رواية قطة في وادي الذئاب ج 2 ( اسيرة سطوته ) الفصل الرابع عشر 14 بقلم اسراء عبدالقادر
أسيرة سطوته
الفصل الرابع عشر
إسراء عبدالقادر الوزير
ومرت الأيام متواترة لا جديد بها يذكر سوى بخصوص زيجة مراد ونجاة التي حصلت على الموافقة التامة من لسان إسماعيل بعدما وجد كل خير بعد السؤال عنه وأصله الرفيع المستوى والذي ينحدر من ناصر الذي يضرب به المثل في الرقي والوقار، وعلى الجهة الأخرى كانت تحاول فجر بكل ما أوتيت من قوة أن تتخذ من ذلك حجة للاقتراب من أغراض سفيان للحصول على أي دليل يفيد بكونه قد قام بتلفيق التهمة لها! وهذا بالضبط يفسر سبب مجيئها معه إلى الشركة الخاصة به حيث قد تصل إلى إجابتها المنشودة بحق، وبينما كانت تجلس على الكرسي المقابل للمكتب تدير رأسها بجنبات الغرفة متفحصة المكان، كان هو يجلس مقابلها مطالعا ملف يخص أحد مشاريعه القادمة، اجفلت ما ان سمعته يتلفظ باسمها لتلتفت إليه في حين تقول:
_ ايوة
أمال بالملف خاصته إلى الأمام قليلا وهو يقول متسائلا:
_ اي رأيك في الخطة دي يا فجر؟
تناولت الملف من بين أنامله ثم أخذت في قراءته بتمعن قبل ان تمده إليه من جديد وتشير بسبابتها نحو إحدى النقاط التي جذبت انتباهها قائلة برسمية:
_ هو انت ليه ماتاجلش الفكرة دي شوية عشان الشرط الجزائي هنا بيقول....
بترت كلمتها ما ان وجدته وعلى حين غرة يمسك بيمناها محدقا بها بحيرة بينما ترفع فجر أحد حاجبيها بتساؤل قبل ان تقول بتعجب:
_ في ايه؟
أمسك بنصر يمناها والذي يزينه خاتمه الخاص بالخطبة، ليرفع بصره نحوها قائلا باستنكار:
_ هو انتي لسة لابسة الدبلة ف إيدك اليمين؟
انتقل بصرها تلقائيا إلى بنصرها لتعود بالتحديق فيه بينما تزدرد ريقها بتوتر بالغ قبل أن تقول بهدوء:
_ في الحقيقة م ما ركزتش مع موضوع الدبلة ده خالص
_ هممم
أطلق همهمته بشئ من الضيق استشعرته من بين ثنايا صوته، لتخفض بصرها بحزن بينما ينزع هو الخاتم عن بنصرها فتجفل من جديد لتجده يشير ببنيتيه نحو يسراها فتفهم مقصده سريعا ثم تبدأ بالتنفيذ، كي يضع الخاتم بنفسه هذه المرة ببنصرها الأيسر عاقدا رباطهما على خلاف السابقة حيث استكبر عن ذلك وجعلها ترتديه بنفسها! سلطت بصرها بوجهه المتجهم محاولة أن تقرأ الكلمات بجنبات صمته المخيف، كم هو محير هذا الرجل ضعيف الكلام! كلما تحاول الاقتراب منه تزداد شرارة الجهل عندها! وكلما اقتربت منه تشعر بدقاتها تزداد سرعة إلى منتهاها كما هي حالة قلبها الآن فهي إلى جانب حيرتها تخاف منه كثيرا على الرغم من كونها تعيش بكنفه مصونه محفوظة!
ما ان انتهى حتى ترك يدها ثم وقف عن الكرسي قائلا بقتامة:
_ هروح أشوف الميزانية عند قسم المحاسبين وراجع
أجل ترتعب منه خوفا وتكاد تجن من فرط حيرتها بخصوصه ولكن لابد من الشجاعة الآن وإلا سيفوت الأوان لا محالة! وقفت تستوقفه بصوت عالي النبرة قليلا:
_ استنى يا سفيان
توقف ممتثلا لامرها دون أن يعود ببصره إليها متعاليا بينما تحركت إليه بمقدار خطوتين قبل ان تقف مقابلة أمامه مباشرة ثم تستجمع شجاعتها بقولها بنبرة مؤكدة:
_ بص أنا عارفة كويس أوي إنك زعلت، وعارفة كويس أوي ان كل مرة بيحصل موقف مني يدايقك، بس صدقني و الله ماليش ذنب أنا
صمتت للحظات محاولة التقاط كلماتها المناسبة كي لا تفسد الأمور ككا مرة بينما يحدق بها الثاني بتركيز شديد محاولا فهم ما ترمي إليه هذه التي تنهدت بتعب قبل أن تقول:
_ أنا بس عندي مشكلة إني ماعرفش اخبي أبدا ودايما بتكلم بصراحة ومن غير نفاق، أنا مش قصدي ازعلك او افهمك إني مش مهتمة بيك بس كل ما في الموضوع إن الجواز حصل بسرعة جدا وكنت أتمنى لو خد وقته على ما اتنفذ، إنت فاهم قصدي؟
قالت الأخيرة مع بعض العفوية لتعلم ابتسامة صغيرة ثغره متبعا إياها بقوله بنبرة مواربة:
_ وده كان اول سبب خلاني اتقدم لك
قطبت جبينها بدهشة دون أن تفهم بعد إلى ماذا يهدف ان يقول حتى يزيح غمامة التساؤل عن عقلها قائلا:
_ إنك علطول دوغري ومالكيش في اللف والدوران، مش زعلان يا فجر، أكيد ليكي مبررات وأنا احترمها على اعتبار إني جوزك طبعا
ثم أتبع قوله بكل منه الأخيرة مغادرا:
_ سلام
خرج من الغرفة مبتعدا تاركا إياها تتخبط بين أفكارها التي تزداد حيرة كلما ناقشته مرة بالضعف، حيث لم تتوقع أبدا منه التفهم بهذه السرعة بعد كل هذا المقت والصلابة اللذين قابلها بهما في البداية، هل معقول أنه يسامحها بهذه السرعة؟!
ورب الكعبة سامحها بل ولم يغضب منها كي يسامحها بل هو فقط يسعى إلى تاديبها دون أن تذرف دمعة أخرى محاولا احتوائها على الجانب الآخر وقد وجد أن في قربها الراحة والسلوان، فكيف يغضب منها؟! كيف؟!
_ إنتي هيدي؟!!
هتف بها جاسر بصدمة مع عينين متسعتين غير مصدقتين ما يرى الآن بينما يشير بسيارته نحو تلك التي تبادله بنفس النظرات المشدوهة المرتاعة وقد تذكرت مع رؤياه بقايا المشهد الأليم بذلك اليوم الصعب! حمحمت تقول بنبرة يعلوها التردد والضيق:
_ أ أ أيوة يا حضرة الظابط انا هيدي
ثم خطفت ب بصرها نحو الموجودين بالمقهى بتوتر حيث بدأت أنظارهم تتجه نحوهما لتقول بوجوم:
_ وممكن بقى تقعد عشان الناس بدأت تبص علينا؟
تناول شهيقا عميقا زفره على مهل قبل ان يجلس على الكرسي وكذلك هي التي بدأت تتجنب نظراته الصامتة إليها، يتفحصها من رأسها الى أخمص قدميها وقد مر أكثر من ثلاثة أشهر على لقائهما الغير محببة ذكراه إلى نفوسهم، ولكن بملابس مختلفة يعلوها الاحتشام قليلا ودون إبراز لمفاتنها كما كانت في السابق! بدأ يشعر بالاختناق من جديد وقد لاحت إلى ذاكرته الأقاويل التي برزت من أفواه السكان بذاك اليوم العصيب! وقد بدأ بعقد الحلقات المفقودة من جديد حيث تبين أن الرجل الثري الذي كان يمدها بالنقود كما قالت إحدى الجيران هو أشرف بالطبع لا محالة! تنهدت هيدي بتعب قبل ان تلتفت إليه منتشلة إياه من افكاره بقولها:
_ حضرتك كنت عايزني ليه؟ في حاجة ولا إيه؟
_ اسبل جفنيه بتعب قبل ان يعقد ساعديه أمام صدره قائلا بعملية:
_ أيوة في الحقيقة انا طلبتك بالذات في مهمة ليها علاقة بقضية متهم فيها الأستاذ أشرف
عقدت حاجبيها بدهشة بعدما اتسعت حدقتاها بغير تصديق تقول:
_ ايييه؟ قضية إيه؟
سؤالها الفضولي كان بابا لفتح الظنون بعقله من جديد حيث اعتقد كونها تسأل خوفا عليه ليزفر بغضب قبل أن يقول من بين أسنانه:
_ مش متهم بمعنى الكلمة يعني، بس مشكوك فيه بقضية استيراد أسمنت فاسد وكنت عايز أسألك بما إنك...
صمت للحظة كي ينتقي الكلمة المناسبة للتلفظ بها في حين يقول بهدوء:
_ أقصد يعني على علاقة بيه، فكنت عايز تقوليلي معلومات عنه وعن اتصالاته يمكن تفيدنا في القضية و...
قاطعته هيدي تسأله بنبرة محتدة:
_ ومين قالك اني لسة على علاقة بيه اصلا؟!
لم يرمش له جفن بل قال بثبات:
_ مصادر خاصة
وقفت عن الكرسي قائلة بحنق:
_ طب اتأكد من مصادرك الأول، أنا سيبته من زمان وماعرفش أي حاجة عنه
ثم ابتعدت سريعا عن عينيه هاربة من اتهامهما والعار الذي لحقها بسبب هذا الغادر تاركة بعقله آلاف الأسئلة بخصوصها حيث صار متأكدا بكونها تعلم شيئا وتخشى الكلام! ولكن كيف يعطيها الأمان؟!
انتهى زفاف مراد ونجاة والذي كان بمثابة اتحاد عائلتين لا فردين، زواج بحفل بسيط يضم الأقارب فقط حيث لا تسمح ظروف العروسين بعقد مثل هذه الحفلات الضخمة فمن جهة توجد الأرملة التي لا يعرفها أحد ومن جهة أخرى يوجد هذا الأرمل والد الفتيات المراهقات! اقتربت فمن جهة خرج كل من سفيان ومعه فجر بعدما ودعا العروسين متجهين إلى السيارة كي تقلهما إلى المنزل، كان الطقس آخذ في البرودة تدريجيا وخاصة بهذه الليلة كانت نسمات الهواء مثلجة إلى الحد الذي جعل فجر يرتجف جلدها من شدة البرد على الرغم من كونها ترتدي ما يستر جسدها كاملا! تحاول وبصعوبة مقاومة ذلك والتظاهر بالثبات إلى حين الوصول إلى السيارة حتى وجدت وبفجأة غير متوقعة ملمس سترة توضع مستندة على كتفيها بمساعدة شخص ما، التفتت الى جانبها لتجد ان هذا الشخص لم يكن سوى سفيان الذي نزع سترة حلته كي يدفئها بها، توقفت أمام السيارة وبصرها معلقا به تقول بدهشة:
_ بس انا ماقلتش اني بردانة!
استند بمرفقه على السيارة كي يقول بنبرة واثقة:
_ مش محتاجة تقولي يا مدام فجر، عشان لما حاولتي تخبي جسمك ما قدرش وكله بيتنفض
ثم أشار بسبابته نحو قلبها قائلا مع ابتسامة واسعة:
_ في ناس من جوة دايما صادقة وقلبها نضيف، وانتي من الناس دول يا فجر
انخفضت رأسها بسرعة وقد إعجبها اطراؤه كثيرا في الوقت الذي أثار خجلها، بينما تقول بنبرة خافتة:
_ شكرا يا سفيان
تم هذا المشهد تحت ناظري ميرا التي كانت تخرج مع عمار واستوقفتهما فعلة سفيان الرجولية في التصرف مع هذه الصغيرة واحتوائه إياها كالطفلة وهما العارفين جيدا بكونه يكن لها من العشق ألوانا دون أي علم بهويته الحقيقية! هذا هو الحب الحقيقي، بالطبع هو الحقيقي
تنهد عمار وهو يحدج ميرا التي كانت تنظر إليهما مع ابتسامة هادئة يعلوها الحزن لكونها لم تكن محظوظة لتحصل على مثل هذا الحب كما فجر! نظر لها عمار بنظرات واجمة حيث تحدق بالزوجين الرائعين في حين هما بنيا هذا الزواج على اتفاق دون أي مشاعر! كان أنانيا الى الحد الذي جعله يستغلها بهذا الشكل دون مراعاة لشعورها وهي ابنة عمه الصغيرة التي دوما ما يعشق مشاغبتها ويجد لذته في ذلك، كما هي والحق يقال بحقها لم تقصر أبدا في مساعدته ومواراة مصائبه عن والده بل وإنقاذ والده والزواج به! ليس المال من اولوياتها كي تسمح بالزواج منه لذلك بل إن الدافع أكبر من ذلك بكثير! دافع القرابة والأخوة! حتما محظوظة من تحبه هذه العاقلة المجنونة!
في غرفة تعد الأكبر بمنزل مراد الكبير كانت تجلس نجاة متوسطة السرير وعلى جانبيها كلتا الفتاتين اللتان تتجاذبان معها أطراف الحديث المرحة حيث وبصدق دلفت قلوبهن بعفويتها وصدقها الدائم بالتعامل مع البشر، وبطيبتها التي زينت فؤادها اسرتهن واستطاعت الارتقاء إلى محل والدتهن الراحلة! وهو ما كان يتمناه مراد بالفعل ووجد أنه نجح في تحقيقه بعدما دلف إلى الغرفة ليجد هذا التناغم بينهما! ما ان لحظته الفتاتان عند باب الغرفة حتى وقفت رضوى ثم أشارت إلى أختها لتفعل مثلها بينما تخفض نجاة بصرها بخجل، قال رضوى وهي تهم بالخروج دون أن تنظر إلى والدها:
_ مبروك يابوي
وكذلك تبعتها سلمى بالتهنئة ولكن بطريقة أكثر ودية مفسحة له المجال بالاختلاء بنجاة وقد أصبحت زوجته شرعا وعرفا ولا يفصلهما باب غرفة حتى! أغلق الباب خلفه لتتسارع خفقاتها من جديد بينما يتضرج وجهها بحمرة الخجل كعروس بكر لم يسبق لها الزواج! بينما يشعر هو وكأن قلب الشاب العشريني عاد يخفق بين ضلوعه من جديد، يرمقها بنظرات حانية، سعيد ولا يعلم من أين سعادته أتى بها؟! حيث لم يلتقيها سوى مرة واحدة أدت إلى أن انسكب العصير على قميصه، في تلك المرة فقط شعر بالانجذاب نحوها خاصة مع طريقة اعتذارها ورجفتها الشديدة ولكنتها الصعيدية التي يعشق كل من يتحدث بها وعشقها أكثر مع تكلمها بها، وازداد إعجابه بها اضعافا ما ان لقي ابنته الكبرى صلدة الرأس تحبها ومرتبطة بها، وهو ما شجعه بالفعل إلى الزواج منها واختراق العقبات لأجلها!
يعلم جيدا كيف هي خائفة متوترة الى جانب كونها قد لا تكون تعرفه او تميز ملامحه من الأساس حيث لم تلتقيه حتى! وهو ما جعله يقول وهو يقف أمام السرير بنبرة جدية:
_ عارف انك خايفة، وعارف ان الموضوع جه بسرعة جدا لدرجة انك ماخدتيش وقتك تعرفي العريس اللي جالك حتى! بس عايز اقولك انك هنا إنتي ملكة البيت كله، أوعدك مافيش اي حد هيزعلك ولا ممكن تكوني حزينة، وكمان يستحيل اجبرك على أي حاجة لحد ما تكوني عرفتيني كويس، ده مهم طبعا
أخذ يتلفظ بالكلمات صادقا بكل حرف نطق به بينما كانت الثانية تفكر بكلمات أخرى هي لفجر التي نصحتها وبخالص الأمانة ان تدع طريقا آخر للحياة كي تتخذه ولا تضيع فرصة الحصول على رجل شهم شأن مراد من بين يديها، ولا يزال يثبت رجولته إلى هذه اللحظة التي هما فيها إلى الآن مما جعلها وعلى حين غرة تمسك بيده قبل أن يتحرك مبتعدا عن السرير، توقف وتجمدت أطرافه في حين التفت إليها ليجدها رفعت رأسها إليه تحدق به بنظرة سعيدة يسكنها الحزن بينما تقول بنبرة راجية:
_ كل اللي عايزاه راجل يتجي الله فيا يا مراد بيه، كتيرة عليا دي؟!
غير مخططه بالمكوث بالغرفة بعدما لاح إلى ذهنه كونها قد ترفض الزواج الرسمي ليجلس على السرير حتى يصير إلى جانبها ثم يحتضن رأسها بين كفيه بحنو ثم يقترب من اذنها هامسا:
_ لأ مش كتير عليكي، ده إنتي اللي كتيرة عليا
اتسعت ابتسامتها بسعادة بالغة وقد استشعرت بهذه اللحظة بالذات صدقه وصدق الاستخارة التي داومت عليها لإيجاد الصواب، والذي كان بحق برفقته، ابتعد عنها قليلا ثم اقترب من جديد ليقبل عينيها المنكسرتين وقد فهم ضمنيا ما تعرضت له هذه المسكينة التي صارت بالفعل حطام من تجربة قاسية لا تقو على تذكرها! فقال بخفوت:
_ مش عايز عياط بقى، إنتي لازم تنسي الدموع دي خالص، خصوصا النهاردة ولا ايه؟
اماءت برأسها بتردد بينما اقترب منها مراد في طريقه لأخذ قبلته الأولى من تلك التي تركت بقلبه مكانا وتربعت على عرشه دون سابق إذن مكملا معها رحلة طويلة لا يعرف طريقها سوى العشاق!
