اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل الثامن عشر 18 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل الثامن عشر 18 بقلم سهي الشريف


                                              
مَنْ لي سِواك؟! .. 
ومَنْ سِواك يَرى قلبي ويسمَعُه .. 
كُلُ الخَلائِق ظِلٌ في يَدِ الصَمدِ

+


أدعوكَ يَاربّ فاغفر ذلَّتي كَرمًا .. 
واجعَل شَفيعَ دُعائي حُسنَ مُعْتَقدي

+


وانّظُرْ لحالي .. 
في خَوفٍ وفي طَمعٍ .. 
هَل يَرحمُ العَبدُ بَعْدَ الله من أحدِ؟

+


_ ابتهالات النقشبندي .

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الثامن _عشر
#سهى_الشريف 

+


_ صلوا على شفيع الأمة ♡ .
قراءة مُمتعة .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


" كم أخبرتُ الدمعَ أن يكفَّ عنكِ،
فأبى، وسار إليكِ يُهدي أمانيِهِ ...

+


وهل يُلامُ العاشقُ إن تاهَ شوقًا،
وفي يديه عُمرٌ يعودُ لراعيهِ؟ " 

+


_ سهى الشريف.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


قلبه تسارع خفقانه بعنف لم يشعر به منذ زمن، ارتجفت أصابعه قليلًا وهو يكبّر الصورة ويتأمل الاسم المكتوب:

+


" لـيلى سامي البنا "

1


جلس "جواد" عاجزًا عن تحريك يده عن الفأرة، عيناه معلقتان بالاسم على الشاشة وكأن الزمن دار في دوامة وسحبه معها.

+


هل يُعقل؟ هل هي نفسها؟!

1


بدأ يتقلب في تفاصيل الاسم، الصورة، السيرة الذاتية وقلبه يصرخ بأسئلة لا تهدأ، وروحه ترتجف برعشة لم يختبرها حتى في أقسى مُرافعاته.

+


اندفع خارج مكتبه، يهبط الدرج بخطوات مضطربة، مدفوعًا بقوة لا يفهمها. 

+


لم يكن واعيًا للمكان أو للوجوه التي مرت بجانبه، كل ما كان في ذهنه سؤال واحد، كأنه نداء داخلي لا يتوقف عن الصراخ ، حين وقف عند المطبخ و هتف : 

+


- لـيـلى فـيـن؟!

+


جاءه الرد من أحد الموظفات ببساطة ، لكنه لم يكن كافيًا ليطفئ اضطرابه: 

+


- لسه طالعة حالًا يا فندم .. في حـ ..

+


لم ينتظر أن تُكمل عباراتها استدار فورًا للخارج وسط نظرات الإندهاش ، وعينيه تبحثان في كل الاتجاهات بجنون. 

+


حينها لمح سيارة أجرة تستعد للانطلاق ولمح طيفها هرول نحوها يهتف باسمها

+


- لـيـلى !

+


نفس النبرة ، نفس الألم المُميت ، نفس الرجاء البائس ، أطلقه يومًا وسط حشود حاوطته، وسط نار كانت تشتعل في الخلفية تلتهم ذكرياته وطفولته .

+


لكن لم يمنعه من أن يصرخ بإسمها، مستغيثًا ، مُتأملًا أن لا تُغادر في تلك الليلة، تمنى لو ألتفتت له ليلتها ، لما عانى نزيف غيابها، يهيم على وجهه سنوات بحثًا عن طيفها .

+




                
لكن الرياح حملت صوته بعيدًا، والمدينة بأضوائها وضجيجها ابتلعت صرخته، تاركة وراءها إحساسًا مريرًا بالعجز ..

+


لكن ،
لم يكُن وحده من شعر بالعجز حينها ،
كان ذلك في صباح هذه الليلة ..

+


| قبل عدة ساعات |

+


ذلك الصباح الباكر بعد ليلة عاصفة على روح " ليلى " كما لياليها لخمسة عشر عامًا، لم ترتشف فيهم معنى الآمان ، و لا لُطف الجوار ، و لا حُسن التعامل .

+


كان كل شىء ، صلب ، جلد ، عنيف ، يصلُب الروح وأنت حي ، لكنها برحمة من خالق روحها ثبُتت ، ثبُتت حتى تجمدت ، تصلبت ، نزفت حتى لم يعُد بها دماء لتسيل ، و حتى جفت مدامعها ، و لفظت آخر ما تعلمه عن الآمان ليسكُن الخوف جوفها أبد الدهر .

+


مشاعر عديدة خالطتها وهي فقط تعكسها على ألوان تلك اللوحة أمامها، ألوان قاتمه، أشكال مُبهمه ، و مغزى ضائع ، هذا ما رأته " هَـنا " حين دلفت غرفتها بعد الإفطار ، لتجدها تعبث في عالمها. 

+


ذلك العالم التي لم تعرف " هَـنا " كيف يوجد بداخل " ليلى"  فقط بدأ الأمر بطلب أوراق وفُرش و ألوان ، حتى وجدت نفسها يُحيطها معرض فني ، تخطُه " ليلى" بروحها قبل يدها.

+


قضمت "هَـنا" قضمة صغيرة من ثمرة تفاح تمسكها بين أناملها ، وجلست على طرف الفراش تُراقب تلك الجالسة أرضًا، مستغرقة في عالمها، توليها ظهرها بصمت وانغماس.

+


- تصدقي؟ فلوس الألوان دي طلعوا حلال... آه والله !

+


قالتها "هَـنا" بابتسامة خفيفة، وقضمت من التفاحة من جديد قبل أن تُكمل وكأنها تحكي لنفسها:

+


- جايباهم من حوالي ست سنين كده... و مكانش ليهم لازمة وقتها و فضلوا متشالين لحد ما جيتي إنتِ وطلبتيهم.

+


ضحكت ضحكة قصيرة ثم تابعت رغم تجاهل "ليلى" التام، وانغماسها في الرسم:

+


- كنت داخلة كورس كدا للرسم قلت اشغلني بحاجة، قامت على حظي المنيل صاحبة الكورس قالت مش هتكمل الدفعة بتاعتي و وقفت على كدا .. و زي ما شايفه فلوس الألوان وقعت في الأرض .

2


لكن "ليلى" كانت ساكنة بهدوء غريب ، سكونها جذب "هَـنا" لتقترب، لتعتدل في جلستها، ومدّت عنقها لتُشاهد ما ترسمه.

+


كانت هناك رسمتان مطروحتان على الأرض؛ الأولى غامضة، ألوانها قاتمة ومعالمها مُبهمة، والثانية أشد سوادًا،لكن عينا "هَـنا" سرعان ما تعلقتا بالرسم الذي تُلوّنه "ليلى" حاليًا... كان مختلفًا ، كان فيه نور، وبهجة ، فسألتها بنبرة هادئة، تُخفي خلفها ألف علامة استفهام:

+


- سمعت إن الرسام دايمًا بيحط مشاعره في شغله... ليه دي أكتر رسمة مبهجة بين كل رسماتك؟

+


توقفت يد "ليلى" فجأة و أنزلت الفرشاة ببطء، ثم تمتمت:

+



        

          

                
- عشان دي الذكريات الوحيدة اللي كنت فيها مبسوطة...

+


انعقد حاجبا "هَـنا" للحظة، ثم نهضت وجلست بجانبها على الأرض، بنفس هدوءها وقالت بحنو :

+


- ليلى... إنتِ عمرك ما اتكلمتي عن ذكرياتك مع مامتك ، هي كانت جزء حلو ولا جزء وحش ؟

+


أطرقت "ليلى" برأسها، وتنهدت بثقل وابتسمت ابتسامة مُنهكة قائله:

+


- من وأنا صغيرة الكل بيقولي إني شبهها... ماما كانت مميزة في كل حاجة.

+


سكنت "هَـنا" تفتح لها مساحة للبوح، فتابعت "ليلى" بصوت خافت:

+


- ماما كانت شيف قبل ما تتجوز ، كانت بتشتغل في مطعم مشهور ، الناس كانت بتيجي مخصوص علشانها ، جدو الله يرحمه ورّثها مطعم مشاوي لما كبر، فاكرة مرة إنها قالتلي إنها بتشتغل معاه من لما كان عمرها تسع سنين ، ومش بس كدا ماما درست مجال الطبخ وكان عندها شهادات ودايمًا بتجرب أكلات جديدة وأنا جنبها.

+


تمتمت "هَـنا" بإعجاب خافت :

+


- ما شاء الله...

+


رفعت "ليلى" عينيها إليها وقالت بنبرة هادئة:

+


- شنطتي إلي على السرير في الجيب اللي ورا، هتلاقي صورة ليها.

+


نهضت "هَـنا" على الفور، بحثت كما أشارت لها حتى وجدت الصورة وتأملتها بدهشة ثم عادت وجلست بجانبها:

+


- دي شبهك أوي يا ليلى... قصدي إنتِ شبهها... نسخة اللهم بارك.

+


ابتلعت "ليلى" غصة صامتة، وقالت:

+


- كان عندها 23 سنة في الصورة دي... وأنا كان عندي سنتين .

+


رفعت "هَـنا" عينيها عن الصورة، لتجد "ليلى" تُكمل ببحة وعينان تلمعان :

+


- آخر مرة شفتها فيها ورّتني الصورة دي وخلتني احتفظ بيها وكأنها كانت حاسة إن دي آخر ليلة.

+


سكتت للحظة، ثم تمتمت بصوت لا يكاد يُسمع:

+


" أنتِ الليلة التي أنارت أيامي"

+


قطبت "هَـنا" حاجبيها باستغراب، ثم نظرت إلى "ليلى" التي أشارت برأسها إلى الصورة وقالت:

+


- اقلبي الصورة.

+


أدارت " هَـنا " الصورة لتجد تلك العبارة خُطت عليها ، تأملت الخط تُفكر في كم المشاعر التي تُختزن في انحناءات الخط .

+


- فاكرة آخر ليلة شفتيها ؟!

+


نبست بها " هَـنا " بفضول ، لتتنهد " ليلى" بعُمق وتُجيب :

+


- مشفتهاش.. اليوم إلي مشيت فيه ماكنتش حواليا .

+


- مش فاهمة ! يعني إنتِ سبتي البيت ومشيتي؟ و .. كنتوا عايشين فين أصلًا؟ يمكن هي لسه هناك !

+


أسئلة كثيرة تدفقت داخل "هَـنا" كالسيل، لكنها لم تستطع كبت رغبتها في الفهم ، أرادت أن تلمس طرف الخيط الذي لفّ حياة "ليلى" بهذا الغموض والحزن.

+



        
          

                
مدّت "ليلى" يدها وسحبت الصورة من بين أصابع "هَـنا" تمرر إبهامها برفق على العبارة تحاول نفض الغبار عن ذكريات مؤلمة علقت بها وقالت بصوت منخفض:

+


- اللي أعرفه إن لما بابا اتجوز ماما، قعدها من الشغل... ومفيش وماما حملت فيا بس ولدتني بدري، وقعدت في الحضانة شهرين.

+


سكتت قليلًا، ورفعت عينيها تجاه اللوحة أمامها لكن بنظرة خاوية ثم أكملت:

+


- ماما قالتلي إنهم تعبوا جدًا الفترة دي، وإنها كانت خايفة أموت ، بس ربنا ستر وانتقلت مستشفى تانية، وخدت فترة الحضانة فيها... ومن ساعة ما فتحت عيني وأنا عايشه في الڤيلا.

+


- ڤيلا مين؟

+


نطقتها "هَـنا" بعدم فهم، لترسم "ليلى" على وجهها ابتسامة باهتة وقالت:

+


- ڤيلا أونكل جليل... كنت بندهله كده، كان بيقولي إنه صاحب بابا من زمان.

+


قطبت "هَـنا" حاجبيها، تحاول فهم الصورة الأكبر:

+


- يعني كنتم عايشين معاهم؟... إيه صفتكم في البيت ده؟ وليه كان بيقول إنه صاحب والدك؟! أنا حاسة إني مش فاهمة حاجة. 

+


نظرت "ليلى" إلى ظهر الصورة من جديد، كأنها تبحث بين الحروف عن إجابة، ثم قالت بهدوء:

+


- ولا أنا... في حاجات كتير مش فاهماها ، بس وأنا صغيرة مكنتش بفكر فمكنتش بسأل ، وكل اللي أعرفه كانت ماما بتحكيه ليا وأنا نايمة في حضنها.

+


سألت "هَـنا" بحذر وقد أدركت أن الحكاية أعمق مما تخيلت:

+


- طب إزاي مامتك اتجوزت باباكي ؟! اقصد مكنتش تعرف طباعه مثلًا ولا هو اتغير بعد الجواز ؟ و ليه سابت شُغلها و وافقت بيه ؟ وإنتم كنتم عايشين في الڤيلا دي ازاي ؟! .. أنا أسفه على كم الأسئلة بس بجد قصتك تحير أوي وأنا مش فاهمه إيه وصلكم لهنا .

+


لم ترد "ليلى" على الفور، فقط ظلت تمرر إبهامها على العبارة، ثم قالت بنبرة فيها نُدبة قديمة:

+


- أنا كنت بخاف من بابا وأنا صغيرة... كنت بسمعه يزعقلها ويضربها ، كنت بحس بيها بالليل بتيجي تنام جمبي وتحضني و انا سامعه عياطها بس كنت بسكُت ..

+


لمعت عيناها بدمعة مترددة، ثم أدارت الصورة لتواجه وجه أمها، وقالت بصوت متهدّج:

+


- إحنا كنا زي خدم في بيتهم، ماما كانت بتطبخ، آه كانوا كويسين معانا، بس دا ميغيرش الحقيقة ..

+


- هما مين ؟

+


- أونكل جليل و مراته و .. عياله ..

+


ثم ألتفت نحو " هَـنا " وابتسمت بخفة رغم ترقق العبرات في مُقلتيها:

+


- بس كنت بحبهم ، وكانوا بيحبوني .. هما الفترة الحلوة في حياتي .

+


تنهدت " هَـنا " ورمشت عدة مرات قبل أن تتسائل بتردد وآسى :

+



        
          

                
- مين إلي بعدك عنهم يا ليلى ؟

+


و فقط هُنا سقطت دمعة ثقيلة على خد "ليلى"و كأن هذا السؤال هو الإشارة لتحرر تلك الدمعات ، و قالت بنبرة مذبوحة:

+


- اللي جابني على الدنيا...

+


انحبست أنفاس "هَـنا" وعلمت أن تلك الكلمات تشير بها لوالدها ، ثم وجدتها تغوص أكثر في بئر الذاكرة، تغوص بألم ينهش تفاصيل ملامحها، وعيناها تهربان من الحاضر إلى تلك الليلة التي ما زالت تعيشها رغم مرور السنوات.

+


- بس عمره ما كان أب ...

+


همست "ليلى" بصوت مخنوق، كأنما تنتزع الكلمات من حُنجرتها انتزاعًا :

+


- منساش ليلتها كنت بعيط وبترجاه ، كنت عيلة عندها عشر سنين مش فاهمه ، بحاول أفلت من إيده كذا مره بس كان بيسحبني جامد وكنت بقع على وشي كذا مرة ومنهارة عياط ، فجأة .. أداني قلم على وشي وخلاني أدور وشي ناحية الڤيلا و صرخ فيا .. " إنتِ السبب "

+


كان صوتها يتكسر، كأنما تتذوق الألم من جديد، كأن الكلمة لم تُفارق أذنيها منذ ذلك اليوم ، لم تكن مجرد عبارة عارضة؛ كانت حُكمًا بالإدانة أُلقي على طفلة لم تدرك بعد حتى معنى الذنب.

+


وفي اللحظة التالية شهقت "ليلى" شهقة موجعة تفجّرت من عمق صدرها، ثم مالت بجسدها الضعيف لا إراديًا جهة "هَـنا"، فمدت ذراعيها والتقطتها بقوة وحنوّ لم تعرف "ليلى" مثله من سنين ، شدّت عليها وكأنها تحاول أن تُعيد لملمة شتات روحها المتكسرة.

+


أما "ليلى" فقد انهارت داخل هذا العناق ، تبكي وتحاول إخراج كل السنوات التي قضتها محبوسة خلف جدران الصمت والخوف ، كانت تبكي لأول مرة حقًا، لا على والدتها، ولا على نفسها، بل على تلك الطفلة التي تُركت وحدها، وعوقبت على شيء لم ترتكبه.

+


ثم همست وسط حشرجاتها و شعورها بالعجز :

+


- يمكن فعلاً كنت السبب.

+


ثم انكمشت  في حضن "هَـنا" كأنها تحتمي من زمن بأكمله لا من ذكرى ، ولم تكن "هَـنا" تملُك سوى الصمت.

+


وفي لحظة غارقة بالوجع أدركت "هَـنا" شيئًا لم يخطر لها من قبل...

+


أن العجز ليس دائمًا في اليد التي لا تُمسك، أو في الصوت الذي لا يُقال،العجز أحيانًا أن ترى من تُحب يغرق في وجعه أمامك، وتكتشف أن لا عزاء في العناق، ولا نجاة في الدموع، وأن بعض الكسور لا تُجبر، لأنها لم تُصنع من عظام...

+


بل من ذاكرة.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


وقف " يوسف " أمام المرآة يتفحّص هيئته بنظرة ختامية قبل مغادرة الغرفة ،كان يرتدي سترة كتان قصيرة الأكمام بلون رمادي فاتح، تبرز بنية ذراعيه القوية، وقد أدخل أطرافها بعناية داخل بنطاله القماشي الأسود، وأحاط خصره بحزام جلدي أنيق من اللون نفسه.

+



        
          

                
أكمل أناقته بساعة فضية لامعة، ثم مرر أصابعه بخفة بين خصلات شعره البنية المموجة، مسرّحًا إياها إلى الخلف بنعومة.

+


مسح وجهه بكفّه ينفض عنه آثار إرهاق الليل قبل أن يتأمل عينيه الكهرمانيتين المميزتين، اللتين كانتا جزءًا أصيلًا من ملامح وجهه الفريدة؛ حاجبان عريضان مرسومان بإتقان ربّاني، وبشرة فاتحة نقية بلحية خفيفة.

+


تناول حقيبته الجلدية التي يحمل بها أوراقه الهامة وجهازه اللوحي ليخرج من الغُرفة .

+


فور أن خرج حتى وجد أخيه " يحيى " مُستلقي على الأريكة في الصالة ، فاقترب منه وانحنى بجذعه قليلًا ومد يده يحاول أن يتفحصه ولكن قبل تصل يده لكتفه هتف " يحيى " و هو مُغمض العينان:

+


- صاحي يا عم ..

+


استقام " يوسف " فور أن سمع كلماته وهتف مُعترضًا :

+


- و لما إنت صاحي نايم هنا ليه ؟

+


فتح " يحيى " نصف عينه يتأمل هيئة أخيه ثم أغلقها مُجددًا وتسائل بخمول :

+


- إنت رايح الجامعة!

+


جلس " يوسف "على الكنبة القريبة منه و هتف بنبرة هادئة مُتأملة :

+


- آيوه ، عندي سيكشن و متابعة مشروع ، دعواتك. 

+


أعاد " يحيى " فتح نصف عين ثم ابتسم بخفة وهتف مادًا يداه نحو أخيه :

+


- طب ما تشوف مصلحتي الأول... اديني خمسين جنيه كده نشرب بيهم حاجة ساقعة !

+


تأمله " يوسف " بتعجُب لوهله ثم هتف بنبرة مُستنكرة:

+


- حاجة ساقعة إيه يابني الساعة تمانية الصبح؟

+


أجاب " يحيى " بكل جدية مُصطنعه وابتسامة مرحه تعلو وجهه:

+


- إحنا جيل بيبدأ يومه ببيبسي وسجاير لو تيسر .

+


اتسعت عيناي " يوسف " بصدمة وأعاد تكرار كلماته مُستخفًا :

+


- بيبسي! إلي هي مقاطعة! .. و سجاير! شبه العيال البايظه! إحنا هنخيب ولا إيه عم يحيى ؟!!

+


أطلق " يحيى " ضحكة قصيرة مرحة بينما " يوسف " إزداد غصبًا وصرامة فهتف في أخيه الأصغر قائلًا:

+


- شكلي أخدتك عليا كتير و دلعتك ، قوم إنزل جيب فطار قبل ما أمك تصحى عشان كانت تعبانه بالليل و نامت متأخر .

+


نهض " يحيى " واعتدل جالسًا يوجه بصره لأخيه مُتسائلًا باهتمام منطوق :

+


- ليه مالها ؟

+


سكن " يوسف " للحظه ثم هتف مُحاولًا ألا تُسيطر مشاعره على حديثه :

+


- كنت تعبان إمبارح شوية وفضلت سهرانه معايا لحد ما ريحت. 

+


رفرف " يحيى " بأهدابه عدة مرات و سكن قليلًا ثم اقترب بجسده من أخيه ووضع كفه فوق ركبته وأخفض رأسه قليلًا بنبرة خافته تسائل باهتمام جلي:

+



        
          

                
- إنت بخير صح ؟ مش كده يا يوسف ؟؟

+


ابتسمت عيناي " يوسف " قبل فمه و اخفض بصره يُبصره كفه على ركبته في لافته حنونه منه ليضيع هو بدوره كفه فوق كف أخيه في مبادرة متبادلة منه لنفس إهتمامه وقال :

+


- بخير والله يا حبيبي متشلش همي .

+


- لا أشيله، و أشليه وأنا مرتاح كمان إيه الكلام إلي بتقوله دا ! ، عيب على الدم إلي بينا ، ياخي محدش عنده فصيلة دمي غيرك ..

+


قالها " يحيى " بأعيُن مهتمه يُذكره بأحد الروابط المشتركة بينهم بطريقة يُلطف بيها الأجواء ،ليبتسم " يوسف " تأثرًا وهتف قائلًا بمُزاح:

+


- ما أنا لو حصلي حاجة وإنت مش موجود هروح فيها ..

+


فشد " يحيى " على قبضته وطالع بعيناه البٌنية عيناه بقوة وهو يبُث فيه حقيقة خالصة :

+


- ما هو دا .. محدش ليه وجود من غير التاني .. هو دا بالظبط إلي أقصده .

+


اتسعت ابتسامة " يوسف " بتأثر أكثر وهتف بمزاح:

+


- هبقى أعزمك على أكلة سمك عشان أنا راضي عنك .

+


ابتعد " يحيى " عن وصفق بيداه بانتشاء وقال بسعادة كبيرة :

+


- أيوه هو دا ، هو دا إلي أقصده من الصبح مستنيها تيجي منك .

+


بينما " يوسف " أكتفى بارتفاع ضحكاته بعدم تصديق و بادله "يحيى " الضحكات بمرح و محبة كبيرة .

+


نهض " يوسف " بعد ثوان و مد لـ " يحيى " ورقة نقدية من فئة المئات وهتف له قائلًا:

+


- انزل جيب فطار كده و ضبط دنيتك .

+


أومأ "يحيى" له بتفهُّم وهو يلتقط النقود، بينما اتجه "يوسف" نحو باب الخروج، ساحبًا القفل بيده، ثم فتح الباب وهمس بذكر الله في قلبه، متوكلاً عليه مستودعًا نفسه وأهله وماله من غدرات الأيام.

+


لقد صارت عادة يلازمها كل صباح، يهمس بها لنفسه بعد أن ذاق من الفقد ما يكفي ليجعل التوكل ركنًا من أركان نجاته

+


" لو قال الإنسان كل يوم ،أستودعُ الله الذي لا تضيع ودائعه .. نفسي وأمانتي وخواتيم أعمالي وبيتي وأهلي وأحبتي ومالي وجميع ما أنعمَ الله بهِ علي .. لحفظ الله لهُ كلّ ذلك ."

+


حين خرج واجه أخيه الأكبر " عابد " يهبط على درجات السُلم من الطابق العلوي ليبتسم " يوسف " بخفة و يقول :

+


- صباح الخير.. نازل فين كده بدري ؟؟

+


هبط" عابد " واقترب من أخيه وأجابه بنبرة جافة :

+


- رايح ألحق بيتي قبل ما يتخرب .

+


قطب " يوسف " حاجباه وأغلق الباب خلفه وتسائل بقلق :

+


- لا حول ولا قوة إلا بالله ، ليه حصلكم إيه ؟!

+


- زينب مراتي قيلالي على طلبات من أول إمبارح وأنا لحد دلوقتي مجبتهاش ، فهي مقموصة من بالليل وحالفة تنزل لأمها تحت ومش قعدالي فيها .

+



        
          

                
تراخت ملامح " يوسف " بعد أن أدرك الموضوع ثم هتف بنبرة هادئة راشدة:

+


- طب ما معاها حق يا عابد ، متنساش برضو إنها بنت عمتك قبل ما تكون مراتك دي كرامتها محفوظه مرتين يا أبو حمزة .

+


- فاهم والله ، بس غصب عني ضغط شغل مش ببقا قادر أخرج من الشغل أروح سوبرماركت و أدور وانقي.. و أنا مش عاوزها تخرج تشتري حاجة بنفسها .

+


رفع " يوسف " إحدى حاجباه مُستنكرًا وقال :

+


- و دا اسمه كلام ! لا منك بتجبلها طلاباتها ولا منك سايبها تجيبهم! وبعدين لو المشكلة في شغلك قُلنا على الطلبات خليني أنا أو يحيى نجيبهم ليها إنما تضيع المسؤولية كده وتقصر دا حسابه كبير عند ربنا .

+


سكن " عابد " للحظات يتهرب من النظر لأخيه وهتف مُقرًا :

+


- عندك حق والله ، عندك حق .

+


وضع " يوسف " كفه على كتفه وابتسم بصدق قائلًا :

+


- عابد أنا عارفك كويس ، مراتك بتحبك وباقية عليك ، ومفيش ست تعمل إلي بتعمله غير لو باقية على عيالها وعلى بيتها وعلى جوزها أولًا، فراضيها يا عابد وافتكر إنت تعبت إزاي عشان تاخدها وهي صانت قلبها ليك بس .. مفيش في الدنيا حاجة مستاهلة تصعبوها على نفسكم وتزودوا مسافات بينكم لأي سبب .. فاهم كلامي ؟

+


- أنا فاهمك أوي .. بس إيه يا دكتور الشطارة دي كلها ! لو الماجستير يعمل كده علمني وأنا أخده .

+


ارتفعت ضحكات "يوسف" تابعها ابتسامة " عابد " العريضة ثم هدأت ضحكات الأول وابتسم بمرارة خفيفة، ثم قال بصوتٍ هادئ يشوبه الحنين:

+


- اللي اتوجع يا عابد بيبقى أكتر واحد يعرف يقرأ الوجع في عيون الناس من غير ما يشكوا ،اللي داق مرارة الوِحدة مستحيل يسمح لحد يحسها وهو واقف جنبه، واللي جرب يكتم دموعه بالليل، بيبقى أول واحد يمد إيده ويطبطب قبل ما حد حتى يطلبه، الوجع يا عابد لو ماكسركش بيعلمك إزاي تلّم الكسور في قلوب اللي حواليك.

+


ابتسم " عابد " بإعجاب وأومأ برأسه موافقًا وقال :

+


- أنا لما بشوفك بتأكد إن اللي شاف وجع بزيادة ساعات بيبقى رحيم بزيادة.

+


اتسعت ابتسامة "يوسف" ورّبت على كتف أخيه، وقال بنبرة دافئة:

+


- خلي بالك من مراتك وبيتك يا عابد...القلوب لو مالقتش اللي يحتويها بتنكسر، والبيوت من غير حُب وحنان بتبرد.

+


أومأ " عابد " برأسه بتفهُم ثم تسائل بمُشاكسة :

+


- إنت نازل بالشياكة دي كلها الجامعة؟

+


- إيه رأيك ؟!

+


- ما شاء الله عليك ، إسم على مُسمى ، يارب تكون زي سيدنا يوسف عليه السلام. 

+


ابتسم " يوسف " بخجل طفيف وهتف ردًا على مجاملته اللطيفة :

+


- عليه السلام ، اللهم آمين ، يلا استودعك الله .

+



        
          

                
وتحرك من أمامه يهبط أولى درجات السُلم لتتوقف خطواته على سؤال أخيه :

+


- هتيجي بدري النهاردة؟

+


رفع " يوسف " عيناه وتأمل أمامه بتفكير للحظه وهتف قائلًا بنبرة جادة وابتسامة على طرف شفتيه :

+


- عندي مشوار كده بعد الجامعة .

+


───────────────── ˖.˚⋆ . 

+


بعد عن خرج " جواد " من المنزل بعد النقاش الصباحي الملىء بالود بينه وبين شقيقه تعليقًا على تصرفاته، توقفت خطواته فجأة ثم استدار وعاد للداخل بنفس الثبات. 

+


فور أن دفع الباب حتى توقفت خطواته فجأة حين واجه " يُمنى " على وشك الخروج أيضًا بحُلتها المدرسية، فتوقفت خطواتها بالمثل ثم مالت جانبًا لتسمح له باللجوج ؛ وقد فعل . 

+


نزع النظرات الشمسية عن عينه وألتفت لها متسائلًا : 

+


- إنتِ طالعة المدرسة دلوقتي؟ 

+


أومأت " يمنى " رأسها بهدوء وهتفت بنعومه مُتأصله بها : 

+


- آيوه ، حضرتك عاوز مني حاجه قبل ما أخرج ؟ 

+


طالع فيها سريعًا بتفكير ثم ألتفت تجاه صالة المنزل لينظر للكارثة ، أقصد شقيقه الذي رآه يعبث مع قطة والدته بمنتهى البلاهة ،فقطب حاجباه بسخرية ثم ألتفت لها وقال بملامح جامدة متوسلة : 

+


- ملقيش عندك عروسة ترضى بيه وتكسب فينا ثواب ؟ 

+


ابتسمت " يمنى " بخفة وأومأت برأسها رفضًا ، فعاد بنظره لشقيقه ثم هتف لها بهدوء : 

+


- خليكِ ثانية . 

+


تركها واقترب من شقيقه ووقف بثبات بجانبه بحركة معتادة منه وضع كلا يداه داخل جيب بنطاله هاتفًا : 

+


- طالما معندكش كلية قوم هتيجي معايا المكتب . 

+


انتبه " مراد " له بتعجُب للعودته مرة آخرى ثم تسائل باندفاع والقطة مازالت في حجره : 

+


- أجي معاك أعمل إيه ؟ 

+


لم يرُد " جواد " عليه لكنه أكتفى بنظراته الحادة مع احتداد شكل فكيه دليل على كبته غضبًا دفينًا وقرارًا غير قابل للمناقشة ، فتفهَم " مراد " حالة شقيقه ووضع القطة جانبًا والتفت حوله بارتباك فلقد كانت الصالة خاليه سوى من كليهما، إذن لا مجال للهروب . 

+


- هستناك في العربية. 

+


نبس بها " جواد " ثم تحرك من أمامه واتجه ناحية البوابة حيث " يمنى " واقفة، فتوقف أمامها وخفُتت حدته قليلًا ثم قال : 

+


- تعالي هوصلك على طريقنا ..

+


- بس يـ ... 

+


كادت تُكمل عبارتها حتى ألتفت لها " جواد " ومال بوجهه قليلًا في حركة تنُم عن كونه لن يقبل عُذرها، فزمت " يمنى " شفتاها وأومأت بهدوء مع ابتسامه خجولة، فخرج " جواد " أولًا ثم تبعته هي وفي الأخير لحق بهم " مراد " ساخطًا . 

+



        
          

                
استقل الثلاثة سيارة " جواد " وحظى الأخير بمركز القيادة بينما يقبُع بجانبه شقيقه وفي الخلف تجلس " يُمنى " بهدوء . 

+


رفع " مراد " عيناه للمرآه المُعلقة في سقف السيارة من الأمام ليرى " يمنى " شاردة على يمين الطريق فكان الوقت لممارسة موهبته المُفضلة إذ نبث مع ابتسامه عريضه : 

+


- دراستك عامله معاكِ إيه يا يمنى ! ثالثة إعدادي easy كده ولا إيه.. طمنيني.

