رواية نفوس قاسية الفصل التاسع عشر 19 بقلم مني احمد حافظ
التاسعة عشر .واكتملت بك سعادتي.
---------------------------------------------
أبحث عنكِ في كل مكان فأين أنتِ؟ كيف تهربين من بين يدي؟
من ساعدك سأنتقم منه ومن الجميع إن لم تعودي لي، فقد أصبحتي هوسي ولعنتي ولم أعد أنا فماذا فعلتي بي، سأنال منكِ أينما كنتِ وستعودين ملكي مرة أخرى فإما أنا أو الموت!
جن فؤاد حينما لم يستطع الوصول لسهر ظل مرابطًا أمام الفندق لعلها تظهر وكذالك أمام بيت عمه صالح ولكنها اختفت عن الجميع، حتى منزل محمود الذي جعل مساعده يراقبه ليل نهار لم تظهر هناك أيضًا أصبح حاله من سيء إلى أسوأ فأهمل عمله وصار غاضبًا يخشاه الكل.
في حين جلس محمود في مكتبه يتابع عمله فسمع طرقات على الباب فرفع رأسه فرأى زميلته الجديدة التي انضمت إليهم منذ أسابيع وقفت أمام مكتبه تنظر إليه بحرج، فحدق بها متسائلًا حتى سمع صوتها المضطرب يقول:
- أستاذ محمود أنا محتاجة السي دي اللي فيه ميزانية شركة الألفي علشان هطبع منه بيانات محتاجين لها في الاجتماع بكرة.
انحنى محمود وفتح أحد الأدراج وأخرج حافظة السيديهات وفتحها ومد يده لها بما طلبته، فتلامست أصابعه بأصابعها فسقط منها السي دي وأحست باحمرار وجهها فتناوله مرة أخرى وحدق بها وهي تأخذه منه واستدارت وهي تسرع مغادرة، ترك مكانه وجلس على طرف مكتبه يتساءل عن حالة اضطرابها الغريبة تلك والتفت إلى زميله أشرف وسأله:
- ألا يا أشرف هي الأنسة الجديدة دي اسمها إيه.
رفع أشرف حاجبه وغمزه بعينه وقال له مشاكسًا إياه:
- إيه عينيك زاغت على التالتة ولا إيه، بص هو أنت أه جان فنفسك كده بس ما ترحم شوية يا عم محمود وتسيب لغيرك حاجة.
تذمر من مزاحه ولكنه تماشى مع حديثه وأردف:
- أنا مش هرد عليك غير أني هقولك أن الشرع حلل لحد أربعة وبعدين بلاش تطلع عني إشاعات أنا حاليا أعذب وأعول.
أبتعد أشرف مكتبه واقترب من مكتب محمود ووقف أمامه يتطلع نحوه بحيرة وقال:
- أنت طلقت الاتنين اللي على ذمتك مقولتش يعني ده أنت حكاية يا محمود.
زفر محمود بقوة ليطرد ذكرى سهر عن تفكيره وأجابه قائلًا:
- بعد سهر خلاص مافيش واحدة تملأ القلب ده يا أشرف وأنا خسرت سهر للأسف ومعاها قلبي.
سأله أشرف باهتمام وقد أحس بحزنه وقال:
- طيب ومراتك التانية ظروفها أيه.
تجلى الضيق على ملامح محمود لمجرى الحديث بينه وبين صديقه فزم شفتيه وأجابه بصوت جاف:
- أهي عايشة تربي ابنها وحاولت افهمها أن النصيب بينا اتقطع مش عايزة تفهم، هي مش عايزة ترجع تعيش مع والدتها علشان بتعايرها بالطلاق وخالها مقاطعها بسبب اللي عملته فسهر، وأمي هي اللي ضغطت عليا أردها علشان ياسين يتربى بينا واهو عايش وماشي زوج عازب زي ما أنت شايف.
لم يلحظ محمود وأشرف يارا التي عادت مرة أخرى لتسأله عن الاجتماع فاستمعت لحديثهم صدفة فسمعت محمود يقول:
- ما تقول بقى اسمها إيه أنا ملاحظ أنها خجولة وشكلها محترم.
ابتعد أشرف عن المكتب وقال:
- اسمها يارا وعلى فكرة دي مدام ولا أنت مخدتش بالك من الدبلة اللي لبساها فأيدها الشمال،معلش بقى يا بطل طلعت أوت المرة دي وطارت منك العروسة التالتة شوفلك غيرها.
لم يدر محمود لما شعر بالانزعاج فهمس بضيق:
- يا خسارة الظاهر إن ماليش فالطيب نصيب.
ابتعدت يارا عن المكتب سريعًا وهي تشعر بالحرج الشديد فجلست خلف مكتبها تفكر في محمود ونظرت إلى الدبلة التي مازلت ترتديها حتى بعد طلاقها لتبعد عنها مضايقات الرجال.
-----------------
وقف هاني يحدق بوجه الحج صالح ينتظر رده عليه فقال يستحثه على الكلام:
- ما أنت كده كده هتيجي معايا أنا بعتبرك فمقام والدي وبكرة ميعادي مع عم منال أنا لو متجوزتهاش هصور لكم قتيل.
ضحك صالح وهز رأسه بحيرة لحالة هاني الذي يريد الزواج بين يوم وليلة وأردف يقول:
- أنت وقعت ومحدش سمى عليك فينك يا سهر كان زمانها ظبطتك تريقة على حالك ده، أهدى يا ابني أنا هروح معاك اكيد مش لازم اطمن على مرات ابني ولا ايه.
قبل هاني يد صالح وقال:
- هتصل بقى بآدم وأبلغه.
نهاه صالح عن الاتصال بهما وقال:
- سيبهم يا ابني دول ملهمش أسبوع مسافرين ويلا قوم روح وجهز نفسك عايزك تشرفني بكرة وحضر هدية حلوة للعروسة، آه وهات لها خاتم دهب هدية مني ليها.
احتضن هاني صالح وقال:
- أنا مش عارف كنت هعمل إيه من غيرك وعمومًا هدية مقبولة يلا سلام يا حجوج.
----------------
- على مهلك يا سهر أنتِ بتجري كده ليه.
هتف بها آدم وهو يعدو خلف سهر فالتفتت إليه تضحك ووقفت بعد فترة وهي تقول وقد شعرت بالسعادة تغمرها:
- كسبتك يا آدم ياه أول مرة أجري بالشكل دا، أنا مبسوطة ربنا ميحرمنيش منك.
وقف آدم ينظر لها وصدره يعلو ويهبط وأنفاسه تتسارع وأجابها والسعادة تغمر نفسه كونه رأى سعادتها بعيناه:
- لا أنتِ بعد كده تجري في الماراثون أنا مش قدك كل يوم تكسبيني كده فالجري.
اقتربت منه سهر وقالت:
- ما أنت بتغلبني بالشطرنج ولا أنت عايز تكسبني فكل حاجة.
همس لها آدم وهو يحتضنها:
- أنا مش عايز غير أني أكسب قلبك وبس.
قبلته سهر من وجنته وقالت:
- قلبي دا ملك ليك من زمان من أول مرة شوفت عيونك فيها أنا بحبك أوي يا آدم.
ركز آدم عيناه على شفتيها وتنهد وابتعد عنها فعبست سهر وقالت تسأله ببراءة:
- مالك يا آدم وبعدين أنت بعدت عني ليه.
لم يجيبها آدم وسار أمامها عائدًا إلى منزلهم فهزت سهر كتفيها وهمست:
- ماله ده هو أنا زعلته فـ حاجة ولا أيه.
تحاشاها آدم خلال النهار فانزوت سهر بعيدًا عنه أحترامًا لعزلته حتى سمعت ندائه ففتحت باب غرفتها وخرجت تبحث عنه فوجدته يقف في المطبخ ورفع عيناه لها وقال:
- الغدا جاهز يا سهر يلا علشان نلحق ميعاد الدكتور.
زفرت سهر بضيق وقالت معترضة:
- بس أنا مش عاوزة اروح يا آدم.
عقد آدم حاجبيه وأردف بلهجة حازمة:
- وبعدين يا سهر مش اتفقنا نكمل علاجنا ونسمع الكلام أنتِ ملكيش جلستين.
لوت سهر شفتيها وقالت:
- من الأخر مش مرتاحة للدكتور أنا أصلا مش مرتاحة أحكي لراجل مش عايزة أتعامل مع رجالة من الأساس، أنت ليه مش عايز تفهم النقطة دي ومُصر اتعامل مع الدكتور ده.
حدق بها لثوان وثارت ريبته بذاك الطبيب ظنًا منه تطاوله عليها فسألها بحذر قلق:
- هو ضيقك فحاجة أحكي لي علشان لو مسك أنا همحيه من على وش الدنيا و.
قاطعته سهر قائلة:
- أهدى وبلاش تظلم الدكتور هو معملش حاجة على فكرة هو محترم بس العيب فيا أنا مش حابة أتعامل مع حد.
زفر آدم بضيق وأردف يحذرها:
- بس كده هتفضلي طول حياتك موقفه حياتك في قالب واحد مش هتعرفي تعيشي ولا تتعاملي مع الناس، أومال لما أنزلك الشركة معايا فمصر هتعملي أيه.
حدقت به سهر بدهشة وأشارت إلى نفسها وسألته:
- أنا أنزل الشركة معاك أزاي يا آدم ما أنت عارف أن معييش شهادة جامعية ولا.
غادر آدم من المطبخ ووقف بجانبها وقال:
- لما نرجع من الجلسة نبقى نتكلم فى الموضوع ده يلا نتغدى علشان نلحق الميعاد.
بعد مرور ساعة كانت سهر تجلس أمام الطبيب فوق الأريكة عابسة الوجه في حين تابعها الطبيب باهتمام وفجأة سألها:
- أنتِ ليه رافضة تكملي العلاج.
تنهدت سهر وهي تتهرب من عينا الطبيب وهمست:
- علشان أنا مش عيانة أنا كل المشكلة أني مش متقبلة أتعامل مع ناس غريبة عني.
حدق بها إبراهيم وقال:
- بس أنتِ بتتعاملي كويس مع أي حد أنا لاحظت ده أنتِ كل المشكلة أنك خايفة تواجهي نفسك أنك تقدري تعيشي خايفة حد يتسبب في أذى ليكِ، علشان كده قافلة على نفسك بس أنتِ بالشكل ده هتعقدي حياتك يا مدام سهر لازم تواجهي خوفك اللي جواكِ من نفسك اتقبلي نفسك.
هزت سهر رأسها بحزن وقالت:
- بس أنا فعلًا خايفة، خايفة أعيش عادي وأرجع أتوجع تاني خايفة أكون لوحدي من غير الإنسان اللي بحبه، خايفة أواجه الدنيا وتكسرني تاني زي زمان.
تحرك إبراهيم وعاد إلى مكتبه وقال:
- حاولي لازم تدي نفسك فرصة وألا فعلًا أنتِ اللي هتبقي اللي بتأذي نفسك أنا هأجل الجلسة معاكِ النهاردة وخدي وقت لو فشلتي هتلاقيني فـ انتظارك.
اعتدلت سهر وهي تشعر بالراحة وابتسمت موافقة ووقفت لتنصرف، فخرجت بحثت بعينيها عن آدم ولكنها لم تجده فبحثت في حقيبتها عن هاتفها وتذكرت أنها تركته في غرفتها، فتنهدت وتركت العيادة وقفت أمام بابها تبحث عنه يمينًا ويسارًا فشعرت بخوف أن يكون مل منها فجلست أرضًا تبكي لتلحظ عيناها ظلًا يقف أمامها فرفعت بصرها ووقفت بسرعة ولم تتمالك أعصابها لتنهال على صدره بضربات وهي تصيح بوجهه:
- أنت وعدتني مش هتسبني قلت مش هتبعد عني روحت فين وسبتني يا آدم.
قبض آدم على يدها وضمها إليه معتذرًا وقال:
- آسف والله جالي تليفون مهم فروحت فرع الشركة بسرعة وجيت إنما أنتِ أيه اللي نزلك قبل ميعادك يا سهر ولا أنتِ محضرتيش الجلسة.
أسندت سهر رأسها على صدر آدم وقالت:
- الدكتور اداني راحة فترة و.
حدق بها آدم وهم أن يتكلم فأكملت سهر:
- لو مش مصدقني أطلع أسأله.
عبس آدم وأردف يطمأنها:
- أنا مصدقك يا سهر بس مش فاهم ليه يعني.
همست سهر بحرج:
- شايف أني أدي نفسي فرصة أحاول أتعامل مع الناس عادي ولو مقدرتش ارجع تاني يعني هو بيمتحني المهم أنا عايزة أروح.
أبعد آدم عيناه عن سهر وهتف يخبرها:
- طيب ما تيجي نتمشى شوية ونتعشى فأي مطعم تغيير بدل قعدة البيت.
أبتسمت سهر بألم ووافقته بصوتٍ خافت:
- وماله يلا بينا.
جلس آدم أمامها شارد الذهن يفكر فالأيام القادمة كيف سيقضيها معها طوال الوقت في المنزل، فهو لم يترك مكانًا إلا واخذها إليه والآن سيضطر للبقاء معها وهو لم يعد يتحمل قربها منه بأي شكل فقدرته على التحمل تلاشت، انتبه آدم لسهر تناديه فحدق بعيناها وتعلل قائلًا:
- أنا تعبان يا سهر ينفع نرجع البيت.
عادت سهر هي وأدم وسرعان ما تركها وولج إلى غرفته كعادته وأغلق بابها خلفه هربًا منها، في حين اتجهت سهر إلى غرفتها بخطى رتيبة شاردة الفكر وجلست فوق طرف فراشها تتساءل بسر تغير آدم معها، وأخذت تعيد التفكير فيما حدث بينهما منذ تزوجا وجاء بها إلى هنا لتزم سهر شفتيها بعدما أدركت أنها تمادت كثيرًا معه وحملته أكثر مما يستحق، ففي كل مرة يبتعد عنها كي لا يُخيفها منه تقترب هي منه غافلة عن الضغط النفسي الذي تثقل كاهله به، زفرت سهر بقوة وحاولت استجماع شجاعتها وتركت مكانها واتجهت صوب خزانتها ومدت يدها وسحبت إحدى منامتها التي أخفتهم عن عيناها وأتجهت إلى المرحاض تتهيأ لتخطو الخطوة الأولى بحياتهما سويًا فكما أخبرها الطبيب عليها البدأ إن أرادت أن تعبر حاجز الماضي، وعليها حقا أن تتماسك أكثر وتعطي نفسها تلك الفرصة من أجل آدم الذي بذل كل ما في وسعه لإسعادها، انهت سهر اغتسالها وغادرت المرحاض ووقفت أمام المرآة وأغمضت عيناها عن الندوب التي ظهرت من منامتها وازدردت لعابها وتركت غرفتها على مضض بعدما تعطرت واتجهت نحو غرفة آدم بقلب يرجف خوفًا، طرقت بابه ونادت اسمه بصوت مهتز ولكنها لم تسمع إجابته فولجت ووقفت تتطلع إلى الغرفة الفارغة بحيرة تتساءل إلى أين ذهب زوجها دون أن يخبرها، خطت صوب شرفة غرفته ووقفت تحدق بالسماء وحين أحست ببعض البرودة استدارت لتغادرها ليصدمها وجود آدم وقد أنهى أغتساله ووقف أمامها عاري الصدر فحدقت به بصمت فانتبه آدم لوجودها وأحس بقلبه يفقد جميع دقاته دفعة واحدة فشهق بقوة يحاول استعادة قدرته على التنفس لينبض قلبه بقوة وابتلع غصته وهو يحاول حث عيناه على عدم النظر إليها، فاستدار عنها وهو يحاول السيطرة على أعصابه فسمع صوتها يهمس بعشق تقول:
- آدم.
مرر آدم يده في شعره الرطب لتصدمه سهر باحتضانه من ظهره فتفجرت براكين اشتياقه إليها وقال بصوت تملؤه الرغبة:
- سهر أرجوكِ بلاش.
همست سهر بضعف:
- ساعدني يا آدم أرجوك حاول معايا وأصبر عليا و.
استدار آدم بعصبية واضحة فهو على وشك نقض عهده معها بسبب قربها المهلك له فحدق بها وقال:
- مش هقدر أقبل أنك ترفضيني تاني يا سهر خليني بعيد لحد ما تكملي علاجك و.
لم يكمل آدم جملته لبكاء سهر المفاجئ لتصدمه بإخفاء ما يظهر من جسدها أمامه بيدها وقالت بقلب منفطر:
- قول أنك مش قادر تشوفني بشكلي ده قول أنك اللي رافض تلمسني علشان مشمئز مني.
حدق بها آدم بصدمة فهو لم يفكر أبدًا هكذا ليفاجئها برفعها بين يديه وتوجه بها إلى فراشه ومددها ببطء وهو يتعمد ملامسة جسدها بيده ونظر إلى جسدها المغطى بقميصها فمال على رقبتها يقبل تلك الندبة التي ظهر جزء منها أمامه، فشهقت سهر ومدت يدها تحاول أن تغلق الضوء ولكنه أبعد يدها فهمست بصوت يتألم:
- اقفل النور علشان.
وضع آدم أصبعه على شفتيها وقال بصوت أجش يحاول التحكم في رغبته التي اشتعلت:
- أنا عايزك فالنور مش فى الضلمة يا سهر عايز أشوف كل جرح علشان أعلم عليه بحبي ليكِ سيبيني انسيكي أي وجع حستيه.
وانهال عليها يقبل كل ندبة في جسدها لتغرق سهر بإحساس آدم وتتجاوب معه وتبادله المشاعر وانصهرت بين يديه ليخطفها آدم إلى عالم عاشه معها في أحلامه والآن أصبح واقعًا ينبض حياة.
-------------------------
هل تمنح الحياة فرصة أخرى لقلبي لا أصدق أخشى من أن تكون سعادتي وهما أسير إليه مغمض العين، لم يصدق هاني أنه يرتدي دبلة في يده فجلس يحملق في وجه منال الساهمة فانتهز الفرصة وقال:
- هو ينفع أخرج أنا ومنال يا أمي.
ابتسمت له فوزية بحنان وقالت:
- ماشي بس بلاش تأخرها يابني أنت عارف الناس وكلامها.
جلست منال بجانب هاني لينطلق بسيارته فالتفت له بحدة وقالت:
- حلو أوي التدبيسة اللي حضرتك دبستني فيها دي مبسوط كده متعود حضرتك تاخد أي حاجة تعوزها.
أوقف هاني سيارته فجأة بعدما سمع كلمات منال التي تقطر ألم فاندفعت للأمام وارتطم رأسها بالزجاج فصرخت متألمة فلم يهتم هاني بألمها وصاح بوجهها قائلًا:
- أنا دبستك يعنى إيه الكلام ده هو أنا غصبتك على الخطوبة ما تفهميني وبعدين أنتِ تعرفي عني أيه علشان تحكمي عليا بالشكل ده.
أبعدت منال عيناها عنه وهي تلمس جبهتها بأصابعها وقالت بغيظ:
- أيوة غصبتني لما طمعت عمي فيك وصمم أن لازم أقبل بيك وأنا مكنتش موافقة وآه أحكم عليك ولا أنت ناسي طريقتك معايا أول مرة شوفتني.
بهت هاني من كلامها وقال وقد ثار كبريائه:
- عمك اللي غصب عليكِ توافقي عليا وأنتِ أصلًا مش موافقة، طيب ليه مكلمتنيش وقولتي لي ما أنا سايب لكم رقمي.
بكت منال ولم تستطع أخباره بتهديد عمها لها بمنع المساعدة التي يدفعها لهم إذا رفضت فقالت:
- أنا مش عايزة أتجوز أصلًا وهو شايف أنك عريس ميترفضش و.
أشار هاني لها لتصمت فخلع دبلته من أصبعه ومد يده وقبض على يدها ووضعها فيها واستدار عنها ليقود مرة أخرى عائدًا إلى منزلها ولم يحاول النظر إليها، شعر هاني بألم يصيب قلبه فتلك هي المرة الثانية التي يتعرض فيها للرفض، ففي المرة الأولى أخذته حماسة الشباب وظن أن بتقدمه للفتاة التي اعجب بها أنها ستوافق عليه لتصدمه بأنه لا يليق بمستواها المادي، فقرر أن ألا يعيد التجربة إلا ومعه ما يقدمه لغيرها وها هي منال ترفضه هي الأخرى، قطع عليه شروده عنها سماعه شهقات بكائها فنظر إليها وهمس بألم يسألها:
- بتعيطي ليه دلوقتي أنا بحلك من ارتباطك بيا يعني مفيش أي داعي لزعلك وعياطك، اللي يشوف دموعك يفتكرك دايبة فيا بصي يا أنسة منال أنا مقبلش أبدًا على كرامتي أني أخد واحدة غصب عنها وإن كان على عمك قوليله أني أنا اللي رجعت في كلامي علشان ميعملش ليكي مشاكل، ومتخافيش يا منال أنا مش هضايقك تاني ومش هتشوفيني فطريقك تاني، أنا مش مراهق أنا راجل مكلف واللي مقبلوش على أختي مقبلوش على غيرها ممكن تبطلي عياط بقى.
ازداد بكاء منال فأوقف هاني سيارته والتفت إليها يقول:
- مالك بقى ما خلاص قلت مش هغصبك.
حدقت به منال كأنها تراه للمرة الأولى ومسحت دموعها لتمد يدها إليه بالدبلة مرة أخرى وقالت:
- يعني يرضيك يتقال عليا معداش عليا ساعة وخطيبي سبني.
سب هاني بغلظة ليصدم منال بكلامه فقال بعصبية:
- يعني أيه أنتِ عايزة أيه بالظبط.
أجابته منال وقالت:
- يعني ألبس دبلتك تاني وخلينا حتى ولو شهر ولا حاجة وبعدين تبقى تفسخ الخطوبة ممكن، أنت قلت اللي مترضهوش على أختك مش هترضاه لغيرها.
أخذ هاني الدبلة منها ووضعها في أصبعه مرة أخرى وقال:
- حاضر يا منال بس أبقى بلغيني بالوقت اللي ينفع ننهي فيه الخطوبة وأنا تحت أمرك.
-----------------
أخشى نظراتهم لي دوما فهم يظنون كوني وحيدة في الحياة فيسهل على أيا منهم قنصي ونصب الفخاخ لي، لقد تعبت منك يا حياة تعبت من عبثك معي ألن تنتهي تلك الأفكار السيئة لاعيش حياتي كما أريد، وقفت يارا تبحث بعيناها عن سيارة أجرة لتعود إلى منزلها ولكنها لم تجد فسمعت صوت محمود من خلفها يقول:
- أزيك يا مدام يارا أنتِ النهاردة اتأخرتي ودي مش من عوايدك تتأخري كده، بصي لو تحبي ممكن اوصلك في طريقي بدل وقفتك كده أنا طلبت أوبر وزمانه جاي.
نظرت له يارا بحرج وقالت:
- لا لا مش لازم يا أستاذ محمود دلوقتي ألاقي تاكسي متشغلش بالك.
أجابها محمود:
- يعني أيه مشغلش باللي ماهو مينفعش اسيبك واقفة كده وامشي أهي العربية وصلت تعالي أوصلك يلا بدل ما الوقت يتأخر عن كده.
جلست يارا بجانبه وهي تشعر بالحرج فالتفت لها محمود يراقب ملامحها الهادئة وتنهد فنظرت له يارا تسأله:
- مالك يا أستاذ محمود.
ابتسم محمود وقال:
- مافيش بس الظاهر أن الإنسان مكتوب عليه لما يلاقي الحاجة اللي محتاج لها الدنيا تعاكسه وتحرمه منها ومش دايما يوصلها رغم أنه بيحتاج لها أوي.
حدقت به يارا بعدم فهم وقالت:
- قصدك إيه مش فاهمة.
تنهد محمود مرة أخرى وقال:
- مينفعش تفهمي للأسف.
سألته يارا وركزت النظر لعيناه وقالت:
- ليه مينفعش افهم؟
أشار محمود إلى الدبلة التي تزين يدها اليسرى فشعرت يارا بالخجل وخفضت عيناها تلعب دون وعي بدبلتها ووجدت نفسها تصرح قائلة:
- أنا مطلقة يا أستاذ محمود ولابسة الدبلة علشان الناس مبتسبش حد فحاله وقبل ما تفكيرك يوديك لناحية غلط، أنا بوضح لك لأن حسيت أنك إنسان محترم ومش هتستغل أني مطلقة ولأني مش بشوف منك بصات غريبة زي اللي بشوفها في تعاملاتي وكمان حضرتك متجوز وعندك طفل.
فاجئها محمود بسحب الدبلة من يدها وقال وهو يبتسم:
- ياه يا شيخة طيب متبقيش تلبسيها تاني بقى ولو عايزة دبلة يبقى تلبسي دبلتي أنا وبس.
شهقت يارا من جرأة محمود وهمت أن تعترض فأسرع يقول:
- أنا صحيح متجوز بس منفصل عن مراتي لأسباب لو وافقتي عليا هفهمالك وهقولك على كل حاجة، وعلشان دماغك متروحش لتفكير غلط أنا فعلا عايز اتجوزك لأني حسيت أنك الانسانة اللي هقدر أكمل معاها حياتي ها أجيب صفصف وأجي اتقدملك أمته.
احمر وجه يارا وهمست بخجل غير مصدقه لما قاله:
- بس أنت فاجأتني وبعدين أنت متعرفش حاجة عني و.
قاطعها محمود وقال:
- اللي أعرفه يكفي وصدقيني مش هتندمي أبدًا ها أيه رأيك.
هزت يارا رأسها موافقه فهي تشعر بالراحة معه وكان قد لفت انتباهها منذ عملت في الشركة، فهو الوحيد الذي لم ينظر لها بتلك النظرات التي كانت تخيفها دومًا من الرجال.
----------------
استند فؤاد على مقعده وهو يتنهد براحة وقال لنفسه:
- أخيرًا عرفت مكانك يا سهر عمومًا أنتِ المرة دي مش هتفلتي مني وهعرف اجيبك تاني لو أنتِ فاكرة أنه هيقدر يحميكِ مني تبقى بتحلمي، مش فؤاد اللي يتحداه حد ولا ياخد منه حد حاجة عاوزها.
---------------------------------------------
أبحث عنكِ في كل مكان فأين أنتِ؟ كيف تهربين من بين يدي؟
من ساعدك سأنتقم منه ومن الجميع إن لم تعودي لي، فقد أصبحتي هوسي ولعنتي ولم أعد أنا فماذا فعلتي بي، سأنال منكِ أينما كنتِ وستعودين ملكي مرة أخرى فإما أنا أو الموت!
جن فؤاد حينما لم يستطع الوصول لسهر ظل مرابطًا أمام الفندق لعلها تظهر وكذالك أمام بيت عمه صالح ولكنها اختفت عن الجميع، حتى منزل محمود الذي جعل مساعده يراقبه ليل نهار لم تظهر هناك أيضًا أصبح حاله من سيء إلى أسوأ فأهمل عمله وصار غاضبًا يخشاه الكل.
في حين جلس محمود في مكتبه يتابع عمله فسمع طرقات على الباب فرفع رأسه فرأى زميلته الجديدة التي انضمت إليهم منذ أسابيع وقفت أمام مكتبه تنظر إليه بحرج، فحدق بها متسائلًا حتى سمع صوتها المضطرب يقول:
- أستاذ محمود أنا محتاجة السي دي اللي فيه ميزانية شركة الألفي علشان هطبع منه بيانات محتاجين لها في الاجتماع بكرة.
انحنى محمود وفتح أحد الأدراج وأخرج حافظة السيديهات وفتحها ومد يده لها بما طلبته، فتلامست أصابعه بأصابعها فسقط منها السي دي وأحست باحمرار وجهها فتناوله مرة أخرى وحدق بها وهي تأخذه منه واستدارت وهي تسرع مغادرة، ترك مكانه وجلس على طرف مكتبه يتساءل عن حالة اضطرابها الغريبة تلك والتفت إلى زميله أشرف وسأله:
- ألا يا أشرف هي الأنسة الجديدة دي اسمها إيه.
رفع أشرف حاجبه وغمزه بعينه وقال له مشاكسًا إياه:
- إيه عينيك زاغت على التالتة ولا إيه، بص هو أنت أه جان فنفسك كده بس ما ترحم شوية يا عم محمود وتسيب لغيرك حاجة.
تذمر من مزاحه ولكنه تماشى مع حديثه وأردف:
- أنا مش هرد عليك غير أني هقولك أن الشرع حلل لحد أربعة وبعدين بلاش تطلع عني إشاعات أنا حاليا أعذب وأعول.
أبتعد أشرف مكتبه واقترب من مكتب محمود ووقف أمامه يتطلع نحوه بحيرة وقال:
- أنت طلقت الاتنين اللي على ذمتك مقولتش يعني ده أنت حكاية يا محمود.
زفر محمود بقوة ليطرد ذكرى سهر عن تفكيره وأجابه قائلًا:
- بعد سهر خلاص مافيش واحدة تملأ القلب ده يا أشرف وأنا خسرت سهر للأسف ومعاها قلبي.
سأله أشرف باهتمام وقد أحس بحزنه وقال:
- طيب ومراتك التانية ظروفها أيه.
تجلى الضيق على ملامح محمود لمجرى الحديث بينه وبين صديقه فزم شفتيه وأجابه بصوت جاف:
- أهي عايشة تربي ابنها وحاولت افهمها أن النصيب بينا اتقطع مش عايزة تفهم، هي مش عايزة ترجع تعيش مع والدتها علشان بتعايرها بالطلاق وخالها مقاطعها بسبب اللي عملته فسهر، وأمي هي اللي ضغطت عليا أردها علشان ياسين يتربى بينا واهو عايش وماشي زوج عازب زي ما أنت شايف.
لم يلحظ محمود وأشرف يارا التي عادت مرة أخرى لتسأله عن الاجتماع فاستمعت لحديثهم صدفة فسمعت محمود يقول:
- ما تقول بقى اسمها إيه أنا ملاحظ أنها خجولة وشكلها محترم.
ابتعد أشرف عن المكتب وقال:
- اسمها يارا وعلى فكرة دي مدام ولا أنت مخدتش بالك من الدبلة اللي لبساها فأيدها الشمال،معلش بقى يا بطل طلعت أوت المرة دي وطارت منك العروسة التالتة شوفلك غيرها.
لم يدر محمود لما شعر بالانزعاج فهمس بضيق:
- يا خسارة الظاهر إن ماليش فالطيب نصيب.
ابتعدت يارا عن المكتب سريعًا وهي تشعر بالحرج الشديد فجلست خلف مكتبها تفكر في محمود ونظرت إلى الدبلة التي مازلت ترتديها حتى بعد طلاقها لتبعد عنها مضايقات الرجال.
-----------------
وقف هاني يحدق بوجه الحج صالح ينتظر رده عليه فقال يستحثه على الكلام:
- ما أنت كده كده هتيجي معايا أنا بعتبرك فمقام والدي وبكرة ميعادي مع عم منال أنا لو متجوزتهاش هصور لكم قتيل.
ضحك صالح وهز رأسه بحيرة لحالة هاني الذي يريد الزواج بين يوم وليلة وأردف يقول:
- أنت وقعت ومحدش سمى عليك فينك يا سهر كان زمانها ظبطتك تريقة على حالك ده، أهدى يا ابني أنا هروح معاك اكيد مش لازم اطمن على مرات ابني ولا ايه.
قبل هاني يد صالح وقال:
- هتصل بقى بآدم وأبلغه.
نهاه صالح عن الاتصال بهما وقال:
- سيبهم يا ابني دول ملهمش أسبوع مسافرين ويلا قوم روح وجهز نفسك عايزك تشرفني بكرة وحضر هدية حلوة للعروسة، آه وهات لها خاتم دهب هدية مني ليها.
احتضن هاني صالح وقال:
- أنا مش عارف كنت هعمل إيه من غيرك وعمومًا هدية مقبولة يلا سلام يا حجوج.
----------------
- على مهلك يا سهر أنتِ بتجري كده ليه.
هتف بها آدم وهو يعدو خلف سهر فالتفتت إليه تضحك ووقفت بعد فترة وهي تقول وقد شعرت بالسعادة تغمرها:
- كسبتك يا آدم ياه أول مرة أجري بالشكل دا، أنا مبسوطة ربنا ميحرمنيش منك.
وقف آدم ينظر لها وصدره يعلو ويهبط وأنفاسه تتسارع وأجابها والسعادة تغمر نفسه كونه رأى سعادتها بعيناه:
- لا أنتِ بعد كده تجري في الماراثون أنا مش قدك كل يوم تكسبيني كده فالجري.
اقتربت منه سهر وقالت:
- ما أنت بتغلبني بالشطرنج ولا أنت عايز تكسبني فكل حاجة.
همس لها آدم وهو يحتضنها:
- أنا مش عايز غير أني أكسب قلبك وبس.
قبلته سهر من وجنته وقالت:
- قلبي دا ملك ليك من زمان من أول مرة شوفت عيونك فيها أنا بحبك أوي يا آدم.
ركز آدم عيناه على شفتيها وتنهد وابتعد عنها فعبست سهر وقالت تسأله ببراءة:
- مالك يا آدم وبعدين أنت بعدت عني ليه.
لم يجيبها آدم وسار أمامها عائدًا إلى منزلهم فهزت سهر كتفيها وهمست:
- ماله ده هو أنا زعلته فـ حاجة ولا أيه.
تحاشاها آدم خلال النهار فانزوت سهر بعيدًا عنه أحترامًا لعزلته حتى سمعت ندائه ففتحت باب غرفتها وخرجت تبحث عنه فوجدته يقف في المطبخ ورفع عيناه لها وقال:
- الغدا جاهز يا سهر يلا علشان نلحق ميعاد الدكتور.
زفرت سهر بضيق وقالت معترضة:
- بس أنا مش عاوزة اروح يا آدم.
عقد آدم حاجبيه وأردف بلهجة حازمة:
- وبعدين يا سهر مش اتفقنا نكمل علاجنا ونسمع الكلام أنتِ ملكيش جلستين.
لوت سهر شفتيها وقالت:
- من الأخر مش مرتاحة للدكتور أنا أصلا مش مرتاحة أحكي لراجل مش عايزة أتعامل مع رجالة من الأساس، أنت ليه مش عايز تفهم النقطة دي ومُصر اتعامل مع الدكتور ده.
حدق بها لثوان وثارت ريبته بذاك الطبيب ظنًا منه تطاوله عليها فسألها بحذر قلق:
- هو ضيقك فحاجة أحكي لي علشان لو مسك أنا همحيه من على وش الدنيا و.
قاطعته سهر قائلة:
- أهدى وبلاش تظلم الدكتور هو معملش حاجة على فكرة هو محترم بس العيب فيا أنا مش حابة أتعامل مع حد.
زفر آدم بضيق وأردف يحذرها:
- بس كده هتفضلي طول حياتك موقفه حياتك في قالب واحد مش هتعرفي تعيشي ولا تتعاملي مع الناس، أومال لما أنزلك الشركة معايا فمصر هتعملي أيه.
حدقت به سهر بدهشة وأشارت إلى نفسها وسألته:
- أنا أنزل الشركة معاك أزاي يا آدم ما أنت عارف أن معييش شهادة جامعية ولا.
غادر آدم من المطبخ ووقف بجانبها وقال:
- لما نرجع من الجلسة نبقى نتكلم فى الموضوع ده يلا نتغدى علشان نلحق الميعاد.
بعد مرور ساعة كانت سهر تجلس أمام الطبيب فوق الأريكة عابسة الوجه في حين تابعها الطبيب باهتمام وفجأة سألها:
- أنتِ ليه رافضة تكملي العلاج.
تنهدت سهر وهي تتهرب من عينا الطبيب وهمست:
- علشان أنا مش عيانة أنا كل المشكلة أني مش متقبلة أتعامل مع ناس غريبة عني.
حدق بها إبراهيم وقال:
- بس أنتِ بتتعاملي كويس مع أي حد أنا لاحظت ده أنتِ كل المشكلة أنك خايفة تواجهي نفسك أنك تقدري تعيشي خايفة حد يتسبب في أذى ليكِ، علشان كده قافلة على نفسك بس أنتِ بالشكل ده هتعقدي حياتك يا مدام سهر لازم تواجهي خوفك اللي جواكِ من نفسك اتقبلي نفسك.
هزت سهر رأسها بحزن وقالت:
- بس أنا فعلًا خايفة، خايفة أعيش عادي وأرجع أتوجع تاني خايفة أكون لوحدي من غير الإنسان اللي بحبه، خايفة أواجه الدنيا وتكسرني تاني زي زمان.
تحرك إبراهيم وعاد إلى مكتبه وقال:
- حاولي لازم تدي نفسك فرصة وألا فعلًا أنتِ اللي هتبقي اللي بتأذي نفسك أنا هأجل الجلسة معاكِ النهاردة وخدي وقت لو فشلتي هتلاقيني فـ انتظارك.
اعتدلت سهر وهي تشعر بالراحة وابتسمت موافقة ووقفت لتنصرف، فخرجت بحثت بعينيها عن آدم ولكنها لم تجده فبحثت في حقيبتها عن هاتفها وتذكرت أنها تركته في غرفتها، فتنهدت وتركت العيادة وقفت أمام بابها تبحث عنه يمينًا ويسارًا فشعرت بخوف أن يكون مل منها فجلست أرضًا تبكي لتلحظ عيناها ظلًا يقف أمامها فرفعت بصرها ووقفت بسرعة ولم تتمالك أعصابها لتنهال على صدره بضربات وهي تصيح بوجهه:
- أنت وعدتني مش هتسبني قلت مش هتبعد عني روحت فين وسبتني يا آدم.
قبض آدم على يدها وضمها إليه معتذرًا وقال:
- آسف والله جالي تليفون مهم فروحت فرع الشركة بسرعة وجيت إنما أنتِ أيه اللي نزلك قبل ميعادك يا سهر ولا أنتِ محضرتيش الجلسة.
أسندت سهر رأسها على صدر آدم وقالت:
- الدكتور اداني راحة فترة و.
حدق بها آدم وهم أن يتكلم فأكملت سهر:
- لو مش مصدقني أطلع أسأله.
عبس آدم وأردف يطمأنها:
- أنا مصدقك يا سهر بس مش فاهم ليه يعني.
همست سهر بحرج:
- شايف أني أدي نفسي فرصة أحاول أتعامل مع الناس عادي ولو مقدرتش ارجع تاني يعني هو بيمتحني المهم أنا عايزة أروح.
أبعد آدم عيناه عن سهر وهتف يخبرها:
- طيب ما تيجي نتمشى شوية ونتعشى فأي مطعم تغيير بدل قعدة البيت.
أبتسمت سهر بألم ووافقته بصوتٍ خافت:
- وماله يلا بينا.
جلس آدم أمامها شارد الذهن يفكر فالأيام القادمة كيف سيقضيها معها طوال الوقت في المنزل، فهو لم يترك مكانًا إلا واخذها إليه والآن سيضطر للبقاء معها وهو لم يعد يتحمل قربها منه بأي شكل فقدرته على التحمل تلاشت، انتبه آدم لسهر تناديه فحدق بعيناها وتعلل قائلًا:
- أنا تعبان يا سهر ينفع نرجع البيت.
عادت سهر هي وأدم وسرعان ما تركها وولج إلى غرفته كعادته وأغلق بابها خلفه هربًا منها، في حين اتجهت سهر إلى غرفتها بخطى رتيبة شاردة الفكر وجلست فوق طرف فراشها تتساءل بسر تغير آدم معها، وأخذت تعيد التفكير فيما حدث بينهما منذ تزوجا وجاء بها إلى هنا لتزم سهر شفتيها بعدما أدركت أنها تمادت كثيرًا معه وحملته أكثر مما يستحق، ففي كل مرة يبتعد عنها كي لا يُخيفها منه تقترب هي منه غافلة عن الضغط النفسي الذي تثقل كاهله به، زفرت سهر بقوة وحاولت استجماع شجاعتها وتركت مكانها واتجهت صوب خزانتها ومدت يدها وسحبت إحدى منامتها التي أخفتهم عن عيناها وأتجهت إلى المرحاض تتهيأ لتخطو الخطوة الأولى بحياتهما سويًا فكما أخبرها الطبيب عليها البدأ إن أرادت أن تعبر حاجز الماضي، وعليها حقا أن تتماسك أكثر وتعطي نفسها تلك الفرصة من أجل آدم الذي بذل كل ما في وسعه لإسعادها، انهت سهر اغتسالها وغادرت المرحاض ووقفت أمام المرآة وأغمضت عيناها عن الندوب التي ظهرت من منامتها وازدردت لعابها وتركت غرفتها على مضض بعدما تعطرت واتجهت نحو غرفة آدم بقلب يرجف خوفًا، طرقت بابه ونادت اسمه بصوت مهتز ولكنها لم تسمع إجابته فولجت ووقفت تتطلع إلى الغرفة الفارغة بحيرة تتساءل إلى أين ذهب زوجها دون أن يخبرها، خطت صوب شرفة غرفته ووقفت تحدق بالسماء وحين أحست ببعض البرودة استدارت لتغادرها ليصدمها وجود آدم وقد أنهى أغتساله ووقف أمامها عاري الصدر فحدقت به بصمت فانتبه آدم لوجودها وأحس بقلبه يفقد جميع دقاته دفعة واحدة فشهق بقوة يحاول استعادة قدرته على التنفس لينبض قلبه بقوة وابتلع غصته وهو يحاول حث عيناه على عدم النظر إليها، فاستدار عنها وهو يحاول السيطرة على أعصابه فسمع صوتها يهمس بعشق تقول:
- آدم.
مرر آدم يده في شعره الرطب لتصدمه سهر باحتضانه من ظهره فتفجرت براكين اشتياقه إليها وقال بصوت تملؤه الرغبة:
- سهر أرجوكِ بلاش.
همست سهر بضعف:
- ساعدني يا آدم أرجوك حاول معايا وأصبر عليا و.
استدار آدم بعصبية واضحة فهو على وشك نقض عهده معها بسبب قربها المهلك له فحدق بها وقال:
- مش هقدر أقبل أنك ترفضيني تاني يا سهر خليني بعيد لحد ما تكملي علاجك و.
لم يكمل آدم جملته لبكاء سهر المفاجئ لتصدمه بإخفاء ما يظهر من جسدها أمامه بيدها وقالت بقلب منفطر:
- قول أنك مش قادر تشوفني بشكلي ده قول أنك اللي رافض تلمسني علشان مشمئز مني.
حدق بها آدم بصدمة فهو لم يفكر أبدًا هكذا ليفاجئها برفعها بين يديه وتوجه بها إلى فراشه ومددها ببطء وهو يتعمد ملامسة جسدها بيده ونظر إلى جسدها المغطى بقميصها فمال على رقبتها يقبل تلك الندبة التي ظهر جزء منها أمامه، فشهقت سهر ومدت يدها تحاول أن تغلق الضوء ولكنه أبعد يدها فهمست بصوت يتألم:
- اقفل النور علشان.
وضع آدم أصبعه على شفتيها وقال بصوت أجش يحاول التحكم في رغبته التي اشتعلت:
- أنا عايزك فالنور مش فى الضلمة يا سهر عايز أشوف كل جرح علشان أعلم عليه بحبي ليكِ سيبيني انسيكي أي وجع حستيه.
وانهال عليها يقبل كل ندبة في جسدها لتغرق سهر بإحساس آدم وتتجاوب معه وتبادله المشاعر وانصهرت بين يديه ليخطفها آدم إلى عالم عاشه معها في أحلامه والآن أصبح واقعًا ينبض حياة.
-------------------------
هل تمنح الحياة فرصة أخرى لقلبي لا أصدق أخشى من أن تكون سعادتي وهما أسير إليه مغمض العين، لم يصدق هاني أنه يرتدي دبلة في يده فجلس يحملق في وجه منال الساهمة فانتهز الفرصة وقال:
- هو ينفع أخرج أنا ومنال يا أمي.
ابتسمت له فوزية بحنان وقالت:
- ماشي بس بلاش تأخرها يابني أنت عارف الناس وكلامها.
جلست منال بجانب هاني لينطلق بسيارته فالتفت له بحدة وقالت:
- حلو أوي التدبيسة اللي حضرتك دبستني فيها دي مبسوط كده متعود حضرتك تاخد أي حاجة تعوزها.
أوقف هاني سيارته فجأة بعدما سمع كلمات منال التي تقطر ألم فاندفعت للأمام وارتطم رأسها بالزجاج فصرخت متألمة فلم يهتم هاني بألمها وصاح بوجهها قائلًا:
- أنا دبستك يعنى إيه الكلام ده هو أنا غصبتك على الخطوبة ما تفهميني وبعدين أنتِ تعرفي عني أيه علشان تحكمي عليا بالشكل ده.
أبعدت منال عيناها عنه وهي تلمس جبهتها بأصابعها وقالت بغيظ:
- أيوة غصبتني لما طمعت عمي فيك وصمم أن لازم أقبل بيك وأنا مكنتش موافقة وآه أحكم عليك ولا أنت ناسي طريقتك معايا أول مرة شوفتني.
بهت هاني من كلامها وقال وقد ثار كبريائه:
- عمك اللي غصب عليكِ توافقي عليا وأنتِ أصلًا مش موافقة، طيب ليه مكلمتنيش وقولتي لي ما أنا سايب لكم رقمي.
بكت منال ولم تستطع أخباره بتهديد عمها لها بمنع المساعدة التي يدفعها لهم إذا رفضت فقالت:
- أنا مش عايزة أتجوز أصلًا وهو شايف أنك عريس ميترفضش و.
أشار هاني لها لتصمت فخلع دبلته من أصبعه ومد يده وقبض على يدها ووضعها فيها واستدار عنها ليقود مرة أخرى عائدًا إلى منزلها ولم يحاول النظر إليها، شعر هاني بألم يصيب قلبه فتلك هي المرة الثانية التي يتعرض فيها للرفض، ففي المرة الأولى أخذته حماسة الشباب وظن أن بتقدمه للفتاة التي اعجب بها أنها ستوافق عليه لتصدمه بأنه لا يليق بمستواها المادي، فقرر أن ألا يعيد التجربة إلا ومعه ما يقدمه لغيرها وها هي منال ترفضه هي الأخرى، قطع عليه شروده عنها سماعه شهقات بكائها فنظر إليها وهمس بألم يسألها:
- بتعيطي ليه دلوقتي أنا بحلك من ارتباطك بيا يعني مفيش أي داعي لزعلك وعياطك، اللي يشوف دموعك يفتكرك دايبة فيا بصي يا أنسة منال أنا مقبلش أبدًا على كرامتي أني أخد واحدة غصب عنها وإن كان على عمك قوليله أني أنا اللي رجعت في كلامي علشان ميعملش ليكي مشاكل، ومتخافيش يا منال أنا مش هضايقك تاني ومش هتشوفيني فطريقك تاني، أنا مش مراهق أنا راجل مكلف واللي مقبلوش على أختي مقبلوش على غيرها ممكن تبطلي عياط بقى.
ازداد بكاء منال فأوقف هاني سيارته والتفت إليها يقول:
- مالك بقى ما خلاص قلت مش هغصبك.
حدقت به منال كأنها تراه للمرة الأولى ومسحت دموعها لتمد يدها إليه بالدبلة مرة أخرى وقالت:
- يعني يرضيك يتقال عليا معداش عليا ساعة وخطيبي سبني.
سب هاني بغلظة ليصدم منال بكلامه فقال بعصبية:
- يعني أيه أنتِ عايزة أيه بالظبط.
أجابته منال وقالت:
- يعني ألبس دبلتك تاني وخلينا حتى ولو شهر ولا حاجة وبعدين تبقى تفسخ الخطوبة ممكن، أنت قلت اللي مترضهوش على أختك مش هترضاه لغيرها.
أخذ هاني الدبلة منها ووضعها في أصبعه مرة أخرى وقال:
- حاضر يا منال بس أبقى بلغيني بالوقت اللي ينفع ننهي فيه الخطوبة وأنا تحت أمرك.
-----------------
أخشى نظراتهم لي دوما فهم يظنون كوني وحيدة في الحياة فيسهل على أيا منهم قنصي ونصب الفخاخ لي، لقد تعبت منك يا حياة تعبت من عبثك معي ألن تنتهي تلك الأفكار السيئة لاعيش حياتي كما أريد، وقفت يارا تبحث بعيناها عن سيارة أجرة لتعود إلى منزلها ولكنها لم تجد فسمعت صوت محمود من خلفها يقول:
- أزيك يا مدام يارا أنتِ النهاردة اتأخرتي ودي مش من عوايدك تتأخري كده، بصي لو تحبي ممكن اوصلك في طريقي بدل وقفتك كده أنا طلبت أوبر وزمانه جاي.
نظرت له يارا بحرج وقالت:
- لا لا مش لازم يا أستاذ محمود دلوقتي ألاقي تاكسي متشغلش بالك.
أجابها محمود:
- يعني أيه مشغلش باللي ماهو مينفعش اسيبك واقفة كده وامشي أهي العربية وصلت تعالي أوصلك يلا بدل ما الوقت يتأخر عن كده.
جلست يارا بجانبه وهي تشعر بالحرج فالتفت لها محمود يراقب ملامحها الهادئة وتنهد فنظرت له يارا تسأله:
- مالك يا أستاذ محمود.
ابتسم محمود وقال:
- مافيش بس الظاهر أن الإنسان مكتوب عليه لما يلاقي الحاجة اللي محتاج لها الدنيا تعاكسه وتحرمه منها ومش دايما يوصلها رغم أنه بيحتاج لها أوي.
حدقت به يارا بعدم فهم وقالت:
- قصدك إيه مش فاهمة.
تنهد محمود مرة أخرى وقال:
- مينفعش تفهمي للأسف.
سألته يارا وركزت النظر لعيناه وقالت:
- ليه مينفعش افهم؟
أشار محمود إلى الدبلة التي تزين يدها اليسرى فشعرت يارا بالخجل وخفضت عيناها تلعب دون وعي بدبلتها ووجدت نفسها تصرح قائلة:
- أنا مطلقة يا أستاذ محمود ولابسة الدبلة علشان الناس مبتسبش حد فحاله وقبل ما تفكيرك يوديك لناحية غلط، أنا بوضح لك لأن حسيت أنك إنسان محترم ومش هتستغل أني مطلقة ولأني مش بشوف منك بصات غريبة زي اللي بشوفها في تعاملاتي وكمان حضرتك متجوز وعندك طفل.
فاجئها محمود بسحب الدبلة من يدها وقال وهو يبتسم:
- ياه يا شيخة طيب متبقيش تلبسيها تاني بقى ولو عايزة دبلة يبقى تلبسي دبلتي أنا وبس.
شهقت يارا من جرأة محمود وهمت أن تعترض فأسرع يقول:
- أنا صحيح متجوز بس منفصل عن مراتي لأسباب لو وافقتي عليا هفهمالك وهقولك على كل حاجة، وعلشان دماغك متروحش لتفكير غلط أنا فعلا عايز اتجوزك لأني حسيت أنك الانسانة اللي هقدر أكمل معاها حياتي ها أجيب صفصف وأجي اتقدملك أمته.
احمر وجه يارا وهمست بخجل غير مصدقه لما قاله:
- بس أنت فاجأتني وبعدين أنت متعرفش حاجة عني و.
قاطعها محمود وقال:
- اللي أعرفه يكفي وصدقيني مش هتندمي أبدًا ها أيه رأيك.
هزت يارا رأسها موافقه فهي تشعر بالراحة معه وكان قد لفت انتباهها منذ عملت في الشركة، فهو الوحيد الذي لم ينظر لها بتلك النظرات التي كانت تخيفها دومًا من الرجال.
----------------
استند فؤاد على مقعده وهو يتنهد براحة وقال لنفسه:
- أخيرًا عرفت مكانك يا سهر عمومًا أنتِ المرة دي مش هتفلتي مني وهعرف اجيبك تاني لو أنتِ فاكرة أنه هيقدر يحميكِ مني تبقى بتحلمي، مش فؤاد اللي يتحداه حد ولا ياخد منه حد حاجة عاوزها.
