رواية حتي اقتل بسمة تمردك ج2 الفصل الثالث عشر 13 بقلم مريم غريب
الحلقة (13):
في الصباح التالي ...
بدت الطائرة التي آقلت الركاب من مطار العاصمة البرازيلية (ريـو) إلي مطار العاصمة المصرية (القـاهرة) مليئة برجال الأعمال ، و السياح الأثرياء ..
بينما لجأ"عز الدين إلي مقعده مسرعا ، ليس بدافع التعب ، بل لأنه لم يآت من الفندق الذي أقام فيه بمفرده ، إذ كانت"جومانة"معه ..
فمنذ علمها بخبر سفره لإنجاز صفقة عمل مشتركة بينهما ، إختلقت الأسباب لكي ترافقه ، و ها هي تجلس في مقعدها إلي جانبه ، و شعرها الأسود الطويل يلامس كتفه ، فيما أغمضت عينيها ذات الرموش الطويلة بخوف مصطنع حين إرتفعت الطائرة الضخمة في السماء ، فإغتنمت الفرصة و مدت يديها ، و قبضت علي ذراع"عز الدين"الذي أدار وجهه إليها مقطبا ، بينما إبتسمت في رقة و هي تقول بتكاسل:
-sorry يا عز ، بس اصلي اتخضيت.
رفع"عز الدين"حاجبيه مستغربا ، ثم تخلص من مزاجه الأسود لاويا شفتيه في سخرية ، و قال:
-اتخضيتي ! ليه ؟ اول مرة تركبي طيارة ؟؟
قهقهت"جومانة"بغنج قائلة:
-لأ مش اول مرة ، لكن انت فاجئتني اننا هنرجع انهاردة مش بكرة فمكنتش مؤهلة نفسيا للسفر.
ثم تابعت بخفوت:
-ده غير ان انت من زمان وجودك جنبي بيوترني.
رمقها هازئا ، ثم صمت لثوان يتذكر تلك الأيام التي جمعته بها ، و في شبه إبتسامة قال ساخرا:
-طب ما تبعدي عني احسن .. طالما بوترك.
-ماقدرش ابعد عنك يا حبيبي.
هتفت هامسة قرب أذنه ، ثم أضافت و هي تنظر بعمق في عينيه الذهبتين:
-انا بحبك يا عز .. بحبك اوي ، و عمري ما هبطل احبك ابدا.
تنهد"عز الدين"بثقل و هو يرمقها في ضجر ، ثم أشاح بوجهه عنها ، و راح يحدق في شرود إلي السحب البيضاء عبر زجاج نافذة الطائرة المجاورة لمقعده ، و للمرة العاشرة إنغمس في التفكير بتلك الليلة التي كدرت مزاجه حتي الأن ..
كان مقتنعا في قرارة نفسه بأن لديه كل المبررات ليفقد أعصابه ، فقد جعلوه يبدو مغفلا طوال الوقت ، كل فرد بأسرته الصغيرة تآمر عليه ، الجميع تجاوزوا الحدود التي وضعها منذ سنوات طويلة ، فيما كان مقتنعا أيضا أن كل ذلك تم وفق تخطيط مسبق من"داليا"و هذا أكثر ما ضاعف غضبه ..
يا للنساء و قلوبهن الفولاذية و عقولهن الكبيرة التي تختفي وراء وجوه بريئة و أجسام مستسلمة كالحيات السامة ، لن يتكرر ذلك أبدا .. قال هذا من قبل ، لكنه هذه المرة يعني حقا ما يقول ...
مرت ثلاث ساعات و قليل علي إقلاع الطائرة من (ريـو) حتي وصلت إلي (القـاهرة) بينما دوي صوت نداء الوصول عاليا ، تتبعته المضيفة التي وقفت بمؤخرة الطائرة طالبة إلي الركاب إلتزام المقاعد و ربط الأحزمة إستعدادا للهبوط ، و بينما كان الجميع ينصاع إليها ، أخذ"عز الدين"يسعل بشدة ، فإلتفتت"جومانة"إليه متسائلة:
-مالك يا عز ؟ انت كويس ؟؟
أومأ"عز الدين"رأسه عابسا ، ثم عاوده السعال مجددا ، فقطبت"جومانة"حاجبيها قائلة:
-لا ده انت شكلك اخدت برد.
و أخيرا إنقضت الطائرة ذات اللون الفضي علي الأراضي المصرية ، قبل أن تهبط بهدو في مدرج مطار (القـاهرة) ...
**********************************************************************************************
عندما إستيقظت"عبير"كانت آشعة الشمس تسللت من بين ستائرحجرة النوم ، بينما ظلت خلال لحظات غير قادرة علي معرفة مكان وجودها ، فتجولت ببصرها بإرجاء الحجرة ، ثم وقع نظرها علي قطع ملابسها الممزقة و الملقاه أرضا إلي جانب الفراش ، فبسرعة أدارت وجهها و حدقت في آثار علي الوسادة المجاورة ، و في لمحة عادت إليها ذاكرتها ..
لقد جلبها"خالد"إلي هنا ليلة أمس ، و إنتزع منها الحب عنوة بعد ما أحيا جروحها و أهانها ، فيما كانت يداها مازالتا تشعران بملمس كتفيه العريضتين الصلبتين ، كما كان عقلها ما زال واعيا للكلمات الغير واضحة التي همس بها محموما في الليلة الماضية ، و تذكرت أنها إستغرقت في النوم قربه ، بعد بكائها الصامت المرير طوال الليل ...
أفاقت من شرودها منتفضة ، حين إنفتح باب الحجرة فجأة ، و ظهر من خلفه"خالد"
صوبت ناظريها تجاهه في ذعر حاولت إخفاؤه ، بينما كان يقترب من الفراش بخطي ثابتة ، و لما رفع رأسه كان الإكتفاء مرتسما علي وجهه ، مما جعل"عبير"تشعر بأحاسيس عنيفه حرقت داخلها ، إذ لم تكن مستعدة بعد لمواجهته ، بل أنها كانت تفضل ألا تراه بعد ما حدث ليلة أمس ... :
-يا تري هتفضلي في السرير كده كتير ؟؟
هتف"خالد"في جفاف و هو يقف أمام الفراش ، ثم صمت لثوان و تابع بفظاظة:
-قومي خدي دوش و عندك فستان كنتي نسيتيه هنا ، البسيه علي ما اتصل بحد في القصر يلم هدومك و يبعتها علي هنا.
أحست"عبير"إحتقانا ينصب إلي وجنتيها ، فأشاحت بوجهها مسرعة لتهرب من عينيه الحادتين ، ثم أغمضت عينيها بشدة ، بينما إتجه"خالد"إليها ، و دني منها حتي جلس علي حافة الفراش إلي جانبها ، ثم جذبها إلي صدره في قوة محيطا خصرها بذراع ، و مسندا رأسها و كتفيها بالأخري ، ثم صاح بها غاضبا:
-فتحي عينيكي.
أنتفضت مذعورة علي آثر صوته الحانق ، فإنصاعت لأمره و فتحت عينيها في بطء ، بينما عيناه راحتا تتآملانها كلها ، تحديدا كان يتأمل إنزلاق الغطاء الأبيض الناعم الذي أحاط بها مظهرا كتفيها العاريتين ، فيما كانت تراقبه من تحت أهدابها الكثة ، و لما لاحظت نظراته الجائعة ، رفعت الغطاء مسرعة بيدين مرتعشتين ، ثم إشتبك نظرها بنظر"خالد"الذي ظل صامتا يرمقها في تهكم باسما ، فخافت"عبير" أن يكون يحضر خطة جهنمية للإنتقام منها مجددا بصورة أخري ...
بينما نطق أخيرا ، فقال بصوت حاد:
-بعد كده لما اكون بكلمك تردي عليا ، سامعة ؟؟
شعرت بالدموع تحرق عينيها ، فكبحت وهنها بجهد ، و لم تتفوه بكلمة ، بل حاولت أن تتملص من قبضته بحرص خوفا أن ينزلق الغطاء عن جسدها ، لكنه منعها من الحركة ، ثم قال في عنف هادئ ، بعد ما أمسك بمعصمها و إنتزع يدها المتمسكة بالغطاء:
-من انهاردة ، مش هاسمحلك بأي تجاوز .. هاتشوفي واحد عمرك ما عرفتيه قبل كده ، هاتعيشي بس عشان تنفذي كلامي و اي حاجة آمرك بيها ، و في المقابل مش هاتكوني في عينيا غير واحدة رخيصة ، خلاص مش هاعاملك كزوجة ابدا من دلوقتي انتي ماتستهليش ، هاعرفك فرق المعاملة بين الزوجة و الست الرخيصة.
ثم إنحني صوب أذنها ، و همس بلهجة قاتمة:
-هاعيشك في سواد يا عبير.
قطبت حاجبيها غير مصدقة ، و فورا فاضت من عينيها دموع غزيرة ، قوية لا سبيل إلي ردها ، ثم خرج صوتها أخيرا ، فقالت بنبرة متهدجة:
-طيب ما تطلقني احسن و توفر علي نفسك تعب اهانتي و عقابي.
قهقه"خالد"بقوة ، فشعرت"عبير"بالإهانة و الكراهية العمياء له ، بينما عاد يقول ساخرا و تلك اللمعة الخبيثة تتراقص بمقلتيه:
-بالعكس يا عبير مش هايكون تعب ابدا.
ثم تابع مسمرا عينيه الثاقبتين في وجه"عبير"الشاحب و هو ما زال ممسكا بها:
-ده انا هبقي مبسوط جدا و انا ببصلك بنظرة مختلفة عمري ما تخيلت اني ابصهالك .. فعلا بعد ليلة امبارح اكتشفت ان التصرفات الرقيقة طلعت مملة.
و كي يدعم قوله ، ضمها بشدة ، هصرها هصرا ، و إنصب عليها بغضب بارد ، كأنه يريد أن يقاصصها و يحتقرها ، بينما راحت تنتحب بمرارة ، فرفع رأسه و رمقها في إزدراء قائلا:
-بتعيطي ! بتعيطي دلوقتي ؟ طب ماعيطتيش ليه ساعة مارخصتي نفسك قبل كده ؟؟
ثم هز رأسه متابعا:
-انا مش مصدق دموعك ، و عمري ما هصدقك تاني ابدا بعد كل اللي عملتيه.
ثم أضاف بصوت أجش:
-زمان كنت بقدرك ، لكن دلوقتي بحتقرك .. بس عشان لسا عايزك و ماستكفتش منك ، هتفضلي معايا لحد ما ازهق منك.
و من دون إظهار أي ندم أبعدها عنه في قسوة ، ثم نهض واقفا ، و إستدار مبتعدا بخطي سريعة ، حتي خرج صافقا باب الحجرة خلفه ، بينما ظلت"عبير"متجمدة بمكانها تعاني شعور الآسي و المهانة ...
******************************************************************************************
-انت كنت فين من امبارح يا عمر ؟؟
قالت"ياسمين"ذلك متسائلة و هي تقترب من"عمر"الذي كان يقف أمام طاولة طعام توسطت قاعة المطبخ الفسيح ، بينما إلتفت"عمر"إليها ، ثم أجابها و هو يلوك قطعة خبز بفمه:
-ياسمين ! انا كنت في مشوار كده مع ناس صحابي و لسا راجع من شوية.
سألته مستنكرة:
-مشوار ايه ده اللي يغيبك عن البيت يوم بحاله !!
حك"عمر"مؤخرة رأسه ، و إختلج محياه بطريقة محيرة ، فأزاح طعامه جانبا ، و قال بعد تردد:
-كنت في بيت ماما.
رفعت"ياسمين"حاجبيها مستغربة ، ثم سألته في هدوء:
-طب ايه اللي قعدك هناك الوقت ده كله ؟؟
أطرق رأسه ، ثم أجابها بصوت حزين:
-اصلها وحشتني اوي ، و امبارح قلت اروح ازورها الاول و بعدين اطلع علي بيتها شوية ، فسرقني الوقت و اضطريت ابات هناك.
رمقته"ياسمين"بإشفاق ، و خطت تجاهه ، ثم قالت و هي تربت علي كتفه في حنان:
-ادعيلها يا عمر.
تنهد بثقل ، و نظر إليها ، ثم أومأ رأسه باسما ، فإبتسمت إليه بدورها ، ثم صاحت فجأة:
-صحيح نسيت اقولك .. في حاجة غريبة جدا حصلت امبارح !!
-ايه اللي حصل ؟؟
سألها في إهتمام مقطبا ، فأجابته:
-خالد جه اخد عبير بطريقة غريبة.
-خالد جه اخد عبير بطريقة غريبة !!
ردد مستغربا ، ثم عاد يسألها:
-مش فاهم يا ياسمين ! وضحي اكتر ؟؟
-انا كنت قاعدة مع داليا بنتكلم و فجأة سمعنا صوت حد بيصرخ.
- و بعدين ؟؟
سألها مترقبا ، فأجابت:
-و بعدين اكتشفنا ان عبير هي اللي كانت بتصرخ.
- كانت بتصرخ ليه ؟؟
-ماعرفش ، بس كل اللي اعرفه ان خالد جه اخدها بالعافية غصب عنها.
-غصب عنها !!
أومأت رأسها قائلة:
-فاطمة هي اللي شافت بنفسها و قالت كده.
عبس"عمر"من حديث"ياسمين"كما ساوره القلق أيضا ...
*******************************************************************************************
كان ذيل قميص نومها الشفاف يمسح ارض غرفتها ذهابا إيابا ، حتي ألقت بثقلها تعبة علي مقعد قرب الشرفة ، و ظلت مسمرة مكانها مدة طويلة ، فيما إنعكس ضؤ الشمس علي وجهها ، حيث ظهر تشوش عميق و إرتباك و حيرة ..
ثم فجأة سمعت صوت خشخشة صغيرة آت من الخارج ، و بعدها عم الهدوء مجددا ، فأقنعت نفسها بأن ما سمعته ليس سوي وهم مخيلتها ، لكنها سمعت الخشخشة نفسها مرة أخري ، حتي إتضح الصوت و تبينت أنه صوت محرك سيارة معينة ، فقفزت واقفة علي قدميها ، ثم هرعت إلي الشرفة ، و أطلت برأسها و هي تتمسك بالسياج ، فكادت لا تصدق ما رأته بأم عينها ..
لقد عاد"عز الدين"لقد عاد زوجها ، بدأ قلب"داليا"ينبض بسرعة بالغة ، فرجعت إلي الوراء مسرعة قبل أن يراها و يدها علي صدرها الذي راح يعلو و يهبط في إضطراب متزامن ، لم تعرف ماذا تفعل أو كيف تتصرف ، أخذتها المفاجأة علي غرة و لم تستطع أن تفعل شيئا ، بينما طغي عليها شعور الحنين و الأشتياق إلي زوجها ..
فإستدارت متجهة نحو الخزانة ، ثم أخرجت فستانا قمحيا قصير الأكمام و إرتدته علي عجل ، ثم توجهت إلي المرآة و نظرت إلي وجهها الأبيض الشاحب ، فعبست متأففة في ضيق ، ثم أمسكت بأدوات التجميل ، و بيد مرتعشة راحت تتبرج في خفة كي تمحي معالمها الشاحبة ..
إنتهت سريعا ، ثم ألقت نظرة خاطفة علي "عدنان"النائم بفراشه في هدوء ، و إندفعت راكضة إلي خارج الغرفة و داخلها شوق كبير لملاقاة"عز الدين"
و عندما هبطت الدرج ، إصطدم نظرها بعينيه الحادتين ، فتجمدت بأرضها ، و ظنت أن مطارق غضبه ستنهال علي رأسها ، لكنه تحرك فجأة بحقيبة أوراقه السوداء الصغيرة و أختفي بها داخل مكتبه دون أن يلفظ كلمة ، بينما إنتفضت"داليا"عندما أغلق الباب من خلفه بعنف ، ثم فجأة لم تستطع أن تري شيئا ، إذ غمرت الدموع عينيها فأغمضتهما بشدة ، فطاحت الدموع علي خديها غزيرة و حارة ..
في الصباح التالي ...
بدت الطائرة التي آقلت الركاب من مطار العاصمة البرازيلية (ريـو) إلي مطار العاصمة المصرية (القـاهرة) مليئة برجال الأعمال ، و السياح الأثرياء ..
بينما لجأ"عز الدين إلي مقعده مسرعا ، ليس بدافع التعب ، بل لأنه لم يآت من الفندق الذي أقام فيه بمفرده ، إذ كانت"جومانة"معه ..
فمنذ علمها بخبر سفره لإنجاز صفقة عمل مشتركة بينهما ، إختلقت الأسباب لكي ترافقه ، و ها هي تجلس في مقعدها إلي جانبه ، و شعرها الأسود الطويل يلامس كتفه ، فيما أغمضت عينيها ذات الرموش الطويلة بخوف مصطنع حين إرتفعت الطائرة الضخمة في السماء ، فإغتنمت الفرصة و مدت يديها ، و قبضت علي ذراع"عز الدين"الذي أدار وجهه إليها مقطبا ، بينما إبتسمت في رقة و هي تقول بتكاسل:
-sorry يا عز ، بس اصلي اتخضيت.
رفع"عز الدين"حاجبيه مستغربا ، ثم تخلص من مزاجه الأسود لاويا شفتيه في سخرية ، و قال:
-اتخضيتي ! ليه ؟ اول مرة تركبي طيارة ؟؟
قهقهت"جومانة"بغنج قائلة:
-لأ مش اول مرة ، لكن انت فاجئتني اننا هنرجع انهاردة مش بكرة فمكنتش مؤهلة نفسيا للسفر.
ثم تابعت بخفوت:
-ده غير ان انت من زمان وجودك جنبي بيوترني.
رمقها هازئا ، ثم صمت لثوان يتذكر تلك الأيام التي جمعته بها ، و في شبه إبتسامة قال ساخرا:
-طب ما تبعدي عني احسن .. طالما بوترك.
-ماقدرش ابعد عنك يا حبيبي.
هتفت هامسة قرب أذنه ، ثم أضافت و هي تنظر بعمق في عينيه الذهبتين:
-انا بحبك يا عز .. بحبك اوي ، و عمري ما هبطل احبك ابدا.
تنهد"عز الدين"بثقل و هو يرمقها في ضجر ، ثم أشاح بوجهه عنها ، و راح يحدق في شرود إلي السحب البيضاء عبر زجاج نافذة الطائرة المجاورة لمقعده ، و للمرة العاشرة إنغمس في التفكير بتلك الليلة التي كدرت مزاجه حتي الأن ..
كان مقتنعا في قرارة نفسه بأن لديه كل المبررات ليفقد أعصابه ، فقد جعلوه يبدو مغفلا طوال الوقت ، كل فرد بأسرته الصغيرة تآمر عليه ، الجميع تجاوزوا الحدود التي وضعها منذ سنوات طويلة ، فيما كان مقتنعا أيضا أن كل ذلك تم وفق تخطيط مسبق من"داليا"و هذا أكثر ما ضاعف غضبه ..
يا للنساء و قلوبهن الفولاذية و عقولهن الكبيرة التي تختفي وراء وجوه بريئة و أجسام مستسلمة كالحيات السامة ، لن يتكرر ذلك أبدا .. قال هذا من قبل ، لكنه هذه المرة يعني حقا ما يقول ...
مرت ثلاث ساعات و قليل علي إقلاع الطائرة من (ريـو) حتي وصلت إلي (القـاهرة) بينما دوي صوت نداء الوصول عاليا ، تتبعته المضيفة التي وقفت بمؤخرة الطائرة طالبة إلي الركاب إلتزام المقاعد و ربط الأحزمة إستعدادا للهبوط ، و بينما كان الجميع ينصاع إليها ، أخذ"عز الدين"يسعل بشدة ، فإلتفتت"جومانة"إليه متسائلة:
-مالك يا عز ؟ انت كويس ؟؟
أومأ"عز الدين"رأسه عابسا ، ثم عاوده السعال مجددا ، فقطبت"جومانة"حاجبيها قائلة:
-لا ده انت شكلك اخدت برد.
و أخيرا إنقضت الطائرة ذات اللون الفضي علي الأراضي المصرية ، قبل أن تهبط بهدو في مدرج مطار (القـاهرة) ...
**********************************************************************************************
عندما إستيقظت"عبير"كانت آشعة الشمس تسللت من بين ستائرحجرة النوم ، بينما ظلت خلال لحظات غير قادرة علي معرفة مكان وجودها ، فتجولت ببصرها بإرجاء الحجرة ، ثم وقع نظرها علي قطع ملابسها الممزقة و الملقاه أرضا إلي جانب الفراش ، فبسرعة أدارت وجهها و حدقت في آثار علي الوسادة المجاورة ، و في لمحة عادت إليها ذاكرتها ..
لقد جلبها"خالد"إلي هنا ليلة أمس ، و إنتزع منها الحب عنوة بعد ما أحيا جروحها و أهانها ، فيما كانت يداها مازالتا تشعران بملمس كتفيه العريضتين الصلبتين ، كما كان عقلها ما زال واعيا للكلمات الغير واضحة التي همس بها محموما في الليلة الماضية ، و تذكرت أنها إستغرقت في النوم قربه ، بعد بكائها الصامت المرير طوال الليل ...
أفاقت من شرودها منتفضة ، حين إنفتح باب الحجرة فجأة ، و ظهر من خلفه"خالد"
صوبت ناظريها تجاهه في ذعر حاولت إخفاؤه ، بينما كان يقترب من الفراش بخطي ثابتة ، و لما رفع رأسه كان الإكتفاء مرتسما علي وجهه ، مما جعل"عبير"تشعر بأحاسيس عنيفه حرقت داخلها ، إذ لم تكن مستعدة بعد لمواجهته ، بل أنها كانت تفضل ألا تراه بعد ما حدث ليلة أمس ... :
-يا تري هتفضلي في السرير كده كتير ؟؟
هتف"خالد"في جفاف و هو يقف أمام الفراش ، ثم صمت لثوان و تابع بفظاظة:
-قومي خدي دوش و عندك فستان كنتي نسيتيه هنا ، البسيه علي ما اتصل بحد في القصر يلم هدومك و يبعتها علي هنا.
أحست"عبير"إحتقانا ينصب إلي وجنتيها ، فأشاحت بوجهها مسرعة لتهرب من عينيه الحادتين ، ثم أغمضت عينيها بشدة ، بينما إتجه"خالد"إليها ، و دني منها حتي جلس علي حافة الفراش إلي جانبها ، ثم جذبها إلي صدره في قوة محيطا خصرها بذراع ، و مسندا رأسها و كتفيها بالأخري ، ثم صاح بها غاضبا:
-فتحي عينيكي.
أنتفضت مذعورة علي آثر صوته الحانق ، فإنصاعت لأمره و فتحت عينيها في بطء ، بينما عيناه راحتا تتآملانها كلها ، تحديدا كان يتأمل إنزلاق الغطاء الأبيض الناعم الذي أحاط بها مظهرا كتفيها العاريتين ، فيما كانت تراقبه من تحت أهدابها الكثة ، و لما لاحظت نظراته الجائعة ، رفعت الغطاء مسرعة بيدين مرتعشتين ، ثم إشتبك نظرها بنظر"خالد"الذي ظل صامتا يرمقها في تهكم باسما ، فخافت"عبير" أن يكون يحضر خطة جهنمية للإنتقام منها مجددا بصورة أخري ...
بينما نطق أخيرا ، فقال بصوت حاد:
-بعد كده لما اكون بكلمك تردي عليا ، سامعة ؟؟
شعرت بالدموع تحرق عينيها ، فكبحت وهنها بجهد ، و لم تتفوه بكلمة ، بل حاولت أن تتملص من قبضته بحرص خوفا أن ينزلق الغطاء عن جسدها ، لكنه منعها من الحركة ، ثم قال في عنف هادئ ، بعد ما أمسك بمعصمها و إنتزع يدها المتمسكة بالغطاء:
-من انهاردة ، مش هاسمحلك بأي تجاوز .. هاتشوفي واحد عمرك ما عرفتيه قبل كده ، هاتعيشي بس عشان تنفذي كلامي و اي حاجة آمرك بيها ، و في المقابل مش هاتكوني في عينيا غير واحدة رخيصة ، خلاص مش هاعاملك كزوجة ابدا من دلوقتي انتي ماتستهليش ، هاعرفك فرق المعاملة بين الزوجة و الست الرخيصة.
ثم إنحني صوب أذنها ، و همس بلهجة قاتمة:
-هاعيشك في سواد يا عبير.
قطبت حاجبيها غير مصدقة ، و فورا فاضت من عينيها دموع غزيرة ، قوية لا سبيل إلي ردها ، ثم خرج صوتها أخيرا ، فقالت بنبرة متهدجة:
-طيب ما تطلقني احسن و توفر علي نفسك تعب اهانتي و عقابي.
قهقه"خالد"بقوة ، فشعرت"عبير"بالإهانة و الكراهية العمياء له ، بينما عاد يقول ساخرا و تلك اللمعة الخبيثة تتراقص بمقلتيه:
-بالعكس يا عبير مش هايكون تعب ابدا.
ثم تابع مسمرا عينيه الثاقبتين في وجه"عبير"الشاحب و هو ما زال ممسكا بها:
-ده انا هبقي مبسوط جدا و انا ببصلك بنظرة مختلفة عمري ما تخيلت اني ابصهالك .. فعلا بعد ليلة امبارح اكتشفت ان التصرفات الرقيقة طلعت مملة.
و كي يدعم قوله ، ضمها بشدة ، هصرها هصرا ، و إنصب عليها بغضب بارد ، كأنه يريد أن يقاصصها و يحتقرها ، بينما راحت تنتحب بمرارة ، فرفع رأسه و رمقها في إزدراء قائلا:
-بتعيطي ! بتعيطي دلوقتي ؟ طب ماعيطتيش ليه ساعة مارخصتي نفسك قبل كده ؟؟
ثم هز رأسه متابعا:
-انا مش مصدق دموعك ، و عمري ما هصدقك تاني ابدا بعد كل اللي عملتيه.
ثم أضاف بصوت أجش:
-زمان كنت بقدرك ، لكن دلوقتي بحتقرك .. بس عشان لسا عايزك و ماستكفتش منك ، هتفضلي معايا لحد ما ازهق منك.
و من دون إظهار أي ندم أبعدها عنه في قسوة ، ثم نهض واقفا ، و إستدار مبتعدا بخطي سريعة ، حتي خرج صافقا باب الحجرة خلفه ، بينما ظلت"عبير"متجمدة بمكانها تعاني شعور الآسي و المهانة ...
******************************************************************************************
-انت كنت فين من امبارح يا عمر ؟؟
قالت"ياسمين"ذلك متسائلة و هي تقترب من"عمر"الذي كان يقف أمام طاولة طعام توسطت قاعة المطبخ الفسيح ، بينما إلتفت"عمر"إليها ، ثم أجابها و هو يلوك قطعة خبز بفمه:
-ياسمين ! انا كنت في مشوار كده مع ناس صحابي و لسا راجع من شوية.
سألته مستنكرة:
-مشوار ايه ده اللي يغيبك عن البيت يوم بحاله !!
حك"عمر"مؤخرة رأسه ، و إختلج محياه بطريقة محيرة ، فأزاح طعامه جانبا ، و قال بعد تردد:
-كنت في بيت ماما.
رفعت"ياسمين"حاجبيها مستغربة ، ثم سألته في هدوء:
-طب ايه اللي قعدك هناك الوقت ده كله ؟؟
أطرق رأسه ، ثم أجابها بصوت حزين:
-اصلها وحشتني اوي ، و امبارح قلت اروح ازورها الاول و بعدين اطلع علي بيتها شوية ، فسرقني الوقت و اضطريت ابات هناك.
رمقته"ياسمين"بإشفاق ، و خطت تجاهه ، ثم قالت و هي تربت علي كتفه في حنان:
-ادعيلها يا عمر.
تنهد بثقل ، و نظر إليها ، ثم أومأ رأسه باسما ، فإبتسمت إليه بدورها ، ثم صاحت فجأة:
-صحيح نسيت اقولك .. في حاجة غريبة جدا حصلت امبارح !!
-ايه اللي حصل ؟؟
سألها في إهتمام مقطبا ، فأجابته:
-خالد جه اخد عبير بطريقة غريبة.
-خالد جه اخد عبير بطريقة غريبة !!
ردد مستغربا ، ثم عاد يسألها:
-مش فاهم يا ياسمين ! وضحي اكتر ؟؟
-انا كنت قاعدة مع داليا بنتكلم و فجأة سمعنا صوت حد بيصرخ.
- و بعدين ؟؟
سألها مترقبا ، فأجابت:
-و بعدين اكتشفنا ان عبير هي اللي كانت بتصرخ.
- كانت بتصرخ ليه ؟؟
-ماعرفش ، بس كل اللي اعرفه ان خالد جه اخدها بالعافية غصب عنها.
-غصب عنها !!
أومأت رأسها قائلة:
-فاطمة هي اللي شافت بنفسها و قالت كده.
عبس"عمر"من حديث"ياسمين"كما ساوره القلق أيضا ...
*******************************************************************************************
كان ذيل قميص نومها الشفاف يمسح ارض غرفتها ذهابا إيابا ، حتي ألقت بثقلها تعبة علي مقعد قرب الشرفة ، و ظلت مسمرة مكانها مدة طويلة ، فيما إنعكس ضؤ الشمس علي وجهها ، حيث ظهر تشوش عميق و إرتباك و حيرة ..
ثم فجأة سمعت صوت خشخشة صغيرة آت من الخارج ، و بعدها عم الهدوء مجددا ، فأقنعت نفسها بأن ما سمعته ليس سوي وهم مخيلتها ، لكنها سمعت الخشخشة نفسها مرة أخري ، حتي إتضح الصوت و تبينت أنه صوت محرك سيارة معينة ، فقفزت واقفة علي قدميها ، ثم هرعت إلي الشرفة ، و أطلت برأسها و هي تتمسك بالسياج ، فكادت لا تصدق ما رأته بأم عينها ..
لقد عاد"عز الدين"لقد عاد زوجها ، بدأ قلب"داليا"ينبض بسرعة بالغة ، فرجعت إلي الوراء مسرعة قبل أن يراها و يدها علي صدرها الذي راح يعلو و يهبط في إضطراب متزامن ، لم تعرف ماذا تفعل أو كيف تتصرف ، أخذتها المفاجأة علي غرة و لم تستطع أن تفعل شيئا ، بينما طغي عليها شعور الحنين و الأشتياق إلي زوجها ..
فإستدارت متجهة نحو الخزانة ، ثم أخرجت فستانا قمحيا قصير الأكمام و إرتدته علي عجل ، ثم توجهت إلي المرآة و نظرت إلي وجهها الأبيض الشاحب ، فعبست متأففة في ضيق ، ثم أمسكت بأدوات التجميل ، و بيد مرتعشة راحت تتبرج في خفة كي تمحي معالمها الشاحبة ..
إنتهت سريعا ، ثم ألقت نظرة خاطفة علي "عدنان"النائم بفراشه في هدوء ، و إندفعت راكضة إلي خارج الغرفة و داخلها شوق كبير لملاقاة"عز الدين"
و عندما هبطت الدرج ، إصطدم نظرها بعينيه الحادتين ، فتجمدت بأرضها ، و ظنت أن مطارق غضبه ستنهال علي رأسها ، لكنه تحرك فجأة بحقيبة أوراقه السوداء الصغيرة و أختفي بها داخل مكتبه دون أن يلفظ كلمة ، بينما إنتفضت"داليا"عندما أغلق الباب من خلفه بعنف ، ثم فجأة لم تستطع أن تري شيئا ، إذ غمرت الدموع عينيها فأغمضتهما بشدة ، فطاحت الدموع علي خديها غزيرة و حارة ..