_ وبعدين يا فجر مافيش جديد؟
قالها جاسر من بين اسنانه بنفاذ صبر بينما تبادله الثانية إجابتها قائلة بخفوت:
_ مالقيتش أي حاجة في الشركة يا حضرة الظابط، كلها أوراق عادية
سمعت صوت تنهيدته المنهكة وقد وجد كونه محاصرا بين المهلة التي أعطاه إياها اللواء وبين المعضلة التي لم يعلم كيف الخروج منها بعد؟ فما كان منه سوى أن يطلق محاولته البائسة قائلا:
_ بس أكيد ورق مهم زي ده مايبقاش في الشركة
عقدت جبينها تسألها ببلاهة:
_ قصدك ايه؟
_ يعني أكيد في البيت، دوري على الورق في خزنته في البيت، وافتكري ان المهلة قربت تخلص ومش هعرف اصبر اللوا اكتر من كدة
مطت شفتيها بضيق شديد قبل ان تقول بحدة:
_ طيب تمام
وعلى الجهة الأخرى كان يوجد كل من إسماعيل وعصام بالسيارة التي ابتاعها عصام حديثا متجهين إلى محطة القطار لتوصيل إسماعيل إلى الصعيد، بعد أن انتهى الأخ الكبير من وداع شقيقته وابنة عمه الصغيرة، وقد اجتاحت الراحة كيانه بشأن زواج أخته من هذا الرجل الذي يشع الصدق من أقواله، فأخته الأرملة حصلت على كفايتها من العذاب والآن حان وقت الفرح والسرور كي يدخلا إلى قلبها، تماما كما وجدت زينة معشوق قلبها ورفيق طفولتها فارس الذي قست عليه الظروف إلى الحد الذي دفعه لإخفاء نفسه عنها! اجفل اسماعيل مع صوت عصام قائلا بابتسامة:
_ إنما اي رأيك في العربية يابوي؟
بادره يقول بنبرة إعجاب واضحة:
_ حلوة يا ولدي ماشاء الله
ثم استطرد يقول مستفهما:
_ انت اشتريتها بالتجسيط؟
_ أيوة شركة حلوة هدفع كل شهر مبلغ
_ يبجى أبيع لك جيراط ولا حاجة من أرضك تسدد الفلوس أحسن
هز عصام رأسه نفيا وعيناه لا تزال تطالعان الطريق:
_ لا يابوي خلي الفلوس لحاجة أهم
رمقه اسماعيل بحيرة وهو يقول:
_ وهيكون في اي اهم منك يا ولد؟
تشدق يقول بنبرة مرحة:
_ جوازتي يا حاج
اتسعت حدقتا اسماعيل وهو يلتف بجسده إلى ابنه هاتفا باهتمام:
_ واه! لجيت عروسة خلاص؟! مين دي واخطبهالك
أجابه يقول بضحك:
_ حيلك يابوي، لسة بدري على ما انفذ، عشان أخلص شغل الماجستير الأول
ثم قال في نفسه بابتسامة واسعة:
_ ولما اعرف رأيها الأول
_ يوووه مش كل شوية بقى؟
هتفت بها هيدي وهي ترمق هاتفها الذي تضئ شاشته باسم اشرف المتصلد بعنف تغلق الهاتف بوجهه مغلقة المجال أمام اي مناقشة جديدة وهو النادم الذي يرجو وبشدة ان يعيد حبال الوصال من جديد! ولكن هيهات فمن ضرب ولم يقتل يصبح أعتى قوة من السابق! وبينما تلتقط أنفاسها المتصاعدة بعد فرط غضبها تذكرت شيئا هاما حدث حينما قابلت هذا البغيض وكان لابد له ان يعرف به جاسر عله يكون طرفا في حل تلك القضية، ضغطت على شاشة هاتفها عدة مرات كي تتصل على رقم جاسر المحفوظ بالسجل لديها، بعد فترة غير قصيرة أتاها صوته البادي عليه الاختناق مجيبا إياها وكأنه يعرف هوية المتصل لتسارع بقولها:
_ أهلا أستاذ جاسر....كنت عايزة اقولك حاجة مهمة جدا افتكرتها حالا....من كام يوم وانا مع أشرف جاله اتصال وفونه عالترابيزة
أتاها رده المتسائل بلهفة بينما تسرع مشبعة فضوله قائلة:
_ اسمه داغر
كانت فجر تنادي وهي تنزل عن الدرج بتساؤل:
_ يا إياد، إياد، يا أمينة!
ما ان وصلت إلى نهاية الدرج حتى اتتها أمينة وهي تمسك بطبق صغير قائلة:
_ في حاجة يا مدام فجر؟
عادت بنظرها بخطفة إلى جنبات القصر قبل ان تقول بحيرة:
_ فين إياد؟
نظرت أمينة إلى الأريكة المتوسطة الصالون ثم عادت تنظر الى فجر قائلة بحيرة:
_ انا سيبته هنا عشان اجيب له البطاطس بس ماعرفش راح فين!
تنهدت فجر وهي تقول بتعب:
_ هيجنني، تعالي ندور عليه
امتثلت لامرها وأخذت الاثنتان بعملية البحث المتواصل عن هذا القرد الصغير الذي بات ينفعل المشاكل منذ بدا في السير وتمكن منه! حتى استوقفها صوت ضحكاته الرنانة من داخل غرفة مكتب سفيان، لتتسمر مكانها ثم ندير مقبض الباب جانبها وتفتحه بهدوء لتجد صغيرها يقترب من المكتب وضحكاته تعلو وتعلو حيث وجد أخيرا شيئا جديدا يعبث به بعدما وضع بصمته على القصر بأكمله! قالت فجر وهي تدخل بمرح:
_ إزاي عرفت تدخل انا مش فاهمة؟!
وبينما تسير الى الصغير كي تحمله، استوقفتها هيئة الخزانة الموجودة خلف الكرسي هناك لتتوقف عن المضي خطوة أخرى في حين تذكرت كلمات جاسر في الصباح حول البحث في أغراضه الموجودة بالمنزل علها تجد شيئا آخر يدينه! اجفلت ما ان سمعت صوته الرجولي عند باب الغرفة يهتف بتساؤل:
_ بتعملي أي هنا؟!
شهقت بفزع ولم تكن تتوقع قدومه بهذه اللحظة أبدا، ليقترب هو ومعالمه لا تنم على خير أبدا الى ان لانت بسرعة حينما وجد إياد الذي يستند على الكرسي محاولا الصعود عليه، ليعود إلى فجر محزرا:
_ آه يبقى انتي دخلتي بس عشان إياد؟!
حاولت استجماع شجاعتها بصعوبة وهي تقول بنبرة جامدة:
_ ايوة امال كنت فاكر ليه؟
بادر يقول معتذرا:
_ انا آسف
ثم اقترب من إياد كي يحمله ثم يقبله على كلتا وجنتيه ضاما إياه الى صدره بحنان أبوي تحت ناظري فجر التي ابتسمت تلقائيا لصدور هذا الفعل من زوج أم لا يمت لابنها بصلة!
اقتربت منه ثم قالت:
_ بس ابقى اقفل الباب كويس، معلش إياد عفريت
قال وهو يمزح مع الصغير مداعبا:
_ إياد يعمل اللي عاوزه مالكيش دعوة انتي
ثم عاد يسأل اياد بمرح:
_ صح يا إياد؟
ضحك إياد وبرزت أسنانه الأمامية الصغيرة دون أن يفهم ما يقال فقط وجد أحدهم يلاطفه بوجهه البشوش مبتسما، بينما ضحكت كذلك فجر على فعله صغيرها قائلة بمزاح:
_ خلاص ماتقولش اني ماحذرتش
ثم اتجها إلى الخارج كي يجلسا عند طاولة الغداء ويتجاذبا المزيد من أطراف الحديث بعدما دار مزاح بينهما للمرة الأولى منذ بدء هذه العلاق السريعة مجهولة المشاعر متضاربة الأركان
نهاية أحداث الفصل الرابع عشر
مش هيحصل تأخير تاني خالص خلاص خلصت معظم الإمتحانات
يا ترى هيحصل أي بعد ما سمع جاسر اسم الداغر؟
الفصل الرابع عشر
إسراء عبدالقادر الوزير
ومرت الأيام متواترة لا جديد بها يذكر سوى بخصوص زيجة مراد ونجاة التي حصلت على الموافقة التامة من لسان إسماعيل بعدما وجد كل خير بعد السؤال عنه وأصله الرفيع المستوى والذي ينحدر من ناصر الذي يضرب به المثل في الرقي والوقار، وعلى الجهة الأخرى كانت تحاول فجر بكل ما أوتيت من قوة أن تتخذ من ذلك حجة للاقتراب من أغراض سفيان للحصول على أي دليل يفيد بكونه قد قام بتلفيق التهمة لها! وهذا بالضبط يفسر سبب مجيئها معه إلى الشركة الخاصة به حيث قد تصل إلى إجابتها المنشودة بحق، وبينما كانت تجلس على الكرسي المقابل للمكتب تدير رأسها بجنبات الغرفة متفحصة المكان، كان هو يجلس مقابلها مطالعا ملف يخص أحد مشاريعه القادمة، اجفلت ما ان سمعته يتلفظ باسمها لتلتفت إليه في حين تقول:
_ ايوة
أمال بالملف خاصته إلى الأمام قليلا وهو يقول متسائلا:
_ اي رأيك في الخطة دي يا فجر؟
تناولت الملف من بين أنامله ثم أخذت في قراءته بتمعن قبل ان تمده إليه من جديد وتشير بسبابتها نحو إحدى النقاط التي جذبت انتباهها قائلة برسمية:
_ هو انت ليه ماتاجلش الفكرة دي شوية عشان الشرط الجزائي هنا بيقول....
بترت كلمتها ما ان وجدته وعلى حين غرة يمسك بيمناها محدقا بها بحيرة بينما ترفع فجر أحد حاجبيها بتساؤل قبل ان تقول بتعجب:
_ في ايه؟
أمسك بنصر يمناها والذي يزينه خاتمه الخاص بالخطبة، ليرفع بصره نحوها قائلا باستنكار:
_ هو انتي لسة لابسة الدبلة ف إيدك اليمين؟
انتقل بصرها تلقائيا إلى بنصرها لتعود بالتحديق فيه بينما تزدرد ريقها بتوتر بالغ قبل أن تقول بهدوء:
_ في الحقيقة م ما ركزتش مع موضوع الدبلة ده خالص
_ هممم
أطلق همهمته بشئ من الضيق استشعرته من بين ثنايا صوته، لتخفض بصرها بحزن بينما ينزع هو الخاتم عن بنصرها فتجفل من جديد لتجده يشير ببنيتيه نحو يسراها فتفهم مقصده سريعا ثم تبدأ بالتنفيذ، كي يضع الخاتم بنفسه هذه المرة ببنصرها الأيسر عاقدا رباطهما على خلاف السابقة حيث استكبر عن ذلك وجعلها ترتديه بنفسها! سلطت بصرها بوجهه المتجهم محاولة أن تقرأ الكلمات بجنبات صمته المخيف، كم هو محير هذا الرجل ضعيف الكلام! كلما تحاول الاقتراب منه تزداد شرارة الجهل عندها! وكلما اقتربت منه تشعر بدقاتها تزداد سرعة إلى منتهاها كما هي حالة قلبها الآن فهي إلى جانب حيرتها تخاف منه كثيرا على الرغم من كونها تعيش بكنفه مصونه محفوظة!
ما ان انتهى حتى ترك يدها ثم وقف عن الكرسي قائلا بقتامة:
_ هروح أشوف الميزانية عند قسم المحاسبين وراجع
أجل ترتعب منه خوفا وتكاد تجن من فرط حيرتها بخصوصه ولكن لابد من الشجاعة الآن وإلا سيفوت الأوان لا محالة! وقفت تستوقفه بصوت عالي النبرة قليلا:
_ استنى يا سفيان
توقف ممتثلا لامرها دون أن يعود ببصره إليها متعاليا بينما تحركت إليه بمقدار خطوتين قبل ان تقف مقابلة أمامه مباشرة ثم تستجمع شجاعتها بقولها بنبرة مؤكدة:
_ بص أنا عارفة كويس أوي إنك زعلت، وعارفة كويس أوي ان كل مرة بيحصل موقف مني يدايقك، بس صدقني و الله ماليش ذنب أنا
صمتت للحظات محاولة التقاط كلماتها المناسبة كي لا تفسد الأمور ككا مرة بينما يحدق بها الثاني بتركيز شديد محاولا فهم ما ترمي إليه هذه التي تنهدت بتعب قبل أن تقول:
_ أنا بس عندي مشكلة إني ماعرفش اخبي أبدا ودايما بتكلم بصراحة ومن غير نفاق، أنا مش قصدي ازعلك او افهمك إني مش مهتمة بيك بس كل ما في الموضوع إن الجواز حصل بسرعة جدا وكنت أتمنى لو خد وقته على ما اتنفذ، إنت فاهم قصدي؟
قالت الأخيرة مع بعض العفوية لتعلم ابتسامة صغيرة ثغره متبعا إياها بقوله بنبرة مواربة:
_ وده كان اول سبب خلاني اتقدم لك
قطبت جبينها بدهشة دون أن تفهم بعد إلى ماذا يهدف ان يقول حتى يزيح غمامة التساؤل عن عقلها قائلا:
_ إنك علطول دوغري ومالكيش في اللف والدوران، مش زعلان يا فجر، أكيد ليكي مبررات وأنا احترمها على اعتبار إني جوزك طبعا
ثم أتبع قوله بكل منه الأخيرة مغادرا:
_ سلام
خرج من الغرفة مبتعدا تاركا إياها تتخبط بين أفكارها التي تزداد حيرة كلما ناقشته مرة بالضعف، حيث لم تتوقع أبدا منه التفهم بهذه السرعة بعد كل هذا المقت والصلابة اللذين قابلها بهما في البداية، هل معقول أنه يسامحها بهذه السرعة؟!
ورب الكعبة سامحها بل ولم يغضب منها كي يسامحها بل هو فقط يسعى إلى تاديبها دون أن تذرف دمعة أخرى محاولا احتوائها على الجانب الآخر وقد وجد أن في قربها الراحة والسلوان، فكيف يغضب منها؟! كيف؟!
_ إنتي هيدي؟!!
هتف بها جاسر بصدمة مع عينين متسعتين غير مصدقتين ما يرى الآن بينما يشير بسيارته نحو تلك التي تبادله بنفس النظرات المشدوهة المرتاعة وقد تذكرت مع رؤياه بقايا المشهد الأليم بذلك اليوم الصعب! حمحمت تقول بنبرة يعلوها التردد والضيق:
_ أ أ أيوة يا حضرة الظابط انا هيدي
ثم خطفت ب بصرها نحو الموجودين بالمقهى بتوتر حيث بدأت أنظارهم تتجه نحوهما لتقول بوجوم:
_ وممكن بقى تقعد عشان الناس بدأت تبص علينا؟
تناول شهيقا عميقا زفره على مهل قبل ان يجلس على الكرسي وكذلك هي التي بدأت تتجنب نظراته الصامتة إليها، يتفحصها من رأسها الى أخمص قدميها وقد مر أكثر من ثلاثة أشهر على لقائهما الغير محببة ذكراه إلى نفوسهم، ولكن بملابس مختلفة يعلوها الاحتشام قليلا ودون إبراز لمفاتنها كما كانت في السابق! بدأ يشعر بالاختناق من جديد وقد لاحت إلى ذاكرته الأقاويل التي برزت من أفواه السكان بذاك اليوم العصيب! وقد بدأ بعقد الحلقات المفقودة من جديد حيث تبين أن الرجل الثري الذي كان يمدها بالنقود كما قالت إحدى الجيران هو أشرف بالطبع لا محالة! تنهدت هيدي بتعب قبل ان تلتفت إليه منتشلة إياه من افكاره بقولها:
_ حضرتك كنت عايزني ليه؟ في حاجة ولا إيه؟
_ اسبل جفنيه بتعب قبل ان يعقد ساعديه أمام صدره قائلا بعملية:
_ أيوة في الحقيقة انا طلبتك بالذات في مهمة ليها علاقة بقضية متهم فيها الأستاذ أشرف
عقدت حاجبيها بدهشة بعدما اتسعت حدقتاها بغير تصديق تقول:
_ ايييه؟ قضية إيه؟
سؤالها الفضولي كان بابا لفتح الظنون بعقله من جديد حيث اعتقد كونها تسأل خوفا عليه ليزفر بغضب قبل أن يقول من بين أسنانه:
_ مش متهم بمعنى الكلمة يعني، بس مشكوك فيه بقضية استيراد أسمنت فاسد وكنت عايز أسألك بما إنك...
صمت للحظة كي ينتقي الكلمة المناسبة للتلفظ بها في حين يقول بهدوء:
_ أقصد يعني على علاقة بيه، فكنت عايز تقوليلي معلومات عنه وعن اتصالاته يمكن تفيدنا في القضية و...
قاطعته هيدي تسأله بنبرة محتدة:
_ ومين قالك اني لسة على علاقة بيه اصلا؟!
لم يرمش له جفن بل قال بثبات:
_ مصادر خاصة
وقفت عن الكرسي قائلة بحنق:
_ طب اتأكد من مصادرك الأول، أنا سيبته من زمان وماعرفش أي حاجة عنه
ثم ابتعدت سريعا عن عينيه هاربة من اتهامهما والعار الذي لحقها بسبب هذا الغادر تاركة بعقله آلاف الأسئلة بخصوصها حيث صار متأكدا بكونها تعلم شيئا وتخشى الكلام! ولكن كيف يعطيها الأمان؟!
انتهى زفاف مراد ونجاة والذي كان بمثابة اتحاد عائلتين لا فردين، زواج بحفل بسيط يضم الأقارب فقط حيث لا تسمح ظروف العروسين بعقد مثل هذه الحفلات الضخمة فمن جهة توجد الأرملة التي لا يعرفها أحد ومن جهة أخرى يوجد هذا الأرمل والد الفتيات المراهقات! اقتربت فمن جهة خرج كل من سفيان ومعه فجر بعدما ودعا العروسين متجهين إلى السيارة كي تقلهما إلى المنزل، كان الطقس آخذ في البرودة تدريجيا وخاصة بهذه الليلة كانت نسمات الهواء مثلجة إلى الحد الذي جعل فجر يرتجف جلدها من شدة البرد على الرغم من كونها ترتدي ما يستر جسدها كاملا! تحاول وبصعوبة مقاومة ذلك والتظاهر بالثبات إلى حين الوصول إلى السيارة حتى وجدت وبفجأة غير متوقعة ملمس سترة توضع مستندة على كتفيها بمساعدة شخص ما، التفتت الى جانبها لتجد ان هذا الشخص لم يكن سوى سفيان الذي نزع سترة حلته كي يدفئها بها، توقفت أمام السيارة وبصرها معلقا به تقول بدهشة:
_ بس انا ماقلتش اني بردانة!
استند بمرفقه على السيارة كي يقول بنبرة واثقة:
_ مش محتاجة تقولي يا مدام فجر، عشان لما حاولتي تخبي جسمك ما قدرش وكله بيتنفض
ثم أشار بسبابته نحو قلبها قائلا مع ابتسامة واسعة:
_ في ناس من جوة دايما صادقة وقلبها نضيف، وانتي من الناس دول يا فجر
انخفضت رأسها بسرعة وقد إعجبها اطراؤه كثيرا في الوقت الذي أثار خجلها، بينما تقول بنبرة خافتة:
_ شكرا يا سفيان
تم هذا المشهد تحت ناظري ميرا التي كانت تخرج مع عمار واستوقفتهما فعلة سفيان الرجولية في التصرف مع هذه الصغيرة واحتوائه إياها كالطفلة وهما العارفين جيدا بكونه يكن لها من العشق ألوانا دون أي علم بهويته الحقيقية! هذا هو الحب الحقيقي، بالطبع هو الحقيقي
تنهد عمار وهو يحدج ميرا التي كانت تنظر إليهما مع ابتسامة هادئة يعلوها الحزن لكونها لم تكن محظوظة لتحصل على مثل هذا الحب كما فجر! نظر لها عمار بنظرات واجمة حيث تحدق بالزوجين الرائعين في حين هما بنيا هذا الزواج على اتفاق دون أي مشاعر! كان أنانيا الى الحد الذي جعله يستغلها بهذا الشكل دون مراعاة لشعورها وهي ابنة عمه الصغيرة التي دوما ما يعشق مشاغبتها ويجد لذته في ذلك، كما هي والحق يقال بحقها لم تقصر أبدا في مساعدته ومواراة مصائبه عن والده بل وإنقاذ والده والزواج به! ليس المال من اولوياتها كي تسمح بالزواج منه لذلك بل إن الدافع أكبر من ذلك بكثير! دافع القرابة والأخوة! حتما محظوظة من تحبه هذه العاقلة المجنونة!
في غرفة تعد الأكبر بمنزل مراد الكبير كانت تجلس نجاة متوسطة السرير وعلى جانبيها كلتا الفتاتين اللتان تتجاذبان معها أطراف الحديث المرحة حيث وبصدق دلفت قلوبهن بعفويتها وصدقها الدائم بالتعامل مع البشر، وبطيبتها التي زينت فؤادها اسرتهن واستطاعت الارتقاء إلى محل والدتهن الراحلة! وهو ما كان يتمناه مراد بالفعل ووجد أنه نجح في تحقيقه بعدما دلف إلى الغرفة ليجد هذا التناغم بينهما! ما ان لحظته الفتاتان عند باب الغرفة حتى وقفت رضوى ثم أشارت إلى أختها لتفعل مثلها بينما تخفض نجاة بصرها بخجل، قال رضوى وهي تهم بالخروج دون أن تنظر إلى والدها:
_ مبروك يابوي
وكذلك تبعتها سلمى بالتهنئة ولكن بطريقة أكثر ودية مفسحة له المجال بالاختلاء بنجاة وقد أصبحت زوجته شرعا وعرفا ولا يفصلهما باب غرفة حتى! أغلق الباب خلفه لتتسارع خفقاتها من جديد بينما يتضرج وجهها بحمرة الخجل كعروس بكر لم يسبق لها الزواج! بينما يشعر هو وكأن قلب الشاب العشريني عاد يخفق بين ضلوعه من جديد، يرمقها بنظرات حانية، سعيد ولا يعلم من أين سعادته أتى بها؟! حيث لم يلتقيها سوى مرة واحدة أدت إلى أن انسكب العصير على قميصه، في تلك المرة فقط شعر بالانجذاب نحوها خاصة مع طريقة اعتذارها ورجفتها الشديدة ولكنتها الصعيدية التي يعشق كل من يتحدث بها وعشقها أكثر مع تكلمها بها، وازداد إعجابه بها اضعافا ما ان لقي ابنته الكبرى صلدة الرأس تحبها ومرتبطة بها، وهو ما شجعه بالفعل إلى الزواج منها واختراق العقبات لأجلها!
يعلم جيدا كيف هي خائفة متوترة الى جانب كونها قد لا تكون تعرفه او تميز ملامحه من الأساس حيث لم تلتقيه حتى! وهو ما جعله يقول وهو يقف أمام السرير بنبرة جدية:
_ عارف انك خايفة، وعارف ان الموضوع جه بسرعة جدا لدرجة انك ماخدتيش وقتك تعرفي العريس اللي جالك حتى! بس عايز اقولك انك هنا إنتي ملكة البيت كله، أوعدك مافيش اي حد هيزعلك ولا ممكن تكوني حزينة، وكمان يستحيل اجبرك على أي حاجة لحد ما تكوني عرفتيني كويس، ده مهم طبعا
أخذ يتلفظ بالكلمات صادقا بكل حرف نطق به بينما كانت الثانية تفكر بكلمات أخرى هي لفجر التي نصحتها وبخالص الأمانة ان تدع طريقا آخر للحياة كي تتخذه ولا تضيع فرصة الحصول على رجل شهم شأن مراد من بين يديها، ولا يزال يثبت رجولته إلى هذه اللحظة التي هما فيها إلى الآن مما جعلها وعلى حين غرة تمسك بيده قبل أن يتحرك مبتعدا عن السرير، توقف وتجمدت أطرافه في حين التفت إليها ليجدها رفعت رأسها إليه تحدق به بنظرة سعيدة يسكنها الحزن بينما تقول بنبرة راجية:
_ كل اللي عايزاه راجل يتجي الله فيا يا مراد بيه، كتيرة عليا دي؟!
غير مخططه بالمكوث بالغرفة بعدما لاح إلى ذهنه كونها قد ترفض الزواج الرسمي ليجلس على السرير حتى يصير إلى جانبها ثم يحتضن رأسها بين كفيه بحنو ثم يقترب من اذنها هامسا:
_ لأ مش كتير عليكي، ده إنتي اللي كتيرة عليا
اتسعت ابتسامتها بسعادة بالغة وقد استشعرت بهذه اللحظة بالذات صدقه وصدق الاستخارة التي داومت عليها لإيجاد الصواب، والذي كان بحق برفقته، ابتعد عنها قليلا ثم اقترب من جديد ليقبل عينيها المنكسرتين وقد فهم ضمنيا ما تعرضت له هذه المسكينة التي صارت بالفعل حطام من تجربة قاسية لا تقو على تذكرها! فقال بخفوت:
_ مش عايز عياط بقى، إنتي لازم تنسي الدموع دي خالص، خصوصا النهاردة ولا ايه؟
اماءت برأسها بتردد بينما اقترب منها مراد في طريقه لأخذ قبلته الأولى من تلك التي تركت بقلبه مكانا وتربعت على عرشه دون سابق إذن مكملا معها رحلة طويلة لا يعرف طريقها سوى العشاق!
_ وبعدين يا فجر مافيش جديد؟
قالها جاسر من بين اسنانه بنفاذ صبر بينما تبادله الثانية إجابتها قائلة بخفوت:
_ مالقيتش أي حاجة في الشركة يا حضرة الظابط، كلها أوراق عادية
سمعت صوت تنهيدته المنهكة وقد وجد كونه محاصرا بين المهلة التي أعطاه إياها اللواء وبين المعضلة التي لم يعلم كيف الخروج منها بعد؟ فما كان منه سوى أن يطلق محاولته البائسة قائلا:
_ بس أكيد ورق مهم زي ده مايبقاش في الشركة
عقدت جبينها تسألها ببلاهة:
_ قصدك ايه؟
_ يعني أكيد في البيت، دوري على الورق في خزنته في البيت، وافتكري ان المهلة قربت تخلص ومش هعرف اصبر اللوا اكتر من كدة
مطت شفتيها بضيق شديد قبل ان تقول بحدة:
_ طيب تمام
وعلى الجهة الأخرى كان يوجد كل من إسماعيل وعصام بالسيارة التي ابتاعها عصام حديثا متجهين إلى محطة القطار لتوصيل إسماعيل إلى الصعيد، بعد أن انتهى الأخ الكبير من وداع شقيقته وابنة عمه الصغيرة، وقد اجتاحت الراحة كيانه بشأن زواج أخته من هذا الرجل الذي يشع الصدق من أقواله، فأخته الأرملة حصلت على كفايتها من العذاب والآن حان وقت الفرح والسرور كي يدخلا إلى قلبها، تماما كما وجدت زينة معشوق قلبها ورفيق طفولتها فارس الذي قست عليه الظروف إلى الحد الذي دفعه لإخفاء نفسه عنها! اجفل اسماعيل مع صوت عصام قائلا بابتسامة:
_ إنما اي رأيك في العربية يابوي؟
بادره يقول بنبرة إعجاب واضحة:
_ حلوة يا ولدي ماشاء الله
ثم استطرد يقول مستفهما:
_ انت اشتريتها بالتجسيط؟
_ أيوة شركة حلوة هدفع كل شهر مبلغ
_ يبجى أبيع لك جيراط ولا حاجة من أرضك تسدد الفلوس أحسن
هز عصام رأسه نفيا وعيناه لا تزال تطالعان الطريق:
_ لا يابوي خلي الفلوس لحاجة أهم
رمقه اسماعيل بحيرة وهو يقول:
_ وهيكون في اي اهم منك يا ولد؟
تشدق يقول بنبرة مرحة:
_ جوازتي يا حاج
اتسعت حدقتا اسماعيل وهو يلتف بجسده إلى ابنه هاتفا باهتمام:
_ واه! لجيت عروسة خلاص؟! مين دي واخطبهالك
أجابه يقول بضحك:
_ حيلك يابوي، لسة بدري على ما انفذ، عشان أخلص شغل الماجستير الأول
ثم قال في نفسه بابتسامة واسعة:
_ ولما اعرف رأيها الأول
_ يوووه مش كل شوية بقى؟
هتفت بها هيدي وهي ترمق هاتفها الذي تضئ شاشته باسم اشرف المتصلد بعنف تغلق الهاتف بوجهه مغلقة المجال أمام اي مناقشة جديدة وهو النادم الذي يرجو وبشدة ان يعيد حبال الوصال من جديد! ولكن هيهات فمن ضرب ولم يقتل يصبح أعتى قوة من السابق! وبينما تلتقط أنفاسها المتصاعدة بعد فرط غضبها تذكرت شيئا هاما حدث حينما قابلت هذا البغيض وكان لابد له ان يعرف به جاسر عله يكون طرفا في حل تلك القضية، ضغطت على شاشة هاتفها عدة مرات كي تتصل على رقم جاسر المحفوظ بالسجل لديها، بعد فترة غير قصيرة أتاها صوته البادي عليه الاختناق مجيبا إياها وكأنه يعرف هوية المتصل لتسارع بقولها:
_ أهلا أستاذ جاسر....كنت عايزة اقولك حاجة مهمة جدا افتكرتها حالا....من كام يوم وانا مع أشرف جاله اتصال وفونه عالترابيزة
أتاها رده المتسائل بلهفة بينما تسرع مشبعة فضوله قائلة:
_ اسمه داغر
كانت فجر تنادي وهي تنزل عن الدرج بتساؤل:
_ يا إياد، إياد، يا أمينة!
ما ان وصلت إلى نهاية الدرج حتى اتتها أمينة وهي تمسك بطبق صغير قائلة:
_ في حاجة يا مدام فجر؟
عادت بنظرها بخطفة إلى جنبات القصر قبل ان تقول بحيرة:
_ فين إياد؟
نظرت أمينة إلى الأريكة المتوسطة الصالون ثم عادت تنظر الى فجر قائلة بحيرة:
_ انا سيبته هنا عشان اجيب له البطاطس بس ماعرفش راح فين!
تنهدت فجر وهي تقول بتعب:
_ هيجنني، تعالي ندور عليه
امتثلت لامرها وأخذت الاثنتان بعملية البحث المتواصل عن هذا القرد الصغير الذي بات ينفعل المشاكل منذ بدا في السير وتمكن منه! حتى استوقفها صوت ضحكاته الرنانة من داخل غرفة مكتب سفيان، لتتسمر مكانها ثم ندير مقبض الباب جانبها وتفتحه بهدوء لتجد صغيرها يقترب من المكتب وضحكاته تعلو وتعلو حيث وجد أخيرا شيئا جديدا يعبث به بعدما وضع بصمته على القصر بأكمله! قالت فجر وهي تدخل بمرح:
_ إزاي عرفت تدخل انا مش فاهمة؟!
وبينما تسير الى الصغير كي تحمله، استوقفتها هيئة الخزانة الموجودة خلف الكرسي هناك لتتوقف عن المضي خطوة أخرى في حين تذكرت كلمات جاسر في الصباح حول البحث في أغراضه الموجودة بالمنزل علها تجد شيئا آخر يدينه! اجفلت ما ان سمعت صوته الرجولي عند باب الغرفة يهتف بتساؤل:
_ بتعملي أي هنا؟!
شهقت بفزع ولم تكن تتوقع قدومه بهذه اللحظة أبدا، ليقترب هو ومعالمه لا تنم على خير أبدا الى ان لانت بسرعة حينما وجد إياد الذي يستند على الكرسي محاولا الصعود عليه، ليعود إلى فجر محزرا:
_ آه يبقى انتي دخلتي بس عشان إياد؟!
حاولت استجماع شجاعتها بصعوبة وهي تقول بنبرة جامدة:
_ ايوة امال كنت فاكر ليه؟
بادر يقول معتذرا:
_ انا آسف
ثم اقترب من إياد كي يحمله ثم يقبله على كلتا وجنتيه ضاما إياه الى صدره بحنان أبوي تحت ناظري فجر التي ابتسمت تلقائيا لصدور هذا الفعل من زوج أم لا يمت لابنها بصلة!
اقتربت منه ثم قالت:
_ بس ابقى اقفل الباب كويس، معلش إياد عفريت
قال وهو يمزح مع الصغير مداعبا:
_ إياد يعمل اللي عاوزه مالكيش دعوة انتي
ثم عاد يسأل اياد بمرح:
_ صح يا إياد؟
ضحك إياد وبرزت أسنانه الأمامية الصغيرة دون أن يفهم ما يقال فقط وجد أحدهم يلاطفه بوجهه البشوش مبتسما، بينما ضحكت كذلك فجر على فعله صغيرها قائلة بمزاح:
_ خلاص ماتقولش اني ماحذرتش
ثم اتجها إلى الخارج كي يجلسا عند طاولة الغداء ويتجاذبا المزيد من أطراف الحديث بعدما دار مزاح بينهما للمرة الأولى منذ بدء هذه العلاق السريعة مجهولة المشاعر متضاربة الأركان
نهاية أحداث الفصل الرابع عشر
مش هيحصل تأخير تاني خالص خلاص خلصت معظم الإمتحانات
يا ترى هيحصل أي بعد ما سمع جاسر اسم الداغر؟
