رواية حتي اقتل بسمة تمردك ج2 الفصل السادس عشر 16 بقلم مريم غريب
الحلقة (16):
-عز الدين بيه ، لاقينا واحده مرميه برا قدام البوابة باين مغم عليها.
-لاقيتوا واحده مرمية قدام البوابة !!
ردد"عز الدين"عابسا ، ثم إستقام واقفا و هو يضغط بكفه علي ذراعه الذي أحاطته الضمادات البيضاء ، و الذي عُلق بعنقه أيضا ، ثم سأله:
-شكلها ايه دي ؟؟
أجابه الحارس:
-هي شكلها بنت في العشرينات كده ، لبسها بسيط جدا و ملامحها ريفية.
قطب"عز الدين"حاجبيه ، ثم صمت للحظات و قال له آمرا:
-طب هاتوهالي هنا.
تعجب الجميع مما يحدث ، فيما إنصاع الحارس لأمر سيده ، حيث هرول إلي الخارج لكي يحضر الفتاة ..
و بالفعل ، آتي بها بعد لحظات ، فأشار له"عز الدين"بأن يمدد جسدها الضئيل علي آريكة توسطت غرفة الجلوس ، بينما نهضت"عبير"و"ياسمين"عن الآريكة ليفسحا لها ، فمددها الحارس في هدوء ، ثم عاد بجسده إلي الخلف قائلا:
-تؤمرني بحاجة تانية يا بيه ؟؟
أصرفه"عز الدين"بحركة من يده ، ثم أمال رأسه يمينا و راح يمعن النظر بالفتاة ..
كان مظهرها بسيطا للغاية ، ملابسها رثة ، بالية ، و متخسة قليلا ..
بينما فجأة خرجت"ياسمين"عن صمتها ، إذ أقبلت علي الفتاة و حاولت أن تعالجها ، فإنضم الجميع عدا"عز الدين" إلي"ياسمين"و أحاطوا بالفتاة من كل الجهات في إهتمام بالغ ، و بعد أن قامت"ياسمين"بعدة محاولات لإسعافها ، إستعادت الفتاة وعيها تدريجيا ، ثم فتحت عينيها بصعوبة ، و كان يراقبها الجميع ، فيما بدأ جسدها يرتجف بأكمله ، كما بدأت تتحرك شيئا فشيء حتي إستطاعت أن ترفع يدها إلي رأسها و تمسك بها متآلمة ، و كان صوتها أشحب لا تخرج الحروف منه بسهولة و هي تردد في هلع:
-انا .. انا فين ؟؟
ثم حاولت الجلوس ، فساعدتها"ياسمين"علي ذلك قائلة في لطف:
-اهدي يا حبيبتي .. ماتخافيش انتي بخير.
ثم ناولتها كأسا من الماء ، أخذته الفتاة فورا و إرتشفت منه في لهفة ، ثم تطلعت إلي الأخرين بعينين خائفتين ، بينما سألها"عز الدين"بلهجة جامدة:
-انتي مين ؟ و ايه اللي جابك لوحدك في حتة مقطوعة زي دي ؟؟
رمقته الفتاة بنظرة خائفة ، ثم مضت بالقول و قد تلعثمت الكلمات علي شفتيها:
-انا .. انا كنت جيت من يومين من مكتب الخدمات المنزلية عشان استلم شغلي في بيت بعيد عن هنا شوية و ...
بترت عبارتها فجأة ، فحدجها الجميع في تساؤل ، فقضمت شفتيها في حياء مستطردة:
-بصراحة البيت اللي كنت هاخدم فيه طلع صحابه ناس شمال لامؤاخذة ، ماعندهمش ضمير ، يدوب بت عندهم ليلتين و ابنهم ماكنش سايبني في حالي فخفت علي نفسي و سيبت الشغلانة عندهم و مشيت.
ثم أضافت بصوت حزين:
-فضلت واخدا السكة طول النهار كعابي علي رجليا لما هلكت ، و فجأة وقعت من طولي و ماحسيتش بنفسي الا دلوقتي.
ثم نظرت في الوجوه المتطلعة إليها في إهتمام و أسف ، ثم قالت:
-عموما كتر خيركوا علي اللي عملتوه معايا ، استأذن بقي.
و كادت تنهض من مكانها ، فأستوقفتها"داليا"صائحة:
-استني.
إنصبت جميع النظرات في تلك اللحظة علي"داليا"التي تابعت في ثبات:
-انتي هتفضلي هنا مش هتمشي.
-ايوه يا هانم بس ...
-بس ايه انتي مش كنتي هتشتغلي في البيت اللي سبتيه ؟؟
سألتها"داليا"متبرمة ، فأجابتها:
-ايوه.
-خلاص اعتبري نفسك لاقيتي شغل في مكان احسن.
************************************************************************
أرخي الليل سدوله علي قصر الـ"نصار"و بينما كان "عمر"يجوب أرجاء المنزل بأكمله بحثا عن"ياسمين"لمحها أخيرا ، ثم إبتسم و إتجه إليها حيث كانت تقف بالشرفة المطلة علي حديقة القصر المليئة بالأزهار التي راحت تتمايل مع نسيم الهواء الليلي المنعش .. :
-حبيبتي انتي هنا ؟ سايباني بدور عليكي كل ده !!
قال"عمر"ذلك و هو يقف خلف"ياسمين"مباشرة ، بينما إنتفضت"ياسمين"لدي سماعها صوته ، و في الحال أخفت خلف ظهرها هاتفهها الذي كانت تتحدث عبره قبل مجيء"عمر" ..
فحدجها"عمر"بنظرات نارية و قد إختفت بسمته سريعا ، فيما إبتسمت"ياسمين"في خفة قائلة دون أدني إضطراب:
-ايه يا عمر عايز حاجة ؟؟
-انتي كنتي بتكلمي مين ؟؟
سألها بحدة ، فرفعت حاجبيها ذاهلة و أجابته:
-مش من حقك تقتحم خصوصيتي يا عمر.
صر علي أسنانه في غضب ، ثم فجأة فقد السيطرة علي أعصابه ، فتحرك بسرعة البرق و إنتزع الهاتف من بين يدها بالقوة ، و أخذ يفتش بأخر رقم بقائمة الأسماء وسط ثورتها الجامحة و إحتجاجها العنيف ..
بينما إتسعت حدقتيه عندما وقع بصره علي إسم أخر رقم بقائمة الصادرات ، فرفع وجهه و تطلع إليها ذاهلا ، ثم سألها:
-دكتور ايمن ! ايه اللي خلاكي ترجعي تكلمي دكتور زفت ده تاني ؟؟
جادلته"ياسمين"غاضبة:
-اولا ده زميلي في الشغل و الكلام بينا عادي جدا ، ثانيا انا حره يا عمر اعمل اللي انا عايزاه طالما مابغلطش ، ثالثا انت مش من حقك تتحكم فيا و تقولي كلمي ده و ماتكلميش ده انا حره سامعني ؟ و مابحبش حد يملي عليا ارادته ايا كان .. و هات موبايلي من فضلك.
و أثناء محاولاتها الفاشلة لإسترداد هاتفهها منه ، أمسك معصميها بيديه بعد أن ألقي بالهاتف أرضا في عصبية دون إهتمام ، ثم قربها إليه مزمجرا:
-انتي ايه اللي جرالك ؟ من امتي بتتعاملي معايا بالاسلوب ده ؟؟
حاولت الفكاك من قبضتيه في عصبية بالغة و هي تصيح غاضبة:
-انت مش بتملكني يا عمر عشان تستني مني خضوع كامل.
-لأ بملكك.
هتف عاليا ، ثم تابع بنبرة أقل حدة:
-انتي ملكي يا ياسمين.
-لأ مش صحيح ، بأي حق ؟؟
-بحق حبي ليكي.
هتف بغضب حارق ، ثم تابع بخشونة:
-انا بحبك ، و انتي كمان قولتي انك بتحبيني .. ايه اللي حصل دلوقتي بقي ؟ ايه اللي اتغير فهميني ؟!
أغمضت"ياسمين"عينيها بشدة ، ثم زفرت في ضيق قائلة:
-طيب سيبني دلوقتي يا عمر لو سمحت.
-مش هاسيبك.
صاح في عنف ، ثم أضاف:
-مش هاسيبك الا اما افهم في ايه !!
**********************************************************************
-و انتي اسمك ايه بقي ؟؟
قالتها"داليا"متسائلة و هي تقف إلي جانب الفتاة التي إنضمت إلي العمل بالقصر في الصباح ..
فيما إبتسمت الفتاة في رقة ، و أجابتها:
-انا اسمي آية يا هانم.
بادلتها"داليا"البسمة عينها ، ثم قالت:
-عاشت الاسامي يا آية ، بس منغير هانم انا مش هانم تقدري تقوليلي مدام داليا بس .. اتفقنا ؟؟
أومأت الفتاة رأسها قائلة:
-اتفقنا يا .. يا مدام داليا.
-ايوه كده.
قالت"داليا"باسمة ، ثم تنهدت قائلة:
-هاسيبك انا بقي مع فاطمة تتعرفوا علي بعض و تشوفوا شغلكوا.
ثم غادرت المطبخ و إتجهت نحو الدرج قاصدة غرفتها ..
و لكنها سمعت صوت نزاع حاد آت من داخل الشرفة الرئيسية للمنزل ، فتوقفت عن السير ، ثم إستدارت عابسة و تتبعت أمواج الصوت حتي وصلت إلي الشرفة و شاهدت ما أذهلها ، كما سمعت ما صدمها أيضا:
- انتي فاكراني ممكن اسيبك تمشي بالسهولة دي ؟ لأ يا ياسمين مش قبل ما اعرف ايه اللي غيرك فجأة من ناحيتي !!
لم تصدق"داليا"أن تلك التي بين يدي"عمر"الأن هي شقيقتها ، لم تصدق أن تلك التي يصب عليها جام غضبه الأن هي"ياسمين" !!
دارت بعقلها عدة تساؤلات ، و لكنها إندفعت نحوهما فجأة صائحة بلهجة حادة:
-ايه اللي بيحصل هنا ده ؟؟
إنتفضا معا علي آثر صوت"داليا"بينما عادت"داليا"تطالبهما بتقديم توضيح لذلك الوضع الذي وجدتهما عليه ، فصمتا ، إذ لم يجدا مبررا واحدا يقدماه إليها ..
فيما تصاعدت الدماء إلي وجه"داليا"فمدت يدها و قبضت علي رسغ شقيقتها ، ثم جذبتها خلفها حتي وصلت بها إلي غرفتها ، فأغلقت الباب وراءهما و عادت تنظر إليها غير مصدقة ، ثم سألتها:
-ايه يا ياسمين اللي انا شفته تحت ده ؟؟
قضمت"ياسمين"شفتها في خجل ، بينما صاحت"داليا":
-ما تنطقي ! انتي في ايه بينك و بين عمر ؟؟
أجابتها"ياسمين"في هدوء:
-اهدي يا داليا من فضلك ، انتي اختي و اكتر واحده عارفاني .. صدقيني مافيش اي حاجة وحشة بيني و بين عمر.
-اومال ايه اللي بينكوا بالظبط فهميني ؟؟
سألتها"داليا"مترقبة ، فأجابت مترددة:
-هو .. بيحبني.
صمتت"داليا"لثوان تتأمل جملتها ، ثم سألتها:
-و انتي ؟؟
تطلعت إليها"ياسمين"في إضطراب قائلة:
-انا ايه !!
-انتي كمان بتحبيه ؟؟
توردت وجنتا"ياسمين"و عجزت عن الرد علي سؤال شقيقتها ، فأومأت"داليا"رأسها مهمهمة ، ثم قالت:
-يبقي بتحبيه.
ثم تابعت سؤالها:
-طيب كنتوا بتتخانقوا تحت ليه ؟؟
تطلعت إليها"ياسمين"عند ذلك و أجابتها:
-اصلي كنت بكلم دكتور ايمن ، فهو سمعني عشان كده اتخانق معايا.
-ممم .. بيغير يعني ، طب و انتي كنتي بتكلمي دكتور ايمن ده ليه ؟؟
-هو طالع بعثه لالمانيا و طبيعي مكانه في المستشفي هيبقي فاضي ، و انا بصراحة عايزة امسك مكانه ، عشان كده بكلمه بقالي كام يوم و برتب معاه.
أومأ"داليا"رأسها متفهمة ، ثم صمتت للحظات و عادت تحدثها بجدية صارمة:
-عموما من دلوقتي انا مش عايزاكي تحتكي بـعمر نهائي ، سامعة ؟؟
-سامعة يا داليا .. يعني عايزاني ماكلموش خالص ؟؟
-مايبقاش بينكوا اكتر من السلام يا ياسمين.
قالت"داليا"منبهة ، و أضافت و هي تحدق أمامها في اللاشيء:
-لحد ما اشوف هو هيتصرف ازاي !!
*******************************************************************
في الصباح التالي ..
بدأ الروتين اليومي بقصر الـ"نصار"و بينما كانت"داليا"تطعم"عدنان"فطوره بقاعة المطبخ الفسيح ، آتت"فاطمة"إليها مهرولة ، ثم قالت متبرمة بصوت خفيض:
-معلش يا ست داليا عايزاكي في كلمتين.
-خير يا فاطمة عايزه ايه ؟؟
سألتها"داليا"و هي تتابع إهتمامها بإطعام إبنها ، فأجابتها:
-بصراحة كده حضرتك ، البت اللي جتلنا امبارح دي هتشلني.
قهقهت"داليا"في خفة قائلة:
-مالها بس عملتلك ايه ؟؟
-معفرتالي الدنيا من ساعة ما جت ، يعني مثلا اكون حاطة حاجة هنا الافيها فجأة في حتة تانية خالص ، و افهمها احذرها بردو مافيش فايدة و لا كأني بقولها حاجة.
-يااه ، كل ده حصل من امبارح بس ؟؟
قالتها"داليا"و هي ترفع"عدنان"عن الطاولة التي توسطت قاعة المطبخ بين ذراعيها ، ثم أتجهت إلي الخارج فتبعتها"فاطمة"قائلة في تذمر:
-بصي حضرتك ، انا و الله ما عايزة اقطع عيشها ، بس انا شايفة اني مش هرتاح معاها خالص .. عشان كده ممكن انا اللي امشي مش مشكلة.
توقفت"داليا"عن السير فجأة ، ثم قالت مستنكرة:
-تمشي ؟ لأ طبعا تمشي ازاي !!
ثم صمتت قليلا لتفكر ، حتي توصلت لحل ، فعادت تقول:
-خلاص انا هبعتها لعبير اهو تساعدها و تونسها كمان بدل ما بتقعد طول النهار لوحدها.
ثم أضافت متسائلة:
-مبسوطة يا ست فاطمة ؟؟
أشرق وجه"فاطمة"بإبتسامة عريضة ، ثم قالت:
-ربنا يخليكي لينا يا ست داليا.
ضحكت"داليا"بخفة ، بينما كانت تقف تلك الفتاة متوارية بزاوية بعيدة عن الأنظار ، و بسمة الإنتصار تملأ وجهها ، ثم بدأت تحيك الأفكار الإنتقامية المدمرة التي خططت لها بدقة بالغة ... !!
-عز الدين بيه ، لاقينا واحده مرميه برا قدام البوابة باين مغم عليها.
-لاقيتوا واحده مرمية قدام البوابة !!
ردد"عز الدين"عابسا ، ثم إستقام واقفا و هو يضغط بكفه علي ذراعه الذي أحاطته الضمادات البيضاء ، و الذي عُلق بعنقه أيضا ، ثم سأله:
-شكلها ايه دي ؟؟
أجابه الحارس:
-هي شكلها بنت في العشرينات كده ، لبسها بسيط جدا و ملامحها ريفية.
قطب"عز الدين"حاجبيه ، ثم صمت للحظات و قال له آمرا:
-طب هاتوهالي هنا.
تعجب الجميع مما يحدث ، فيما إنصاع الحارس لأمر سيده ، حيث هرول إلي الخارج لكي يحضر الفتاة ..
و بالفعل ، آتي بها بعد لحظات ، فأشار له"عز الدين"بأن يمدد جسدها الضئيل علي آريكة توسطت غرفة الجلوس ، بينما نهضت"عبير"و"ياسمين"عن الآريكة ليفسحا لها ، فمددها الحارس في هدوء ، ثم عاد بجسده إلي الخلف قائلا:
-تؤمرني بحاجة تانية يا بيه ؟؟
أصرفه"عز الدين"بحركة من يده ، ثم أمال رأسه يمينا و راح يمعن النظر بالفتاة ..
كان مظهرها بسيطا للغاية ، ملابسها رثة ، بالية ، و متخسة قليلا ..
بينما فجأة خرجت"ياسمين"عن صمتها ، إذ أقبلت علي الفتاة و حاولت أن تعالجها ، فإنضم الجميع عدا"عز الدين" إلي"ياسمين"و أحاطوا بالفتاة من كل الجهات في إهتمام بالغ ، و بعد أن قامت"ياسمين"بعدة محاولات لإسعافها ، إستعادت الفتاة وعيها تدريجيا ، ثم فتحت عينيها بصعوبة ، و كان يراقبها الجميع ، فيما بدأ جسدها يرتجف بأكمله ، كما بدأت تتحرك شيئا فشيء حتي إستطاعت أن ترفع يدها إلي رأسها و تمسك بها متآلمة ، و كان صوتها أشحب لا تخرج الحروف منه بسهولة و هي تردد في هلع:
-انا .. انا فين ؟؟
ثم حاولت الجلوس ، فساعدتها"ياسمين"علي ذلك قائلة في لطف:
-اهدي يا حبيبتي .. ماتخافيش انتي بخير.
ثم ناولتها كأسا من الماء ، أخذته الفتاة فورا و إرتشفت منه في لهفة ، ثم تطلعت إلي الأخرين بعينين خائفتين ، بينما سألها"عز الدين"بلهجة جامدة:
-انتي مين ؟ و ايه اللي جابك لوحدك في حتة مقطوعة زي دي ؟؟
رمقته الفتاة بنظرة خائفة ، ثم مضت بالقول و قد تلعثمت الكلمات علي شفتيها:
-انا .. انا كنت جيت من يومين من مكتب الخدمات المنزلية عشان استلم شغلي في بيت بعيد عن هنا شوية و ...
بترت عبارتها فجأة ، فحدجها الجميع في تساؤل ، فقضمت شفتيها في حياء مستطردة:
-بصراحة البيت اللي كنت هاخدم فيه طلع صحابه ناس شمال لامؤاخذة ، ماعندهمش ضمير ، يدوب بت عندهم ليلتين و ابنهم ماكنش سايبني في حالي فخفت علي نفسي و سيبت الشغلانة عندهم و مشيت.
ثم أضافت بصوت حزين:
-فضلت واخدا السكة طول النهار كعابي علي رجليا لما هلكت ، و فجأة وقعت من طولي و ماحسيتش بنفسي الا دلوقتي.
ثم نظرت في الوجوه المتطلعة إليها في إهتمام و أسف ، ثم قالت:
-عموما كتر خيركوا علي اللي عملتوه معايا ، استأذن بقي.
و كادت تنهض من مكانها ، فأستوقفتها"داليا"صائحة:
-استني.
إنصبت جميع النظرات في تلك اللحظة علي"داليا"التي تابعت في ثبات:
-انتي هتفضلي هنا مش هتمشي.
-ايوه يا هانم بس ...
-بس ايه انتي مش كنتي هتشتغلي في البيت اللي سبتيه ؟؟
سألتها"داليا"متبرمة ، فأجابتها:
-ايوه.
-خلاص اعتبري نفسك لاقيتي شغل في مكان احسن.
************************************************************************
أرخي الليل سدوله علي قصر الـ"نصار"و بينما كان "عمر"يجوب أرجاء المنزل بأكمله بحثا عن"ياسمين"لمحها أخيرا ، ثم إبتسم و إتجه إليها حيث كانت تقف بالشرفة المطلة علي حديقة القصر المليئة بالأزهار التي راحت تتمايل مع نسيم الهواء الليلي المنعش .. :
-حبيبتي انتي هنا ؟ سايباني بدور عليكي كل ده !!
قال"عمر"ذلك و هو يقف خلف"ياسمين"مباشرة ، بينما إنتفضت"ياسمين"لدي سماعها صوته ، و في الحال أخفت خلف ظهرها هاتفهها الذي كانت تتحدث عبره قبل مجيء"عمر" ..
فحدجها"عمر"بنظرات نارية و قد إختفت بسمته سريعا ، فيما إبتسمت"ياسمين"في خفة قائلة دون أدني إضطراب:
-ايه يا عمر عايز حاجة ؟؟
-انتي كنتي بتكلمي مين ؟؟
سألها بحدة ، فرفعت حاجبيها ذاهلة و أجابته:
-مش من حقك تقتحم خصوصيتي يا عمر.
صر علي أسنانه في غضب ، ثم فجأة فقد السيطرة علي أعصابه ، فتحرك بسرعة البرق و إنتزع الهاتف من بين يدها بالقوة ، و أخذ يفتش بأخر رقم بقائمة الأسماء وسط ثورتها الجامحة و إحتجاجها العنيف ..
بينما إتسعت حدقتيه عندما وقع بصره علي إسم أخر رقم بقائمة الصادرات ، فرفع وجهه و تطلع إليها ذاهلا ، ثم سألها:
-دكتور ايمن ! ايه اللي خلاكي ترجعي تكلمي دكتور زفت ده تاني ؟؟
جادلته"ياسمين"غاضبة:
-اولا ده زميلي في الشغل و الكلام بينا عادي جدا ، ثانيا انا حره يا عمر اعمل اللي انا عايزاه طالما مابغلطش ، ثالثا انت مش من حقك تتحكم فيا و تقولي كلمي ده و ماتكلميش ده انا حره سامعني ؟ و مابحبش حد يملي عليا ارادته ايا كان .. و هات موبايلي من فضلك.
و أثناء محاولاتها الفاشلة لإسترداد هاتفهها منه ، أمسك معصميها بيديه بعد أن ألقي بالهاتف أرضا في عصبية دون إهتمام ، ثم قربها إليه مزمجرا:
-انتي ايه اللي جرالك ؟ من امتي بتتعاملي معايا بالاسلوب ده ؟؟
حاولت الفكاك من قبضتيه في عصبية بالغة و هي تصيح غاضبة:
-انت مش بتملكني يا عمر عشان تستني مني خضوع كامل.
-لأ بملكك.
هتف عاليا ، ثم تابع بنبرة أقل حدة:
-انتي ملكي يا ياسمين.
-لأ مش صحيح ، بأي حق ؟؟
-بحق حبي ليكي.
هتف بغضب حارق ، ثم تابع بخشونة:
-انا بحبك ، و انتي كمان قولتي انك بتحبيني .. ايه اللي حصل دلوقتي بقي ؟ ايه اللي اتغير فهميني ؟!
أغمضت"ياسمين"عينيها بشدة ، ثم زفرت في ضيق قائلة:
-طيب سيبني دلوقتي يا عمر لو سمحت.
-مش هاسيبك.
صاح في عنف ، ثم أضاف:
-مش هاسيبك الا اما افهم في ايه !!
**********************************************************************
-و انتي اسمك ايه بقي ؟؟
قالتها"داليا"متسائلة و هي تقف إلي جانب الفتاة التي إنضمت إلي العمل بالقصر في الصباح ..
فيما إبتسمت الفتاة في رقة ، و أجابتها:
-انا اسمي آية يا هانم.
بادلتها"داليا"البسمة عينها ، ثم قالت:
-عاشت الاسامي يا آية ، بس منغير هانم انا مش هانم تقدري تقوليلي مدام داليا بس .. اتفقنا ؟؟
أومأت الفتاة رأسها قائلة:
-اتفقنا يا .. يا مدام داليا.
-ايوه كده.
قالت"داليا"باسمة ، ثم تنهدت قائلة:
-هاسيبك انا بقي مع فاطمة تتعرفوا علي بعض و تشوفوا شغلكوا.
ثم غادرت المطبخ و إتجهت نحو الدرج قاصدة غرفتها ..
و لكنها سمعت صوت نزاع حاد آت من داخل الشرفة الرئيسية للمنزل ، فتوقفت عن السير ، ثم إستدارت عابسة و تتبعت أمواج الصوت حتي وصلت إلي الشرفة و شاهدت ما أذهلها ، كما سمعت ما صدمها أيضا:
- انتي فاكراني ممكن اسيبك تمشي بالسهولة دي ؟ لأ يا ياسمين مش قبل ما اعرف ايه اللي غيرك فجأة من ناحيتي !!
لم تصدق"داليا"أن تلك التي بين يدي"عمر"الأن هي شقيقتها ، لم تصدق أن تلك التي يصب عليها جام غضبه الأن هي"ياسمين" !!
دارت بعقلها عدة تساؤلات ، و لكنها إندفعت نحوهما فجأة صائحة بلهجة حادة:
-ايه اللي بيحصل هنا ده ؟؟
إنتفضا معا علي آثر صوت"داليا"بينما عادت"داليا"تطالبهما بتقديم توضيح لذلك الوضع الذي وجدتهما عليه ، فصمتا ، إذ لم يجدا مبررا واحدا يقدماه إليها ..
فيما تصاعدت الدماء إلي وجه"داليا"فمدت يدها و قبضت علي رسغ شقيقتها ، ثم جذبتها خلفها حتي وصلت بها إلي غرفتها ، فأغلقت الباب وراءهما و عادت تنظر إليها غير مصدقة ، ثم سألتها:
-ايه يا ياسمين اللي انا شفته تحت ده ؟؟
قضمت"ياسمين"شفتها في خجل ، بينما صاحت"داليا":
-ما تنطقي ! انتي في ايه بينك و بين عمر ؟؟
أجابتها"ياسمين"في هدوء:
-اهدي يا داليا من فضلك ، انتي اختي و اكتر واحده عارفاني .. صدقيني مافيش اي حاجة وحشة بيني و بين عمر.
-اومال ايه اللي بينكوا بالظبط فهميني ؟؟
سألتها"داليا"مترقبة ، فأجابت مترددة:
-هو .. بيحبني.
صمتت"داليا"لثوان تتأمل جملتها ، ثم سألتها:
-و انتي ؟؟
تطلعت إليها"ياسمين"في إضطراب قائلة:
-انا ايه !!
-انتي كمان بتحبيه ؟؟
توردت وجنتا"ياسمين"و عجزت عن الرد علي سؤال شقيقتها ، فأومأت"داليا"رأسها مهمهمة ، ثم قالت:
-يبقي بتحبيه.
ثم تابعت سؤالها:
-طيب كنتوا بتتخانقوا تحت ليه ؟؟
تطلعت إليها"ياسمين"عند ذلك و أجابتها:
-اصلي كنت بكلم دكتور ايمن ، فهو سمعني عشان كده اتخانق معايا.
-ممم .. بيغير يعني ، طب و انتي كنتي بتكلمي دكتور ايمن ده ليه ؟؟
-هو طالع بعثه لالمانيا و طبيعي مكانه في المستشفي هيبقي فاضي ، و انا بصراحة عايزة امسك مكانه ، عشان كده بكلمه بقالي كام يوم و برتب معاه.
أومأ"داليا"رأسها متفهمة ، ثم صمتت للحظات و عادت تحدثها بجدية صارمة:
-عموما من دلوقتي انا مش عايزاكي تحتكي بـعمر نهائي ، سامعة ؟؟
-سامعة يا داليا .. يعني عايزاني ماكلموش خالص ؟؟
-مايبقاش بينكوا اكتر من السلام يا ياسمين.
قالت"داليا"منبهة ، و أضافت و هي تحدق أمامها في اللاشيء:
-لحد ما اشوف هو هيتصرف ازاي !!
*******************************************************************
في الصباح التالي ..
بدأ الروتين اليومي بقصر الـ"نصار"و بينما كانت"داليا"تطعم"عدنان"فطوره بقاعة المطبخ الفسيح ، آتت"فاطمة"إليها مهرولة ، ثم قالت متبرمة بصوت خفيض:
-معلش يا ست داليا عايزاكي في كلمتين.
-خير يا فاطمة عايزه ايه ؟؟
سألتها"داليا"و هي تتابع إهتمامها بإطعام إبنها ، فأجابتها:
-بصراحة كده حضرتك ، البت اللي جتلنا امبارح دي هتشلني.
قهقهت"داليا"في خفة قائلة:
-مالها بس عملتلك ايه ؟؟
-معفرتالي الدنيا من ساعة ما جت ، يعني مثلا اكون حاطة حاجة هنا الافيها فجأة في حتة تانية خالص ، و افهمها احذرها بردو مافيش فايدة و لا كأني بقولها حاجة.
-يااه ، كل ده حصل من امبارح بس ؟؟
قالتها"داليا"و هي ترفع"عدنان"عن الطاولة التي توسطت قاعة المطبخ بين ذراعيها ، ثم أتجهت إلي الخارج فتبعتها"فاطمة"قائلة في تذمر:
-بصي حضرتك ، انا و الله ما عايزة اقطع عيشها ، بس انا شايفة اني مش هرتاح معاها خالص .. عشان كده ممكن انا اللي امشي مش مشكلة.
توقفت"داليا"عن السير فجأة ، ثم قالت مستنكرة:
-تمشي ؟ لأ طبعا تمشي ازاي !!
ثم صمتت قليلا لتفكر ، حتي توصلت لحل ، فعادت تقول:
-خلاص انا هبعتها لعبير اهو تساعدها و تونسها كمان بدل ما بتقعد طول النهار لوحدها.
ثم أضافت متسائلة:
-مبسوطة يا ست فاطمة ؟؟
أشرق وجه"فاطمة"بإبتسامة عريضة ، ثم قالت:
-ربنا يخليكي لينا يا ست داليا.
ضحكت"داليا"بخفة ، بينما كانت تقف تلك الفتاة متوارية بزاوية بعيدة عن الأنظار ، و بسمة الإنتصار تملأ وجهها ، ثم بدأت تحيك الأفكار الإنتقامية المدمرة التي خططت لها بدقة بالغة ... !!