+


أنتبهت " يمنى " لحديثه فور أن ذكر إسمها لتُعيره اهتمامًا و تجيب ببساطة : 

+


- بخير الحمد لله ماشي الحال .. بعمل إلي عليا . 

+


أومأ " مراد " برأسه عدة مرات بخفة ثم قال بينما يُطالعها من المرآه العلوية وهتف بغرور مُصطنع: 

+


- طبعًا لو احتاجتي حاجة تقدري تيجي تسأليني.. يعني هفيدك بالـ experience إلي عند... 

3


وقبل أن يُكمل عبارته ألتفت إليه شقيقه بنظراته ، رغم كونها نظرات " جواد " مُعظم الوقت لكنها حادة ومُخيفة بالنسبة لشقيقه خاصةً إذا اتجهت له ، ويالها من تأثير على قرارات " مراد " التي تبدلت في لحظة : 

+


- أو ممكن تسأليه هو ، دا محامي قد الدنيا يعني يطلعلك ثقوب المنهج إييه ..! 

1


كان يُتابع قول كلماته وهو يوجه أصابعه تجاه شقيقه الذي لم ينبس بحرف ، فقط اكتفى بالتركيز على القيادة وملامح تصبُر تمكنت من تقاسيمه، بينما " يمنى " لم تتحدث ، فقط ابتسمت بخفة على شجاراتهم اللطيفة وعادت لتشرُد على جانب الطريق مُجددًا . 

+


بعد عدة دقائق متواصلة، و بعد أن قام بتوصيل " يمنى " لمدرستها توقف محرك السيارة عند وجهته المُراده . 

+


كان أول من ترجل من السيارة هو " مراد " إذ وقف بجانب السيارة وشمس ذلك الصباح مازالت تسلط اشعتها بدفىء على الأرجاء . 

+


رفع " مراد " عيناه لأعلى حتى تجلى أمامه لافته لامعه باللون الأسود الداكن برز عليها بلون ذهبي خالص عبارة ... 

+


" المحامي جواد جليل الرفاعي " 

+


فور أن مرر عيناه على الاسم حتى سمع صوت إغلاق شقيقه لباب سيارته وقد رفع معطف بدلته على كتفيه ليتجهز لـ الدخول لمكتبه بحُلته الأنيقة الكاملة. 

+


لقد أضاف اللون العنابي جمالًا فريدًا لعيناه الخضروان اللامعة، فيما كانت خصلات شعره الأسود المُصفف بعناية تامة تُبرز ملامحه الحادة، مع لحيه خفيفه تُظهر رجولته المُتميزة، التي توازن بين القوة والهدوء. 

+


رغم أنه يمتلك من العمر ثمانة وعشرون ، إلا أن هناك شيئًا في حضوره يوحي لك بنضج يفوق سنه، وحكمة تكتسبها الشخصيات القوية عبر التجربة. 

+


كان يشع بثقة، 
خطوات مدروسة، 
ونظرات حادة كالسيف، 
تنم عن محامي لا يُضيع لحظة في اتخاذ قراراته،
ولكنه دائمًا ما يُفكر بعمق قبل أن يتكلم أو يتصرف. 

+



        
          

                
في عالم المحاماة، حيث المُنافسة الشرسة والقرارات المصيرية، كان يعرف جيدًا كيف يوازن بين العمل الجاد وحسن التصرف في أصعب المواقف، 

+


و لكن تبقى الحقيقة المُرة
أنه لم يكتسب شيئًا .. مجانًا . 

+


دلف " جواد " أولًا لداخل البناية ،وتبعه " مراد " يتلفت حوله بإعجاب فرأى مكاتب لمحاميين أيضًا، فأسرع بخطواته بجانب شقيقه ثم نبس بخفوت بها شىء من الذهول : 

+


- ايه الكل الناس الي لابسة بِدل دي ! 

+


- شفت الرجالة بتلبس إيه ! 

1


نبس بها " جواد " سريعًا بلا إكتراث، ليتوقف " مراد " وتعتلي ملامحه الوجوم قائلًا : 

+


- حاسك بتهزقني ! اقف وبص في وشي قول الكلمة دي . 

+


وللعجب توقف " جواد " على بُعد خطوات منه واستدار له واعتلت وجهه ابتسامة خفيفه ساخره قائلًا: 

+


- آيوه . 

+


ثم ألتفت وتابع خطواته للباب المصعد وضغط على الزر قبل أن يسمع شقيقه بهتف ساخطًا من خلفه : 

+


- على فكرة انا كنت موافق تقولها في ظهري عادي .. متبقاش جارح . 

1


لم يُجيب " جواد " فقط اكتفى بوضع يداه في جيوبه و وقف بثبات ينتظر باب المصعد المؤصد ليُفتح ، بينما " مراد " يقف بجانبه يحاول مُجارة ثباته، فارتسمت على طرف شفتاي " جواد " شبح ابتسامة من تصرفات شقيقه . 

+


دقائق عديدة آخرى مرت عليه وهو قابع أمام مكتب شقيقه بينما الأخير مُنشغل في الأوراق أمامه بتركيز تام ، كان يُشارك " مراد " بآرائه مرات فيصمُت " جواد " عن الرد بينما يواجه ردود آخرى بوجوم ملامحه رفضًا لإجاباته التي بالطبع لن تخلو من الهزل. 

+


الدقيقة تتبعها آخرى والساعة تتبعها قرينتها حتى مرت ساعتين على جلوسهم بصمت مُطبق مُعظم الوقت ودقائق آخرى يتناقشون فيها ، أو تحديدًا نقاش فيها من جهة " مراد " وصمت من جهة الآخر . 

+


لكن رغم ذلك لم تغب عن " مراد " لافته أنارت في عقله حين هتف متسائلًا عندما رآه يستصعب قضيةً ما : 

+


- طب لو صعبة كده ما تسأل حد تاني وخد رأيه ؟ 

+


رفع " جواد " عيناه عن الأوراق بين يديه وهتف برفض قاطع لكن بنبرة هادئة عملية : 

+


- مينفعش طبعًا دي معلومات خاصة بالموكل،مينفعش اشاركها مع حد غير بإذنه . 

+


أجابه " مراد" بتسائل سريع : 

+


- بس إنت بتحكيلي.. 

+


رمش " جواد " بعيناه وعاد بنظره للأوراق وهتف بذات النبرة : 

+


- أنا مش بشارك معاك حاجة خاصة بيهم ، أنا بشارك أفكاري أنا معاك . 

+


وفي نصف العبارة الآخرى رفع " جواد " عيناه له في إشارة له بالتأكيد على جديته في مقصده ،ليبتسم " مراد " بهدوء دون النبس بكلمة بينما اكتفى " جواد " بإرخاء ملامحه له ثم عاد لتقطيبها أمام سطور القضية المُشعلة لعقله . 

+



        
          

                
ثوانِ حتى قطع السكون الذي التف حولهم رنين هاتف " مراد " و الذي بدوره رفعه لأذنه وأجاب في انصات للطرف الآخر أولًا ثم أجاب بابتسامة عريضة : 

+


- إزيك يا " H " ؟ 

+


اجابه الطرف الآخر فاستمع له " مراد " لثوانِ ثم أجاب بعد أن بدأت تتلاشى ابتسامته : 

+


- لا مش جاي النهارده، ليه ؟ 

+


ثوانِ مرت و " مراد " يستمع للطرف الآخر حتى هتف بنبرة حاده مُستنكرة : 

+


- نهار ابوكم اسود ! هو أنا اغيب يوم من الكلية أعرف أن project التخرج اترفض !! 

+


رفع " جواد " عيناه له وانتبه بكامل حواسه للحوار الدائر أمامه في إنصات تام لقول شقيقه الآخير وهو يعزم بإصرار: 

+


- أنا جاي اشوف الحوار دا .. اقفل . 

+


ضيق " جواد " عيناه قليلًا وهتف بجمود مُستشفًا صدق تصرفات شقيقه: 

+


- واثق أوي .. هتتصرف يعني ؟! 

+


ألتفت له " مراد " وقد احتدت ملامحه الجذابة وطالعه بعينان رُماديتين غطى عليهما ظلام النوايا قائلا : 

+


- اومال .. دا انا اطربق الكلية على دماغهم ... فين أبويا !! 

3


- مـــراد !!! 

+


هتف بها " جواد " بشدة مُحكمة يمنع شقيقه من النهوض والعزم على قراره وبالفعل خضع " مراد " له واستكان في مقعده يستمع لشقيقه يستطرد: 

+


- انت هتطلع من هنا على الكلية بتاعتك تشوف الدكتور هيقولك ايه سبب الرفض وتعدله ولا تحرقه مش فارق .. بس لو سمعت انك دخلت ابوك ولا دخلت اسم العيلة في مصيبة لجايلك أنا مطربق الكلية على دماغك.. 

+


احتدت ملامح " مراد " وهتف بحدة مُستنكرًا : 

+


- انت سامع بيقول إيه ! أنا عارف ان دا مقصود .. الدكتور دا مش طايقني اصلا.. 

+


بينما مازالت تلك الجدية الصارمة تعتلي نبرة " جواد " مُجيبًا : 

+


- طايقك ولا مش طايقك متروحش هناك تتكبر على حد ولا تهدد حد بمكانتك و استرجل شوية واستحمل اخطائك.. 

+


اخرج " مراد " نفسًا ثقيلًا بينما اتخذ من الصمت شعارًا وهو يتأمل ملامح شقيقه المشدوده وقسوة عليه لم يتوقعها ، حتى هتف بنبرة أقل حدة امتزجت بالخيبة المريرة يستقيم وقفًا : 

+


- انت اتغيرت أوي جواد مكنتش قاسي كدا .. فين جواد وإحنا صغيرين كان بيخاف عليا من نسمه هوا تعدي جمبي ! .. عمومًا متخافش يا شقيق مش هعمل حاجه تهز صورتك. 

+


ولم ينتظر منه جوابًا حيث ألتفت وغادر المكتب بهدوء لوجهته، أما بالداخل بقى " جواد " يتأمل أثره بشرود ورفرف بأهدابه ثم أخفضها وتنهد بعُمق ثم فتحها ببطء بنظرات شارده أمامه يُفكر في عبارة شقيقه التي اصابت جدرًا صلبًا بداخله بمهاره . 

+



        
          

                
أ يعترض على قوله ؟ 
لا أبدًا . 

+


أ يُدرك تغيُره ؟
نعم يفعل . 

+


ترك الأوراق من بين يديه بهدوء وعاد بجسده للوراء كأنه يرمي بثقل كبير عن كتفاه، ثقل لطالما أقر بهِ مُعترفًا ، أنه ومن سنوات عديدة لم يعُد كما عهِد عن نفسه . 

+


فالنفس تميل لنُسختها الأخف، تلك النسخه التي لا تبتأس بتتابُع الأيام ولا بعواصف الحياة ،ولا تخشى سكون الليل الذي تواجه فيه حقيقتها المريرة .. 

+


يشتكى كُلهُ لكُلِه ، 
يشتكى جسده عن روح لم يعُد يألفها،
اصبح غريبًا عن نفسه قبل أن يكون غريبًا عن من حوله ، وما أسوء أن تكون غُربتك نابعه من أعماقك. 

+


ارتفع صدره في إشارة بإذن لرئتيه لاستنشاق نفسٍ عميق ،نفس يسحبه للداخل عله يؤنس وِحدة أحشائه ،ثم زفره ببطء مُبعدًا به عن داخله ، وتمنى لو استطاع ان يهرُب من نفسه كما يفعل غاز ثاني أكسيد الكربون. 

+


صورة ضبابية كل ما يتذكرها عن روحه التي يألفها وتألفه ، نسخه مُندفعه، مُبتهجه، آمله كانت تسكُنه يومًا، والعجب كُل العجب إنها كانت « الوحيدة » شريكة تلك الروح ومصدر إشراقها. 

+


فتاة بيضاء البشرة ذات شعر أسود مسترسل قصير يُرفرف خلفها بمنتهى الحرية، كانت تطوف بعالمه كقمر لم يعرف عن كوكبه الإنفصال ، وكان هو الكوكب الذي لا يتوازن بدون قمره الوحيد . 

+


تركض أمامه ، تلعب أمامه ، تضحك أمامه ، تُشاركه نهاره وسحره ، منامه ويقظته ، كانت عالم صغير بجواره يكتفي بها عن عالم الخلق أجمع. 

+


حتى آتى ذلك اليوم ، واستيقظ ليجد عالمه الوحيدة نُزع منه ، نُزع منه و لا يتذكر سوى صوت انقطاع انفاسه وتاهت في الفضاء حوله ولم تجد دليلًا لوجهتها . 

+


حينها فقط أدرك أنها لم تكُن روحًا غابت عنه ، بل كانت روحه التي نُشلت منهُ عنوةً بلا وجه حق ، فأظلم نهاره ولم تلتمع في سمائه نجوم .

+


وغابت ليلته المُضيئة الوحيدة . 

+


اخفض اهدابه وأطرق رأسه بوهن، أقر بحقيقة كانت وما زالت وجعًا غائرة ، تعبث بها منحنيات الحياة كلما حاول الصمود، لتُثبت له أنه لم ولن ينسىاها يومًا.

+


وكان الوجع ، كُل الوجع حين همس بداخله أنه فقد قمره الوحيد، وتاه عنه مُبتعدًا ليظل عالمه مضطربًا إلا الآن . 

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


بين أروقة المستشفى التي بدأت تضج بالمرضى مع انبلاج ساعات الصباح الأولى، كان "ريان" يتنقل بخطوات متزنة بين الغرف، يتفقد الحالات واحدة تلو الأخرى، يتابع المؤشرات الحيوية ويُلقي نظرة فاحصة على تطوراتهم الصحية.

+


مضت ساعة كاملة وهو يتنقل بين حكايات المرض، ما بين أجساد أرهقها الداء، ووجوه شاحبة تنطق بالوجع، وشكاوى خافتة وآخرى حزينة، وكان "ريان" يحتضنها جميعًا بابتسامة دافئة، وقلب لا يكف عن بث الدعوات.

+



        
          

                
هُنا، وفقط هنا؛
تدرك كم هي قصيرة هذه الحياة،
وترى بعينيك كيف يُعرض شريط النهاية بعد عمر كان نابضًا بالحياة.

+


تقدم بخطوات هادئة وملامح مُثقلة بالهموم، يسير مُبتعدًا عن غرف المرضى يتجه لمكتبه ، كانت تلك الخطة حتى قاطع خطواته الطبيب " مدحت " و صديقه المُقرب الطبيب " مروان " .

+


سكن لوهله حين توقفت خطواتهم أمامه ورفع بصره لهُما قبل أن يبتسم بوهن مُلقيًا السلام :

+


- صباح الخير. 

+


- صباح النور. 

+


قالاها كليهما في نفس واحد قبل أن يضع " ريان " يداه في جيب معطفه الطبي الأبيض مُتسائلًا بريب :

+


- الدنيا معاكم تمام ؟

+


تحدث " مدحت " قائلًا بجدية :

+


- بخير ، بس عندنا معلومات تخص حالة ميرال .

+


أومأ " ريان " رأسه بانصات في إذن صامت ليستطرد " مدحت " حديثه :

+


- التحاليل أكدت إن والد الجنين إلي سقط لما حاولنا نوقف نزيف ميرال ، هو واحد من إلي كانوا في العربية وقت الحادثه .

+


- وللأسف مات .

+


قالها " مروان " مُتبعًا كلمات " مدحت " فالتفت " ريان " له بملامح تعلوها الدهشة الخفية مع إلتزام الصمت ليتابع " مدحت " وهو يتأمل الملف بين يديه :

+


- وكمان وصلنا إن الشاب دا يبقى جوزها ، بعقد متسجل في المحكمة البريطانية شهر سبعة إلي فات ، يعني من أربع شهور ، وعمر الجنين كان قريب من شهر وكام يوم واحتمال كبير مكانوش عارفين بوجود حمل .

+


تنهد " ريان " بعُمق وهو يستدرك تلك الأمور بإهتمام صامت ، لينبس مُتسائلًا :

+


- طبعًا هي متعرفش إن أهلها أصلًا ماتوا عشان نعرفها جوزها كمان مات ؟

+


- ومش مستعدة تتقبل خبر زي كده كمان .

+


ألتفت " ريان " لمصدر الصوت من خلفه ليجده " أحمد " الأخصائي النفسي لمتابعة حالتها، وكان أكبرهُم عُمرًا ،فمرر نظراته على ثلاثتهم قبل أن يقول بنبرة تجمع بين الحزم والتعاطف:

+


- حالتها النفسية لسه هشة جدًا.. ميرال دلوقتي بتعيش حالة إنكار لكل اللي حصل وصدمات متراكمة فوق بعضها ، لو ضغطنا عليها بمعلومة موت زوجها فوق موت أهلها، إحنا بنعرضها لانهيار عصبي أو حتى غيبوبة اكتئابية.

+


قطب "ريان" حاجبيه بانزعاج وقال:

+


- طب وهنفضل سايبينها جاهله الواقع علطول؟

+


هز "أحمد" رأسه بهدوء وقال:

+


- لأ، طبعًا ، بس لازم نوصلها للحقيقة على مراحل.. وحدة وحدة ، نديها مساحة أمان، نخليها تحس إن في حد معاها، قبل ما نصدمها بالحقيقة ، غير كده محتاجين نزود عدد الجلسات النفسية معاها، ومراقبتها تكون أدق وأكتر في الفترة دي.

+



        
          

                
تدخل "مدحت" وهو يرفع حاجبه بتساؤل:

+


- يعني بما إن الأخصائي النفسي هو اللي هيمسك الموضوع، نبدأ نقلص دور ريان معاها ، صح ؟

6


ساد صمت قصير ولم يجب "ريان"، فقط ظل واقفًا وعيناه معلقة بنقطة في الفراغ ، لاحظ "أحمد" صمته، فالتفت إليه وقال بنبرة مدروسة بعدما سكن يفكر للحظة :

+


- أيوه.. دي الخطوة الجاية أكيد.

+


ظل "ريان" صامتًا، لم يعترض ولم يؤيد ، لكن بداخله شيئًا كان أكثر ثباتًا و راحة .

7


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


بطرقات خفيفة على باب غرفتها أعلن بها " آسر " إذنه بالدخول لغُرفة " مليكة " قبل الذهاب للعمل ،وفتح الباب ببطء هاتفًا بإسمها :

+


- مليكة ؟!

+


دار بعيناه في غُرفتها حتى استقرت على جسدها مُستلقية على الفراش بهدوء رغم كونها مُستيقظه، اتسعت ابتسامته وتقدم للداخل وأغلق الباب خلفه مقتربًا من فراشها قائلًا بمحبة :

+


- صباح الخير يا حبيب خالو .

+


ثم مال بجزعه قليلًا ليطبع قبلة صغيره على جبينها برفق شعر بارتفاع طفيف في درجة حرارتها، فابعد وجهه وجلس على طرف الفراش أمامها وربت على كتفها برفق متسائلًا :

+


- إنتِ كويسه يا حبيبتي؟ حاسة بإيه ؟ احكيلي ..

+


كانت " مليكة " ساكنه لحد كبير حتى قطعت صمتها قائلة بنبرتها الطفولية الحزينه :

+


- مليكة بطنها وجعاها .

+


اخفض بصره نحو معدتها ثم مرر كفه عليها برفق يتسائل :

+


- حاسة بإيه ؟

+


كانت تحاول التحدث والتعبير عن ما يؤلمها لكن يبدو أن الكلمات وقفت عاجزه أمام وصف حالتها، بينما نظرات الشفقة كانت تعتلي ملامح " آسر " والحُزن بدأ ينخر في بهجته عميقًا. 

+


اقترب منها مرة أخرى وطبع قُبلة أطول على جبينها كانت تتلخص في عجزه أمامها ،أبعد وجهه ومرر عيناه على تفاصيل ملامحها الرقيقة التي ورثتها جميعًا من شقيقته لكي تظل ذكراها حية في داخله و أمام عيناه . 

+


بعد عدة دقائق آخرى خرج من غُرفتها ، و عاد "آسر" إلى غرفته بخطوات بطيئة، محمّلاً بقلق ثقيل لا يعرف له مسمى سوى "مليكة" ، ذهنه مشغول وقلبه لا يزال معلقًا عند تلك الصغيرة المُستلقية في فراشها تتألم،في حين عجز هو عن انتزاع الوجع منها. 

+


خلع سترته بآلية رتيبة واتجه نحو خزانته ليبدّل ملابسه استعدادًا للخروج ، لكنّ عيناه توقفت فجأة عند دُرج صغير في أسفل الخزانة، انحنى ببطء وفتحها بحذر فـانبعث منها عبق قديم، يحمل شيئًا من الماضي.

+


داخل الدُرج تراصت مجموعة من الملفات القديمة ، أخذ يعبث بها بعشوائية ، حتى ظهرت أمامه دفتر ذا غلاف أنيق ومتوسط الحجم رغم وضوح آثار الزمن عليها. 

+



        
          

                
حمله بين انامله وجلس به على الكنبة المقابلة وأسند ظهره ثم مرّر أنامله على الجلد الخارجي للدفتر حيث كان محفورًا بخط مميز اسمٌ واحد:

+


"جيهان"

+


فتح الدفتر بعشوائية وبدأ يتنقل بين صفحاتها ، ثم توقّف بصره عند عنوان كُتب بخط مختلف، فبدأ يقرأ .

+


تنهد طويلًا ثم فتح الدفتر بعشوائية، فوقعت عيناه على صفحات مليئة بخط يدها، بعناوين صغيرة وأحيانًا رسومات بسيطة كانت ترسمها بجوار العبارات.

+


ابتسم تارة وهو يقرأ بعض الذكريات والمواقف الطريفة من عملها ، وتعجب من مدى تفصيلها في الوصف، كأنها كانت تكتب لتخلّد كل لحظة ، إلى أن ما توقفت عيناه فجأة عند عنوان بارز، خطّته جيهان أسفل كلمة:

+


"عن ميار"

+


تأهبت كل حواسه، وخاصةً قلبه اللي بدأ يدق بسرعة غريبة، وهمس بإسمها:

+


- ميار... 

+


مرّر أصابعه على الاسم وتملّكه شعور بالحنين، ممزوج بدفء غريب ثم واصل القراءة، وكان مما خطّته "جيهان" عنها:

+


"ميار عندها ابتسامة بتطمن القلب "

4


"ميار رجعت تساعد طالبة كانت خلاص هتسيب الكورس بسبب ضعفها ،البنت دي عيطت عشان أول مرة حد ياخد بإيدها كده "

+


"كل ما أفتكرها بدعي ربنا يكتب لها الخير.. البنت دي تستحق أكتر بكتير من اللي حواليها شايفينه "

+


"لو كان ليا أخت تانية، كنت تمنيت تبقى ميار "

1


ظلّ "آسر" يقرأ هذه العبارات بصوت خافت ثم توقف عند هذه الصفحة، لم يستطع تجاوزها كأنها أسرت قلبه وأبقته هناك ، فظلّ يحدق في الكلمات طويلاً وعيناه تلمعان، وصدره يعلو وينخفض بثقل مشاعره وفجأة شعر بأنامل صغيرة توضع على كتفه.

+


رفع عيناه سريعًا فوجد "مليكة" واقفة أمامه تبتسم له بابتسامة خفيفة، فسألها متعجبًا:

+


- مليكة! إنتِ دخلتي إمتى؟!

+


اقتربت منه قليلًا وقالت بهدوء:

+


- لسه جاية .

+


ضمّها بذراع واحدة وقبّل خدها برفق، بينما كانت عيناها تتفحصان ما في يده وسألته ببراءة:

+


- إيه دا يا خالو؟

+


ألقى نظرة على الدفتر بين يديه، ثم أعاد بصره إليها وقال ودمعة تلمع في عينه:

+


- دي كراسة مامي كانت بتكتب فيها.

+


نظرت إليه "مليكة" بعينين تشتعلان فضولًا وحنينًا:

+


- ومامي كتبت إيه؟

+


ابتسم "آسر" وملامحه ترتجف، ثم ضمّها إليه بكلتا ذراعيه قائلًا:

+


- مامي كتبت كل حاجة حلوة.. مامي كانت سبب كل حاجة حلوة.

+


همست "مليكة" بهدوء وهي تُخفي وجهها في صدره:

+



        
          

                
- وحشتني أوي.

+


أغمض "آسر" عينيه، وانخفضت أهدابه بثقل ثم ابتلع غصة مريرة ولفظ كلماته بصوت مختنق:

+


- و أنا كمان.. وأنا كمان يا روحي .

+


ظلّ يحتضنها لثوان طويلة، وكأنّها طوق النجاة الوحيد المتبقي له ثم ابتعدت عنه برفق ونظرت إليه بعينين صغيرتين وسألت:

+


- مس ميار هتيجي النهاردة؟

+


تأمل "آسر" ملامحها لثوان قبل أن ينطق بما ظلّ مكبوتًا في صدره:

+


- مس ميار لو جت.. هتصلّح حاجات كتير أوي يا مليكة.

4


رغم أن " مليكة " لم تفهم مقصده تمامًا إلا أنهى أثارت الصمت كعادتها ليُغلق " آسر " الدفتر ثم يعود لإكمال إرتداء ملابسه .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كانت "أمينة" واقفة في مطبخ شقتها الشعبي، تغسل الأواني لكن عقلها كان بعيد تمامًا عن ما بين يديها ، شرودها كان تراكم لأيام، منذ تلك المكالمة التي قلبت هدوء يومها رأسًا على عقب.

+


رن هاتفها المحمول في وقت الظهيرة، مسحت يدها سريعًا في طرف مريولها، والتقطت الهاتف لترد بصوت مقتضب:

+


- عاوز إيه؟

+


صمتت وهي تستمع للطرف الآخر، وعيناها ضاقتا بتركيز ثم قالت بجدية:

+


- طيب، أنا نازلة.

+


أنهت المكالمة، عدّلت حجابها فوق عباءتها البيتية الواسعة، وخرجت من باب الشقة بخطى سريعة ، ولم تمر دقائق حتى كانت تقف في شارع جانبي بعيد عن أعين الجيران، أمام شاب بدا عليه التوتر، وكأنه ينتظرها منذ زمن ثم تقدمت نحوه بحدة:

+


- اخلص، عاوز إيه؟

+


- عرفتي حاجة عن ليلى؟

+


عقدت حاجبيها بدهشة واستهجان:

+


- ليلى؟ مالها بنت الموكوسة دي كمان؟

+


- ساكنة في الشقة اللي تحتك .

+


اتسعت عيناها بدهشة و هتفت :

+


- إيه؟! ليلى ساكنة تحت؟ ودي جت منين؟!

+


تردد الشاب قليلًا قبل أن يجيب:

+


- ساكنة مع أختي.

+


رمقتها بحدة، ثم قالت مستنكرة:

+


- أختك إنت؟ وهي عرفتها منين؟!

+


وقبل أن تتابع، قطع صوتٌ نسائي صارم حدة استغرابها:

+


- إيه حكايتك مع البنت دي يا أمينة؟ حطاها في دماغك ليه؟

+


التفتت أمينة لصوت السيدة التي بجانب الشاب ومررت بعيناها على نظرات الأخوة والذي كانا أولى أحجار لعبة انتقامها .

+


كريمة .. وحسام .

+


لكن "حسام" لم يُمهلها الرد، بل قال ببرود:

+


- إحنا خلاص، مش مكملين معاكِ في السكة دي.

+



        
          

                
ضحكت "أمينة" ضحكة مائعة أقرب للسخرية، ثم قالت بنبرة شعبية حادة:

+


- دا على أساس إن سكتك في السليم يروح خالتك ! اوقف عدل واتكلم مظبوط ومتنساش إلي كان خيره عليك .. و لا تحب أفكرك ؟!

+


سكن "حسام" والغيظ بيشتعل في عينيه، لكن "أمينة" لم تُضع الفرصة واستطردت :

+


- أفكرك أنا، ما يمكن ذاكرتك خفيفة... أصل لو انت اتقلبت على دماغك و زرعت في الأرض ما كنت هتحلم بشغلانتك في مطعم جليل ، اه صحيح كنت جايبه الشغل لابني المايل بس يخيبه مطرح ما هو موجود ساب الشغل ليك .

+


ثم ألتفت لـ" كريمة " وهتفت بتهكُم :

+


- و إنتِ يا ست المِعَلِمة ! هو حد خلالك اسم في السوق إنتِ و جوزك الخايب وعرفك على تجار الخضار والفاكهه بعد ما كنتوا بتسفوا تراب ، غيري ؟!

+


رفعت حاجبيها ونظرتها شقتهم شق، قبل أن تضرب الخاتمة :

+


- فوقوا كده ومتنسوش نفسكم وأصلكم ومتعلوش على أسيادكم زكلامي هو إلي يتنفذ وإلي أقوله هو إلي يتعمل .

+


عادت " أمينة " من شرودها على صوت رنين هاتفها، فجففت يداها سريعًا والتقطت هاتفها من فوق رُخام المطبخ وفتحت المكالمة ووضعتها على وضعية المُكبر ليصدح صوت رجل خشن قائلًا:

+


- تحت أمرك يا مِعَلِمة.. الرجالة جاهزة 

+


اتسعت ابتسامتها بشر كامن ونوايا سوداء تلمع في عيناها وهي تلقي أوامرها:

+


- السنيورة بترجع البيت الساعة ١١ ونص ، عاوزاكم تتأكدوا أنها متعتبش عتبته أو عتبة الحارة تاني .

+


- اعتبريه حصل يا مِعَلِمة .. بس البت هنسيبها فين ؟

+


اتسعت ابتسامتها بشر وخُبث كبيران قبل أن تقول بصوت يُشبه فحيح الأفعى:

+


- البت ملهاش أهل ، اتعاملوا بقا .

+


وصل لها صوت ضحكات رجولية خبيثة ثم أغلقت " أمينة " الخط وهي تتنهد بانتشاء وراحه تمكنت من أنفاسها. 

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


| قُرب الغروب | 

+


حيث تمتزج الأضواء البرتقالية للسماء مع ظلال المساء الزاحفة، بدأت سُحب رمادية ثقيلة تتسلل إلى المشهد، تغلّف الشمس الهاربة بخيوط كئيبة، وكأن السماء تُمهّد لوابلٍ من المطر.

+


كان الهواء يحمل نُذُر التغيّر، بارداً على غير العادة يُداعب الأعصاب قبل الوجوه.

+


وفي تلك الأثناء وصلت "يـارا" إلى ساحة السباق التي كانت بها بالأمس حيث ثارت شكوكها أنها فقدت سلسالها هُنا.

+


غادر سائقها المكان بأمرٍ منها، ثم تقدّمت هي نحو الطريق الذي سلكته سابقًا، ووقفت تتفحص الأرض بعينيها تبحث بلا هدف واضح ، أو هكذا كانت تُقنع نفسها.

+



        
          

                
لم تمرّ سوى دقائق حتى رفعت رأسها حين سمعت صوت دراجة نارية تقترب من بعيد، نبضها تسارع للحظة لكنها تماسكت سريعًا.

+


اقتربت الدراجة، ثم تباطأت حتى توقّفت على بعد خطوات خلفها بينما سائقها جلس بثبات وخوذته تخفي ملامحه كما بالأمس.

+


سكنت في مكانها لوهلة فترددها يثقل قدميها قبل أن تلتفت ببطء خلفها ونسمات المساء تداعب خصلات شعرها برقة، بينما كانت عيناها الزيتونيّتان تتفحصان جسده القابع فوق الدراجة.

+


ضيقت عينيها تحاول التأكد من شكوكها حول هويته، لكنه كان السبّاق بالكلام فخرج صوته هادئًا من تحت الخوذة، لكنه يحمل نبرة ثقل لم تفهمها:

+


- إنتِ مين؟ وبتعملي إيه هنا؟

+


ترددت "يـارا" ورفعت أناملها تُعيد خصلاتها المتطايرة خلف أذنيها، ثم قررت أن تلجأ إلى لعبتها المفضلة... البرود.

+


- ء... I think إن المكان دا مش لحد، فأقدر أجي براحتي.

+


أمال رأسه قليلًا، وكأنه يدرسها قبل أن يتنهد بسخرية خافتة وهو يعبث بمقبض دراجته:

+


- صح، المكان مش لحد معين، هو مكان سباقات... إنتِ متسابقة؟

+


رفعت حاجبها بتعجُب لكنه ألقى نظرة إلى يدها الملفوفة بضماد متسخ بعض الشيء وقال:

+


- شايف إنك لسه مغيرتيش على جروحك!

+


الآن فقط تأكدت شكوكها .. إنه هو.

1


سكنت للحظات تتأمل مكان عينيه أسفل الخوذة، ثم قالت بملامحها الجادة التي قلّما تفارقها:

+


- الجرح مش هيفيد نغيرله شاش طالما سبب الجرح لسه موجود...

+


كلماتها اخترقت جدار حذره، لكنه لم يكن مستعدًا للانجراف في هذا الحديث، فرد ببرود ساخر:

+


- كلام فلسفي كبير على قماش جروح.

+


صمتت تشعر وكأنها عالقة في مباراة شطرنج ذهنية، لكنه كان اللاعب الأكثر هدوءًا حتى قال:

+


- بما إنك مش جاية عشان شاش الجروح، يبقى أكيد عندك سبب تاني صح؟

+


نظراته العميقة رغم اختفائها تحت الخوذة، كانت تخترق دفاعاتها لكن "يـارا" لم تكن ممن يُسقطون أوراقهم بسهولة، فردت بثقة وغرور لا يليقان سوى بها:

+


- مش لازم يكون عندي سبب لكل حاجة بعملها.

+


سكن للحظة كما لو أنه لم يقتنع بردّها، ثم أخرج شيئًا صغيرًا من جيبه، ومدّه نحوها ليلمع تحت ضوء الشمس الخجول المنعكس من بين السُحب الثقيلة.

+


- مش يمكن السلسلة دي تقول غير كده؟

+


تجمّدت عيناها على السلسلة الذهبية التي تحمل اسمها المحفور عليها وللحظة شعرت الهواء قد سُحب من حولها.

+



        
          

                
حدقت "يـارا" في السلسلة بين أصابعه، الشعور الذي اجتاحها كان مزيجًا من المفاجأة والارتباك لكنه لم يدم طويلًا وسرعان ما استردت رباطة جأشها ورفعت نظرها إليه ببطء.

+


- لقيتها فين ؟!

+


سألت بنبرة حاولت أن تكون ثابتة، لكنها خرجت أهدأ مما أرادت ، لكن "يوسف" لم يرد فورًا بل أمال رأسه قليلًا وهو يراقب رد فعلها، ثم ابتسم تلك الابتسامة الخفيفة من تحت خوذته والتي لم تظهر لها و تحمل أكثر مما تُعلن

+


- لقيتها، بس واضح إنها تبع حد مهم...

+


قالها وهو يقلبها بين أصابعه كأنه يدرسها، وتلتمع أمام عيناه أسم نُقش عليها بدقة عالية قبل أن يرفع عينيه مجددًا ويضيف: 

+


- حد مستعد يرجع لنفس المكان بس علشان يدور عليها.

+


عقدت " يـارا " ذراعيها أمام صدرها، محاولة أن تخفي توترها وردت بحدة طفيفة:

+


- يمكن لأنها غالية، مش لازم يكون في سبب dramatic !

+


أومأ "يوسف " برأسه بتفهم مزيف، ثم قال بنبرة متأملة خرج عميقًا من أسفل خوذته :

+


- أو يمكن... لأن صاحبها مهتم بحاجة تانية أكتر من قيمتها المادية.

4


ضيّقت عينيها بشك، لم يعجبها مسار الحديث خاصة مع طريقته الهادئة التي توحي بأنه يرى أكثر مما يُفترض ، أزاحت خصلات شعرها التي تطايرت على وجنتيّها ثم أردفت :

+


- إنت بتحب تلف وتدور كتير؟ 

+


ضحك بخفة وهو يهز رأسه، ثم قبض بيده على السلسلة وقال :

+


- ما بحبش أدي حاجة لحد غير لما أتأكد إنها بتاعته، فلو فعلاً بتاعتك قوليلي .. اسمك إيه؟

+


نظرت " يـارا " له بحدة وإحساس خفي باللعب اشتعل في داخلها، وكأنهما في تحدِ غير مُعلن لم تكن تنوي أن تُجيب عليه لكن عيناها تحركتا لا إراديًا نحو السلسلة، مما جعله يرفع حاجبه باهتمام.

+


- حلو الحذر برضو .

+


علّق وهو يعيد السلسلة إلى جيبه، مما أثار ضيقها قليلاً لكنها لم تُظهر ذلك بل زفرت بسخط:

+


- هيفرق معاك الأسم في إيه ؟!واضح إنك مش عايز ترجعها.

+


ابتسم "يوسف " ابتسامة خفيت عنها كالعادة بينما تابع بنبرته الهادئة:

+


- أنا قلتلك... بحب أتأكد.. 

+


للحظة خيم الصمت بينهما ،صمت مشحون ممتلئ بالتحدي والفضول .

+


وأخيرًا مدّت يدها نحوه بثقة، وعينان معلّقتان بعينيه من خلف مرآة الخوذة ، قائلة بنبرة واثقة رغم التوتر الخفيف الذي حاولت إخفاءه:

+


- يـارا .

+


لمعت عيناه للحظة قبل أن يخرج السلسلة ببطء، ووضعها في راحة يدها، أصابعه لامست يدها لثانية قبل أن يبتعد، ثم قال بنبرة عميقة وهو يُحكم شد الخوذة على رأسه :

+



        
          

                
- خلي بالك من حاجتك يا .. يـارا مش كل مرة حاجتك هترجعلك .

+


ثم دون أن يعطيها فرصة للرد، أدار محرك دراجته وملأ صوته المكان، يلمح في المرآة انعكاس تعبيرها المُحتار قبل أن يبتسم لنفسه وينطلق مبتعدًا.

+


رفعت هي السلسلة لمرآى بصرها ، وتجلى أمامها حروف إسمها التي نُقشت بمهارة ودقة، ثم ارتسمت ابتسامة جانبية على وجهها وهي تحدق أمامها بدهاء :

+


- كان عارف الإسم .

1


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


أنهت " ليلى " عملها وذهبت لغرف تبديل الملابس قبل المُغادرة ، فلقد كانت طاقتها استنزفت بين طلبات اليوم الشاقة لكن مكالمة " كريم " آنست وحدتها وإن كانت لدقائق قليلة. 

+


خرجت من الغرفة وحملت حقبيتها وتقدمت بخطوات تحاملت بها على نفسها حتى خرجت من المطعم ، ولحظها الجيد وجدت سيارة آجرة اصطفت أمام المطعم، فاقتربت منه واخبرته وجهتها ثم استقلت السيارة وتحركت بها ، غير مُدركة بالذي يتهاوى فؤاده خلفها يحاول منعها من الذهاب .

+


" لـيـلى " 

+


صوت خرج من حنجرته فحملت الرياح صوته بعيدًا، لكنه لم يكن من أولئك الذين يستسلمون بسهولة ، فـأسرع نحو سيارته وتحرك بانفعال لم يشعر به من قبل.

+


كل شيء تلاشى على طريقه، ولم يعد هناك سوى السيارة التي تبتعد، والعدّاد الخفي في داخله الذي يحسب المسافة بينه وبينها كأنها عمر كامل . 

+


قلبه يدق بجنون، أذرعه مشدودة على المقود، أنفاسه متقطعة... 
هل يعقل أنه يتركها تذهب وهو من انتظر هذه اللحظة طوال حياته؟

+


وأخيرًا صار خلفها مباشرة ليطلق صافرات متكررة، حتى لاحظه السائق والتفتت "ليلى" وارتسم على وجهها ذاك التعبير المتوجس.

+


- فيه إيه؟

+


سألت السائق بينما كان عقلها يتسابق مع قلبها لإيجاد تفسير.

+


- مش عارف، بس شكل العربية دي عاوزاني أقف على جنب، نقف؟

+


تساءل السائق ولم تحتج لأكثر من ثانية لترد بصوت خافت متردد: 

+


- طب، أقف على جنب.

+


وما إن توقفت السيارتان حتى كان هو قد قفز منها بخطوات سريعة مصممه للوصول قبل أن تفكر هي في الهروب ، ثم انحنى نحو نافذتها و صوته خرج آمراً لكنه لم يكن مجرد أمر، كان شيئًا أعمق، شيء يشبه الرجاء المختبئ خلف الصلابة:

+


- انزليلي يا ليلى لو سمحتي.

+


التقت عيناها بعينَيه للحظة من خلف الزجاج ، تعرفت عليه فورًا فـ استكان جوفها قليلًا وفتحت باب السيارة وترجلت.

+


- هو في حاجة يا بيه ؟

+


ترددت " ليلى " لم تفهم ماذا يجري لكنه لم ينتظر أن يستوعب عقلها الموقف، بل استدار نحو السائق، أخرج ورقة نقدية من فئة المئتين جنيه ومدها له سريعًا: 

+



        
          

                
- لا مفيش يا كابتن اتفضل.

+


لكن السائق لم يبدُ مقتنعًا بل تساءل بقلق: 

+


- يا أستاذة متأكدة إنك بخير؟

+


كأن السؤال أيقظها للحظة من الغياب الذي كانت فيه، فأومأت برأسها سريعًا ونطقت بصوت بالكاد خرج من حلقها: 

+


- آيوه، أنا بخير شكرًا جدًا.

+


ثم رحل السائق وتركها معه وحدها ،والآن... لم يعد هناك مهرب.

+


نظراته كانت قاسيه كأنها تنقب بداخلها عن الحقيقة ،لم يكن يسأل فقط بل كان يُريد أن يرى الحقيقة قبل أن يسمعها.

+


- إنتِ ليلى سامي البنا؟!

+


هكذا بلا مقدمات وبلا محاولات تلطيف، بلا حتى محاولة للسيطرة على العاصفة داخله.

+


و هي ؟لم تجب وعيونها متسعة بفزع لا تستطيع إخفاءه. 

+


كان يمكنها أن تكذب، أن تناور، لكنها شعرت أن أي كلمة ستقولها ستزيد الطين بلة .

+


رأى في عينيها الصمت وفي جسدها التوتر، وفي أصابعها المرتعشة خوفًا حقيقة لم تكن تحتاج إلى تأكيد.

+


لكنه لم يعد يستطيع التحمل ! فأمسك بمعصمها بقوة، يريد أن يُخرجها من صمتها بأي طريقة.

+


- إنـتِ لـيـلى سـامـي ولا لأ ؟!!!

+


اهتزت وتوسعت عينيها أكثر، وشفتاها ارتجفتا في محاولة يائسة للكلام.

+


- يا فندم، مكنتش...

+


لكن غضبه كان أسرع من كلماتها، ليشد على معصمها أكثر، لكن ما أحرقها أكثر كان صوته الهائج :

+


- انــطــقـي !

+


أغمضت عينيها كأنها تحاول أن تؤخر لحظة الانهيار، 
لكن صوتها خرج في النهاية، خانقًا، ضعيفًا، مستسلمًا:

+


- أيوه... أنا ليلى سامي.

+


وانهار كل شيء.

+


كانت اللحظة أشبه بانهيار جدار قديم، فحجارته تتساقط بغبار كثيف يحجب الرؤية. 

+


فك قبضته عنها فجأة، وتراجع خطوة لنظر إليها... واقفًا... تائهًا...

+


ثم جاء صوته منخفضًا يتساءل عن واقع لم يعد يثق فيه:

+


- إنتِ ليلى...؟

+


لم يكن سؤالًا بقدر ما كان رجاءً تأكيدًا يائسًا لحقيقة تهرب منه، فحدقت فيه "ليلى "متوجسة، تبتلع غصتها،تومأ برأسها ببطء لكنها لم تكن متأكدة إن كان ذلك إقرارًا أم استسلامًا.

+


عندها، جاءت الصدمة الثانية أقسى من الأولى:

+


- و مش فكراني يا ليلى؟!

9


صوته هذه المرة كان مزيجًا من الذهول والخذلان، كأن روحه تهوي في هاوية سحيقة ، كيف يمكن لنسيان كهذا أن يكون ممكنًا؟ كيف يمكن لصوته أن يأتيها غريبًا، بينما صوتها ظل يرنّ في أذنيه طيلة تلك السنوات؟

+



        
          

                
لكنه لم يكن يعلم..
لم يكن يعلم ما عاشته .. و ما صدقته.

+


تراجعت بخطوة فالخوف بدأ يتسلل إليها من طريقة نظره، ومن انفعالاته التي لا تفهمها، فسألته بترقب وخوف:

+


- إنت.. مين؟

+


فتح فمه لكن الكلمات لم تخرج ، كانت الصدمة تفترس صوته قبل أن يخرج للحياة، عينيه المتسعتين بالذهول تلتمعان برطوبة مهددة. 

+


ابتلع غصته كأن سكين انغرست في حلقه، ثم رفع يده وأشار إلى نفسه، بإيماءة تشبه محاولة تعريف ذاته لطفل صغير ضل طريقه :

+


- أنا جواد... أنا جواد يا ليلى.

+


وكأن العالم كله توقف في تلك اللحظة. 

+


لا ضجيج سيارات، لا أنفاس، لا شيء سوى صوت تلك الكلمة وهي تتردد في عقلها، تعيد إحياء شيء كان ميتًا منذ زمن . 

+


"جــواد "

+


الاسم ارتطم بذاكرتها كصخرة قاسية، وهذا الاسم الذي كان أقرب إليها من أنفاسها يومًا كيف يعود الآن؟! كيف يطفو بعدما غرق في ظلمات ماضيها؟!

+


هزت رأسها بعنف مُستنكرة !

+


ابتسمت تلك الابتسامة المهزوزة التي تحمل كل شيء عدا الفرح ، وهمست بصوت مبحوح :

+


- م... مستحيل... مستحيل.

+


لتسقط دمع من عينه لم يمسحها ،وقطب حاجبيه يبتلع مرارته وغصته وقال بصوت مشدوه:

+


- مستحيل؟! دا المستحيل كان إني ألاقيكي بعد كل السنين دي !!

+


لكن "ليلى" كانت غارقة في بحر آخر، في موجات متلاطمة من الذكريات، والمشاعر، والخوف. 

+


تراجعت خطوة أخرى، كأن المسافة المادية يمكن أن تقلل المسافة العاطفية، كأنها لو ابتعدت بما فيه الكفاية، سيتلاشى كما يفعل السراب.

+


لكن السراب لا يبكي.

+


دمعة ساخنة انسابت على وجنتها وهي تهمس بصوت يرتجف، يرتعش، يهرب منها كما تهرب الأرواح من الجسد:

+


- هما... هما قالولي... قالولي جواد... مات.

+


ثم ختمتها بشهقة حبستها في حلقها، لكن "جواد" لم يمنحها فرصة للهروب من الحقيقة.

+


- مين؟ مين قالك كده؟!! أنا واقف قدامك!

+


لكنها لم تسمعه، أو ربما لم ترد أن تصدقه ، كانت الكلمات تتدفق منها الآن، اعترافات متأخرة، جروح لم تلتئم يومًا، وها هي تنزف أمامه أخيرًا:

+


- كلهم... كلهم قالولي...

+


شهقة أخرى ثم جاءت الطعنة التي لم يكن يتوقعها:

+


- قالولي إنك... مت بسببي... مت عشان تلحقني.

+


عندها انهار كل شيء بحق ،ليحدق فيها لا يصدق. 

+



        
          

                
كيف يمكن أن تكون هذه هي الحقيقة التي عاشت عليها كل هذه السنوات؟ كيف يمكن أن يكون موته قد كان سجنها، بينما كان هو يبحث عنها حيًا؟

+


وحدها "ليلى " كانت تبكي ، وحدها كانت تشعر بأن العالم ينهار حولها، بينما هو كان واقفًا بلا حراك مذهول.

+


حدق في وجهها للحظة ثم جاء صوته مبحوحًا، موجوعًا، يحمل في داخله مرارة لم تُمحَ رغم كل هذه السنوات:

+


- محصلش ، أنا دخلت عشان قالولي إنك جوا الڤيلا و هي بتولع .. دخلت عشانك.. بس .. بس ملقتكيش وهم لقوني ، بس أنا مشفتكيش بعدها .

+


توقف وكأن الألم يعيقه عن النطق، ثم تابع بصوت أكثر ضعفًا:

+


- هم لقوني... بس أنا مشفتكيش بعدها.. أنا ملقتش نفسي بعدها!

+


لم يستطع أن يمنع دمعة أخرى من السقوط خرجت رغمًا عنه، وتابع بصوت متهدج، وكأنه ينزف الكلمات من جرح قديم لم يلتئم قط:

+


- ضعتي يومها مني يا ليلى... وفضلتي غايبة عن حياتي ١٥ سنة!

+


شهقت "ليلى " بعنف، وكأن الهواء صار أثقل من أن يدخل رئتيها وكأن قلبها عاجز عن استيعاب الحقيقة التي لم تتخيلها يومًا.

+


رآها تتراجع، لكن هذه المرة لم يسمح لها بذلك ..
اقترب بثقل من عاش عمرًا وهو يسير في العتمة، 
اقترب ليقول بصوت مبحوح، يحمل رجاءً مكلومًا:

+


- حرموني منك ١٥ سنة عشان كدبة اتـقـالتـلك... !!

+


ثم ارتفع صوته دون أن يُدرك يطلق صرخة دفنت داخله طويلًا:

+


- عـارفة يـعني إيـه ١٥ سنة؟!! ١٥ سـنة عـذاب... ١٥ سـنة وجـع... ١٥ سـنة بحـالها عـايش عـلى ذكـرياتك وصـورك ورسـايلك وألعـابـك !!

+


كل حرف نطق به لم يكن سوى طعنة أخرى في قلبها، لكن الطعنات لم تكن متبادلة. 

+


وحدها كانت تشعر بثقل كلماته وبالندوب المحفورة في صوته زبالألم الذي كان وجعًا لم يجد دواءً طوال تلك السنوات.

+


رأته... رأته حقًا .. 
ليس فقط بعينيها، 
بل بروحها. 

+


لم يكن أمامها رجل يلومها أو يعاتبها بل طفل ورفيق فقد روحه حين فقدها.

+


انهارت دموعها أكثر ببكاءً لا تجد له وصفًا، بينما كانت عيناها تبحثان عنه؛ تبحثان عن الحقيقة الوحيدة التي يُمكنها أن تمنحها الخلاص من هذا الجحيم. 

+


همست بصعوبة بصوت بالكاد استطاعت إخراجه من بين شهقاتها:

+


- يعني... يعني إنت مكرهتنيش؟

+


سؤالها كان أشبه بجرح جديد فوق الجروح القديمة، 
لكنه لم يكن سؤالًا فقط؛ إنما أملًا هشًا في أنها لم تكن خطيئة في حياته.

+


اقترب منها أكثر ولم يتردد هذه المرة ولا يمنحها فرصة للهرب من الإجابة ، نظر في عينيها مباشرة وهتف بصوت أجش، صوت يحمل في داخله ألف قصة لم تُحكَ بعد:

+


- طيب .. طيب علميني إزاي أكرهك... !

+


صمت لوهلة، و أخذ نفسًا عميقًا يغوص داخل دوامة لا نهاية لها، ثم همس بتوسل جعل قلبها يرتجف:

+


- علميني إزاي أبطل أحبك من أساسه !

8


عندها لم تعد قدماها قادرتين على حملها، لم تعد قادرة على تحمل وزن كل هذه المشاعر ، غطت وجهها بيديها وهبطت تستقر أرضًا بإهمال ليُطالعها بأعيُن مُهتمه دامعة .. 

+


و كأن بتلك الدموع بدأت تتحرر أقفال روحه الحبيسة بصدره منذ سنوات .

+


وفي لحظة تهاطلت قطرات المطر الخفيفة، لتختلط بدموعهما وكأن السماء قررت أن تبكي معهما، وتشاركهما لحظة اللقاء الأول.

+


و بتلك القطرات أعلن ديسمبر عن قدومه..

+


ٰ

+


يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


| تنويه هام جدًا .. |

+


قرائي الكرام ، كونك مُتابع للرواية مهم يكون في تواصل بيني و بينكم بعيدًا عن كومنتات واتباد .
لو حصل ليا ظرف او تأجل موعد هعلن عن دا في مصدر ثابت ، لكم حرية اختياره ..

+


_ يا إما جروب الفيس بوك و هتلاقوا اللينك في وصف صفحتي على واتباد هنا و الجروب دا بيضمنا كلنا و بنتفاعل و نتناقش فيه. 
_ أو متابعتي على صفحة الواتباد هنا أقل شىء عشان لو نشرت تنويه من صفحتي يظهر عندكم التنويه دا و تعرفوا الجديد لإن بيبقى صعب بعض الشىء أرد على كل كومنت بيسأل عن الفصل .

+


شكرًا لحُسن قرائتكم، و أتمنى تتركوا ليا رأيكم .

+


و السلام على قلوبكم .

+


|| سُهى الشريف ||

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close