أن تستطيع الإعتراض ، فطأطأت رأسها و قصدت غرفتها و هي تحس بالضيق يجثم عليها ، و بالرجفة تخلخل قلبها ..
كانت لو تقتنع بإن شبح"جومانة"ينتمي إلي الماضي ، و أن ذكراها لم تعد ماثلة في ذهنه ، لكن ذلك يحتاج إلي وقتا و حنانا لتشفي من شكوكها تماما ...
*************************************************
نهضت"عبير"من فراشها بصعوبة بعد أن غالبت شعور الغثيان الذي كثيرا ما ينتابها مؤخرا ، بينما راودها شك راحت تضرع إلي الله بإن يذهب سدي ، فهي لا تريد أي شيء قد يعزز علاقتها بـ"خالد" ..
كانت تترنح في مشيتها حتي هبطت إلي الطابق السفلي و قابلت"آية"وصيفتها الجديدة بقاعة المطبخ ، فيما رسمت الفتاة إبتسامة خفيفة علي ثغرها ، ثم ألقت علي سيدتها تحية الصباح بنبرة هادئة:
-صباح الخير يا هانم.
أجفلت"عبير"باسمة ، و بادلتها التحية ، ثم سألتها في تكاسل:
-ماتعرفيش جوزي مشي الساعة كام ؟؟
-الأستاذ خرج من البيت الساعة 8 الصبح حضرتك.
فركت"عبير"عينيها ، ثم رددت مقطبة:
-خرج 8 الصبح ! اومال الساعة كام دلوقتي ؟؟
نظرت"آية"بساعة يدها المتواضعة و أجابتها:
-الساعة دلوقتي 3 بالظبط.
-3 بالظبط ؟؟
سألتها شاهقة ، فأومأت الفتاة رأسها مؤكدة ، بينما أمسكت"عبير"برأسها و أغمضت عينيها بشدة قائلة:
-مش عارفة انا مالي اليومين دول !!
-مافيش حاجة ، حصل خير.
قالت"آية"في لطف ، ثم تابعت و هي تتجه نحو موقد الطعام:
-انا قربت اجهز الغدا ، ارتاحي انتي في اوضتك و انا هاجيبلك الاكل لحد عندك.
رفضت"عبير"في هدوء باسمة ، ثم قالت:
-لأ انا هقعد قصادك هنا.
منحتها الفتاة إبتسامة رقيقة ، ثم إندفعت تباشر عملها بالمطبخ ، بينما راحت"عبير"تسألها عدة أسئلة:
-و انتي بقي عندك كام سنة يا آية ؟؟
أجابتها"آية"و هي توليها ظهرها:
-24 سنة يا هانم.
-اهلك موجودين ؟؟
صمتت"آية"لثوان ، ثم قالت:
-انا مقطوعة من شجرة يا هانم ، ابويا مات و انا عندي 18 سنة ، كان عيان ، و امي حصلته بعد سنتين هي كمان.
ثم تنهدت بثقل ، و أضافت:
-الله يرحمهم بقي .. ماتوا و سابوني في الدنيا لوحدي.
-مالكيش حد خالص ؟ و لا حتي قرايب من بعيد ؟؟
سألتها"عبير"في تأثر بالغ ، فأجابتها في حزن:
-كان ليا خطيبي.
-راح فين طيب ؟؟
تلألأت الدموع بعينيها ، ثم صمتت للحظات و قالت:
-مات ، قصدي اتقتل.
-اتقتل ازاي ؟؟
أجابتها"آية"و هي تقطع شرائح اللحم بعنف عدائي:
-ولاد الحرام ضربوه بالنار.
-ليه ؟ هو عمل ايه ؟؟
إستدارت"آية"لتواجه"عبير"ثم هزت رأسها في وجوم قائلة:
-من فضلك يا هانم كفاية اسئلة ، انا بتعب اوي لما بفتكر الحكاية دي.
رمشت"عبير"في إضطراب قائلة:
-اسفة يا حبيبتي ماقصدش اضايقك و الله.
-حصل خير.
هتفت باسمة ، فبادلتها"عبير"البسمة عينها ، ثم صاحت فجأة:
-صحيح بكرة خطوبة عمر اخويا ، جهزي نفسك عشان هتروحي معايا القصر عشان تساعدي الناس اللي هناك.
-حاضر يا هانم.
-ماتقلقيش مش هاتتعبي خالص ، دول هيعملوا حفلة صغيرة للعيلة و بس.
أومأت"آية"رأسها باسمة ، ثم عادت تباشر عملها من جديد ، فيما إزدادت حالة"عبير"سوءاً ، إذ شعرت بيد خفية تعصر أحشائها ، كما عاودها شعور الغثيان مرة أخري حين تصاعدت رائحة اللحم المفقفق في المقلاة ..
جاهدت بصعوبة لكي تحافظ علي تماسكها ، بينما كانت قد إنتهت"آية"من تحضير الطعام ، و كانت آشعة الشمس تخترق زجاج نوافذ المطبخ و تتراقص علي الصحون المزينة برسومات الصفصاف ، و علي الإبريق المماثل المليء بالعصير الطازج .. :
-الغدا جاهز يا هانم.
لم تحرك"عبير"ساكنا بل تجمدت بمكانها كالتماثل تصارع شعور الغثيان ، و قد تناثرت حبيبات العرق الباردة فوق جبهتها ، بينما عبست"آية"مستغربة ، فإنحنت صوبها ، و ربتت علي كتفها قائلة:
-عبير هانم .. الغدا جاهز.
عند ذلك ، رفعت"عبير"وجهها ، ثم حدقت فيها بفم شاحب و عينان ذابلتان ، و عندما حاولت النهوض ، إرتخت ساقاها فسقطت أرضا غائبة عن الوعي ...
**************************************************
بقصر الـ"نصار"تحت آشعة الشمس الحارقة ..
جلست"داليا"فوق أرجوحة مظللة بأوراق الشجر ، بينما آتت"ياسمين"إليها مهرولة ، ثم صاحت فرحة ، عندما وصلت إليها:
-داليا ! بصي .. شفتي المجنون بتاعي جابلي ايه ؟؟
إنتفضت"داليا"منتبهة ، ثم تطلعت إلي شقيقتها عابسة و سألتها:
-في ايه يا ياسمين ؟؟
قطبت"ياسمين"حاجبيها ، ثم قالت و هي تجلس إلي جانبها:
-كنت بقولك شفتي عمر جابلي ايه ؟؟
-جابلك ايه ؟؟
سألتها"داليا"بإبتسامة مائلة ، فمدت"ياسمين"يدها اليمني قائلة بخفوت ، و هي ترمق شقيقتها في تشكك:
-جابلي دبلة بلاستيك.
رفعت"داليا"حاجبيها في ذهول بالغ ، فيما ظهر"عمر"فجأة ، و قهقه قائلا:
-انا مش عايزك تتصدمي كده يا داليا اطمني ، انا لا يمكن طبعا اقدم لـياسمين اي حاجة و خلاص ، انا بس كنت بهزر معاها.
-هزارك تقيل علي فكرة.
قالتها"ياسمين"بإبتسامة باهتة ، فضحك"عمر"و سألها:
-انتوا مش بتشتروا راجل زي ما بيقولوا ؟ يعني انا لو كنت فقير ماكنتيش هترضي تتجوزيني ؟؟
مازحته"ياسمين"قائلة:
-لأ طبعا ماكنتش هرضي ، يا ابو دبلة بلاستيك.
-المهم حبي يا حبيبتي ، حقيقي و لا مش حقيقي ؟؟
-بصراحة مش متأكدة !!
هتفت"ياسمين"مراوغة ، فإبتسم"عمر"متمتما:
-ماشي يا ستي ، عموما لو كان الدهب هو اللي هيثبتلك حبي ماشي.
ثم أخرج من جيب سترته علبة صغيرة من المخمل الأسود و فتحها، ثم قدمها إلي"ياسمين"التي شهقت في سرور بالغ لدي رؤيتها قطعتي الذهب الصغيرتين ، بينما سألها"عمر"باسما:
-ايه رأيك بقي ؟؟
كانت العلبة الصغيرة تحوي دبلة ذهبية رفيعة الذوق ، و خاتم من الذهب الفضي مرصع بفصوص ماسية صغيرة .. :
-الحاجة حلوة اوي يا عمر.
هتفت"ياسمين"بفرح عارم ، ثم عادت تقول في لطف:
-بس مش غاليين شوية ؟؟
إختفت إبتسامة"عمر"سريعا ، ثم قال متبرما:
-انتي شايفاني واقف بشحت في اشارات المرور و لا ايه ؟؟
قهقهت"ياسمين"في خفة قائلة:
-لأ مش قصدي و الله ، خلاص ماتزعلش.
ثم أخذت العلبة بين يديها كي تريها لشقيقتها ، فأدارت رأسها تنظر في إتجاه الأرجوحة التي جلست"داليا"فوقها ، و ظلت تحدق في ذهول إلي المساحة الخالية .. :
-ايه ده ! هي مشيت امتي ؟؟
هتف"عمر"ذاهلا ، فتنهدت"ياسمين"بثقل قائلة:
-معقول احنا خطوبتنا بكرة !!
زفر"عمر"في ضيق ، بينما أضافت:
-وسط الكآبة دي ! ازاي ؟؟
ضغط"عمر"علي شفتيه ، ثم أمسك بكتفيها ، و قال في هدوء باسما:
-بكرة لما هنجمعهم كلهم سوا ، الامور كلها هتتصلح .. ماتقلقيش.
رمقته"ياسمين"بإبتسامة رقيقة متمنية بشدة أن يتحقق ما تكهن به توا ...
*****************************************************
كانت تجلس آرضا إلي جانبها ، تعينيها في حقد ، تتأملها في عداء سافر ، بشرتها البيضاء ، فمها المكتنز ، أنفها الدقيق ، أهدابها الكثة ..
قارنت بينها و بين غريمتها ، و كانت لا تريد الإعتراف بإنها تفوقها حسنا و جمالا ، بل ودت لو تجلب السكين الأن و تنتقم لمشاعرها كأنثي ، و لحبيبها الراحل الذي نكث بوعده لها و خدعها ، و لكنها لا زالت تحبه !
إنتفضت"آية"فجأة حين سمعت صوت إنصفاق باب المنزل عنيفا ، فهمت بالنهوض ، فيما سمعت خطوات مهرولة يتبعها ظهور"خالد"و هو يلهث قائلا في ذعر عندما رأي جسد"عبير"مطروحا فوق أرض المطبخ:
-ايه اللي حصل ؟؟
رمشت"آية"في إضطراب ، ثم أجابته متلعثمة:
-حضرتك انا كنت بحضر الغدا و الهانم كانت قاعدة قصادي هنا و فجأة لاقيتها وقعت علي الارض ، فكلمت حضرتك علطول.
جثي"خالد"علي ركبتيه إلي جانب"عبير"ثم رفع رأسها بيديه صائحا في غضب:
-و سايباها مرمية علي الارض كده من ساعة ما كلمتيني ! اومال هما باعتينك هنا ليه ؟ مش عشان تاخدي بالك منها ؟؟
إعتذرت"آية"في توتر:
-اسفة يا بيه ، انا و الله كنت قلقانة اوي علي الهانم و كنت متلخبطة ، فمعرفتش اعمل اي حاجة غير اني كلمتك.
تجاهلها"خالد"تماما في تلك اللحظة ، و راح يعتم بـ"عبير"فأمسك بوجهها بين كفيه مناديا:
-عبير .. عبير .. عبير.
و لكنه لم يلقي ردا ، فنهض و حملها بين ذراعيه ، ثم إتجه بها نحو الدرج و صعد إلي الغرفة ..
بينما إنتظرت"آية"حتي إختفيا عن ناظريها ، و أخرجت هاتفهها ، ثم أجرت إتصالا سريا ، إذ كانت تردد في خفوت حذر:
-ايوه .. خليكي علي اتصال معايا لحد بكرة .. يمكن بكرة ننفذ !!
