رواية مجهول انبت عشقا الفصل التاسع عشر 19 بقلم سلمي خالد
مجهول أنبتَ عشقًا
بقلم سلمى خالد "سماسيموو"
الفصل التاسع عشر
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
هذا الفصل إهداء إلى الجميلة "منه" أشكرك على هديتك الرائعة واسعدني قرأتك لروايتي البسيطة وأتمنى أن ينول القادم أعجبك
( عندما تلتقط صدمة يصبح الواقع مؤلم)
وضع سماعة هذا الهاتف ثم تطلع لسدرا وهي جالسة على الاريكة تبكي، يشير بالمسدس نحوها، قائلًا ونبرات الشر تفوح منه:
_ اعتقد إن الوحش مش هيسكت بعد ما دخلت الحارة اللي سليم خايف يدخلها.
تطلعت له سدرا في اشمئزاز منه، بينما تقدم منها يبتسم في خبث قائلًا ببعض المكر:
_ وصحبتك باعتك وخلت كل حاجة معاكي عشان تبقى أنتِ الستارة اللي هتهرب من وراها.
حدقت به في ذهول منغمسة بصدمة قاسية، هل يعقل أنها فعلت ذلك؟ نظرت له في شك قائلة بنبرة نافرة:
_ أنت كداب.
ضحك سمير بشدة، ثم نظر لها في مكر قائلًا وهو يجلس أمامها مباشرةً:
_ واضح أنك هبلة جدًا يا دكتورة لدرجة أنك مش مدركة أن أيسل بعد سنين ساكتة حكتلك أنتِ وهي عارفة إن سليم بيحبك وأنه ممكن يسبها في مقابل إنها تسلمك له، بس خطتها باظت واستخدمت الحل الاخير وهو أنها قالتلك الباسورد البرنامج اللي منظمة كاملة مش هتسيبك لو عرفوا.
حدقت به في صدمة تحاول استيعاب ما فعلته أيسل هي بالفعل تعلم حب سليم لها، اردفت دون وعي:
_ يعني مقلتش الباسورد ليا عشان تأمن البرنامج!
ابتسم سمير في شر يتمتم وهو ينهض من مقعده يمسك لهاتفه قائلًا بنبرة باردة:
_ شكرًا لغبائك يا دكتورة.
أرسل سمير رسالة صغيرة من هاتفه، ثم أغلق الهاتف ينظر نحو سدرا التي تشعر بأنها ضائعة وسط صحراء قاحلة، اقتحم الوحش الغرفة قبل أن تتحدث سدرا يتطلع لسمير في شرسة قائلًا:
_ مين دخلك هنا؟
استدار سمير يشير بمسدسه نحو الوحش قائلًا في ضحك:
_ الرجالة بتوعك دول فيهم وفاء عجبني لدرجة أني اديتهم ربع مليون ووافقوا ببساطة أن ادخل الحارة ساعتين بس.
نهضت سدرا تشعر بالقلق على الوحش، بينما لاحظ سمير نهوضها وابتسم لهما في شر يغمغم بنبرة أثارت قلق الوحش:
_ الله دا في قصة حب هنا! لا اعتقد كده سليم مش هيحب الوضع!
سيطر الوحش على زمجرته قائلًا بنبرة باردة تحمل التزييف:
_ سيبك من سليم وقصة الحب اللي في خيالك بس وقول أنت ازاي عايش بعد ضرب النار!
حرك سمير رأسه ببعض اللامبالاة يتمتم:
_ ولا حاجة الرصاصة جت في صدري وكنت قادر اتحرك اتصلت على حد وجه خدني شلت الرصاصة واستنيت اللحظة اللي ادخل فيها هنا عشان انتقم من سليم فيها.
اشار نحو سدرا بالمسدس يدير رأسه نحوها بينما انقض الوحش على سمير يمسك بيه يرفعها للأعلى كي يبتعد عن سدرا، ظل سمير يقاوم قوة الوحش حتى سقط منه المسدس، دفعه الوحش بلكمة قوية ليلقيه على السرير، ثم أسرع يمسك بذلك السلاح سريعًا يشير بتجاه رأس سمير وبلحظة اطلق رصاصة واحدة توسطت جبين سمير، اتسعت عين سدرا وهي ترى سمير ملقى على السرير حدقتيه مفتوحتان، تسيل الدماء من جبينه، ثم صرخت بشدة تضع رأسها بين راحتي يدها، بينما أسرع الوحش اتجاهها محاولًا تهدئتها ولكنها ابتعدت عنه سريعًا متمتمة وسط بكاء يملأ صوتها، عيناها الملتاعتان:
_ ابعد عني.. أنا خايفة !
اشار لها بأن تهدئ يهمس بنبرة هادئة حنونة:
_ اهدي أنا اللي عملته دفاع عن نفس مش قتل.. واحد اتهجم عليكي بمسدس وعايز يقتلك مكنتش هقدر اسيبه.. اهدي خالص انا من يوم ما اتجوزتك وانا مقتلتش حد.
انفجرت في البكاء بشدة وهي تتمتم وسط دموعها التي تغرق وجهها:
_ دا.. دا مات قدامي.. أنا خايفة اوي!
تقدم منها الوحش في حذر حتى جلس جوارها يمد يديه يزيل دموعها في حنو، قائلًا في دفئ:
_ مات لأن دا عمره وقف لحد كده.. ونصيبك يشوفه وهو بيموت.. اهدي يا سدرا وكلها يومين وتنسي.
تطلعت نحوه في ألم غائر ربما لن يختفي هذا، تتذكر هذا المشهد المؤلم، ثم همست بنبرة مبحوحة:
_ أنا لو نسيته وهو بيموت.. مش هنسى بابا وماما وهما بيتقتلوا!
اغرورقت الدموع عيناها، نصل قوي اندفع لقلبها فزاد من نزيف ندوبها القاسية، احتواها الوحش كما يفعل الأب مع ابنتها عندما تبكي راكضة نحوه، يحتضنها في حنان يدوي مشاعرها الرقيقة التي تلفت مما حدث لها.
غفت سدرا على ذراعه بعدما بكت، في حين تأمل الوحش ملامحها الباكية بشدة.. الحزينة، ثم حملها بين يديه يذهب بها نحو الغرفة الأخرى التي كان يغفو بها، وضعها في هدوء على الفراش ثم ازاح خصلات شعرها عن وجهها، همس جوار اذنها في حنان بالغ:
_ متخفيش من حاجة.. الوحش هيسند سدرا طول العمر.
ادارت سدرا رأسها نحو هذا الهمس، لترتسم ابتسامة صغيرة على شفتيه ما أن شعر أنه هو أمانها، قبل جبينها في رقة، ثم اغلق باب الغرفة يتطلع نحو سيدة التي تقف أمام الباب في رعب لم تجرأ على الدخول، هتف الوحش بنبرة ارتجفت على أثارها سيدة:
_ تقعدي معاها لحد ما أخلص وأجي.. وساعتها هحاسبك!
عوجت سيدة فمها ببعض الضيق أنها سوف تعاقب، واتجهت نحو الغرفة، بينما تقدم الوحش نحو الخارج يتذكر ما حدث بعد أن انهي تلك المكالمة..
***
نظر الوحش نحو الهاتف في قلق، هل بالفعل يشعر بهذا الشعور؟ لم يتعلم قلبه سوى القسوة.. الكره.. الشر.. ولكن الحب هذا الشعور الرقيق يلتف حول القلب كقطعة حرير ناعمة تزيد الشعور بالمتعة والراحة، أردف في أمر:
_ وقف العربية يا حندوق..روح خلص العملية التانية.. وانا هرجع على البيت.
تطلع له حندوق في تعجب ثم تمتم:
_ حصل ايه!
:_ وقف العربية وابعت الرجالة بتاعتنا معايا لما تخلص.
قالها الوحش وهو يفتح الباب يترجل من السيارة، ثم أخذ سيارة أخرى معه وانطلق كالبرق نحو الحارة التي يبتعد عنها بأميال، يكاد عقله يجن من أن سمير لايزال على قيد الحياة، يعلم أن سليم قد أنهي حياته، فكيف لا يزال على قيد الحياة، وصل أخيرًا للمنزل وأشار لسيدة بعدم الدلوف للغرفة..
***
وقف الوحش أمام عدد من الرجال الموضعين داخل الحارة كي يأمنوها، يتطلع لهم بشراسة قوية يشير لحندوق قائلًا:
_ عقاب اللي يخوني ايه؟
وقف حندوق جواره بعدما انهي مهمته، يجيب سريعًا بصوت عالي:
_ الموت!
:_ تؤ تؤ لا نسيت أنه قبل ما يموت لزمًا يشوف وش الوحش التاني!
قالها وهو يتطلع نحو الجميع، يدقق بحدقتيهم، هبط يسير أمام جميعًا في بطء أثار رعبهم حتى توقف أمام أحدهم بتنفس بدرجة من التوتر العالية، يبتعد بعينيه عنه، أمسك بعنقه قائلًا في عنف:
_ لما تبقى من رجالة الوحش لزمًا تعرف إن رقم الوحد لو فلوس قارون كلها جتلك متبعش اللي شغال معاه.. وأنت خلفت اهم قاعدة.
سحبه في عنف من عنقه يلقيه أرضًا، مرددًا لحندوق وهو يتطلع للجميع:
_ خده وقبل ما تقتلوه تجمعوا الناس تاني عشان يبقى عبرة للي خانه تفكيره وقرر يبعني!
صرخ الرجل بشدة وهو يعلم أنه كتب بخيانته للوحش نهاية قاسية، ولكن ليس هناك طريق للعودة فالوحش طريق بلا عودة، تركهم الوحش ثم صعد نحو الغرفة ليجد سيدة تجلس جوار سدرا، اشار لها بالخروج من الغرفة.
وقفت امامه تشعر بتوتر حاد، بينما أردف الوحش بنبرة حادة:
_ جرى ايه يا سيدة.. من أمته حد بيدخل البيت ومتحسيش بيه.. شكلك كده عايز يجرب زعلي!
حركت رأسها في نفي متمتمة في آسف:
_ حقك عليا يا وحش باشا.. بس الراجل دخل بمساعدة كبيرة لأني محستش بيه خالص.. اول أخر مرة!
:_ هي أخر مرة لأن لو في مرة تانية أنا اللي هخفيكي من الدنيا!
قالها يستدير نحو الغرفة يدلف بها، بينما ابتسمت سيدة لخوفه الشديد عليها وعلمت أنهما قد وصلا لحافة الاعتراف بهذا العشق المكنون، رأي الوحش وجهها يتصبب عرقًا، تصدر همهمات صغيرة، وكأنها تصارع شيئًا، تقدم نحوها حتى جلس جوارها، يهبط لمستوى اذنها متمتمًا بصوتٍ منخفض:
_ سدرا متخفيش من حد.. أنا جنبك!
دفع بعض الهواء بوجهها في رفق حتى تشعر بوجوده، يمسح على خصلات شعرها في رقة حتى تهدأ، وبالفعل استجابة له سدرا وهي تصارع كابوسًا اسود بمقتل والديها.
نهض الوحش من جوارها في هدوء ثم ابدل ملابسه بأخرى قطنية مريحة كي يغفو قبل أن تنهض من جديد، يعلم أنه سيمر بيومٍ شاق معها.
*****
طرق تاليا على الباب، ثم دلفت بعد أن استمعت لوالد آدم يسمح لها بالدخول، دلفت هي أولًا ثم والدها تتمتم بنبرة هادئة على ثغرها ابتسامة صغيرة:
_ حمدلله على السلامة يا بشمهندس.
منحها آدم ابتسامة مجهدة قائلًا في اجهاد:
_ الله يسلمك!
تمتم جلال يتطلع نحو آدم والسيد ماجد:
_ حمدلله على السلامة.
اجابه الاثنان في هدوء، بينما دلف حمزة نحو الغرفة يتطلع نحو تاليا في هدوء يتسأل بنبرة جادة:
_ استاذة تاليا.. احكيلي ايه اللي حصل بظبط!
تطلعت نحوه تاليا في تعجب، بينما تدخل ماجد يهتف سريعًا:
_ دا حمزة يبقى ابن أخو مراتي وابن خال آدم.. وزي ابني بظبط... شغال في المخابرات وبيسأل عشان هيحقق في الموضوع!
اتسعت عين تاليا في دهشة قائلة بنبرة منبهرة:
_ الله مخابرات... طب أنتم بتسافر وتعمل شغل الاكشن اللي بنشوفه في السيما ولا السيما سوأت سُمعتكم ؟
حدق بها حمزة في ذهول، بينما أمسك جلال يد ابنته ضاغطًا عليها قليلًا، تمتم حمزة وهو يشير نحو تاليا قائلًا لآدم في استنكار:
_ هي دي متأكد السكرتيرة بتاعتك؟
:_ ومالها دي أن شاء الله!
قالتها ببعض الغضب، في حين شعر جلال برغبته في اقتلاع لسان تاليا، هتف في حرج مما تفعله ابنته:
_ معلش يا بني هي بس بتهب منها ساعات.
عبثت ملامحها في ضيق، بينما ارتفع ضحك آدم ولكن يتأوه من الألم وسط ضحكه القوي، نظر له حمزة ببعض التعجب، ثم ردد بنبرة تحمل بعض الغيظ:
_ بتضحك على ايه!
حاول التحكم في ضحكته يشير له أنه سوف يصمت، بينما أكمل حمزة يشير لتاليا بأن تروي ما حدث، وبالفعل سردت ما مرا به الأثنان، انتهت من سرد أخر جزء، ليتسأل حمزة مجددًا بسؤالٍ جديد:
_ طب عندك فكرة هما كانوا بيعملوا كده ليه؟
بقيت تاليا دقائق لتفكر، ثم اجابة ببعض البلاهة:
_ ممكن عقاب للراجل دا عشان بيفتري على الغلابة اللي زي في الشغل.. وكمان عزمت عليه بسندوتشات بس اتريق عليا.. اهو اتسلط عليه ناس عشان اتريق عليا.
اتسعت عين آدم من حديثها، بينما شعر حمزة بأنه سيصاب بجلطة منها، بينما بقى ماجد وجلال يحاولان السيطرة على ضحكهما من تعبيرات الأثنان، أكمل حمزة يصك على أسنانه بصعوبة:
_ يا بنتي قصدي أنهم بيعملوا كده عشان يقتلكم ولا تهديد!
رفعت حاجبها في غيظ تتمتم:
_ نعم! وانا ايش عرفني كنت اشتغلت في المخابرات قبل كده.
تحرك حمزة وهو يحرك رأسه بعدم تصديق مردفًا:
_ لا لا كده كتير.. أنا اتعملت مع متهامين لكن مشوفتش زيك.. انا ماشي.
غادر حمزة من الغرفة بينما حركت رأسها في غيظٍ من طريقته، استدارت برأسها نحو آدم لتجده يتطلع لها في غيظ، شعرت ببعض التوتر قائلة:
_ حضرتك تعبان؟
:_ حضرتك اممم مش كان من شوية الراجل اللي بيفتري على الغلابة ولا بتهيألي؟
قالها آدم في تهكم، بينما ابتسمت تاليا في ارتباك تردف في حرج:
_ يلا يا بابا خلينا نسيب الاستاذ آدم يرتاح.
نهض جلال وهو يحاول السيطرة على ضحكه وما تفعله ابنته بصاحب العمل، ولكن شعر ببعض الحيرة من تحمله لها بالرغم من قدرته أن يريح ذاته ويرفدها من الشركة، تحرك الأثنان سويًا ولكن اردف آدم في جدية ممزوجة بالحزم:
_ هاتي مريم بكرة بدري اوي هنا في المستشفى وتعالوا عشان اقولكم هتعملوا ايه وانا مش موجود!
حركت رأسها في ايجابية، بينما أكمل آدم في سره:
_ واربيكي على اللي قولتيه بس اخف وافوقلك!
غادرت تاليا تستعد للذهاب إلى العمل بالغد، في حين هتف ماجد ببعض المكر:
_ اعتقد إن تاليا زوجة رائعة ليك يا أدم.
نظر له آدم في يأس من تفكيره، في حين استطرد ماجد كلماته قائلًا:
_ بص يا آدم أنا متأكد من حبك للبنت دي بذات.. ولو مش هتاخد خطوة أنا همشيها من الشركة واوديها فرع تاني!
اتسعت عين آدم في ذهول، يندفع بالحديث مرددًا:
_ هتنقلها! تنقلها ليه؟
رمقه بنظرة ساخرة يجيب وهو يعيد مقعده المتحرك للخلف:
_ عشان أبوها لاحظ أنك ساكت على رد البنت على الرغم من إن البنت دي لو ردت على مدير تاني غيرك هتطرد في ثانية.
غادر ماجد للشرفة تاركٍ مساحة ضخمة لآدم كي يفكر ويتخذ قررًا بحياته قادمة.
*****
استيقظ الوحش وهو يشعر بعدم وجود سدرا جواره، نهض من مكانه ليراها تجلس بالشرفة تذرف الدموع في صمتٍ تام، نهض من الفراش يردد في هدوء:
_ وقفة كده ليه؟
مدت أناملها تزيل دموعها، تجيب بنبرة أظهرت ما تعاني به:
_ مفيش حاجة.
مد يده يديرها نحوه، يتطلع بوجهها الذي يشع بالحُمرة الشديد، يهمس في هدوء:
_ ووشك الأحمر دا ليه؟
أغمضت عيناها وهي تحاول السيطرة على هذا الجرح الذي يدفعها للبُكاء، تجيب بصوتٍ مبحوح:
_ مش قادرة اتكلم بجد.
نظر لها قليلًا ثم أردف مبتسمًا في حنو:
_ طب في طقم خروج جبته مع الهدوم البسيه وتعالي معايا.
تبدلت ملامحها قليلًا لتعجب، تتسأل في حيرة:
_ البسها ليه؟
امسك بيدها يحرك نحو الغرفة، ثم اشار نحو الخزانة كي تأخذ ملابسها وبالفعل امتثلت لما قاله وأخذت الطقم الذي احضره، ووقفت أمامه، هتف الوحش متفهمًا خجلها:
_ هروح اجيب هدوم ليا انا كمان من هناك.
غادر الغرفة كي يبدل ملابسه، بينما بدأت سدرا بارتداء تلك الملابس وهي غير مدركة لما يريده هذا الوحش!
انتهت من تجهيز ذاتها، وانتهى هو الاخر وأخذها كي تتجول بالحارة، هبط الاثنان سويًا من المنزل، ثم سار سويًا ولكن ما تعجب له الوحش تشبث يد سدرا بذراعه بشدة وكأنها تخشي الجميع ولا تخشاه بالرغم من أن الجميع يخشاه وشعرون بالرعب كلما قرر التجول بالحارة.
بدأ يسرد لها ماذا يفعل الناس فقد وجدت أناس يفعلون أشياء غريبة بعض الشيء بتلك الحارة، حتى توقفت على سيدة في منتصف العمر تمسك بقطعة الفلافل من الزيت بيدها وتضعها فوق الطبق، اتسعت عينها في شدة تردف بنبرة تحمل ذهول:
_ دي بتحط ايديها في الزيت.. انت شوفتها!
ضحك الوحش على طريقتها، ثم أردف متسائلًا في تسلية يشعر بمتعة شديدة في الحديث معها:
_ هو أنتِ مش بتعملي كده؟
شهقت في صدمة، ثم نظرت له ببعض التعجب تُجيب:
_ أعمل ايه احط ايدي في زيت مغلي عشان تتحمر.. لا طبعًا ببقى لبسه هدوم بكُم وحطه غطى عشان الزيت ميجيش عليا.
لم يستطع تمالك نفسه وبدأ بالضحك مرة أخرى، ولكن سيطر على نفسه في صعوبة كي لا يراه الجميع هكذا يتمتم:
_ طيب هي دي شغلتها.. أكل العيش يخليكي تعملي أسوأ من كده عشان تلاقي تاكلي.. وهي دي لقمتها.
شعرت سدرا ببعض التأثر من حديثه وهمست بسرها « يارب ساعد كل من يبحث عن رزق حلال طيب وارزقه من رحمتك الوسعة»، أكملوا السير حتى وصولا الأثنان لنهاية الحارة أمام منزل هادئ بعيد عن الناس، هتف الوحش وهو يشير للمنزل:
_ دا أغلب الوقت لما بختفي بكون فيه، ومحدش بيقرب للبيت دا.
نظرت له قليلًا، ثم شعرت بدقات قلبها تزداد شيئًا فشيء، فلم ترى سوى انسان عادي تبادله مشاعر هادئة وجميلة، تقدم الأثنان سويًا للمنزل ثم دلف بداخله لتجده سدرا مُعدًا بشكل جيد يصلح للعيش به، جلست على الأريكة بالردهة بينما دلف الوحش لغرفة قريبة منه، وعاد حاملًا مشروبًا باردًا يتمتم ببمسة تعلو ثغره:
_ خدي اشربي دا هيروق عليكي كتير.
تناولته سدرا عنه ثم بدأت ترتشف منه القليل، ولكن ظهرت ابتسامة صغيرة على محياها، قطب الوحش جبينه ما أن رأي الابتسامة مرددًا:
_ بتبتسم لإيه؟
اشارت على العصير وهي تجيب في هدوء:
_ عشان عارف اكتر عصير بحبه وجبته.. أنت اول حد يعرف كل تفاصيل حياتي.. مهتم بأدق التفاصيل بتعرف بحب ايه وبكره ايه.. أنت حتى مش بتخلي حزني يكمل.. عارف لأول مرة النهاردة هقولها واعترف بيها..
نظر لها قليلًا، ينتظر أن تكمل، بينما استرسلت سدرا وهي تشعر بخجلٍ شديد:
_ هتعرف أني رغم كنت بحاول اكرهك بس وقعت في حبك.. وبقيت بحبك.
رُسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه، ولكن ليست ابتسامة عادية بل ابتسامة تتبادل هذا العشق بينهما، نهض من مكانه يشير لها بأن تأتي معه، وبل فعل تحرك الأثنان حتى وصلا لشرفة ثم اردف الوحش وهو يرى مغيب الشمس:
_ شايفة الشمس دي.. هي أنتِ.. حياتي كانت ضلمة ودلوقتي نورت تاني بعد وجودك فيها.
شعرت سدرا بسعادة من كلماته الصغير ولكن ادفئت قلبها بحبه لها، استرسل الوحش حديثه وهو يحدق بعيني سدرا:
_ من بكرة يا سدرا هتبدأي تدريب أنا هعلمهولك عشان تقدري تدافعي عن نفسك.
تعجب من طلبه ولكنها حركت رأسها في هدوء تتمتم ببسمة صغيرة:
_ خلاص ماشي.. طالما دا في مصلحتي.
عاد الاثنان للداخل ولكن صعدا سويًا للغرفة، وتفاجأت سدرا بوجود ملابس لها بهذا المنزل بدلتهم جميعًا ثم جلست على الفراش تنظر نحو الوحش ببعض البراءة قائلة:
_ مش عايزة انام.. شغل التلفزيون.
تنهد الوحش قليلًا ثم هبط الاثنان سويًا واشعل التلفاز كي تشاهده، وبدأ الاثنان يشاهدانه ثم غفت سدرا على كتف الوحش دون وعي ظل يتأملها، تظهر على شفتيه ابتسامة عاشق، ثم نهض يحملها في حنو كي لا يقظها ولكن شعرت به يحملها واستيقظت تشعر بخجلٍ يضرب وجهها، ضحك الوحش من خجلها يتمتم في مكر:
_ أنا تقريبا شلتك مرتين قبل كده مش فاهم ليه مكسوفة دلوقتي!
ضربت كتفه، تحرك قدميها في الهواء قائلة:
_ نزلني.. نزلني!
رفع حاجبه بمكرٍ أصبح يرافقه ثم أردف في همس:
_ مش هنزلك.. هخليكي قريبة من قلبي.
لم تستطع التحرك وتمنت لو أكملت غفلتها، وصلا للغرفة وانزلها الوحش بهدوء وقبل أن تبتعد امسك يدها يتطلع بحدقتها في عمق يهمس في هدوء:
_ متأكدة من أنك بتحبيني؟!
ظلت بضع لحظات ثم حركت رأسها في ايجابية ترفق ابتسامة صغيرة معه، اختفت كل الندوب لدى الاثنان، وتلقت القلوب أخيرًا، يشعران بأن كلاهما يدوي جرح أخر، يتذوق الأثنان من رحيق العشق الذي اختفي من حياتهما، فأصبحت هي زوجته أمام الله.
*****
بدأ الوحش بتدريب سدرا جيدًا على طرق الدفاع عن النفس، وكيفية استخدام السلاح ببراعة، ولاحظ قدرت سدرا على استيعاب ما يقوله بدقة وتطبيقه، مما ساعدها على التدرب في سرعة، ولكن كلاهما اكتشف جانبًا مختلف الوحش يحمل قلبًا حنون للغاية، وسدرا تحمل ذكاءًا اثار اعجاب الوحش.
انتهي الوحش من تدريب سدرا وعاد الاثنان للمنزل القديم، ولكن ما أن دلف للمنزل حتى أعطته سيدة رسالة صغيرة تتمتم بها:
_ واحد من الرجالة جاب الجواب دا وقال حد سبهولك برة.
نظر لها في شك، ثم تأكد من عدم وجود سدرا أمامه ثم فتح هذا الظرف ولكنه صُدم مما أُرسل له فكانت الرسالة تنص على
« سلملي سدرا... وتبقى الرئيس السادس في منظمة الأفعى».
حدق بالمكان الذي اختفت منه سدرا، وعاد للورقة فهذا ما كان يحلم به ولكن أصبح الخيار صعبًا أم سدرا أو المنصب!
يتبع.
بقلم سلمى خالد "سماسيموو"
الفصل التاسع عشر
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
هذا الفصل إهداء إلى الجميلة "منه" أشكرك على هديتك الرائعة واسعدني قرأتك لروايتي البسيطة وأتمنى أن ينول القادم أعجبك
( عندما تلتقط صدمة يصبح الواقع مؤلم)
وضع سماعة هذا الهاتف ثم تطلع لسدرا وهي جالسة على الاريكة تبكي، يشير بالمسدس نحوها، قائلًا ونبرات الشر تفوح منه:
_ اعتقد إن الوحش مش هيسكت بعد ما دخلت الحارة اللي سليم خايف يدخلها.
تطلعت له سدرا في اشمئزاز منه، بينما تقدم منها يبتسم في خبث قائلًا ببعض المكر:
_ وصحبتك باعتك وخلت كل حاجة معاكي عشان تبقى أنتِ الستارة اللي هتهرب من وراها.
حدقت به في ذهول منغمسة بصدمة قاسية، هل يعقل أنها فعلت ذلك؟ نظرت له في شك قائلة بنبرة نافرة:
_ أنت كداب.
ضحك سمير بشدة، ثم نظر لها في مكر قائلًا وهو يجلس أمامها مباشرةً:
_ واضح أنك هبلة جدًا يا دكتورة لدرجة أنك مش مدركة أن أيسل بعد سنين ساكتة حكتلك أنتِ وهي عارفة إن سليم بيحبك وأنه ممكن يسبها في مقابل إنها تسلمك له، بس خطتها باظت واستخدمت الحل الاخير وهو أنها قالتلك الباسورد البرنامج اللي منظمة كاملة مش هتسيبك لو عرفوا.
حدقت به في صدمة تحاول استيعاب ما فعلته أيسل هي بالفعل تعلم حب سليم لها، اردفت دون وعي:
_ يعني مقلتش الباسورد ليا عشان تأمن البرنامج!
ابتسم سمير في شر يتمتم وهو ينهض من مقعده يمسك لهاتفه قائلًا بنبرة باردة:
_ شكرًا لغبائك يا دكتورة.
أرسل سمير رسالة صغيرة من هاتفه، ثم أغلق الهاتف ينظر نحو سدرا التي تشعر بأنها ضائعة وسط صحراء قاحلة، اقتحم الوحش الغرفة قبل أن تتحدث سدرا يتطلع لسمير في شرسة قائلًا:
_ مين دخلك هنا؟
استدار سمير يشير بمسدسه نحو الوحش قائلًا في ضحك:
_ الرجالة بتوعك دول فيهم وفاء عجبني لدرجة أني اديتهم ربع مليون ووافقوا ببساطة أن ادخل الحارة ساعتين بس.
نهضت سدرا تشعر بالقلق على الوحش، بينما لاحظ سمير نهوضها وابتسم لهما في شر يغمغم بنبرة أثارت قلق الوحش:
_ الله دا في قصة حب هنا! لا اعتقد كده سليم مش هيحب الوضع!
سيطر الوحش على زمجرته قائلًا بنبرة باردة تحمل التزييف:
_ سيبك من سليم وقصة الحب اللي في خيالك بس وقول أنت ازاي عايش بعد ضرب النار!
حرك سمير رأسه ببعض اللامبالاة يتمتم:
_ ولا حاجة الرصاصة جت في صدري وكنت قادر اتحرك اتصلت على حد وجه خدني شلت الرصاصة واستنيت اللحظة اللي ادخل فيها هنا عشان انتقم من سليم فيها.
اشار نحو سدرا بالمسدس يدير رأسه نحوها بينما انقض الوحش على سمير يمسك بيه يرفعها للأعلى كي يبتعد عن سدرا، ظل سمير يقاوم قوة الوحش حتى سقط منه المسدس، دفعه الوحش بلكمة قوية ليلقيه على السرير، ثم أسرع يمسك بذلك السلاح سريعًا يشير بتجاه رأس سمير وبلحظة اطلق رصاصة واحدة توسطت جبين سمير، اتسعت عين سدرا وهي ترى سمير ملقى على السرير حدقتيه مفتوحتان، تسيل الدماء من جبينه، ثم صرخت بشدة تضع رأسها بين راحتي يدها، بينما أسرع الوحش اتجاهها محاولًا تهدئتها ولكنها ابتعدت عنه سريعًا متمتمة وسط بكاء يملأ صوتها، عيناها الملتاعتان:
_ ابعد عني.. أنا خايفة !
اشار لها بأن تهدئ يهمس بنبرة هادئة حنونة:
_ اهدي أنا اللي عملته دفاع عن نفس مش قتل.. واحد اتهجم عليكي بمسدس وعايز يقتلك مكنتش هقدر اسيبه.. اهدي خالص انا من يوم ما اتجوزتك وانا مقتلتش حد.
انفجرت في البكاء بشدة وهي تتمتم وسط دموعها التي تغرق وجهها:
_ دا.. دا مات قدامي.. أنا خايفة اوي!
تقدم منها الوحش في حذر حتى جلس جوارها يمد يديه يزيل دموعها في حنو، قائلًا في دفئ:
_ مات لأن دا عمره وقف لحد كده.. ونصيبك يشوفه وهو بيموت.. اهدي يا سدرا وكلها يومين وتنسي.
تطلعت نحوه في ألم غائر ربما لن يختفي هذا، تتذكر هذا المشهد المؤلم، ثم همست بنبرة مبحوحة:
_ أنا لو نسيته وهو بيموت.. مش هنسى بابا وماما وهما بيتقتلوا!
اغرورقت الدموع عيناها، نصل قوي اندفع لقلبها فزاد من نزيف ندوبها القاسية، احتواها الوحش كما يفعل الأب مع ابنتها عندما تبكي راكضة نحوه، يحتضنها في حنان يدوي مشاعرها الرقيقة التي تلفت مما حدث لها.
غفت سدرا على ذراعه بعدما بكت، في حين تأمل الوحش ملامحها الباكية بشدة.. الحزينة، ثم حملها بين يديه يذهب بها نحو الغرفة الأخرى التي كان يغفو بها، وضعها في هدوء على الفراش ثم ازاح خصلات شعرها عن وجهها، همس جوار اذنها في حنان بالغ:
_ متخفيش من حاجة.. الوحش هيسند سدرا طول العمر.
ادارت سدرا رأسها نحو هذا الهمس، لترتسم ابتسامة صغيرة على شفتيه ما أن شعر أنه هو أمانها، قبل جبينها في رقة، ثم اغلق باب الغرفة يتطلع نحو سيدة التي تقف أمام الباب في رعب لم تجرأ على الدخول، هتف الوحش بنبرة ارتجفت على أثارها سيدة:
_ تقعدي معاها لحد ما أخلص وأجي.. وساعتها هحاسبك!
عوجت سيدة فمها ببعض الضيق أنها سوف تعاقب، واتجهت نحو الغرفة، بينما تقدم الوحش نحو الخارج يتذكر ما حدث بعد أن انهي تلك المكالمة..
***
نظر الوحش نحو الهاتف في قلق، هل بالفعل يشعر بهذا الشعور؟ لم يتعلم قلبه سوى القسوة.. الكره.. الشر.. ولكن الحب هذا الشعور الرقيق يلتف حول القلب كقطعة حرير ناعمة تزيد الشعور بالمتعة والراحة، أردف في أمر:
_ وقف العربية يا حندوق..روح خلص العملية التانية.. وانا هرجع على البيت.
تطلع له حندوق في تعجب ثم تمتم:
_ حصل ايه!
:_ وقف العربية وابعت الرجالة بتاعتنا معايا لما تخلص.
قالها الوحش وهو يفتح الباب يترجل من السيارة، ثم أخذ سيارة أخرى معه وانطلق كالبرق نحو الحارة التي يبتعد عنها بأميال، يكاد عقله يجن من أن سمير لايزال على قيد الحياة، يعلم أن سليم قد أنهي حياته، فكيف لا يزال على قيد الحياة، وصل أخيرًا للمنزل وأشار لسيدة بعدم الدلوف للغرفة..
***
وقف الوحش أمام عدد من الرجال الموضعين داخل الحارة كي يأمنوها، يتطلع لهم بشراسة قوية يشير لحندوق قائلًا:
_ عقاب اللي يخوني ايه؟
وقف حندوق جواره بعدما انهي مهمته، يجيب سريعًا بصوت عالي:
_ الموت!
:_ تؤ تؤ لا نسيت أنه قبل ما يموت لزمًا يشوف وش الوحش التاني!
قالها وهو يتطلع نحو الجميع، يدقق بحدقتيهم، هبط يسير أمام جميعًا في بطء أثار رعبهم حتى توقف أمام أحدهم بتنفس بدرجة من التوتر العالية، يبتعد بعينيه عنه، أمسك بعنقه قائلًا في عنف:
_ لما تبقى من رجالة الوحش لزمًا تعرف إن رقم الوحد لو فلوس قارون كلها جتلك متبعش اللي شغال معاه.. وأنت خلفت اهم قاعدة.
سحبه في عنف من عنقه يلقيه أرضًا، مرددًا لحندوق وهو يتطلع للجميع:
_ خده وقبل ما تقتلوه تجمعوا الناس تاني عشان يبقى عبرة للي خانه تفكيره وقرر يبعني!
صرخ الرجل بشدة وهو يعلم أنه كتب بخيانته للوحش نهاية قاسية، ولكن ليس هناك طريق للعودة فالوحش طريق بلا عودة، تركهم الوحش ثم صعد نحو الغرفة ليجد سيدة تجلس جوار سدرا، اشار لها بالخروج من الغرفة.
وقفت امامه تشعر بتوتر حاد، بينما أردف الوحش بنبرة حادة:
_ جرى ايه يا سيدة.. من أمته حد بيدخل البيت ومتحسيش بيه.. شكلك كده عايز يجرب زعلي!
حركت رأسها في نفي متمتمة في آسف:
_ حقك عليا يا وحش باشا.. بس الراجل دخل بمساعدة كبيرة لأني محستش بيه خالص.. اول أخر مرة!
:_ هي أخر مرة لأن لو في مرة تانية أنا اللي هخفيكي من الدنيا!
قالها يستدير نحو الغرفة يدلف بها، بينما ابتسمت سيدة لخوفه الشديد عليها وعلمت أنهما قد وصلا لحافة الاعتراف بهذا العشق المكنون، رأي الوحش وجهها يتصبب عرقًا، تصدر همهمات صغيرة، وكأنها تصارع شيئًا، تقدم نحوها حتى جلس جوارها، يهبط لمستوى اذنها متمتمًا بصوتٍ منخفض:
_ سدرا متخفيش من حد.. أنا جنبك!
دفع بعض الهواء بوجهها في رفق حتى تشعر بوجوده، يمسح على خصلات شعرها في رقة حتى تهدأ، وبالفعل استجابة له سدرا وهي تصارع كابوسًا اسود بمقتل والديها.
نهض الوحش من جوارها في هدوء ثم ابدل ملابسه بأخرى قطنية مريحة كي يغفو قبل أن تنهض من جديد، يعلم أنه سيمر بيومٍ شاق معها.
*****
طرق تاليا على الباب، ثم دلفت بعد أن استمعت لوالد آدم يسمح لها بالدخول، دلفت هي أولًا ثم والدها تتمتم بنبرة هادئة على ثغرها ابتسامة صغيرة:
_ حمدلله على السلامة يا بشمهندس.
منحها آدم ابتسامة مجهدة قائلًا في اجهاد:
_ الله يسلمك!
تمتم جلال يتطلع نحو آدم والسيد ماجد:
_ حمدلله على السلامة.
اجابه الاثنان في هدوء، بينما دلف حمزة نحو الغرفة يتطلع نحو تاليا في هدوء يتسأل بنبرة جادة:
_ استاذة تاليا.. احكيلي ايه اللي حصل بظبط!
تطلعت نحوه تاليا في تعجب، بينما تدخل ماجد يهتف سريعًا:
_ دا حمزة يبقى ابن أخو مراتي وابن خال آدم.. وزي ابني بظبط... شغال في المخابرات وبيسأل عشان هيحقق في الموضوع!
اتسعت عين تاليا في دهشة قائلة بنبرة منبهرة:
_ الله مخابرات... طب أنتم بتسافر وتعمل شغل الاكشن اللي بنشوفه في السيما ولا السيما سوأت سُمعتكم ؟
حدق بها حمزة في ذهول، بينما أمسك جلال يد ابنته ضاغطًا عليها قليلًا، تمتم حمزة وهو يشير نحو تاليا قائلًا لآدم في استنكار:
_ هي دي متأكد السكرتيرة بتاعتك؟
:_ ومالها دي أن شاء الله!
قالتها ببعض الغضب، في حين شعر جلال برغبته في اقتلاع لسان تاليا، هتف في حرج مما تفعله ابنته:
_ معلش يا بني هي بس بتهب منها ساعات.
عبثت ملامحها في ضيق، بينما ارتفع ضحك آدم ولكن يتأوه من الألم وسط ضحكه القوي، نظر له حمزة ببعض التعجب، ثم ردد بنبرة تحمل بعض الغيظ:
_ بتضحك على ايه!
حاول التحكم في ضحكته يشير له أنه سوف يصمت، بينما أكمل حمزة يشير لتاليا بأن تروي ما حدث، وبالفعل سردت ما مرا به الأثنان، انتهت من سرد أخر جزء، ليتسأل حمزة مجددًا بسؤالٍ جديد:
_ طب عندك فكرة هما كانوا بيعملوا كده ليه؟
بقيت تاليا دقائق لتفكر، ثم اجابة ببعض البلاهة:
_ ممكن عقاب للراجل دا عشان بيفتري على الغلابة اللي زي في الشغل.. وكمان عزمت عليه بسندوتشات بس اتريق عليا.. اهو اتسلط عليه ناس عشان اتريق عليا.
اتسعت عين آدم من حديثها، بينما شعر حمزة بأنه سيصاب بجلطة منها، بينما بقى ماجد وجلال يحاولان السيطرة على ضحكهما من تعبيرات الأثنان، أكمل حمزة يصك على أسنانه بصعوبة:
_ يا بنتي قصدي أنهم بيعملوا كده عشان يقتلكم ولا تهديد!
رفعت حاجبها في غيظ تتمتم:
_ نعم! وانا ايش عرفني كنت اشتغلت في المخابرات قبل كده.
تحرك حمزة وهو يحرك رأسه بعدم تصديق مردفًا:
_ لا لا كده كتير.. أنا اتعملت مع متهامين لكن مشوفتش زيك.. انا ماشي.
غادر حمزة من الغرفة بينما حركت رأسها في غيظٍ من طريقته، استدارت برأسها نحو آدم لتجده يتطلع لها في غيظ، شعرت ببعض التوتر قائلة:
_ حضرتك تعبان؟
:_ حضرتك اممم مش كان من شوية الراجل اللي بيفتري على الغلابة ولا بتهيألي؟
قالها آدم في تهكم، بينما ابتسمت تاليا في ارتباك تردف في حرج:
_ يلا يا بابا خلينا نسيب الاستاذ آدم يرتاح.
نهض جلال وهو يحاول السيطرة على ضحكه وما تفعله ابنته بصاحب العمل، ولكن شعر ببعض الحيرة من تحمله لها بالرغم من قدرته أن يريح ذاته ويرفدها من الشركة، تحرك الأثنان سويًا ولكن اردف آدم في جدية ممزوجة بالحزم:
_ هاتي مريم بكرة بدري اوي هنا في المستشفى وتعالوا عشان اقولكم هتعملوا ايه وانا مش موجود!
حركت رأسها في ايجابية، بينما أكمل آدم في سره:
_ واربيكي على اللي قولتيه بس اخف وافوقلك!
غادرت تاليا تستعد للذهاب إلى العمل بالغد، في حين هتف ماجد ببعض المكر:
_ اعتقد إن تاليا زوجة رائعة ليك يا أدم.
نظر له آدم في يأس من تفكيره، في حين استطرد ماجد كلماته قائلًا:
_ بص يا آدم أنا متأكد من حبك للبنت دي بذات.. ولو مش هتاخد خطوة أنا همشيها من الشركة واوديها فرع تاني!
اتسعت عين آدم في ذهول، يندفع بالحديث مرددًا:
_ هتنقلها! تنقلها ليه؟
رمقه بنظرة ساخرة يجيب وهو يعيد مقعده المتحرك للخلف:
_ عشان أبوها لاحظ أنك ساكت على رد البنت على الرغم من إن البنت دي لو ردت على مدير تاني غيرك هتطرد في ثانية.
غادر ماجد للشرفة تاركٍ مساحة ضخمة لآدم كي يفكر ويتخذ قررًا بحياته قادمة.
*****
استيقظ الوحش وهو يشعر بعدم وجود سدرا جواره، نهض من مكانه ليراها تجلس بالشرفة تذرف الدموع في صمتٍ تام، نهض من الفراش يردد في هدوء:
_ وقفة كده ليه؟
مدت أناملها تزيل دموعها، تجيب بنبرة أظهرت ما تعاني به:
_ مفيش حاجة.
مد يده يديرها نحوه، يتطلع بوجهها الذي يشع بالحُمرة الشديد، يهمس في هدوء:
_ ووشك الأحمر دا ليه؟
أغمضت عيناها وهي تحاول السيطرة على هذا الجرح الذي يدفعها للبُكاء، تجيب بصوتٍ مبحوح:
_ مش قادرة اتكلم بجد.
نظر لها قليلًا ثم أردف مبتسمًا في حنو:
_ طب في طقم خروج جبته مع الهدوم البسيه وتعالي معايا.
تبدلت ملامحها قليلًا لتعجب، تتسأل في حيرة:
_ البسها ليه؟
امسك بيدها يحرك نحو الغرفة، ثم اشار نحو الخزانة كي تأخذ ملابسها وبالفعل امتثلت لما قاله وأخذت الطقم الذي احضره، ووقفت أمامه، هتف الوحش متفهمًا خجلها:
_ هروح اجيب هدوم ليا انا كمان من هناك.
غادر الغرفة كي يبدل ملابسه، بينما بدأت سدرا بارتداء تلك الملابس وهي غير مدركة لما يريده هذا الوحش!
انتهت من تجهيز ذاتها، وانتهى هو الاخر وأخذها كي تتجول بالحارة، هبط الاثنان سويًا من المنزل، ثم سار سويًا ولكن ما تعجب له الوحش تشبث يد سدرا بذراعه بشدة وكأنها تخشي الجميع ولا تخشاه بالرغم من أن الجميع يخشاه وشعرون بالرعب كلما قرر التجول بالحارة.
بدأ يسرد لها ماذا يفعل الناس فقد وجدت أناس يفعلون أشياء غريبة بعض الشيء بتلك الحارة، حتى توقفت على سيدة في منتصف العمر تمسك بقطعة الفلافل من الزيت بيدها وتضعها فوق الطبق، اتسعت عينها في شدة تردف بنبرة تحمل ذهول:
_ دي بتحط ايديها في الزيت.. انت شوفتها!
ضحك الوحش على طريقتها، ثم أردف متسائلًا في تسلية يشعر بمتعة شديدة في الحديث معها:
_ هو أنتِ مش بتعملي كده؟
شهقت في صدمة، ثم نظرت له ببعض التعجب تُجيب:
_ أعمل ايه احط ايدي في زيت مغلي عشان تتحمر.. لا طبعًا ببقى لبسه هدوم بكُم وحطه غطى عشان الزيت ميجيش عليا.
لم يستطع تمالك نفسه وبدأ بالضحك مرة أخرى، ولكن سيطر على نفسه في صعوبة كي لا يراه الجميع هكذا يتمتم:
_ طيب هي دي شغلتها.. أكل العيش يخليكي تعملي أسوأ من كده عشان تلاقي تاكلي.. وهي دي لقمتها.
شعرت سدرا ببعض التأثر من حديثه وهمست بسرها « يارب ساعد كل من يبحث عن رزق حلال طيب وارزقه من رحمتك الوسعة»، أكملوا السير حتى وصولا الأثنان لنهاية الحارة أمام منزل هادئ بعيد عن الناس، هتف الوحش وهو يشير للمنزل:
_ دا أغلب الوقت لما بختفي بكون فيه، ومحدش بيقرب للبيت دا.
نظرت له قليلًا، ثم شعرت بدقات قلبها تزداد شيئًا فشيء، فلم ترى سوى انسان عادي تبادله مشاعر هادئة وجميلة، تقدم الأثنان سويًا للمنزل ثم دلف بداخله لتجده سدرا مُعدًا بشكل جيد يصلح للعيش به، جلست على الأريكة بالردهة بينما دلف الوحش لغرفة قريبة منه، وعاد حاملًا مشروبًا باردًا يتمتم ببمسة تعلو ثغره:
_ خدي اشربي دا هيروق عليكي كتير.
تناولته سدرا عنه ثم بدأت ترتشف منه القليل، ولكن ظهرت ابتسامة صغيرة على محياها، قطب الوحش جبينه ما أن رأي الابتسامة مرددًا:
_ بتبتسم لإيه؟
اشارت على العصير وهي تجيب في هدوء:
_ عشان عارف اكتر عصير بحبه وجبته.. أنت اول حد يعرف كل تفاصيل حياتي.. مهتم بأدق التفاصيل بتعرف بحب ايه وبكره ايه.. أنت حتى مش بتخلي حزني يكمل.. عارف لأول مرة النهاردة هقولها واعترف بيها..
نظر لها قليلًا، ينتظر أن تكمل، بينما استرسلت سدرا وهي تشعر بخجلٍ شديد:
_ هتعرف أني رغم كنت بحاول اكرهك بس وقعت في حبك.. وبقيت بحبك.
رُسمت ابتسامة صغيرة على شفتيه، ولكن ليست ابتسامة عادية بل ابتسامة تتبادل هذا العشق بينهما، نهض من مكانه يشير لها بأن تأتي معه، وبل فعل تحرك الأثنان حتى وصلا لشرفة ثم اردف الوحش وهو يرى مغيب الشمس:
_ شايفة الشمس دي.. هي أنتِ.. حياتي كانت ضلمة ودلوقتي نورت تاني بعد وجودك فيها.
شعرت سدرا بسعادة من كلماته الصغير ولكن ادفئت قلبها بحبه لها، استرسل الوحش حديثه وهو يحدق بعيني سدرا:
_ من بكرة يا سدرا هتبدأي تدريب أنا هعلمهولك عشان تقدري تدافعي عن نفسك.
تعجب من طلبه ولكنها حركت رأسها في هدوء تتمتم ببسمة صغيرة:
_ خلاص ماشي.. طالما دا في مصلحتي.
عاد الاثنان للداخل ولكن صعدا سويًا للغرفة، وتفاجأت سدرا بوجود ملابس لها بهذا المنزل بدلتهم جميعًا ثم جلست على الفراش تنظر نحو الوحش ببعض البراءة قائلة:
_ مش عايزة انام.. شغل التلفزيون.
تنهد الوحش قليلًا ثم هبط الاثنان سويًا واشعل التلفاز كي تشاهده، وبدأ الاثنان يشاهدانه ثم غفت سدرا على كتف الوحش دون وعي ظل يتأملها، تظهر على شفتيه ابتسامة عاشق، ثم نهض يحملها في حنو كي لا يقظها ولكن شعرت به يحملها واستيقظت تشعر بخجلٍ يضرب وجهها، ضحك الوحش من خجلها يتمتم في مكر:
_ أنا تقريبا شلتك مرتين قبل كده مش فاهم ليه مكسوفة دلوقتي!
ضربت كتفه، تحرك قدميها في الهواء قائلة:
_ نزلني.. نزلني!
رفع حاجبه بمكرٍ أصبح يرافقه ثم أردف في همس:
_ مش هنزلك.. هخليكي قريبة من قلبي.
لم تستطع التحرك وتمنت لو أكملت غفلتها، وصلا للغرفة وانزلها الوحش بهدوء وقبل أن تبتعد امسك يدها يتطلع بحدقتها في عمق يهمس في هدوء:
_ متأكدة من أنك بتحبيني؟!
ظلت بضع لحظات ثم حركت رأسها في ايجابية ترفق ابتسامة صغيرة معه، اختفت كل الندوب لدى الاثنان، وتلقت القلوب أخيرًا، يشعران بأن كلاهما يدوي جرح أخر، يتذوق الأثنان من رحيق العشق الذي اختفي من حياتهما، فأصبحت هي زوجته أمام الله.
*****
بدأ الوحش بتدريب سدرا جيدًا على طرق الدفاع عن النفس، وكيفية استخدام السلاح ببراعة، ولاحظ قدرت سدرا على استيعاب ما يقوله بدقة وتطبيقه، مما ساعدها على التدرب في سرعة، ولكن كلاهما اكتشف جانبًا مختلف الوحش يحمل قلبًا حنون للغاية، وسدرا تحمل ذكاءًا اثار اعجاب الوحش.
انتهي الوحش من تدريب سدرا وعاد الاثنان للمنزل القديم، ولكن ما أن دلف للمنزل حتى أعطته سيدة رسالة صغيرة تتمتم بها:
_ واحد من الرجالة جاب الجواب دا وقال حد سبهولك برة.
نظر لها في شك، ثم تأكد من عدم وجود سدرا أمامه ثم فتح هذا الظرف ولكنه صُدم مما أُرسل له فكانت الرسالة تنص على
« سلملي سدرا... وتبقى الرئيس السادس في منظمة الأفعى».
حدق بالمكان الذي اختفت منه سدرا، وعاد للورقة فهذا ما كان يحلم به ولكن أصبح الخيار صعبًا أم سدرا أو المنصب!
يتبع.