📁 آخر الروايات

رواية حتي اقتل بسمة تمردك ج2 الفصل الثالث عشر 13 بقلم مريم غريب

رواية حتي اقتل بسمة تمردك ج2 الفصل الثالث عشر 13 بقلم مريم غريب


الحلقة (13):

في الصباح التالي ...
بدت الطائرة التي آقلت الركاب من مطار العاصمة البرازيلية (ريـو) إلي مطار العاصمة المصرية (القـاهرة) مليئة برجال الأعمال ، و السياح الأثرياء ..
بينما لجأ"عز الدين إلي مقعده مسرعا ، ليس بدافع التعب ، بل لأنه لم يآت من الفندق الذي أقام فيه بمفرده ، إذ كانت"جومانة"معه ..
فمنذ علمها بخبر سفره لإنجاز صفقة عمل مشتركة بينهما ، إختلقت الأسباب لكي ترافقه ، و ها هي تجلس في مقعدها إلي جانبه ، و شعرها الأسود الطويل يلامس كتفه ، فيما أغمضت عينيها ذات الرموش الطويلة بخوف مصطنع حين إرتفعت الطائرة الضخمة في السماء ، فإغتنمت الفرصة و مدت يديها ، و قبضت علي ذراع"عز الدين"الذي أدار وجهه إليها مقطبا ، بينما إبتسمت في رقة و هي تقول بتكاسل:
-sorry يا عز ، بس اصلي اتخضيت.
رفع"عز الدين"حاجبيه مستغربا ، ثم تخلص من مزاجه الأسود لاويا شفتيه في سخرية ، و قال:
-اتخضيتي ! ليه ؟ اول مرة تركبي طيارة ؟؟
قهقهت"جومانة"بغنج قائلة:
-لأ مش اول مرة ، لكن انت فاجئتني اننا هنرجع انهاردة مش بكرة فمكنتش مؤهلة نفسيا للسفر.
ثم تابعت بخفوت:
-ده غير ان انت من زمان وجودك جنبي بيوترني.
رمقها هازئا ، ثم صمت لثوان يتذكر تلك الأيام التي جمعته بها ، و في شبه إبتسامة قال ساخرا:
-طب ما تبعدي عني احسن .. طالما بوترك.
-ماقدرش ابعد عنك يا حبيبي.
هتفت هامسة قرب أذنه ، ثم أضافت و هي تنظر بعمق في عينيه الذهبتين:
-انا بحبك يا عز .. بحبك اوي ، و عمري ما هبطل احبك ابدا.
تنهد"عز الدين"بثقل و هو يرمقها في ضجر ، ثم أشاح بوجهه عنها ، و راح يحدق في شرود إلي السحب البيضاء عبر زجاج نافذة الطائرة المجاورة لمقعده ، و للمرة العاشرة إنغمس في التفكير بتلك الليلة التي كدرت مزاجه حتي الأن ..
كان مقتنعا في قرارة نفسه بأن لديه كل المبررات ليفقد أعصابه ، فقد جعلوه يبدو مغفلا طوال الوقت ، كل فرد بأسرته الصغيرة تآمر عليه ، الجميع تجاوزوا الحدود التي وضعها منذ سنوات طويلة ، فيما كان مقتنعا أيضا أن كل ذلك تم وفق تخطيط مسبق من"داليا"و هذا أكثر ما ضاعف غضبه ..
يا للنساء و قلوبهن الفولاذية و عقولهن الكبيرة التي تختفي وراء وجوه بريئة و أجسام مستسلمة كالحيات السامة ، لن يتكرر ذلك أبدا .. قال هذا من قبل ، لكنه هذه المرة يعني حقا ما يقول ...
مرت ثلاث ساعات و قليل علي إقلاع الطائرة من (ريـو) حتي وصلت إلي (القـاهرة) بينما دوي صوت نداء الوصول عاليا ، تتبعته المضيفة التي وقفت بمؤخرة الطائرة طالبة إلي الركاب إلتزام المقاعد و ربط الأحزمة إستعدادا للهبوط ، و بينما كان الجميع ينصاع إليها ، أخذ"عز الدين"يسعل بشدة ، فإلتفتت"جومانة"إليه متسائلة:
-مالك يا عز ؟ انت كويس ؟؟
أومأ"عز الدين"رأسه عابسا ، ثم عاوده السعال مجددا ، فقطبت"جومانة"حاجبيها قائلة:
-لا ده انت شكلك اخدت برد.
و أخيرا إنقضت الطائرة ذات اللون الفضي علي الأراضي المصرية ، قبل أن تهبط بهدو في مدرج مطار (القـاهرة) ...

**********************************************************************************************

عندما إستيقظت"عبير"كانت آشعة الشمس تسللت من بين ستائرحجرة النوم ، بينما ظلت خلال لحظات غير قادرة علي معرفة مكان وجودها ، فتجولت ببصرها بإرجاء الحجرة ، ثم وقع نظرها علي قطع ملابسها الممزقة و الملقاه أرضا إلي جانب الفراش ، فبسرعة أدارت وجهها و حدقت في آثار علي الوسادة المجاورة ، و في لمحة عادت إليها ذاكرتها ..
لقد جلبها"خالد"إلي هنا ليلة أمس ، و إنتزع منها الحب عنوة بعد ما أحيا جروحها و أهانها ، فيما كانت يداها مازالتا تشعران بملمس كتفيه العريضتين الصلبتين ، كما كان عقلها ما زال واعيا للكلمات الغير واضحة التي همس بها محموما في الليلة الماضية ، و تذكرت أنها إستغرقت في النوم قربه ، بعد بكائها الصامت المرير طوال الليل ...
أفاقت من شرودها منتفضة ، حين إنفتح باب الحجرة فجأة ، و ظهر من خلفه"خالد"
صوبت ناظريها تجاهه في ذعر حاولت إخفاؤه ، بينما كان يقترب من الفراش بخطي ثابتة ، و لما رفع رأسه كان الإكتفاء مرتسما علي وجهه ، مما جعل"عبير"تشعر بأحاسيس عنيفه حرقت داخلها ، إذ لم تكن مستعدة بعد لمواجهته ، بل أنها كانت تفضل ألا تراه بعد ما حدث ليلة أمس ... :
-يا تري هتفضلي في السرير كده كتير ؟؟
هتف"خالد"في جفاف و هو يقف أمام الفراش ، ثم صمت لثوان و تابع بفظاظة:
-قومي خدي دوش و عندك فستان كنتي نسيتيه هنا ، البسيه علي ما اتصل بحد في القصر يلم هدومك و يبعتها علي هنا.
أحست"عبير"إحتقانا ينصب إلي وجنتيها ، فأشاحت بوجهها مسرعة لتهرب من عينيه الحادتين ، ثم أغمضت عينيها بشدة ، بينما إتجه"خالد"إليها ، و دني منها حتي جلس علي حافة الفراش إلي جانبها ، ثم جذبها إلي صدره في قوة محيطا خصرها بذراع ، و مسندا رأسها و كتفيها بالأخري ، ثم صاح بها غاضبا:
-فتحي عينيكي.
أنتفضت مذعورة علي آثر صوته الحانق ، فإنصاعت لأمره و فتحت عينيها في بطء ، بينما عيناه راحتا تتآملانها كلها ، تحديدا كان يتأمل إنزلاق الغطاء الأبيض الناعم الذي أحاط بها مظهرا كتفيها العاريتين ، فيما كانت تراقبه من تحت أهدابها الكثة ، و لما لاحظت نظراته الجائعة ، رفعت الغطاء مسرعة بيدين مرتعشتين ، ثم إشتبك نظرها بنظر"خالد"الذي ظل صامتا يرمقها في تهكم باسما ، فخافت"عبير" أن يكون يحضر خطة جهنمية للإنتقام منها مجددا بصورة أخري ...
بينما نطق أخيرا ، فقال بصوت حاد:
-بعد كده لما اكون بكلمك تردي عليا ، سامعة ؟؟
شعرت بالدموع تحرق عينيها ، فكبحت وهنها بجهد ، و لم تتفوه بكلمة ، بل حاولت أن تتملص من قبضته بحرص خوفا أن ينزلق الغطاء عن جسدها ، لكنه منعها من الحركة ، ثم قال في عنف هادئ ، بعد ما أمسك بمعصمها و إنتزع يدها المتمسكة بالغطاء:
-من انهاردة ، مش هاسمحلك بأي تجاوز .. هاتشوفي واحد عمرك ما عرفتيه قبل كده ، هاتعيشي بس عشان تنفذي كلامي و اي حاجة آمرك بيها ، و في المقابل مش هاتكوني في عينيا غير واحدة رخيصة ، خلاص مش هاعاملك كزوجة ابدا من دلوقتي انتي ماتستهليش ، هاعرفك فرق المعاملة بين الزوجة و الست الرخيصة.
ثم إنحني صوب أذنها ، و همس بلهجة قاتمة:
-هاعيشك في سواد يا عبير.
قطبت حاجبيها غير مصدقة ، و فورا فاضت من عينيها دموع غزيرة ، قوية لا سبيل إلي ردها ، ثم خرج صوتها أخيرا ، فقالت بنبرة متهدجة:
-طيب ما تطلقني احسن و توفر علي نفسك تعب اهانتي و عقابي.
قهقه"خالد"بقوة ، فشعرت"عبير"بالإهانة و الكراهية العمياء له ، بينما عاد يقول ساخرا و تلك اللمعة الخبيثة تتراقص بمقلتيه:
-بالعكس يا عبير مش هايكون تعب ابدا.
ثم تابع مسمرا عينيه الثاقبتين في وجه"عبير"الشاحب و هو ما زال ممسكا بها:
-ده انا هبقي مبسوط جدا و انا ببصلك بنظرة مختلفة عمري ما تخيلت اني ابصهالك .. فعلا بعد ليلة امبارح اكتشفت ان التصرفات الرقيقة طلعت مملة.
و كي يدعم قوله ، ضمها بشدة ، هصرها هصرا ، و إنصب عليها بغضب بارد ، كأنه يريد أن يقاصصها و يحتقرها ، بينما راحت تنتحب بمرارة ، فرفع رأسه و رمقها في إزدراء قائلا:
-بتعيطي ! بتعيطي دلوقتي ؟ طب ماعيطتيش ليه ساعة مارخصتي نفسك قبل كده ؟؟
ثم هز رأسه متابعا:
-انا مش مصدق دموعك ، و عمري ما هصدقك تاني ابدا بعد كل اللي عملتيه.
ثم أضاف بصوت أجش:
-زمان كنت بقدرك ، لكن دلوقتي بحتقرك .. بس عشان لسا عايزك و ماستكفتش منك ، هتفضلي معايا لحد ما ازهق منك.
و من دون إظهار أي ندم أبعدها عنه في قسوة ، ثم نهض واقفا ، و إستدار مبتعدا بخطي سريعة ، حتي خرج صافقا باب الحجرة خلفه ، بينما ظلت"عبير"متجمدة بمكانها تعاني شعور الآسي و المهانة ...

******************************************************************************************

-انت كنت فين من امبارح يا عمر ؟؟
قالت"ياسمين"ذلك متسائلة و هي تقترب من"عمر"الذي كان يقف أمام طاولة طعام توسطت قاعة المطبخ الفسيح ، بينما إلتفت"عمر"إليها ، ثم أجابها و هو يلوك قطعة خبز بفمه:
-ياسمين ! انا كنت في مشوار كده مع ناس صحابي و لسا راجع من شوية.
سألته مستنكرة:
-مشوار ايه ده اللي يغيبك عن البيت يوم بحاله !!
حك"عمر"مؤخرة رأسه ، و إختلج محياه بطريقة محيرة ، فأزاح طعامه جانبا ، و قال بعد تردد:
-كنت في بيت ماما.
رفعت"ياسمين"حاجبيها مستغربة ، ثم سألته في هدوء:
-طب ايه اللي قعدك هناك الوقت ده كله ؟؟
أطرق رأسه ، ثم أجابها بصوت حزين:
-اصلها وحشتني اوي ، و امبارح قلت اروح ازورها الاول و بعدين اطلع علي بيتها شوية ، فسرقني الوقت و اضطريت ابات هناك.
رمقته"ياسمين"بإشفاق ، و خطت تجاهه ، ثم قالت و هي تربت علي كتفه في حنان:
-ادعيلها يا عمر.
تنهد بثقل ، و نظر إليها ، ثم أومأ رأسه باسما ، فإبتسمت إليه بدورها ، ثم صاحت فجأة:
-صحيح نسيت اقولك .. في حاجة غريبة جدا حصلت امبارح !!
-ايه اللي حصل ؟؟
سألها في إهتمام مقطبا ، فأجابته:
-خالد جه اخد عبير بطريقة غريبة.
-خالد جه اخد عبير بطريقة غريبة !!
ردد مستغربا ، ثم عاد يسألها:
-مش فاهم يا ياسمين ! وضحي اكتر ؟؟
-انا كنت قاعدة مع داليا بنتكلم و فجأة سمعنا صوت حد بيصرخ.
- و بعدين ؟؟
سألها مترقبا ، فأجابت:
-و بعدين اكتشفنا ان عبير هي اللي كانت بتصرخ.
- كانت بتصرخ ليه ؟؟
-ماعرفش ، بس كل اللي اعرفه ان خالد جه اخدها بالعافية غصب عنها.
-غصب عنها !!
أومأت رأسها قائلة:
-فاطمة هي اللي شافت بنفسها و قالت كده.
عبس"عمر"من حديث"ياسمين"كما ساوره القلق أيضا ...

*******************************************************************************************

كان ذيل قميص نومها الشفاف يمسح ارض غرفتها ذهابا إيابا ، حتي ألقت بثقلها تعبة علي مقعد قرب الشرفة ، و ظلت مسمرة مكانها مدة طويلة ، فيما إنعكس ضؤ الشمس علي وجهها ، حيث ظهر تشوش عميق و إرتباك و حيرة ..
ثم فجأة سمعت صوت خشخشة صغيرة آت من الخارج ، و بعدها عم الهدوء مجددا ، فأقنعت نفسها بأن ما سمعته ليس سوي وهم مخيلتها ، لكنها سمعت الخشخشة نفسها مرة أخري ، حتي إتضح الصوت و تبينت أنه صوت محرك سيارة معينة ، فقفزت واقفة علي قدميها ، ثم هرعت إلي الشرفة ، و أطلت برأسها و هي تتمسك بالسياج ، فكادت لا تصدق ما رأته بأم عينها ..
لقد عاد"عز الدين"لقد عاد زوجها ، بدأ قلب"داليا"ينبض بسرعة بالغة ، فرجعت إلي الوراء مسرعة قبل أن يراها و يدها علي صدرها الذي راح يعلو و يهبط في إضطراب متزامن ، لم تعرف ماذا تفعل أو كيف تتصرف ، أخذتها المفاجأة علي غرة و لم تستطع أن تفعل شيئا ، بينما طغي عليها شعور الحنين و الأشتياق إلي زوجها ..
فإستدارت متجهة نحو الخزانة ، ثم أخرجت فستانا قمحيا قصير الأكمام و إرتدته علي عجل ، ثم توجهت إلي المرآة و نظرت إلي وجهها الأبيض الشاحب ، فعبست متأففة في ضيق ، ثم أمسكت بأدوات التجميل ، و بيد مرتعشة راحت تتبرج في خفة كي تمحي معالمها الشاحبة ..
إنتهت سريعا ، ثم ألقت نظرة خاطفة علي "عدنان"النائم بفراشه في هدوء ، و إندفعت راكضة إلي خارج الغرفة و داخلها شوق كبير لملاقاة"عز الدين"
و عندما هبطت الدرج ، إصطدم نظرها بعينيه الحادتين ، فتجمدت بأرضها ، و ظنت أن مطارق غضبه ستنهال علي رأسها ، لكنه تحرك فجأة بحقيبة أوراقه السوداء الصغيرة و أختفي بها داخل مكتبه دون أن يلفظ كلمة ، بينما إنتفضت"داليا"عندما أغلق الباب من خلفه بعنف ، ثم فجأة لم تستطع أن تري شيئا ، إذ غمرت الدموع عينيها فأغمضتهما بشدة ، فطاحت الدموع علي خديها غزيرة و حارة ..


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات