📁 آخر الروايات

رواية ظلام الذئاب الفصل العشرين 20 بقلم سلمي خالد

رواية ظلام الذئاب الفصل العشرين 20 بقلم سلمي خالد


شعورٌ من التعب اجتاح جسدها بأكمله وجعلها تضع يدها فوق رأسها تركض بسرعة دون أن تتعثر عندما امسك زياد يدها وسبحها خلفه بقوة، ازدادت ضربات النيران، فصرخت ليان عندما وجدت أحد الرصاصات قد اصبت ذراع زياد الذي يمسك بها، ما كان لها أن تتوقع سوى أنه سيفلت يدها ولكن خالف توقعاتها عندما سحبها بيده الأخرى وخبأها بداخله كدرع واقي يحميها من هذا المطر الناري، لم تعلم ما هذا الشعور الغريب والممتع الذي يداعب قلبها الصغير، فشعور الأمان قد عاد، شعرت وكأنها صغيرته يريد أن يحميها ممن يريدون قتلها، عادت تشعر به بعد فقدان والدها، فاقت من شرودها عندما وجدت نفسها تقف وسط صخرتان ضخمتان للغاية، نظرت إلى زياد عندما افلت يدها، تستنجد به بأن لا يتركها ولكن قال بجدية:
_ خليكِ هنا وأوعي تتحركي أو تعملي صوت.
تبدلت ملامحها للخوف، مزقها الرعب بمجرد اقترابه منها، همست بصوتٍ ملتاع:
_ أنت هتسبني يا زياد!! لاء عشان خاطري أنا خايفة!!
ظل ينظر حوله وشعر بقربهم منه، فحدق بها يردد في سرعة بصوتٍ هامس:
_ اهدي بس وأنا معاكي، غمضي عينك ومتفتحهاش خالص يلى.
امتثلت لأوامره وأغمضت عيناها وهي تشعر بأن قلبها يكاد يقف من الرعب، تتبدل ملامحها لألم وهي تشعر بسهام القلق تنغرز بصدرها، وتقتل خلايا جسدها، بينما تركها زياد ووقف بجوار صخرة أخرى، يراقب تحركات المافيا!!
ركضوا سريعاً وهم يبحثون عن زياد وليان، حتى مروا بعيداً عن الصخرة ولكن صوت أقدامهم كان قريب جداً لمسمع ليان لقربهم الشديد منها، وضعت يدها على فمها تكتم تلك الشهقات التي تريد الخروج والفرار من هذا الوحش الكاسر وهو الرعب، كغزالة صغيرة تحاول الفرار من ذئب مفترس فلا تعلم هل ستقع فريسة له أم ستستطيع الفرار، فتحت عيناها بفزعٍ بعدما شعرت بأحد يمسك يدها ثم بدأت عيناها تزرف الدموع بغزارة وكأنها مسجون حُكم عليه بالأعدام فأصبح يخشى لحظة الموت والإلتقاء بعزرائيل، سحبها بسرعة من يدها وهو يشعر برجفتها العنيف أسفل أصابعه، فشعر زياد بأنها على وشك الأنهيار ولن يقدر حملها بسبب الرصاص الموجود به، فقد بدأ يشدت عليه الألم، ربت عليها بحنو ثم همس بهدوء:
_ اهدي يا ليان، دا أنا، تعالي بسرعة قبل ما يرجعوا تاني وساعتها مش هنقدر نهرب.
تحركت معه بسرعة وعلى وجهها ابتسامة طفيفة، تمسح تلك الدموع ببعض الراحة بعدما وجدت أمانها وملجأها، فمن سواك يا حبيبي يقدر على أن يسحب تلك الرجفة العنيفة من جسدي ليقلل من آلامها، وكأن أمانك سحر يشفي جسدي من عذاب الخوف ورعب الأيام.
**************
بمنزل السيد رأفت،،،،،،
أصبحت السعادة عصفوراً صغير يحلق بمنزل، ينشر الفرحة بقلوبهم كانحل الصغير الذي ينقل اللقاح من الزهور، غمست سهام خبز صغيرة بطبق الفول، ثم وضعت بفمها، تتناول الفطور بهدوءٍ مع والدها، ولكن تذكرت أمراً ما، لتضع الخبز عن يدها وهتفت متسائلة بحيرة:
_ صحيح يا بابا هو ليه انكل يوسف مقلش عن بنته مريم دي؟!!
نظر لها رأفت وحرك رأسه يتذكر ما حدث، مردداً بهدوء:
_ كل اللي أعرفه يوسف دا سافر من 35 سنة وعاش هناك ولما اتجوز عرفت أنه مش بيخلف، وبصدفة اكتشفت ان مراته حملت وماتت وهي بتولدها بس ومن ساعتها معرفش حاجة عنها، يوسف اساساً لما اسم بنته بيجي في الموضوع بيتحول تماماً وكلامه غريب، فبطلت اسأل.
قطبت جبينها بتعجب منه ورددت بحيرة:
_ طب ليه حضرتك مقولتليش عليها ولا حكتلي من زمان؟!
ابتسم بسخطٍ من صديقه المقرب واجابها بسخرية:
_ يا بنتي انا معرفتش حاجة عن الموضوع غير من خمس سنين تقريباً لما سمعت صوت واحدة معاها في فيديو كول قبل كده ولما سألت لأني عارف إن مراته ماتت حكلي ومن ساعتها مش بجيب سيرتها عشان ميتخنقش خلي بالك إنها جتله بعد شوق.
حركت رأسها ولكن بقي سؤال واحد يدور بعقلها، لِمَ يفعل كل هذا؟؟!!
قاطع تفكيرها صوت والدها يخبرها ببسمة طفيفة:
_ جاسر قالي إن أخر الشهر هنعمل كتب الكتاب وحفلة بسيطة وهتسافروا، موافقة ولا نطول المدة؟!
توردت وجنتيها بخجل واضح وهمست بحياء:
_ اللي حضرتك شايفه صح انا موافقة عليه.
مد يديه ووضعها فوق وجنتها ثم ردد بحب أبوي وهو يرى صغيرته ستغادر العُش:
_ أنا سألت عليه وطلع كويس ومعنديش اعتراض على انك تتجوزوا بعد اسبوعين.
التمعت عيناها بسعادة متلهفة، وكأن خيوط الشمس داعبت هذا الثلج من الأحزان، فأذبته لتغرق الآلام وتطوف السعادة بقلبها.
************
بالغابة،،،،،
حل الليل وهما يسيران بالغابة دون توقف، حتى شعر زياد ببعض الدوار، فيده تنزف الدماء، وفقد كم كبير منها لذا سبب له هذا الدوار، نظرت ليان له بتعب واضح بعينيها وهتفت بصوتٍ متألم:
_ زياد أنا رجلي وجعتني أوي ومش قادرة أكمل.
استمع لما قالت بألم وحاول جاهداً أن يجيبها ولكن شعر بأن حرارته ازدادت، فاصبح يتصبب عرقاً بغزارة، فهتف بوهن وهو يحاول أن يقاوم هذا الدوار:
_ هنشوف بيت ولا كوخ ونقعد فيه، احنا بعدنا بكفاية.
تنهدت بصوتٍ عالي يثنيه بعض الاختناق، فجسدها مرهق للغاية وتريد النوم، عادت تسير بألم حتى وجدت زياد وقع على ركبتيه أرضاً، فجحظت عيناها وهي تراه يحاول النهوض بصعوبة، افاقت من تلك الصخرة التي أُلقيت عليها، واسرعت له تمسك بيديه وتضعها فوق كتفها لتساعده على الوقوف ولكنها لاحظت أن هناك رصاصة موجودة بكتفه الأيمن، قطبت جبينها فهي لاحظت وجود واحدة بذراعه، ثم شهقات بشدة بعدما فطنت أنه قد حصل على رصاصتين، عندما كان درعاً حامياً لها، ذلك الدرع الذي أمانها من سيل الرصاص الذي هجم عليها، شعرت وكأنها تريد أن تحضنه وتخبره مدى عشقها له فلم ينبض قلبها سوى معه، شهامته وشجاعته معها جعلتها تقع بعالم جديد، لم تشعر فيه سوى أنها خُلقت له.
قاوم زياد هذا الألم وعاد ينهض بمساعدة ليان وعادوا يسيرون مرة أخرى، حتى لاحظت ليان هذا المنزل المهجور، فهتفت ببسمة سعيدة:
_ في بيت هناك يا زياد تعالى نروحه.
حرك رأسه وقد شعر بأنه سيفقد وعيه بسبب ما نزفه من دماء، سارت ليان وهي تحاول قدر المستطاع أن تساند زياد الذي بدأ يثقل جسده عليها، فشعرت أنه سيفقد وعيه خلال دقائق ولن تستطيع حمله.
تنفست براحة بعدما وصلت إلى المنزل المهجور ثم رددت بحنان:
_ خلاص يا زياد خطوتين بس تقعد على المرتبة دي.
سار معها ببطء شديد حتى وصل للمكان المنشود لتفرغ قواه ويقع أرضاً، فاقداً للوعي، شهقت ليان بخوف وهي تراه يتصبب عرقاً ويكاد يلتقط أنفاسه بصعوبة بالغة، وكأنه صغيرها وتخشى عليه من الأذى، أسرعت تمسك بالحقيبة التي كانت معهما، وفتحتها سريعاً، لتجد بها علبة متوسطة الحجم بها بعض الأسعاف الأولية، امسكتها، ثم افرغت زجاجة بلاستكية من الماء كانت بجوار تلك العلبة بطبق صغير وجدته بجوار زاوية بهذا المنزل، وبدأت تفرغ محتويات العلبة الأسعافات، لتمسك المقص ثم بدأت تشق القميص الذي يرتديه حتى ظهر صدره الملطخ بالدماء، وصلت إلى نهاية القميص، ثم ازحاته ببطء فوجدت كتفه المغروز به الرصاص ولحسن حظها أن تلك الرصاصة لم تدخل بعمق في كتفه وأن الرصاصة التي أصابت ذراعه لم تنغرز به اصابته فقط بخدش عميق بعض الشيء، امسكت السكين بيدٍ مرتعشة وثم اشعلت النيران وبدأت تسخن السكين عليها، كانت تنقل بصرها بين زياد الذي يتصبب عرقاً وتشنجات وجهه بالألم وبين السكين التي بدأت تتوهج بعدما انسحبت لها السخونة، نزلت دمعة حارقة من عينيه وهي تهمس بألم:
_ يا رب قويني عشان انقذه، دا خد الرصاص مكاني وكنت انا اللي هموت.
استنشقت نفساً عميقاً ومن ثم توجهت إلى زياد و ثبتت يده جيداً ، ووضعت احدي قدميها عليها حتى تسيطر عليه أثناء كويها لهذا الجرح، بدأت تعد الأرقام ومن ثم مدت يدها بعد أن تخلصت من الرعشة المتملك منها، ووضعتها على الجرح لتزيل تلك الرصاصة بسرعة، صدع صوت زياد بألم شديد نيران تحرقه من الداخل يحاول تحرك يديه المثبتة اسفل قدم ليان التي أسرعت وأزلت تلك الرصاصة، ألقت السكين بعيد وتلك الطلقة، وبدأت تلتقت أنفاسها بصعوبة بالغة، وكأنها في سباق للركض ترغب بالوصول لنهايته، نظرت إلى زياد الذي فقد الوعي مجدداً بعد صراخه الحاد من عنف الألم، فازدردت ريقها ثم اخرجت بعض المطهر وبدأت بتنظيف جروحه، مر وقت وقد انتهت من تنظيف جرحه ظلت تدور بحدقتيها بالمكان فلم تجد شيء تربط به كتف زياد، حتى وقع نظرها لتلك الجيبة التي ترتديها وقامت بتمزيق جزءٍ منها فلحسن الحظ أنها تحمل طبقتين، ازلت الطبقة السفلية وبدأت تربط جروحه، برقة بالغة حتى لا تألمه، أصبحت تخشى أن تفقده، فمن سواه وقف بجانبها، ابتسمت بحب وهي ترى من صفاته أنه أكثر شاباً يحمل شهامه.
*************
بإحدي المحلات،،،،،،،
ابتسامة رقيقة تعلو ثغرها، تبتسم بسعادة لزوجها بعدما اقترح عليها أن يذهبا ويحضران باقي عفش شقتهما، أشارت بيدها وهي تتسأل بحيرة:
_ اختار يا طارق عشان مش عارفة أنهي واحد هيكون أحسن الأنترية دا ولا دا؟!!
نظر لها بخبث يعلم كيف سيغضبها، فهمس بمكر ينتظر رد فعلها:
_ سيبك من الانترية وخلينا في اوضة النوم.
جحظت عينيها بقوة، وشعَّ وجهها بالحمرة الشديدة قائلة بخجل وغضب:
_ أتلم يا طارق إيه اللي بتقوله دا على فكرة ميصحش كده !!
ضحك بصوتٍ عالي وهو يرى خجلها الذي ظهر بسرعة البرق، ثم ردد بمكر:
_ أنا قولت حاجة أنتِ اللي فهمتي غلط، أنا قصدي الدولاب.
رفعت حاجبها باستنكار بينما رمش طارق بعينيه في براءة قائلاً بخبث:
_ بقيتي قليلة الأدب يا سالي.
حملقت به في صدمة كبيرة، ثم عضت على شفتيها بغيظ هاتفها بصوتٍ مغتاظ:
_ طب روح حاسب ويلى نروح يا استاذ انا غلطانة أني بخرج مع منحرف زيك المفروض يحترم اللي خارجة معاه.
قهقه طارق وحرك رأسه وهو يهتف بضحك:
_ على فكرة المنحرف دا جوزك اللي منشفاها عليه.
كبحت ابتسامتها بصعوبة فهي تعلم جيداً أنه يريد أن يسرع في زوجهما ويقيم الحفل الزفاف، هتفت بضيقٍ زائف:
_ طب روح حاسب انا تعبت وعايزة أروح.
غمز بعينيه ثم همس بمكر:
_ طب واوضة النوم؟!!
اشتعلت عيناها بالغضب وهتفت بخجل واضح يحمل بأطيافه الغيظ:
_ طاااارق عيب كده وروح حاسب يلى خلينا نمشي من هنا أنا أصلاً مش مرتاحة لقلة الأدب دي، متخلهاش تبقى أخر مرة أخرج معاك فيها.
ضرب كفه بالآخر وهتف بصوت ضحكته يعلو:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله افهمها ازي أنها مراتي يا ربي.
سمحت لبسمتها بأن تظهر وهي تراه يكاد يجن منها، ولكن عكر صفو تلك اللحظة الجميلة صوت ذلك الشاب يهتف بوقاحة:
_ الجميل بيضحك وسيبني لوحدي.
تبدلت ملامح وجهها للجمود وقررت أن تغادر بسرعة من المكان قبل أن يتزايد ذلك الوقح معها ولكن خالف القدر توقعاتها عندما سار خلفها يزيد من كلماته الجريئة:
_ ليه بس يا عسل تمشي دا أنتِ هتكوني الحتة اللي في الشمال.
:_ وأنا هكسرلك جسمك كله يا روح****
***********
بالغابة،،،،،،
نسمات من الهواء تلفح وجهها الرقيقة، والمنهك من أثر الركض طيلت النهار، ظلت تتأمل السماء ونجومها، تبتسم في حنين، تُعيد ذكريات ماضيها مع من تعشق، تزرف الدموع ولا تهمس سوى بكلماتٍ بسيطة تدعو فيها بالرحمة لوالدها، استنشقت نفساً عميقاً تخرج معه هواء يحمل الألم والحزن مما يحدث ولا يزال يصرعها حتى اليوم، تشعر وكأن سارق اختطف سعادتها ليرهقها بين ثنايا الحزن والأوجاع، فيضمر قلبها بين غياهب الظلام، ويقتلع روحها البريئة من بين جذور الحب، همست بصوتٍ أوضعت فيه ما يؤلمها:
_ يارب أنت العالم بالحال أنقذني من همي ووجعي، ومتوجعنيش في حد بحبه أبداً، وأرحملي أبويا وصبرني على فراقه، أنا عارفة الموت علينا حق بس أرزقني الصبر ورحمتك وخليني بطاعتك دايماً...
بُترت كلماتها وهي تستمع لصوت همهمات صغيرة، استدارت بسرعة لتجد زياد بداخل يتصبب عرقاً ويبدو من تشنجات معالمه أن حرارته مرتفعة، دخلت بسرعة للمبنى، وقام بجلب طبق صغيرة ووضعت به الماء الباقي معاها ومن ثم أمسكت بالباقي من الجيبة التي مزقت منها جزء وربطة به جرح زياد ثم أغرقته في الماء لتصنع له ما يسمى ب كمدات، بدأت تجفف جسده من العرق وتعتني بالجرح جيداً حتى غفت بجواره دون أن تشعر تضع يدها فوق جبينه ويفصل بينهما القمشة التي تستخدمها في صنع الكمدات.
***********
التفت سريعاً هذا الشاب ليجد طارق يقف خلفه ينظر له بغضب جامح، وكأنه سيقتل أحدهم وما هي إلا دقائق حتى انقض طارق على الشاب يسقيه ما يكفي من اللكمات، الصفعات العنيفة، فصلت الناس بينهما حتى سقط هذا الشاب أرضاً ينزف الدماء من شرسة طارق معه، بينما وقفت سالي تبكي برعب وهي تنظر لتحول طارق المخيف، ولكن ازداد فزعها عندما رأته يُقبِل عليها ويمسك يدها بعنفٍ شديد، يسحبها خلفه بقوة، يبتعدان عن الناس، ازدادت شهقات سالي حتى زمجر طارق بعنف قائلاً:
_ أخرسي بقى أنتِ إيه مش كفاية سيباه يعكسك والموضوع جاي على هواكي.
نفضت يدها عنه ورمقته بنظرات تحمل صدمة منكسرة، ثم تمتمت بصوتٍ موجوع يحمل صدمة عنيفة:
_ إيه اللي أنت بتقوله دا يا طارق، أنت المفروض أكتر واحد عارف أخلاقي كويس والمفروض تكون اكتر واحد بيثق فيا.
فاضت الدموع منها ولكن لم تكن خوف، بل خذلان شعرت وكأنها تريد أن تضمر نفسها بعالمٍ آخر لتمحي تلك اللحظة من حياتها، استرسلت باقي حديثها بمرارة:
_ أظهر يا طارق إن عدم ثقتك دا هيعمل لينا مشاكل، وكلامك دا أثبت أن صعب نكمل مع بعض وأنت مش بتثق فيا وكمان بتتهمني اتهام بشع مفيش بنت محترمة تقبلة على نفسها.
قطب جبينه وردد بحذر بعدما ادرك ما قالته:
_ يعني إيه؟!!
أزلت هذا الخاتم من أصبعها وهمست بقهر:
_ يعني مش هقدر أكمل معاك وأنت شايف أني مستمتعة بواحد بيعاكسني وأنا كنت بحاول ابعد عنه ومعرفتش اتصرف، اتفضل يا طارق.
امسكت بيده ووضعت بها الخاتم، وسارت لتبتعد عنه بينما وقف طارق مصدم مما حدث فهو لم يقصد ما قاله، فقد تحكمت به الغيرة عندما رأى هذا الشاب يقترب منها ويتغزل بها.
استدار بسرعة وأسرع خلفها يهتف بصوتٍ عالي:
_ يا سالي استني سالي.
وصل إليها أمسك بذراعها هاتفاً بصوتٍ حنون يحاول أن يعتذر عما بدر منه:
_ يا سالي انا الدم جري في عروقي وأن شايفه بيعاكسك، مقدرتش أشوفه بيعمل كل دا وأقف اتفرج ولا أتأثر.
نظرت له وصوت دموعها يعلو شيئاً فشيء، تردد بصوتٍ مختنق من البكاء:
_ وأنا ذنبي إيه، ليه تقولي كلام زي دا وأنت عارف أخلاقي كويس وفاكر أنا عملت معاك إيه في الخطوبة ليه يا طارق تقولي كده، دا أنا لو واحدة من الشارع مش هتقولي كده، أزي مش واثق فيا!!!
عض على شفتيه بندم وغمغم بضيق من نفسه يحاول استعطفها:
_ صدقني يا سالي واثق فيكي بس المشكلة إن أنا اتعصبت عليكي بالكلام، لكن والله العظيم واثق فيكي وفي أخلاقك وإلا عمري ما كنت هتجوزك، أنا أختارتك ما بين البنات عشان أنتِ أكتر واحدة عارف إني هبقى مطمن وأنا سايب روحي في البيت واللي هتحافظ على أسمي، لكن صدقيني كانت عصبية مش أكتر.
نظرت له بسخطٍ متمتمة بسخرية:
_ ويا ترى كل ما هتتعصب هتقولي كلام زي دا!!
حرك رأسه بالنفي هاتفاً بصدق:
_ لاء أكيد انا يا سالي قصد نكتب الكتاب عشان تعرفي طبعي ونحاول نصلح عيوب بعض، أنا مخفتش نفسي زي ما أنتِ مخفتيش نفسك، وصدقيني هحاول أتغير عشان أقدر أكون بالصورة كويسة متهددش علاقتنا ببعض في المستقبل، ويا ستي أنا آسف.
نظرت له قليلاً واستشعرت صدق كلماته، لتردد بصوتٍ خافت:
_ خلاص يا طارق بس اتحكم في عصبيتك انا مش هقدر أتحملها وخاصة كلامك كان بيوجع.
ابتسم لها بحب وردد بفرحة:
_ أكيد يا سالي هتحكم فيها أنا مش عايز حاجة تخلينا في يوم نسيب بعض ومتزعليش مني.
ابتسمت بخجل له بينما رفع يدها وألبسها الخاتم وهو ينظر لها بحب، وأشار بيده قائلاً ببسمة تعلو ثغره:
_ أتفضلي يا برنسيسة.
ضحكت سالي وسارت معه بسعادة تدفئ قلبها ولكن باغتها طارق بسؤال:
_ أنا نفسي أعرف مين بص في الخروجة بتاعتنا خلتنا نتخانق!!
رفعت حاجبها بغيظ ثم غمغمت بسخط:
_ قلة أدبك هي السبب بتخرج محترم بنرجع كويسين بتقل أدبك بنتخانق.
نظر لها بجانب عينيه وردد باقتناع:
_ أتصدقي معاكي حق تعالي نكمل مشي ونروح ما الاحترام ميولدش غير احترام برضو.
سارت معه بهدوء، فعادت تسير علاقتهما بطريقٍ مستقيم بعدما أنحرف عنه، فسبب ألماً لهما ولكن استكن ببعض الكلمات الناعمة.
***********
بالغابة،،،،،،
داعبت خيوط الشمس الأشجار، وانطلقت نسمات الهواء الباردة عند بزوغ الشمس تصنع لحن جميلاً يطرب الأذن، شعر بألم حاد يغزو كتيفه لتتحرك جفونه يحاول أن يدرك أين هو؟، فتح عينيه فوجد أن الرؤية مشوشة أعاد الكارة فينظر حوله باستغراب من هذا المكان الشبه مهجور، وتذكر ما حدث وأن فقد واعيه بسبب الرصاص الذي اخترق جسده، ولكن شعر بيد فوق جبينه لينظر بجانبه، فوجد ليان نائمة بوجهها منهك من التعب، فكانت كالطفلة البريئة التي بذلت مجهوداً طيلت النهار وقررت أن تأخذ قسط من الراحة، تختطف لحظة من الزمن تريح بها جسدها الذي بات يشكو من اجتياح الإرهاق له، نظر جوارها فوجد سكين صغيرة ملطخة بالدماء ويبعدها رصاصة صغيرة، وبعض الأدوات الخاصة بتطهير، ظهرت شبه ابتسامة عندما علم أنها من قامت بعلاج جروحه، وهمس بأسمها برفق حتى لا تنهض برعب محاولاً أن يعتدل في جلسته ليصير جالساً:
_ ليان.. قومي... يا ليان..
بدأت بفتح عيونها بتعب شديد ولكنها كانت بين الواقع والخيال لتهتف بصوت ناعس:
_ بابا.. زياد.. خلي بالك.. أصحي يا زياد... متسبنيش.. أنا لوحدي.. وبابا سابني.
أشفق عليها من آلامها العنيفة، وشعر أنها زهرة أُقتلعت من مكانها، فماتت من أوجاعها، هزها برفق ويعود ويهمس بأسمها، وقد استجابة لندائه لتنهض بسرعة وهي تنظر حولها وعندما نظر إلى زياد رددت بقلق واضح بلهجتها وكأنه صغيرها:
_ أنت كويس حاسس بحاجة وجعاك؟!!
ابتسم بهدوء واجابها ببسمة تطفو فوق شفتيه:
_ أنا كويس الحمد لله، أهدي أنتِ بس وقوليلي إيه اللي حصل؟!!
نظرت له قليلاً، ثم تنهدت براحة ورددت بصوتٍ غريب وكأنها تريد أن تصرخ وتبكي عما تشعر به ولكنها أخفته فظهر بكلماتها:
_ وصلنا لحد المرتبة اللي في البيت دا ولقيتك أغمى عليك والحمدلله انك كنت قريب من المرتبة دي، روحت فتحت الشنطة بتاعتك ولقيت علبة اسعافات أولية وأنا كنت واخده دورية فيها واتعلمت كذا حاجة كده لما يحصل موقف زي اللي احنا فيه.. المهم روحت فتحتها وكان في سكينة هنا اخدتها وولعت النار زي ما بيولع زمان وسخنت السكينة وكنت وقتها فتحت التيشيرت بتاعك ولقيت مكان الرصاصة والحمدلله أنها مش عميقه ثبت أيدك الأتنين برجلي وشيلت الرصاصة بسرعة وطهرت الجروح وبليل حرارتك ارتفعت فعملت كمدات.
حرك راسه باعجاب لها، فقد اعتقد انها لن تستطيع ان تقوم بشيء، ولكن من الواضح أنها تستطيع تحمل المشكلات، تحولات نظراته وطاف بها الحب فحلق بسماء قلبه وأعلن على عشقه لها، همس بكلماتٍ هادئة وكأنها نغمة ينشدها:
_ ربنا بعتك شفا ليا، وهتفضلي كل يوم تشيلي جزء من أوجاعي.
توردت وجنتيها وشعرت بخجل شديد من كلماته المعسولة، فتمتمت وهي تتحاشى النظر إليه:
_ أنا..أنا خلصت المياه اللي معانا ومش عارفة هنجيب منين وكمان محتاجين هدوم عشان الهدوم بتاعتك اتقطعت و حاجات نغير بيها على الجرح.
نظر لها ببعض المكر، يعلم ماذا ستفعل بعد دقائق فهتف بتسلية:
_ ويا ترى أنتِ اللي قطعتي هدومي وكمان ربطي على الجرح بتاعي بدون ما تتحرجي ولا تتكسفي مني.
تلون وجهها بالكامل إلى اللون الأحمر، لم تعلم بماذا تجيب عليه فأخفت وجهها بين راحتي يدها، محاولة بذلك الهروب من مكره الذي يخجلها بشدة، تعالت ضحكته وهو يتأمل خجلها واخفائها لوجهها، فمد يده يسحب يدها التي تخفي وجهها وهتف بهدوء متبسماً:
_ بلاش تخفي وشك كده لأنك مراتي يا ليان، قليلي من كسوفك شويا لأنك هتعيش معايا بعد كده.
رمشت قليلاً وظلت تحدق به تشعر بسعادة تخللت اوصالها وهتفت بخجل تحمل معها فرحة:
_ بجد يا زياد مش هتسبني لوحدي وهتفضل تسندني زي بابا.
ابتسم لها وحرك رأسه بهدوء ليجد ضحكتها السعيدة اسرعت من دقات قلبه وكأنها اكسيل يمده بالطاقة وتكمله، ردد بداخله يعلن عن عاصفة من الحب غاص بها وقرر أن يُذيب جليد قلبه :
_ وأخيراً وقعت يا ألفي وعلى أيدك يا ليان!!
***********
مر يومان تعافي فيها زياد جيداً بعدما استطع ان يحضر الطعام والشراب، بينما كانت ليان تساعده بما يخبره بها وتبقى معه وهي تشعر بالسعادة بعدما تأكدت بعض الشيء من حبه اتجاهها، لتقتلع بعض جذور الشك من داخلها وتضمرها، سمحت لبذور العشق بأن تنبت.
تملكها القلق وهي تشهد تأخره بالخارج واصراره بأن تبقى هي هنا، حتى وجدته يدخل من هذا الباب الخاص بالمنزل المهجور، ركضت باتجاهه تتسأل بقلق بالغ، فأصبحت اتخشى عليه:
_ اتأخرت ليه؟ انا قلقت عليك يا زياد؟!
رمقها بنظراتٍ غريبة، رأتها هي من قبل ولكن لم تفهم معناها وبتلك اللحظة علمت معناها فما كانت سوى حبه لها، قرر بأن يسحبها لعالمه يخبره بهدوء أنها هي من استطعت أن تكسر حاجز بروده وتصنع عاصفة من الحب بداخله، فمن سواكِ استطع أن يخترق روحي لتسكني الذي بين ضواعي، أعلن عن حبه لها أخيراً دون أن تحمل كلماته الغموض، فأصبحت بعدها زوجته امام الله.
***********
بشركة الألفي جروب،،،،،،
صوت دقات القلم فوق سطح المكتب، كصوت ساعة الحائط وهي تدق عقاربها، نظر شارداً بعالم ذكرياته الفانية، التي ضاعت بها نفسها، وضُمرت روحه معها، ظهرت شبه ابتسامة يغمرها الحزن يتذكر كيف كانت سعادتها وهي ترتدي تلك القلادة النادرة...
*****
هتف باسمها بلهفة غريبة تلتمع بحدقتيه كلما رأها أمامه، وكأنها نجمة وسط عاتمة الظلام تنير حياته، ردد بسعادة يثنيها الحب:
_ أسيل.. حبيبتي... سيلا.
اقتحم الغرفة الخاص به فوجدها تجلس أمام المرآة تجفف خصلات شعرها، قطبت جبينها بحيرة ثم قالت باستغراب:
_ في إيه يا إياد؟!!
ابتسم لها بحب، فربما لن يجد أحداً يسكن قلبه مثلها، وردد ببعض المكر الذي لا يظهر إلا معها:
_ عندي مفاجئ بس لزماً تدفعي.
نظرت له قليلاً وابتسمت استفزاز مرددة ببرود:
_ فاكر أخر مرة كنت عايزني أدفع عملت معاك إيه.
وضع يده على العلامة الموجودة بجانب فمه، ثم غمغم بغيظٍ منها:
_ اتصدقي انك مفترية عايزة تعوريني تاني بالمقص يا قادرة.
كتمت ضحكتها بصعوبة عندما لاحظت غضبه وقررت أن تلهو قليلاً فاستدارت له وتمتمت بهدوء يحمل باطيافه الحب:
_ يا إياد أنت عارف أني مش بحب اتشعلق كده وعارف بردو أني بحبك وعمري ما هيكون قصدي أعملك حاجة وحشة، ممكن تقول بقي عشان خاطري.
حرك رأسه بيأسٍ منها فهي دائماً تستطيع ان تمتص غضبه بكلماتها التي تريح براكينه، فيلجئ إليها منذ أن كانا صغيرين ليبوح عما يكنَّه صدره من أحزان، اقترب منها ثم هبط لمستواها وهمس بعشق لم يكن مكنون سوى لها:
_ خاطرك أغلى من روحي يا أسيل، عمري كله ولحظات اللي بعيشها معاكِ عبارة عن كلمة واحدة وهي أنتِ يا حبيبتي.
رفع يده بقلادة نادرة للغاية تحمل شكل دائرة مطرزة ببعض اللؤلؤ على حافتها، لونها الأبيض الهادئ، نظرت له بصدمة ثم عادت وحدقت بالقلادة الرقيقة وامتلأت عيناها بدموع فأصبحت غير قادرة على أن تتحدث، ابتسم لها إياد ومد يده يزيح دموعها قائلاً بود وحنان:
_ علاقتنا أحلى حاجة فيها إننا إزي بنفكر نسعد بعض إزي نتغلب على مشاكلنا، ومنختلفش مع بعض أزي نكون كيان واحد ونكمل بعض وقت الضعف، أنتِ أهم حاجة في حياتي يا أسيل، تعالي ألبسك السلسلة.
أُغرقت عينها بفيضان من الحب والسعادة، تشعر ببعض الفخر من كونهما حققا حياتة زوجية صحيحة كما كانت تحلم وهي صغيرة، نظرت بالمرآة لتجد تلك القلادة تزين عنقها فرددت بحب:
_ ربنا ما يحرمني منك يا إياد وتفضل في حياتي العمر كله.
****
تهدجت أنفاسه المتألمة من العودة للواقع فربما عندما يغوص بهذه الذكريات تستكن بها الندوب المطبوع بروحه، وتمزق قلبه، نهض عن مقعده وغادر الشركة يحاول أن يخرج من بئر أفكاره الدائم، والذي يضمره به كلما غاص بأعماقه!!!!
************
بالغابة،،،،،،
نائمة كأميرة رقيقة، السعادة تخللت ضلوعها وأصبحت تسكن قلبها لدقائق معدودة حُرمت من أن ترتشف قليلاً منها، شعرت بيده تُحرك كتفها، لتفتح عينيها بارهاق تهتف بنعاس:
_ في إيه يا زياد؟!!
سحبها من يدها سريعاً وردد بسرعة وهو يخطي شعرها ويحكم حجابها جيداً، يحاول أن يخفيها خلفه ليحميها ثم همس بتحذير:
_ المافيا محاوطه البيت وفي أي لحظة هيهجموا علينا!!!!!
يتبع.


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات