اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل السابع عشر 17 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل السابع عشر 17 بقلم سهي الشريف

17 | هـل تُـرانا نلتقي ؟


                                              
إن مسّنا الضّر أو ضاقت بنا الحيلُ
فلن يخيب لنا في ربنا أملُ

+


الله في كل خطبٍ حُسبنا وكفى
إليه نرفع شكوانا ونبتهلُ
من ذا نلوذ به في كشفِ كُربتنا
ومن عليهِ سوى الرحمن نتكلُ ؟

+


_ مِن قصيدة ابن عمر الضمدي .

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_السابع _عشر
#سهى_الشريف 

+


_ صلوا على شفيع الأمة ᰔ .
|| » متنسوش الفوت و التعليق بين الفقرات ، قراءة مُمتعة .

1


_ الفصل طويل و تقيل محتاج تركيزكم .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كانت "يـارا " لا تزال مشوشة الذهن، تسير بخطوات غير واعية داخل الڤيلا بعد أن هربت من الساحة وتوارت بعيدًا عن الأنظار حتى أرسلت لسائقها بمكانها ليأتي ووستقل السيارة مُبتعدة عن المكان .

+


ولأول مرة لم تفهم السبب الذي دفعها للهرب رغم أنها لم تفعل شيئًا خاطئًا سوى إرضاء فضولها.

+


وصلت إلى البوابة الداخلية، اجتازتها بخطوتين ثم توقفت فجأة عندما لمحت التجمع في الصالة ؛ كان الجميع ملتفًا حول شخص ما، وجو التوتر يخيّم على المكان،  حتى وقعت عيناها على "وردة " شقيقتها الصُغرى، جالسة على الأريكة تمُد ساقيها أمامها، وملفوفة بلصقات طبية مُتفرقة على قدميها ويديها ، بينما كانت "مريهان " تحتضنها بحنان، و"ممدوح " عند قدميها بملامح ممتعضة.

+


شعرت " يـارا " بصدمة تسري في جسدها، هرعت نحوهم بقلق بالغ وصوتها خرج مُرتجفًا:

+


- ورد!! إيه اللي حصلك؟!

+


رفع "ممدوح" رأسه إليها، نبرة ضيقه واضحة وهو يقول بحدة:

+


- أمك وافقت تروح الـ Set الجديد اللي لسه بيتبني ووقعت هناك.

+


لكن " يـارا " تجاهلته تمامًا، انحنت أمام "وردة" نظرتها مُسلطة على الجروح البارزة في ساقيها ، ورفعت وجهها ببطء نحو والدتها وسألتها بقلق مكتوم:

+


- إيه اللي حصل يا مامي؟!

+


كانت "مريهان" تمسح على شعر "وردة" برفق، لكنها تنهدت قبل أن ترد:

+


- وردة مخدتش بالها ووقعت .

+


أما "وردة " و التي كانت حتى الآن تكتفي بالاستماع، رفعت عينيها الواسعتين إلى " يـارا " ثم قالت بصوت منخفض واهن:

+


- أنا كنت واخدة بالي، بس الأرض مكنتش كويسة ووقعت فجأة...

+


لكن قبل أن تكمل، جاء صوت "ممدوح" القاطع يحمل نبرة صارمة توارت خلفها مشاعر أكثر تعقيدًا، ربما خوف، ربما إهتمام لكنه لم يكن حنانًا صريحًا:

+


- هو ده الاهتمام اللي بتديه لبناتك يا مريهان؟! دا الخوف اللي انتِ شايفاه كفاية عليهم؟!

+



                                      

                
كان صوته أقرب لصوت رجل يشعر أنه فقد السيطرة، لم يصرخ لكنه كان ثقيلاً، مليئًا بتوتر خفي لم يُلاحظه سوى من عرفه جيدًا ، لكن كلماته رغم أنها لم تحمل إدانة مباشرة، غرست إحساسًا عميقًا بالذنب داخل "وردة" .

+


الشابة التي في عمر الـثامن عشر ربيعًا والتي كانت منذ لحظات تحاول الدفاع عن نفسها، تقوست كتفاها، وغامت عيناها لم تكن تريد أن يسقط .

+


نهضت بسرعة مُتجاهلة وخز الألم في ساقيها، واندفعت خارج الصالة نحو غرفتها فوقفت " يـارا " للحظة، عيناها الزيتونيه تتأملان والدها الذي بدا وكأنه غير مُدرك للأثر الذي تركته كلماته .

+


شعرت بغصة لم تكن جديدة عليها، لكنها هذه المرة جاءت مع طعم مرّ من الإشفاق على "وردة" وبداخلها غضب لم ينطفئ تجاه والدها، لكنها رغم ذلك لم تستطع منع نفسها من أن تعاتبه، حتى ولو بنبرة خافتة:

+


- يا بابي... أنت بتخوفها كده بدل ما تطمنها .. دا مش حُب !

+


لم تنتظر ردًا ولم تكن تتوقع ردًا في الحقيقة ، فالتفتت بسرعة، وركضت خلف شقيقتها وقلبها يسبق خطواتها، وكل ما يشغلها الآن هو أن تصل إليها قبل أن يُغرقها الشعور بالذنب أكثر.

+


أخذت "مريهان" نفسًا عميقًا، تحاول الحفاظ على هدوئها رغم الانفعال المتزايد داخلها والتفتت إلى "ممدوح" ، بعينان تحملان خليطًا من العتاب والإصرار، ثم ردت بصوت ثابت:

+


- أنا مش همنعهم عن حاجة نفسهم فيها طالما مش غلط وهيسعدهم ، ورد كانت عاوزة تروح، وأنا وافقت لأن دي حاجة فرحتها.

+


ارتفع حاجباه بسخرية خفيفة، بينما نبرته حملت استنكارًا واضحًا:

+


- اعملهم اللي عاوزينه حتى لو ضرّهم؟! ده الصح اللي شايفاه؟

+


- أنا بحبهم يا ممدوح، وحبي ليهم مش معناه إني أحبسهم أو أحرمهم من تجربة حاجة بيحبوها، لازم يعيشوا ، يجربوا و ياخدوا فرصهم 

+


ضحك بسخرية باردة، وكأنه أمام معادلة يراها مختلة تمامًا:

+


- يجربوا؟ حتى لو التجربة دي تأذيهم؟ الحب مش تحقيق أحلام وخلاص، الحب إنك تمنعيهم عن الحاجة اللي ممكن تضرهم حتى لو هم مش شايفين كده !

3


اشتدّت قبضتاها فصوته كان يحمل منطقًا صارمًا لا ترى فيه أي مساحة للفهم ، فردّت بنبرة مشحونة بالعاطفة:

+


- وأنا مش بقول نرميهم في التهلكة! بس الخوف الزايد عن حده هو اللي ممكن يأذيهم، يخليهم يحسوا إننا مش فاهمينهم، إننا بنخنقهم بدل ما نحميهم .. !

+


أدار "ممدوح" وجهه للحظة، يمرر يده بين خصلات شعره القصيرة ثم عاد بنظره إليها وقال بجدية قاطعة:

+


- بس الحقيقة بتقول إن اللي حصل النهاردة غلط، البنت اتعورت، وبدل ما تفهمي إن ده كان قرار متهور، بتبرريه بحجة السعادة؟!!

+



        

          

                
لكن قبل أن ترد، جاء صوت قوي رغم نعومته، ليخترق الجدال القائم بينهما:

+


- ء، Enough!!

+


التفت الاثنان في نفس اللحظة نحو مصدر الصوت ، كانت " ليان" الصغيرة، تقف عند أول السلم ونظرتها تحمل مزيجًا من الانزعاج البريئ.

+


- بطلوا تتخانقوا شوية... مفيش حد فيكم فاهمنا أصلًا!

1


خيم الصمت على أرجاء الصالة، بمشاعر  عجزت عن أن تجد طريقها الصحيح للخروج.

+


نظرت "مريهان " إلى ابنتها الصغيرة، وعقلها يعيد صياغة كلماتها مرارًا 
"مفيش حد فيكم فاهمنا أصلًا!" 

+


هل هذا صحيح؟ هل أخطأت حين ظنت أن الحب يعني أن تعطيهم حرية الاختيار؟ هل كانت قاسية حين تركتهم يجربون الحياة بأيديهم؟

+


على الجانب الآخر، كان "ممدوح" يعتليه نظرات تائهة في الفراغ، لكنها كانت تحمل صراعًا داخليًا لم يعتد الاعتراف به ،هو يحبهم... يحبهم بقدر ما يستطيع، وربما أكثر مما يدرك ، لكن بالنسبة له الحب لم يكن يُترجم بالسماح والانفتاح، بل بالحماية حتى وإن بدت هذه الحماية قيدًا في نظرهم.

+


كلٌ منهما كان يرى الحب بطريقته.

+


"مريهان" رأت أن الحب هو أن تمنح أبناءها فرصة لاكتشاف العالم، أن تدعهم يخوضون التجارب التي قد تتركهم أقوى حتى لو سقطوا مرة أو اثنتين، أن يكونوا قادرين على اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، بينما تقف هي خلفهم، داعمة، ممسكة بأيديهم عند الحاجة دون أن تجرهم للخلف.

+


أما "ممدوح " فقد رأى أن الحب هو الدرع الذي يحميهم من السقوط من الأساس، هو أن يسبقهم بخطوات، يرى المخاطر قبل أن يلمحوها، ويمنعها عنهم حتى لو لم يدركوا وجودها ، كان يخاف عليهم لدرجة أنه لم يستطع أن يمنحهم المساحة ليرتكبوا الأخطاء، لأن الأخطاء في نظره قد تكون مُكلفة.

2


وربما... رُبما لم يكن أي منهما مُخطئًا.

+


ولكن الأهم من كل ذلك... أن كلاهما كان يخاف ..
كلاهما كان يُحب..
ولكن... بطريقته .

+


أما عِند الشقيقتين ؛

+


سارت " يـارا " في الممر بخطوات هادئة، تتابع صوت شهقات " وردة" التي لم تكن تخطئها أبدًا ،كانت تعلم أن شقيقتها تكره أن يراها أحد وهي تبكي، تكره أن تبدو ضعيفة أمامهم .

+


وقفت للحظات قبل أن تطرق الباب بخفة، ودفعته برفق ودلفت .. و في الزاوية، فوق الفراش كانت " وردة" جالسة تحتضن وسادتها، تُحاول أن تكتم صوتها.

+


"وردة "مثل زهرة ناعمة، يكفي أن تهب عليها نسمة عابرة لتجعلها ترتجف ، لم تحتج يومًا إلى صرخات أو كلمات قاسية لتنكسر، بل كانت هشاشتها تكفي لجعل أقل كلمة تُقال بحدة تبدو كجرح عميق في قلبها.

2


لم تكن تبكي فقط لأنها تألمت من السقوط، بل لأنها شعرت أن الجميع يراها ضعيفة، مُنذ لحظة إنقاذها و حتى وصولها لوالدتها ، نظرات والدها الذي حملها مسؤولية ما حدث، أو أن والدتها ربما أشفقت عليها أكثر مما احتوتها، وأنها لم ترد أن تكون "عبئًا" على أحد.

+



        
          

                
كانت تعلم أن "وردة" لا تحتاج إلى كلمات كثيرة الآن، بل إلى شيء بسيط جدًا... أن تشعر أن هناك من يفهمها دون أن تشرح، من يحتويها دون أن يطالبها بأن تكون أقوى مما هي عليه.

+


اقتربت حتى جلست بجانبها على السرير، فقط مدت يدها بلطف نحو شعرها، ومررت أصابعها عليه بحنان نادر الظهور.

+


ثم قالت بصوت خافت، حمل كل الدفء الذي افتقدته " وردة "في هذه اللحظة:

+


- لو عاوزة تعيطي، عيطي بس في حضني ، متخليش المخدة تمسح دموعك، أنا أمسحهم ليكِ .

+


ظل الصمت بينهما، فقط أنفاس "وردة" المُتقطعة كانت تملأ الفراغ ؛ ثم رفعت الصغيرة رأسها ببطء، نظرت إلى شقيقتها وارتمت في حضنها دون أي مقاومة.

+


كان المشهد بسيطًا لكنه كان وعدًا أيضًا، وعدًا بأن " يـارا" مهما كانت صلبة مع الجميع، ستظل دائمًا لينة حين يتعلق الأمر بأختها.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


نبست "هَـنا" بكلمة واحدة فقط:

+


- ماما؟!

+


ألتفتت "سناء" رأسها تجاهها وقالت:

+


- هَـنا؟!

+


اقتربت "هَـنا" و"ليلى" منها، وسألتها "هَـنا" بتعجب و هي تلتفت في الفراغ حولها :

+


- بتعملي إيه يا ماما برا في الوقت دا؟!

+


ابتسمت "سناء" بابتسامة خفيفة، ولكن كان فيها ارتباك واضح ثم قالت:

+


- مفيش يا حبيبتي، كنت بكنس قصاد الشقة.

+


ابتسمت الفتاتان بإدراك، ثم قالت " سناء ":

+


- طب ادخلوا يا بنات.. ادخلوا.

+


دخلت "سناء" أولًا تلتها "هَـنا" لكن قبل أن تضع "ليلى" قدمها داخل الشقة، توقفت للحظة التفتت حولها وأخذت نظرة فاحصة للمكان، وكأنما شعرت بشيء غير مريح في الجو، لكن سرعان ما تجاهلت هذا الشعور ودخلت ثم أغلقت الباب خلفها.

+


أما على بعد ليس ببعيد، تحديدًا على درجات السُلم للطابق العلوي، كانت "أمينة" تراقب الموقف بأعيُن متسعة غير مصدقة، واضعه كفها على خِصرها والآخرى تقبض بها على إطار الدرج قبل أن تهمس بصوت غيظ:

+


- يا سبحان الله، يخلق من الشبه أربعين فعلًا، نسخة حنان في شبابها.

+


ثم تابعت بنبرة حانقة وحاقدة و هي تتذكر شقيقتها :

+


- كانت ملففة الشباب حوالين منها، بس مكنتش بتعبر واحد فيهم بجزمتها حتى.

2


أخذت نفسًا عميقًا وأكملت كلامها بنبرة مشحونة:

+


- ويوم ما حد حبها بجد، سابته و خدت قضاها المستعجل ما هي خايبة.

1


عادت ببصرها تجاه الباب الذي دلفت من خلاله "ليلى" وقالت بنبرة أكثر حدة:

+



        
          

                
- و مش بعيد بنتك نهايتها يبقى نفس الخاتمة.

1


ثم أضافت بحذر تحاول تقمُص صورة الأم الحريصة، بينما كانت خطواتها تتسارع على السُلم:

+


- بس لما أبعد ابني عنها بس.

5


قالت كلمتها الأخيرة، وارتقت درجات السلم.

+


عجيب هذا التناقض، 
كِلا العلاقتين تربطُهما دماء ؛ لكن أحدهُم قرر جعلها ماءًا بل وأخف .

+


أما عند أمينه ...

+


دخلت الشقة بصوت خطوات خفيفة، لكنها كانت تحمل في قلبها غيظًا لا يوصف ، ثم توقفت في صالة المنزل وأصغت لأصوات قادمة من غرفة ابنها ، همسات خافتة بالكاد سمعتها، لكنها تعرف محتواها و كانت كافية لتشعل نار في صدرها.

+


اقتربت من الباب وعينيها تشتعل بنظرة حانقة، ثم فتحت الباب فجأة بكل عنف، واشعلت الضوء لتجد ابنها "كريم " مستلقيًا على الفراش، يضع الهاتف على أذنه، يتحدث بصوت منخفض.

+


انفجرت "أمينة" بغضبها الذي كان يغلي في صدرها، وقالت بنبرة مليئة بالاحتقار:

+


- الله يخيبك أكتر ما أنت خايب!

+


انتبه "كريم" لها ورفع عينيه للحظة في صدمة، فأغلق المكالمة فورًا و نظر لوالدته التي أشعلت الأضواء و قال لها :

+


- في إيه يامه ! حد يدخل على حد بالمنظر دا !!

+


- لا حوش على منظرك العدل يا حيلتها ، خايب وطول عمرك هتفضل خايب ، بس هتجيبها منين !!

+


قالت عبارتها الأخيرة تُشير لمغزى فهمه جيدًا ، ليتأفف ذرفًا و يهتف :

+


- آيوه برضو دخلالي الدخلة دي و جايبه سيرة أبويا في تربته عشان إيه يعني !!

1


هتفت " أمينة" بكل حقد في قلبها، تقدمت خطوة نحو السرير، ونظرت له للحظات كما لو كانت ستنفجر.

+


- أنت مش شايف نفسك قاعد بتعمل إيه ؟! كل ما حاولت أصلح فيك و أعملك بني آدم مُصر تبقى زبالة .. 

+


زفر " كريم " نفسًا بغيظ مكتوم و هتف :

+


- يا مطولك ياروح ! عاوزة من أهلي إيه إنت دلوقتي!!؟؟

+


جزت على أسنانها و هتفت :

+


- يقطعك إنت و أهلك و اليوم إلي شفتهم فيه ! 

2


ثم تابعت كلماتها كالرصاص:

+


- قاعد تتسهوكلي مع دي شوية و مع دي شوية طول اليوم! وأخرتها رحت جريت ورا بنت الحرام تقولها بحبك!!

+


نهض "كريم" من فراشه ووجهه احمر من الغضب، كل كلمة من لسان والدته كانت بمثابة عاصفة في وجهه:

+


- بقولك إيه! مش كل يوم نفس الكلمتين إللي سمموا بدني دول...

+


ثم غادر الغرفة مُتأففًا بحنق دفين، كلما حاول إخماده زادت هي من بُغضها وسلوكياتها العنيفة، حتى أصبح بينهما جدار سميك من الجفاء.

+



        
          

                
لم تمر سوى لحظات حتى سمعت صوت الباب يُدفع بقوة، ليخرج "كريم" مُتاففًا، ساخطًا، يلعن كل ما يمر أمامه عينيه، وكأن العالم بأسره مسؤول عن ألمه.

+


جعلت منه شخصًا مُضطربًا، مُعنفًا، غليظًا، والأدهى من ذلك... مُدمنًا.

1


نعم كان "كريم" يسير هائمًا على وجهه، لا يلتفت، يعرف وجهته جيدًا ، كان يخطو نحو مكان يعرف أنه بعده سيغيب عن الوعي لعدة ساعات، فقط ليشعر بنشوة مؤقتة من تلك الرذاذت التي يسحبها بمهارة، ليمحو عن نفسه آلامه، و ربما تكون تلك الساعات هي لحظات راحته الوحيدة.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


ما أثقل الليل بظلامه على قلوب كانت ترتجي الضوء في كل زواياها، حتى أصبحوا لا يعرفون أكانت هناك شمس تُشرق يومًا أم أن الأُفق كان أعمى ! 

+


خطى " آسر " بخطوات ثابته مُثقلة داخل باحة منزله ، تتقدمه خطوات والده الوقورة تسبقه دقات عُكازه على الأرض . 

1


يوم آخر ينضم لتاريخ من الأيام التي تحاول استنزافه، ليعود كل يوم لمواصلة ذات التسريب إلى أجل لا يعلم ما نهايته . 

+


مُجرد أن استقر داخل الڤيلا ، حتى هرولت إليه خطوات يعلم هوية صاحبها، لتتوقف " مليكة " أمامه و رفعت رأسها لأعلى و تلك الابتسامة الرقيقة التي تُزين خديها المُتوردان . 

+


أما هو مجرد أن لمح ركضها حتى تلاشت همومه للحظات، وانخفض أمامها يُبادلها تلك الابتسامة الحنونه التي لا يُخرجها لأحد ، ليس و هو مُعرض للطعن من الجميع ، نسى كيف يبتسم وكيف يطمئن ، لكن في حضورها يشعر بكونه يتخلص من قيود مسؤوليته. 

+


يضُمها له ليُسكن جوفها وهو بحاجة لهذا السُكن، 
عهد قديم آخذه على نفسه ، مادامت الروح في الجسد ، فـ روحه عن روحها لن تزول ، سيحميها من أذى الدُنيا و فجائعها، من بطش البشر وتكبُرهم ، من اضطرابات الزمن وعواصفه. 

+


هي تجسيد للآثر المُتبقي من عزيزٍ ولى ، من رفيقة روحه الأعز ، و من الشخص الوحيد الذي رأى روحه من داخلها و احتواها. 

+


مسح عُبرة كادت تفر من عيناه حُزنًا عليها ، لم تُشفي الأيامُ جراحه ، بل ظلت رطبه ، تُذكره بكونه إنسان ، تألم و سيتألم ، و ستصنعُه الآلام شخصًا هشًا . 

+


هتفت بصوت رقيق خافت حين لاحظت سكونه : 

+


- أنا خدت English و عربي النهاردة .. 

+


كانت تسرد على مسامعه ببساطة ، هذا هو ما يدور كونها حوله ، ببساطة لا تعرف عالم غيره ، آخرجها من بين ذراعيه و بلمسه رقيقة على وجهها هتف : 

+


- و فهمتي كويس ؟! 

+


أومأت برأسها بسرعه و لهفه ، فابتسم بخفة و كمّ اسعده حماسُها ، لتُكمل متسائلة : 

+


- مس ميار هتيجي إمتى ؟! 

3


بهتت ابتسامته بهدوء وهو يتأملها و يتأمل سؤالها ، يعبث بداخله على إجابة مُرضية لها ، ليُسافر عقله على آخر لقاء جمعه بذكراها .. تحديدًا جمعه بشقيقها . 

+



        
          

                
كان " آسر " خارج من مركز الشرطة ، و لم يصل بعد لسيارته حتى وصل له رنين هاتفه و كان المُتصل هو .. " ريان " . 

+


شعر بانقباضة في صدره و علم أن موعد المواجهة قد حان . 

+


بعد دقائق عديدة وقف على ذلك السطح المُنبسط الفسيح ، تقدم إلى حوافه يرمي بصره على مُحيط المُستشفى ومظاهر المباني المُنمقة أمامه ، ضيق عيناه قليلًا و وضع يداه في جيب بنطاله بشرود . 

+


كان يقف بثبات يُنازع اتجاه الرياح المُعاكس له ، يُعزز جذوره في الأرض يُجابه تحديها ، حتى شعر بخطوات قريبة ، كانت كما خطواته الثابته تواجه تلك العاصفه .. لكن يبدو أن عواصف ذواتهم كانت الأعتى حينها . 

+


لم يُغير اتجاهه ، ظل شامخًا كما هو ، حتى أصبح هو بمُحاذاته، كتفٌ يُجاور الكتف ، و طولٌ يوازي الطول ، و أرواح جمعتهم الظروف قبل أكثر من خمسة عشرا عامًا. 

+


كانوا حينها في المرحلة الإعدادية ، كان حينها اللقاء الأول ! 

+


شخص رزين و حكيم ، و آخر حاذق و عنيد ؛
كان اجتماع النقيض بالنقيض، و لكن على خلاف كل الثوابت الفيزيائية لم يحدث النفور . 

+


على العكس، تألفت الأرواح، فاندمجت الصفات، ونشأت بينهما صداقة متينة، عززها الزمن وثبتتها المواقف. 

+


كانوا يتأملون نفس المظاهر، لكن عقولهم كانت شاردة في مكانٍ بعيد . 

+


دون أن يلتفت له أو يرف له جفن ،وبقبضتان داخل جيب بنطاله تحدث " ريان " : 

+


- ميار قالتلي على إلي حصل .. 

+


عبارة لم يصعُب عليه توقُعها ، لكنهُ آثر الصمت في انصات : 

+


- و إلي هي نست تقوله .. إننا رافضين المبدأ دا من أساسه.

+


قالها هو ، و استمع لها الآخر ، لكن الثبات مازال سيد الموقف، حتى تابع الأول : 

+


- أما إلي أنا هرفض عشانه ؛ إن مشاعرك هتدخل في الموضوع ، يا آسر .

+


رفع " آسر " ذقنه لأعلى قليلًا بينما مازالت عيناها تطوفان العالم حوله : 

+


- تقصد إني هأثر عليها بمشاعري ؟! 

+


- آيوه . 

+


قالها صريحه دون تغليف بالمُجاملة ، وصلت للطرف آخر و للحق هو لا يُنكرها ، ليستمع له يُتابع : 

+


- أنا مش عايز أي تأثير منك عليها، و مش عايز أي احتكاك يجي بينكم نتيجة لمشاعرك يا آسر. 

+


ابتسم " آسر " باستنكار خفيف قبل ان يسأله : 

+


- يعني إنت شايف إني مشاعري ممكن تأثر عليها ؟! 

+


ألتقط " ريان " مقصده الخفي ، كانت إقرار منه بعاطفية شقيقته ، و إنها رغمًا عنها قد تنجذب لمشاعر الذي لا يعلم كيف يُخفيها.. و هذه قضية آخرى تحتاج لتحقيق ، 
لما يا رجل لا تتحكم في مشاعرك ؟! 
أتٌمسك أمور أعلى المناصب في الشركة و أمام قلبك تتفلت منك زمام الأمور !! 

+



        
          

                
ما أعجبك يا إنسان !
بل ما أعجب أفاعيل الحُب في الإنسان . 

+


- أكيد ، هي في بيتك ، و مشاعرك كده ولا كده هتتحكم فيك في الآخر . 

+


نبسها " ريان " و هو يشد على كل حرف يقوله ، بينما " آسر " رفض الإقرار بتلك الحقيقة ، رفض أن يظهر للجميع بعدم قدرته على إخفاء مشاعره تجاهها ، فنبس قائلًا بنبرة جادة : 

+


- و دا إزاي بقا ؟! 

1


تنفس " ريان " بعُمق و سكن للحظه يزن كل كلمة قبل أن يرسلها لأذنه : 

+


- لو فكرت فيها حتى ! هي يبقى موقفها إيه لو عرفت بعدين إن إنت بتحبها وجايبها البيت عندك ؟! ساعتها هل هي و لا عيلتي و لا عيلتك ولا المجتمع هيفكرو بس إنك جايب معلمة لبنت أختك البيت ؟! 

+


سكن للحظة يتردد في كلماته قبل ان يبوح بها : 

+


- أكيد لأ ،الناس مش هتسمي عليك ، و هيفكروا فيكم ، و تحديدًا فيك تفكير شمال .. و أنت فاهم قصدي . 

+


ابتلع " آسر " غصة صاحبت إدراكه لكلماته ، ليُردف " ريان " بعدها و قد هاجت مشاعره بعض الشئ : 

+


- أنا مش هقولك إنت في وضع مجتمعي و إسم و مكانة، ولا أقولك إن عيلتي في وضع و إسم مكانه تخليهم ميقبلوش فضايح زي كده، بس أنا بكلمك من ناحية دين وشرع وحدود. 

+


سكن لوهله يُرتب الكلمات التي تحاشرت في صدره ، يُريد أن يحمي شقيقته و في نفس الوقت أن يحمي صديقه من الانجراف وراء مشاعر قد تؤدي به للتهلكة حقا .

+


رغم انحياز جانب من صدره لشقيقته رغمًا عنه ، لكنه يرى في صديقه الضياع و أولى عتبات الفتن ، و هُنا نطق العقل الناصح الرشيد : 

+


- غلط جدا إن يبقى في بينكوا أي إحتكاك خالص، عايز فعلا تكون برا المشاعر دي نهائي حاول إن بنت أختك تقابلها برا في مكان تاني ، تقابلها في المدرسة، تقابلها حتى لو في البيت عندنا ، بس احتكاك مباشر بينك و بينها دا باب فتنة عظيم إنت مش قده .. و مش هتقدر تبقى قده ... 

1


سكنّ لبُرهة و تأمل السماء و تلك الآية تتخبط في صدره حتى تلاها أمامه و نفسُه الرشيد تُملي عليه النُصح : 

+


- ربنا بيقولك ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ، الشيطان مش هيقولك أعمل الكبيرة مرة وحده، هيزينها ليك بخطوات بسيطة لحد ما تلاقي نفسك عملت كبائر و انت مش داري .. 

+


مازال مُنصت ، بجوارحه و كيانه ، يتأمل أمامه لكن .. بنظرات أقل حِدة ، أقل اندفاع و أكثر تأثُرا .. 

+


ألتفت إليه " ريان " مُنذُ أول اللقاء ، يتأمله بعينان كلها شفقة ، ليُردف : 

+


- أنا مش واقف قدامك هنا عشان أقولك إنك وحش ، أو واقف قدامك عشان أقولك إن أنا ملاك و مبغلطش ، بس الصلاح بيصلح كل حاجة و ما بُني على باطل فهو باطل . 

+



        
          

                
اطبق " آسر " على أهدابه بهدوء ثم فتحها ، مازالت عيناه هائمتان في الوجود أمامه ، ليستمع له يقول و كأنه يُناشده : 

+


- صدقني مش من مصلحتك ولا من مصلحتها ، إن أمورك تمشي بالشكل ده ! 

+


كان يرف بجفونه ببطئ ، يبتلع غصة مريرة بعد كل عبارة له ، و مازال " ريان " يُطالعه و يُتابع : 

+


- أنا عارف يا آسر إن إنت أكتر واحد في الدنيا بتحبها، بس أنا أكتر واحد في الدنيا مقدرش أوعدك إنها تكون ليك .. 

2


و ها قد أصاب صدره بمهارة ، نفس العبارة تتداول على مسامعه بطُرق و معاني مُختلفة ، 
و النتيجة؟ 
لا وعد لك عندي .. 

+


لا بُرهان أضمن لكَ ملكيتك فيها ، 
و لا عربون قيد أُثبت استحقاقك بها .. 
فقط لا شىء .. و ما أصعب " الاشىء " هُنا .. 

+


- عندك حق . 

1


كانت الكلمة الوحيدة التي نبس بها بعد أن ظن أنهُ مكث دهرًا صامتا، و ما أصعب أن تصارع واقعًا يُخالف رغبتك . 

+


رفع " ريان " كفه ووضعه على كتف " آسر " ليلتفت له الأخر بهدوء يُطالعه و هو يقول : 

+


- حبيت الكلام ده يكون بيني وبينك قبل ما أخد أي خطوة أو أحكيلها أو أديلها ردي ، أو حتى أقول لأبويا .. 

+


ثم شدد على كتفه و قال بمُناشدة لجزءٍ صالح يعلم أنه موجود بداخله : 

+


- أرجوك ، أنا مش عايز حُبك يعميك عن الصح ، مش عاوز مشاعرك تعميك عن الطريق الصح يا آسر . 

+


بينما " آسر " كان يستمع له بملامح واجمه و عينان واهنتان ، ليؤمأ برأسه هاتفًا بصوته الاجش : 

+


- متقلقش ، معاك حق . 

+


كان نبرة خاوية من كل مظاهر الحياة، و كأن داخله أرض قاحلة توقف صاحبها عن ريّها.. و كانت مشاعره لها هو ما يروي بها دواخله. 

+


هتف بنبرة هادئة وحيدة ، كأنه يٌخرج قلبه من المُعادلة برجاء آخير ، و آخر قشة يستند عليها في دُنياه، أن تحيا إبنة شقيقته بهناء . 

+


- بس أرجوك ، خلي ميار هي إلي تدي مليكة .. أنا منكرش إن ميار أثرت عليها ، و أنا مفيش حاجه أعز عليا من مليكة . 

+


ثم ابتلع غصة نهشت حُنجرته و صوته المكلوم الذي تسلسل لصدر " ريان " بألم و هو يتأمل لمعان عيناه و الألم الذي ينبثق منهٌما و هو يقول : 

1


- دي الحاجة الوحيدة إلي بقيالي من أختي .. و أنت عارف يعني إيه أخت . 

+


يعرف ، و يعرف جيدًا ، و يُقدر آلامه و حشرجات صدرهِ كبتًا على شقيقته ، يتألم من رؤية الحزن في عيناه يقتنص من بريقهِما شُعلة تلو الآخرى ، يعلم إنه تائه داخل نفسه ،هائم على وجهه في عواصف الحياة . 

+


لكن أ بي اليدِ حيلة ؟
أ بي نفوذِ البشر نلوذ و نلتجي؟!
أم لنا ربُ قريبٌ سميعُ المُرتجى ؟! 

+



        
          

                
- عاوزك تستحمل يا آسر ، عاوزك تقوى قُصاد إلي جاي ! عاوزك ترجع لربنا تاني و تروحله و تشكيله .

+


ثم ابتسم " ريان " و ابتهجت ملامحه بصدق و حرص كبيران و هو يُتابع : 

+


- تعالى عندي النهاردة العشاء ،هكون بصلي في الجامع إلي جمب البيت ، اسمعني و شوف الناس هناك عاملين إزاي ، مش هتخسر حاجة بس إيدي نفسك فرصة و حاول .. 

+


كان " آسر" ينتقل في بصره بين عيناي " ريان " ، تلك العينان التي لم يلمح بهما خُبثًا أو شرًا قط ،كانت نظرة في عيناه تكفيه بأن يتنفس مُطمئنًا أن العالم مازال بخير ، رمش بأهدابه عدة مرات ، و انفاسه بدأت تتزن في زفيرها و كأنها تستكين بسماع صوته و الذي تابع بعدها باهتمام جلي: 

+


- أنا شايفك متلخبط وشايف الضياع اللي في عينك ،لحد إمتى هتفضل كده؟ لحد إمتى يعني؟! .. إنت مش كده ، و عمرك ماكنت كده .. 

+


بينما لم يجد " آسر " ما يقوله سوى ان خرجت عبارة منه بصوت مُتحشرج قاوم أن لا يخرج ، لكن غصة مريرة ابتلعها طعنت سيوفًا في حُنجرته و هو يرتجيه : 

+


- أدعيلي يا صاحبي.. أدعيلي .. 

+


رق قلب " ريان " لنبرته ، قوس حاجباهُ تأثرًا ، و لم يجد سوى أن شدّ على كتفه يضُمه لجسده، 
لم يقاوم ،بادله " آسر " العناق ، يرى العبارات تتراقص أمام عيناه ، يُجاهد أن لا يُحررها، بينما يشعر بتمسيد كف " ريان " على ظهره بحنو يُخاطبه: 

+


- بدعيلك يا صاحبي ، بدعيلك والله .. 

+


كانوا نقيضين منذ البداية، 
عقل وقلب، 
هدوء وانفجار، 
لكن رغم كل الفروق، لم يتنافروا يومًا. 

2


هذه الصداقة لم تكن وليدة يوم أو لحظة، كانت نتاج سنوات من الانكسارات، من الصراعات، من المواقف التي عززت كل حجر في جدرانها. 

+


لكن الآن هذه الجدران تهتز، وها هو "ريان " في دوره الأبدي كحارس لصديقه، يحاول أن يمنعه من الانجراف إلى هاوية لا يعلم لها قرارًا. 

+


أما "آسر" لم يُنكر شيئًا، لكنه لم يُقر بشيء أيضًا ، كان صوته حين تحدث أشبه برجل يُعلن استسلامه أخيرًا، ليس لخصمه، ولكن لذاته، لمصيره الذي يخشى مواجهته. 

+


خرج من زوبعة أحزانه على لمسات أناملها تحت عيناه ، كانت تمسح برقتها دموع تلألأت على أطرافِ جفونه ، طالعها باندهاش لكنها كانت ساكنه تُبادله الابتسامة برقة . 

+


لا يعلم كم ظل شاردًا على حالته تلك ، فضمها لجسده و اعتدل واقفًا يتجه بها نحو غرفتها ، يبيت معها ، يؤاز منامها، و يُطمئن جوفها الخالي .. 

+


جوف سكنهُ الهجرُ باكرا .. لا يستطيع حتى تخيُل ما تُكابده، ليس و والداه مُنعمان جانبه . 

+


و لكن لأول مرة ، يستحضره تأمل حنون ، تذكر شئ .. آيه .. نعم آيه . 

+


أخرج هاتفه من جيبه بهدوء بينما بيده الآخرى يلتف بها حول جسدها ، لم يكُن يتذكر الآيه جيدًا لكنه دخل على مُحرك البحث و كتب ما يتذكره عن الآيه . 

+



        
          

                
حتى وجدها ؛ دلف لمقطع فيديو كان عنوانه " و قضى ربك الشيخ ياسر الدوسري ". 

+


فتح المقطع و إذا بالشيخ يتلوا تلك الآيه بصوتٍ أجش مُرتل ، سلب قلبه ، و الذي يُقسم أنهُ للتو فقط تذوق حلاوتها . 

+


قال الله تعالى ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ 

+


كان الشيخ يُرتلها بخشوع ، يُكرر موضعًا تلو الآخر ، خاصةً ﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾ التي أعادها الشيخ مرات عديدة أجفلت قلب " آسر" و أدخلته في هالة لم يود أن يخرج منها ، و حين انتهى المقطع أعاده مره آخرى ثم مره آخرى. 

+


رفع بعدها بصره تجاه أعلى اليمين ، تحديدًا عبر نافذة غُرفتها ، يرى عبرها ذلك الطاووس المُتغطرس بضيائه، لم يمنع نفسه بأن يهمس بعبارات حملت كل كيانه ... 

+


أنظرُ إلى القمرِ كلَّ ليلةٍ من بعيدِ 
وأذكرُ حبيبًا كان في يومٍ قريبِ 
توارى كضوء الفجرِ عن عينيّ 
و غدت نجوم الليل في وضحٍ قريب 

+


حينها أدركتُ؛ 
ما أقربَ القمرَ وهو في السماءِ بعيدٌ 
وما أبعدَ الحبيبَ وإنْ كانَ يومًا قريبُ 

+


و حين شعر بأن عبرةً توشك أن تنساب من مُقلتيه، أغمض أهدابه سريعًا، محاولًا تهدئة جوفه الذي هاجت فيه أمواج المشاعر، تصطدم بعنف بجدار قلبه. 

+


رفع أهدابه ببطء، ليجد هاتفه لا يزال متوقفًا عند المقطع المُنتهي، وبينما همَّ بإغلاقه، لمح بطرف عينيه مقطعًا آخر أسفله بعنوان "سورة الإسراء بصوت الشيخ ياسر الدوسري" - الآيه من سورة الإسراء - و دون تفكير، وجد أصابعه تنقر فوقه، ليبدأ صوت الشيخ العذب في الترتيل. 

+


وضع " آسر " هاتفه بجانب رأسه، ثم انزلق برأسه ليستقر في منتصف الوسادة، مستسلمًا لصوت الآيات الذي بدأ يتغلغل إلى أعماقه شيئًا فشيئًا، و انخفضت أهدابه باستسلام، حتى غاب في النوم، فيما استمر الترتيل ينساب بهدوء في الخلفية.

1


استسلم !
أ سيفعل ؟!

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


هاوي درجات بُخارية،
وأستاذ جامعي . 

1


ما الذي يمكنه أن يجمع بين اثنين كهذا؟
كيف يمكن أن يكون شخصًا يلبس قناع العلم صباحًا، وقناع التمرد بعد غروب الشمس؟ 

+


هل هو الهروب من الزمن الضاغط؟
أم هو البحث عن توازن غير موجود؟
أم أنه مجرد فوضى في الذات، 
حيث يلتقي العقل المجتهد مع الروح الضائعة في الزمان؟ 

+


خلف هذا التناقض يكمُن الألم المميت، 
ألم فقده، 
ألم الفراغ الذي ينهش قلبه كالسوس. 

+



        
          

                
ألم الخسارة التي يُخبئها في أعماقه، 
تلك الندبة التي تُذكره كل يوم أنه نجا من ماضيه، 
لكنه لم ينجُ من عذاب ذكراها. 

+


هل هو هروب أم بحث عن جواب؟
أم رُبما هو التوازن بين الألم والهواية، 
بين الإرادة والمقاومة؟ 

+


عندما دخل "يوسف" المبنى السكني، كانت الأضواء خافتة، والجو مشحون بالحزن و لم يكن يُفكر في شيء سوى في تلك اللحظة التي كان فيها يحتاج إلى شيء واحد فقط... حضنها.

+


وصل أخيرًا إلى باب الشقة، وعندما دخل لم يكن في حاجه لأي كلمات، فقط كان في حاجة إلى لمسة واحدة، كلمة واحدة، قادرة على تهدئته ، لكن صوت والدته كانت تنتظره بصبر يكفي : 

+


- يوسف! كنت فين يا حبيبي كل ده؟ قلبي واكلني عليك يا قلب أمك. 

+


قالتها " هند " بصوت قلق، صوتها الحنون الذي لم ينساه يومًا ، لكن كلماتها لم تجد طريقًا إلى قلبه المثقل بالحزن ، وقف أمامها في صمت لثوان ، عينيه غارقتين في الوجع الذي لا يستطيع الإفلات منه. 

+


لم يستطع أن يتحمل، زفر نفسًا ثقيلًا ثم قال بصوت غارق في الألم: 

+


- احضنيني... احضنيني يامه ... 

+


و سرعان ما اقتربت منه والدته ، ضمت جسده المتعب إلى صدرها، وكأنها تحاول أن تمتص آلامه. 

+


- قلب أمك... بسم الله عليك يا حبيبي... اهدى يا حبيبي، اهدى.. 

+


أغمض عينيه مرة أخرى يهرب من ذاكرته المريره بينما هي مسدت على ظهره  : 

+


- متوجعش قلب أمك عليك كده يا يوسف، أومال ! ... لو أنا مش قادرة أخفف عنك، من يقدر؟ 

+


كان السؤال يُلِمّ قلبه بشكل أعمق، فكأنما كانت كلماتها تشعره بأنها هي الوحيدة التي تدركه، ولكن حتى هي لا تستطيع أن تُريحه. 

+


قال بصوت يكاد يُسمع: 

+


- هي وحشتني... أنا حلمت بيها... 

1


أغمضت عينيها واحتضنته أكثر، ثم همست: 

+


- الله يرحمها... ادعيلها يا يوسف، هي مش عاوزه غير دعائك... لو كانت هنا مكنتش حبت تشوفك زعلان كده. 

+


يده تمسك بكفها ويشعر بأن الدنيا تدور حوله، لكنه في تلك اللحظة فقط يشعر بأن العالم يظل واقفًا في مكانه ،ثم همس بنبرة مكسورة: 

+


- اتحرمت من حضنها بدري أوي يامه... 

+


قالها بغصة جرح لم يندمل أبدًا.

+


كان يراها، 
كان يشعر بها في كل زاوية، 
ولكنها كانت بعيدة جدًا، 
لدرجة أنه لا يستطيع الوصول إليها. 

+


فأمسكت وجهه بين كفيها ، وعيناه مليئتان بالألم، بينما كانت هي تذرف دموعها بهدوء، تتمنى لو أنها تستطيع أن تزيل الألم عنه بكل قوتها. 

+



        
          

                
- يا قلب أمك، بس يا يوسف، بس... متوجعش قلبي عليك أكتر من كده... 

+


كانت تراها بملامحه ، برجفة جفونه ، بهمسات شفتاه ، ترى ذكراها كطيف يحوم حوله .. طيف والدته الغائبة. 

9


───────────────── ˖.˚⋆ . 

+


انسدل الليل بثقله على جفون النائمين، إلا عينين ظلّتا ساهرتين في جوف السحر. 

+


كانت " هَـنا " تستلقي في منتصف فراشها، يلفّها السكون، بينما عقلها يعيدها إلى تلك الليلة المريرة التي لا تكفّ عن اجترارها كلما اختلت بنفسها. 

+


ذكريات لمسته على جسدها، قربه المستفز، فلم يرحمها عقلها من تصوير أسوأ التخيلات لما كان سيحدث لو اكتمل المشهد، المشهد الذي تُقسم أنه كان سينتهي بصراخها حتى تتمزق حبالها الصوتية. 

+


لمعت الدموع في عينيها تحت وشاح الظلام الذي أغرق الغرفة ،تذكرت كلمات شقيقها حين كان جالسًا بجانبها في سيارة الأجرة، عندما سألته عن سبب وجوده هناك، فأجابها: 

+


- كان في موظفة عندنا محجوزة في المستشفى كنت جاي أشوفها، ولما خلصت كنت ناوي أعدي عليكِ بس قالولي إنك مشيتي دلوقتي، رُحت وراكِ ألحقك نروح سوا، ولما خرجت ملقتكيش ، استغربت لأن مش هتغيبي بالسرعة دي، و سبحان الله كملت و طلعت على الطريق وقلبي كان مقبوض، سمعت صوت مكتوم فقربت... وشُفته مـ... 

+


عندها قطع كلماته وهو يطلق سبّة غاضبة، فيما لم تجد " هَـنا "ما تقوله، سوى أن تميل برأسها على كتفه تستمد منه الأمان، بينما هو ثبّت كتفه من أجلها.

+


خرجت " هَـنا " من شرودها على صوت تأوّهات متقطعة، همهمات غير مفهومة تتسلل إلى سمعها... 

+


لا، ليس مجددًا! 

+


استدارت بسرعة نحو الفراش الآخر حيث كانت " ليلى " مستلقية وقبضتيها مشدودتين على ملاءة الفراش، بجسد متصلّب وكأن شيئًا يُقيّدها، فيما تتنفس بصعوبة بينما تنزلق قطرات العرق على جبينها وكأنها تُصارع أحدهم في كابوسها. 

+


نهضت "هَـنا " واتجهت نحوها، احتضنت رأسها إلى صدرها وبدأت تربّت على كتفها برفق تحاول تهدئتها. 

+


هذه هي الليلة السادسة التي تزورها تلك التشنجات المرعبة، حيث تنكمش على نفسها ولا تهدأ إلا بعد أكثر من نصف ساعة من احتضان "هَـنا" لها، تتلوا عليها ما تيسير من سور القرآن حتى يسترخي جسدها تدريجيًا وربما ينتهي الأمر بأن تغفو "هَـنا" بجانبها حتى الصباح. 

+


وهكذا... بدت هذه الليلة أيضًا وكأنها نسخة مكررة من الألم. 

+


و لكن ما لا تعلمينه يا " هَـنا " ؛
أن من لم يجد الطُمأنينه وسط عائلته ، سيظل يرتجف للأبد . 

4


و لكن أي عائلة إمتلكت هي حتى ؟!

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+



        
          

                
دخلت "سناء" الغرفة بهدوء، تحمل في خطواتها دفء وابتسامة عذبة لا تفارق ملامحها، وما إن وقعت عيناها على الفتاتين المتلاصقتين على السرير حتى اتسعت ابتسامتها أكثر و اقتربت بخفة وهتفت :

+


- هــنـا ! لـيـلـى ! اصـحـوا يـا بـنـات.

+


ثم تقدمت نحو النافذة، فتحتها و سحبت الستارة ليتسلل الضوء إلى أرجاء الغرفة وهي تنادي بنبرة أعلى قليلاً:

+


- يا بنات ! يا هنا ! يا ليلى ! قوموا يلا عشان تفطروا.

+


ثم خرجت من الغُرفة و هي مازالت تُنادي عليهِنّ بين الفينة و الآخرى .

+


بدأت ملامح الحياة تدبّ في وجوه النائمتين ، تحركت " ليلى" أولاً ببطء تفتح عينيها نصف فتحة ثم لمحت ذراع "هَـنا" يحيط بها، فابتسمت بوهن وهمست:

+


- هو أنا كنت نايمة في حضنك طول الليل ولا إيه؟

+


تمتمت "هَـنا " في نومها، وابتسمت دون أن تفتح عينيها، ثم قالت بنعاس:

+


- أمم، أنا عارفة إنك عاوزة الحضن التاني، بس دا اللي متوفر.

1


قهقهت "ليلى" من قلبها، فأفاقت "هَـنا" ببطء، واعتدلت جالسة وهي تحدق فيها بمرح وقالت:

+


- انتي عاوزة من الحضن التاني يا قليلة الأدب صح !!

+


- لا.. لا والله.. لا أبدًا.

+


قالتها "ليلى" وسط ضحكات متقطعة

+


- لا؟ أومال إيه كل الضحك دا!!

+


ردت "هَـنا" ثم نهضت من الفراش متجهة إلى دورة المياه، وهي تحاول كتم ضحكتها، بينما "ليلى" تتابعها بنظرات مرحة، غير قادرة على التوقف عن الضحك.

+


بعد عدّة دقائق وقفت "هَـنا" أمام المرآة، وشعرها البني الغجري المموّج ينسدل حتى نصف ظهرها تعتني بخصلاته بعناية وهي تمرر أصابعها خلاله وتضع عليه مستحضرًا ترطيبيًا زاده لمعانًا و رُقيًّا. 

+


كان شعرها ينسجم مع بشرتها المخملية، وملامحها التي تتأرجح بين الرقة والحدة ، ملامح فريدة، تشد الأنظار إليها وتستحوذ على الانتباه، كأن القبول ينبثق من حضورها وحده.

+


دخلت "ليلى" إلى الغرفة بعدما خرجت من دورة المياه، ووقفت تراقبها بصمت تتابع حركات "هَـنا" بانبهار وهي تصفف شعرها بمهارة وتضفي على وجهها لمسات من العناية.

+


انتبهت "هَـنا" لنظرات "ليلى"، فالتفتت إليها بخجل وهي تضع مستحضرًا ترطيبيًا على وجهها، وقالت بنغمة خفيفة:

+


- مالك بتبصي كده ليه؟

+


ابتسمت "ليلى" بمحبة صافية:

+


- إنتِ جميلة ما شاء الله.

+


ارتسمت ابتسامة كبيرة على شفتي "هَـنا" حتى اختفت عيناها الواسعتان داخل وجهها، ثم أرسلت لها قبلة في الهواء عبر انعكاس المرآة وقالت:

+



        
          

                
- والله إنتِ اللي عسل ومليون عسل.

+


لم تفارق الابتسامة وجه "ليلى" وهي تراقب "هَـنا" تضع ربطة من القماش الملوّن فوق مقدمة شعرها، تاركة الخصلات الأمامية تنسدل بحرية، ثم ربطت طرفي الربطة أسفل شعرها لينسدل باقيه بانسيابية فوق القطعة القماشية، في هيئة مصرية مميزة تألفها النساء منذ القدم.

+


بدت "هَـنا" فاتنة بتلك الهيئة ، التفتت نحو "ليلى" لتجد آثار الانبهار ما زالت تكسو ملامحها، فابتسمت بعمق ثم اقتربت منها بهدوء، ووقفت خلفها لتوجّهها أمام المرآة، ثم بدأت بفكّ ربطة شعرها برفق حتى انساب شعرها الأسود الناعم على ظهرها.

+


نظرت "ليلى" في المرآة لا تفهم ما يحدث، لكنها لم تقاوم ، تركت "هَـنا" تمضي في حنانها، فبدأت الأخيرة تصفف خصلات شعرها بلطف ، بدا شعر "ليلى" متعبًا، ينتهي بتقصف واضح يدل على الإهمال، فتغيرت ملامح "هَـنا" وزمت شفتيها بأسى وكأنها تقمع حزنًا دفينًا في قلبها.

+


راحت تعتني بشعرها، تمرر المستحضرات واحدًا تلو الآخر بحذر واهتمام، ثم رتبتهم على الرف، وأحضرت ربطة شعر حلقيّة مفرغة تأخذ شكل الرأس ووضعتها برقة على رأس "ليلى" ، بعدها وقفت أمامها وأخرجت خصلات من الجانبين لتنسدل على وجنتيها برقة.

+


نظرت "هَـنا" إلى "ليلى" بعدما انتهت من ترتيب خصلات شعرها، وابتسمت بفخر كأنها تُبارك ما صنعته يداها، ثم قالت بنبرة دافئة:

+


- كده بقيتي قمر ... شايفة؟ كل الحكاية شوية اهتمام.

+


رفعت "ليلى" عينيها نحو المرآة بدهشة حقيقية، كأنها ترى نفسها للمرة الأولى، تمتمت بصوت خافت يكاد لا يُسمع:

+


- هو أنا كده بجد؟!

+


قهقهت "هَـنا" ضاحكة وهي تربت على كتفها في خفة:

+


- لأ طبعًا، دا شغل إيدي .

+


انفجرت "ليلى" بالضحك، ضحكة اختلطت فيها الدهشة بالامتنان، وبقي أثرها في عينيها.

+


اقتربت من "هَـنا" بخطى مترددة، ثم احتضنتها على غفلة، فبادلتها الأخيرة العناق بابتسامة هادئة، وهمست وهي تربت على ظهرها:

+


- مالك يا حتة سكر؟

+


قالت "ليلى" بصوت مخنوق بنبرة تكاد ترتجف:

+


- إنتِ عارفة إنك أول واحدة من زمان تحسسني إني حلوة؟

+


ساد الصمت لوهلة قصيرة، وكأن "هَـنا" كانت تبحث عن الكلمات المناسبة، ثم شدّت من عناقها قليلًا وقالت بإصرار وصدق:

+


- و إنتي فعلاً حلوة، مش بس في شكلك، لا، في قلبك، في طيبتك، في ضحكتك، في كل حاجة فيكي يا حبيبي .

+


اتسعت عينا "ليلى" قليلًا، وبدا في نظراتها أثر لدمعة خجولة سرعان ما مسحتها بإصبعها، وتناهى إليهما صوت "سناء" من الخارج، حازمًا بعض الشيء:

+



        
          

                
- يـا بـنات، يـلا اطلعوا ..

+


تبادلت "هَـنا" و"ليلى" النظرات، ثم قالت الأولى بحماس مشوب بالضحك:

+


- يلا بينا قبل ما ماما تنسى الحنية وتزعق !

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كان الصباح هادئًا في منزل عائلة "جليل " فجلس هو في مقعده المعتاد، يحتسي قهوته بتركيز بينما يتابع شيئًا ما على الجهاز اللوحي أمامه. 

+


في الجهة الأخرى كانت " فاتن" تُمسد فرو قطتها بنعومة، بينما غرق "جواد" في هاتفه يتنقل بين التطبيقات بلا اهتمام بما يدور حوله.

+


أما "مراد"  فكان يمرر إصبعه على الشاشة ببطء، يتابع منشورات الخطبة والزفاف التي تملأ صفحته، كلهم من أبناء الطبقة الثرية مثله ، لكنهم سبقوه بخطوة ، هذا تزوج ابنة رجل أعمال، وذاك ارتبط بمشهورة ، زفر بضيق ثم رفع عينيه إلى والده قائلًا بنبرة تحمل مزيجًا من الجدية والمزاح:

+


- يا بابا، متجوزني؟

1


لم يرفع "جليل" بصره عن الشاشة، اكتفى بالرد ببرود دون أن يغير نبرة صوته:

+


- اتجوز، حد مانعك؟

+


نظر "مراد" إلى شقيقه الذي يجلس بجواره، ثم أشار بيده إلى والده متحدثًا بسخرية واضحة:

+


- شايف الأبهات؟

+


رفع "جواد " بصره للحظة قصيرة، ثم عاد إلى هاتفه بتجاهل ولكن لم يستسلم "مراد" فتابع قائلاً بنبرة أكثر إلحاحًا:

+


- طيب دورلي على عروسة.

+


أجابه والده بنفس البرود المعتاد:

+


- جيب عروسة وأنا أجوزهالك.

+


ضيّق "مراد" عينيه بحذر، يحاول قراءة مابين السطور ثم قال متشككًا:

+


- يعني لو جبتلك واحدة أنا موافق عليها هتجوزني؟

+


- جيب بس وأنا هتصرف.

+


تدخلت "فاتن" في الحديث بنبرة يغلفها الغرور والثقة، قاطعة الحوار بينهما:

+


- بس المهم تليق بشكل العيلة.

+


تأفف "مراد " وهو ينظر إليها بضيق، ثم قال متذمرًا:

+


- يا ماما، بلاش جو المسلسلات ده.

+


ردت عليه ببرود وهي تعاود تمسيد القطة:

+


- وهو المسلسلات هتجيبه منين؟

+


هز رأسه ساخرًا وهو يقلد نبرة درامية مفتعلة:

+


-لا، دول بيبقوا overcomplicated... معقدينها على الفاضي.

+


لم تعره انتباهًا، وواصلت حديثها بنفس الهدوء الذي يحمل نغمة آمرة:

+


- برضو، الأهم تليق باسم العيلة.

3


توقف "جواد" عن تصفح هاتفه ورفع بصره ببطء نحوها فقال بصوت هادئ يحمل مغزى أعمق من كلماته:

+



        
          

                
- مكنش ده كلامك وإحنا صغيرين يا ماما.

+


للحظة لم تجد ردًا سريعًا ، و ارتبكت قليلًا وهي تتأمل قطتها في صمت، ثم تنهدت قبل أن تقول بصوت خافت:

+


- عادي... كنت غلطانة وعرفت غلطي.

+


لم يبدُ "جواد" مقتنعًا بردها، فسأل بنبرة أكثر حدة لكن مغلفة بالهدوء:

+


- ولو الماضي رجع تاني مش هتوافقي بيه؟

+


ازدادت ملامحها اضطرابًا، حملت فنجانها وأخذت رشفة من قهوتها قبل أن ترد بجمود:

+


- الماضي مابيرجعش، ولو رجع، مش هيلاقي نفسه في نفس المكانة.

+


صمت للحظة قبل أن يُجيبها بصوت منخفض ملغم:

+


- بس لو ماضي غالي هيلاقي مكانته موجودة.

+


نظر "مراد " بينهما بحيرة، ثم رفع يديه مستسلمًا قبل أن يهتف بضجر:

+


- إيه الألغاز دي؟ هو أنا هتجوز إمتى؟

+


انفلتت ضحكة قصيرة من "جواد" ، بينما هز "جليل" رأسه ببطء دون أن يرفع عينيه عن الشاشة، أما " فاتن" فبقيت صامتة تمامًا، عيناها مثبتتان على قطتها.

+


أغلق " جليل " بعد لحظات جهازه اللوحي و نهض يهتف بصرامه آمره لمراد :

+


- لو فاضي و معندكش شغل إبقي روح المطعم مع أخوك شوف الشغل .

+


رفع " مراد " عيناه له و أراد أن يرفض مُتأففًا ليُقاطعه والده أولًا:

+


- عاوز تتجوز ! اثبتلي إنك راجل الأول عشان بنات الناس مش لعبة .

+


ضحكت " فاتن " ضحكة قصيرة بتهكُم جذبت انتباه الجميع لها بتعجُب ، حتى " جليل " الذي تنفس ببطء يُخفي خلفها تلال من التصبُر ، و في تلك الأثناء تقدمت " حنان " للصالة و هتفت بصوت خفيض :

+


- جواد! هروح المطعم دلوقتي هتطلع معايا ؟!

+


استحوذت عبارتها على انتباه الجميع ، عدا " فاتن " التي ارتشفت قهوتها بهدوء و هي لا تُبصر سوى زوجها القابع أمامها يتجهه بكل أحاسيسه لهذه السيدة خلفها .

+


بينما " جليل " أشاح ببصره و أخذ معطفه و اتجه للخارج ، فوقفت " حنان " كما هي لكنها تنهدت بعُمق فور أن مر بجانبها، لتجد " جواد " يقول وهو يستعد للخروج أيضًا:

+


- لأ يا طنط حنان ، أنا رايح المكتب الأول عندي شغل هناك وهبقى أعدي عليكِ بالليل، خلي بالك من نفسك .

+


ختم عبارته بابتسامة خفيفه ، لتُبادله الابتسامة بهدوء ثم تهتف بوقار :

+


- طيب ، عن أذنكم.

+


ثم أنهت تواجدها في الأجواء و غادرت المنزل ، ليتنهد " جواد " تنهيدة طويلة كان يُتابع فيها أثرها حتى إختفائها، ثم التفت لشقيقه بنظرات صارمة ليلتفت لهُ "مراد " و يفهم مغزى نظراته فهتف في محاولة لتشتيته:

+



        
          

                
- بس إيه الطقم الحلو دا ؟ الـ maroon _ العنابي _ حلو عليك ، لايق على لون عنيك الخضرا، عامل mix خطير .. إبقى إلبسه كتير.

+


رفع " جواد " حاجباه بسخرية و حاول كتم ابتسامته وهي يستمع لشقيقه الذي أردف :

+


- يعني انا مثلًا لون عيوني gray لايق عليها ...

3


- لايق عليها الشغل ، لايق عليها تشوف إلي وراها.

+


قاطعه " جواد " بسخرية لاذعه ليقطب " مراد " حاجباه مُتجاهل جدية شقيقه ليُتابع بتوضيح :

+


- لا لا مكنتش هقول كده .

+


كاد أن يُكمل كلماته لكنه اصطدم بنظرات " جواد " الصارمة تتفحص هيئته ،و التي كانت من قميص أسود فضفاض ينزلق بانسيابية فوق بنطال كارغو باللون الأخضر الزيتوني، و قبعة بيسبول خضراء مع سلسلة فضية رفيعة تلمع حول عنقه، و ساعة وسوار بسيط على معصمه.

+


زمّ " جواد " شفتاه بعدم رضا بتاتًا على هيئته الفوضوية، اقترب منه و مد لهُ يداه بأمر و هتف :

+


- هاتلي السلسلة و الأسوارة دي !

1


مرر " مراد " عيناه عليهِما و رفع بصره لشقيقه يسأله بريبه :

+


- ليه ؟

+


مال عليه " جواد " قليلًا يحاول انتزاعهم منه و هتف به :

+


- مراتك أولى بيهم ، هاتهم كده .

+


بينما ابتسم " مراد " ببلاهة و قال :

+


- لا إذا كان عشان مراتي خلاص بقا خدهم. 

+


ثم اعطاهم لجواد الذي ضمهم ليده ثم وضعهم في جيب بنطاله و هتف بسخرية :

+


- لما تبقى عاوز تلبس حاجة زي دي تاني ابقى افتكر مراتك الغلبانه مش هتبقى عارفه تلبس إيه .

+


ثم تناول معطف بدلته و وحمله على ذراعه و اكتفى بالسديري، فمُعظم وقته بهذه الحالة و لا يرتدي المعطف سوى للضرورة ثم ارتدى نظراته الشمسية و اتجه للخارج. 

+


بينما مازال " مراد " جالس مكانه بذهول ثم تسائل بحيرة:

+


- و هي مراتي هتبقى غلبانه إزاي يعني؟ أنا موجود و هجيبلها سلاسل كتير .

+


ليجذبه صوت أخرجته القطة و كأنها تستنكر ما قال ، فرفع بصره لوالدته يرى نفس النظرات لينقل ببصره أمامه بتعجُب لا يفهم أي مما يحدُث .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


أما عند منتصف النهار ؛

+


ها هو "مؤمن" يُرتب أغراضه على المكتب بعناية، يُعدل من وضع السديري الكحلي فوق قميصه الأبيض، ويتأكد من أغراضه الشخصية قبل أن يتجه نحو الباب.

+


كان هذا موعد استراحته، وبدلًا من أن يقضيها في مكتبه، فضَّل الذهاب إلى مقهى الشركة ، لكن ما إن فتح الباب وخرج حتى توقفت خطواته فجأة عند رؤيتها، واقفة على بُعد خطوات وكأنها كانت على وشك الدخول إليه.

+



        
          

                
اتسعت عيناه بصدمة قبل أن تفلت منه ضحكة قصيرة رغماً عنه، وهو يطالع مظهرها بإمعان بينما يُغلق الباب خلفه.

+


رفعت حاجبيها بدهشة طفيفة، لكنها سرعان ما ابتسمت تلقائيًا، وكأن ضحكته كانت عدوى لا تقاوم.

+


نظر حوله للحظة قبل أن يهتف بعدم تصديق:

+


- إنتِ بتعملي إيه هنا؟ مش لسه تعبانه؟

+


بهتت ابتسامة " وردة " قليلًا، وذبُلت ملامحها وهي ترد ببساطة:

+


- مش هو في تدريب النهاردة؟

+


تراجع خطوة يُبلل شفتَيه بتفكير قبل أن يرد بسؤال آخر:

+


- إنتِ متروحتيش المدرسة النهاردة، صح؟

+


أومأت برأسها نافية، عقد حاجبيه وسألها مباشرة:

+


- طب ليه؟

+


- عشان مش بحب المدرسة... بس بحب التدريب، فمش عاوزة أغيب.

+


هكذا ببساطة، قالتها وكأنها بديهية لا تحتاج تفسيرًا ، تأملها بصمت، ضيق عينَيه قليلًا قبل أن تومض شبح ابتسامة على ملامحه وهو يعلّق:

+


- ماشي... بس إنتِ لسه تعبانه مش كده؟ عاملة إيه النهاردة؟

+


خفضت بصرها تتأمل نفسها، ساقيها، ملابسها، بينما هو أيضًا سمح لنفسه بأن يُطالع هيئتها؛ الفستان الأزرق الستان الذي يصل لما فوق كاحلها بقليل، وتلك الفيونكات البيضاء الصغيرة التي تناثرت عليه برقة.

+


رفعت بصرها أخيرًا لتقول بحزم ظاهري:

+


-آيوه، كويسة.

+


رفع رأسه لينظر إليها مباشرة، فتابعت بسرعة:

+


- أنا جيت عشان بحب التدريب... أكيد إنت لما كنت بتدرس، كان في حاجات بتحبها عن الـ school وكنت بتعملها حتى لو تعبان، مش كده؟

+


تأمل كلماتها وشرد قليلًا قبل أن يرد بهدوء:

+


- يعني... أنا سايب المدرسة بقالى ١٢ سنة، مش فاكر أوي، بس أكيد آه.

+


اتسعت عيناها بدهشة حقيقية قبل أن تهتف:

+


- يـااه! يعني إنت عندك كم سنة؟

+


لم يُدرك إلا الآن كيف انجرف في الحديث معها، لكنه تنفس بعمق قبل أن يُجيب ببساطة، مترقبًا ردة فعلها:

+


- ٢٩ سنة.

3


شهقت بذهول واضح، ثم هتفت بحماس طفولي:

+


- يـــاه!!

2


رفرف بأهدابه، لا يعلم تحديدًا سبب اندهاشها، فسأل ساخرًا:

+


- طلعت كبير ولا إيه؟

+


ابتسمت ونفت برأسها، ثم ردّت :

+


- لا خالص... صغير!

+


توقّف للحظة، مُتفاجئًا ، حسنًا، كان ليتوقع أن تقول كبير ، هذا منطقي. لكن... كيف يكون صغير يا فتاة ؟!

+



        
          

                
لمح الدهشة تعلو ملامحه، فضحكت ضحكة قصيرة مرحة، قبل أن توضّح ببراءة:

+


- عشان الناس اللي بشوفهم مع مامي بيبقوا كبار أوي بجد، فأنت صغير مش زيهم.

+


الآن فقط فهم منطقها، فتنهّد بخفة وهو يوضّح:

+


- عشان دول ماسكين الشغل الإداري، وده بيحتاج خبرة أكبر، فبالتالي سنهم بيكون أكبر... بس ده ما يمنعش إني مش صغير برضو.

+


ظلت ابتسامتها البلهاء تُزين وجهها، وكأنها لم تفهم الفرق بعد، ثم هتفت بفخر واضح:

+


- وأنا عندي ١٨ سنة... كبيرة برضو!

+


لم يستطع منع نفسه من الابتسام بعدم تصديق، بينما هي ابتسمت أيضًا، وكأن ابتسامته عدوى أخرى ،فكرت لثوانٍ قبل أن تهتف بحماس طفولي:

+


- يعني بينا... اممم... ١٠... ١١ سنة، صح؟

+


أومأ برأسه، وما زالت ابتسامته على وجهه:

+


- صح.

+


لكنها تابعت بذات الحماس، وعيناها تلمعان بحيرة:

+


- مش كتير صح؟ ولا كتير؟

2


تلاشت ابتسامته تدريجيًا، تأمل سؤالها بصمت، لم يعرف لماذا استغرق في إجابته وقتًا...
أو ربما، لم يُرد الإجابة.

+


نظرت إليه للحظات، ثم أردفت ببساطة وكأنها تحاول استيعاب الفارق:

+


- يعني لما كان عندك ١1 سنة... أنا كنت بيبي صغنون!

+


قالتها بتغنج طفولي وهي ترفع يديها كأنها تصف طفلة صغيرة، فابتسم بخفة رغمًا عنه ، كيف يُخبرها أنها لا تزال صغيرة حتى الآن؟ لكنه شعر بغصة في حلقه فجأة وأدرك أنه استرسل في الحديث أكثر مما ينبغي ، فاخفض بصره لساعة معصمه قبل أن يهتف بجدية مفاجئة:

+


- طب عن إذنك، عندي حاجة لازم أعملها، هنأجل التدريب النهاردة.

+


أومأت بتفهّم، ثم ابتسمت برقة قبل أن تقول:

+


- أوكي، أنا هروح لمامي.

+


ثم استدارت تتجه إلى مكتب والدتها الذي يقع مقابل مكتبه، بينما هو بقي في مكانه للحظات، يتابع خطواتها بصمت، قبل أن يزفر ببطء يُغلق عينيه للحظة واحدة فقط ثم تابع طريقه.

+


و قبل أن يُكمل "مؤمن" طريقه، استوقفه زميله بنبرة فضولية:

+


- مين اللي كانت واقفة معاك دي؟

+


أجابه "مؤمن" بجمود، وكأنه يتحدث عن أمر لا يعنيه:

+


- بنت باشمهندس مريهان.

+


لم يُقنع الرد زميله، فتساءل ببرود و مُكر :

+


- وبتبصلها كده ليه؟

+


عقد "مؤمن" حاجبيه باستغراب:

+


- كده إزاي يعني؟

+


ضحك زميله بخفة قبل أن يرد بجدية مصطنعة:

+



        
          

                
- شكلك معجب بيها.

+


اتسعت عينا "مؤمن" بصدمة قبل أن يرد بحدة وهو يلوح بيده:

+


- إيه الكلام الفاضي ده؟ صلِّ على النبي في قلبك .

+


ضحك الآخر مرددًا:

+


- عليه الصلاة والسلام... بس مش حاسس إنك كبير عليها شوية؟

+


صمت "مؤمن" للحظات، كأن كلماته ارتطمت بحقيقة حاول إنكارها ، لكنه استنكر بغضب:

+


- كبير إيه؟ شايفها عندها ٨ سنين؟ دي بنت شابة، عيب اوي إلي بتقوله دا.

+


قهقه زميله ساخرًا:

+


- إيه يا عم، بهزر معاك ليه متعصب كده؟

+


رفع "مؤمن" نظره إليه بحزم قبل أن يرد بجدية قاطعة:

+


- لا يا صلاح متهزرش بالأسلوب دا معايا تاني ، دا مش كلام ناس عاقلة.

+


رفع زميله يديه مستسلمًا وهو يقول:

+


- خلاص، خلاص، متزعلش كده.

+


- انا مش زعلان بس أنا مضايق و دا حقي في الهزار ، ليا الحق اقبله أو لا ..

1


- تمام، آسف.

+


مرر "مؤمن" يده في خصلات شعره الطويلة ، مُتجاهلًا الإحراج الذي حاول الآخر زرعه، لكنه تفاجأ بزميله يغمز له مبتسمًا بمكر:

+


- طب ما تعرفني عليها، إحنا تقريبًا في نفس السن.

6


رفع "مؤمن" نظراته بحدة، وعيناه اشتعلت بغضب غير مبرر، جعلت الآخر يتراجع سريعًا، ضاحكًا بتوتر:

+


- بهزر، بهزر، متاخدش الكلام بجد.

+


لكن "مؤمن" لم يمنحه فرصة أخرى، استدار مبتعدًا بسرعة دون أن يلتفت، بينما صاحبه يلاحقه يحاول التخفيف من وقع كلماته.

+


وعلى بُعد ليس ببعيد، كانت هناك عيون تتابع المشهد بصمت، وأُذنان تلتقطان كل كلمة قيلت.

+


وردة...

+


وقفت هناك، تظللها زاوية الجدار وتُراقب بصمت، تستمع لكل كلمة قيلت، وعيناها تتابعان المشهد بدهشة.

+


كانت ابتسامتها الرقيقة لا تزال مرسومة على وجهها، لكن هذه المرة لم تكن ابتسامة طفولية خجولة كما اعتادت، بل كان بها شيء آخر... شيء يُشبه الإدراك. 

+


فهمت ؟! 
نعم فهمت الحديث هذه المرة، رغم براءتها ورغم خجلها المعتاد.

4


للمرة الأولى، لم تهرب نظراتها، لم تتورد وجنتاها خجلًا كما تفعل دومًا حين تستوعب شيئًا خارج حدود عالمها الطفولي، بل على العكس... 

+


وقفت هناك، تستمع، تستوعب، وتسمح لقلبها الصغير أن يحتفظ بما سمع.

+


أهٍ منكِ يا صغيرة...! تفهمين حين يكون الأمر على هواكِ، وتغُضين الطرف حين يُربككِ الفهم؟!

+



        
          

                
───────────────── ˖.˚⋆ .

+


في غرفة الاجتماعات الخاصة بالمستشفى، تواجد الطبيب "ريان" و الطبيب النفسي المشرف على الحالة، وعدد من الأطباء المتابعين، ويترأس الاجتماع مدير المستشفى، الطبيب محسن البدري، رجل في أواخر السيتينات ، حاسم ونبرة صوته قوية.

+


وُضع أمامه ملف طبي سميك يخص الحالة التي شغلت المستشفى مؤخرًا بل و بعض الصُحف المحلية و البريطانيه ، حالة " ميرال نيكلاوس " السائحة البريطانية الناجية الوحيدة من الحادث.

+


فتح الملف بتركيز، قلب الصفحات بعناية ثم رفع نظره للجميع وقال بنبرة صارمة وهادئة في نفس الوقت:

+


- أولًا، أنا بشكر الفريق اللي كان موجود ساعة وصول الحالة ، تدخلهم السريع أنقذ حياة مريضة كانت في حالة حرجة جدًا، وكل لحظة كانت بتعدي كانت بتفرق معاها ، وده إنجاز طبي مُحترم لازم يتحط في التقرير.

+


أغلق الملف مؤقتًا، ثم أسند ظهره للكرسي وأكمل بهدوء:

+


- ثانيًا، بلغنا السفارة البريطانية فور استقرار حالتها في العناية المركزة ،و اتواصلت مع شركة التأمين الخاصة بيها واللي بالفعل أكدت التكفُّل الكامل بمصاريف العلاج ، و مش بس كده، الشركة نسقت مع السفارة واتكفّلوا كمان بترحيل جثث أسرتها لبلدهم عشان إجراءات الدفن.

+


الجميع يومئ بالإيجاب، و" ريان" ظل صامتًا مركزًا ثم استطرد الطبيب " محسن :

+


- السفارة بعتت بعد كده مترجم معتمد، تابع الحالة خلال وجودها في العناية، وكان فيه تنسيق كامل معانا ..كل تقرير، كل جرعة علاج، كانوا بيتبلغوا بيها أول بأول.

+


ثم رفع رأسه وقال بنبرة أوضح:

+


- بما إنها بالغة، عمرها ستة وعشرين سنة حسب الأوراق الرسمية اللي لقيناها في متعلقاتها، فالمسؤولية الطبية الكاملة بقت علينا كمؤسسة صحية، لحد ما تصدر قرارات جديدة من السفارة.

+


تنفس بعمق، ثم قال بلهجة أكثر رسمية:

+


- و بالنسبة للتحقيق، الشرطة فتحت تحقيق رسمي في الحادث بعد ساعة من دخولها المستشفى ، وبعد أسبوع من التحريات والتقارير، اتقفل الملف رسمي باعتباره حادث عارض، مفيش أي شبهة جنائية.

+


ثم وضع يده على الطاولة ونظر لكل الموجودين، وبدا أن الجملة الأخيرة كانت الأهم في الاجتماع:

+


- السفارة هتبعت مندوب تاني خلال اليومين الجايين لمتابعة الحالة ، وهيكون فيه زيارات دورية لحين ما الحالة تستقر تمامًا، وبعد كده هيتم ترحيلها على بريطانيا لاستكمال العلاج هناك .

+


أنهى حديثه بإيماءة صغيرة وهو يغلق الملف بهدوء ، ساد الصمت للحظة، لكن الصدى الحقيقي لكلامه بدأ يترسخ في عقول الحاضرين.

+


ليُتابع عبارته الختامية :

+


- كل حد فيكم مسؤول عن جزء من الحالة... المتابعة بدقة، و التوثيق لكل تطور .. دي مش بس حالة إنسانية، دي كمان حالة تحت رقابة دولية .

+


أومأ الجميع بالإيجاب وبدؤوا في الانصراف .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


في المساء، وصل "جواد" إلى المطعم بعد يوم طويل في أروقة المحكمة، لا تزال ملامح الجدية والانهاك تطغى على وجهه، وكأنها استقرت فيه ، مرّ بعينيه المتعبتين على الزبائن المتناثرين على الطاولات، المكان يعج بالحياة والضحك، على النقيض تمامًا من ثقل يومه.

+


أوقفه بعض الزبائن، تبادل معهم السلام بابتسامة باهتة ومحاولات مقتضبة لإنهاء الحديث سريعًا، ثم اعتذر بلطف واتجه نحو مكتبه في الطابق العلوي.

+


دخل المكتب وأغلق الباب خلفه بهدوء ، ألقى حقيبته على الأريكة، واقترب من مكتبه وهو يخلع سُترته، عاقدًا نيته على مراجعة بعض الملفات الإدارية قبل الانصراف.

+


فتح حاسوبه المحمول وبدأ يتصفّح البريد الإلكتروني بلا اهتمام حقيقي، حتى لفت نظره اسم مرسِل مألوف " السيدة ناهد" رئيسة شؤون الموظفين ، ضغط على الرسالة بفضول روتيني، لكن ما إن بدأت عيناه تلتهم الأسطُر الأولى حتى انكمش حاجباه، وتجمّد جسده للحظة.

+


كانت هناك سطور عادية، بيانات توظيف... حتى وقف الزمن فجأة عند سطرٍ واحد.

+


اتسعت عيناه، واندفع جسده للأمام تلقائيًا، وكأن الصورة على الشاشة جذبت روحه قبل جسده.

+


قلبه تسارع خفقانه بعنف لم يشعر به منذ زمن، ارتجفت أصابعه قليلًا وهو يكبّر الصورة ويتأمل الاسم المكتوب:

+


" ليلى سامي البنا "

+


همس باسمها بصوت مُنخفض، مبحوح، وتردد صدى الاسم فتسللت دفعة مشاعر قديمة، ووجوه، وضحكات، ووداع مؤلم لم يُغلق بابه قط.

+


ظلّ يحدق في الشاشة بلا رمشة، وكأن الكون توقف عند تلك اللحظة.

+


هي...؟ 
مستحيل...

+


ٰ

+


يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


شكرًا لحُسن قرائتكم، و أتمنى تتركوا ليا رأيكم .

+


و السلام على قلوبكم .
|| سُهى الشريف ||

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close