اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل الثامن عشر 18 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل الثامن عشر 18 بقلم رانيا ممدوح



                                              
ما إن تأكد زين أن سهمه قد أصاب هدفه، حتى ارتجف قلبه باضطراب غامض، وانطلق هاربًا، يبتلعه الليل كما تبتلع هاوية لا قرار لها جسدًا تائهًا. كان يجري بخطى متعثرة، كأن الأرض نفسها تتنصل من حمله، والظلام يزداد كثافة حوله، يغلق عليه كل منفذ، حتى خُيّل إليه أنه لا يفرّ إلا إلى أعماق نفسه، إلى تلك الهوة المظلمة التي طالما حاول أن يتجنبها. كل خطوة كانت تصرخ في داخله:
"لقد غَرِقتَ في ظلام سهمك... وفي ظلام قلبك قبل ذلك."

2


وقف صقر متردداً لبرهة طويلة، كأن عقله قد تجمد وسط الظلام، وعيناه تتفحصان المشهد من بعيد. الحراس يغزون منزل بدر بغزارة، صوت أقدامهم يرن في الهواء كالطبول، والدهشة تملأ قلبه بين خيارين: أن يتقدم ويكشف الحقيقة، فيتهم فورًا، أو أن يبتعد ويتركها تواجه مصيرها وحدها.

1


في نفسه همس صقر بصوت منخفض، كأنه يذكّر نفسه بالجرأة ما زال ينكر عذوبة صوتها التي سمعها:
"امشي يا صقر... جات لحد عندك، وابن الحمدانية هيموت وتخلص منه من غير ما تعمل حاجة."

2


ركب حصانه بخطى مترددة، وبدأ يتحرك نحو الهدف، لكن شيئاً ما داخله أعاد قلبه إلى الوراء. شعور غريب، مزيج من المسؤولية والفضول، جعله يعود مرة أخرى بخطوات متثاقلة، وعيونه تراقب كل زاوية في الظلام.

3


اقترب من بدر مرة أخرى بحذر، و حملها بين يديه ، ودخل غرفة أمان حيث استقرت بدر على سريره. ضوء القمر خجل ينساب من النافذة، يكشف ملامح الغرفة بصمتها المهيب، فيما يحاول صقر إشعال المصباح، إلا أن يده المرتجفة تصطدم بالمصابيح عدة مرات قبل أن ينجح.

3


اقترب من بدر، قلبه يفيض بالقلق، يظنها قد فقدت الحياة. وضع يده برفق أسفل منخارها، فشعر بتنفسها الخفيف المنتظم، وارتاحت نفسه قليلاً.

1


بدأ يخلع ملابسها ببطء وتردد، كل حركة تقطر حرصاً وخوفاً. لكن المفاجأة كانت حين صادف المجسم السليكوني، ورأس السحاب الذي أخفى هويتها الحقيقية.

3


صقر، مذهولاً، تنفس بعمق وارتجف:
"إيه ده؟ ده جسم حقيقي."

3


سحب السحاب بهدوء، ووقعت عيناه على الحقيقة التي لم يكن مستعداً لها: بدر، الشخص الذي اعتقده رجلاً، أنثى في الواقع. ابتعد خطوة للخلف، وجهه شاحب وعيناه تتسعان، وهو يلهث من الصدمة:
"إيه ده...؟ ايه اللي بيحصل ده؟ "

4


لكن الوقت لم يسمح له بالانغماس في الدهشة. اقترب مرة أخرى، ولاحظ السهم في صدرها، يلمع تحت ضوء القمر. ركض نحوها، وأخرج السهم برفق، ورماه بعيدًا، ثم التقط منديله، وبدأ يضغط على الجرح ليكتم النزيف، متأكدًا أن الإصابة سطحية وليست غائرة، لكن الألم واضح على صدرها.

2


بحث سريعاً في الغرفة عن أي شيء يمكن أن يساعد، فرأى إناءً فارغًا، ملأه بالماء وسخنه على النار. وعلى الطاولة، وقع نظره على الأعشاب التي أنقذته من قبل، واندهش في صمت، مستعيدًا شعور الامتنان والطمأنينة وقتها رغم شعوره بالغرابة من وجوده هنا.

2



                                      


                
كل حركة من صقر كانت تعكس توتره وقلقه العميق، ووجهه الذي صار شاحبًا من الخوف والدهشة، لكنه كان مصممًا على أن يحميها، مهما كانت المفاجآت التي يخبئها الليل.

1


وقف صقر يحدق في بدر بصمت، عيونه تائهة بين الصدمة والحيرة، وكأن عقله يحاول أن يستوعب كل ما يحدث أمامه. أخذ نفسًا عميقًا، ثم همس بنفسه بصوت منخفض، ممتزج بالذهول والارتباك:

1


" أنا مش فاهم بساعدها ليه ؟!!أنا مش فاهم حاجة... إيه اللي جابني هنا ؟ ... أنا هساعدها وبس... خلاص يا صقر، قولهم إن بدر بنت وساعتها كل حاجة هتنتهي."

3


لكنه وجد نفسه عاجزًا عن ذلك، وكأن صدى الكلمات يخنقه. بدلاً من إعلان الحقيقة، أخذ قليلاً من الحذر بداخله وبدأ يغلي الماء ويجهز الأعشاب، ثم بدأ بتنظيف الجرح بعناية شديدة، كل حركة منه تنم عن خوف واهتمام، ووجهه مشحون بالتركيز والقلق.

1


لكن المجسم السليكوني الذي اكتشفه مسبقًا ظل يضايق حركته، فأخذ يفتحه بحذر قليلا، حتى لمع شيء أمام عينيه، كان السلسال الذي لا يفارق بدر عنقها دومًا.

3


زادت صدماته أكثر فأكثر، والدهشة ترتسم على ملامحه كلما اقترب. ثم أخرج القطعة الأخرى التي يحملها دومًا، وفتح السلسلة أخيرًا، و وجد نفس الورقة، نفس لون الحبر، ونفس الأمنية المكتوبة بخط دقيق وهادئ، كأنها خيوط من روحها.

3


قرأها بصوت خافت، وكأن الكلمات نفسها تتسلل إلى قلبه:

+


"نفسي ألبس فستان أحمر وأمشي بيه في القبيلة كلها و كردان دهب وأحط كحل وأحني دراعي لحد كوعي ورجلي وأمشي بيهم من غير ما أخاف حد يشوفني."

3


ثم قلب الورقة، ووجد على ظهرها:

+


"نفسي أنام من غير ما أخاف على قبيلتي."

2


سقطت الكلمات على قلبه كرصاص حقيقي، شعور بالدهشة، الألم، والانكسار يتقاطع في ملامحه. لم يستطع صقر أن يثبت قدماه في مكانه، وقدماه ترتجفان أمام الحقيقة التي لم يكن يتوقعها. وضع يده على وجهه، حاول أن يخفف من صدمة ما رآه، لكنه لم يستطع.

4


وبينما كان يلمس الورقة، بدأت ذكرياته تتدفق، صور سنواته مع بدر، لحظات التفاعل معها، تصرفاتها، صراحتها أمامه أحيانًا، لكن أكثرها كانت متخفية ومتحفظة، تصنع لنفسها هوية تبدو كرجُل أمام الجميع.

1


تذكر كيف أتقنت بدر تنكرها ببراعة فائقة، كيف كانت كل حركة، كل نظرة، كل كلمة محسوبة لتخفي حقيقتها عن القبيلة، عن الأصدقاء، عن كل من حولها، حتى عن صقر نفسه.

1


وقف صقر، مدهوشًا، وعيونه تتوه بين الصدمة والإعجاب، كأن قلبه يختلط بين الغضب والدهشة، بين الحيرة والإعجاب بشجاعة بدر، وابتسامة صغيرة تعلو شفتيه، رغم كل ما يشعر به من صدمة:

1


"قد إيه كانت قوية... قد إيه لعبت اللعبة صح... كل الناس شايفة راجل... وكل حاجة كانت تمثلها... و الكل صدقها حتى أنا."

2



        

          

                
الهدوء ساد الغرفة للحظات، بينما صقر يتنفس ببطء، يلمس الورقة مرة أخرى، وعيناه تتابعان كل تفصيلة في وجه بدر، محاولًا استيعاب حجم السر الذي حملته طوال هذه السنوات، وفهم ما وراء كل تصرف وكل تنكر: شجاعة، حيلة، حب للقبيلة، خوف... وكلها مجتمعة في فتاة صغيرة، قوية، خارجة عن كل التوقعات.

1


وقف صقر في مكانه، ويداه ترتجفان قليلاً، وعيناه تتسعان من الصدمة وكأن عقله لم يستوعب الحقيقة بعد. صوته خرج متقطعًا، ممتزجًا بالدهشة، بالحيرة، وبقدر هائل من الصدمة:

1


"يعني... البنت... اللي كنت... بستنى أشوفها... هي... بدر الحمداني؟!"

2


صمت للحظة، رأسه مائل إلى الوراء، ويداه متشابكتان كأنه يحاول تمسك الواقع الذي انهار أمامه. قلبه كان يخفق بعنف، وكل ما حوله أصبح ضبابيًا، كأن الزمن قد تجمد. كل الذكريات السابقة، كل اللقاءات الصغيرة، كل لحظة كان يشعر فيها بالمنافسة و العناد، أخذت تتدفق أمام عينيه كصور متسارعة على شاشة الحياة.

1


صقر نظر إلى الورقة التي بين يديه، ثم إلى السلسال، وقرأ الكلمات المكتوبة بعناية مرة أخرى: 
"نفسي ألبس فستان أحمر وأمشي بيه في القبيلة كلها... نفسي أنام من غير ما أخاف على قبيلتي..." تلك الكلمات كانت شاهدة على حلم بريء، على خوف دفين، وعلى شجاعة لم يرها أحد من قبل.

+


نظر بعدها إلى بدر، التي كانت ملقاة على السرير، ويدها ما زالت تتحرك بضعف تحت تأثير الجرح الذي لحق بها. دمها يكاد يجعل اللحظة أكثر واقعية، وكأن الجرح الذي أصابها لم يكن مجرد ألم جسدي، بل كشف له سرًا عميقًا ظل مخفيًا طوال السنوات الماضية.

2


صقر أخذ نفسًا عميقًا، متذكرًا تلك المرة التي أنقذته فيها بدر من موقف قاتل، المرة التي شعر فيها بأن هناك يدًا تحفظه من الموت، ولكن قلبه لم يفهم حينها أنها هي. كان يحبها منذ زمن بعيد، قلبه مخلص لها، لكنه لم يعرف يومًا أن البطلة التي أنقذته كانت هي نفس الفتاة التي تقف أمامه متنكرة في زي الرجل، قوية، شجاعة، ومقدامة.

2


"مستحيل... كل اللي حصل... كل اللي حسيت بيه... كل السنين اللي بستنى أشوفها فيها... كانت هي؟! هي اللي... أنقذت حياتي... بأعجوبة... وأنا عمري ما عرفت؟! و لا خدت بالي ؟ عقلك كان فين يا صقر؟"

2


وقف صامتًا، عقله يتصارع مع الواقع. كل لحظة كان يشعر فيها بالأمان، كل مرة كان قلبه يخفق بشدة لشدة الفرح والخوف، كان كل ذلك بفضلها. بدر لم تكن مجرد امرأة عابرة في حياته، بل كانت حارسته الخفية، صديقته المخلصة في خياله، منقذته في لحظات الموت القريبة.

+


صقر شعر بخليط من العاطفة والصدمة والدهشة، عيناه تتجهان إلى وجهها الذي بدا هادئًا رغم الجرح، وتذكر كل لحظة ضعف وقوة مرّ بها معها. كل كلمة، كل نظرة، كل تصرف كان الآن منطقيًا له. أدرك أن ما كان يعتبره صدفة أو حظًا جيدًا، كان في الحقيقة شجاعة وحنانها المتخفي خلف تمويه الذكاء والدهاء.

1



        
          

                
"كل اللي عملته... كل خطوة... كل مرة كنت فيها على حافة الموت... كانت هي... هي اللي كانت ورا كل ده... واللي أنا كنت بحس بالأمل... كان بفضلها... يا رب... يعني تطلع بدر...!"

3


الدمعة الأولى بدأت تكاد تسقط من عينه، لكنه أسرع بتكتمها، عيناه لا تفارقانها، قلبه يخفق بعنف، ويداه ترتجفان وهو يضعها برفق على السرير حتى تنام بشكل جيد. الصدمة كانت ساحقة، لكنه شعر بحب عميق، حب لم يتغير طوال هذه السنوات، حب ظل مخلصًا له رغم كل الغموض وكل الحيل التي كانت تحيط به.

+


"مش معقول... أنا... أنا حبيت البنت دي... وفضلت مخلص ليها... وكل ده... وكل ده من غير ما أعرف الحقيقة؟! أنا هتجنن لا يمكن اصدق لا يمكن حد يصدق لو حكيت .. احكي لمين؟ دي مصيبة ، الكل هيطمع فيها الكل هيقضي عليها و أولهم أبويا."

2


ثم أخذ نفسًا عميقًا، وأمسك بمنديله ليوقف النزيف، وبدأ يغلي الماء، وبدأ بالعمل بعناية، كل حركة من حركاته كانت مملوءة بالقلق والحنان، وكل عيناه لا تفارقان وجهها، يحاول أن يحميها، أن يكون لها سندًا كما كانت له سندًا طوال حياته، دون أن يدرك هو حينها.
"يا بدر... يا بدر... لو عرفت الحقيقة من زمان... كنت هعرف أعطيكي كل حاجة... كل حياتي... كل حبي... كل إخلاصي ليكي... وأنتِ طول الوقت جنبّي... بتعانديني... وكنت مش حاسس... يا رب...".

2


كل شيء امتزج ليشكل الحقيقة الساحقة التي تهز قلبه وعقله معًا.

+


صقر جلس بجانبها، يضع يده برفق على كتفها، وعيناه لا تفارقانها، صوته منخفضًا ومليئًا بالدهشة والحب والامتنان:
"أنا... أنا مش فاهم حاجة... بس اللي فاهمه دلوقتي... إنك... أنتِ... البنت اللي حبيتها... اللي كنت مستنيها... اللي أنقذت حياتي... وفضلت مخلص ليها... وانا... أنا... مش هسيبك بعد اللي حصل... مهما حصل..."

4


الصدمة والحب امتزجا، والغرفة صمتت إلا من صوت التنفس البطيء لها ولصقر، وكل لحظة تمر كانت تثقل قلبه بمدى ما اكتشفه للتو... وأن حياته منذ اللحظة الأولى كانت مرتبطة بها، أكثر مما كان يتصور.

+


ظلت بدر تتأوه بألم، وأصواتها الناعمة ترتجف في الهواء:
"أه... اه... اه... اه... اه..."

1


اقترب صقر منها، عينيه تلمعان بالقلق والخوف، ويداه ترتجفان قليلاً وهو يمد الأعشاب الطبيعية السحرية التي كانت موجودة في الغرفة، عازمًا على إنقاذها:
"ماتخفيش... ما تخفيش... أنا جنبك... اشربي..."

2


شربت بدر المشروب ببطء، وأغمضت عينيها رويدًا، وانغمس جسدها في النوم، بينما تخفّ حدّة الألم تدريجيًا.

+


جلس صقر على حافة السرير، عيناه تلاحقان كل تنفّس وكل حركة صغيرة لها، ووجهه مشدود بالصدمة والصراع الداخلي، وصوته يتراجع ليصبح همسًا مؤلمًا:

+


"مطلوب مني اقتل بدر عشان اتجوز اللي بحبها... واذا كان اللي مفروض اقتله هو اللي بحبها... أبويا لو عرف... هيموتها... حلم سنين كنت انتظر يتحقق... ودي تكون النهاية... يروح مني..."

1



        
          

                
أطبق صقر يديه على رأسه، وارتجف قلبه في صدره، بينما عيناه تتوهجان بالحيرة والخوف، والدموع تهبط ببطء على وجنته:

+


"يا ترى يا صقر... هتقدر تنسى حبك اللي عاش... يهون عليك وحدتك وآلامك... هتقدر تدوس على قلبك عشان تحقق أمال أبوك فيك... هتقدر تقتلها..."

3


مد يده برفق على وجهها، لمس جبتها حتى يفحص الحرارة بخفة كما لو كان يخشى أن ينهار كل شيء لو تحرك أكثر، وعيناه تلمعان بالدموع والاضطراب، وصوته يهتز بالهمس الحزبن:

+


"القبيلة... ولا حبك يا صقر ... أبوك... ولا هي... هدفك... ولا حلمك..."

6


جلس على ركبتيه بجانبها، يتنفس بصعوبة، وجهه مشدود، وعيناه لا تفارقان تفاصيل وجهها، كأن كل ثانية تمثل صراعًا داخليًا لا يُحتمل:

+


"يا بدر... لو عرفوا عنك... عن قلبك... عن كل اللي عملتيه عشان القبيلة... كيف كنتِ تتحملي كل ده؟!... أنا... أنا مش قادر... قلبي بين نارين..."

1


ظل صقر يراقبها، ممسكًا يده برفق، وكل حركة منها تزيده ألمًا وحنينًا، وكأن الزمن كله توقف حولهما، لحظة فيها كل الحب والخوف والخيارات المستحيلة في آن واحد.

+


جلس صقر صامتًا، يراقب أنفاسها الهادئة، وكل حركة صغيرة منها كانت تشدّه أكثر إلى هاوية الحيرة والخيارات المستحيلة، وعينه تتوهج بالحزن والحنين:
"أنا اللي كنت مستني اللحظة دي طول عمري... اللحظة اللي نكون فيها مع بعض... ومع ذلك... مصيري... واقف... بين الدم والحب... بين واجب القبيلة... وقلب... قلبي اللي بيصرخ باسمها..."

1


ثم وضع يده على قلبه، كأنه يحاول تهدئة هذا الصراع المستعر داخله، وأطلق تنهيدة طويلة:
"بدر... لو عرفتي كل اللي جوه قلبي... لو حسّيتي بالألم اللي عايش معايا دلوقتي... كنت هتفهمي... كنت هتحسي... بس دلوقتي... دلوقتي... كل حاجة محتاجة صمت... محتاجة صبر... وقرار... قرار صعب... جدًا... أنا مش عارف اعمل ايه؟ "

5


ظل صقر ينظر إليها طويلاً، صامتًا، وكأن العالم كله اختفى، ومع كل لحظة كان قلبه ينكسر أكثر وأكثر، لكنه ظل ملتزمًا بحمايتها، رغم الألم والعذاب الذي يعتصره من الداخل.

+


وقف صقر لحظة، تنفس بعمق وهو يراقب بدر مستلقية على السرير، يتأمل استقرار حالتها بعد أن ضمّده بعناية. ضغط المنديل بلطف على الجرح، متأكدًا من أن الدماء توقفت تقريبًا، وقطع جزءًا من القماش الموجود بالغرفة ليحكم الرباط على كلا جانبي الإصابة. وضع السلسلتين جانبًا، كما لو أنه أراد أن يترك ذكرى، وأن يثبت لنفسه أنه لن يسمح لمشاعره أن تسيطر عليه... على الأقل في هذه اللحظة.

1


لحظة طويلة صمت فيها، عينيه تتأمل السكون في الغرفة، قلبه مثقل بالحب والواجب معًا، وعقله يحاول أن يجد سبيلًا للتصالح بينهما. ثم، ومع خطوة حاسمة، غادر الغرفة، كل حركة منه مليئة بالعزم، لكنه يحمل في قلبه صراعًا صامتًا بين حبه لها وبين كل ما يفرضه عليه عالمه.

+



        
          

                
ركب حصانه بهدوء، والليل يغطي خطواته، وكأن الظلام نفسه يخفي هروبه من المشاعر التي لا يقدر على مواجهتها بعد. واختفى في صمت، تاركًا خلفه السلسلتين، والمنديل، والذكرى... وقلوبًا مشدودة بين الحب والواجب.

4


عاد زين إلى أمه، ودموعه تتساقط على وجنتيه، قلبه مثقل بالندم على ما فعل طوال الطريق، كل خطوة كان يقطعها كانت تزيد من ثقل الذنب على صدره. رأى والدته، رشيدة، تنتظره بعيون متقدة بالشغف، كأنها تحسست قلبه قبل أن يتحدث.

2


رشيدة، بصوتٍ صارم يختلط فيه الحزم والانتظار:
"ها يا ابن بطني، عملت ايه؟"

2


ارتجف زين وهو يحاول كبت دموعه، لكنه لم يستطع، فخرجت الكلمات بصوتٍ متهدج وهو يواجه والدته:
"ضربته بالسهم..."

3


رفعّت رشيدة حاجبها، وصوتها يملأ المكان حزمًا وفخرًا متناوبين:
"يعني اتصاب ووصل قلبه؟"

1


أجاب زين، ودموعه تتساقط بلا رحمة، صوته مفعم بالندم:
"اه... سيبته غرقان في دمه..."

+


ابتسمت رشيدة ابتسامة حادة، وكأن نارها الداخلية بردت قليلاً، ولكنها ما زالت مشوبة بالقسوة والغرور:
"الله عليك يا ولدي... بردت ناري وفرحت قلبي... ليه تبكي؟ وقت تمسك الحمدانية تنسى ده... وكل معركة وليها خساير... عشان نربح لازم نضحي بكل شيء... حتى لو هنضحي بمبادئنا."

2


هبّ زين بيده على وجهه، ودموعه لم تتوقف، صوته ينهار بين كلمات الندم:
"أنا ندمان على فعلتي دي... ندمان على ذنب كبير عملته... مفيش حاجة تستاهل يدي تتلوث بالدم... ياريت يعيش ويسامحني."

1


ابتعدت رشيدة قليلاً عنه، عينيها مليئتان بالهيبة والبرود، وصرخت بحزم وحقد دفين:
"تف من بوقك... روح واحتفل بإنتصارك الليلة ، و نام و نيم ضميرك."

2


زين وقف للحظة، ينظر إلى الأم التي لطالما شكلت حياته، يشعر بثقل دماء ما اقترفته يديه، وبأن النصر الموعود لا يساوي شيئًا أمام ثقل الضمير. كانت الأم قوية لا ترحم، والولد صغير أمام قوة طموحها، ويدرك أن الطريق الذي اختاره مليء بالظلال، وأن قلبه سيظل ممزقًا بين طاعة والده وطاعة ضميره.

+


كان يزيد واقفًا في الجهة الخلفية للقصر، قلبه متوتر، وعيناه تتفحصان كل حركة حوله، كأنهما تبحثان عن أي علامة على غياب صقر. كانت يده ترتجف قليلًا وهو ينتظر بفارغ الصبر وصول صقر، الذي طال انتظاره.

+


وفجأة، ظهر صقر على بعد خطوات قليلة، قميصه ملطخ بالدماء، وعيناه تحملان تعبًا لا يمكن إخفاؤه.

+


ارتعش يزيد للحظة، ثم قال بقلق واضح على ملامحه:
"ايه ده... مالك؟"

+


رفع صقر رأسه، محاولًا إخفاء أي أثر للضعف، وأجاب بهدوء كاذب:
"أنا بخير."

+


اقترب يزيد بخطوات سريعة، عيناه تتفحصان الدماء على القميص، حاجباه مرتفعان باندهاش:
"اومال ايه الدم ده؟"

+



        
          

                
صقر التفت له بسرعة، محاولًا كبح أي توتر، وقال بصوت خافت:
"مافيش."

+


ضحك يزيد، وضحكته مليئة بالسخرية والمزاح، لكنه يحمل في طياتها قلقًا حقيقيًا:
"هو ابن الحمدانية لقاك ماشي وراه دب السكينة في كرشك؟"

2


تنهد صقر ببطء، وأمسك بحافة قميصه لتنظيفه في حركة سريعة، ثم قال بصرامة:
"أنا مش عايز أضحك دلوقتي... أنا هروح أنام."

+


كانت عيناه تحملان ثقل الأحداث التي مرت به، بينما يزيد يراقبه بقلق، كأنما يعرف أن شيئًا أكبر مما يراه الآن قد حدث، وأن الليل لا يزال يخبئ أسرارًا مظلمة تنتظر أن تكشف.

+


دخل صقر إلى المرحاض، خطواته متثاقلة، وعيناه تحملان ثقل ما حدث. الهواء البارد يلتصق ببشرته، والدماء على قميصه تلمع تحت ضوء المصباح الخافت وكأنها تروي قصة الألم والصراع الذي عاشه.

+


وقف أمام المغسلة، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم فتح صنبور الماء، يداه ترتجفان قليلًا وهو يرش الماء على القميص، يحاول محو آثار الدماء عن جسده. كل نقطة ماء تتناثر كانت كأنها تزيل جزءًا من الصدمة التي ما زالت تثقل قلبه، لكنها لم تستطع محو الذكرى التي علقّت في ذهنه.

+


صقر نظر إلى انعكاسه في المرآة، عينيه لامعتان بالتعب والخوف، وابتسامة ضعيفة مرت على وجهه، حاول بها تهدئة قلبه الذي ما زال ينبض بعنف. رفع يده لمسح دماء وجهه، ثم أدار رأسه نحو القميص، يقول لنفسه: 
"مش كل حاجة ممكن تتشاف بسهولة... بس لازم أكون قوي و أحاول اعدي ده لوحدي."

1


المرحاض كان صامتًا إلا من صوت المياه، وصقر واقفًا هناك، وحده مع نفسه، محاولًا تنظيف جسده، بينما قلبه لا يزال يغلي بالصدمة والخوف والقرار الذي ينتظره في الليلة القادمة.

+


جلس صقر على حافة سريره، يديه مضمومتان، وعيناه مفتوحتان على اتساعهما، تتوهان في الظلام الحالك للغرفة. الصمت كان يثقل المكان، لكنه لم يخفف ثقل الأسئلة التي تنهش عقله.

+


تساءل في نفسه بصوت منخفض، كأن الكلمات تتردد بين جدران غرفته:
"مين اللي عمل كده في بدر؟ مين له مصلحة غيري في قتله؟ معقول يكون الغجر ؟ده أنا أولع فيهم واحد واحد..."

5


حاول قلبه أن يهدأ، لكنه لم يستطع. كل صورة لبدر، كل ابتسامة لها، كل نظرة كانت قد أنقذته قبل لحظات، تتكرر في ذهنه بلا توقف، تزيد من صدمته وتربكه أكثر.

+


رفع رأسه نحو السقف، وعينيه تتوهجان في الظلام كما لو أنه يبحث عن إجابة في الفراغ. الشك والخوف والحنين امتزجوا معًا، يجعلون قلبه يشتعل بين الغضب والحيرة:
"مش هسيب اللي عمل ده يمر كده و السلام... مهما كان هو مين ،مين تجرأ على الاقتراب منها؟"

2


ظل صقر في غرفته ساعات، يفكر ويعيد المواقف، يحاول ربط الخيوط المبعثرة في ذهنه، لكنه يعرف شيئًا واحدًا بوضوح: لا شيء سينقذه من الصدمة التي عايشها، ولا شيء سيجعله يتجاهل أي تهديد تجاه بدر، مهما كان الثمن.

+



        
          

                
بدأت بدر تفتح عينيها ببطء، شعور بالهدوء يملأ جسدها رغم كل ما مرّ به، وكأن الليل لم يترك فيه أثرًا سوى السلام. الألم كان خفيفًا جدًا، مجرد وخز بسيط في صدرها، شيء لم تكن لتشعر به لولا وعيها المتزايد الأعشاب الساحرة التي غمرتها بفاعليتها، كأنها سحرت الجراح لتختفي، وتلتئم بسرعة مدهشة.

+


رفعت بدر رأسها بحذر، وعيناها تتفحصان المكان المحيط بها. فجأة، لاحظت المجسم السيليكوني الذي كانت ترتديه كان مفتوحًا جزئيًا، والجرح مضمود بعناية، ملفوف بشريط من القماش الذي اختار بعناية ليحميها.

+


جلست على السرير ببطء، وعينها تلمع بالدهشة والارتباك:
"مين... مين اللي عمل ده؟"

2


نظرت حولها، تبحث عن أي أثر، أي علامة على من تدخل إلى الغرفة وأجرى هذا التصرف، قلبها ينبض بسرعة بين الامتنان والحيرة. كل لحظة تتذكر فيها ما حدث، تتصاعد لديها موجة من الفضول والخوف معًا من هو الشخص الذي كان يقف بجانبها في لحظات ضعفها، دون أن تدري، ويعتني بها بهذه الطريقة؟

+


كانت يدها تلامس الشريط على صدرها، تحاول أن تفهم من وراء هذا الاهتمام الغامض، بينما شعور غريب بالاعتماد والأمان بدأ يتسلل إلى قلبها، خليط من الدهشة والثقة البطيئة في هذا الغامض الذي أنقذها.

+


وقفت بدر على قدميها بصعوبة، تحاول استعادة توازن جسدها بعد ساعات الألم والصدمة، وأعادت كل شيء كما كان، شعورها بالقوة يعود تدريجيًا رغم الجرح الخفيف الذي لم يعد يزعجها بفضل الأعشاب السحرية.

+


نظرت جانبًا، وعيناها تقعان على السلسال المفقود منذ طفولتها، الموضوع بجانب السلسال الآخر. رفعت حاجبها بدهشة:
"ايه ده... ايه اللي جاب ده هنا؟"

2


تساؤلات كثيرة تدور في ذهنها، كيف وصل السلسال إلى هنا؟ هل من الممكن أن أمان قد صنع واحدًا مماثلًا لما تمتلكه؟ شعور بالدهشة والارتباك يختلط معها بالامتنان الغامض تجاه من ساعدها.

+


ما إن خرجت من الغرفة، حتى لمحَت نسيم تتردد عند مدخل المنزل، واقفة على مسافة، غير قادرة على اتخاذ القرار بالدخول، وفهمت بدر فورًا ما يساورها:
"معقول نسيم هي اللي ساعدتني... وأكيد عرفت إني بنت."

1


حسرت نفسها على هذه الحقيقة، قلبها يزداد خفقانًا، بين الامتنان والتساؤل عن النوايا، وبين الخوف من أن سرها الأكبر قد انكشف أخيرًا.

+


كانت نسيم واقفة عند المدخل، تتحدث مع نفسها بصوت خافت، كلماتها تخرج مترددة لكنها مليئة بالحرص:
"أكيد مش هيصدقني... إني عايزة أساعده... و إني جاية أحذره من أمي و أختي... أنا هروح أحسن، و لو جات لحظة مناسبة هقوله... أو هو هياخد باله... أكيد بدر مش غبي."

6


أخذت نفسًا عميقًا، ووضعت خطة لنفسها، محاولة أن تهدأ قلبها المتوتر:
"أنا قلت الحقه قبل ما يروح السهل الغربي... بس خلاص، أنا همشي أحسن... الوقت حساه مش مناسب."

+



        
          

                
ومع ذلك، بينما نسيم تغادر المكان بهدوء، كانت بدر تراقبها من بعيد، عينيها تتبع خطواتها بحذر وفضول، محاولة فهم ما إذا كانت هناك نوايا خفية وراء هذا التحرك. نسيم، مشغولة بأفكارها، لم تلاحظ أنها تحت المراقبة الدقيقة من بدر، ولا أن كل خطوة لها كانت تُرصد بعين متيقظة.

1


بدر، وهي تتابع نسيم وهي تغادر بهدوء من بعيد، همست في نفسها بصوت خافت وممزوج بالقلق:
"ربنا يستر... و تسكتي يا نسيم... وتفهمي إن اللي بعمله ده كله لمصلحة القبيلة... أنا حاسة إنك مختلفة... مش زي أمك ولا أختك سارية... وفيكي صفات كتير مني..."

2


وقفت بدر للحظة، عيناها تتأملان ابتعادها، والقلب يخفق بين القلق والفضول، وكأنها تحاول قراءة نوايا تلك الفتاة الغامضة التي بدت لها كحليف محتمل في وسط دوامة الخداع والمكائد.

+


دخلت بدر متثاقلة إلى الداخل، تتنفس بصعوبة وكأن كل خطوة تكلفها جهداً عظيماً.

+


ركضت فاطمة نحوها، عيناها مليئتان بالقلق، وتركت ما في يديها على الأرض:
"بدر مالك يا بدر؟"

+


تنهدت بدر بصوت هادئ، لكنها متألمة:
"أنا اتصبت بسهم."

+


ارتفعت عين فاطمة بدهشة، وهرولت لتفحصها:
"ايه؟ وعبد ربه كان فين؟ ووريني كده."

1


هزّت بدر رأسها، محاولة السيطرة على ألمها:
"أنا بخير دلوقتي."

+


فاطمة ارتبكت، عينها تتسع من الحيرة:
"يعني لحقتي نفسك ازاي من السهم ده؟"

+


أجابت بدر بثقة هادئة رغم التعب:
"المجسم بتاعي حماني وانقذني من الموت."

+


تنفست فاطمة بارتياح، لكنها لم تستطع كبح قلقها:
"الحمد لله... استني، أجيب شوية حاجات نتطهر الجرح."

+


رفضت بدر بعزم:
"لأ مش محتاجة... أنا شربت أعشاب."

+


تساءلت فاطمة بدهشة:
"معقول عملتي كل ده لنفسك؟"

+


همست بدر وهي تنظر بعيداً، وكأنها تكشف سراً صغيراً:
"نسيم هي اللي أنقذتني."

1


قفزت فاطمة من مكانها، عيناها مليئتان بالصدمة والخوف:
"ايه؟ بنت هنادي؟ يا دي الفضايح دي هتقول لكل الناس و هيبقى خطر عليكي أكتر وأكتر!"

1


ابتسمت بدر ابتسامة مصممة، مليئة بالثقة رغم ألمها:
"يلا بس نمشي ونروح السهل الغربي... وبعد كده ربنا يحلها."

+


كان الجو مشحوناً بالتوتر، لكن في عيون بدر كان هناك عزيمة لا تلين، وقرار يتشكل في صمتها ليحمي القبيلة ويواجه كل مخاطر الطريق القادم.

+


ركبت بدر عربة الخيل برفقة والدتها فاطمة، والخادمة وفية حسناء، وابنتها ليلى.

+


جلست بدر على المقعد، تتكئ على ظهر والدتها، عينيها لا تزال تحمل آثار الألم والدهشة مما حدث، لكنها كانت مصممة على التماسك.

+



        
          

                
فاطمة نظرت إليها بحنان وقلق، تمسح يدها على ذراعها:
"خليكِ هادية يا بدر... كل حاجة هتمشي كويس، وإحنا معاكِ ما تقلقيش."

+


ابتسمت بدر بابتسامة متعبة، لكنها عازمة:
"أنا كويسة... المهم نوصل السهل الغربي بأمان."

+


حسناء كانت تعد العربة بحرص، تتحسس الخيول وتراقب الطريق:
"ما تقلقيش يا ست... الخيول مرتاحة، والطريق هادي."

+


أما ليلى، جلست بجانب بدر، ممسكة بيدها الصغيرة، تقول بفضول وبراءة:
"بدر... ألمك راح دلوقتي؟"

+


ردت بدر بابتسامة مليئة بالعزم:
"آه... الحمد لله... بس لازم نكون حذرين طول الطريق لأحسن حد يتربص لنا."

+


تحركت العربة ببطء، والأشعة الأولى للشمس تلامس الأفق، حاملة معها شعوراً بالهدوء بعد العاصفة، بينما في قلب بدر كان هناك مزيج من الألم، الحذر، والعزيمة لمواجهة القادم.

+


لم ينم صقر طوال الليل، وكأن الظلام لم يكن كافياً ليهدئ عاصفته الداخلية. مع أول خيوط الفجر، توجه إلى ساحة القصر، حيث الهواء البارد يقرص وجهه ويوقظه أكثر، ليبدأ تدريبه الشاق دون أي رحمة لنفسه.

3


ركب حصانه بسرعة، يضغط على ظهور الخيل ليجري بها مسافات طويلة، متجاوزًا التعب والعرق المتصبب على جبينه. كل خطوة كانت درسًا في الصبر والتحمل، وكل قطرة عرق تذكره بالهدف الذي دفعه للجنون بهذه الطريقة.

2


بعد الركوب، حمل قوسه وسهامه، وبدأ التصويب بدقة متناهية، كأن كل سهم يخرج من يده يحمل جزءًا من غضبه وصدمة قلبه. لم يكتفِ بذلك، بل انتقل إلى الركض لمسافات طويلة، جسده يصرخ بالتعب، لكنه لم يستمع، وكأنه يحاول طرد كل شعور بالخوف أو الندم من داخله.

+


الصباح ارتسم في السماء بألوانه الذهبية، والعرق يغطي جسده، ولكن صقر لم يبطئ خطوة واحدة. كان وحده في مواجهة ذاته، وكل نبضة قلبه تذكره بالحقيقة المؤلمة التي يرفض قبولها: أن قلبه متعلق بمن كان يفترض أن يكون مجرد هدف، لكن أصبح أعز من أي شيء آخر.

+


وقف يزيد عند مدخل الساحة، عينيه تتفحصان كل زاوية من زوايا المكان، وصوته يحمل مزيجًا من الدهشة والاستفسار:
"إنت هنا من امتى؟"

1


رفع صقر رأسه قليلاً، عرقه يقطر من جبينه وملابسه ملطخة بالغبار والعرق، لكنه لم يرد فورًا، مكتفيًا بنظرة حادة.

+


نظر يزيد إلى السهام الممتدة على الأرض والهدف الذي اخترقته، عينه تتسع قليلًا:
"وإيه كل ده؟"

2


تنهد صقر ببطء، وهو يحاول التخلص من إرهاقه، لكن كلماته خرجت بلهجة مختصرة تحمل تحديًا:
"مش فاضيلك دلوقتي... زي ما إنت شايف ، لازم أتدرب."

1


ضحك يزيد ضحكة قصيرة، ونظر إليه بعينين مليئتين بالاستغراب والسخرية:
"إنت فاضي بقى ولا إيه؟ شكلك فعلا فاضي"

1



        
          

                
صقر اكتفى بالصمت للحظة، وعيناه تتجهان إلى السهام، كأنها تذكره بكل ما حدث في الليلة الماضية، وكل هدفٍ أطلقه كان يحمل ثقل قلبه، أكثر من ثقل جسده.

+


اقترب يزيد بخطوات هادئة، عيناه تلمعان بمزيج من الفضول والسخرية، وهو يراقب صقر بحذر:
"هو بدر قالك هتنزل في منافسة معاه؟ إذا كان كده أنا عايزك تهزمه وتنيمه في الأرض."

2


صقر شعر بغضب يتصاعد داخله، كأن الدم يغلي في عروقه، اقترب فجأة، ورفع يده ليقبض على ياقة يزيد بين يديه، صوته صار حادًا ومشحونًا بالعصبية، وكأن كل كلمة يلفظها تتنفس التحدي:
"إيه، ايه انيمه دي؟ ليه ينام في الأرض؟ ماينفعش أصلا! راعي ملافظك شوية."

3


ضحك يزيد بخفة، مبتعدًا خطوة إلى الوراء، ونبرته تحمل سخرية واضحة، وكأنه يستمتع برؤية صقر يفقد هدوءه:
"مالك يا صقر؟ بقيت غريب كده ليه؟ هي أول مرة أقولك كده؟"

1


صقر ترك ياقة يزيد، ونظر إليه بعينين مليئتين بالتحدي، بينما قلبه ما زال يضطرب من غضب ممزوج بتوتر المنافسة القادمة. كل شعور بداخله كان متأججًا: الغضب، الحيرة، والخوف من أن يواجه بدر في مواجهته القادمة مع بدر الأنثى. لم تكن هذه مجرد لعبة، بل اختبار لقوة إرادته وصبره، واختبار لما إذا كان يستطيع السيطرة على مشاعره، أو سيترك قلبه ينساق وراء الغضب الذي يشتعل داخله.

+


اقترب يزيد خطوة أخرى، عينيه تلمعان بمزيج من التحدي والسخرية، وابتسامة خبيثة ترتسم على وجهه:
"خلاص، بلاش تنيمه في الأرض... ارزعه في الحيطة، وبرأسك في رأسه... ودبّ طحن، دبّ طحن، لحد ما يفطس في إيديك! ايه رأيك ؟ "

8


صقر شعر بتوتر يتصاعد في صدره، عضلاته مشدودة، وعيناه تتحدقان في يزيد، كأنهما تريدان تحدي كل كلمة قالها. قلبه كان يخفق بشدة، لكن بداخل ذلك الخفقان كان هناك شعور بالترقب، شعور بأن كل حركة وكل ثانية قد تقلب الموازين.

+


ابتسم صقر ابتسامة قصيرة، مليئة بالحدة والعزم، وعيناه لم تفارقا يزيد، صوته منخفض لكنه مليء بالقوة:
"إنت مش فاهم حاجة أقسم بالله ، يا بختك والله!"

1


يزيد ضحك ضحكة مكتومة، ورأسه يميل قليلاً بمرح مستهزئ، كأن التحدي مجرد لعبة له، لكنه كان يعرف أن صقر ليس من النوع الذي يسهل عليه الاستهانة. صقر كان مستعدًا، وكل جزء من جسده مشدود، كأنه يتوقع اللحظة التي سيبدأ فيها التنفيذ، لحظة ستختبر قوته وعقله في آن واحد.

+


جلس يزيد إلى جانب صقر في ساحة التدريب، والفضول يملأ عينيه، بينما حدة الأمس لا تزال تخيم على الجو. نظر إلى صقر بعينين متسعتين، يحاول أن يفهم سبب التغير الواضح في صديقه:

+


"طب فهمني."

1


صقر رفع رأسه، نظر إلى السهول البعيدة حيث اختلط الظلام بالضوء المتسلل من الشمس، وقال بصوت متردد لكنه ثابت:

+



        
          

                
"مش لما أفهم أنا الأول."

1


يزيد ضحك بسخرية، لكنه لم يخف الحيرة التي ترتسم على ملامحه:

+


"هو ايه اللي حصل امبارح؟ أصل أنا حاسس إن امبارح هو سبب تغييرك ده... هو إنت شوفت ايه ولا سمعت ايه؟"

2


صقر غمض عينيه للحظة، استرجع ضباب الأمس وظلامه، ثم أجاب بصوت منخفض وكأن الكلام مؤلم:

+


"ولا حاجة... أنا توهت في الضلمة."

1


ضحك يزيد، ودمعة صغيرة خطّت على خده من شدة الضحك، لكنه لم يستطع أن يكبح دهشته:
"توهت في الضلمة يا فضيحتنا وسط الخلق!"

3


صقر أدار رأسه بعيدًا، عينيه تلمعان بعمق الألم والدهشة:
"بس غرقت... غرقت قوي... اكتر مما كنت أنا غرقان."

2


ابتسم يزيد بذكريات الماضي، وملامحه تمتلئ بالحنين والدهشة:
"عارف... بتفكرني لما كنت عند قبيلة الحمدانية يوم الحسن... واحنا صغيرين، يوم ما شوفت حبيبة القلب المجهولة... واللي طلعت مش بنت ناجي... لما عرفنا عمر بناته وما لقناش حد منهم نفس سن البنت اللي شوفتها... بس أنا لحد النهارده بفكر... ازاي هي من علية القوم، ومفيش غير بنات ناجي... بس اللي هما المفروض اميرات القبيلة... يعني هي سرقت السلسلة دي؟ جايز ملهاش حل غير كده."

3


صقر غمض عينيه للحظة، ثم تنهد ببطء، وابتسامة خفيفة تتسلل على وجهه المظلم:

+


"ياريتها سرقتها."

1


يزيد تراجع خطوة، ودهشته تتضاعف:
"ها... بتقول ايه؟"

1


صقر هز رأسه، وكأن الحديث لا يستحق الاستمرار:
"ولا حاجة... ما تيجي نتدرب بالسيف شوية."

1


وبهذه الكلمات، غمرهما هدوء الساحة، وأخذ كل منهما يتهيأ للحركة، والسيف بين أيديهما يلمع تحت ضوء الشمس، وكأن ذكريات الأمس وما حدث قد تحولت إلى وقودٍ لغضب وحماسة التدريب، وارتفعت حدة التوتر بينهما إلى ذروتها، بينما كل كلمة كانت ثقيلة على الصمت الذي يلف المكان.

+


بدأ صقر يلوح بالسيف أمام يزيد، عيناه تلمعان بشيء من الجنون والغضب المختلط بالذكريات، وكل حركة له كانت مدفوعة بشيء أعمق من مجرد التدريب. ومع أول ضربة، تذكر كل اللحظات التي جمعته ببدر: ضحكاتها، نظراتها، كلماتها التي كانت ترافق قلبه طوال السنوات الماضية.

+


"هاها... هاها... ههههه!"

+


ضحكه انفجر بشكل غير متوقع، ضحك عميق وغريب، جعله يتأرجح على قدميه قليلاً، والهواء حوله وكأنه يهتز مع صوته. يزيد توقّف عن الحركة، عيناه تتسعان بدهشة، ورجلاه تكاد تجمد من المفاجأة:

+


"إيه... إيه ده؟! إنت... انت اتجننت؟! ضحكني معاك"

1


صقر استمر في الضحك، وكأنه يستعيد كل ألم وحب وخوف دفنه طوال السنوات الماضية، ثم هز رأسه ببطء وهو يلتقط أنفاسه، وعيناه تلمعان بشيء من الحنين والخطر في آن واحد:

+



        
          

                
"ولا... أنا مش اتجننت... بس اللي كنت عايشه الفترة اللي فاتت... هو اللي خلا الضحك يطلع مني كل ده... كل لحظة ، كل كلمة، كل نظرة... كلها على بعضها بتضحك معايا... وكل ضربة بالسيف دلوقتي بتفكرني بيها."

2


يزيد تراجع خطوة للخلف، والفضول يتصارع مع الخوف في ملامحه، بينما صقر يبتسم ابتسامة غريبة، مزيج من الهيبة والدهشة والجنون الطفيف الذي غمره فجأة.
سأل يزيد بفضول :
" هي مين ؟ " 
رد صقر :
" محدش."
كانت الساحة مليئة بالصمت والضوء الذي ينعكس على السيوف، كل شيء حولهما يرمز إلى التوتر، بينما ذكريات صقر مع بدر تجعل الضربة التالية أكثر قوة، وكل حركة لها وقع خاص على قلبه قبل جسده، وكأن كل ضربة تذكّره بأنها كانت دائماً خلفه، تراقبه وتحمّيه.

1


صقر ركب حصانه بثبات، وجهه مملوء بالغضب والارتباك، وكأنه يحمل بين يديه ثقل كل ما حدث في الليلة السابقة.

+


يزيد، واقفاً على مقربة منه، نظر إليه بدهشة:
"انت رايح فين؟"

+


صقر لم يلتفت سوى قليلاً، صوته منخفض لكنه حاد:
"خليك هنا... أنا راجع."

+


اندفع صقر بخطوات حصانه نحو مخيم الغجر، والريح تعصف بخصلات شعره، وعيناه تلمعان بالحزم والمواجهة. فور وصوله، لمح كبيرهم سعدون، الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة وكأن كل شيء على ما يرام.

+


"اهلا يا صقر باشا... ايه رأيك امبارح؟ نفذت المطلوب وخليتلك حفلة بدر فوضى."

1


لكن صقر لم يكن في مزاج للضحك، لقد لاحظ سعدون لكمة حمراء على وجهه، وكان واضحاً أن صقر لم يترك شيئاً من غضبه بدون تفريغ.

1


سعدون، وقد بدأ يشعر بالارتباك:
"ليه كده يا باشا؟ أنا غلطت في إيه بس؟"

+


صقر اقترب منه بخطوات حادة، عيناه تتوهجان بالغضب:

+


"إنت عملت إيه امبارح بعد ما خلصت الحفلة؟"

+


سعدون رفع كفيه محاولاً الدفاع عن نفسه:

+


"روحت... والله ما عملت حاجة تاني."

1


صقر ضغط على كلماتِه، صوته يقطع الهواء:
"يعني ما حاولت تقتل بدر؟!!"

1


سعدون تراجع خطوة إلى الوراء، وجهه أصبح شاحباً:
"أنا أبداً... والله ما قدرش أصلاً... ده كان يبقى يوم أسود لو عملت كده عليا وعلى الغجر كلهم."

+


صقر قبض على لجام حصانه بإحكام، وعيناه تحرقان سعدون بنظرة لا تُحتمل:
"سعدون... أنا عارف حركاتك... ولو ماكنتش صادق معايا، مافيش دهب هيندفع... فاهم ولا إيه؟"

+


سعدون رفع كفيه مرة أخرى، ينفي:
"والله أنا صادق... أنا وكل الغجر... محدش هوب ناحية بدر ده."

+


صقر زمجر بغضب:
"سي بدر يا حيوان... ماتنطقش اسمه كده من غير ألقاب!"

6


سعدون، مذهولاً، لم يفهم ما يحدث أمامه، هذا هو صقر الذي بالأمس كان يسب بدر ويتهجم عليها، واليوم يظهر بهذه الصرامة والسيطرة التي جعلت الهواء من حوله يشتعل بالخطر والرهبة.

1



        
          

                
صقر وقف أمام سعدون، عينيه تلمعان بالإصرار والتهديد، كل خطوته على الأرض كانت إعلاناً أنه لن يترك أي تحايل أو خيانة تمر دون عقاب، وكل كلمة خرجت من فمه كانت تزن أكثر من أي سيف في المخيم.

+


سعدون رفع رأسه بتوتر، يحاول تثبيت نفسه أمام صقر الذي يقف كالصقر، عيناه تلمعان بالحدّة والقوة:

+


"حاضر يا باشا... سي بدر... أنا ما قربتش منه."

+


صقر رمقه بنظرة حادة، كل كلماته كالسيف:
"مالكش دعوة بيه خالص... بعد كده أي حاجة ناوي تعملها قبل ما تعملها قولهالي الأول... فاهم؟"

3


سعدون أومأ برأسه بسرعة، وكأنه يحاول طمأنة نفسه قبل صقر:

+


"أيوا... فاهم يا باشا... تحت أمرك طبعا."

+


صقر استرخى قليلاً، لكن عينيه لم تفارق سعدون، كأنه يختبر صدقه في كل لحظة، وكل حركة من حركاته كانت مراقبة بحذر. الجو من حولهما ملأه صمت ثقيل، وكأن الهواء نفسه ينتظر أي تحرك خاطئ من أحدهما.

+


حتى صقر نفسه لم يعد يعرف نفسه، فقد وجد قلبه يتصارع بين الغضب والولاء والحب والخذلان. كل خطوة كان يخطوها نحو الغجر كانت تشعره بثقل قراره، وكل نظرة إلى سعدون تذكره بما حدث بالأمس وما يمكن أن يحدث بعده. كان يرى في نفسه رجلًا صارمًا، لكنه في داخله طفلًا تائهاً بين مشاعره، بين ما يفرضه عليه واجبه وما يمليه قلبه. عينيه تتأرجحان بين الحدة والدهشة، ووجهه يحمل خطوط الصراع الداخلي، وكأن كل شبر من جسده يردد سؤالاً واحدًا: هو أنا فعلاً في العالم ده المليء بالمكايد والحب والخطر؟

+


وقع نظره على سليمة العرافة، تلك المرأة التي طالما بدت له غامضة وعابرة بين الحقيقة والخرافة، فتذكّر كلماتها التي رنّت في أذنه منذ أيام:

+


"هتقع في عشق مسموم يا صقر... ومصيرك من مصير أبوك في العشق. ساعتها لازم تختار بين ملك وجاه، أو عيشة بقربها... ويا بخت من وقعت هي بعشقه تدافع عنه لآخر قطرة في دمها. العشق في حياتك طعمه نار... وإنت وشطارتك لو عرفت تستحمله ."

+


ارتسم على وجهه عبوسٌ خفيف، وعيناه امتلأت بالتفكير، وهو يسترجع كل معنى كلماتها، وكأنها كانت تحذره من هذه اللحظة بالذات، من هذا الصراع بين الوفاء والحب، بين الواجب والمشاعر. رغم ثقته الكاملة في عدم تصديق العرافين لكن لربما كان تحذيرًا وصل بطريقة أو بأخرى.

+


عاد صقر إلى القصر، فوجد والده جمال يتناول الفطور بهدوء مع بقية إخوته وزوجة أبيه رشيدة، والجو مليء بصخب الصباح المعتاد.

+


جمال نظر إليه بابتسامة دافئة ودعاه:
"تعال يا صقر، كل معانا."

+


صقر جلس على الطرف الآخر من المائدة، جفنه مثقل بالتفكير، وصوتاً خافتاً قال:
"مش جايلي نفس يا بوي، الله يهنيكم."

+


ابتسم جمال برفق، محاولاً كسر الجدية التي ارتسمت على وجه ابنه:
"طب أقعد جاري، حتى لو مش هتاكل، عايز اتكلم معاك."

+



        
          

                
جلس صقر، وعيناه ترصُد الأب، ينتظر ما سيقوله.

+


قال جمال بنبرة هادئة ولكن حادة في الوقت نفسه:
"عرفت إنك حضرت حفلة قبيلة الحمدانية امبارح وهزقت بدر، جدع يا صقر."

+


رشيدة، التي كانت مبتسمة منذ لحظة، عبست فجأة، ونبرة صوتها حملت نوعًا من الاستهزاء والتحذير:
"بقى عجبك صقر عشان هزق بدر وشتمه؟ أومال اللي يجيبلك روحه، تعمله ايه؟"

1


جمال رفع حاجبه، ونظر إليها بتؤدة:
"ده يا سعده، يا هناه... اللي ينولي روحه بس من غير مشاكل لينا."

+


ابتسامة صقر أخفت توتره، وأومأ برأسه موافقاً:
"عندك حق يا بوي، المفروض نفكر كويس قبل ما نعمل حاجة، وكمان نحاول ننتقم منه من غير ما نقتله... أحسن لينا من دوشة القبايل وكده يعني."

2


ابتسم جمال بفخر لرؤية وعي ابنه:
"جدع يا صقر، ابتديت تفهمني في حاجات أحسن من القتل."

+


هز صقر رأسه، وملامحه صارمة، وهو يقول بنبرة مملوءة بالعزم:
"اه... في حاجات تقتل أحسن من السيف."

1


كانت كلمات صقر تحمل وزن التجربة، وعيون والده تلمع بالفخر، بينما رشيدة تحاول كتم انزعاجها، وصمت لحظة بين الحضور، وكأن البيت كله توقف للحظة ليستوعب ما قاله الشاب.

+


جلس صقر ساكنًا، عيناه تتجه نحو الأرض، وصمتٌ ثقيل يملأ المكان، يرافقه ارتباك واضح في ملامحه بعد أحداث الأمس. جمال، وهو يحدّق فيه بترقب، شعر أن هذا الصمت ليس مجرد تأمل، بل يحمل وراءه أسرارًا أو حيرة عميقة، فمال قليلاً إلى الأمام ووضع أصابعه على الطاولة ببطء، وقال بنبرة حادة:

+


"ايه روحت فين؟"

1


صقر رفع رأسه ببطء، وعيناه مشوبتان بالتعب والتفكير العميق:

+


"ها ... و لا حاجة، كنت بفكر."

+


رشيدة، التي جلست بجوار ولدها زين، شعرت بالدهشة والقلق يعتصر صدرها، وقالت وهي تحاول السيطرة على نبرة صوتها:

+


"فكرك... إيه اللي حصل بالظبط؟ بدر لسه حي؟"

+


جمال رفع صوته قليلا :
" يا ترى ايه اخر اخبار ابن الحمدانية ؟"

+


صقر أومأ برأسه، ورفع يده ليشير إلى الصمت، وقال بصوت منخفض لكنه صارم:

+


"راح السهل الغربي ..."

+


رشيدة جلست بجواره، عيناهما متسعتان من الدهشة والقلق، وقد شعرت كما لو أن خبر بقاء بدر حيّة قد أوقف الزمن للحظة، وتجمّد صدرها في صمتٍ قصير.

+


جمال ارتجف قليلًا من الدهشة، وأصابعه ارتعشت وهو ينظر إلى صقر بعينين مليئتين بالفضول والقلق:

+


"اه... بيشوف مشكلة الزرع."

+


صقر سأل بحذر:
"ماله الزرع."

+


جمال بغرور و تفاخر مما سببه لهم من أذى:
"أصل أنا موت أرضهم ومابقتش نافعة خالص... صحيح مش كلها، بس على الأقل التلت، ودي ضربة قوية ليهم... تقهرهم. إنت جيت بقى و علامك يخليك تفكر لي في خطط تنهيهم وتبوظ خططتهم."

2


صقر ظل صامتًا، عينه معلقة على الطاولة وكأنه يغوص في بحر أفكاره، بينما جمال يتصبّر على الصمت، ويده تتحرك بشكل عصبي على الخشب.

+


"ايه، ساكت ليه كده؟"

+


رشيدة أطلقت تنهيدة قصيرة، ونظرت إلى صقر بعينين مليئتين بالقلق، بينما قلبها يخفق من التوتر، تعرف أن كل كلمة من صقر قد تغيّر مجرى الأحداث القادمة.

+


صقر رفع رأسه، وملامح وجهه مشوبة بالإرهاق والارتباك:

+


"كنت... بفكر في كل اللي حصل، وفي الطريق اللي لازم أخده دلوقتي... مش سهل الكلام عنه."

+


"المهم دلوقتي، نعرف كل حاجة بيعملها ابن الحمدانية... ولازم نعرف نتصرف صح من غير ما نبوظ أي حاجة."

+


صقر هز رأسه برفق، ونظرة حادة تعكس صراعًا داخليًا بين ما يشعر به وما يجب أن يفعله، بينما جمال ورشيدة يراقبانه بترقب وقلق شديدين.

+


كان زين جالسًا أمام صحنه، عيناه ترصُد الطعام دون أن يجرؤ على لمسه. وجهيه المليء بالندم يعكس ثقل ما فعله بالأمس، والسهم الذي أطلقه على بدر لا يزال يطارده في مخيلته، يرن في قلبه كلما لمح أي شيء يذكره بالمشهد المؤلم.

+


بدا كأنه غارق في صمت طويل، أصوات المائدة حوله تصل إلى أذنيه كأنها من عالم آخر، لكنه لم يشعر بأي منها. يديه متشابكتان فوق الطاولة، وكتفاه منهكان من الألم الداخلي، وعيناه تلمعان بالدموع المكبوتة.

+


كل لقمة في الطعام تبدو له عبئًا، وكل نفس يزفره ثقيل. كان يعلم أن ما فعله لن يغتفر بسهولة، وأن دماء بدر حتى لو لم تكن قاتلة قد وضعت بينه وبين ضميره حاجزًا لا يمكن تجاوزه بسهولة. قلبه ينبض بسرعة من شعور بالذنب والندم، كأنه يريد أن يصرخ، لكنه يكتفي بالنظر إلى طبق الطعام بلا حراك، يترقب في نفسه لحظة المغفرة التي قد لا تأتي أبدًا.

1


جلس الجميع في صمت مشوب بالتوتر، والجو ممتلئ بالانتظار. رفعت رشيدة صوتها فجأة لتكسر الصمت:

+


"طب، و لما ناخد الحمدانية هتعمل ايه يا شيخ جمال؟"

+


جمال نظر إليها بثقة وهدوء، عينيه تلمعان بالحزم:

+


"هتكون لزين ولدي، بس برضو تكون تحت طوع أخوك وتسمع كلامه."

+


ظل زين يحدق بلا كلام، عينيه تعكس صراعًا داخليًا بين الخوف والندم.

+


رشيدة، وهي تراقبه، أكدت بكل حزم:

+


"كلامك أوامر يا شيخ جمال."

1


صمت خيم على المكان مرة أخرى، وأصوات الفطور ومقاطع الخيول في الخارج بدت وكأنها بعيدة عن تلك اللحظة، بينما كل شخص في الغرفة كان غارقًا في أفكاره ومشاعره.

1


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close