اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل السابع عشر 17 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل السابع عشر 17 بقلم رانيا ممدوح



                                        

                                              
كان الليل قد أرخى سدوله، والقبيلة ما زالت تضج بالأنغام والرقصات، بينما الأضواء المرتعشة من المشاعل تضيء الوجوه في مزيج من الغموض والفتنة. جلس صقر ويزيد في ناحية جانبية بعيدًا عن الضوضاء، وعيون صقر تلمع بحدة كمن يخطط لمغامرة خطيرة، بينما يزيد يظهر عليه القلق، يلتفت يمينًا ويسارًا وكأنه يخشى أن يلتقط أحدهم كلماتهم.

1


انحنى صقر قليلًا نحو يزيد، صوته منخفض لكنه حاد كالنصل:
"يعني هو مش زينا كده، يعني لما كان في إيطاليا كان بيهرب من البنات ويتجاهلهم. محاولش يلاقي واحدة يحبها أو حتى حسيت إنه ميال لواحدة منهم."

2


يزيد عقد حاجبيه، وأجاب مترددًا وقد بدا على وجهه مزيج من الدفاع والارتباك:
"ما يمكن ده طبيعي… يمكن عشان عايز واحدة من القبيلة، تكون محتفظة بعاداتنا وتقاليدنا."

1


ابتسم صقر بسخرية، عيناه ضيقتا وكأنهما تفرزان الحقيقة من بين السطور:
"لأ… صدقني الموضوع مختلف. هو مش بينجذب ليهم خالص. إحنا كشباب بنفهم بعض."

2


يزيد، وقد بدا كأنه يحاول أن يجد ثغرة في كلام صقر ؛ لأنه لا يصدق، قال بنبرة مترددة:
"مش يمكن زيك يا صقر؟"

2


التفت إليه صقر بسرعة، وكأن الكلمة طعنته في كبريائه، وقال بحدة:
"قصدك إيه بزيك دي؟ لأ… أنا تمام .. تمام أوي."

2


رفع يزيد يده كمن يهدّئ الجو، وقال وهو يبتسم ابتسامة خفيفة:
" افهم قصدي الأول ، قصدي… يمكن بيحب واحدة ومخلص ليها هي وبس، ومش شايف حد غيرها."

1


تراجع صقر في جلسته قليلًا، عيناه تحدقان في البعيد، كأنه يسترجع الأحداث ويحاول فك رموزها، ثم قال بصوت غامض:
"مش هتفهمني برضو مهما اتكلمت و حاولت اشرحلك … أنا الليلة لازم أعرف كل حاجة بنفسي.. أصل أنا ملاحظ من زمان بس مكنتش حاطط في دماغي لكن لازم اشوف اخرتها ايه النهارده"

1


اقترب يزيد أكثر، عينيه تتسعان بالقلق:
"إزاي؟"

+


رد صقر بابتسامة واثقة لكنها تحمل لمحة من التحدي:
"أنا هستنى الحفلة تخلص وبدر يرجع بيته… وساعتها هعرف بطريقتي الحاجات المستخبية."

2


يزيد، وقد بدا عليه الارتباك، عض على شفته السفلى وقال:
"طب وأنا؟ هعمل ايه ؟ هاجي معاك و لا هروح فين و لا استنى هنا لحد ما ترجع؟!!"

1


صقر أدار وجهه نحوه بصرامة، صوته منخفض لكنه آمر:
"إنت ترجع عشان محدش يشك في غيابي. طالما إنت موجود يبقى أنا نايم في غرفتي و كله تمام."

1


ارتجف قلب يزيد، وأجاب بنبرة صادقة يملؤها الخوف:
"ربنا يستر… أنا خايف وقلبي مش مطمن، بلاش أحسن يا صقر."

1


ابتسم صقر ابتسامة جانبية، فيها مزيج من السخرية والثقة بالنفس، وربت على كتف يزيد بقوة:
"ماتخفش… وجمّد قلبك."

+


ساد بينهما صمت ثقيل، لا يُسمع فيه سوى دقات الطبول وصرخات الفرح من بعيد، لكن ما في داخل كليهما كان عاصفة حقيقية.

+



                                      


                
يزيد حاول أن يكسر الصمت وهو ينظر لصديقه:
"يا صقر… انت عارف إنك لو غلطت خطوة واحدة، ممكن تفضح نفسك وتكشف كل حاجة؟ و ساعتها أبوك مش هيسمي عليك."

3


صقر ابتسم ابتسامة غامضة، عينيه تلتمعان كالذئب المتربص:
"الليلة دي أنا مش ناوي أغلط… أنا ناوي أكشف الحقيقة."

2


يزيد تنهد بعمق، وقد بدت عليه الحيرة:
"طب لو طلع اللي بتفكر فيه غلط؟ لو بدر بريء ومفيش حاجة مستخبية ولا حاجة؟"

1


صقر أمال رأسه قليلًا، وقال بثقة لا تهتز:
"ساعتها… هكون أول واحد يعرف الحقيقة، وساعتها أنا بس اللي هقرر أعمل إيه."

+


يزيد أطرق رأسه، صوته بالكاد مسموع:
"يا رب يعديها على خير…"

+


بينما عاد صقر يثبت نظره على بدر من بعيد، يتأمل خطواتها، حركاتها، كل تفصيلة صغيرة فيها، كالصياد الذي ينتظر اللحظة المناسبة لينقض على فريسته.

+


الليل يزداد عمقًا، وأصوات الطبول في قبيلة الغجر تعلو وتهبط كأنها نبض واحد يجمع الجموع في دائرة النشوة. أما صقر، فكان جالسًا بجانب يزيد، عيناه لا تحملان أي اهتمام حقيقي ببدر، ولا بتفاصيله المريبة كما أوهم صديقه. كان كل ما يفعله مجرد لعبة محسوبة بدقة، حجر شك ألقاه في قلب يزيد ليتشوش فكره وينشغل بخيالاته، بينما هو يدبر طريقه بهدوء ليصل إلى هدف آخر، هدف لم يُعلن عنه، ولم يلمّح له إلا في أعماق نفسه: منزل جلالة الداية.

3


ابتسم صقر ابتسامة صغيرة لا يكاد يلحظها أحد، وهو يرى ارتباك يزيد يزداد شيئًا فشيئًا. يزيد ينظر إلى بدر تارة، وإلى الناس تارة أخرى، يحاول أن يربط بين كلمات صديقه وبين الواقع من حوله، وكلما زاد تفكيره، غرق في شك أكبر.

+


اقترب صقر منه وقال بصوت خافت لكنه مليء بالثقة:
"أنا هروح بعد الحفلة أتاكد من كل حاجة، إنت كفاية تفضل هناك. وجودك أهم عشان محدش يشك."

+


يزيد، وهو يعقد حاجبيه، بدا كمن يحاول الإمساك بخيط الحقيقة، لكنه في كل مرة يضيع منه:
"صقر… أنا مش فاهمك، ليه حاسس إنك مش بتقول كل اللي في بالك؟ بتخبي ايه عني ؟ معقول مش واثق فيا؟"

2


ضحك صقر بخفة، ورفع كتفيه كأنه يتبرأ من أي نية خفية:
"مش لازم تفهم كل حاجة دلوقتي، المهم تثق فيّ."

+


هز يزيد رأسه بتردد، وصوته ارتعش قليلًا:
"أنا واثق… بس قلبي مش مطمّن."

1


صقر ربت على كتفه وربما ضغط بقوة أكثر مما يجب، ليترك فيه أثرًا من الهيبة:
"اطمّن… أنا عارف أنا بعمل إيه."

+


في خضم الزحام وضجيج الطبول ودوائر الرقص المشتعلة، كانت بدر ما تزال تحاول صدّ ياسمينة الغجرية التي أُلقيت على عاتقها مهمة الإغواء. اقتربت الأخيرة منها بخطوات ملساء، تارة تبتسم وتارة تهمس بكلمات لينة كخيوط الحرير، لكن بدر  المتنكرة في زيّ رجل  كانت تصدّها بصرامة، وجهها مكفهر وعيناها تقدحان شررًا ، يئست من و شعرت بالضجر من هذا الموقف فقد أصابها الاشمئزاز.

+



        

          

                
تقدمت ياسمينة أكثر، ويديها تحاولان التعلق بذراع بدر، مائلة برأسها ومخفضة صوتها:
"يا بدر… ليه متعاند؟ مش حرام على نفسك الجفاء؟"

2


شدّت بدر ذراعها بعنف، وصوتها انفجر كالسيف:
"ابعدي عني، ما تفهميش ولا إيه؟"

+


لكن ياسمينة لم تيأس، اقتربت أكثر، والابتسامة الماكرة لم تفارق محياها، كأنها تتحدى صلابتها عمدًا. في تلك اللحظة، لم تحتمل بدر أكثر، فارتفع كفها فجأة، وصفعتها صفعة مدوية ارتجّ لها وجه الغجرية.

1


جمد المكان للحظة، كأن الوقت توقف على وقع الضربة. عينا ياسمينة اتسعتا بصدمة، وأحمر خدّها في الحال، بينما نظرة بدر كانت كالسيف، لا يلين ولا يتراجع. قالت بصوتها المبحوح الغاضب:
"خلاص… أمشي. انهيها بدل ما أعمل أكتر من كده. ما تستحي أنتي؟"

2


ارتجفت شفتا ياسمينة، مزيج من الغيظ والذلّ، لكنها لم تجد جوابًا. تراجعت إلى الوراء بخطوات متعثرة، والدمعة توشك أن تسقط من عينها، ثم استدارت بسرعة وغادرت الدائرة وسط أنفاس متلاحقة.

+


أما بدر، فقد بقيت واقفة في مكانها، كتفيها مشدودتان، وملامحها تتأرجح بين الغضب والرهبة. شعرت للحظة أن الغطاء الذي ترتديه كـ"رجل" مهدد بالانكشاف، وأن مجرد لحظة ضعف أو تهاون قد تفضح كل ما تحمله من سرّ.

+


لكنها تماسكت، رفعت رأسها عاليًا، واستدارت عائدة بخطوات واثقة، كأن شيئًا لم يحدث. ومع ذلك، في أعماقها، كان قلبها يخفق بقوة، كمن واجه خطرًا كان على وشك أن يفضح المستور.

+


بعد أن ابتعدت ياسمينة عادت سارية إلى بدر التي تجاهلتها تمامًا؛ حتى تمشي و تغادر المكان 
بينما جلست بتول والعنود على أحد المقاعد الخشبية في زاوية القاعة، بعيدًا عن ضوضاء الاحتفال وضحكات الغجر، تتبادلان النظرات المليئة بالتحدي والمكر، وكأنهما على ساحة معركة غير مرئية، كل واحدة منهما تتأهب لكسب الجولة في سباق السيطرة على قلب بدر.

+


بتول رفعت حاجبها الأيمن بحدة، وابتسامة ساخرة ارتسمت على شفتيها، وقالت بنبرة تكاد تكون تحذيرًا:
"أنا متأكدة إن سارية مش هتعرف تقنع بدر بيها… هو هيضحك عليها من أول كلمة، ويرفضها من غير تفكير."

2


العنود لم تتراجع، بل اقتربت قليلاً ومالت بجسدها للأمام، عيناها تلمعان بمكر طفولي:
"ياه يا بتول، ما تقلقيش على سارية، هي عندها طريقة… لسانها معسول وحركاتها مدروسة، ممكن تخلي بدر ينهار قدامها، وأنا متأكدة إنها هتكسب."

2


ضحكت بتول ضحكة قصيرة حادة، وكأنها تشهر سيفها بالكلام:
"تضحك على بدر؟ بدر مش زي أي حد… هو راجل عقلاني، مش هيتأثر بأي لعب كده… كل محاولاتها هتبوء بالفشل، صدقيني."

2


العنود رفعت يدها، تشير بأصبعها نحو مكان بدر الذي يقف بعيدًا، عينيها تتوهجان بالتحدي:
"ممكن… بس شوفي نظرات بدر لما سارية قربت منه… حتى لو هو متحفظ… العين بتتكلم، وأنا شايفة إن قلبه بدأ يميل… مش هيقدر يتجاهل ده."

2



        
          

                
ابتسمت بتول بسخرية، كأنها تتحدى الزمن نفسه:
"ده مجرد إحساس لحظي في خيالك بس ، مش أكتر… بدر عنده دماغه، ومافيش واحدة هتقدر تخدع عقل زي ده… شوفي النهاية، سارية هتلاقي نفسها مرفوضة زي أي حد قبلها."

2


العنود ضحكت ضحكة خفية، همست لها الرياح بين الشعر المربوط:
"يا سلام… احنا هنا بنتفرج، ونشوف مين اللي هيكسب… أنا متأكدة إن سارية هتنجح… أما أنتِ يا بتول، خليكي وراها، وهتشوفي بعينيك… بدر هيسلم قلبه ليها من غير ما يحس ،، أنا فاهمة بقول ايه."

1


بتول رفعت ذقنها بتحدٍ واضح، عيناها تحرقان المكان بنظرات مليئة بالغبن:
" و لا بتفهمي حاجة أصلا ،خليكي متوهمة… هتشوفي مين اللي هيكسب… وأنا مستعدة أراهن على إن بدر هيرفضها مهما حاولت تعمل."

2


تبادلت الفتاتان النظرات، كل واحدة منهما تحمل في عينيها صولجانًا من الغيرة والطموح، وكل واحدة تشعر أن النصر قريب منها، بينما بدر لا تعلم أن هذه المعركة الخفية قد بدأت بالفعل، وأن قلبها المكنون أصبح ساحة صراع بين اثنتين من الفتيات، كل واحدة تحاول أن تمسك بخيوط اللعبة لصالحها و كأنها أحجية بين ايديهما.

+


صمتت النسوة قليلاً، واختفت الضحكات عن وجوههن، بينما انتفضت العنود بصوت منخفض يكاد يكون همسًا للريح:
"الليلة هتبقى طويلة… وكل كلمة وكل حركة هتتحسب، وكل خطوة منه هتبوح بالمخطط الخفي."

+


ابتسمت بتول بابتسامة باردة، وكأنها تحمل في داخلها خريطة لكل تحركات منافستها:
"وأنا هبقى مستعدة لكل خطوة أنا كمان… كل نظرة، كل كلمة… هعرف أوقف أي محاولة، وهخلي سارية تحس بالفشل قبل ما ييجي بدر نفسه و يرفضها عشان أكسبك."

1


وفي الخلفية، كان بدر تمر بين المجموعات، تبتسم للرجال والنساء، تتحدث بكلمات مختصرة وهادئة، لم تشعر بالأنظار التي تتربص به، ولم تحس بالخطط الخفية التي تُحاك على قلبها، بينما سارية تقترب منها بخطوات محسوبة، تحاول أن تجذب انتباهها، لكن هناك شيء في صمتها وحفظها لنفسها يجعلها تشعر بالارتباك و الجفاء من جهة بدر لم تتحمل ذلك حتى غادرت و ابتعدت.

+


وهكذا، استمر الاحتفال، والأنظار تراقب من بعيد، والقلوب تخطط وتتنافس، والابتسامات تحجب خلفها طموحًا وغيرة ومكرًا، كل واحدة تحاول أن تقرأ الأخرى، وكل واحدة تستعد للخطوة التالية، بينما بدر تبقى متجاهلة، غير مدركة أن هذه الليلة ستكشف الكثير من الأسرار، وستبدأ فيها منافسة صامتة لكنها حادة بين بتول والعنود، وكل واحدة منهما تحلم بالنصر على قلبها.

+


في زاوية مظلمة من خيمة مزينة بالأقمشة المطرزة والوسائد الثقيلة في فناء قصر قبيلة الشرقاوية، كانت رشيدة تجلس متكئة إلى وسادة عريضة، عيناها تلمعان بمكرٍ دفين، وصوتها يقطر خبثًا وهي تقترب من ولدها زين. كان الليل ساكنًا إلا من أصوات الاحتفال القادمة من بعيد جدا من قبيلة الحمدانية، لكن ما دار في تلك الخيمة كان أشد خطورة من أي طبول أو غناء.

+



        
          

                
وضعت رشيدة يدها الباردة على كتف ابنها، وانحنت قليلًا حتى همست في أذنه كأفعى تزحف في الظلال:
"اسمع مني يا زين… طالما ما تريد الأذى لاخوك، عندي حل تاني يريحني… ويعليك."

1


رفع زين رأسه بحدة، عيناه متردّدتان بين الخوف والطاعة، وصوته خفيض كمن يمشي فوق الجمر:
"إيه هو يا أمي؟ ما أريد زعلك ولا غضبك علي."

1


ابتسمت رشيدة ابتسامةً باهتة، مزيج من القسوة والدهاء، ثم شبكت أصابعها وكأنها تحيك خيوط مؤامرة من هواء الخيمة:
"أصل أنا قعدت أفكر… ازاي يا رشيدة ابنك يطلع كسبان… من غير ما يأذي أخوه."

3


انحنى زين نحوها، فضوله يسبق لسانه، وملامحه مضطربة، لكنه يلهث طلبًا للحل:
"بسرعة يما… إيه هو الحل؟"

+


اقتربت رشيدة أكثر، حتى كاد نفسها يلامس خده، وقالت بصوت خافت لكنه ينغرس كسكين:
"تقتل ابن الحمدانية."

2


شهق زين، وعيناه اتسعتا من هول ما سمع، وصوته خرج كالمبحوح:
"إيه؟ أقتل بدر؟"

+


أومأت برأسها بثقة كأنها تُلقي أمرًا لا يُرد، نظرتها قاسية تلمع بالشر:
"آه… ساعتها صقر يحكم الشرقاوية، وإنت تحكم الحمدانية. وتكون الأرضين… أرض واحدة، زي ما أبوك عايز."

1


ارتجف قلب زين، أصابعه راحت تعبث بحاشية عباءته كمن يحاول الهرب من فكرة تلتف حوله كحبل مشنقة:
"بس ده يا أمي… قرار كارثي! قرار ممكن يودينا في داهية!"

1


لكن رشيدة لم تفقد ابتسامتها الماكرة، بل ازدادت وجهها قسوة، كأنها تتغذى على تردده:
"لأ… الكلام ده لو في وريث غير بدر. لكن دلوقتي؟ مفيش غيره. لو قتلناه… خلاص. القبائل هيغضبوا شوية، لكن محدش هيعمل حاجة. كله هيستسلم لينا."

1


ظل زين يحدّق في الأرض، عروقه في عنقه تنبض بخوف ظاهر، وعيناه تزوغان من عينيها، ثم قال بصوت متحشرج:
"لأ… خطوة زي دي ممكن أبويا يقتلني فيها!"

2


قهقهت رشيدة ضحكة قصيرة، ساخرة، ثم اقتربت منه أكثر حتى غرزت كلماتها في أعماقه:
"لأ… ده هيحطك تاج على راس الكل، ويشكرك إنك خلصته من ابن الحمدانية. ويركز معاك بدل ما هو مركز مع صقر. وتكون إنت الكل في الكل. ويعرف أبوك إنه خلف راجل يعتمد عليه غير صقر."

1


كان زين يحاول جاهداً أن يوازن بين خوفه من أبيه وبين رغبة أمه في السلطة، عيناه تضطربان، شفتاه ترتجفان وهو يهمس:
"سبيني… أفكر."

+


لكن رشيدة لم تمنحه مهلة، قبضت على يده بقوة لم يتوقعها منها، وعيناها جمرتان متقدتان:
"مفيش وقت يا ابن بطني! اليوم بدر بيحتفل. وسط الاحتفال… دب سهمك في قلبه وريحنا منه. وإنت في التصويب مفيش زيك… ولا مين شاف ولا مين دري. جمد قلبك… وحكم عقلك. الفرصة دي… مش هتتكرر."

2


تركته رشيدة قليلا غارقًا في صراع داخلي يفتك به. ملامحه صارت بين شاب ضعيف يبحث عن الحماية، ورجل تُغويه السلطة حتى يوشك أن يبيع روحه. بينما كانت هي تجلس أمامه كملكة سوداء، تحرك جنودها على رقعة شطرنج من دماء وأقدار.

1



        
          

                
في تلك الليلة، حين تركت رشيدة ولدها مضطربًا بين الخوف والطموح، لم يهدأ لها بال. عادت بعد لحظات بخطوات حثيثة، عيناها تتلألأ ببريق الشر، وفي يدها قوس منقوش قديم يلمع تحت نور المشاعل، وسهم طويل مصقول كأنه مُهيّأ لليلة بعينها.

+


اقتحمت عليه خيمته مرة أخرى، فارتعد زين واقفًا، وقد بدا التردد في كل حركة من جسده. مدّت رشيدة يدها، ثم وضعت القوس بين يديه بصلابة، والسهم على صدره كأنها تدفعه دفعًا إلى مصيره، وقالت بصوتٍ يقطر حماسة مسمومة:
"هو ده سلاحك يا زين… هو ده اللي هيكتب اسمك في قلوب القبائل. اسمعني، اللحظة دي مش لحظة خوف، دي لحظة ميلادك من جديد. بدر؟ مش إلا حجر في الطريق، وكسر الحجر ده… هيخلي رجليك تمشي على بساط عزّ و مجد."

2


ارتجف زين وهو يلمس الخشب، كأن السلاح أثقل من الجبال، وصوته خرج مترددًا:
"يا أمي… أنا خايف… خايف لو فشلت، أو لو شافني حد."

+


اقتربت منه رشيدة، وضعت يدها على وجنته، نظرتها تحاول إذابة خوفه، لكنها كانت نارًا لا دفئًا:

+


"إنت ابني… مش ابن رشيدة! اللي تهزمه رهبة؟ لأ والله. إنت عينك ثابتة وزي الصقر، سهمك ما يخطئش. وكل اللي هيبقى في عينك… بدر. وصدقني، أول ما تقع روحه… كل القبائل هتعرف إن زين هو اللي يستحق الملك."

+


أشاحت برأسها قليلًا، ثم أضافت بغلّ و حقد، وكلماتها كالسياط:
"ما تنساش يا زين… بدر لو عاش، مش هتلاقي مكانك إلا في ضله. هتفضل التاني… والكل هيسمع اسمه، وإنت؟ ولا كأنك موجود. هو ده اللي عايزه؟ تفضل ذكرى باهتة في قبيلة أبوك؟ ولا تبقى سيّد، يركعولك الكل؟"

+


بدأت عين زين تلمع رغم ارتجاف يديه، وصوت أنفاسه يتسارع، التردد ينصهر ببطء أمام كلمات أمه الملتهبة. شدّت رشيدة القوس بيدها، وضغطت على يده لتعلّمه كيف يشد الوتر، وقالت بابتسامة متوحشة:
"جمد قلبك يا ابن بطني… دي مش جريمة، دي بطولة. إنت مش بتقتل واحد، إنت بتكتب مستقبل جديد. سهم النهارده… هيبقى تاج بُكرة على راسك."

+


ظلّ زين يحدّق في السهم، مزيج من الرعب والطمع يشتعل في صدره، بينما رشيدة تنفخ في ناره، تزرع فيه فكرة أن المصير لن يُفتح إلا بدم.

+


كان الليل لا يزال غضًا، والنجوم تتلألأ في السماء كأنها شاهدة على ما يُحاك في الظل. داخل الخيمة، جلست رشيدة في صدر المكان، وجهها يلمع بضوء المصباح الزيتي، وعيناها تقدحان شررًا من مكرٍ دفين. أمامها وقف ولدها زين، يتقلب بين رجلٍ يتمنى رضاها وطفلٍ يتمنى النجاة من ثقل كلمتها.

+


مدّت رشيدة يدها نحو القوس الموضوع بجانبها، التقطته ببطءٍ كمن يقدّم عطيةً ثمينة، وسلّمته لزين، وهي تبتسم ابتسامة صفراء تحمل وعدًا بالملك ووعيدًا بالخذلان إن رفض.

+


رشيدة بصوتٍ متقد، كالنار تسري بين الكلمات:
"لسّه بدري على الحفل، يا ولدي… ساعة بحصانك توصل هناك يكون الحفل خلص. تتبع ابن الحمدانية في عودته… ما يحتاج غير سهمك في قلبه حتى يموت… وتريحنا. روح… خليني أرضى عليك، خليني أكون أم القائد حقق حلمي و علي راسي."

1



        
          

                
ارتجف صدر زين وهو يتلقى القوس، قبض عليه بقوة حتى بياض أنامله ظهر. عيناه كانتا تهربان من عينيها، وكأنه يخاف أن يرى فيهما انعكاس ضعفه. بلع ريقه، وتردّد صوته كأنه يمشي على جمر:

+


"لكن… يا أمّي… لو دروا القبائل عن القاتل؟ لو عرف أبويا إني قتلته؟"

+


ضحكت رشيدة ضحكة قصيرة، ساخرة، كأنها تسخر من خوفه، ثم اقتربت بخطواتٍ هادئة، وضعت كفها على صدره تدفعه للأمام، وقالت بحزمٍ لاذع:

+


"ما حدش هيدري… الحفل زحمة، والليل ستّار، والكل مشغول. لما يسقط بدر… يسقط سره معاه. وأبوك؟ أبوك هيشوف فيك اللي ما شافوش في صقر… هيشوف راجل حقيقي ما يعرفش التردد. هيرفعك فوق راسه… وأنا يا ولدي، أرفعك فوق راسي وأفتخر بيك قدام الناس كلها."

2


كلماتها كانت كالمطارق، كل جملة تدقّ على جدار قلبه، تحطّمه وتبني داخله قصرًا من طموحٍ ممزوجٍ بالدم. ارتعشت شفتاه وهو يهمس، صوته لا يكاد يُسمع:

+


"بس… ده قرار كبير… قرار يوديني في داهية لو اتكشف و يخلي موقفنا صعب مع الحمدانية."

+


أمسكت رشيدة بذقنه، رفعت وجهه قسرًا ليلتقي بعينيها، نظراتها تلسع كالجمر:

+


رشيدة بصوتٍ يقطر خبثًا:
"الكلام ده لو في وريث غيره… لكن دلوقتي مفيش. لو قتلناه، خلاص، القبائل هيغضبوا شوية وبعدين يسكتوا. محدش هيحرك ساكن. كلها أيام، وتكون الأرضين أرض واحدة زي ما أبوك عايز. وأبوك؟ بدل ما يزعل… هيشكرك! يشوف فيك راجل ما يتراجعش ، راجل كان نفسه يشوفه في صقر لكن لقاه فيك إنت."

+


أحنى زين رأسه قليلًا، وعيناه تتنقلان بين القوس الذي في يده ووجه أمه. كانت أنفاسه متسارعة، وكأن صدره ساحة حربٍ بين صوتٍ يردده قلبه أن هذا خطيئة، وصوت أمه الذي يغرس فيه الطمع كسمّ لا دواء له.

+


زين مترددًا:
"سبيني… أفكر… على مهل"

+


انفجرت رشيدة غاضبة، جذبت القوس من يده وأعادته إليه بقسوة، حتى ارتطمت قبضته بالخشب:

+


رشيدة بصوتٍ آمرٍ، تشتعل فيه نبرة الأم ودهاء الثعلب:
"مفيش وقت يا ابن بطني! الليلة وبس… الليلة دي اللي هتفرّق. ابن الحمدانية في قلب الحفل، لما يخرج وحده… دب سهمك فيه. وإنت؟ إنت في التصويب ما في زيك، ولا مين شاف ولا مين دري. جمد قلبك، وحكّم عقلك… الفرصة دي مش هتتكرر."

+


نظر إليها زين طويلًا، وعيناه تتوهجان بين خوفٍ دفين وحلمٍ يغريه. ثم أخذ نفسًا طويلًا، وضع القوس على كتفه كمن يحمل قدره، وعينيه تشعّان شررًا خافتًا.

+


رشيدة بابتسامة ماكرة، تميل برأسها:
"روح يا زين… خلّي الليلة تولد فيها أسطورة جديدة. خلّي دم ابن الحمدانية يكون المهر لعزّك… وخليني أشوفك قائد، ما حدش يعلو فوقه."

1


خرج زين من الخيمة، والظلام يبتلعه، وصوتها يطارده كاللعنة، يهمس في أذنه: "روح يا ولدي… خليني أكون أم القائد…"

1



        
          

                
جلس رماح وجوان على تلة مرتفعة بين الأشجار، يراقبان عن بعد رشيدة وزين اللذين كانا يقفان بعيدًا، يحاولان التسلل نحو موقعهما بدون أن يُكتشف وجودهما. لم يُسمع لهما أي صوت، لكن كل حركة من رشيدة وزين كانت تُقرأ بعناية من قبل رماح وجوان، كأنهما يحللان خريطة لمكائد مخفية دون أن يسمعا أي شئ.

+


جوان التفت نحو رماح بعينين مليئتين بالقلق:
"ربنا يستر… أنا خايف من اللي ممكن يعملوه… كل خطوة منهم محسوبة، وكل حركة فيها خطر أكيد."

1


رماح ضغط على شفتيه، عبس قليلاً وهو يراقب رشيدة، عيناه تلتقطان كل تلميح من تحركاتها:
"أيوه… أمك مش هتسيب أي حاجة… وكل اللي في قلبها من حقد وطمع… زين كمان مش بعيد… كل حاجة محسوبة عشان يحققوا أهدافهم."

+


جوان حرك يده، يشد نفسه على عصبية:
"نفسي يكون فيه سلام… نفسي ما حدش يتأذى… بس حاسس إنهم ناويين على كارثة… و ناس تانيين ممكن يكونوا في خطر."

2


رماح نظر له بحدة وعيناه تضيقان:
"ده اللي أنا خايف منه… لازم نعرف كل خطوة قبل ما يتحركوا… ولازم نكون مستعدين لأي مكيدة منهم اللعب من ورا أبويا صعب يشبه الموت."

1


جوان ابتلعت ريقه، وعينه تتوهج بالخوف:
"نفسي نقدر نحميهم… نفسي نوقف كل الشر ده… بس لازم نكون أذكى… لازم نقرأهم قبل ما يكتشفوا إن إحنا متابعينهم."

+


رماح أومأ برأسه، يضغط على قبضته، مشاعره مختلطة بين الخوف والعزم:
"مش هنسيب حاجة تمر مننا… كل خطوة منهم هنعرفها… وكل خطة يحاولوها، احنا هنتصرف قبل ما توصل للي ممكن يتأذى."

+


صمت قصير خيم على المكان، الرياح تهمس بين الأشجار، وتلعب أضواء القمر على وجهيهما، وكأن كل شيء من حولهما يراقب ما سيحدث.

+


جوان همس بخوف مختلط بالعزم:
"نفسي القبيلتين يكونوا في سلام… نفسي نوقف كل الشر… لازم نتصرف بحذر."

+


رماح ابتسم ابتسامة صغيرة، مليئة بالقوة:
"ده وعد… مهما كانت مكائد أمنا رشيدة وزين… احنا هنا… عينا على كل خطوة… وأي محاولة لإيذائهم، مش هيفلتوا مننا."

+


ابتعدت الأنظار قليلاً عن رشيدة وزين، لكن رماح وجوان ظلا يراقبان، يخططان في صمت، كل نبضة قلبهما تحمل الترقب والخوف، وكل فكرة تحمل خطوات لمواجهة الحقد والخبث الذي يحيط بهم.

+


حينما لمح رماح وجوان زين يبتعد بخطوات حذرة بين الظلام، ارتفعت دقات قلبيهما، وامتلأت أعينهما بالترقب. أرادا أن يتتبعا خطواته لمعرفة وجهته وما يخطط له، لكن قبل أن يتحركا، سمع رماح صوت رشيدة الحاد يقطّع صمت الليل:

+


"إيه يا ولاد… ناويين تروحوا وراه و لا ايه؟!"

2


تجمد الاثنان في مكانهما، وعيناهما تلتقطان قوة العزم والصرامة في وجه رشيدة وهي واقفة بين الأشجار، القمر يرسم ظلالًا قاتمة على ملامحها.

+



        
          

                
جوان همس بخشوع وخوف:
"أمي… احنا بس كنا عايزين نعرف هو رايح على فين… احنا خايفين عليه إنه يخرج في وقت زي ده."

+


رشيدة رفعت حاجبيها، ونظرة مليئة بالخبث والحزم:
"خوفكم ده مش مبرر… دلوقتي ناموا… كل شيء هيمر حسب ما أنا شايفة… ما تتحركوش أي خطوة من غير علمب."

+


رماح حاول أن يقنعها بصوت منخفض، ممزوج بالحذر:
"بس يا أمي… ممكن يحصل حاجة… لو ما عرفناش خطواته ممكن  نتعرض لأي خطر… احنا بس بنحاول نساعد."

+


رشيدة أطبقت عينيها عليه، وابتسامة خبيثة ترتسم على شفتيها:
"مفيش حاجة هتحصل… اللي أنا عايزاه يخلص… وأنتم هتناموا دلوقتي… وصدقوني، ده أفضل لكم."

+


جوان همس لرماح بقلق:
"مش عايز أرفض كلام أمي… بس قلبي مش مطمئن… حاجة جوه قلبي بتحذرني."

+


رماح أومأ برأسه، صوته حزين لكنه حازم:
"ماشي… هننام… بس عيوننا هتفضل مفتوحة… ونمشي بحذر… أي خطوة غريبة، هنكون مستعدين."

+


رشيدة نظرت لهما مرة أخيرة، ثم همست:
"جربت أحميكم من المكايد… وده وقتكم ترتاحوا… لما تصحوا، كل شيء هيبقى محسوب… ماتخفوش، دوركم جاي كله تحت أمر رشيدة."

4


جلس الاثنان تحت شجرة كبيرة، يحيط بهما الظلام، وعيونهما لا تفارق زين الذي يبتعد بعيدًا، في حين رشيدة تنظر لهما بعينين مليئتين بالسيطرة والخبث، مؤكدة أن كل شيء يسير حسب خطتها.

+


عادت سارية إلى منزلها، تخفي وراء ابتسامتها المنكسرة غيظًا دفينًا لم تقدر على إخراجه منذ رحيل بدر. خطاها كانت ثقيلة، ونفسها محمّل بالخيبات، كأنّ كل محاولة فشلت ودفنت معها جزءًا من صبرها.

+


جلست على مقعدها، عيناها تتأملان الفراغ، والضوء الخافت من المصابيح يسلط ظلاله على ملامحها المجهدة. قالت بمرارة تكتمها نفسها:
"مفيش فايدة… مفيش فايدة… أي محاولة ليا دايمًا تفشل… أنا تعبت."

1


رفعت هنادي رأسها، وعيونها تتساءل عن سبب ذلك الغضب المكبوت، اقتربت من سارية بنبرة هادئة وحانية:
"في ايه؟ ايه اللي حصل؟"

+


أجهشت سارية بغيظها المكتوم، ويدها تمسح على جبهتها كما لو كانت تحاول إزالة صداع أعصابها:

+


"بدر كاره إني أقرب منه… كاره كلامه معايا… أنا زهقت وتعِبت."

1


أومأت هنادي برأسها، محاولة أن تهدّئها وتزرع فيها بصيص أمل:
"اصبري… هدفك يستاهل كل التعب… فكرك يعني ابن سالم هيكون سهل؟ ولد سالم ما يجي غير بالدلال."

3


ردت سارية بصوتٍ يرتجف من الغضب والاحباط معًا:

+


"أكتر من كده دلال؟ أكتر من كده إيه… ده لو جبل كان زمانه اتهد."

1


ابتسمت هنادي بحنكة، وعيناها تتلألأ بمزيج من الحكمة والحنان:
"أبوه كان كده… لما حب فاطمة كان مخلص ليها… ومع إن فاطمة ماكنتش من علية القوم ولا حاجة."

1



        
          

                
ارتسمت على وجه سارية علامة دهشة، وعيناها اتسعتان كما لو أن ما تسمعه يكسر مفاهيمها السابقة:

+


"إيه… بجد؟"

+


أومأت هنادي، وعينيها تعكس ذكريات الماضي:

+


"آه… ده أبوها كان حد بسيط جدًا… لكن لما حب سالم فاطمة، طلبها للجواز."

+


تقدمت سارية خطوة للأمام، وملامحها تشتعل فضولًا:
"طب هي عملت إيه عشان يتجوزها؟ يعني شاف فيها إيه يخليه يتحدى الكون كله عشانها؟"

+


ضحكت هنادي بخفة، ونظرت إلى أعلى، وكأنها تسترجع درس الحياة:
"ولا حاجة… البساطة هي حلت لغز كل حاجة. ساعات البساطة بتكون جذابة أكتر من أكبر ماسة في العالم… السر في بساطة فاطمة… يمكن فاطمة قدرت بلسانها المعسول تحط سالم تحت جناحها."

2


شهقت سارية قليلًا، وعينيها تتلألأ بفضول وحيرة:
"إزاي؟"

+


ابتسمت هنادي، ووجهها يفيض بالهدوء والإقناع:
"فاطمة… كان دايمًا كلامها معسول… تحبيها وتحب قعدتك معاها… حتى دليلة كانت تحبها أكتر مني عشان لسانها… وإنها دايمًا مخرجة نفسها من أي صراع… كانت عايزة حياة هادية بعيدة عن الحكم والحرب… وكانت خايفة على سالم طول الوقت… وخوفها وقلقها الزائد كان سبب سقوط حملها المستمر."

1


تأملت سارية في وجه هنادي، وكأن كلماتها أضاءت لها بصيصًا من الطريق:
"يعني بدر عايز واحدة زي أمه… بسيطة."

+


أومأت هنادي برأسها، وعيناها تلمعان بالحكمة، وتمسكت بيد سارية لتثبت لها قوة النصيحة:

+


"جايز… أتعلمي من فاطمة… واتكلمي معاها… واجاوريها… هي لو حبتك، هتحب تكوني معاها على طول… وهي اللي تطلب من بدر يتجوزك."

3


تجلس سارية في صمت، وعينيها تبحثان عن معنى تلك الكلمات، في قلبها شعور بالارتياح والرهبة معًا، كأنّها اكتشفت مفتاحًا لخبايا قلب بدر الذي طالما بدا عصيًا عليها.

+


ابتسمت هنادي ابتسامة خبيثة، وعيناها تلمعان بمكر وحيلة، وكأنها تحمل معها كل ثقل الطمع والحسد الذي ورثته أجيالها. جلست بجانب سارية، وقبضت على يدها بحنان زائف، ثم بدأت تهمس في أذنها بنبرة تحمل كل خبثها:

+


"بصي يا بنتي… لو عايزة تاخدي اللي قلبك فيه، لازم تعرفي تتلاعبِ بالناس حواليكي… مش كل حد يستاهل ثقتك… كل حركة ليكي محسوبة… زي لعبة شطرنج، كل خطوة لازم تكون محسوبة بعناية."

1


نظرت سارية إليها باندهاش، وعينيها تتسعان من مزيج الفضول والخوف، بينما واصلت هنادي خطتها المسمومة:

+


"بدر؟ آه… هو هدفك… بس فاكرة حاجة… مش هتجيه بسهولة… لازم تظهريله صورة مختلفة، خلي قلبه يشتاقلك، خلي الغيرة تأكله من جواه… خلي أي واحدة تقرب منه تحس بالتهديد… خلي كل كلمة تقوليها… كل نظرة… محسوبة… مش عشان تحبي بس… عشان تسيطري."

2



        
          

                
تنهدت سارية قليلاً، وابتسامتها متوترة، كأنها تحاول أن تستوعب هذا الدرس المسموم، فقالت:
"يعني أكون… زيك؟ مليانة خبث وطمع وحقد؟"

2


ضحكت هنادي ضحكة قصيرة، قاسية كالسيف، وابتسمت ابتسامة الأم الماكرة:
"مش زيي… أحسن… أكتر ذكاءً… لازم تعرفي تتقني اللعبة… كل حاجة حواليكي وسيلة… حتى صديقاتك… حتى عائلتك… كل خطوة لازم تزرعِ فيها الشك والخوف… وتركزي على هدفك فقط… ما تهتميش بمشاعر حد، خصوصًا لو كانوا عائق."

2


اقتربت أكثر، وهمست بصوت منخفض وحاد:
"لو حبيتي تسيطري على بدر… خلي قلبه متعلق بيكي… خلي الغيرة والفضول يقتلوه من جوه… خلي أي كلمة من أي حد ضده… ويشوفك دايمًا الوحيدة اللي تستحق ثقته… هتكوني زي ملكة تتحكم في كل شيء حواليه."

+


سارية جلست ساكنة، وعينيها متلألئتان بخليط من الفضول والخوف، بينما قلبها يخفق بين الرغبة في القوة والرهبة من لعبة الخبث هذه.

+


"والأهم يا بنتي… لا تظهري أبدًا كل مشاعرك… خلي جزء منك سر… جزء مظلم… خلي الناس دايمًا يتساءلوا عنك… وده اللي هيخليهم متعلقين بيكي… بدر هيبدأ يشوفك مختلفة… ويشتاقلك… واللي حواليكي هيفقدوا زمام السيطرة… واللي تريديه هتوصلي له."

+


ثم نهضت هنادي، وعيونها مليئة بالدهاء والخبث:
"تذكري… الطمع والخداع مش عيب… العيب إنك تتركي أي فرصة تفوتك… واللي يهمنا… هدفك وهدفنا واحد… بدر لازم يكون ملكك بطريقة أو بأخرى… وده اللي هتحققيه لو لعبتي صح."

1


جلست سارية صامتة، بينما قلبها يهتز بين الطموح والخوف، وعقلها يمارس كل سيناريو ممكن… كل خطوة محسوبة، كل كلمة موزونة، كل نظرة… استعدادًا لأن تصبح لاعبة ماهرة في لعبة الخداع، الطمع، والحقد، التي غرستها فيها والدتها بخبرة وحنكة قاتلة.

+


هكذا، في صمت تلك الغرفة، تشربت سارية كل خبث ونوايا والدتها، وعينها تتلألأ بخطط ماكرة، مستعدة لأن تخطو في طريق الطمع والسلطة، حيث كل ابتسامة قد تخفي سهمًا، وكل كلمة قد تكون فخًا، وكل نظرة قد تكون سلاحًا، وكل مشاعرها… مجرد وسيلة لتحقيق هدف واحد: قلب بدر تحت سيطرتها، مهما كانت التكلفة.

+


جلست نسيم في زاوية صغيرة من الغرفة، وعيونها تتبعان كل حركة لسارية وهنادي من بعيد، وقلبها يثقل بالخوف على بدر. كانت تستمع لكل كلمة تُقال، وكل همسة تحمل خبثًا وطمعًا، وكل نظرة تفيض بالحسد والحقد.

+


تسمرت نسيم في مكانها، وعقلها يسبح بين التفكير والقلق، وبدأت تتحدث مع نفسها بصوت خافت لا يسمعه أحد:

+


"ده خطر… ده فعلاً خطر كبير على بدر… مش أي خطر، ده من النوع اللي ممكن يغيّر كل حاجة… بدر ما يعرفش إن سارية و امي هنادي بيخططوا له… وده ممكن يجرحه، ممكن يخليه ضحية لعبتهم."

+



        
          

                
تنهدت، وابتلعت ريقها بعناية، محاولة أن تجد الكلمات الصحيحة:

+


"لازم أتصرف… لازم أحذره… ماينفعش اسيبه لوحده… لو بدر عرف الحقيقة بدري هيكون عنده فرصة… فرصة يحمي نفسه… وأنا… لازم أكون جنبها… لازم أفكر كويس… أقول إيه… وأعمل إيه… مش ينكشف ليّ… بس كمان لازم يوصل له التحذير من غير ما يشك في حد."

2


ابتسمت ابتسامة خافتة، لكنها ابتسامة القلق الحاد، ثم تابعت:
"يمكن لو قربت منه بهدوء… لو قلته حاجة من القلب… حاجة صادقة… يمكن يفهم… يمكن ياخد باله… مش لازم أقول كل حاجة… بس كفاية ألمح له له… وأفتح له عينه… قبل ما يكون الأوان فات."

+


جلست نسيم ساكنة لحظة، وهي تحدق في الظلام الذي يحيط بالغرفة، وكل شعرة على جسدها متوترة، مستعدة أن تتحرك في أي لحظة.

+


"لازم أكون ذكية… لازم أختار اللحظة المناسبة… لازم بدر يحس بالتحذير من غير ما يعرف مين اللي وصله الكلام ده… بس أهم حاجة… لازم يحمي نفسه… ولازم أنا كمان أكون جنبه… حتى لو خطر عليّ… و أمي زعلت مني ، ماينفعش أسيبه لوحده."

+


بهذه الأفكار، شعرت نسيم أن قلبها يخفق بقوة، وعقلها يخطط في صمت، كمن يحاول نسج شبكة حماية حول شخص عزيز، وكل خطوة فيها محسوبة، وكل كلمة محتملة هي فرق بين النجاة والهلاك.

+


جلست نسيم متأملة، وعقلها يعيد رسم تلك اللحظة التي أنقذها فيها أمان، ولكن في ذهنها كان أمان وبدر شخص واحد، فكل الفارق الذي شعرت به لم تستطع تفسيره.

+


"ليه حسيت بالأمان… حسيت إن اللي جنبني هو بدر… بس… كان مختلف…  اللي أنقذني كان بنفس مظهره، نفس جسمه… بس… اللي حسيت بيه… ما كانش نفس إحساس بدر اللي كان واقف جنبي… عيونه كانت… عميقة… هادية… لامعة… مش مجرد وجوده زي المعتاد… اللي شوفته بيه قبل كده."

1


ابتسمت ابتسامة خافتة، ممزوجة بالدهشة والخوف في آن واحد، وعيناها تتذكران كل حركة، كل تفصيل صغير، كل تردد أو ثقة.

+


"يعني… بدر فعلاً قدر يحميني… بس بطريقة مختلفة… طريقة غريبة… نفس الشخص… بس… شعوري كان غير… لا… لازم أحذر بدر… لازم أكون حذرة… أي كلمة غلط… أي حركة… ممكن تكشفني… بس لو عملت الصح… يمكن أحميه…"

+


تطلعت نسيم نحو الظلام، وكأنها تحاول قراءة المستقبل، وكل جزء من عقلها يزن كل خطوة قبل أن تتحرك، وكل فكرة كانت تنبثق فيها تحمل ثقل المسؤولية، خوفًا من أن أي خطأ قد يكلف من تحب.

+


"لازم أتصرف… بدر ما يعرفش حاجة عن اللي بيحصل ورا ضهره… وأنا لازم أكون حذرة… و أتحرك بحكمة… و أفكر قبل أي خطوة… وأحميه من أي خطر… حتى لو ما عرفش ايه الفرق اللي حاسة بيه…"

+


وفي صمت الغرفة، جلست نسيم محدقة في الفراغ، عاقدة العزم على أن تكون حامية لمن تحب، مهما كلفها ذلك من خطر أو تعب، وهي مقتنعة أن بدر وأمان شخص واحد، وأن عليهما النجاة معًا من كل تهديد محتمل.

+



        
          

                
كان الليل يزداد عمقًا، والريح تلفح وجه زين وهو يخرج من خيمة أمه. خطواته مثقلة كأن الأرض تشده للوراء، لكن يده التي تقبض على القوس كأنها مربوطة بحبل لا يُرى إلى المصير. وقف عند باب الخيمة لحظة، التفت إلى الداخل، فرأى وجه أمه رشيدة، نصفه مضاء بضوء المصباح، والنصف الآخر غارق في الظلام، كأنها صورة لروحٍ بين الجنة والجحيم. كانت تبتسم ابتسامةً مشوبةً بالانتصار، وتهز رأسها له إيماءةً خفية، كأنها تقول: "روح، لا رجعة بعد الليلة الا و إنت منصور."

+


شدّ زين على أسنانه، واتجه نحو مربط الخيل. الليل كان ساكنًا إلا من أصوات بعيدة للحفل الذي يُقام عند القبيلة الأخرى، أنغام الدفوف والضحكات تصل إليه متقطعة كأنها شبح عيد لا يخصه.

+


اقترب من حصانه، ذاك الجواد الأسود الذي لطالما شاركه صولاته في الصيد والسباق. مسح على عنقه بيده المرتجفة، والحصان شخر وكأنه يقرأ ما في قلب صاحبه. همس زين بصوتٍ مبحوح:

+


"سامحني يا صديقي… الليلة مش زي كل الليالي… الليلة دم، مش فخر."

+


قفز على صهوة جواده، والريح اشتعلت في شعره المبعثر، قبض على اللجام بقوة، وضرب بقدمه خاصرة الحصان، فانطلق كالسهم في قلب الصحراء.

+


كانت الرمال تتطاير من تحته، والليل يفتح له دربًا مظلمًا نحو قدرٍ لم يختره بكامل إرادته. عيناه شاخصتان في البعيد حيث تلوح أضواء الحفل، وصدره يعصف بالأسئلة التي لا تهدأ.

+


"أأكون قاتلًا الليلة؟ أأقتل رجلًا لا ذنب له إلا أنه وُلد بدر الحمدانية؟ أأبيع آخرتي برضا أمي؟ أم أنّ رضاها هو طريقي للملك؟ ماذا لو عرف أبي؟ أيصفعني ويقتلني، أم يرفعني فوق رأسه؟ وماذا عن صقر… هل سيرى فيّ ندًا أم خائنًا؟"

2


تسلل العرق إلى جبينه رغم برودة الليل. قبضته على القوس اشتدت، حتى كاد الخشب يتشقق تحت أنامله. شعر أن القوس أثقل من جبل، كأن كل كلمة قالتها أمه زادت من وزنه.

+


اقترب أكثر، والأصوات صارت أوضح. أصوات النساء يزغردن، الرجال يضحكون، الأطفال يركضون. رائحة الشواء والبخور تطايرت مع الريح، كأنها تسخر من قلبه المثقل.

+


توقف عند ربوة تطل على مكان الحفل. هناك رأى المشهد أمامه واضحا: بدر واقفة بين الرجال، كأنها أحدهم، وصقر يضحك بين الغجر، ويزيد يتنقل بفضول بين الجمع. النار مشتعلة في الوسط، ترقص ألسنتها كأرواحٍ تحتفل.

+


شعر زين أن الأرض تهتز تحت قدميه، والعرق يبلل راحتيه. رفع القوس ببطء، ووضع السهم على الوتر. شدّه للخلف، وصوت ارتعاش الوتر اخترق صمته الداخلي.

+


لكن قلبه صاح:
"أهذا هو الطريق؟ أهذا هو العزّ الذي وعدتني به أمي؟ أم أني أدفن نفسي قبل أن أبدأ؟"

+


خفض السهم قليلًا، صدره يعلو ويهبط كمن يغرق. أغمض عينيه لحظة، فتدفقت صورة أمه أمامه، وهي تقول: 
"روح يا ولدي… خليني أكون أم القائد…"، فشدّ الوتر من جديد، وعيناه تتعلقان بجسد بدر وسط النيران.

+



        
          

                
وفي اللحظة التي استعد فيها لإطلاق السهم، ارتجف قلبه كطائرٍ اصطدم بقفص، وترددت يداه بين الغدر والمروءة.

+


خرج عبد ربه من بين الناس متثاقل الخُطى، يتلفّت خلفه كل حين وكأن قلبه قد علق بخطوات سيّده. اقترب من بدر، وجهه مكفهرّ، عينيه لا تهدآن، والقلق يقطر من صوته وهو يهمس في أذنها:

+


عبد ربه بصوتٍ متردد:
"يلا نعاود الدار يا بدر… الحفل هيخلص."

1


رفعت بدر رأسها نحوه، عيناها تلمعان تحت وهج المشاعل، وقد غطّى التعب قسمات وجهها لكنها أخفته خلف قناع الحزم. ابتسمت بخفة وقالت:

+


"ماشي."

+


لكنها لم تكد تُكمل الكلمة حتى لمح زين من بعيد خيالهما، فانعطف بخيله وبدأ يتعقبها من بعيد. عيناه تضيقان كالصقر حين يترصّد فريسته، وكل عضلة في جسده مشدودة كوتر قوس على وشك الانطلاق.

+


في الطريق إلى المنزل، ساد صمت ثقيل بين بدر وعبد ربه، لا يقطعه سوى وقع أقدامهما على الرمل وصوت الريح وهي تلاعب أطراف الخيام. وحين وصلا، التفت بدر إلى عبد ربه، وفي نبرتها قوة رغم الهدوء:

+


"خلاص يا عبد ربه، روح إنت وأمان… يدوب تتحركوا دلوقتي، وأنا من الفجر هروح السهل الغربي."

+


قطّب عبد ربه جبينه، كأن نصلًا غُرس في صدره، ثم قال:

+


"بس أنا قلبي مش مطمن… أسيبك وحدك وأمشي؟"

2


نظرت بدر إلى عينيه، وفي بريقها صلابة تُخفي هشاشة لم يلمحها أحد من قبل، وقالت بثبات:

+


"ماتخفش يا عبد ربه، أنا أقدر أحمي نفسي… روح واعمل اللي طلبته منك."

2


أطرق عبد ربه رأسه، يتردد بين أمر قلبه وأمرها. كان جزء من كيانه يصرخ ألّا يتركها، أن يبقى ولو ثمنًا لحياته، لكن طاعته لها كانت أعمق من رغبته في الحماية.

1


مضى عبد ربه بخطواتٍ مترددة نحو أمان، وعيناه لا تفارق بدر حتى غاب جسده في العتمة. جلس بجانب أمان، يُعدّ العُدّة للسفر إلى المدينة حيث الأطباء، بينما في داخله نارٌ مشتعلة من القلق.

+


أما بدر، فقد شعرت بالاختناق يضغط على صدرها رغم سكون الليل. كان الهواء خانقًا برائحة البخور والذبائح التي لم تزل نارها مشتعلة من الحفل. فخرجت أمام المنزل، تُريد أن تشم نسمةً طاهرةً من هواء الصحراء، تُداوي صدرها المرهق.

+


خطت بخطواتٍ بطيئة، تنظر إلى السماء حيث القمر يتربع بين الغيوم، كأنه عين تراقبها بصمت. ثوبها ينساب مع نسمات الليل، وصوت أنفاسها يعلو قليلًا ثم يهبط. من حولها، الجنود يقفون على مقربة، أعينهم تتنقل بين الليل، وسيوفهم معلقة على أكتافهم، كأنهم حائطٌ من فولاذ يحرس سورها الكبير.

+


لكن بدر، رغم كل الحماية، شعرت بالوحدة تعصر قلبها. حدّقت في الأفق البعيد، لا تدري أن بين الظلام فارسًا يتربص بها، يُراقبها كالشبح، قوسه مشدود، وعينه على صدرها.

+


كان الليلُ قد أسدل ستاره على الصحراء، والظلامُ يتكاثف حتى صار كالبحر الأسود يغمر المكان. لا يضيء السماء إلا هلالٌ نحيل متوارٍ خلف سحابةٍ سميكة، فيزيد الطرق وحشةً وغموضًا. كان صقر يمتطي حصانه، يسير الهوينا على غير هدى، يبحث بعينيه الثاقبتين عن منزل جلالة الذي وُصف له بدقّة، لكنه بدا كسرابٍ يبتعد كلّما اقترب.

+


توقّف صقر قليلًا، يحدّق في البعيد، فإذا بالظلّ الغامض الذي دلّوه عليه يتراءى أمامه، منزلٌ متواضع يختبئ بين الأشجار النادرة. لكن خطاه قادته أوّلًا ناحية غرفة أمان، تلك الغرفة المنعزلة التي لا تبعد كثيرًا عن بيت بدر. بدا المكان موحشًا، بلا ضوءٍ يُهتدى به، سوى بريق النجوم الضعيف المنكسر على أسطح الخيام.

+


شدّ صقر لجام حصانه واقترب بحذرٍ شديد، قلبه يخفق وكأنّه يخشى أن تفضحه أنفاسه. وبينما يتسلّل، إذا به يلمح من بعيد بدر قادمة بخطواتٍ متباطئة، وحدها، وقد ابتعدت عن حُرّاسها الذين ألفوا ذهابها إلى ذاك المكان، فغاب عنهم الاهتمام بها.

+


ارتبك صقر، وانقبض صدره، خشية أن تراه وتفضح أمره، فانسحب بخفّة واختبأ خلف الأشجار، يراقبها من بين الأغصان كذئبٍ يتربّص بالفريسة.

1


وبينما كان يثبت نفسه في مخبئه، كان هناك آخر يعدّ أنفاسه بترصّد: زين، الذي أوقف حصانه على مسافةٍ غير بعيدة، وجلس فوق ظهره كالظلام الأسود، عيناه تقدحان شررًا، ويده قابضة على القوس، يثبّت السهم، يشدّ الوتر حتى كاد ينقطع من فرط التوتر.

+


وفي تلك اللحظة، جلست بدر في مكانٍ مكشوف، مائلة إلى جذع شجرةٍ عالية، ورفعت رأسها نحو السماء. ظنّت أنّ لا أحد يسمعها، ولا عين تراقبها، فانفلت منها صوتها الحقيقي، ذاك الصوت الناعم الدافئ الذي خبّأته طويلًا خلف قناع الرجولة. كان صوتًا أشبه بالأنين، ينساب مع الريح، فيدخل إلى قلب كل من يسمعه.

1


بدر بصوتٍ متهدّج:
"يا رب… أنا معرفش اتكلم مع حد غيرك باللي بيحصل في قلبي… أنا تعبت. نفسي أعيش زي ما أنا عايزة… تعبت من السر المخفي… تعبت من كل الكذب اللي موجود حواليا."

2


ارتجف صقر في مخبئه، عينيه اتّسعتا دهشةً، وصدره ضاق وكأنّ الهواء انقطع فجأة. لم يكن يتصوّر أن ذاك الصوت العذب يخرج من فم بدر، الذي طالما رآه رجلاً شامخًا بين الرجال. وقف مذهولًا، يتأرجح بين التصديق والإنكار، كأنّ الأرض تحت قدميه مالت به.

+


تردّد لحظة، ثم همّ بالخروج من خلف الأشجار، أراد أن يقترب، أن يسأل، أن يواجه هذا السرّ الذي انكشف أمامه فجأة. لكن قبل أن يخطو، قبل أن تلامس قدماه التراب، انطلق صوتٌ مزلزل اخترق سكون الليل.

+


كان زين قد أطلق سهمه، فشقّ الهواء بصافرةٍ حادّة كأنها صرخة الموت، واستقر في صدر بدر.

2


شهقت بدر شهقةً عميقة، وارتسمت على وجهها ملامح الذهول والوجع معًا. وضعت يدها على صدرها حيث اخترقها السهم، عيناها تلمعان بدموعٍ محبوسة، وشفتاها ترتجفان بكلماتٍ لم تُكتمل.

+


أما صقر، فقد تجمّد في مكانه، عيناه متسعتان، وصدره يعلو ويهبط كمن تلقّى الطعنة بنفسه. لحظةٌ واحدة قلبت كل شيء، لحظة أدرك فيها أنّ بدر لم تكن يومًا كما ظنّ، وأن الموت قد اختطف سرّها قبل أن يملك الإجابة.

2


...........

+


الفصل ده بدل يوم الخميس عشان عندي ظرف طارئ 😭
حماس أصبروا معلش لحد يوم الأثنين القادم إن شاء الله 😭😱

1


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close