📁 آخر الروايات

رواية ظلام الذئاب الفصل التاسع عشر 19 بقلم سلمي خالد

رواية ظلام الذئاب الفصل التاسع عشر 19 بقلم سلمي خالد


بسم الله الرحمن الرحيم
*************
صاعقة من السماء هبطت عليها، فلم يرمش جفنها ولم يتحرك ولو حركة واحدة، بينما نظر لها زياد ولاحظ يداها التي بدأت أن تنفلت من يده، وفي لحظة واحدة وقعت على الأرض تغمض عيناها ببطء، ثم تعيد فتحها عدة مرات، شعرت أنها على حافة هاوية وستقع فيها أو ربما وقعت بالفعل فيها، أُغرقت عيناها بالدموع ونظرت إلى زياد الذي ضم شفتيه لبعضهما بألم من رؤيتها هكذا، شعر بها فقد تجدد لديه لحظة وفاة والده وكأن الألفة التي قالها السيد أحمد كان يقصد بها أنها ستصبح جزءاً منه وليس فقط بحياته، همست ليان بصوتٍ متقطع تحاول فيه أن تجد أمل ضاع وهي تسبح بعالم ذكرياتها:
_ زياد قولي أنك عايز توجعني وكلامك مش صح!! صدقني مش هزعل وهسمع كلامك!! بس قولي كلام غير دا!!
هتفت بجملتها الأخيرة وهي تبكي بشدة، ليهبط زياد لمستواها قائلاً بصوتٍ هامس:
_ شدي حيلك يا ليان، وخليكي أقوي من كده.
نظرت له بألم عميق فأصبحت عيناها هي من تبوح عما يكنَّه قلبها من آلام، بدأت بالبكاء حاد.. دموع لا تتوقف عن الهطول وكأنها عاصفة أمطار قررت أن تُغرق وجهها، ضمت نفسها كالجنين لاتعلم أين هي الآن، فعالم الحزن أخذها له فأصبحت تائهة في شوارعه، لا تعلم طريقاً للعودة، دائماً ترى أنها وقعت بدوامة سوداء ولكن اليوم قد مزقتها تلك الدوامة إلى شظايا صغيرة تصراخ وتعاني من الألم، أغمض عيناه ببعض الأسى وهو يراها هكذا، ثم نظر لها بعد أن اقترب قليلاً منها مردداً برفق:
_ أهدي يا ليان، و خرجي اللي جواكي لو تقدري!
لم يجد منها استجابة، فحاول أن يخبرها ببعض الكلمات الصغيرة لعلها تهدئ من النيران المتأجج في صدرها:
_ بصي يا ليان على قد اللي أنتِ فيه على قد ما الكل أتعرض للموقف دا، بس منهم اللي خدو من صغره فالوجع كان الضعف، و فيه اللي بيشوفه بيموت قدامه وهو عاجز عن إنه يعمل شيء...
بُترت كلماته عندما رفعت رأسها بعد ما اسندتها فوق ركبتيها المضمُمَتان لصدرها، وهتفت بصوتٍ مبحوح ليس لكثرة البكاء وإنما لكثرة الألم الذي كوى قلبها بلهيب القسوة، وكسر ضلوعها فجعلها رماد يطير مع الريح الأوجاع:
_ كان نفسه يشوفني ببني المستشفى اللي حلمنا بيها "ابتسامة حياة"، كنت بعمل اللي في وسعي عشان أفرح قلبه اللي كسرني لما مستحملش مرضه، كنت بقوم كل يوم أطمن عليه وأبوس راسه وأحمد ربنا أنه جنبي عشان مليش غيره، أمي ماتت وأنا لسه صغيرة متمتش الخمستاشر سنة، بابا كان كل حاجة في دنيتي، كان روحي اللي عايشة بيها وراحت معها وبقيت ميتة، كان السند اللي عمري ما هلقي غيره بدنيا واتكسرت أوي لما مات، كان حبيبي اللي بيقوي قلبي على قسوة الدنيا وفي النهاية الدنيا هي اللي هتقتلني بدم بارد، كان كل حاجة في حياتي وراح!!!
صمتت وهي تنظر للأمام كأنها ترى شخصاً أمامها على الرغم من جلوس زياد بجانبها، اسندت بذقنها على ركبتيها وبدأت تنحب بصمت، تغرق في سُم دُسَتْ فيه بكل بشاعة وقسوة، نظر لها زياد ببعض الغموض، ثم نهض عن مكانه يُجري مكالمة سريعة وبعدها اختفى من مكانه !!
************
بفندق الخاص بشركة الدمنهوري،،،،،،
دس يده بجيب سرواله الأسود، يسير بخطواتٍ هادئة، ينظر لتصميم الفندق فوجد أنه مصمم بطريقة احترافية مما جعل الشك يزحف لقلبه، قطب جبينه عندما لم يجد أحد بالفندق فقط العاملين به، فنظر حوله حتى صدع صوتها الرقيق يهتف برقة:
_ نورتني يا مستر وليد.
أدار رأسه ونظر لها فأكملت كلماتها وهر تقترب حتى أصبحت أمامه:
_ وطبعاً أسعد وحدة في مصر إن وليد الألفي معها الليلة.
رفع حاجبه ثم ابتسم باعجاب من شجاعتها وحديثها الجريئة، وردد بهدوء يثنيه إعجاب:
_ أممم قولتي عندك عرض وكلام في منفعة ليا عايز أعرف إيه المنفعة اللي هاخدها؟!!
ابتسمت بمكر، ثم رفعت يده العارية من الفستان عاري الكتفين، ولكن يهبط إلى الأسفل باتساع من اللون الأزرق الغامق، فيبرز جمال ورشاقة جسدها، تشير في اتجاه ما، قائلة بنبرة هادئة ماكرة:
_ أكيد مش هنتكلم هنا أتفضل.
نظر لها بغموض ثم ابتسم بإعجاب وهو يرى أسلوبها الجديد، وهتف بصوتٍ هادئ:
_ ماشي، أتفضلي.
سار معاها حتى وصل للطاولة الخاصة بهم والتي كانت مزينة ببعض الشمع الذي أبرز جمال المكان، جلس الاثنان بهدوء فهتف وليد بهدوء:
_ أتفضلي سمعك.
رفعت يدها تضعها أسفل ذقنها، ثم رددت بصوتٍ ماكر، وتُرسم على شفتيها ابتسامة صغيرة:
_ طبعاً العرض اللي في شركتكم أترفض وأنتم مش بتشاركوا حد، إيه رأيكم نفتح مع بعض شركة كبيرة جداً وتكون خاص بالصيانة، بس هيكون الفرع في امريكا ومش شركة الدمنهوري اللي هتشارك.
رفع حاجبه بتعجب منها وهتف متسائلاً:
_ مش انتم اللي هتشاركوا، أمال مين اللي هيشارك؟!!
ابتسمت بمكر هاتفه بنبرة خبيثة:
_ مش هقدر أقول الأسم إلا لما توافقوا أنا ما إلا وسيط بينكم وبس.
نظر لها قليلاً، ثم ردد بهدوء قائلاً وهو يراها تمسك بكأسها وترتشف منه بهدوء:
_ وطبعاً هو اللي مشتري شركة الدمنهوري وساب أسمها تمويه عشان محدش يكشف الشركة بتاعته وهو برضو اللي بعتك ليا ومخليكِ تتفقي معايا.
ابتسم وهي تضع الكأس جانباً قائلة بتوضيح:
_ كل اللي قولته صح، معاد أخر نقطة هو قالي اتفق مع جروب شركة الألفي..
ثم بدأت أن تُكمل وهي تنظر بجوف عينيه في عمقٍ شديد وكأنها تريد أن تسبح لعالمه:
_ بس أنا اخترتك أنت!!
حرك رأسها وهو يكمل كلامه متجاهلاً أخر ما قالته ولكن لم يعلم أن كلماتها داعبت قلبه:
_ وهو بيشارك الشركات الكبيرة برضو عشان محدش يعرف اسم شركته اللي في الباطن.. مستغل أن الشركات اللي بيعمل معاها الصفقة مش بتحب تعلن عن الصفقة المشتركة دي صح واللي نسبة أرباحه ليهم.
حركت رأسها وهي ترفق ابتسامة صغيرة ثم رددت بلهجة غريبة أثارت إعجاب وليد:
_ إيه رأيك نوقف كلام لحد كده تفكر قبل ما أسمع ردك وكمان نتعشا سوا.
رمقها بنظرة غريبة ثم هتف بنبرة أعجاب:
_ أوك وردي هيوصلك قريب.
**************
يخطو بقدميه في ذلك الطريق الهادئ، تزداد ابتسامته كلما تأتي نسمات الهواء و تلفح وجهه وتجدد خلاياه، همس بداخله بسعادة:
_ ربنا يهنيكِ يا سهام يا بنتي.
نظر للعمارات المرصوص بنظام، حتى رأي رقم العمارة التي ستقطن بها ابنته، ثم ذهب للعمارات المجاورة لها وبدأ يسأل عن جاسر العراقي، فلم يجد سوى سمعته الطيبة، تنفس براحة، فهكذا ستعيش صغيرته مع من سيحافظ عليها، قرر أن يعود سيراً على الأقدام يستمتع بجمال الأشجار و لونها الأخضر الذي ينسج السعادة بقلوب من يراها فسبحانه الخالق العظيم الذي أبدع في الطبيعة التي نسرق منها البهجة.
************
احتل ظلام الليل الأرض، فلم ترى هي سوى ظلمة الليل فقط التي تسربت لقلبها وجعلته غير قادر على أكمل تلك الحياة، تنظر للسماء ولظلامها فتصبح الشاهد على دموعها التي لم تفارقها بعدما سمعت أنها لن ترى ولدها مرة أخرى، فرغم احتلال النجوم السماء إلا أن الألم الذي تسرب لعينيه كان قاسياً، فمنعها من أن ترى جانباً آخر من السعادة، شعرت بوجود أحداً جوارها ولكن ما يهم ربما لو أحد من أفراد المافيا سينتهي الأمر ويرتاح قلبها الصغيرة من قسوة الحياة وشراستها ولكن لم يكن هم، جلس جوارها على ذلك الجذع الذي تجلس عليه، ثم ردد بصوت هادئ يثنيه بعض حنان:
_ أنا عارف يا ليان أحساسك، ويمكن أنتِ أكتر واحدة هحس بيها وأنتِ هتحس بيا، بس الفرق انك في نعمة يا ليان!!!
حدقته بنظرات مندهشة، بينما ابتسم هو بألم مسترسلاً باقي حديثه، يشعر بأنه يعيد ذلك المشهد مرة أخرى:
_ تخيلي يا ليان تبقي راجعة مع والدك وفرحانة، وفجأة تطلع عليكِ عربية سودا تقتل أبوكي اللي بيحميك من رصاص بيضرب عليكِ زي المطر، ويموت قدم عينك وأنتِ عاجزة أنك تحميه، ملحقتش تعيش معاه عمرك كله، أي طفل محتاج أبوه لأن بيحس أنه هيقوى بيه، تخيلي بقي أنه مات قدم عينك ومش عارفة تعملي ليه حاجة، أنتِ جواكي شعوى بالوجع للفراق .. لكن شعور الوجع والعجز مع بعض دول ممكن يقتلوكي من جوا ومحدش حاسس بدا.
نظرت له قليلاً والصمت كان عنوان تلك اللحظة، عيناه اللتان تتحولا للحُمرة شديدة، عروق التي برزت من عنقه، فعلمت أنه مر بالكثير دون أن يشعر به أحد، لم تعلم كم مر من الوقت وهي تتأمله حتى هدأت ملامحه، ولكن بدأت تظهر شبه ابتسامة عندما أخرج صندوق ذكرياتها الذي ظنت أنها فقدته ولن يعود مجدداً، مدت اناملها تتحسس عالمها الصغير وهي تنظر له بحنين وعيناها تدمعان، ثم ضمته لصدرها وكأنها أم فقدت صغيرها وعاد مرة أخرى، نظرت لزياد وعيناها تفيض منها الدموع قائلة بصوتٍ مبحوح يحمل بأطيافه الامتنان:
_ شكراً يا زياد، شكراً يا حبيبي.
تجمدت عروقه فجأة عندما استمع لكلمتها الأخيرة، ونظر لها بهدوء ثم ابتسم عندما وجدها تخرج محتويات الصندوق وتبتسم بسعادة، ولاحظ أنها تخرج تذكرت والدها وتضمها بسعادة وتهمس بحب:
_ يارب يرحمك يابابا يارب يجعل مثواه الجنة.
نظرت إلى زياد هاتفه بصوتٍ مرتجف:
_ زياد هو أنا أقدر أرجع مصر.
أغمض عيناه ببعض الألم قائلاً بهدوء وأسف:
_ للأسف يا ليان متقدريش تتحركي من امريكا لأنهم ممكن يفجروا الطيارة باللي فيها لو سافرتي مصر.
وضعت يدها فوق فمها تكتم تلك الشهقة حزينة متألم، ما هذه الوحشية، ألن استطيع أن أقابل والدي، تنهدت بألم وهبطت دمعة صغيرة على ما هي فيه من قهر، فشعرت بأنها وقعت مع وحوش الظلام يمزقون الطيب بعنف ليصبح مثلهم فعادت تبكي وهي تنظر لتذكرت والدها، نظر لها زياد ثم همس بداخله بحزن لأول مرة يشعر بألم عنيف اتجاهها:
_ آسف يا ليان بس لو رجعتي مصر، مش هنقدر نوصل للميكروفيلم وهنبقى مشتتين بين مصر وأمريكا.
************
بمشفى اليوسف،،،،،
لهفة تلتمع بعينيه وكأنه ينتظر نتيجة امتحانه، بينما كانت هي تفكر بماذا ستجيب عليه لتقلل من العواقب الوخيمة التي ستحدث، ازدردت ريقها، ثم هتفت بهدوء محاولة فيه توضيح بعض النقاط:
_ مارو إن مشاعري اتجاهك ليست إلا مشاعر طبيبة تنتهي عندما تتم عملية الشفاء وأنت أتممت شفاؤك لذا...
قاطعها عندما أشار بيده وهو ينظر بحزن مردداً بمحاولة أخرى:
_ ربما إن أعطيتني فرصة سأستطيع الحصول على قلبك.
عضت على شفتيها ببعض الأسف وتتمتم بحرج:
_ آسفة مارو لن استطيع.
ظل يحدق بها، ثم التمعت عيناه بوميض من الإصرار لينهض عن مكانه هاتفاً بنبرة غريبة أثارت قلق مريم:
_ لن اتركك مريم وساظل معاكِ إلى أن توافقي.
غادر العيادة والعزم قد ملأ رأسه، بينما وضعت مريم رأسها بين راحتي يدها تتنهد بضيق مما وُضِعت فيه وكيف ستتخلص من هذا المريض!!
*************
وقف يهدم ملابسه وهو ينظر للمرآة التي أمامه، يبتسم ببعض الحب وهو يتخيل ماذا سيكون رد فعلها عندما تراه، حتى صدع صوت والدته تهتف بحب:
_ رايحلها يا حبيبي.
التفت لها مبتسماً، ثم ردد مجبياً بهدوء لها:
_ أيوة يا أمي كفاية عليها اللي شافته معايا الأيام اللي فاتت.
حركت رأسها في رضا، ثم غادرت الغرفة ليكمل باقي ارتداء ملابسه.
*********
بمنزل سالي،،،،،
جلست على طاولة تحرك الشوكة بالطبق الخاص بها في شرود، وكأنها خطفت لعالم آخر لا يعلم عنه أحد، تسبح بين ثنايا أفكارها التي تغرق بها كلما جلست بمفردها، ولكن انتشلها من هذا العالم صوت والدتها وهي تغمغم:
_ ماتكلي يا بنتي هتفضلي تلعبي في الطبق كده.
نظرت لها بإرهاق ومن ثم تركت الشوكة و هي تنهض من مكانها قائلة بهدوء:
_ شعبت يا ماما.
لوت فمها وهي تتمتم بسخرية قائلة:
_ شعبت يا ماما.. شبعتي منين يا قلب ماما والطبق مدبتش فيه شوكة.
نظرت لها لتجدها تحبس دموعها، فهتفت بحنان مسترسلة باقي حديثها:
_ يا بنتي أنا خايفة عليكي قلة اكلك دي مش كويسة عشانك دا أنتِ المفروض عروسة تهتمي بأكل وشكلك عشان فرحك وجوزك بلاش تتضيعي كل دا عشان حاجات مش موجودة غير في دماغك.
هبطت دموعها بألم واضح، و تهدجت أنفاسها ثم رددت بصوتٍ مختنق::
_ مش موجودة إيه يا ماما طارق بعد موت عمو أحمد الله يرحمه وهو عازل نفسه، مش بيكلمني ومش بقول يطمن عليا بس دا مش بيرد عليا عشان اطمن بدل ما يشاركني اوجاعه وحزنه سيبني لوحدي أخبط دماغي في الحيط، جوزي اللي بتقولي عليه بعد أول مطب وقع فيه سبني لوحدي بالأيام لا يعرف عني حاجة ولا حتى عايز يطمني عليه ويرد عليا.
تألمت وهي ترى دموع ابنتها هكذا لتتحدث بلطف محاولة تحسين الأمور التي أصبحت واحة من الأحزان من يقترب منها يلقى نصيبه من الألم:
_ يا بنتي واحد ابوه مات وهو صغير والراجل اللي وقف معاه مات عايزه يكلمك ازاي.
اغمض عيناها باختناق شديد، ثم هتفت وهي تحاول الصراخ بما يؤلمها:
_ ياماما أنا مش زعلانة من انه مش مهتم بيا زعلانة أنه بيسبني وأنا المفروض اكون جنبه، زعلانة أنه رمني مع مطب وقعنا فيه، زعلانة عشان عاملني هامش في حياته ممكن في أي ثانية يسبني، زعلانة لأني بدأت افقد الأمان اللي المفروض احس بيه لكن بقيت خايفة.. لأول مرة اخاف من طارق يا أمي خايفة بعد ما يعلقني بيه يسبني عشان مش قادر يوجه أو أنه يشاركني ويعتبرني نصه التاني.
كادت أن تتحدث ولكن صوت الباب منعها من الحديث، نهضت من مقعدها ثم ذهبت لفتح الباب وما كان سوى طارق، نظرت له بضيق، ثم رددت بصوتٍ عالي:
_ دا طارق يا سالي.
ما أن سمعت اسمه حتى دق قلبها بعنف، شعرت بألم عنيف اجتاح صدرها فجأة، سارت بخطواتٍ سريعة لداخل غرفتها، بينما لاحظ طارق الضيق المحفور بعين والدت سالي ليهتف بهدوء:
_ ممكن ادخل واتكلم معاكي.
اشارت بيدها تسمح له بالدخول، وهي تشعر بغضب لأنه سبب في رؤيتها لدموع ابنتها، جلست تنظر له بينما بدأ طارق الحديث ببعض اللطف قائلاً:
_ طبعاً أنا آسف على اللي حصل واكيد سالي زعلانة عشان مش برد و...
قاطعته مرددة بحدة قليلة:
_ بص يابني اللي حصل لعم أحمد كلنا قلبنا وجعنا عليه مش أنت لوحدك بس.. بنتي ملهاش ذنب في أنك تخليها تعيط وتقلق عليك كل ليلة، اسلوبك غلط وطريقة حياتك غلط اعرف انك مش لوحدك وأنك بقيت متجوز وأن اللي جوا دي مراتك ولزماً تراعي ربنا فيها وتديها حقوقها، اللي هي تشاركها كل حاجة، مش مع كل مشكلة تحصل تسيبها وهي عشان بتسكت تزيد، لا أنا مش هستحمل أشوفها كده، لو أنت مش هتقدر تحافظ عليها وتحافظ على قلبها من الوجع يبقى ربنا يسهلك طريقك ونفضها سيرة.
اغمض طارق عيناه بندم، فيبدو أنه قد أخطأ عندما ابتعد عنها، بلل شفتيه بحرج، ثم تمتم بهدوء:
_ وأنا مقدرش على زعلها، وجاي النهاردة عشان ارضيها و مزعلهاش تاني، وأنتِ كمان يا ست الكل مش عايزك تزعلي مني، أنا عمري ما هكون عايز اسبب وجع ليها، ولا أقدر أعيش من غيرها محدش يقدر يعيش بدون نص التاني.
نظرت له مضيقة عيناها فقد استطع أن يمتص بعضاً من غضبها، كالنيران التي تشتعل بجوف المعدة فيوضع فوقها حليباً بارد يهدئ من ألمها، هتفت بصوت تحذري:
_ أوعي تزعلها تاني يا طارق، صدقني الموضوع مش هيعدي دي بنتي الوحيدة!!
حرك رأسه بالنفي، يتحدث في صدق:
_ متقلقيش عليها بس ممكن تناديها.
ابتسمت بهدوء، ثم نهضت عن مكانها قائلة:
_ ماشي بس يارب تخرج.
غادرت إلى غرفة ابنتها التي تجلس وسحاب التوتر يحلق فوقها، وعندما فُتح الباب نظرت لها بسرعة وهي تردد بقلق:
_ مشي خلاص؟!!
ابتسمت بيأس على ابنتها واللهفة التي التمعت في عينيه عندما أتى، و هتفت بخبث:
_ وأم أنتِ بتحبيه مخرجتش ليه، وحليتي مشكلتك.
نظرت لها والحزن لم يعلم طريق سواها، تردد بصوتٍ مبحوح وقد عصر قلبها من الألم:
_ عشان عندي كرامة.. عشان مجروحة منه.. عشان هو المفروض عاقل يجي يتكلم معايا حتى لو أنا غلط، يفهمني غلطي ويبقي فيه تفهم ما بينا مش بُعد وفراق وتعب!!
جلست جوارها أعلى السرير تهتف بحنان:
_ بصي يا بنتي مش المفروض أبداً الرجل يجي يصالح طول الوقت، أمال أنتِ فين دورك، لزماً يا بنتي تسندوا بعض هو وقت ما يلقكي غضبانة يمتص غضبك وأنتِ وقت ما تلقيه غضبان تمتصي غضبه، الدنيا والجواز بذات يا حبيبتي ما هو إلا جزء بيكمل جزء، لو مفيش دا، التاني مش هيكمل، لزماً لما تلقي بيتك في غلط تصليحه بالعقل و متروحيش تشتكي لدى وتروحي لدا لاء شطرتك تصلحي كل دا بينك وبينه من غير ما حد يعرف ومتخليش مخلوق يعرف عنك حاجة عشان حياتك تكون هادية، و زي ما أنتِ عايزة تكمله برضو عليكِ أنك تكمليه فهمتي يا بنتي عشان الحياة تمشي و الدنيا تبقى هادية بينكم.
حركت رأسها وفطنت ما ترمي له والدتها، لتربت على كتفيها مسترسلة باقي حديثها قائلة:
_ طب قومي يا ضنايا البسي عشان جوزك عايز يتكلم معاكي.
تنهدت قليلاً، ثم نهضت عن مكانها بينما غادرت والدتها للمطبخ تعد له مشروب خاص لجالس بالخارج.
**********
تشعر بتوتر حاد وهي تجلس أمامه، نظراته التي لم تتحرك عنها، فركت يدها بارتباك وهتفت بصوتٍ يشوبه التوتر:
_ هتفضل باصص كتير يا طارق!
ابتسم بهدوء قائلاً بنبرة جذابة هادئة تريح الآذان السامعة:
_ منتظرك تقولي اللي مزعلك مني، يمكن أنا مش عارف وجعك قد ايه و عايز اسمعك.
كانت كلماته مفتاح لدموعها التي بدأت بالهبوط على وجنتيها، وهتفت بصوتٍ متألم:
_ موجعة منك عشان أنت يا طارق بتبعدني في أي مشكلة تقابلنا، بتقعد لوحدك ومش بترضي حتى ترد عليا، أنت عاملني هامش في حياتك، ودا خلاني أفقد الأمان يا طارق، انا بقيت خايفة في يوم اصحى الاقيك سايبني عشان مشكلة واجهتنا.
حدجها بنظرة صادمة، هل هذا ما وصلت له، رمش بعينيه عدت مرات يريد أن يسترد وعيه الذي فُقد من كلماتها، تجمعت احبال صوته وردد سريعاً:
_ أنا يا سالي هسيبك، عمري في حياتي ما هقدر اسيبك، أنتِ نصي التاني يا يا سالي، وشركتي وحياتي اللي جاي مقدرش افرط فيكي أبداً أوعي تفكري في يوم إني هسيبك أو هستغني عنك.
رفعت وجهها تمسح دموعها برقة، ثم همست بصوتٍ منخفض:
_ يعني هتشتركني كل حاجة يا طارق مش هتسبني، ولا أنك تعملني هامش في حياتك؟!!
ابتسم لها بحب قائلاً بنبرة متمسكة بها:
_ عمرها ما هتحصل يا سالي لأن محدش يقدر يستغني عن نفسه.
ابتسمت بخجل واضح بينما ضحك طارق بخفة فعادت سحابة السعادة تتطاير فوقهم من جديد، يختلس لحظة من الزمن لتصبح ذكرى جميلة، تمحي عنف الألم المتلقى لاحقاً، كالشمس التي تشرق على الأرض لتمحي أثار الظلام وألمه.
***********
ظل ينظرون حولهم ويبحثون بعنف شديد وكأنهم وحوش الغابة التي لا تظهر سوى بالظلام، مد مايكل يده يشير لهم بأن يتوقفوا عن الحركة، ظل يحرك رأسه في حركة دائرية، ويشتم رائحة غريبة حتى ابتسم بشر قائلاً:
_ هناك رائحة خشب محروق، هما إذن بالغابة.
أضاف بصوتٍ على قائلاً بلهجة شرسة:
_ أبحثوا عنهم سريعاً أنهم بالغابة!!!!
************
بالغابة،،،،،
يتأملها كالفلكي الذي يتأمل النجوم في ظلام الليل، ينظر لها بألم وهو يراها تبكي وتحضن الأشياء التي أحضرها والدها لها، فما أَمَرَّ الواقع عندما تسبح بعالم الخيال وتصنع السعادة وتنتهي بوقوعك إلى أرض الواقع التي قتلت خلاياك السعيدة، فلحظات الزمن قسمان أم أن تصنع ذكرى سعيدة فتتذكرها في الشق الثاني من الزمن وهو الآلام والأوجاع وأما أن تُقتل من الآلام الموجود بهما دون أن تجد ذكرى واحدة سعيدة، نهض من مكانه وتقدم لها، ثم جلس جوراها قائلاً بهدوء يثنيه بعض اللطف:
_ اللي أنتِ بتعمليه غلط مرت ليلتين على قعدك كده من ساعة ما عرفتي إنك مش هترجعي مصر وقت تبكي ووقت لاء بس عارف أنك بدأتي تهدي.
لم يجد استجابة منها، فأكمل بنبرته الهادئة وهو يعلم جيداً أنه سيؤثر بها:
_ هقولك على حاجة، أكيد عملتي ذكرى حلوة مع باباكي، افتكريها بس مش عشان تبكي أكتر لاء دا عشان تمحي بيها الحزن اللي جواكي، ربنا خلق الذكرى الحلوة بتفضل في العقل ويمكن كمان لما تفتكريها تضحكي، ومن حكمته أن الحزن بيصغر لحد ما تفتكري صحيح بتزعلي لكن مش بتنهاري زي لحظتها.
رفعت عيناها له تنظر له ولكلماته التي مست قلبها الصغير، الذي ذاق من الألم جزءاً ليس بصغير، وهمست ببعض التماسك:
_ ربنا يرحمك يا بابا ويقدرني وانزلك مصر وأشوفك..
نظرت له بامتنان فربما كلماته أعادتها لوعيها مرة أخرى، وتقلل من ذلك الألم الحاد الذي شعرت به منذ يومين، هتفت بحب:
_ شكراً يا زياد على وقوفك جنبي ومساعدتك ليا الفترة دي يمكن هو دا اللي بيخليني افوق شويا.
منحها ابتسامة هادئة وأخيراً استطع أن يخرجها من حالتها، ولكن فجأة وضع يده على فمها يكتم أنفاسها، فقطبت هي جبينها بتعجب، عاقدة حاجبيها في دهشة من أمره وبدأت تشعر بالاختناق من يده الموضوعة فوق فمها حتى أزلها.
بينما ظل ينظر حوله، ثم نهض من مكانه سريعاً حاملاً حقيبته في عجلة و مد يده يمسك بيد ليان ويركض سريعاً دون أن يعي عدم قدرتها على الركض من الملابس و ضعفها الجسدي، فهتف بصوتٍ آمر:
_ أجري بسرعة.
كانت تركض خلفه وتتعثر بالأرض كثيراً، فشعرت بالغضب منه لتردد بصوتٍ مغتاظ فبعض الوقت تشعر بأنه يحبها والبعض الآخر يعامله ببرود و قسوة وكأنها جارية:
_ في إيه متجرنيش كده أنا مش جاموسة بتجرها وراك آآآآه.
ضغط زياد على يدها بقوة مما جعلها تصرخ ألماً ويجتاحه شعور بالغضب من كلماتها التي لاتزال ساخرة وما كادت أن تحادثه حتى صدع صوت طلقات النيران!!!
يتبع


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات