اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل التاسع عشر 19 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل التاسع عشر 19 بقلم سهي الشريف


19 | خُرافة العِشقِ الأولى


                                              
ويكتب اللهُ خيراً أنت تجهلـهُ
‏وظاهرُ الأمرِ حرمانٌ من النعـمِ
‏ولو علمت مـراد الله من عِـوضٍ
‏لقلتَ حمداً إلـٰهي واسع الكرمِ
‏فسلّم الأمرَ للرحمـٰن وارضَ بـهِ
‏هو البصيرُ بحالِ العبد من ألمِ

+


_ لا تنسوا إخوانكم في غزة و السودان و اليمن و سوريا لا تنسوا المسلمين المُستضعفين في كل مكان، ضموهم في دعائكم و تتبعوا أخبارهم وسلوا الله لهم السلامة و الثبات. 

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_التاسع _عشر
#سهى_الشريف 

+


_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .

1


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


| تـنويـه |

+


_ السرد مهم قارئي الكريم ، هو بيشرح أبعاد الشخصيات و تبريرات مواقفه ، و كل كلمة وضعت هي مقصودة عشان منقولش إن الشخصية مش منطقية أو مبالغ فيها .. كل شخصية بتناقش شخصيات أكاد أجزم بعضكم لم يقابله في حياته .. فـ ليه الأستنكار ! دول شخصيات بأفكار و طباع مُختلفة عنك ناهيكم عن إنها مُختلفة عني .. فنتقبل الأختلاف دا و ناخد المُستفاد فقط إلي يخلينا نفهمهم و نعرف نتصرف معاهم .

+


_ الفصل دا أطول فصل كتبته ، يحتوي أكثر من إثنا عشر آلف كلمة يعني زيادة عن أربع آلاف كلمة عن الفصول الماضية ، و أخذ جهد و طاقة كبيرة لو تعلمون ، و دا بسبب إن هتعذر عن النشر لثلاث أسابيع متتالية عشان إمتحاناتي الأخيرة لي ، و عاوزه مني تركيز كبير .. شكرًا على إنتظاركم و صبركم و لنا موعد ثابت من بعد عيد الأضحى إن شاء الله. 

+


》》قراءة مُمتعة .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


| ما بعد منتصف الليل |

+


أولى ليالي ديسمبر تنسج على النوافذ زخات المطر ،
في حين دخلت " يـارا " الغرفة بخطى هادئة، كانت ملامحها أشبه بلوحة رُسمت بعنايه.

+


عيناها واسعتان بلون زيتوني عميق، وحاجبان مرسومان بكثافة طبيعية ومنحنيان بانسجام فوق عينيها، يمنحان وجهها شيئًا من الصرامة الممزوجة بالأناقة .

+


انسدل شعرها البُندقي الداكن بنعومة على جانب وجهها، خُصلاته تلامس بشرتها بلطف، فتزيدها غموضًا وجاذبية ببشرة بلون القمح الفاتح كانت تنعكس عليها الإضاءة الخافتة في الغرفة.

+


ألقت " يـارا" حقبيتها أرضًا وأرتمت مُستلقية فوق الفراش تقبض كفيها على صدرها في صمت امتدّ لأكثر من مجرد دقائق أو ربما ساعات منذ أن عبرت باب الڤيلا عائدة من لقائه الأخير، ومنذ أن أعاد لها سلسالها العزيز .

+


كانت عيناها مُعلّقتين بالسقف، ترسم على بياضه خيوط الذكرى، وتستعرض شريط يومها المُبلل بالأسى...

+


لحظة اكتشفت اختفاء سلسالها، 
لحظة القلق، 
ثم اللقاء.

+


مدّت يدها بتثاقل إلى جيب بنطالها الأمامي، أخرجت هاتفها وكانت فقط تنوي معرفة الوقت ، لكن ما إن فتحت القفل، حتى قفز أمامها آخر ما أغلقت عليه الشاشة ... صورة للسبورة حين كانت في معمل المشروع بالكلية.

+


                
بدأت تقلب الصور بلا اهتمام،ثم توقف إصبعها فجأة، عند صورة بعينها ،تأملتها قليلًا، ثم كبّرتها...

+


كان وجهه واضحًا أمامها.

+


أشاحت ببصرها، ثم غاصت في بحر الساعة التي جمعت بينهما...

+


| قبل عدة ساعات |

+


- يعني ملقتهاش لا عندك ولا عند ليان ؟! متأكدة يا ورد ؟!

+


هتفت بها " يـارا " لشقيقتها عبر الهاتف أثناء انتظارها في معمل الكلية ، لتسكُن لثوانِ في انصات لشقيقتها الصغرى وملامح الإزدراء تعتلي ملامحها الجميلة، لتهتف بنفاذ صبر:

+


- خلاص اقفلي يا ورد ، هحاول افتكر كنت لابسة السلسلة دي فين .. يلا Bye السيكشن هيبدأ ..

+


وأنهت المكالمة في ذات اللحظه التي دلف بها " يوسف " المعمل مُلقيًا تحية الإسلام ليُبادله الطلاب السلام ومن بينهم " يـارا " التي ردت بلا اهتمام وعادت للعبث بهاتفها تحاول الوصول لأي شىء يساعدها في معرفة أين أضاعت سلسالها الذهبي .

+


توقف " يوسف " أمام مكتبه ووضع حقيبته فوقها، ثم بدأ بإخراج أغراضه المطلوبه منها يرتبها أمامه بشكل مُنظم .

+


رفع بصره بعدها يمُرر عيناه على الطلاب أمامه ، وكأنه يبحث في الوجوه على أحدهم، حتى استقرت عيناه على " يـارا " التي كانت مُطرقًه رأسها لأسفل تعبث بهاتفها، فسكن لثوان يتألمها ثم عاد ببصره للجهاز اللوحي أمامه وهتف بصوته الشجي :

+


- طيب يلا يا شباب هنبدأ ، بسم الله..

+


انتبهت" يـارا " لعبارته ورفعت عيناها ترى الجميع بدأ في التهيئة للاستماع فتركت هاتفها جنبًا ووجهت بصرها نحو شاشة العرض رغم ذهنها المشغول للآن .

+


دقائق طويلة مرت ، ومعلومات عديدة ذُكرت ولم تلتقط منها إلا القليل ، بسبب كونها تعصر عقلها ليتذكر آخر ذكرى مع سلسالها العزيز .

+


كانت " حبيبة " جالسة بجوارها فانتبهت لشرودها الطويل فاقتربت منها وهمست لها متسائلة:

+


- إنتِ كويسة؟

+


عادت " يـارا " من شرودها وألتفت لها متسائلة بعدم تركيز :

+


- إيه ؟!

+


-هنحب جدًا كلنا نسمع منكم كنت بقول إيه دلوقتي؟!

+


إلتفتت الفتاتان لمصدر الصوت بينما لم يكن سوى صوت " يوسف " قائلًا عبارته بمهنية عالية يركز بصره عليها كما توجهت أعيُن الجميع عليهُنَّ .

+


اخفضت " يـارا " بصرها بتيه وسكون ، بينما ترددت " حبيبة " للحظه ثم رفعت صوتها واجابته في انصات من طرفه رغم عيناه التي تعلقت بـ " يـارا " الساكنه بشكل مُريب حتى لنفسها .

+


أنهت " حبيبة " قول إجابتها فعم سكون تام ، فرفعت " يـارا " بصرها نحوه حين قال :

+


- و .. إلي جمبها ؟!

+



        

          

                
طالعته " يـارا " لثوانِ وبلت شفتيها ثم قالت بنبرة ثابته :

+


- مكنتش واخده بالي ، sorry يا دكتور تعبانه شوية .

+


قالتها بكل ثقة تنافي دائمًا الاضطراب الكامن بداخلها ، لكن بالنسبة له لم يكُن صعبًا استشفاف ألم قابع خلف ستار الثبات، فتعمد تقبُل قولها قائلًا :

+


- طيب خليكوا مركزين معايا ..

+


أومأت " حبيبة " أولًا برأسها ،ثم تبعتها " يـارا " بإماءة بسيطة دام أثنائها تواصل قصير بين عيناهم بعدها أشاح " يوسف " بنظره سريعًا وعاد لتركيزه .

+


اقتربت الساعتين من الإكتمال تخللها شرح وتنفيذ للتجربة ، ثم خط " يوسف " خريطة ذهنية تجمع ملخص المعلومات التي قيلت على السبورة وبدأ الطلاب بنقشها وراءه، إلا " يـارا " التي كنت أُجهدت ولم تقوى على الإستمرار في الكتابة، وما أن أنهى من الرسم حتى رفعت كاميرا هاتفها وبدأت بالتقاط صور للسبورة.. غافلة عن تلك الصور التي اظهرت " يوسف " بشكل واضح .

+


| العـودة |

+


عادت "يـارا" من شرودها لتفاصيل ذلك المشهد، ونقلت بصرها مجددًا إلى الصورة أمامها، ثم قلبت إلى أخرى...
و ها هو، 
يظهر فيها من جديد.

+


للغرابة لم تُفاجأ بل شعرت بشيء غامض يتسلل لأطراف قلبها ،فأغمضت عينيها لثانية ثم فتحتها وأخفضت بصرها نحو إشارة الحذف.

+


أصبعها كان فوقها مباشرة وبدلاً من الحذف، ألغت كل شيء دفعة واحدة ، فأغلقت الهاتف سريعًا وووضعته بجانب رأسها، واغمضت عينيها بإصرار ترفض أن يتسلل لقلبها أي سيل من المشاعر حتى لو كان الفِطري منها.

+


هي تعرف جيدًا أن أبواب القلب إذا فُتحت في لحظة ضعف، اجتاحت كل الحصون التي بنتها بعناء ،وهي الآن ليست مستعدة للهدم.

+


أخذت تتأمل السقف لدقائق آخرى ، ثم رفعت أناملها نحو عنقها، لتُمسك بالسلسال تتحس منحنياته ثم نزعتْه برفق .

+


رفعته أمام عينيها، تأملت الاسم المنقوش بعناية، 

+


اسمها... 

+


وقبل أن تُقربه من صدرها، تسللت إلى أنفها رائحة غريبة...رائحة لا تعود لها.

+


قطّبت حاجبيها، وقربت السلسال أكثر، كانت الرائحة واضحة لا تُخطئها الأنثى بداخلها!

+


رائحة عطر رجالي نفاذ وساحر، يحمل شيئًا من حضور طاغ لم يغب عن ذاكرتها بعد.

+


كيف؟ 
الذهب لا يحمل رائحة... لكنها تشُمها بوضوح.

+


أخفضت بصرها لكف يدها، تلك اليد التي التقطت السلسال من يديه، ولقد التقطت رائحته.

+


تنهدت بثقل وضعت السلسال جانب رأسها الأيسر، فيما الهاتف يرقد على اليمين، وبينهُما قلبها مُعلّقًا في مقارنة عبثية لا ترغب في خوضها.

+



        
          

                
مقارنة ظالمة تتكاثر في رأسها، دون إذن منها، 
دون منطق...

+


وقفت بكامل استقامتها، بعناد يليق بمن اعتادت ألا تسمح للعاطفة أن يُضعفها ، وأسقطت أسلحتها بهدوء، وانسحبت من المعركة قبل أن تبدأ، فلا السلسال ولا الصور يستحقان أن يُعيداها لساحة نزفت فيها أكثر مما ينبغي.

+


تركت كل شيء خلفها واتجهت نحو دورة المياه.

+


كانت بحاجة لحَمّام دافئ لتصفية ذهنها وتبريد قلب بدأ يخفق من جديد دون أمر منها.

+


ظنّت أنها أغلقت هذا الباب منذ سنوات لكن بعض الأبواب لا تُغلق بالمفاتيح، بل تُغلق بالنسيان وهي لم تنسَ بعد.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


قالوا: 
ليلى خُرافةُ العشقِ الأولى.

+


فقلتُ : 
بل كانت بدايتي و مُنتهى سُبلي،
إن كانو سطّروا عشقها في أشعارٍ ،
فأنا نقشتُ هواها في دمي و على المُقلِ .

+


تتساقط قطرات المطر في الخارج، تغسل الطرقات وتطرق نافذة السيارة برقة، تُحدث نغمة منتظمة يُشبه وقعها نبضات قلبين طال انتظارهما لهذا الهدوء.

+


كانت " ليلى" قابعة إلى جواره، تُحدق في الزجاج في تأمُل لوقع قطرات المطر تتأمل وتستنشق عبق الأرض المبلولة، كأنها تشرب شيئًا افتقدته روحها .

+


في الخارج الدنيا تبكي، 
وفي الداخل قلبها يذوب.

1


أما "جواد" فكان يسكن مقعد القيادة، لكنه لم يعد يقود شيئًا سوى مشاعره ، فأوقف السيارة وأسند ذقنه على قبضة يده ولم ينظر لشيء سوى وجهها. 

+


كانت تُبصر العالم، وكان هو لا يرى إلا عالمه المتمثل فيها بعد سنوات من التوهان، وجد مِرآة روحه أمامه.

1


التفتت نحوه فجأة حين استشعرت نظراته، فوجدت عينيه تُغزِلان بها فابتلعت ريقها وسألت بخجل:

+


- بتبصلي كده ليه ؟

+


لم يُشيح ببصره فقط قال بنبرة هامسة :

+


- مش مصدق .. عيوني إلي اتمنوا يقابلوكي بقوا شايفينك قدامهم، حاجة شبه الخيال بالنسبالي .

+


ازداد خجل " ليلى" وأشاحت ببصرها للأمام لتسمعه يقول :

+


- بس متغيرتيش أوي .

1


ألتفتت إليه ورفعت حاجبها بتعجُب هاتفه :

+


- إزاي بقى !

+


ابتسم بهدوء ثم استطرد موضحًا :

+


- يعني في المستشفى كنتِ متغيرة شوية ..

+


ترددت في نظراتها فهي لن تُحب اللجوج لتلك الذكرى فأشحت ببصرها عنه مجددًا والارتباك يعتلي ملامحها ، لتسمعه يتسائل :

+


- إنتِ كنتِ عرفاني يا ليلى ؟

+


ألتفتت إليه سريعًا ونفت قائلة :

+



        
          

                
- لا والله أبدًا.. زي ما قلتلك أنا كنت مفكراك مـ....

+


قاطع كلماتها بعد أن مد كفه يُمسك خاصتها بحنان ارتجفت أوصالها على إثره وهتفت بتعجُب:

+


- بتعمل إيه ؟

+


- بمسك إيدك ..

6


أجابها ببساطة بينما عيناه معلقه بيداهُم المُتشابكه ليجدها تسحب يدها تضُمها لها قائلة بانفعال خافت :

+


- لا مينفعش.. حرام .

3


تعجب من ردها لكنّه لم يُعلّق، فقط عاد لهدوئه وظل يرمُقها بنظراته التي لم يقدر على كبحها، يستعيد هوايته المُفضلة مُنذ صغره .. تأمل الحسناء كلما سنحت لهُ الفرصة خلسةً ، أما الآن فصار يفعلها عنوةً ، ينظر لأمنيته المتجسدة، دون خوف، دون قناع .

+


التفتت إليه وقالت بخجل:

+


- أكيد مش هنقعد القعدة كلها تبصلي !

1


اتسعت ابتسامته بهدوء فسكن لبُرهة ثم تنهد بعُمق وقال بصوته الشجي الذي لعب على أوتار قلبها بمهارة :

+


- صدقيني طول عمري بحلم باليوم دا وبرسمله خطط كتير ، بس أنا دلوقتي مبقاش في حاجة أهم من إني أبصُلك، أبصلك واسيب عيني تحكي اللي لساني مش قادر يقوله، حتى لو هيفوت العمر كله كده، كفاية إنك قدامي.

+


ازاد خجلها يتقمص من ملامحها الحسناء وهتفت بابتسامة خفيفة خجولة :

+


- جواد .. إنت ...

+


ثم سكتت ونظرت للمطر الذي بدأ يخفت، أما هو فظل يبتسم بمكر ناعم:

+


- كملي كلامك ..

+


كان يعلم أنها وصلت لقمة خجلها، وقرر أن يُداعب ذلك الشعور دون قسوة، فقط ليستخلص لحظة صدق منها ، فقالت دون أن تلتفت له:

+


- جواد بطل تبصلي لو سمحت

+


- متقلقيش ، المطر هيوقف اهو و هنمشي ..

+


قالها " جواد " بهدوء لتلفت له " ليلى" سريعًا متسائلة:

+


- نمشي ؟ .. نمشي فين !

+


رفع عيناه يتأمل ملامح التوتر التي ارتسمت على وجهها ليسكُن لبُرهة ثم هتف بترقُب :

+


- البيت عندنا .. مش هتروحي معايا ؟ أهلي و مامتك و ...

+


قاطعته " ليلى" سريعًا بأعيُن متسعة مليئة بالإضطراب:

+


- إنت مش هتسأل كنت فين كل السنين دي ؟

+


نقل بصره بين عيناها يتأملهُما كأنها بحر لا قرار له ،ثم قال بهدوء:

+


- ليلى أنا جوايا أسئلة كتير أوي... يمكن أكتر مما تتخيلي، سنين سايباني ما بين حيرة و عذاب، بس مش هضغط عليكِ، مش دلوقتي... أول مرة بشوفك بعد الغياب دا وعيونك قدامي تاني كفاية عندي عشان تِهَدِي قلبي اللي ما ارتاحش من يوم ما بعدتي ، وجودك هنا معايا ده لوحده كفاية يخليني أطمن والباقي هييجي لما ربنا يأذن، وأنا مستنيكِ على مِهلك.

+



        
          

                
كلماته انسكبت على روحها مثل دفء في عز البرد ،
لكن الخوف ذلك المقيم في صدرها لم يغادر بعد، ظل ساكنًا في عينيها، في تنفسها، في شرودها.

+


لاحظ شرودها وسكونها وانفاسها المضطربة ، يعلم إنها مرت بالكثير، ويعلم مدى اضطراب جوفها، يُعطيها الحق فكل ما تفعل ، فـ لانت نظراته شفقةً وخوفًا لها وعليها ، فلم تلن تلك النظرة لأحد طوال حياته سوى لوالدته وشقيقه.. والآن لها .

+


- مالك؟ إيه إلي شاغلك؟

+


ساد الصمت للحظات، حتى اخترقته "ليلى " بصوت منخفض مرتجف:

+


- جواد .. أنا تعبت جدًا في حياتي بعد ما سبتكم...

+


قالتها وقد انكمشت ملامحها تحت ثقل الذكريات، تحاول أن تنتزع الاعتراف من بين جراحها القديمة ، فنظرت إليه بعينين زائغتين تُكمل:

+


- في حاجات كتيرة اتغيرت، أنا حتى ماما معرفتش إنها عايشه غير من شهر!

+


عبارتها خرجت كغصو مكتومة من أعماق وجع دفين، ثم تنهدت تُكمل بنبرة أكثر اضطرابًا:

+


- أنا...

+


ترددت للحظة، ثم اندفعت كمن يُزيح الغطاء عن سر :

+


- أنا سبت أبويا .. أو يعتبر هربت منه، وقاعدة مع صاحبتي ، هي لسه متعرفش حاجة... أنا لازم أروح وأودعها وأتأكد إنها هتبقى بخير، أبويا مش هيسيبني، ولو عرف إنها ليها علاقة بيا ممكن يأذيها جامد...

1


كل كلمة نطقتها كانت تسحب من قلبها خيطًا من نار، كانت تتحدث بعينين خائفتين، تحاول إنقاذ من أنقذتها ، حدّق "جواد" بها وقلبه يعتصر على كل تفصيلة نطقتها، عيناه لم تفارق ملامحها المرتجفة، ثم همس بصوت خافت، حاسم:

+


- بس أنا مش هسيبك تمشي يا ليلى، لا... مش بعد ما لقيتك.

+


قالها كأنما يتمسك بها من وسط الضياع، ليس بعد أن وجد أخيرًا المرفأ بعد سنوات التيه، لكن "ليلى" بادرت سريعًا تضع يدها على قلبها قبل أن يغرق في الانفعال تتحدث برجاء صادق:

+


- هرجعلك... والله هرجع معاك عشان أشوف ماما، بس لازم أرجع عشانها، هي أنقذتني من موت كان مكتوب تحت إيده.

2


تحركت نبرتها بين الامتنان والحزن، ثم أضافت بدمعة لم تسقط بعد:

+


- سيبني أطمن عليها... أنا لو هدفعلها عمري هيبقى قليل على اللي عملته ليا.

+


رفع " جواد " عيناه لأعلى وتنفّس بعمق يحاول ضبط قلبه الثائر، ثم قال وهو يطرق برأسه قليلًا:

+


- أنا مش فاهم أي حاجة، بس حاضر يا ليلى...

1


رفع نظره إليها وقد امتلأت عيناه بالصدق:

+


- لو ده هيريّح قلبك فأنا معاكِ من غير سؤال... بس لينا قعدة طويلة خلي بالك، تحكيلي فيها كل حاجة من الأول، من أول ما لفيتي ظهرك ومشيتي لحد اللحظة دي... أنا مستعد أسمعك بكُلّي.

+



        
          

                
ثم اقترب قليلًا، ونبرته تكسوها دفء نادر:

+


- ليلى... متخافيش، أنا جنبك ومش هسمح تمشي تاني.

+


صمت للحظة ثم تابع بصوت عاقد العزم:

+


- وحقك، والله ما هرتاح غير لما أجيبه، حتى لو دي آخر حاجة أعملها في حياتي.

2


ثم تابع بنبرة نقشت عهدًا بينهُم وهو يقول بنبرة نذرت عُمرها لعينيها :

+


- بس وحق عيونك اللي دايمًا كانوا أغلى عليا من الدنيا كلها، مش عاوز أشوف فيهم دمعة من النهاردة ، أنا عاوز أشوف ضحكتك وبس، ووعد راجل هعوّضك عن كل لحظة وجع وهخلي الجاي كله أمان.

+


ابتسمت " ليلى " بوهن وألتمعت عيناها تَأثرًا من فيض مشاعره ، لتجده يلتفت للخارج وقد هدأت قطرات المطر، ليلفت لها وتراه يقول بعزم :

+


- يلا انزلي ..

+


اتسعت عينا " ليلى" بدهشة وهتفت بتعجُب:

+


- أنزل فين ؟

+


لكنه لم يُجيبها وفتح باب السيارة من جهته ووقف أرضًا يرفع عيناه للسماء لتتساقط عليها قطرات المطر ثم أخفض بصره نحو ملامحها المُتعجبة قائلًا :

+


- انزلي نلعب في المطر زي زمان يا ليلى .

+


اتسعت ضحكة " ليلى " وأهتزت برأسها يمينًا ويسارًا بعدم تصديق ، لتجده يلتفت من جهتها ويفتح الباب وهو يترجاها بعيناه قبل لسانه :

+


- يلا بقا ...

+


اتسعت ابتسامة " ليلى" وتنهدت بعُمق مليء بتردد ثم قررت المواجهة أخيرًا بخطوات واثقة .

+


ابتعدت عن الباب بخطوات هادئة، وما إن خرجت حتى استقبلها المطر، كانت القطرات ناعمة تُلامس وجهها وجسدها بخفة، كأنها تُربّت على وجعها الماضي وتغسل بقاياه.

+


وقفت تستنشق الهواء المبلّل، بينما رفعت وجهها نحو السماء، وأغمضت عينيها للحظة، لتشعر بكل قطرة .

+


ثم لمحته...وقد فتح ذراعيه واخفَض أهدابه، رافعًا رأسه نحو الأعلى، لتنساب القطرات على وجهه كما لمست قلبه من الداخل.

+


راقبته "ليلى" بصمت ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة ماكرة، لتجمع كفّيها كوعاء صغير حتى تجمعت حِفنة ماء فيهما ورفعت يدها تقذف المياه نحوه بخفة مرحة.

+


ارتبك "جواد" للحظة وتراجع للوراء، لكنه سرعان ما مسح وجهه بيده، وارتسمت على وجهه تلك الابتسامة القديمة، الابتسامة التي لم تتغير رغم مرور السنوات.

+


كانت تلك حركتها الطفولية التي كانت تفعلها دومًا كلما تساقط المطر، وها هي تعود، كأن الزمان لم يمضِ.

+


رفعت نظرها إليه، لتجده يرمقها بنظرة ذات معنى، نظرة مشاغبة، تنبئ عمّا ينوي فعله، ففهمته فورًا ثم ضحكت وركضت بخفة تختبئ خلف السيارة، بينما هو اندفع خلفها بخطوات سريعة.

+



        
          

                
ركضت وهو يركض، هي تقفز وتختبئ وهو يلتف بخفة حول السيارة والمطر يتساقط على جسديهما، يبلل حجابها وملابسه.

+


توقف ببطء، بأنفاس تتلاحق وعينان تلمعان، وابتسامته تتسع ليتدفّق إلى ذهنه بيت شعر قديم، احتفظ به منذ زمن، لكنه الآن لم يكتفِ بأن يتذكره، بل شعر أن قلبه يُنشده كخلفية لهذا اللقاء:

+


بغيرِ الماءِ يا ليلى
تشيخُ طفولةُ الإبريقُ
بغيرِ خُطاكِ أنتِ معي
يموتُ جمالُ ألفِ طريقُ
بغيرِ سماكِ أجنحتي
يجفُّ بريشها التحليقُ!

4


أ تعرفون تلك اللحظة التي لا ترغبون فيها بالتفكير في الغد؟ تلك اللحظة التي ينصبّ فيها كل تركيزكم على ما بين أيديكم، وكأنكم تضربون بالهموم عرض الحائط، وتُطلقون العنان لأرواحكم لترتفع في سماء الحرية بلا قيود؟

+


لقد كانا أسيران لهذه اللحظه ..

+


لحظة لا تأتي إلا بعد عُمر من الركض والتخبط، 
تظهر فجأة لتُنقذ ما تبقى من أرواحكم المُنهكة، 
وتبُث فيها أملًا كان على وشك أن يندثر تحت وطأة الزمن ومآسيه.

+


إنها لحظة النجاة...
تأتي من الله في أكثر أوقاتك ظُلمة وانطفاء، 
تُضيء داخلك عتمات الحزن والجوع العاطفي، 
تُمدّك بحياة كنت تظنها انتهت، 
وتكون لك طوق نجاة حين تغرق، 
وطريقًا ممهدًا بعدما أنهكتك العثرات.

+


هي تجلٍّ من تجليات رحمته الواسعة، 
حين لا يبقى فيك شيءٌ يُقاتل، 
ويأتيك العون من حيث لا تحتسب، 
فيُربّت الله على قلبك، 
ويُريك أنه لم ينسَك قط، 
وأن رحمته أوسع من كل ما كسرَك.

2


تتمنى لو أن عقارب الساعة تتوقف، 
كي لا يطرق عليك الغد بأبوابه المجهولة.

+


إنها تلك اللحظة التي تعيشها بكل ما تبقى فيك من حياة، علّها تُنعش ما كاد أن يموت فيك، 
وتُذكّرك أن الله أقرب مما تظن، 
وأن رحمته لا تُقاس بمنطق البشر، 
بل بعظمة من قال ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ 

+


فاللهم أشملنا برحمتك في كل مُرة و مَرة .

3


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


ترجل "آسر" من سيارته بعدما أوقفها في ساحة الڤيلا، وضغط على جهاز لوحي صغير بيده ليبلغ العاملات بوصوله كي يفتحوا الباب الداخلي.

+


وأثناء سيره نحو الباب، وضع يديه داخل جيبي بنطاله رفع رأسه نحو السماء، حيث تنافست لمعة عينيه مع تلألؤ النجوم البعيدة. 

+


ثم أخذ يدندن بصوت شجي عذب، يحمل بين نغمه حنينًا ورسائل حُب من زمنٍ فات:

+


"إني بشوقٍ، متى الأيامُ تجمعُنا
وأُسعد فؤادي بقربي من محياكِ"

3


ردد البيت الأول مرة أخرى بنبرة أكثر تأثُرًا، وقد خطا داخل صالة الڤيلا، حيث كان والداه و"مليكة" بانتظاره.

+



        
          

                
"إني بشوقٍ، متى الأيامُ تجمعُنا!"

+


توقّف عن الإنشاد حين اندفعت "مليكة" نحوه بسعادة، فالتقطها بذراعيه، يحتضنها بابتسامة هادئة، بينما تابع والداه المشهد بنظرات دافئة. 

+


طبع قبلة حنونة على وجنتها، ثم حملها واتجه نحو الأريكة، جلس وأجلسها على ركبتيه، واستأنف الإنشاد بنبرة أكثر دفئًا وعاطفة:

+


"والطيرُ يشدو بهمسٍ حينَ يسمعُنا
ويجاوبُ الدمعُ من عينيّ عيناكِ
أهيمُ فيكِ، ونارُ البُعدِ تُؤلمني
وقلبي الخفاقُ بالأشواقِ ناداكِ..."

3


سكن صوته بعد أن أنهى المقطع، ليقطعه صوت والدته "علياء" مازحة:

+


- يا سيدي على مزاجك، دا يا بخت حبيبة القلب!

+


ابتسم "آسر" بخفة ناظرًا إلى "مليكة"، قبل أن يسمع صوت والده "فاروق" يقول بمكر:

+


- قولي كده، راجع من عند مين؟

+


اتسعت ابتسامته وتنهد قليلًا، ثم قال:

+


- كنت مع ريان.. فـ يعني...

+


قالها مُتعمدًا أن يُفرق كلماته ليُمرر رسائل خفية بين السطور ،فلم تكن تلك الكلمات الشاعرية التي أنشدها من فراغ، بل خرجت من قلب ظل مشغولًا بها طويلًا، ربما مُنذ الأزل كما كان يُحب أن يظُن.

+


قاطع أفكاره سؤال "مليكة" وقد مالت برأسها الصغير وبدت ملامحها فضولية:

+


- مين هي حبيبة قلبك يا خالو؟

2


ضحك "آسر" بخفة، واقترب ليطبع قبلة على وجنتها وقال:

+


- إنتِ حبيبة قلب خالو!

+


- لأ، في حد تاني يا خالو...

2


قالتها بإصرار طفولي جعله يرفع حاجبيه بدهشة مصطنعة، ثم ضحك عاليًا وهو يضمها إليه:

+


- إنتِ إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟ مش اتفقنا ننام بدري ونصحى بدري؟

+


كادت أن ترد عليه، لكن والدته اقتربت منه وقالت:

+


- يلا يا مليكة عشان نطلع ننام سوا.

+


- وهتحكي لمليكة story؟

+


همست بها "مليكة" برجاء طفولي، فابتسمت "علياء" وأمسكت بيدها وهي تجيبها:

+


- آيوه، هحكي لمليكة أحلى story...

+


تابعهما "آسر" بنظره، ثم التفت بهدوء نحو والده، فوجده يرمقه بنظرات تحمل مغزى ، ابتسم الأول بخفة وسأل ببراءة مصطنعة:

+


- في إيه؟

+


- إنتَ اللي في إيه؟ حصل جديد؟

+


- جديد في إيه؟

+


ردّ بعبث وهو يعلم ما يقصده والده، فما كان من "فاروق" إلا أن اكتفى بنظرة طويلة، فاعترف "آسر":

+


- هو محصلش حاجة ، بس قريب هيحصل ، قلبي حاسس بده وعندي ثقة في الله مش بتخيب..

+


راقب "فاروق" ملامحه متأملًا، ثم ابتسم بخف، وتحامل على عصاه ونهض قائلًا:

+



        
          

                
- قعدتك مع ريان فادتك أخيرًا... نظرتي في الشاب دا مخيبتش.

+


نهض "آسر" بدوره احترامًا وقال:

+


- هي العيلة كلها ترفع الراس... وتاخد القلب.

3


قال عبارته الأخيرة بشرود نحو مقصد واحد، فطنه والده فورًا وربتت على كتفه برفق وقال:

+


- إفضل دايمًا مبسوط يا آسر.

+


اكتفى "آسر " بابتسامة واسعة، وأومأ برأسه بينما سار والده متجهًا لغرفته.

+


أما هو فعاد إلى مجلسه شارِد الذهن مبتسمًا، وفي تلك اللحظة اقتربت منه إحدى العاملات وسألته:

+


- آسر بيه! تحب أعمل لحضرتك حاجة؟

+


التفت إليها وقال بلطف:

+


- لا، ادخلوا ناموا... أنا هقوم أعمل لنفسي.

+


بعد عدة دقائق أُغلقت أضواء المنزل سوى من ضوء خافت ينبعث من المطبخ بعد أن بدل " آسر" ملابسه بأخرى منزلية مُريحه ووقف في المطبخ ينتظر أن تغلي المياه ليُعد كوبًا من الشاي بعد أن وضع ورقة نعناع بالكوب وشرد قليلًا فاتسعت ابتسامته أكثر يتخيل ذلك الإجتماع الذي بدأ يشعُر بقربه ...

+


أكثر من أي وقت مضى .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


توقّفت سيارة "جواد" حيث أشارت له "ليلى" فمرّر نظراته المتفحصة حول المكان، يتأمله بريبة خفيّة قبل أن يهمس بقلق مكبوت:

+


- متأكدة هتعرفي تكملي؟ المكان هادي أوي.

+


نزعت "ليلى" حزام الأمان عن جسدها، ورفعت حزام حقيبتها إلى أعلى كتفها ثم هتفت مطمئنة:

+


- متقلقش، هي الحارة بالليل بتكون هادية، والناس بتكون نايمة في الوقت ده، وكمان الطريق جوا ضيق مش هتعرف تدخل بالعربية.

+


كان "جواد" يضغط بكفه على مقود السيارة، وعيناه لا تزالان تجوبان المكان بنظرات حادّة، متوجسة، ثم انتبه لحركتها وهي تمسك بمقبض الباب وتهُم بالخروج فأوقفها بنبرة مُتلهفه :

+


- ليلى.. متنسيش اللي اتفقنا عليه.. ودّعي صحبتك، وهستناكي بكرا في المطعم عشان هاخدك معايا.

+


التفتت إليه مبتسمة بخفة ثم أومأت برأسها بهدوء وهي ترد:

+


- إن شاء الله.. مع السلامة.

+


- تصبحي على خير.. هستناكي بكرا.

+


قالها "جواد" بصوت هادئ، يخفي داخله صوتًا آخر يصرخ برفض لمغادرتها ، كان يتوق لاحتجازها بجانبه إلى الأبد، لكن كمحامٍ اعتاد التروي أمام أعقد القضايا، تعلّم كيف يُقيّد مشاعره تحت قُبة العقل.

+


ومع ذلك، 
لم يكُن في حياته كلها قضية تُشغل عقله وقلبه كما تفعل هي الآن... 
فقط، كل ما في وسعه هو الانتظار؛ 
فلقد اقترب موعد النطق بالحُكم النهائي.

+



        
          

                
راقبها تترجل من السيارة، تستدير نحوه بابتسامة هادئة، فبادلها بابتسامة خافتة، حاول فيها أن يُخفي ارتجاف القلق داخله ،ثم تابعها بعينيه وهي تبتعد، تتوغل في أحد الأزقة الضيقة بين المنازل. 

3


تنهد بعمق وثبّت نظره على الطريق الذي سلكته، قبل أن يُشعل المحرك ويتراجع بسيارته عائدًا في الاتجاه المعاكس بعيدًا عنها.

+


كان لا يزال لا يُصدق أنه تركها تعود بمفردها،ليس بعد كل ذلك الشوق الذي يتفجّر داخله، لكنّه الصراع الدائم بين القلب والعقل كان يُجبره على اختيار التوازن ، فلم يعُد مستعدًا لترك أحدهما يطغى على الآخر،ليس معها... لن يُخاطر مجددًا.

+


أما عندها ..
كانت تسير في زقاق ضيّق تغمره أضواء خافتة، كان الصمت مُريب بشكل كبير ، ومع عتمة تلك الليلة التي بدأت توقظ الرعب في جوفها ، تلتفت حولها بارتباك تشعر كأن أحدهم يتتبعها. 

+


كان الظالم قاتم والأصوات منعدمه سوى من صوت حشرات الليل التي لا تعلم أين مصدرها لكنها كانت تُسرع في خطواتها تحاول تفادي البقع الطينية قدر الإمكان والوصول للمبنى السكني .

+


استمر سيرها عدة دقائق قبل أن تسمع صوت صفير من خلفها ، لتتسع عيناها ويجفل قلبها بفزع تزيد من سرعة سيرها فتزايدت الخطوات خلفها واقتربت منها قبل تجد من يهتف بصوت عالي :

+


- ليلى !

+


توقفت " ليلى" بفزع والتفتت على الفور، حتى وقع بصرها على جسد رجولي ذو بنية عضليه لتهدأ أنفاسها لكن صوتها خرج حادًا أقرب للدهشة منه للترحيب :

+


- حسام !

+


اقترب منها ببطء، وراح يتأمل ملامحها المرهقة تحت ضوء عمود الإنارة المتذبذب، ثم قال بنبرة تجمع بين الفضول والاستنكار :

+


- بتعملي إيه برا في الوقت دا ؟

+


خفضت عينيها للحظة قبل أن ترد وصوتها خرج متعبًا كما وجهها:

+


- أنا لسه جاية من الشغل .

+


- واضح، شكلك خدتي الشتواية على دماغك .

+


نبس بها بهدوء لتومأ برأسها تتلفت حولها بقلق فنظر في اتجاه الطريق ثم عاد بنظره إليها و تسائل :

+


- مروحة البيت عندنا؟

+


أومأت بهدوء دون أن تنظر إليه ، فألتفت حوله يشعر ببعض من الريبة ليقول بصوت حاد :

+


- هاخدك في طريقي، الحارة بتبقى لبش الوقت دا..

1


لم تمضِ لحظة حتى أصبح يسير بجانبها، لكن ذهنه كان يعج بأسئلة لم يطرحها من قبل ، أما هي فهدأ جوفها قليلًا، رغم شعورها بالقلق مِن الذي يسير بجانبها .

+


- مش ناوية تحكيلي حكايتك؟

+


نبس بها " حسام " على مضض فنظرت إليه سريعًا، محاولة تفادي أعماق كلماته وهتفت :

+



        
          

                
- حكاية إيه؟

+


ابتسم بخفة وكأن الحكاية التي يقصدها لا تحتاج لتعريف :

+


- حكاية ليلى..

+


ضحكة قصيرة خرجت منها، لكن خلفها كانت مرارة دفينة وقالت بنبرة خافته :

+


- ليلى حكايتها متتحكيش .

+


كان يسير بجوارها، يراقب خطواتها كما يراقب حديثها، ثم قال بنبرة أهدأ:

+


- ممكن أساعدك..

+


رأها تقطب حاجباها لكن لم تلتفت له فشحذ بصره وكأن شيئًا داخله اضطره لتبرير ما يقوله، فأردف بصراحة اعتادها مع نفسه فقط:

+


- أنا عارف إننا عرفنا بعض بطريقة متخلكيش تثقي فيا، بس أنا نيتي مكنتش شر ليكِ.. أنا صريح وبتاع مصلحتي من الآخر.

+


رفعت حاجبًا بتساؤل صامت، ثم تمتمت بشيء من التحدي:

+


- أمم.. وطب على كده إيه مصلحتك تعرف حكايتي؟

+


ابتسم ابتسامة ساخرة، ثم تنهد واستطرد بنبرة ساخرة :

+


- ااه.. بحاول أحارب الفساد .

+


ضحكت هذه المرة بوضوح، وسخريته كانت لاذعة فتعجبت :

+


- فساد إيه !

+


ألتفت لها ثم عاد لطريقه وقال بنبرة غامضة :

+


- فساد النوايا والأعمال.. مش كل اللي حواليكِ رايد ليكِ الخير على فكرة .

+


نظرت إليه بعينين متسائلتين، ثم هتفت بصوت مضطرب نوعًا ما :

+


- هو إنت ليه بتقول كلام يخليني أطبقه عليك برضو !

3


اتسعت ابتسامته بصمت مزجها ارتباك خفي ، وكأنها كشفت عن ورقة لم يكن ينوي إظهارها :

+


- معاكِ حق.. بحاول أبان شخص عميق متركزيش.. أنا أصلًا كان نفسي أطلع محقق، معرفش إزاي لقتني في تجارة .

+


فجاء صوتها هادئًا يحمل احترامًا غريبًا لاختيارات الآخرين :

+


- دي كلية جميلة بس اللي يفهمها .

+


هز كتفيه بخفة، كأنه اعتاد السخرية من نفسه :

+


- إنتِ تعملي كل حاجه غير إنك تفهميها.. أنا أصلًا كنت أدبي .

+


رفعت حاجبيها بدهشة، ثم لمعت عيناها بابتسامة صادقة وكانت محاولة للهروب من ذلك الشعور الذي أجفل قلبها :

+


- وأنا كمان.. بس أنا بحب اللغة العربية، عشان كده بقيت أستاذة لغة عربية .

+


نظراته كانت أكثر دفئًا مما تسمح به نواياه، وابتسامة خفيفة تنهد بعدما ابتلع غصة مريرة:

+


- حلو الناس اللي بتعرف تحقق أحلامها، كان نفسي... بس " هَـنا " أختي حققت حلمها وده يكفيني ..

+


وقفت خطواتها للحظة.وكأن كلماته لامست شيئًا فيها لتقول بتعاطف :

+


- ممكن تحققه إنت كمان.. أكيد هييجي يوم وتعمل كده

+



        
          

                
ألتفت لها وعينيه ارتدت فجأة لملامحها، تلك التي تخبئ وجعًا تحت ملامح صامتة، ضربت بعقله أفكار كثيره ، ومخططات تدور في الخلفية هي لا تعلم عنها شىء ، تردد في قوله لكنه قرر بوح ما يفكر به فسألها مباشرة:

+


- ليلى.. إنتِ عملتِ إيه عشان يحصل فيكِ كده؟

+


حدقت إليه بصمت تحاول أن تستوعب السؤال ، وابتلعت ريقها متسائلة بتعجُب:

+


- تقصد إيه؟

+


أدار وجهه عنها قليلًا، ثم قال كمن يبوح بسؤال ثقيل يحمله منذ زمن:

+


- ليلى أنا أعرف كتير عنك، ويمكن أكتر ما تعرفي.. بس مجاش غير سؤال واحد في دماغي، هو ليه؟

+


صمتت تُنصت لكلماته التي لمست جوفها ، ألتمست شفقة ما ودت يومًا أن تشعر بها من أحد ، لكن صوتها جاء متماسكًا رغم كل ما بجوفها وهي تُحكم دموعها داخلها :

+


- أنا معرفش إنت تعرف إيه.. بس الموضوع أكبر من تخيُلك..

+


اقترب خطوة وصوته صار أخف، لكن لا يزال يحمل نفس الإصرار وعيناه تنتقل بين عيناها التي تحمل دوواين في المآسي :

+


- أنا ممكن أساعدك .

+


ابتسمت بوهن و هزّت رأسها نفيًا بقناعة موجعة:

+


- معتقدش إن في حد ممكن يساعدني في الموضوع ده .

+


ثم ألتفت أمامها فلقد كان وصلا نحو المبنى فسارت بخطوات هادئة نحو الباب، لكنه لم يلتفت بل ظل واقفًا في مكانه يراقب ظلها حتى ابتلعها الظلام .

+


لم يكن ما يشعر به واضحًا حتى لنفسه ،
فحسام لم يكن من أولئك الذين يُحرّكونهم الاندفاعات، ولا ممن يخلطون بين العاطفة والمصلحة. 

+


هو دائمًا يزن الأمور بميزان دقيق، 
لا يُقدِم على خطوة إلا وقد قاس أثرها عليه أولًا.

+


لم يكن شريرًا، 
لكن الخير لم يكن دافعه كذلك. 

+


ما إن تقدّمت "ليلى" داخل مدخل المبنى السكني حتى زفرت بتعبٍ مكتوم، تحاول أن تلتقط أنفاسها بعد لحظات من الهروب والمواجهة ، وفجأة شقّ سكون المكان صوت مألوف، حمل نبرة قلق ودهشة أربكت حواسها:

+


- ليلى!

+


استدارت ببطء نحو مصدر الصوت، وعيناها تتسعان بدهشة بجسد تجمّد في مكانه ونبست:

+


- كريم! إنت بتعمل إيه هنا؟

+


اقترب منها بخطوات حذرة ورد بصوته الذي اختلط بالذهول:

+


- أنا ساكن هنا...

+


ثم تأمل ملامحها المُتعبة، والعتمة التي سكنت نظرتها وهمس بنبرة حائرة :

+


- إنتِ كويسة؟ كل مرة برن عليكِ مش بترضي تقوليلي إيه اللي حصل... إنتِ روحتي فين يا ليلى؟! دورت عليكِ كتير وروحت البيت عندك تاني ... أبوكِ هددني.

+



        
          

                
شهقت "ليلى" في صمت وتراجعت خطوة :

+


- هددك ؟!

+


هزّ رأسه بأسى، ومرر كفّه في توتر على شعره المبعثر:

+


- أبوكِ قلب الدنيا عليكِ... إنتِ كده خلاص هربتي؟!

+


أخفضت بصرها، وتحدثت بصوت خافت نَضج من الألم:

+


- أيوه هربت... ومش هرجع تاني.

+


رمقها بذهول لا يخلو من خيبة، وقال بنبرة خاوية:

+


- بس... هو مش هيسيبك، هيدوَّر عليكِ ويرجعك عنده تاني.

1


رفعت نظراتها فكانت مثل مرآة لحزن عميق عاش عمرًا بداخلها، وقالت بوضوح موجع:

+


- إنت أكتر حد عارف أنا مش عايزة أرجعله ليه.

+


صمت للحظة وعيناه تهربان منها، ثم تمتم بنبرة أقرب للتهكُّم على واقع مرير:

+


- بس دا أبوكِ في الأول والآخر.

2


ارتجفت شفتاها، وابتعدت عنه خطوة تحاول أن تبتلع مرارتها، ثم نظرت إليه بعين دامعة وصوت حاسم:

+


- أرجوك يا كريم... متوجعنيش بالحقيقة اللي مش قادرة أهرب منها.

+


نظر لها طويلاً ثم همس:

+


- أنا... أنا خايف عليكِ، وبحبك .. مش عاوزك تتأذي.

3


أغمضت عينيها للحظة وهي تحاول أن تُهدئ ارتجاف أصابعها، ثم ردّت بصوت لا يقبل المساومة:

+


- لو فعلاً بتحبني ومش عاوزني أتأذى، متجبليش سيرة الراجل دا تاني... ولا تفكر تقولي إني أرجعله.

+


ارتبك للحظة، ثم اقترب خطوة وقال بنبرة يملؤها العجز:

+


- أنا بس خايف يعمل فيكِ حاجة وقتها هعمل إيه؟ هعيش من غيرك إزاي؟!

+


و في لحظة غريبة مرّ بخاطرها صوت "جواد" ، كلماته المتزنة، الطمأنينة التي منحها إياها رغم قصر اللقاء فشتان بين الرجليّن ، ففتحت عينيها وقالت بثقة جديدة لم تعهدها في نفسها:

+


- متخفش عليا ، ربنا اللي نجّاني من تحت إيده بعد السنين دي، هيقدر ينجيني تاني لو حاول يقرب مني.

+


عقد حاجبيه بحدة، وبدا الغضب يتسلل لنبرته:

+


- إنتِ ناسية إنه ضرب عليا نار قبل كده؟ دا واحد مجرم... ولو رجوعك ليه ممكن يخفف عنك أي حاجة، اعملي كده!

+


صدمتها كلماته، فشهقت وصاحت به:

+


- كـريـم! إنت سامع نفسك بتقول إيه؟! أنا أرجع للراجل ده؟ على جثتي! أنا خلاص... لقيت ماما وهَرجعلها.

+


اتسعت عيناه بدهشة، والصدمة شلّت تفكيره:

+


- لقيتي أمك؟! فين؟!

2


تلعثمت ونظرت لأرضية مُجيبة:

+


- أنا... لسه مش عارفة، بس... عرفت إنها عايشة.

+



        
          

                
ثم تقدمت منه بخطوتين، سألت بتردد:

+


- إنت تعرف عنها حاجة؟

+


توتر وجهه فجأة وارتبك ثم قال بصوت غائم:

+


- لا... معرفش ، بس لو الكلام دا صح، هتبقى خراب على الكل .

1


لكن قبل أن تُكمل أسئلتها، قطعت حديثهما نبرة أنثوية قلقة:

+


- ليلى!

+


التفتت "ليلى" بسرعة، فرأت "هَـنا" تهبط درجات السُلم بخوف، تنظر إليها ثم إلى "كريم" بنظرة متوترة، بينما لمحوا في اللحظة التالية شقيقها "حسام" يدخل من البوابة وعينيه تبحثان في وجوههم عن تفسير.

+


وقبل أن ينطق بكلمة، كان "كريم" قد أدار ظهره وتخطى الجميع بخطوات سريعة، وخرج من البوابة بنظرات مشتعلة لا تلتفت.

1


اقترب "حسام" أكثر ورمق أخته بنظرة تساؤل واضحة، لكنها رفعت كتفيها بلا إجابة، بينما توجهت إلى "ليلى" وقالت بنبرة هادئة وحانية:

+


- إنتِ كويسة؟ أنا سمعت صوتك وأنا فوق، وخفت عليكِ.

+


رفعت "ليلى" نظرها إليها ولم تُجب سوى بإيماءة صامتة، فمدّت "هَـنا" يدها إليها تُسندها برفق وتابعت:

+


- طيب تعالي معايا فوق واهدي كده .

+


نظرت "ليلى" لها ثم ارتقت درجات السُلم بجانبها، بينما تبعهما "حسام" بخطى مترددة، وعقله يُفكر في كل ما يدور في هذه البناية .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


| العاشرة صباحًا |

+


داخل مبنى شركة الرفاعي الشاهق ، وحركة الموظفين التي بدأت بالزيادة مع بزوخ ساعات النهار بعد تلك الليلة الماطرة على أرجاء القاهرة؛كان لصباح هذه الليله نصيبٌ من الهدوء الظاهري. 

+


تناول " مؤمن " قهوته من مقهى الشركة ثم رفع ساعة معصمه أمام مدى بصره ليتعرف على التوقيت ثم أكمل سيره نحو المصعد .

+


وصل للطابق الهندسي للشركة وألقى السلامات على من واجهه من زملائه ، وقبل أن يصل لمقبض مكتبه قطع فعلته صوت آنثوي أتى من خلفه :

+


- ء good morning باشمهندس مؤمن .

1


ألتفت " مؤمن " سريعًا نحو مصدر الصوت الذي يعلمه سلفًا لكن يجهل سبب تواجده الآن هُنا ، ليجد تلك الشابة الصغيرة التي لا يتجاوز طولها المئة وستون سنتيمتر، تقف أمامه بكامل أناقتها .

+


كانت أنيقة و رقيقة بشكل مُذهل ، لقد تجسدت بها معاني عديدة للرقة التي قد تجذب أي شخص لها ، رغم ذلك كان ثبات " مؤمن " أمامها درسًا في المروءة. 

+


لم يكترث بمظهرها ولا بأناقتها الصارخه بالرقة، بل كان يحاول وضع حدود كل مرة بينهُم والذي أصبح متأكدًا أن نهايته باتت قريبه .

+


- إنتِ معندكيش مدرسة النهاردة؟

+


نبس بها " مؤمن " بتعجُب فور أن رأها تتمركز أمامها عاقده ذراعيها خلف ظهرها ، لتتسع ابتسامتها الناعمة وتُجيب ببساطة :

+



        
          

                
- لا معنديش school النهاردة .. إديت off لنفسي .

+


رفع إحدى حاجباه مُستنكرًا وقال بنبرة جادة :

+


- المدرسة مهمة ، دي آخر سنة ليكِ ،لازم متركزيش غير في المدرسة و دروسك بس .

+


تأملت " وردة " عبارته التي أخذتها على موضع الإهتمام فاتسعت ابتسامتها بطريقة باتت مُريبة بالنسبة له ،ليجدها تتنهد قائلة:

+


- ء Okey حاضر .. أنا بس بقيت interesting للتدريب في الشركة .. و امم نسيت أعمل حاجه مهمة أوي .

+


قطب حاجبيه بتعجُب لكنه لم ينبس بكلمة ليجدها تتابع :

+


- نسيت أشرب شاي بلبن ودي حاجه مهمة بالنسبالي .. تخيل تكمل يومك من غير شاي بلبن ! .. كابوس كابوس .

+


قالتها بنبرة دراميه لكنها كانت حقيقية بالنسبة لها ليٌطلق ضحكة قصيرة خافته ليجدها تتابع بتأثر :

+


- أصلًا imagine كده بس imagine حياة من غير شاي بلبن .. صعبة على قلبي أوي .

+


قالت عبارتها الأخيرة وهي تلمس موضع قلبها بحزن اقتنص من ملامحها الجميلة لتعود وتتسع ابتسامتها الرقيقة تُتابع :

+


- أنا ممكن أجيب بقرة في بيتنا عشان يفضل عندنا لبن طول العمر .

+


و عند تلك الافته مسح " مؤمن " على وجهه يحاول كتم ضحكاته بصعوبة على تلك الطفلة أمامه وقد تحول وجهه للوردي قبل أن يُحجم ضحكاته متسائلًا يُجاريها :

+


- طيب و الشاي ! هيبقى عندك شاي طول العمر إزاي ؟

+


قطبت حاجبيها وشردت بتفكير كأنها فكرة غابت عن تفكيرها ليجد ملامح الذهول على وجهها ولقد أقتنعت بسهولة ليزُم شفتاه يحاول كبح ابتسامته ليجدها تتسائل :

+


- صح .. طب الشاي بيجي منين ؟

+


- بيتزرع .

+


نبس بها على الفور في ترقُب لعبارتها القادمة والتي لن تقل براءة عما مضى ليجدها تقول بذهول :

+


- بيتزرع بجد ! دي آخر حاجه كنت أفكر بيجي منها .

+


تأملها " مؤمن " للحظه في محاولة لفهِم ردة فعلها والتي كانت واقعية بحق ، ليتنهد بعُمق هو يستطرد مُفسرًا :

+


- الشاي الأسود بيبدأ من نبات اسمه "كاميليا سنينسيس" ، بيزرعوه في مناطق مرتفعة ورطبة بعد كده الفلاحين بيقطفوا ورق الشاي و بعد كده الأوراق بتتساب شوية عشان تدبل، وبعدين بيلفوها علشان تبدأ تتأكسد .. يعني تتفاعل مع الهوا ، والتأكسد دا هو اللي بيحول لون الورق من أخضر لأسود، ويدّي الشاي نكهته القوية.

+


سكن لوهله بينما هي كانت تتابعه باهتمام جلي على ملامحها تحاول تسجيل وفهم تلك المعلومات ،ليُتابع :

+


- بعد كده الأوراق بتجف تمامًا وبيطحنوها ، وبتتعبّى في أكياس أو علب، وبتتبعت لبلاد كتير ومن ضمنها مصر ، وفي الآخر بيتغلى مع المايه أو اللبن زي ما بتعملي كده .

+



        
          

                
اتسعت ابتسامتها برقة حين أنهى قول عبارته الأخيرة لتتسلل ابتسامة جانبية على وجهه ، تلاشت فورًا حين سمع صوت رجولي هتف قائلًا:

+


- ورد !

+


رفع " مؤمن " بصره نحو ذلك الرجل وضيق عيناه بريبه، بينما ألتفتت " وردة " سريعًا نحو مصدر الصوت وقد توترت قليلًا حين أبصرته أمامها ، لتهتف بحرج :

+


- عماد ! أزيك ؟

3


أقترب " عماد " بالفعل من ذلك الجمع الصغير الذي شمل كلاهُما وقد وضع قبضتاه داخل جيب بنطاله واتسعت ابتسامته المُصطنعه التي لم تُرح جوف ذلك الواقف أمامه ليجده يقول :

+


- بخير .. كنت جاي أشوفك ، يارب تكوني بخير ؟

+


- بخير .. بخير ، بس .. إنت بتعمل إيه هنا ؟

+


كان التوتر والحرج يتمكنان من " وردة " بشكل واضح، وجاء لذهنها حوار قديم دار بينها وبين شقيقتها حول عدم راحتها لهذا الرجل ، ومنذ ذلك الحين والإرتباك يملىء قلبها ، فلن تنسى أنه كان بشكلٍ أو بآخر سببًا في العراك العنيف بين والدها وشقيقتها الكُبرى .

+


- أنا بقيت شغال هنا معاكم .. وفاكر لما كنا عندكم إنك بتدربي في الشركة .

+


نبس بها " عماد " بنبرة رتيبة غير عبثية المغزى ، بل كُل كلمة أتيت في موضعها المُناسب تُرسل الرسائل التي يود تأكيدها ، وفي تلك الثانية ألتفتت " وردة " نحو " مؤمن " بنظرة قلقة تجد ملامحه تحفزت قليلًا لتتنحنح بنعومه .

+


رفع " عماد " بصره عنها وألتفت للقابع أمامه بنظرات باردة وشبح ابتسامة ساخره على وجهه حين مد يده تجاهه قائلًا:

+


- عماد الزيني .. Project Coordinator " منسق مشروعات " .

2


مد " مؤمن " يده يُصافحه بينما نظراته الجامدة مُثبته عليه :

+


- مؤمن الحطاب .. الـ Lead Architect " مهندس معماري  " .

+


ثم تركا قبضتاي بعضهُما رغم اشتعال حروب بين نظراتهم تجهل تلك الشابة شىء عنها، حتى سمعت صوت " مؤمن " يقول بثبات بصوته الأجش:

+


- وردة حابة تتعلم هندسة عشان كده بساعدها ..

+


بينما على النقيض حين أستطرد " عماد " بصوته الثقيل الذي لا يحمل سوى خُبث كامن في جميع كلماته ، تُشعرك بانقباضة في صدرك حين تستمع له .

+


- و أنا برضو هساعدها في إدارة الأعمال ، أكيد دي حاجة مفيدة ليكِ يا ورد ؟

+


انتبهت " وردة" لما لقبها به " عماد " في خِتام قوله و إن كانت لا تقبله سوى من عائلتها لكنها رفضت أن تُخجله حتى وإن كانت لا تريد ..

+


هذا إن وضعنا في الحُسبان أنه سيخجل!

+


- آيوه .

+


ثم رفع " عماد " عيناه يرمُق بها" مؤمن" بنظرات حادة ذات مغزى ، ليفهم الأخير مغزى نظراته متوعدًا أن لا ينال منه ما يُريده ليُخفي بعدها نظراته ويُبدلها بنظرات غير مُكترثة هادئه قائلًا :

+



        
          

                
- طيب دا شئ جميل ، الهندسة أو الإدارة مجالات قوية ، أكيد هتستفادي يا وردة..بالتوفيق .

+


وبتلك الكلمات أعلن عن إنسحابه من هذا الجو الخنيق، وأستدار ليدلُف لمكتبه وسط تتابع عيونهم عليه .

+


ظلت " وردة " تتأمل الباب الذي ولج منه وقد شعرت بالخواء فجأة وبهتت ملامحها بارتباك ، بينما نظرات ذلك الواقف بالقرب منها مُتسلطة عليها ، وقد ازدات شرارًا كانت تجهله قبل أن تسمع صوته الخافت القريب من أذنها الذي أجفل قلبها :

+


- يرضيكِ أرن على أختك ألقاها عملالي block !

+


ألتفت " وردة " سريعًا له لتجد نظرات حادة مليئةً بشرٍ مُقيت، وملامح غير مريحة لها بتاتًا فشتان بين نظراته .. و نظرات " مؤمن " لا مجال للمقارنة أمامها .

+


لم تستطع " وردة " الحراك من مكانها لكنها رمشت بتوتر عدة مرات ونبست بخفوت :

+


- معرفش .. صدقني معرفش عنها حاجه ..

+


وبعد عبارتها وجدته يُغمض عيناه بقوة ثم يفتحُمها ببطء  ينبس من بين أسنانه بحدة دبت الرُعب في أوصالها :

+


- ورد .. ورد ..

1


كرر إسمها في محاولة لكبح انفعاله الذي ظهر في تحفُز جسده المشدود، ثم أومأ ببطء عدة مرات يُهدئ نفسه بتصبُر قبل أن يختتم حضوره بتهديد خافت :

+


- قولي لأختك .. أنا مترفضش.. و أنا لو قررت أظهر قدامكم هتخسروا كــتــير .

4


كانت كلمات ثقيلة على مسامعها ، قبل أن يُقرر أن يبتعد عنها حينما رأى عيناها تلتمع بدموع خفيفه لم تؤثر به ولا مقدار شعره ، بينما هي ضمت قبضتها لصدرها بعينان مُرتبكتان تتأمل الملأ حولها ، فلم يقترب أحدٌ منهٌما ولم يهتم بقربه منها .

+


لم يُعلن حربًا... لكنه بدأ اللعب ،
في السادسة والثلاثين من عمره ولا يُعرف عنه الكثير، سوى أن ظهوره يسبق الفوضى.

+


يُقال إنه يملك ما يُسقط تلك العائلة دون طلقة،
لكن لا أحد متأكد...
هل هو العدو المختبئ منذ البداية،
أم مجرد طُعم في لعبة أكبر؟

+


أ يُعقل ؟

3


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


بعد بضع ساعات حين أنتصف نهار ذلك اليوم؛ وقف "ريان" أمام المرآة يتأمل هيئته بنظرة أخيرة قبل مغادرة المنزل ، خرج من غرفته بخطى ثابتة، ثم توجه نحو غرفة والده، وطرق الباب برفق منتظرًا الإذن بالدخول.

+


حين سمع صوت والده من الداخل، فتح الباب ودلف إلى الغرفة، حيث وجده منهمكًا في العمل على جهازه اللوحي، فأغلق الباب خلفه وتقدّم بضع خطوات ثم جلس على الأريكة بجواره قائلًا بهدوء:

+


- كنت عاوز حضرتك في موضوع يا بابا.

+


رفع "علي" عينيه عن الجهاز، وأغلقه جزئيًا ثم أجابه بصوت جاد:

+



        
          

                
- قولي.

+


تنهد "ريان" بعمق يُهيئ نفسه للكلام، ثم قال موضحًا:

+


- عارف آسر الرفاعي؟ بنت أخته اللي ماتت تعبانة شوية اليومين دول وقعدت من المدرسة، وهتكمل تعليمها دروس خصوصية السنة دي.. وهو طلب إن ميار تديها درس الرياضة.

+


صمت "علي" لبرهة منصتًا بانتباه، ثم سأل بفضول:

+


- وميار تعرف البنت دي؟

+


- أيوه.. ميار كانت بتدرّسلها في المدرسة، وهي بتحبها كمان.

+


أومأ "علي" بتفهّم، ثم أردف بسؤال هادئ:

+


- طيب، وفين المشكلة؟

+


بدت الدهشة على وجه "ريان" قبل أن يرُد مُستنكرًا:

+


- يعني يا بابا، إنت شايف إني أوافق عادي؟

+


أجابه والده بنبرة رزينة تحمل الحكمة:

+


- أنا مقلتش كده.. بس لو صاحبك عايز ميار تدي بنت أخته، يبقى البنت تيجي هنا البيت، مش ميار تروحلها.

+


ساد الصمت للحظة، وظهرت علامات التردد على وجه "ريان" فتابع والده بنبرة مطمئنة:

+


- أومال إنت مفكر إيه؟ يا ريان أنا فاهم دماغك كويس.. بس لو على كلامك، فالبنت تعبانة ومضطرة للدروس، وميار ماعندهاش مانع.. يبقى خلاص.

+


- بس...

+


همس بها "ريان" لكن والده قاطعه بكلمات حملت عُمقًا في الفهم:

+


- أنا فاهم من غير ما تكمل.. دا موضوع وانتهى، البنت هتيجي لوحدها، وميار تديها الدرس، وإحنا كلنا هنكون حواليهم.

+


ارتخت ملامح "ريان" قليلًا يقول بقلق لم يستطع إخفاءه:

+


- أنا بس خايف على ميار.

+


رد والده بجديّة حاسمة:

+


- وتخاف ليه؟ دا شغلها، ماعملتش حاجة حرام، هتكون قدامي وفي بيتي، ودي بنت صغيرة.. لو إنت خايف فعلاً، يبقى أنت مش واثق في صاحبك فقبل ما تبعد ميار عنه، ابعد إنت عنه، ولا كلامي مش مظبوط؟

+


بلع "ريان" ريقه ببطء، ثم أومأ برأسه عدة مرات وقال:

+


- لا، معاك حق يا بابا.

+


ابتسم "علي" بخفة، ثم قال وهو يمد يده ليغلق الجهاز تمامًا:

+


- الحمد لله.. نادي لأختك ميار كده.

+


نهض "ريان" من مكانه، واتجه نحو الباب ثم فتحه، ورفع صوته مناديًا:

+


- مـيــار !

+


بعد ثوان وقفت "ميار" أمام الغرفة مجيبة:

+


- نعم؟

+


جاءها صوت والدها من الداخل يدعوها:

+


- تعالي اقعدي يا ميار.

+


دخل "ريان" أولًا، وتبعته "ميار " بخطوات متزنة وقالت باحترام:

+



        
          

                
- نعم يا بابا؟

+


سألها والدها مترقبًا ردّها:

+


- إنتِ.. موافقة على البنت اللي هتديها درس خاص؟

+


اتسعت ابتسامة "ميار" بعفوية وهي تجيب:

+


- أيوه، دي مليكة يا بابا، أنا عارفاها.. البنوته دي طيبة، وأنا كنت موافقة بس طبعًا الرأي رأيكم.

+


قالت عبارتها الأخيرة بخجل وهي تتنقل بنظرها بين والدها وشقيقها، ليأتيها رد والدها بابتسامة مطمئنة:

+


- وأنا موافق.. بس هتيجي البيت هنا.

+


اتسعت ابتسامتها أكثر وأجابت بهدوء:

+


- تمام يا بابا.

+


التفت "علي" نحو ابنه ليجده صامتًا على نحو غير مألوف، فسأله:

+


- عندك حاجة تقولها يا ريان؟

+


انتبه "ريان" لسؤال والده وعاد من شروده، ثم تنهد بخفة وقال:

+


- لا يا بابا.. مفيش رأي بعد رأيك.

+


- يا ابني، هو أنا ربيتك على كده؟ لو عندك حاجة قولهالي.. يمكن إنت شايف حاجة أنا مش شايفها.

+


- لا يا بابا، فعلاً.. ماعنديش رأي بعد رأيك، أنا كنت شايف الموضوع بطريقة غلط شوية.

+


وقفت "ميار " بينهما، لا تفهم سبب الحديث المتوتر، فسألت بنبرة فضولية:

+


- هو في حاجة ولا إيه؟

+


لم يُجبها أحد فتكلم "ريان" بهدوء منضبط:

+


- طيب عن إذنكم.. هنزل المستشفى.

+


رد عليه والده وهو يتابعه بعينيه:

+


- في رعاية الله.

+


غادر "ريان" الغرفة بعد أن ربت على كتف شقيقته بلطف، ثم اختفى من أمامهم لتتسائل "ميار" بدهشة وهي تلتفت لوالدها:

+


- هو مالُه يا بابا؟

+


لكن "علي" اكتفى بصمته الهادئ، فيما كانت العواصف تتخبّط داخل رأسه، يعلم أن ما يشغل قلب ابنه ليس مجرد "درس رياضيات " .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


داخل سيارة "وائل" كان يجلس خلف عجلة القيادة يُولي الطريق كامل انتباهه، قبل أن يلتفت إلى والدته الجالسة إلى جواره ويسألها:

+


- عاوزاني أوديكي Festival City ولا نطلع على الشيخ زايد؟

+


رمقته "شيرين" بنظرة مُستغربة، ثم تساءلت:

+


- إنت مش هتيجي معايا؟

+


- لا هوصلك وأروح مشوار كده.

+


نظرت إليه بترقّب وسألته:

+


- رايح مع صحابك ولا الـ club؟

+


- ولا ده ولا ده...

+


أجابها "وائل" بعد لحظة تردّد، لتعيد السؤال بنبرة أكثر إصرارًا:

+



        
          

                
- أومّال؟

+


تنهد "وائل" بخفة، مُثبّتًا عينيه على الطريق، وزاد من سرعة السيارة بينما يجيبها:

+


- رايح الجمعية.

+


تغيّرت ملامح "شيرين" إلى مزيج من الدهشة والاستغراب، وسألت باستفهام:

+


- جمعية؟ جمعية إيه دي؟

+


- حوار طويل يا ماما... كنت ساعدت ست غلبانة كده، فبروح أشوفها كل فين وفين.

+


ارتخت تعبيرات وجه والدته متأثرة بكلامه، وابتسمت له بمودّة.قائلة:

+


- يا حبيبي إنت، طول عمرك قلبك طيب... خلاص خدني معاك الجمعية المرادي.

1


التفت "وائل" نحوها بعينين تملؤهما الدهشة، وسأل:

+


- يعني موافقة تيجي؟

+


- ء ? Why not

+


ارتسمت على وجهه ابتسامة ارتياح صادقة، ثم أمسك بالمقود بثبات، يستعد لأخذ المنعطف التالي، متجهًا نحو الجمعية.

+


أما بالجمعية الخيرية ..

+


كانت " مريم " بغرفة " سمسم " بين يدها عدة أوراق تقوم بمراجعتها قبل أن ترفع عيناها نحوها :

+


- كده الشركة إلي هتنظم كمان ساعتين وهتكون هنا ، فإنتِ هتاخدي علاجك الساعة ٥ زي ما إنتِ وهتنامي يا سمسم مفيش سهر !!

+


- بس عاوزه اشوف الشغل !

+


اعترضت " سمسم " بنبرة حزينه لتبتسم " مريم " بخفة و استطردت:

+


- هتشوفيه بكرا إن شاء الله.. مش اتفقنا هتنامي بدري عشان تصحي بدري واضبطك وألبسك الفستان الجديد ؟

+


اتسعت ابتسامة " سمسم " حتى زادت تجاعيد وجهها وهي تجيب بتريث :

+


- حاضر .. حاضر .. هنام بدري .

+


اتسعت ابتسامة " مريم " قبل أن يقطع شرودها طرقات منتظمة على باب الغرفة لتنهض من مكانها تفتح الباب لتجد سيدة من أحد عاملات الجمعية تقف أمامها قائلة :

+


- أستاذة مريم .. وائل بيه جه الجمعية وهو عند ست " إحسان " في الدور التاني. 

+


رفعت " مريم " إحدى حاجبيها بتعجُب ثم تنهدت بعُمق وهتفت :

+


- طيب يا حبيبتي، شكرًا .

+


فذهبت السيدة من أمامها لتلفت لسمسم تجدها شاردة في ألعابها لتقترب منها بنظرات دافئة تطبع على رأسها قبلة حنونة قائلة :

+


- هروح أعمل حاجة وأرجعلك نكمل، ماشي يا سمسم؟

+


أكتفت " سمسم " بإماءة رأسها بالإيجاب لتتلاشى الإبتسامة ببطء من على ملامحها وتُغادر الغُرفة نحو وِجهتها. 

+


صعدت " مريم " للطابق الثاني وتقدمت بخطواتها نحو الغُرفة المنشودة وما أن توقفت أمام الباب حتى مررت عيناها على " وائل " الجالس على طرف فراش السيدة " إحسان " القابعة بجانبها وعلامات إبتسامه على وجوههم ، لتتقدم " مريم " بخطوات مشدوده لداخلو كل تركيزها عليهم قبل أن تقف قائله :

+



        
          

                
- إنت هنا !

+


ابتسم " وائل " بخفة وأجابها ببرود :

+


- أهلًا و سهلًا آنسه مريم .

+


ضيقت " مريم " عيناها وأردفت بمهنية :

+


- أظن إني قلت مينفعش تدخل من غير إستئذان .

+


- ما إنتِ مقلتيش أستأذن من مين فدخلت للمدير علطول وهو سمحلي بإذن دائم .

+


أجابها " وائل " ببساطة وكأنه غير مُهتم بدورها فاغتاظت " مريم " من ذلك النٌكران لتهتف بتعجُب مُنظبط:

+


- يعني أستاذ جابر عمل كده ؟

+


- آيوه نعم ، في إعتراضات !

+


هتف بها " وائل " بثقة عالية لتُسرها " مريم " في نفسها بحُزن خافت :

+


- بس المفروض إني مشرفة المبنى دا !

+


- بعتذر يا حبيبتي مكنش يعرف المرة الجاية أكيد .

+


ألتفت " مريم" نحو مصدر الصوت سريعًا لتجد سيدة بهيئة راقية من الطبقة المخملية تجلس على الأريكة لم تنتبه لها حين دخولها لتتسائل بتعجُب:

+


- حضرتك .. مين ؟

1


ابتسمت " شيرين " بهدوء وأجابت بتوضيح بنبرة راقية :

+


- أنا مامته .. دي أول مرة أجي الجمعية ومعرفتش أستأذن مين فدخلت لمستر جابر .

+


تنهدت " مريم " بخفة وأرخت ملامحها ثم أجابت :

+


- لا ولا يهم حضرتك محصلش حاجة .

+


لتتدخل السيدة " إحسان " قائلًه :

+


- وائل والست والدته ونسوني أوي يا مريم، فكروني لما كنت بتلم مع عيالي زمان .. بس .. دلوقتي حرموني من سؤالي عنهم حتى .

+


ثم ألتفت السيدة وقالت وهي بتبتسم بدعاء نابع من قلبها:

+


- الله يجبر بخاطرك ويكفيك شر طريقك، ويوقفلك ولاد الحلال، ويرزقك بنت الحلال اللي تتهنى بيها.

+


ابتسم "وائل" ابتسامة خفيفة، وفيها لمحة تأمل :

+


- آمين يا رب.

+


ردت السيدة بلطافة تحاول مداعبته :

+


- حبيتها الدعوة دي ياولا .

+


ضحك "وائل" وقال وهو يومأ برأسه :

+


- حد بس ميكونش عايز يتجوز !

+


ضحكت السيدة وبدأت تكمل دعوتها:

+


- ربنا يناولك يا حبيبي مـ...

+


لكن صوت "مريم" دخل ببرود غير متوقّع وقطعت الكلام بجملتها المقتضبة:

+


- أنا مش عاوزة عادي.

+


التفت ليها "وائل" بسرعة، ورفع حاجبه باستغراب وغيظ ساخر:

+


- هو إنتِ بومة؟! يا ستّي خلّيها تكمل دعوتها، أنا عاوز.

2



        
          

                
بينما زرفت " مريم " نفسًا وآثرت الصمت ، بينما لم تغب نظرات والدته عنها ، ترمُقها من أعلاها لأسفلها ، هيئة مُحتشمة وحجاب كامل ، فاتسعت ابتسامتها بإعجاب خفي ، بينما لم يخفى عليها طريقة ردودها أو حتى نظرات إبنها لها ، لتزمّ شفتيّها تكبح ابتسامة خفيفة وتُعيد خصلات شعرها خلف أذنها تنهض من مكانها توجه حديثها لإبنها :

+


- أنا همشي بقا شكلك مش فاضي دلوقتي .

+


ألتفت الجميع لها ، بينما تسائل " وائل " بتعجُب:

+


- إيه ! مش فاضي لإيه ؟!

+


بينما تجاهلت " شيرين " قوله واقتربت من " مريم " بابتسامة هادئة هاتفه :

+


- اتشرفت بمعرفتك يا مريم .

+


اتسعت عينا " مريم " لوهلة قصيرة ثم ابتسمت بخفوت وأجابت :

+


- الشرف ليا حضرتك .. تنورينا تاني 

+


- ء. sure يا حبيبتي .

+


ثم غادرت الغُرفة ، لتلتفت " مريم " بريبة نحو القابع أمامها لتجده يرمقها بنظرات مُتعجبة :

+


- إيه في إيه !

+


اتسعت عيناه بدهشة ثم أجابها :

+


- ماما قلتلك sure ، هيا مش بتحب تزور مكان أكتر من مرتين .

+


ليتدخل صوت السيدة " إحسان " بعد ما ارتسمت ابتسامة عبثية على وجهها فهمت مقصد " شيرين " :

+


- شكلها حبت المكان .

+


- إيه ؟

+


- إيه !

+


نبس بها " وائل " أولًا باستنكار بينما هتفت بها " مريم " بتعجُب .

+


ثم رفع " وائل " عيناه لمريم بعد أن رآى تلك الابتسامة وبدأ بربط بعض الأحداث ، وللعجب أنه تأملها بنظرة طويلة هذه المرة لم تنتبه لها " مريم " إلا حين شعرت بنظراته وكأنها تخترقها ، وبنظرات جامدة تسائلت بحدة وارتباك طفيف :

+


- مالك في إيه !

+


وقف "وائل " وأقترب منها عدة خطوات ثم توقف أمامها بثبات، بينما هي تسمرت مكانها باندهاش ،لكن عينيه راحت تنتقّل بين عينيها، يتأمل عمق ذاك العسل الدافئ الساكن فيهما ، كانت عيناها الواسعتان تفيض سحرًا، تتوّجها رموش كثيفة، وزيّنتهما خطوط كُحل خفيفة منحت النظرة حِدة آسرة وجاذبية لا تُقاوم ، فتمتم بصوت خافت:

+


- هو إنتِ إزاي كده وعندك عيون حلوة ؟

+


اتسعت عيناها بدهشة، تلك التي أسَرَت بصره منذ لحظة لكنها لم تتردد في الرد، وقد بدا الغضب في نبرتها:

+


- إيه قلة أدب دي مالك بعنيا أو بيا أصلًا ! 

+


لكنه لم يبالِ أو لعلّه لم يسمعها أصلًا ،ظلّ يُحدّق كمن وجد في الكُحل حديثًا أعجزه عن التعبير:

+


- الكحل في عيُونك ...

+


ثم تعقّد لسانه، وفي داخله آلاف العبارات التي أراد قولها، لكنّها ذابت أمام ذلك السواد المرسوم بدقّة داخل عينيها ، فابتلع غصّته في صمت لكن ملامح وجهها تغيّرت، والضيق بدأ يتسلل، فقالت وقد ارتجف صوتها بضيق:

+



        
          

                
- حرام إلي عملته دا ، احترم نفسك لو سمحت .

2


استدارت سريعًا تبتعد عن مرمى نظره، وقد شعرت أن الحديث انزلق إلى منعطف خاطئ، بل ربما كارثي بالنسبة لها. 

+


كان في صدرها وخزٌ مؤلم، وصوت خافت ينبعث من أعماقها، يهمس بأنها قد انجرفت أكثر مما ينبغي هذه المرة ، وأن الحصون التي رمّمتها على مهل، لم تصمد أمام هجومه العنيف، وها هي تنهار ..
قطعةً قطعة.

+


عاد "وائل" من شروده ما إن لمح "مريم" تبتعد عن المكان بخطى سريعة، وظلّ واقفًا في موضعه عاجزًا عن الفهم.

+


وشعر بضيق مفاجئ فمدّ يده يفكّ الزر الأول من قميصه محاولًا التقاط أنفاسه الثقيلة، يدور بعينيه حوله قبل أن يباغته صوت من خلفه:

+


- إلي عملته دا غلط يا أبني ..

+


التفت "وائل" بسرعة نحو مصدر الصوت، ليقع بصره على السيدة "إحسان" التي كان قد نسي وجودها تمامًا فحدّق فيها بنظرات متفاجئة، لتتابع حديثها بنبرة جادة :

+


- مفيش بنت ناس تقبل معاكسة من أي حد .. اعتذرلها البنت باين عليها محترمة و بنت ناس .

+


ابتلع "وائل" غصّته ثم قال بنبرة مرتبكة:

+


- بس أنا مقصدش معاكسة .. يعني هي كانت كلمة .. أو يمكن ...

+


أومأت السيدة برأسها في صمت، بينما بلّل "وائل" شفتيه محاولًا تهدئة نفسه، لكن بريقًا خاطفًا لمع في عينيه الخضراء ، ليتقدّم بخطوات ثابتة عازمًا اللحاق بها.

+


وبالفعل، لحق بها حتى رآها واقفة إلى جانب إحدى عاملات الجمعية، فاحتدّ شيء ما في نظرته، ثم تابع سيره بثبات حتى اقترب منها وهتف باسمها:

+


- مريم.

+


توقفت "مريم" عن الحديث، واستدارت نحوه بنظرة خاطفة ثم أدارت وجهها بسرعة وقد ازدادت ملامحها حدة والتفتت نحو العاملة وهمست بخفوت لها :

+


- عن إذنك.

+


ثم أسرعت في خطواتها، تبتعد عنه دون أن تُلقي عليه نظرة أخرى، أو تنبس بكلمة واحدة.

+


فراح يتأمل خطواتها المُبتعدة عنه، ثم باعد بين طرفي بدلته بحركة اعتادها، لتستقر قبضتاه على خصره في وقفة تحمل شيئًا من التهكّم، وهتف بنبرة ساخرة:

+


- فكراني هموت عليكِ ! ساعات فعلاً الواحد بيضطر ينزل لمستوى ناس أقل منه فكريًا.

+


كانت كلماته الأخيرة ممزوجة بكوميديا مُفتعلة، يحاول بها إنقاذ نفسه من الإحراج الذي تركه الموقف، بينما داخله كان يموج بصراعات مُتشابكة، بين عقله وقلبه، معارك لم يكن مُستعدًا لخوضها.

+


- أنت تقصد بالكلام دا مريم؟

+


انتشله من شروده صوتٌ مألوف، ولم يكن سوى "سمسم" ليعض على شفته ويهمس لنفسه بندم:

+



        
          

                
- ياريتني خرست.

+


ثم التفت إليها وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة متكلّفة، واقترب منها قائلًا:

+


- لا لا طبعًا يا سمسم، دي مريم دي حد يوصلها أصلًا!

+


رمقته "سمسم" بنظرات شكّ، فشعر من نظرتها بريبة خفيفة، فتقدّم نحو كرسيها المتحرّك، ثم استدار خلفه يدفعه بخفة مردفًا:

+


- إلا صحيح يا سمسم، هي مريم شغّالة إيه؟ أصل مش معقول شغّالة في الجمعية مثلًا!

+


اتّسعت ابتسامة "سمسم" ببراءة، وكأنها نسيت تمامًا ما أزعجها منذ لحظات وهتفت بفخر:

+


- دي أشطر مس رياضيات في الدنيا.

+


تمتم "وائل" بخفوت، كأنه يحدث نفسه:

+


- وأنا أقول دماغها الصعبة دي جيباها منين.

4


ثم رفع صوته من جديد، وقد بدا عليه الفضول:

+


- طيب هي عندها كام سنة كده؟

+


سكنت "سمسم" للحظة تُفكّر، بينما "وائل" لا يزال يدفع الكرسي وينتظر الإجابة بلهفة لم يفهم مصدرها، إلى أن قالت بتردد:

+


- عندنا باين كده 66 أو 65...

+


اتّسعت عيناه بدهشة، وتوقّف فجأة عن السير، ثم مال عليها بسرعة هاتفًا:

+


- 66.إيه؟

+


- سنة! هيكون إيه يعني!

+


قالتها "سمسم" بنفاد صبر وكأنها تُعاتبه على قلة فهمه، ليعود يتساءل بنبرة مذهولة:

+


- يعني عندها 66 سنة؟!

+


أمالت رأسها قليلًا تُفكّر، ثم عادت ابتسامتها تتسع وهي تجيب بثقة:

+


- لا لا، 64! أيوه 64..

+


استقام "وائل" في وقفته، وحدّق أمامه بشرود غير مصدّق، ثم تمتم:

+


- آه إذا كده معقولة... بدماغها دي مش هتجيب أقل من كده.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


لم يكن الوداع يومًا سهلًا، لكنّه في ذلك النهار بدا أثقل من أن يُحتمل.

+


في الغرفة التي بدأ فيها كل شيء، حيث الدفء والسكون، كان الحزن ينسلّ في الأركان بألم ، فوقفت "ليلى" تنحني فوق حقيبتها، تطوي ما تبقّى من ذكرياتها ، تحاول أن تُخفي انكسار قلبها خلف حركات مرتبة وهادئة ،لكنّ صوت "هَـنا" المتهدّج قطع عليها ذلك الهدوء المتصنّع:

+


- خلاص هتمشي كده؟

+


رفعت "ليلى" رأسها ببطء، ونظرت نحو "هَـنا" التي كانت واقفة عند الباب بعينان ممتلئتان بدموع مُعلّقة تتوسلها للبقاء دون أن تنطق، فابتسمت "ليلى" بتأثر واقتربت منها :

+


- متصعبيهاش عليا بقا... أكيد مش هقطع معاكِ، دا إنتِ أختي يا "هَـنا" .

+


بللت "هَـنا" شفتيها المرتجفتين، وقالت بصوت خانق:

+



        
          

                
- بس أنا مكنتش عامله حسابي الفراق هيجي بسرعه كده.

+


- كل حاجه حصلت بسرعة... و إنتِ عارفة الحكاية وإلي فيها.

+


أومأت "هَـنا" برأسها، تتجرع الحقيقة المرة، ثم أردفت بصوت متهدّج كأن الكلمات تستعصي على الخروج:

+


- عارفة والله... وفرحانة عشانك أوي... أوي بجد...

+


ولم تستطع أن تكمل فانهارت دموعها فجأة، فهرعت "ليلى" إليها واحتضنتها بقوة فتساقطت دموعها هي الأخرى تهمس بصوت مكسور، تمسد على ظهرها برفق:

+


- هرجع أشوفك والله... شكرًا على كل حاجة عملتيها عشاني... هفضل فكراه ليكِ طول حياتي.

+


شددت "هَـنا" من عناقها وهمست من بين شهقاتها:

+


- أنا اتعودت على وجودك، وصحيانا الصبح سوا، وقعدتنا في البلكونة واللعب مع مستكة، أنا من زمان مكنش ليا ونس زي ما كان وجودك في حياتي يا ليلى والله.

+


ارتعشت شفتا "ليلى" وازدادت دموعها، واكتفت بالإنصات:

+


- غيابك هيسيب فراغ والله، بس مبسوطة عشانك والله...

+


وظلّتا في عناق طويل تحاول فيه كل واحدة أن تُودّع الأخرى بما يليق بما جمعُهُما، قطعها دخول "سناء" التي اكتفت بتوديع "ليلى" بعينين دامعتين وقلب أمومي يحتضنها.

+


أغلقت "ليلى" حقيبتها أخيرًا، وسارت نحو الباب بخطى مترددة، ثم توقفت والتفتت إليهما فكان الوجع مرسومًا على وجهيهما، فتقدّمت بكلمات خرجت من قلبها:

+


- بشكركم على إلي عملتوه معايا مش هنساه ليكم أبدًا، شكرًا إنكم فتحتولي بيتكم لما كل الأبواب اتقفلت في وشي، وفتحتولي حضنكم لما رماني إلي أنا منه، شكرًا لإني كنت وسطكم مش حاسة بالغُربة وحاسة بالأمان.

+


اقتربت "سناء" منها ووضعت يدها على كتفها برفق، وقالت بدعاء أمومي عميق:

+


- ربنا يفتح طريقك يا بنتي، ويُردك لأهلك بخير يا رب.

+


ابتسمت "هَـنا" من بين دموعها، وقالت بنبرة باكية:

+


- كان نفسي تدوقي البامية من إيدي...

1


ضحكت "ليلى" وسط الدموع، وقالت بمزيج من الشجن الحنين:

+


- أكيد لينا مرة تانية وأدوق البامية منك.

+


ثم أدارت مقبض الباب، وهمّت بالخروج لكن "هَـنا" وقفت خلفها بسرعة وقالت:

+


- يلا هنزل معاكِ ونعدي على عمو سعيد على أول الشارع.

+


عدّلت "هَـنا" حجابها فوق عباءتها المنزلية، وخرجتا معًا، فخطت "ليلى" درجات السلم بهدوء ، وكانت هي ذات الدرجات التي ارتقتها ذات يوم بخوف من القادم، بينما الآن تهبطها بقلب مُثقل، تستعد لوداع بيت كان وطن صغير رمّم داخلها ما كسرته الحياة.

+



        
          

                
ألقت " هَـنا " عليها الوداع الأخير داخل سيارة الأجرة، رفعت يدها ولوحت لها تتحامل على دموعها تأبى أن تسقُط ليس في منتصف الحارة .

+


ثم وجدت السيارة تبتعد للخلف أكثر فأكثر حتى أبتعدت على مرآى بصرها ، لتمسح " هَـنا " دموعها تلتفت لداخل محل " عم سعيد " جاهلة عن تلك السيارة الفاخرة التي تقدمت من نفس الطريق التي غادرت منه " ليلى" منذ لحظه .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كان يقود سيارته وفق مُحدد المواقع الذي يظهر أمامه، وما إن توغّل قليلًا حتى بدأت ملامح الحيّ الشعبي تظهر واضحةً أمامه؛ الأزقة الضيقة، البيوت المتلاصقة التي تُطل شرفاتها على بعضها، الأطفال يركضون حفاة على جوانب الطريق، ورائحة الطعام الشعبي تتسلل من النوافذ المفتوحة.

+


ضاق صدره شيئًا فشيئًا كلما ازداد الطريق ازدحامًا، فهو لم يعتد السير في أماكن كهذه ، سيارته الفارهة بدت غريبة وسط السيارات البسيطة والدراجات النارية التي تملأ المكان بصخبها، فيُحدّق بين الفينة والأخرى في مراياه الجانبية خوفًا من أن يُخدَش الطلاء اللامع.

+


رفع حاجبه باستنكار ينظر إلى خرائط الهاتف مرة أخرى ثم تمتم بضيق:

+


- أنا إيه اللي جابني هنا تاني !

+


راح يبحث بعينيه عن مكان للركن، حتى لمح فجوة صغيرة بين محل لبيع المواد الغذائية وعربة فول متوقفة عند الزاوية ، أدار المقود بحذر وأخذ يُناور بخفة حتى استطاع أن يُوقف السيارة أخيرًا، وإن بدا عليه التردد في تركها في مكان كهذا.

+


أطفأ المحرك وتنهد، ثم أمسك بمقبض الباب وفتحه ببطء بعدها توجل من السيارة، فاختلط لمعان حذائه الأبيض بغبار الأرض وبلل الحارة، فانكمشت ملامحه في انزعاج واضح. 

+


أغلق الباب خلفه، ووقف للحظة يتفحّص المكان بعينيه ، فلقد كان يبدو غريبًا عن هذا العالم ،شعره المصقول بعناية، ساعته الباهظة التي تعكس ضوء الشمس، ورائحة عطره الفاخر كلها أشياء لا تنتمي إلى هذا الحي.

+


"مراد" الشاب المدلل ابن العائلة الثرية، لم يكن يعتاد أن يخطو إلى حيث لا تتوافر الراحة ، لكنه كان هُنا امتثالًا لأمرٍ صريح من شقيقه الأكبر، أمر لم يجد في نفسه الجرأة على رفضه.

+


لمح بعيناه فتاة تخرج من محل المواد الغذائية الذي كان قريبًا منه ، فالتف في محيطه يُفكر في أي الأشخاص يسألهم عن وجهته، فلم يأمن لأي الوجوه فقرر المُغامرة والاقتراب على مضض من تلك الفتاة .

+


كانت الفتاة تحمل بين يديها أكياس بضائع وتوجه بصرها تجاه صاحب المحل قبل أن يقف خلفها يهتف مُتسائلًا :

+


- لو سمحتي ! هي عمارة الحاج منصور فين ؟

+


ألتفت الفتاة له بنظرة سريعه على مظهره وتقطيبة حاجبها تسائلت :

+



        
          

                
- حضرتك عاوز مين هناك ؟

+


- أنا عاوز الحاج منصور نفسه .

+


أجابها " مراد " مُترددًا ، ليس لعدم ثقة في نفسه لكن لذلك الطابع المُنتشر في أغلب الأحياء حول معرفة الجميع ببعضهم، لكن قاطع حبل تفكيره صوت جاء رجولي من خلفهم تحديدًا من صاحب المحل :

+


- عاوزة حاجة تانية يا "هَـنا " ؟

+


ألتفت له " هَـنا " فرفع " مراد " عيناه وأجابته الأولى :

+


- لا تسلملي يا عم سعيد ، هبعتلك الحساب أول الشهر 

+


ثم ألتفت مرة أخرى واخفضت بصرها نحو الأكياس التي تعلقت في كلا يديها ، تحاول شد قبضتها عليهم بإحكام لثقل أوزانهم، لتستمع مجددًا لقول " عم سعيد " :

+


- ابعت حد يشيل معاكِ يا بنتي ؟

+


- لا يا عمو هشيلهم أنا تسلملي .

+


نبست بها " هَـنا " والضيق يعتري بعض ملامحها من ثِقل البضائع لترفع عيناها تجاه الواقف أمامها لا ينبس بكلمة ، ثم تسائلت بتقرير :

+


- حضرتك عاوز بيت عمو منصور ؟

+


أومأ برأسه ، فألتفت " هَـنا " تجاه الطريق وهتفت :

+


- طيب تعالى معايا أنا رايحة هناك .

+


لم يعترض " مراد " على قولها ، فسار خلفها بالفعل دون النبس بكلمة ، لكن لم تخلو نظراته من التنقل هنا وهناك ، يطالع وجوه الناس والأطفال والمنازل ، بيئة مختلفة تمامًا غير التي يشهدها ، ولوجودك بها إحساس مختلف عن السماع فقط .

+


ألتفت للفتاة بجانبه يُطالعها بنصف عين يرى محاولاتها في التحامل وحمل البضائع ، لكنه لم يكُن يكترث للأمر ، وظن أنها أمور هم مُعتدين عليها أو ..

+


ربما ما كان ليأخذ دور البطولة سوى أمام من يظُن أن وراء تلك الأفعال سيجني مدحًا أو نظرات إعجاب ممن يحاول لفت إنتباههم .

3


آهِ يا مراد ..
أمامك طريق طويل لتبذل فيه الغالي والنفيس من أجل أن تحظى بنظرة آمان من إحداهُن .

+


مرت عدة دقائق ومازالوا يسيرون في طريقهم ، ليتملل " مراد " يهتف بملل :

+


- هو لسه كتير؟

+


ألقت " هَـنا " عليه نظرة جانبية وعادت تُركز في طريقها وهتفت بهدوء وتحامُل على نفسها :

+


- لسه شوية.

+


زفر " مراد " نفسًا ثقيلًا وتابع سيره تمُللًا خلفه ، حتى سمع صوت ارتطام بالأرض ليلتفت لها وتتوقف خطواته حين وجد أن أحد الأكياس سقط من يدها وتبعثرت الثمار على الأرض، ليراها تُخفض باقي الأكياس أرضًا برفق وتنخفض لتجمع الثمار التي تناثرت حولها ، ليهتف لها متسائلًا:

+


- اساعدك يا آستاذة ؟

+


أجابته " هَـنا " سريعًا ترفض قطعًا بنفاذ صبر :

+



        
          

                
- لا متشكرة هلمهم أنا .

+


مط " مراد " شفتاه بعدم اكتراث وهتف قائلًا ببرود :

+


- إنتِ حرة 

+


وما أن أنهى عبارته حتى لمح شاب يتقدم بقُرب من " هَـنا " ينخفض أرضًا يُجمع الثمار معها يهتف قائلًا :

+


- ينفع الآنسه برضو تنزل تلم التفاح بنفسها ؟

+


- شكرًا يا مصطفى بس مش عاوزه مساعده. 

+


هتفت بها " هَـنا " بعد أن زرفت نفسًا ثقيلًا تضع الفاكهة داخل الكيس لتسمع الشاب يُتابع قائلًا:

+


- لا ميرضينيش تنزلي كده وسط الحارة تلمي من على الأرض ، أومال رجالة الحارة راحت فين لما مربى زيك تعمل كده بنفسها .

2


رفعت " هَـنا " عيناها بغضب ونهضت واقفه ثم هتفت قائله بازدراء :

+


- مـصـطـفى !! احترم نفسك وأبعد عن طريقي .

+


بينما رفع " مراد " حاجباه بسخرية وهتف بخفوت شرزًا :

+


- بيئة أوي .

3


انتبه " مصطفى " للواقف بجانبها فمرر بصره على مظهره سريعًا ثم هتف مُختتمًا قوله بغمزة:

+


- وماله يا آنسه ، نحترم نفسنا والعيب ميطلعش مننا بردو.

+


رمقته " هَـنا " بنظرات صارمة ثم حملت الأكياس ومرت من أمامه ، ليُسلط " مصطفى " كل نظراته التي تحولت من السخرية إلى الصرامة على الشاب القابع أمامه ، بينما اكتفى " مراد " بنظرات ساخطه من مظهره وألفاظه وتقدم يتبع " هَـنا " في خطواتها .

+


بعد دقائق قليلة، توقفت "هَـنا" أمام مبنى سكني يبدو قديمًا بعض الشيء، لكنه لا يزال متماسكًا فرمقت واجهته بنظرة معتادة، ثم التفتت نحو "مراد" وأشارت إليه قائلة:

+


- اتفضل، دي عمارة الحج منصور، شقته في الدور الأول.

+


رفع "مراد" عينيه يتفحّص المبنى لثوان ثم ألقى نظرة امتنان إليها وابتسم ابتسامة خفيفة:

+


- ميرسي جدًا.

+


أومأت "هَنا" برأسها في صمت وهمّت بالتحرك نحو بوابة العمارة، لكن صوته أوقفها:

+


- طيب... ينفع تستنيني هنا عشان أرجع تاني ؟ عشان العربية لسه هناك، ومش هعرف أوصل لوحدي...

+


توقفت " هَـنا " ثم التفتت إليه وقالت بنبرة هادئة يغلفها الإرهاق:

+


- تقدر تسأل أي حد عن سوبرماركت عم سعيد، وهيدلك 

+


استدارت لتكمل طريقها، لكنه ناداها مرة أخرى بصوت يحمل رجاءً:

+


- معلش... أنا مش واثق في حد هنا ، ممكن ترجّعيني؟

4


قطبت "هَـنا " حاجبيها بدهشة، ثم ضحكت ضِحكة خفيفة لم تُخفِ استغرابها:

+


- يا باشا أهل الحارة غلابة... لو سألتهم مش هيضلوك، عن إذنك.

+



        
          

                
ثم التفتت ودلفت إلى المبنى بخطوات واثقة، ارتقت بها درجات السلم بهدوء.

+


أما في الأسفل وقف "مراد" يضغط شفتيه بيأس، يلقى نظرة سريعة حوله، ثم زفر بضيق وقرر أن يتبعها نحو الطابق الأول، وكأن لا خيار له إلا أن يسير خلف خطوات لا يفهمها بعد.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


| في المساء : داخل المستشفى |

+


كانت " كوثر " تتهادى في سيرها بين أروقة المستشفى تجر عربة صغيرة تحتوي مستلزمات طبية لتعوض النقص في الغُرف التي ستمر عليها .

+


كانت قد أقتربت من غرفة " ميرال" لكنها توقفت حين لمحت من بعيد خطوات " ريان " نحو الغرفة ثم طرق الباب ودلف الغرفة وأغلق الباب خلفه ، فتنهدت " كوثر" بخفة وكادت أن تستدير نحو ممر آخر لتجد من أوقفت خطواتها بفزع ترمُقها بنظرات حادّة قائلة :

+


- وقفتي ليه ! مدخلتيش وراه ليه ؟

+


تعجبت " كوثر" من حديث " صفاء " لتهتف بنفاذ صبر:

+


- دا الدكتور يا صفاء الي دخلها ، ادخل انا أعمل إيه؟!

+


- مينفعش تسبيهم لوحدهم ..

3


نبست بها " صفاء " من بين أسنانها بغيظ ، لتحتد نظرات " كوثر " ولقد سئمت منها لتهتف بحدة:

+


- صفاء هو إنتِ تعبانه في دماغك؟ دي مريضة يا صفاء فوقي بقا .. دي إنسانه عيانه زي كل إلي هنا ..

+


- بس دي مش زيهم ..

+


- صفاء امشي من وشي مش نقصاكِ يعني !

+


هتفت بها " كوثر " وأشاحت بيدها وهمّت أن ترحل من أمامها قبل أن تُوقفها قبضة " صفاء " :

+


- يا كوثر فتحي دماغك معا...

+


لكن قاطعتها " كوثر" سريعًا تهيج بها :

+


- إنتِ إلي فتحي دماغك يا صفاء فسيبك من العبط الي في دماغك دا بقا .. إنتِ إزاي تفكيرك مودي هناك كده !!

+


- أ...

+


كادت " صفاء " لتُجيبها إلا من صوت الطبيب " مدحت " الذي شحذ انتباههم:

+


- كـوثر .. صـفاء .. في إيه ؟

+


- مفيش يا دكتور .

+


أجابَ بها الثنائي ليقترب " مدحت " منهم بنظرات ضيقة مليئة بالشك أردف بعدها :

+


- أومال مالكم واقفين كده ليه ؟

+


ترددت " صفاء " لوهلة بينما أستطردت " كوثر " بثقة :

+


- أنا كنت رايحه لميرال بس لقيت دكتور ريان دخلها فرجعت ... عن إذنك يا دكتور عندي مرضى لازم أروحلهم .

+


ثم ختمت حضورها بعبارتها الأخيرة ، ليتفت " مدحت " نحو " صفاء" ذات النظرات المُرتبكة ليتوجه بسؤاله:

+


- و إنتِ يا صفاء ؟

+


- مفيش يا دكتور عن إذنك 

+


تلبكت وهمّت بالرحيل ليوقفها نداء " مدحت " بحدة :

+



        
          

                
- خدي هنا .. 

+


عادت " صفاء" خطواتها للخلف ونظراتها أرضًا قبل أن يقترب منها " مدحت " على حين غِرة هامسًا بالقرب من أُذنها :

+


- إنتِ عينك على دكتور ريان ؟

+


اتسعت أعين " صفاء " وأجفل قلبها ، وأومأت برأسها برفض قائلة :

+


- إ .. إيه يا دكتور الكلام ده !

+


بينما " مدحت " لم يعتبر بدفاعها، ليُصيغ سؤاله مرة آخرى :

2


- حصل ولا محصلش يا صفاء ؟!!

+


لكن لا شىء .. فقط سكون ،
أو رُبما هو بداية لما هو أسوء ..

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


| أما بالداخل |

+


وقف "ريان" بجوار الفراش يُراقب "ميرال" تحدق في السقف بصمت ونظرات متعبة.

+


فحص نبضها ثم ألقى نظرة سريعة على شاشة المراقبة قبل أن يبتعد خطوة للخلف، متحدثًا بنبرة هادئة لكن حازمة بلكنته الإنجليزية :

+


- طبيبكِ النفسي سيزوركِ يوميًا من الآن فصاعدًا ميرال ، من المهم أن تتجاوبي معه، الأمر ليس إجبارًا، لكن التواصل سيساعدكِ على التقدم، لا بأس إن لم تستطيعي الإجابة على كل شيء، الأمان هنا لا أحد سيؤذيكِ.

+


ظل واقفًا للحظات منتظرًا رد فعل منها، لكنها لم تحرك ساكنًا ، وظلت عيناها معلقتين بالسقف فتابع بنفس النبرة الهادئة، محاولًا سحبها من شرودها:

+


-سيُعينكِ على التخلص من الشتات، ستشعرين بتحسن تدريجيًا ، الخطوة الأولى دائمًا صعبة لكنها ضرورية ، هو سيعرف كيف يوجهك و كيف يُساعدكِ على فهم ما تمُرين به....

+


قطع صوته صوتها الخافت وهي تتحدث لأول مرة منذ دخوله الغرفة، دون أن تنظر إليه:

+


- وأين أنت من هذا كله؟

+


تجمد للحظة فالسؤال لم يكن متوقعًا، لكنه كان مباشرًا بطريقة لم تترك له مجالًا للهروب ، التفت إليها، فرأى أنها أخيرًا تحركت، استدارت ببطء لتنظر إليه، ليستعيد تماسكه سريعًا، مجيبًا بنبرة متزنة:

+


- سأكون قريبًا، لكن الفترة القادمة تحتاجين أن تكوني قريبة من طبيبكِ النفسي ،سيمنحك أدوات تُساعدكِ على التعامل مع أفكاركِ، سيُعينكِ على استعادة توازنكِ.

+


- لكنك لا تفهم، أنا...

+


توقفت ثم أغمضت عينيها بقوة تكافح رغبة في قول شيء أعمق ، وعندما فتحتها مجددًا كان هناك شيء يشبه الخوف في نظرتها، لكنها حاربته وتابعت بصوت هامس:

+


- أشعر أنني أفقد نفسي كل يوم، أنني لا أنتمي لأي مكان .. لكن... عندما تكون هنا أشعر أنني موجودة.

+


شعر بانقباض خفيف في صدره ، هذا النوع من الحديث كان متوقعًا لكنه لم يكن سهلًا ،كان يعلم أن تعلقها به نتيجة طبيعية لما مرت به، فتنهد بعُمق وحافظ على ثباته المهني، مجيبًا بصوت مطمئن:

+



        
          

                
- هذا شعور طبيعي بعد الصدمة ميرال ، لكن وجودكِ لا يعتمد على وجودي أو أي شخص آخر، أنتِ موجودة بذاتكِ، وسنُساعدكِ على الشعور بذلك.

+


أومأت بخفة لكن الدموع بدأت تتجمع في عينيها، ولم تحاول إخفاءها.

+


-لكني لا أريد أن أفقد هذا الشعور... لا أريد أن أكون وحدي مرة أخرى.

+


الآن بدأ " ريان " بإدراك جانب جديد منها ، كان هذا هو جوهر المشكلة، الخوف من الوحدة، من الفراغ الذي تركه رحيل عائلتها حتى دون أن تعرف ذلك .

+


شعر أن أي كلمات سيقولها الآن لن تملأ هذا الفراغ، لكنه اختار أن يمنحها شيئًا تستند عليه، حتى لو كان بسيطًا.

+


-لن تكوني وحدكِ ميرال ، هناك أشخاص كثيرون هنا من أجلكِ .. الجميع حولك وسيفعلون قصارى جهدهم لتتحسني. 

+


هزّت رأسها بصمت ثم أخفضت نظرها، تفكر في كلماته ولم تقل شيئًا آخر لكنه رأى كيف أن أصابعها تشبثت بغطاء السرير.

+


فوقف للحظة إضافية متأكدًا أنها لن تتحدث أكثر ، ثم استدار ليغادر ،لكن قبل أن يصل إلى الباب، سمع صوتها الهامس، مليئًا بالرجاء والتردد:

+


- هل ستعود غدًا؟

+


التفت إليها والتقت نظراتهما للحظة قصيرة لكنها ثقيلة بالمعاني ، وأجاب ببساطة :

+


- نعم .

+


كاد "ريان" أن يغادر الغرفة، لكن شيئًا ما في نظرتها أوقفه، فاستدار إليها وسأل بهدوء مشوب بالدهشة:

+


- إن كنتِ قادرة على الحديث معي، فلمَ لا تفعلين الشيء ذاته مع طبيبكِ النفسي؟

+


لم تجبه لكن عيناها ظلّتا معقودتين عليه بصمت غامض ، ثم تقدّم منها بخطوات محسوبة، تقوده دوافعه المهنية والإنسانية نحو محاولة فهم أعمق لحالتها ، يناديها بصوت هادئ لكن حازم:

+


- ميرال...

+


- هممم...

+


أجابته بنغمة خافتة بالكاد تُسمع، فأردف متسائلًا وقد علت نبرته حيرةً خفيفة:

+


- ألا تتذكرين شيئًا عن عائلتك؟ والدتك، والدكِ... كيف كانوا يعاملونك؟ أما مرّت بكِ لحظات فرح، أو لمسة دفء عائلية؟

+


كانت تصغي... نعم، هو يراها تفعل لكن ملامح وجهها بقيت جامدة، خالية من أي استجابة وجدانية.. 
لا دمعة، 
ولا ارتجافة، 
ولا حتى ارتباك
فقط نظرة خاوية من التفاصيل تجيبه بصوت مبحوح:

+


- لا أفعل.

+


تقطّبت حاجباه، وسأل بلهجة أكثر عمقًا:

+


- لما ؟

+


فجاءه ردّها كصفعة ناعمة، عفوية وبريئة:

+


- أنا .. لا .. لا أتذكر سواك !

+


تنهد بعُمق ونظر إليها طويلًا، يحاول فكّ شيفرة هذه الإجابة التي اختزلت ما تمر به ، تمتم وكأنه يُفكر بصوت مسموع:

+



        
          

                
- ميرال... أنتِ تبلغين السادسة والعشرين، أليس كذلك؟ ألا تتذكرين شيئًا عن حياتك .. قبل رؤيتي ؟

+


فتحت فمها كمن تهُمّ بالنُطق، لكن الشكّ تسرّب إلى تعبيراتها وقالت بعد برهة من الصمت:

+


- أو... كان لي؟

+


رمش بعينيه عدة مرات وقد توغلت عبارتها في داخله، ثم ردّ بنبرة خافتة ملؤها الرجاء:

+


- بالطبع، كان لكِ حياة، وكنتِ سعيدة، لديكِ أحلام، وظيفة، عائلة، ألا تتذكرين حتى من سكن قلبكِ يومًا؟ 

+


- سكن قلبي؟

+


ردّدتها وكأنها لم تسمع هذا التعبير من قبل، أو كأن الكلمة استعصت على ذاكرتها المتجمدة ، فأردف بصوت ينساب بنعومة:

+


- ميرال... عليكِ أن تثقي بنفسك ، الذاكرة لا تُمحى، فقط تُخبّأ حين تُرهَق ، هل تذكرين حتى مغادرتكِ بريطانيا؟

+


- بريطانيا...

1


تكررت الكلمة على لسانها كمن يتذوّقها لأوّل مرة، فالتقط هو الخيط بلهفة:

+


- نعم... هل تتذكرينها؟

+


- إنه... اسم جميل.

+


ابتسم بخفة، يحاول زرع بذرة طمأنينة في تربة عقلها المُرتبك:

+


- بالفعل... إنه موطنكِ، هناك بدأتِ و بدأ كل شىء معكِ .

+


نظرت إليه ثم قالت بصوت خافت مرتبك:

+


- وهل أنا... في موطني الآن؟

+


هزّ رأسه نافيًا، وأجاب بلطف:

+


- لا... لقد غادرتِ منذ زمن ، أنتِ الآن في بلد آخر وفي مرحلة جديدة نُحاول فيها استعادة مَن أنتِ.

+


لم تُعلّق وفقط نظرتها تجمدت عليه تُحاول أن تربط بين كلماته وبين شيء مفقود في ذاكرتها ، فأخفضت رأسها ثم وجدته يُتابع كلامه يحاول أن ينفذ عبر شقوق الصمت :

+


- أعلم أن كثيرًا مما أقوله لا يصل إليكِ كما يجب، لكنني أطلب منكِ أن تُجاهدي نفسكِ قليلًا ، ذاكرتكِ ليست مفقودة يا ميرال، بل عقلكِ يحاول حمايتكِ... يحجُب عنكِ الألم.

+


هُنا رفعت عينيها نحوه، كان فيهما شيء أشبه بحدّة غير متوقعة، وهمست:

+


- إذن... اتركني كما أنا.

+


تجمد في مكانه لم يتوقع تلك اللهجة الحاسمة، لكنها أشعلت فيه شكًا... بل فضولًا، فقال بنبرة متمعّنة:

+


- ولماذا أفعل؟

+


جاء ردّها هذه المرة مُحملًا بنغمة مختلفة، نبرة واثقة لكنها مشوّشة، تحمل ثقة خادعة صنعتها الغريزة:

+


- لأن عقلي... لن يخذلني ، هو يحميني. أنا... أثق به.

+


ضيق عيناه ونظر في خاصتها مباشرةً، وسأل بصوت أبطأ:

+


- وهل كنتِ تثقين به دائمًا؟

+


أومأت برأسها سريعًا كأنها استلمت دعمًا من جهة غير مرئية، ثم أكملت بصدق نادر:

+


- أنا... متأكدة من ذلك.

+


أومأ برأسه ببطء عدة مرات وقد خفتت نظراته وشرد بعيدًا عنها ثم أستقام وكان على وشك مغادرة الغرفة، لكن قبل أن يدير مقبض الباب توقف فجأة واستدار نحوها بنظرة تحمل مزيجًا من الدفء والملاحظة الحادة وقال :

+


- بالمناسبة... أنتِ تتقدمين بشكل رائع.

+


رفعت عينيها نحوه، دون أن تنطق لكنها جهلت سبب تعبيره ، ليُتابع بنبرة فيها إشادة ناعمة:

+


- لقد ناديتُ اسمك... واستجبتي.

+


صمت قليلًا قبل أن يوضح ما يعنيه:

+


- وهذا معناه إنكِ تقبّلتي ملكيتكِ للاسم... تقبّلتي أنكِ "ميرال".

+


أمالت رأسها قليلًا، وعيناها تتوهجان بدهشة خافتة تحاول إدراك ذلك ثم تمتمت بصوت خافت:

+


- أاا... هل هذا جيد؟

2


ابتسم بخفة ثم أجاب بثقة:

+


- بل... أكثر من رائع.

+


وبتلك الكلمات غادر الغرفة أخيرًا، تاركًا خلفه شرارة صغيرة بدأت تضيء عتمة "ميرال" الذهنية.

+


ٰ

+


يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


بفصل اليوم وضعنا الخطوات الأولى في أحداث الذروة و أثقل الأحداث والوقائع .

+


هنتظر آرائكم هنا أو على جروب الفيس بوك ستجدون الرابط في وصف حسابي على واتباد، هكون متواجده هناك و أتفاعل معكم و مع آرائكم إلى إن نعود مجددًا. 

+


لا تنسوني بصالح دعائكم. 

+


شكرًا لحُسن قرائتكم، و أتمنى تتركوا ليا رأيكم .

+


و السلام على قلوبكم .

+


|| سُهى الشريف ||

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close