📁 آخر الروايات

رواية حتي اقتل بسمة تمردك ج2 الفصل الرابع عشر 14 بقلم مريم غريب

رواية حتي اقتل بسمة تمردك ج2 الفصل الرابع عشر 14 بقلم مريم غريب


الحلقة (14):

أرخي الليل سدوله علي قصر الـ"نصار"و ما زال"عز الدين"داخل غرفة مكتبه لم يخرج منها منذ وصوله ، بينما لم تتحمل"داليا"أكثر ، و قررت وضع حد إلي تلك المعاناة ، ستذهب إليه ليتحدثا و ليكن ما يكون ، و لكن قبل هذا إتجهت إلي المطبخ ، و ملأت إبريقا من عصير البرتقال و ماء الصودا و وضعته علي طبق تقديم مع كأس ، ثم أسرعت إلي المكتب ..
أخذت نفسا عميقا و طرقت الباب مرتين ، ثم أدارت المقبض و دلفت
تجولت ببصرها بإرجاء غرفة المكتب ، فوجدته مستلقيا بعد أن خلع سترته ، و فك أزار قميصه علي آريكة جلدية سوداء اللون توسطت الغرفة ، فيما كانت أشياؤه ملقاة كيفما إتفق علي المقاعد و علي الأرض ، فعادت تحدق به ذاهلة !
ثم خطت تجاهه في بطء حتي وصلت إليه ، كان مستغرقا في النوم ، كما كانت ملامحه تنطق بالتعب و الأرق ، فمدت يدها إلي جبهته ، فوجدته ساخنا للغاية ، فذعرت "داليا"و هتفت بإسمه عدة مرات حتي إستجاب لندائها و فتح عينيه في بطء ..
إحتل العبس قسمات وجهه الشاحب لدي رؤيته إياها ، فرفع يده و دفعها بعيدا عنه ، ثم نهض واقفا علي قدميه ، بينما رمقته"داليا"في عتاب ، و لكنها عادت تهتم لأمره مجددا عندما رأته يترنح يمنة و يسرة في وقفته ، حيث بدا أنه مرهق إلي أقصي حد ، و يكاد يسقط إعياءٌ ، فهرعت نحوه في قلق قائلة:
-مالك يا عز الدين ؟ انت كويس ؟ حاسس بإيه ؟؟
أدار وجهه إليها ، فإشتبك نظرها بنظره الحاد ، ثم قال بلهجة متجهمة:
-انتي ازاي تدخلي عليا المكتب منغير اذني ؟ و بعدين انتي مالك و مالي اصلا ؟ مالكيش دعوة بيا نهائي.
تجاهلت"داليا"غضبه الواهن ، و إندفعت نحوه عندما رأته يترنح مجددا ، ثم قالت تستجديه التفاهم:
-طيب اهدا عشان خاطري ، انت شكلك تعبان خليني اشوف مالك.
-انتي مابتفهميش ؟ بقولك مش عايز اشوفك قدامي اطلعي برا.
كانت قلقة عليه كثيرا ، كما كانت مضطربة أيضا لدرجة أنها لم تلاحظ النار في عينيه ، بل أمسكت بذراعه ، ثم مدت يدها و تحسست وجهه قائلة:
-حرارتك عالية يا عز الدين ، ارجوك خليني جنبك ، كده حالتك هتسوء اكتر.
تأفف"عز الدين"حانقا ، ثم أمسك بمعصمها قائلا:
-اخرجي من هنا دلوقتي احسنلك.
-ماقدرش اسيبك و انت في الحالة دي.
صرخت به في آلم ،بينما رأي الدموع تتلألأ بعينيها ، فلانت نبرته قليلا ، حيث قال بصوت جاف:
-ماتقلقيش ، هاعيش مش هموت ، سيبيني انتي بس و اطلعي برا.
قضمت شفتها بقوة ، و لم تعرف ماذا تفعل ! .. هل تنصاع لأوامره ؟ أم تبقي إلي جانبه ترعاه و لو رغما عنه ؟؟
تلفت حولها في يأس ، ثم وقع بصرها علي كأس العصير الذي أعدته خصيصا من أجله ، فأسرعت نحوه و أحضرته إليه قائلة:
-طيب خد اشرب ده ، و انا هاروح اشوفلك مضاد حيوي او اي حاجة مخفضة للحرارة.
و لم تنتظر رده ، بل وضعت الكأس بيده ، ثم إندفعت راكضة إلي الخارج لتحضر له دواء ، بينما تنفس بعمق ، ثم إتجه إلي آريكته ، و ألقي بثقله فوقها ، فأتت"داليا"في تتلك اللحظة مهرولة ، ثم فتحت زجاجة صغيرة و أخرجت منها قصرين دواء صغيرين ، و مدت يدها إلي"عز الدين"فسألها عابسا:
-ايه ده ؟؟
-ده مضاد حيوي.
أجابته بأنفاس متهدجة ، بينما أخذ منها الدواء في تكاسل ، ثم تناول القرصين و شرب قدح العصير كله دفعه واحدة .. :
-خلاص ارتحتي ؟ اطلعي برا بقي و مش عايز اشوفك هنا تاني ، سامعة ؟؟
أطرقت"داليا"رأسها في آسي ، ثم إستدارت و خرجت من غرفة المكتب بعد أن أغلقت الباب من خلفها ، بينما زفر"عز الدين"في ضيق ، ثم عاوده السعال بقوة مجددا ...

**************************************************************************************

في صباح اليوم التالي ..
إستيقظ"عز الدين"بعد أن قضي الليل علي آريكة مكتبه ، ثم أخذ حماما و حلق لحيته التي نمت كثرا ، لكنه رفض تناول الطعام طوال اليوم ، كما أنه كان يعاني صداعا رهيبا ، و ظل هكذا لمدة يومان ، حيث بدا أحسن حالا ، و أكل قليلا في الأفطار حيث إنعزل بنفسه عن بقية أفراد الأسرة ..
و في المساء بدت عليه علامات تؤكد رجوعه لحالته الطبيعية مما أراح"داليا"التي كانت تتحين الفرص لكي تلقي نظرة فاحصة عليه ، بينما عاد أخيرا إلي عمله و بدا أنه شفي تماما ..
فيما كان قلق"داليا"علي مرض"عز الدين"قد أنساها الكثير من الأمور ، لكنها الأن تذكرت كل شيء بتعقيداته ، لأنها أرادت من قبل لمائة مرة أو أكثر أن تتحدث معه عن تلك المرأة التي كان لها دور هام في حياته ، و عندئذ لابد أنه سيضطر إلي التعليق علي هذا ، أو علي الأقل يشرح الوضع ، لكن الشجاعة خانتها ، فهو لا زال غاضبا و لا سبيل إلي رده عن غضبه إلا إذا فعل هو ذلك بنفسه ..
كان كل يوم يمر يزيها توترا ، لتوقعها أن تكون علاقته بـ"جومانة"قد توطدت من جديد !!

*****************************************************************************************

-ده اللي انا كنت خايفة منه ، و حذرتك يا عبير .
قالت"ريم"ذلك تخاطب "عبير"هاتفيا ، ثم تابعت في لوم:
-للأسف ما سمعتيش كلامي ، اهي اللعبة كلها اتقلبت عليكي.
-خالد اتغير اوي يا ريم.
هتفت"عبير"باكية ، ثم أضافت بنبرة متهدجة:
-مش مصدقة انه بيعاملني بالطريقة القاسية دي ! عمري ما شوفته كده يا ريم.
ثم إزدادت همهمات بكائها ، فتأثرت"ريم"لتعاسة صديقتها ، ثم راحت تهدئها قائلة:
-طب خلاص يا عبير اهدي ، ان شاء الله كله هيبقي كويس ماتقلقيش ، بس اهدي انتي دلوقتي عشان خاطري.
و بالفعل ، إستطاعت"عبير"أن تهدأ قليلا ، بينما قالت"ريم"في تردد:
-بس ارجع و اقول انتي اللي غلطانة ، اتصرفتي بطيش كالعادة و هو اصلا استحمل منك كتير و كان علي اخره ، فعمل فيكي كده.
ثم تابعت في لطف:
-معلش بقي حاولي تستحملي شوية و هو اكيد هيهدا من ناحيتك بعد فترة.
-انا بقيت بكرهه اوي يا ريم ، ده بيتعمد يهيني طول الوقت بالكلام و النظرات ، معاملته ليا كلها اهانة و قسوة.
ثم إزدردت ريقها بصعوبة ، و قالت في حزم:
-مش هاينفع افضل معاه ، عمري ما هاسامحه ابدا.
ثم أضافت في آلم:
-ده انا كنت بدأت احبه ، و الله كنت بحبه.
-و لسا بتحبيه يا عبير.
هتفت"ريم"بقوة ، ثم تابعت في لطف:
-بس انتي لسا زعلانة منه .. قولتلك معلش استحملي شوية و هو هايرجع زي الاول صدقيني.
إبتسمت"عبير"في مرارة ، ثم قالت ساخرة:
-هايرجع زي الاول ! بقولك مابقاش بيحبني ، بيعاملني اسوأ معاملة .. مش عارفة اشرحلك ازاي تاني !!
-انا عارفة يا عبير ، لكن انتي لازم تعذريه ، ماتنسيش انك غلطتي في حقه كتير ، يعني تخيلي كده لو كل اللي جري قبل كده ماكنش حصل .. مش كنتي هاتعيشي معاه عادي ؟ مش كانت حياتكوا هتبقي هادية ؟ و كان هو هيفضل يحبك اكتر و اكتر ؟؟
تأملت"عبير"كلامها متحسرة ، ثم قالت:
-و اللي حصل العكس يا ريم !
-كله ههبقي كويس صدقيني ، بس انتي حاولي تكسبيه تاني و استحملي.
ثم صاحت متسائلة:
-و صحيح بالنسبة لكليتك ! هاتعملي ايه ؟؟
إبتسمت في تهكم قائلة:
-كلية ! ده مانعني اخطي برا باب البيت !!
تأفتت"ريم"في ضيق متمتمة:
-انتي اللي جبتيه لنفسك ، انتي اللي وصلتي نفسك لكده يا عبير.
ثم تابعت سؤالها:
-طيب اخواتك عرفوا حاجة ؟ انتي ماقولتيش اي حاجة خالص ؟؟
نفت"عبير"بقوة:
-لأ طبعا ، هاقول ايه يا ريم ؟؟
ثم تابعت بخفوت:
-بس عمر اتصل بيا امبارح عشان يطمن عليا.
ثم تنهدت في آسي ، و أضافت:
-و طبعا قولتله اني كويسة اوي و اني رجعت البيت مع خالد و انا مبسوطة و ان كله تمام و مافيش اي مشكلة.
-عملتي طيب ، يعني انتي فاكرة لو كنتي قولتيله الحقيقة كان هايسكت ؟ لا ده كان هايروح يبهدل خالد و يسأله عملت في اختي كده ليه فيقوله خالد علي كل اللي حضرتك هببتيه ، و نرجع تاني لنقطة الصفر مع كله بقي ، مع خالد و اخواتك.
شعرت"ريم"بأنها تمادت في توبيخ صديقتها ، فعادت تقول في هدوء:
-عموما زي ما قلتلك كله هيبقي تمام ، بس اصبري شوية.
بينما بدت"عبير"تعسة إلي أقصي حد ...

******************************************************************************

-انا بقول كفاية توسع ، احنا عندنا خطوط ملاحة في كذا دولة.
قال"خالد"ذلك يخاطب"عز الدين"الذي نهض من خلف مكتبه ، و إستدار ثم جلس في مواجهة"خالد"قائلا:
-و ماله لما نكبر اكتر و اكتر ؟ الربح السنوي هيزيد ، و اسمنا هيتشهر علي اوسع نطاق.
-بس المديرين اللي ماسكين الفروع مش اهل للثقة ، ممكن يعملوا شغل من تحت الترابيزة.
-لو ده حصل فعلا ساعتها الترابيزة هتتقلب عليهم ، ماتنساش ان لجن الضرايب بتعمل حملات تفتيش شهرية و ان كل مليم بيتأيد و بيوصلنا كشف بكل حاجة و الفلوس كلها بتتحول علي حساب المقر الرئيسي هنا.
هز"خالد"رأسه عابسا ، و قال:
-انا قلتلك رأيي ، و انت حر.
أومأ"عز الدين"رأسه قائلا:
-تمام ، ابدأ بقي في الاجراءات و خلص.
ثم هتف متابعا:
-و صحيح كنت هنسي اقولك .. بكرة مافيش شغل.
-ازاي يعني ؟؟
-هاديك اجازة يا سيدي ، و هاتجيب عبير و تيجوا تقضوا اليوم عندنا في القصر.
- ايه المناسبة طيب ؟؟
تنهد"عز الدين"ثم أجابه:
-فاكر لما قولتلك اني برتب لحاجة بقالي فترة ؟؟
قطب"خالد"حاجبيه متذكرا ، ثم صاح قائلا:
-ايوه فاكر ، حاجة ايه دي بقي ؟؟
أجابه"عز الدين"باسما في هدوء:
-بكره هاتعرف.
ثم عاد و جلس خلف مكتبه قائلا:
-المهم دلوقتي روح نفذ اللي اتفقنا عليه.

******************************************************************************

في الصباح التالي ...
أفاقت"داليا"علي أصوات آليات آتية من الخارج ، فتركت الفراش و إتجهت نحو الشرفة و هي تفرك بعينيها كي تري ما يحدث بوضوح ، فشاهدت بعض العمال الذين إنهمكوا في تجريف أرض حديقة القصر و إقتلاع بعض الأشجار من جذورها فيما كان"عز الدين"يتابعهم في إهتمام بالغ ..
عبست"داليا"متضايقة ، فقد إقتلعوا أكثر شجرة إستحوذت علي إعجابها
بعد قليل إستيقظ"عدنان"فأخذته"داليا"إلي الأسفل و أطعمته أولا ، ثم خرجت به إلي الحديقة ، إصطدمت بـ"عمر"في طريقها ، فسألته:
-هو ايه اللي بيحصل هناك ده يا عمر ؟؟
و أشارت له برأسها ، فزم شفتيه و أجابها:
-ده جوزك يا ستي ، بيحب كل فترة يجدد في الجنينة ، يعني يغير النجيلة ، او يوسع اماكن و يستبدلها بحاجات جديدة و كده.
همهمت"داليا"متفهمة ، ثم قالت بأسف:
-بس في شجرة شكلها كان حلو اوي اتشالت.
بينما راح"عمر"يداعب"عدنان"الذي بدا سيء المزاج ، حيث أنه أوشك علي البكاء من مداعبات عمه ، فقال"عمر"في لطف:
-خلاص يا عم ماتعيطش ، خليك مع مامتك و نبقي نلعب بعدين.
ثم إقترب منه و قبل وجنته سريعا ، و ولج إلي الداخل ، فيما كانت"داليا"ترتجف في كل أنحاء جسدها لأسباب مجهولة ، فتوجهت نحو حديقة القصر و قدماها خائرتان ، و علي بعد خطوات منها لاحظت وجود مقعد فارغ ، فجلست عليه بثقل ، ثم أجلست"عدنان"فوق العشب الأخضر تحت قدميها ، و راحت تتابع عن بعد زوجها و العمال ..
ثم شردت فجأة ، كانت مضطربة حتي أعمق أعماقها ، فريسة مخاوف و شكوك كبيرة ، فحاولت جهدها أن ترتب أفكارها
شعرت بإنقباض و بخدر في أطرافها السفلي ، رغم آشعة الشمس الحارة ، ثم راحت تحاكي نفسها .. إنها حقا قلقة ، بل مذعورة ، لأنه ما زال يحب إمرأة تدعي"جومانة"، فكل الدلائل تشير إلي أنه كانت له علاقة غرامية بها حتي عشية زواجهما ، و ربما حتي الأن !!
و لدي إنغماسها في أفكارها ، نسيت مراقبة"عدنان"الذي زحف علي العشب حتي وصل إلي منتصف حديقة القصر الشاسعة ، و لما أدركت"داليا"الأمر كان قد فات الأوان ، فقد زحف"عدنان"إلي المنطقة الخطرة ، حيث تلك السيارة الصفراء الضخمة متوجهة نحوه مباشرة ، و ستدهس جسده الصغير لا محالة ...
أرادت"داليا"الصراخ ، لكن صوتها آبي الخروج ، فالصدمة أخرستها كليا ، فيما راح قلبها يخفق بسرعة ، و هي تحدق مذعورة بطفلها الذي ظل يجتاز الحديقة و هو يحبو ، لم يكن الطفل يعي الخطر ، إنما أراد لفت نظر والده إليه ، لكن"عز الدين"كان منغمسا بمهمته و مديرا إليه ظهره ، بينما خرج صوت"داليا"أخيرا ..
حيث أطلقت صرخة ثاقبة ، فإلتفت"عز الدين"و رأي بوجه مرتعب الفاجعة التي أوشكت علي الحدوث ..
هذه الصرخة المؤلمة مزقت صمت الموت الذي كان يعم الأجواء ، فيما إندفع"عز الدين"نحو إبنه الذي كان يزحف في هدوء ، و في هذا الوقت بالذات ، هجمت السيارة الضخمة عليهما ...
فأغمضت"داليا"عينيها و فقدت وعيها و هي موقنة أنها فقدت أحدهما ... !!


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات