📁 آخر الروايات

رواية مجهول انبت عشقا الفصل السابع عشر 17 بقلم سلمي خالد

رواية مجهول انبت عشقا الفصل السابع عشر 17 بقلم سلمي خالد


مجهول أنبتَ عشقًا
بقلم سلمى خالد "سماسيموو"
الفصل السابع عشر
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
( ملامح باهته ولكن أنارت)
ترجعت نحو الخلف وهي تتطلع لهذا الكلب المخيف، أنيابه الظاهرة أمام حدقتيها جعلاها تصرخ من الفزع، استدرات لتهرب من ملامحه المخيفة ولكن وجدت كلبًا أخر يقف يتطلع لها يظهر أنيابه مع زمجرة طفيفة، هبطت دموع تاليا بعدما شعرت أنها محاصرة بين هذان الكلبان، ولكن ما زاد ذعرها اقتربهم لها، تسارعت دقات قلبها في رعب ثم صرخت بنبرة ملتاعة:
_ آدم.
انتفض آدم وهو جوار والده ما أن استمع لصوت تاليا ليسرع نحو الأسفل يرى ما بها، في حين تعجب ماجد من صوت تلك الفتاة الغريب؛ بالرغم من علمه بأصوات من بمنزله ولكن هذا الصوت لم يسمعه من قبل، تحرك بمقعده نحو الخارج كي يرى ما الذي يحدث بمنزله ولِمَ ركض آدم بهذا الشكل.
وصل آدم أخيرًا للمكان الذي تقف به تاليا بوقتٍ قياسي، ثم ارتفع صوته بنبرة حادة:
_ رعد.. ماكس come .
تراجع الكلبان عن التقدم وجلسوا أمام آدم في هدوء، في حين اجهشت تاليا في البكاء وهي تحتضن نفسها على الأرض، تطلع لها آدم وشعر بغصة عالقة بقلبه؛ اشار للكلبان بذهاب بعيدًا، بينما اقترب هو من تاليا الجالسة على الأرض تبكي وسط الشهقات عنيفة تصدر منها، هبط لمستواها يردد بنبرة هادئة.. حنونة:
_ أهدى خلاص مشيتهم بعيد عنك!
حركت رأسها بالنفي وهي تردد بوسط شهقاتها ولكن بنبرة جعلت آدم يبتسم في حنو:
_ لا دول قربوا مني وخوفوني.. أنا مش بحب الكلاب عشان أذوني وأنا صغيرة .. بخاف منهم ومش بقرب منهم ولا من المكان اللي بيكونوا فيه.. أنا خايفة اوي!
تنهد في بطء ثم اردف بكلماتٍ صغيرة تدفئ قلبها الصغير الملتاع أسفل نظرات ماجد الذي لم يشعر به أحد:
_ أنا موجود أهوه ومش هيحصل أي حاجة متخفيش، تعالي معايا يلا عشان تغسلي وشك!
نهضت من الأرض ولكن لاتزال شهقاتها تتنشر بالمكان، تطلعت له وهي تزيل دموعها بظهر يدها قائلة:
_ هو.. هو فين الحمام!
تأرجحت على شفتيه ابتسامة صغيرة، يشير بيده نحو منزله قائلًا:
_ أهوه.
تطلعت نحو المنزل ثم سارت معه نحو الباب، نادى آدم بدادة يحثها على الآتيان كي ترافق تاليا نحو الحمام، وبالفعل اخذتها نحو الحمام لتغسل وجهها، بينما نظر آدم للساعة فوجد وقتًا قصير المتبقى على الاجتماع، امسك بهاتفه يجري اتصالًا ليلغي به هذا الاجتماع، فلن يستطيع الذهب للعمل وهي بتلك الحالة، بينما بقى ماجد يبتسم له في مكر يعلم نهاية هذا الخوف المغموس بلهفة على تلك الفتاة.
***********
امسكت بالمنشفة تجفف وجهها في هدوء، ثم ازاحت المنشفة قائلة في همس خاشية أن يستمع لها أحد:
_ بقولك سندوتش الجنبة الرومي السياحة والشاي موجودين لسه!
ضحكت الدادة على طريقتها، ثم اجابتها بهمس هي الأخرى:
_ أيوة جهزوا خلاص.
اتسعت ابتسامة تاليا ثم اردفت بفرحة تتطاير من حدقتها لتصل إلى قلب الجميع:
_ طب مستنية ايه يلا أنا جعانة اوي!
ابتسمت لها الدادة ثم أخذتها نحو الأريكة الموجودة بالردهة، أردفت الدادة بنبرة جادة:
_ ثواني واجيلك.
حركت تاليا رأسها بينما تحركت الدادة لتحضر ما طلبته تلك المجنونة منها.
انتهى آدم من اتصاله وتوجه نحو الداخل كي يصل تاليا إلى منزلها، ولكن اتسعت عيناه ما أن رأها تجلس على الأريكة بوضعية خاصة « مربعة قدمها»، تمسك بالسندوتش بين يدها تتناوله بنهم، ثم ترفع قدح الشاي ترتشف منه القليل، تجلس إلى جوارها الدادة وهي تضحك على طريقتها، تقدم آدم منها ينظر لها في دهشة مرددًا بنبرة تحمل ذهول شديد:
_ أنتِ بتعملي ايه!
نظرت له تاليا وفمها ملئ بالطعام تردف بنبرة واهية بعض الشيء:
_ باكل السندوتشات اللي طلبتها.
رفع حاجبه في سخرية يردد بنبرة ساخطة:
_ على أساس مش شايفك أنا.. أنتِ مش كنتي من شوية منهارة وتعبانة ولغيت الاجتماع عشان سيادتك تروحي!
ابتلعت تاليا ما في فمها، تقطب جبينها ببعض التعجب قائلة وهي تكمل تناول السندوتش:
_ ايوة منهارة من الكلاب الصعرانة اللي جايبه برة.. بس دا جبنة رومي سايحة جوا سندوتش فينو ومعه شاي متخيل ازاي هقدر اقاومه.. اقولك استنى.
نظرت نحو الدادة قائلة ببسمة صغيرة:
_ ممكن شاي تاني بس للبشمهندس.
حركت رأسها ناهضة من جوارها، بينما امسكت تاليا بأخر سندوتش معها تمد يدها نحو آدم قائلة ببسمة نقية حفرت طريق صغير يتوجه لعشقه لها:
_ يلا يا سيدي مش بنديه غير للغاليين السندوتشات دي، خد كله مع كوباية الشاي وقول رأيك وشوف هتقاوم ولا لاء!
كاد أن يعترض لتسرع تاليا في الحديث تستطرد:
_ هتكسف ايدي وأنا في بيتكوا.
تطلع لها قليلًا ثم مد انامله ليأخذه عنها، نظر لها ليجدها تحرك يدها بأن يتناوله، أتت الدادة بقدح شاي أخر واعطته لـ آدم، تناول آدم كما أخبرته تاليا، جالسًا على مقعد خاص به شعر ببعض التلذذ به، في حين نظرت له في اهتمام متسائلة:
_ ها حلو؟!
حرك رأسه في ايجابية يكمل تناول السندوتش، بينما صفقت تاليا بيدها قائلة بنبرة تحمل بعض الغرور المزيف:
_ انا خطيرة ومفيش زي.
:_ فعلًا أنتِ نادرة.
قالها آدم دون أن يشعر، بينما تلون وجه تاليا بالحرج لا تعلم ما الذي يقصده، نهضت تحمل حقيبتها مرددة بكلماتٍ مختصرة:
_ محتاجة حد يخرجني.. عشان هروح!
شعر آدم بحرجها، ثم نهر نفسه على ما دفعه من كلمات دون أن يشعر، وضع باقي ما يتناوله جانبًا قائلًا بنبرة جادة هادئة:
_ انا هوصلك للبيت!
حركت رأسها نافية متمتمة بنبرة تحمل حدة:
_ حاليًا مش هينفع حضرتك.. دلوقتي انا كده برة نطاق الشغل وحضرتك بنسبة ليا واحد غريب.. بستأذنك تاني الدادة تخرجني من هنا وبس لو سمحت.
تعجب من نبرة الاصرار الظاهرة بكلماتها ولكن ليس باليد حيلة، دقائق أتت الدادة تساعدها على الخروج من المنزل فقط، اوقفت سيارة أجرة لتصلها للمنزل، بينما راقبها آدم في شرود، هي أكثر فتاة ارهقته، وقعت أمامه عن طريق الصدفة والآن وقعت أمامه بالعمل وبقيت معه، لا يعلم كيف اندفعت تلك الكلمات منه ولكن هو يشعر بأن كل كلمة صادرة من قلبه، هل.. هل يعقل أنه وقع بحبها؟
حرك رأسه نافيًا يردد بنبرة متعبة:
_ لا لا مستحيل!
:_ ومستحيل ليه؟
قالها ماجد وهو يجلس على مقعده المتحرك خلف آدم داخل الشرفة، استدار آدم ببعض الدهشة وما أن رأي حدقتي ماجد علم أنه فهم ما به، أردف في حيرة:
_ عشان مفيش مرة أشوفها إلا وبحس بتعب معها.. بتتعمل بعفوية اوي.. هي طريقة كلامها حلوة.. و اسلوبها..و شكلها كمان.. بس متردد لأول مرة أكون بحكم غلط وأن دا مجرد اعجاب.
ابتسم ماجد في هدوء يتمتم بنبرة حنونة:
_ عارف كنت زمان زيك كده اول لما شوفت والدتك كنت معجب بعفويتها وكلامها وضحكها كل حاجة كنت بشوفها مميزة فيها، مترددتش زيك انا اخدت خطوة واتقدمت واتعرفت عليها اكتر لحد ما بقت مراتي وكانت أجمل زوجة وأم.. الخلاصة يا آدم أن انا شوفت اللهفة في عينك وأنت بتجري عليها لما صوت وشوفت احتوائك ليها لما خافت ومش عايزة تتحرك.. مشوفتش بعدها غير أنها هي دي حب عمرك ومراتك.
نظر له آدم قليلًا، بينما منحه ماجد ابتسامة دافئ مغادرًا المكان يتجه نحو غرفته، لم يختبر ما هو الحب؛ لذا لم يتسطع التميز بين الاعجاب والحب الحقيقي، ولكن هو شعور خاص مميز تتعدد انواعه بين أسرتك.. أصدقائك وأقرابك وأحبابك، تشعر بالسعادة كلما اقتربت منهم وليس الملل، تشتاق للحديث معه ليرتوى قلبك بحديثه، تترجى رؤيته امام عيناك ربما تريح فؤادك الذي ألمه لهيب الشوق، تشعر أن اللحظات التي تقضيها معه لن تعوض مرة أخرى!
*************
« وقت الانتظار دائمًا طويل»
تذكرت تلك الجُملة الصغيرة عندما غادر والديها وبقيت تنتظر الوحش ليأتي، ولكن ما من فائدة! فقد بقيت لوقت طويل ولم يظهر بعد، تنهدت في ضيق، ترفع خصلات شعرها للخلف بعد أن تلقت كلمات غاضبة من سيدة على ارتدائها الحجاب امام الوحش وقامت بجمع كل الحجاب الموجود بالمنزل كي لا ترتديه، اشعلت التلفاز بالردهة تنتقل بين قنوات الهاتف لعلها تجد ما تحبه، ثم اتسعت عيناها فجأة تبتسم في سعادة ما أن رأت عنوان على التلفاز « سك على بناتك» تلك المسرحية التي تعشقها حد النخاع، جلست تشاهدها في اهتمام شديد تبتسم تارة وتضحك تارة أخرى ولكن لم تشعر بالوحش وهو يستند على الحائط يتطلع لها في سكون.
صدرت عنها ضحكة شديدة تتلون وجنتيها بالحُمرة، وهي ترى مقطع من المسرحية تتناسى العالم حولها، ابتسم الوحش ما أن استمع لصوت ضحكتها وكأنه ألحان تداعب قلبه في حنو، تزيد من عشقه الذي نَبَتَ من مجهول، عبست ملامح سدرا ما ان توقفت المسرحية وأتي أعلان، ولكنها نهضت تردف بنبرة متحمسة ترتدي حذاء خفيف (شبشب) :
_ هروح ادور على الفشار واجي أكمل.
استدارت كي تغادر ولكنها تفاجأت باستناد الوحش على الحائط ينظر لها ببسمة ترتفع فوق ثغره، هدرت سدرا في غضب ما أن رأته:
_ كل دا كنت فين؟
رفع حاجبيه ببعض التعجب، ثم تقدم منها يحرك رأسه في ايجابية قائلًا ببسمة متسلية:
_ دا قلق ولا ايه بظبط؟
توترت سدرا من وقوفه أمامها مباشرة، ولكنها اردفت بنبرة حاولت أخفاء ما تسبب به من ارتباك:
_ أنت بترد سؤال بسؤال! جاوب على سؤالي الأول وانا اجاوب!
نظر لحدقتيها مباشرة يتأمل توترها أمامه ثم ابتعد عنها ليحضر بعض الحقائب واضعًا إياها على المنضدة الموجودة أمام الاريكة، قائلًا في هدوء:
_ دول هدوم جديدة جبتهم ليكِ بدل جلاليب سيدة اللي بتمشي بيها بالعافية.
حدقت به في ذهول قوي، بينما تعجب الوحش من ثباتها امامه ليردف في دهشة:
_ اخلصي شوفي الهدوم.
قررت سدرا الصمت دون أن تردف كلمة، تنظر داخل الحقيبة لترى ماذا احضر لتجد ملابس منزلية مريحة للغاية وانيقة، ولكن شعرت بدقات قلبها وهي ترى أن ألوان ملابسها باللون البنفسجي الذي تعشقه، مدت اناملها تمسك بإحدى البيجامات وكأنها تتأكد أنه بالفعل أحضرها، أدارت رأسها تنظر له وهي تشعر أنها لم تفهم من هذا الشخص قاتل أم عاشق؟، تسألت ببعض الاستغراب:
_ عرفت منين إن دا لوني المفضل؟
ابتسم لها ببعض المكر قائلًا:
_ ما قولتلك إني أعرف عنك كل حاجة؟
بقت دقائق تتذكر متى سمعت تلك الجُملة ثم تذكرت أنه عندما أمسك أذنها قال هكذا، حدقت به في دهشة مرددة:
_ برضو عرفت إني بكره حد يمسكني من وداني.. عرفت ازاي كل دا عني!
:_ من يوم ما دخلتي هنا وكل حاجة عنك عرفتها ما أنا مش هدخلك هنا وانا معرفش أنتِ مين؟
قالها يريح ظهره للخلف، بينما وضعت هي ما بيدها تجلس جواره على الأريكة ولكن تحتفظ بمسافة كبيرة بينهما، كادت أن تتحدث ولكن ألقى الوحش سؤاله مرددًا:
_ مستنياني ليه أجي؟
ابتلعت سدرا كلماتها، تتطلع له في توتر بينما رفع الوحش يده قائلًا:
_ اظن جوبت وأنتِ عليكي الدور؟
زفرت قليلًا تحاول تنظيم دقات قلبها التي تزداد كلما تحدثت معه، اجابته في خجل بات ظاهرًا على ملامحها:
_ عشان عايزة اشكرك اوي على أنك جبت بابا جلال وماما فريال هنا، كنت محتاجة اشوفهم اوي.. أنت رجعت ليا الأمل تاني أني ممكن اخرج من هنا وارجع بيت اهلي!
حرك رأسه في ايجابية، ثم كاد أن ينهض ولكنه عاد عندما استرسلت سدرا حديثها في توتر:
_ أنت الإنسان الوحيد اللي مش فاهماه.. منين بتقتل ومنين بتديني أمل أكمل وكأنك انسان عادي زينا.. انا حاسه أنك حاجة مختلف عن كل الناس اللي قبلتهم.
عاد يجلس مجددًا ينظر لها بجانب عنينه متمتمًا:
_ مختلف!
حركت رأسها في ايجابية، تتمتم في شرود أخذت به الوحش معها:
_ ايوة فيك شيء غريب.. كنت بكرهك وشايفاك وحش فعلا بس دلوقتي الوضع اختلاف!
ابتسم في مكر يلقي كلمته:
_ ودلوقتي بتحبيني؟
اتسعت عيناها في صدمة، يتلون وجهها بخجلٍ شديد، لا تعلم هل بالفعل أحبته أم لا؟ بينما اتسعت ابتسامة الوحش ثم اقترب متطلعًا نحو حدقتها في هدوء كلاهما يغرق بغموض الأخر، همس بصوتٍ رجولي هادئ، يمد يده لشعرها ليفرده:
_ سبيه مفرود شكلك احلى كده!
تغير لون وجهها للحُمرة، تزداد دقات قلبها وكأنها طبول تقلع، تشعر بجمود جسدها وعدم قدراتها على التحرك، بينما نهض الوحش يسير نحو غرفته ليأخذ قسطًا من الراحة يبتسم في سكينة لأول مرة يشعر به مع تلك الفتاة.
**************
عادت تاليا للمنزل سريعًا، فلم تجد سوى فريال والسيد جلال لايزال بالعمل، لم تعلم بذاهبهما لسدرا، بدلت ملابسها لأخرى منزلية مريحة ثم أمسكت هاتفها لتجد رسالة من مريم أنها يجب أن تعد نفسها جيدًا لأن بالغد يوجد عدة من الاجتماعات منهم بالشركة وخارج الشركة، أغلقت الهاتف ثم امسكت رأسها قائلة بنبرة متعبة:
_ ياربي انا كان مالي ومال الشغل بس ما أنا عايشة في بيت ابويا واكله شاربة نايمة هستنى عدلي وياخدني.
ضحكت حنان على كلماتها وهي تقف على اعتاب الباب بعدنا أتت للتو، بينما نهضت تاليا من أعلى الفراش تركض نحوها قائلة ببعض السعادة:
_ خالتو حنان.. وحشتني!
ابتسمت حنان في رضا تردد بنبرة حنونة:
_ وأنتِ أكتر يا حبيبتي، بقالي كتير مجتش و أول لما جيت قولت لزمًا اسلم على روح قلبي وتيجي تقعد معانا.
احتضنتها تاليا في حب قائلة بنبرة تحمل جانبًا من السعادة:
_ ربنا يحفظك ليا يا قلبي، بس اعذريني صاحب الشغل طالب اذكر شوية ملفات خاصة بالاجتماعات ولو معملتش كده هيعلقني من عرقوب رجلي.
تعالى صوت حنان بالضحك، ثم أردفت بنبرة تحمل حنين شديد:
_ مفيش غيرك بيعرف يضحكني من بعد الغالي الله يرحمه.
نظرت لها تاليا قليلًا تشعر بوجود شيئًا ما تفقده، حاولت التذكر ولكن داهمها صداع حاد، امسكت برأسها تتأوه بشدة، بينما قلقت حنان عليها قائلة:
_ مالك يا تاليا في ايه؟
:_ راسي بتوجعني اوي، عايزة الدوا على الكومدينو.
قالتها وهي تزيد الضغط على رأسها، في حين اسرعت حنان نحو المكان المنشود لتحضر الدواء، وفي سرعة تناولته تاليا لتجلس على السرير ربما تريح جسدها قليلًا، مر بعض الوقت ليس بطويل و غفت تاليا سريعًا بعد هذا الدواء، بينما غادرت حنان الغرفة ولكن بقلبٍ منفطر على تلك الفتاة، عادت تحمل حقيبتها مرددة بنبرة حزينة:
_ انا همشي يا فريال!
تعجبت فريال من تغيرها المفاجئ، فظنت أن تاليا هي من ازعاجتها لتردف غاضبة:
_ تاليا ضيقتك ما انا عارفها مش بتعمل غير نصايب!
حركت حنان رأسها نافية، تردف في حزن:
_ اظاهر إن الافضل زي ما سدرا قالت افضل في بيتي لحد ما تاليا تخف واكتفي بكلام معاها بتلفون، لما شافتني حضتني عادي وفرحت بس معرفش قولت ايه خلاها تبص فجأة ليا وبعدها جلها صداع وخدت الدوا ونامت.
صمتت فريال ولم تعلق، بينما أدمعت عين حنان وهي تتمتم:
_ هي أخر حد كان متعلق بيه حسن، أنا بحبها زي بنتي.. كانت اخر وصية لابني قبل ما يموت قالي احافظ عليها واحبها واسعى لسعادتها مهما كانت.
نهضت فريال بغصة أليمة بصدرها تحضتن حنان قائلة في موساة:
_ ربنا يرحمه ويشفيها يارب من عنده.
غادرت حنان بعدما استعادت قوتها المهدورة، بينما دلفت فريال تتأمل ملامح ابنتها الساكنة، جلست جوارها تمسح على خصلات شعرها في حنان قائلة في همس:
_ ربنا يشفيكي يا نور عيني.
************
لعل الليل يريح أرواحًا أهلكتها الحياة، نسماتٌ خفيفة لمسات وجهها وهي تتأمل السماء، بعدما غفى هو لم تجد شيئًا لتفعله وقررت البقاء بالشرفة تتأمل السماء في سكون، تفكر بالوحش وشخصيته الغريبة هل هو أمَانُها بالفعل؟ كيف يحمل جانبان إحدهما طيب والآخر شرير؟ زفرت بحيرة تملكت منها، ثم عاد حنينها لوالديها تتذكر ابتعادهما عنها منذ سنوات واختفاء آخر ذكرى بينهما، همست بصوتٍ خافت:
_ متزعلوش مني عارفة إني ضيعت آخر ذكرى بينا بس هلاقيها وساعاتها مش هضيعها ابدًا.
:_ شكلك اتجننتي يا دكتورة!
قالها الوحش وهو يدلف للشرفة جالسًا على مقعد، بينما انتفضت سدرا من مكانها تتطلع له في غضب قائلة:
_ ايه اتجننت دي؟ ثم أنت مالك اصلا!
:_ أتعدلي بدل ما اعدلك انا!
زمجر بتلك الكلمة بعد أن تحولات ملامحه لهجوم عنيف، رفعت سدرا حاجبها في استنكار تردد في سخرية:
_ عمود نور قدامك وهتعدله.. بص أنا حاليا شايله هم الدنيا كله فسبني لوحدي.
اشاحت بوجهها بعيدًا عنه، بينما تطلع لها الوحش قليلًا ثم قرر مشاكستها، لا يعلم لِمَ ولكن أرد ذالك بتلك اللحظة، تمتم في خبث:
_ لو اسلوبك اتظبط معايا وبطلتي تنطحي زي التيران كده هسلمك حاجة غالية اوي على قلبك!
شهقت من كلماته المهينة، ثم اندفعت بالحديث غاضبة:
_ ايه تنطحي وتيران دي لا بقولك ايه احترامني شوية أنا مش خدامة هنا عندك!
نهض من مكانه يستند بيديه على يد المقعد فاصبحت هي محاصرة، تشعر بتوتر وخجل لم تستطع اخفائهم، همس الوحش في حنو:
_ ومين قال إنك خدامة أنتِ هنا مراتي على سنة اللي ورسوله.
توردت وجنتيها في خجل، بينما ابتسم الوحش من أن رأي تورد وجنتيها، مد يده يمسك بكفها هامسًا بكلماتٍ داعبت قلبها:
_ تعالي معايا.. ليكِ عندي أمانة!
تعجبت سدرا من طريقته ولكن هي تدفئ قلبها المتعطش لهذا الدفء، سارا الأثنان سويًا حتى وصل الوحش للخزانة مد يده للمكان الخاص به وسحب منها ورقة صغيرة، مد يده بها قائلًا بنبرة هادئة:
_ لما كنتِ هنا الورقة دي وقعت منك بعد ما مشيتي وشلتها.
احتضنت سدرا الورقة في لهفة، تدمع عيناها في سعادة، تتطلع له في حب بات ظاهرًا في حدقتيها قائلة:
_ أنا مش عارفة أقولك ايه بجد أنت أجمل انسان شوفته في حياتي!
ابتسم لها الوحش وهو يشعر أنها سكنت قلبه، بينما منحته سدرا نظرة امتنان مرددة في تسأل:
_ طب ليه مبعتهاش ليا!
نظر لحدقتها اللتان تلتمعان من الفرحة، يجيب في همس يمد يديه يعيد خصلات شعرها خلف أذنها:
_ كنت حاسس انك هترجعي تاني ورجعتي!
نظرت سدرا للأسفل في خجل، بينما ابتعد الوحش تاركًا مسافة بينهما كي يزيل خجلها، اشارت سدرا له بأن يجلس على الفراش، وبالفعل ذهب الاثنان وجلس على الفراش، تمتمت سدرا وهي تشعر بخجل شديد:
_ أنا بعتذر على اسلوبي معاك.. كنت مفكرك أنك انسان متعجرف بس طلعت انسان جميل اوي من جوا.
حرك رأسه يرفق لها ابتسامة، بينما استرسلت سدرا حديثها قائلة:
_ ممكن اطلب طلبين!
:_ قولي عايزة ايه انا سامعك!
قالها في اهتمام، بينما أكملت سدرا وهي تبتسم في رقة تمد يدها بتلك الورقة قائلة:
_ خليها معاك وحافظ عليها.
دُهش الوحش من تنازلها عن الورقة له، ولكنه أخذها منها يحملها بين يديه وكأنها هي الصلة والوحيدة بينهم، بينما اكملت سدرا وهي تشعر ببعض التوتر الذي بات لا يفراقها منذ أن تعلق قلبها به:
_ أسمك بيفكرني بكل حاجة وحشة وحاسه بيظهر فعلًا كل حاجة وحشة جواك.. أنا ممكن أقولك اسم تاني يليق عليك وتغيره.
تجمد الوحش مكانه، يتطلع لها في صمت، بينما اكملت سدرا ظنًا أنه وافق:
_ حاسه كده أنك اتعرضت لظُلم كتير والاسم اللي يليق عليك أسم يوسف.
نهض الوحش من مكانه سريعًا يغادر الغرفة، بينما تعجبت سدرا من اختفاؤه المفاجئ ولم يجيبها، تخللها بعض الحزن ولكن ربما ضغطت على جرحٍ بداخله، ارحت جسدها على الفراش ثم غفت سريعًا بعدما انشغل عقلها بأكمله بالوحش.
************
جلس الوحش بالردهة شاردًا، يفكر حديث سدرا وما طلبته منه، تعجب من ذاته التي خضعت لتلك الفتاة، ثم قرر أن يبتعد عنها بالفترة المقبلة ليركز بعمله قليلًا ولكن انتفض من مكانه ما أن استمع لصوت سيدة تخبره في رعب:
_ ألحق يا وحش بيه أيسل اختفت من البيت كله!
يتبع!


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات