اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل السادس عشر 16 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل السادس عشر 16 بقلم سهي الشريف

16 | سُمعة ، شُقوق ثم سُقوط


                                              
وداعاً رمضان وإن كان في العمر مُلتقى !
لنلتقي بأحسن حال .

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_السادس _عشر
#سهى_الشريف 

+


- صلوا على شفيع الأمة ᰔ .
|| » متنسوش الفوت و التعليق بين الفقرات ، قراءة مُمتعة .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كان "جواد" يتوسط أحد المقاعد المواجهة للمكتب، وقبضته تستند إلى فمه في تفكير عميق، لكن جسده المشدود كان ينمّ عن توتر مكبوت بينما جلس "آسر" أمامه وخلف المكتب كان يجلس الرائد "خالد" ثم قال الأول بنبرة مستنكرة:

+


- يعني عز بقاله شهرين في مصر ولسه فاكرين تقولولي؟!

+


جاء رد "آسر" ثابتًا خاليًا من الانفعال :

+


- محدش عرف غيري أنا و وائل .

+


التفت "جواد" تلقائيًا إلى الكنبة القريبة منه، حيث جلس "وائل " عاقدًا ذراعيه أمام صدره بابتسامة صغيرة، فالتقط "جواد" تلك الابتسامة باستنكار، ليردها إليه "وائل" بحركة حاجبين سريعة، كحرب بصرية صامتة أشبه بلعبة أطفال يحاول كل منهما إثارة غيظ الآخر.

+


لكن "جواد" لم يمنح الأمر أهمية، فقط قطّب حاجبيه واستدار مجددًا، هاتِفًا بلا اكتراث:

+


- ما علينا.. المهم إيه بقى حكاية تسجيلات الكاميرا دي؟!

+


بدأ "آسر" في سرد الأحداث، شارحًا كل التفاصيل التي يعرفها، بينما استمع "جواد" باهتمام، إلى جانبه "خالد" محللًا كل جملة بنظرات عميقة، وكذلك "وائل" الذي بدا مُحفَّزًا.

+


عندما انتهى "آسر" تحرك "خالد" للأمام وأسند ساعديه على المكتب وصوته اكتسب نغمة أكثر جديّة:

+


- إنتوا عارفين إن القضية دي شخصيًا تحت متابعتي.. وفي نفس الوقت، كلكم تحت عين رجالتي .. للحماية مش للمراقبة، بس لازم تاخدوا بالكم كويس جدًا من تحركاتكم، وأقصد بيها العيلة كلها.

+


توقّف للحظة قبل أن يكمل، مشددًا على كلماته:

+


- وأي حد ليه علاقة قريبة بعيلتكم، هيكون في دايرة الاهتمام دي.

+


كل واحد منهم فهم الجملة بطريقته...

+


"آسر" تذكر "مليكة " 
"جواد" فكر في شقيقه الطائش
أما "وائل"... فقد تذكر نفسه.
وكان هذا غريبًا لأن الخطر يفترض أن يأتي من شقيقته لا أن يكون عليها.

+


قطع "جواد" الصمت بسؤال ونبرته تحمل جديّة المحامي لا الصديق أو ابن العائلة:

+


- والمفروض الخطوات الجاية يا سيادة الرائد تكون إيه؟

+


مال "خالد" للخلف قليلًا، تقاطعت أصابعه وهو يزن كلماته قبل أن يبدأ:

+


- الحكاية لازم تتحكي من الأول ، عن الصفقة اللي وقّفتوها من سبع سنين وعز مكنش الشريك الوحيد فيها.

+



                                      


                
حدق "آسر" فيه بحدة، بينما زادت انتباه "جواد" و "وائل" .

+


- الموضوع مكانش مجرد بيع أرض ، كان فيه ناس تانية مستفيدة، والصفقة دي لما فشلت حدّ اتضرر جدًا ومش ناسيكم لحد النهارده.

+


ارتفع حاجب "جواد" مستفسرًا: 

+


- عز ؟!

+


تنفس " خالد " ببطء ثم أجاب :

+


- دول عصابة ، و عز منهم ، لإن من بعد خسارتكم لجيهان - الله يرحمها - و الضجة الي خدها الحدث دا ، كان لازم يحكموا انتقامهم و يختفوا عن الأنظار عشان يحموا نفسهم.

+


تنهد لبُرهة وهو يتنقل ببصره بينهم مردفًا :

+


- حتى ظهورهم مكنش صدفة ، مكنش صدفة لما يرجع آسر و وائل من " حادثة " يظهروا هما في الصورة من تاني ويبعتوا طرف خيطهم ... نورين !

+


اتسعت عينا " جواد " بعدم تصديق رغم ثبات انفعاله، ليرفع "خالد " إبهامه يمنحهم لحظة لاستيعاب الأمر قبل أن يبدأ في كشف الجزء الأخطر:

+


- هدفهم الأول.. تدمير السمعة ! و مش تشويه أو فضيحة لأ ؛ هم عارفين إنكم كلكم أقويا في العلن ، لكن لو ضربوا السمعة وعملوا بينكم فروق ، كل واحد فيكم هيبقى مكشوف وسهل استهدافه لوحده ، التفريق هي الخطوة الأولى، وبعدها.. السقوط.

+


ارتكز " آسر" بمرفقه على مسند الكرسي، ونظراته تضيقان في استيعاب الأمر من زاوية مختلفة ، أما "جواد" فبدأ يُحرك القلم في يده، وهو أسلوبه المعتاد حين يبدأ عقله بتحليل الموقف.

+


استطرد " خالد " بنبرة محسوبة:

+


- أما عز ! فهو مش لوحده ، يمكن ظاهر في الصورة، يمكن هو اللي بيتحرك قدامكم.. لكن في الحقيقة هو مجرد بيّدق في لعبة أكبر.

+


رفع "آسر" حاجبًا ونبرته أتت حذرة :

+


- لعبة أكبر ! و مين ليه مصلحة يوجهها ؟

+


شبك "خالد" أصابعه أمامه فوق سطح المكتب، ناظرًا إليهم جميعًا قبل أن يلقي بالقنبلة التالية:

+


- ( ع.س )... كان من الأول ورا كل حاجة.

4


عمّ الصمت للحظات ، وانعكست الحيرة أولًا على وجه " وائل " امتصها سريعًا ،ثم على تقطيبة " جواد " العميقة، أما "آسر " فلم يتحدث لكن النيران التي اشتعلت في عينيه كانت كافية لتوضيح ما يدور في عقله.

+


حافظ "خالد" على هدوئه متابعًا:

+


- اسم محدش يعرف صاحبه الحقيقي ..

+


سكن لوهله ثم أردف :

+


- و ده مش استنتاج دا معلومات مؤكدة ، (ع.س) مش بس له يد في اللي بيحصل لأ؛ هو كان بيحرّك الأحداث كلها من الأول، وعز مش بعيد يكون مجرد قطعة puzzle دوره يعمل شوشرة ، لكن العقل المدبر الحقيقي هو اللي مشى اللعبة بالطريقة دي من البداية.

+



        

          

                
تأمل نظرات أعيُنهم قبل أن يستطرد :

+


- هتسألوا تقولوا إيه مصلحتوا يُضركم ! بس السؤال الأفضل ليه اختار يضركم انتم من الأساس؟ 

+


عاد بظهره للوراء وتابع بنفس الإتزان لا يليق سوى بمكانته:

+


- شركة كبيرة و ليها سُمعة في مصر و برا مصر ، من البديهي وجود أعداء زي أي مجال ، وحتى لو وصل إن العدو دا يكون قريب منكم ..كل شئ وارد 

+


و عند تلك العبارة قد أصاب " خالد " صدورهم بمهارة دون أي تغليف بالمجاملة ، رأى صدى كلماته في إمائات أجسادهم قبل أن يزفر بهدوء و يُتابع :

+


- الشر ملوش آخر ، وإلي رضى يوقف في يوم في وشكم عمره ما هيكون حبيب مهما عدت السنين ، وعشان كده ضروري ميبقاش في ثقة في شخص ، لحد ما نقبض عليهم و نتأكد إننا خلعنا جذورهم من الأرض .

+


تهجم وجه " جواد " وهتف باستنكار غُلف ببعض الآسى :

+


- والله يا سيادة الرائد مينفعش يبقى في ثقة في حد طول الوقت .

+


صمت الجميع إثر عبارته ، كُلُ يدعمها بطريقته فمرر "آسر " كفه على فمه، قبل أن يسأل بنبرة خافتة لكن مشدودة:

+


- ونورين؟! 

+


ألقى "خالد" نظرة جانبية عليه قبل أن يقول بحذر:

+


- تحت المراقبة برضو ، عايشة في شقة مفروشة، متحفظة جدًا في تحركاتها، مش بتنزل غير للشغل في كافيه قريب من البيت .

+


أمال "جواد" رأسه قليلًا، كأنه ينتظر الجزء الأخطر من القصة .. وقد كان؛ فاستكمل "خالد" بنبرة أثقل:

+


- لكن في يوم واحد في الأسبوع.. بتروح كباريه ، ومن خلال المراقبة، بان إنها بتقابل شخص هناك.

+


تبادل الثلاثة نظرات سريعة، ثم عاد "آسر" ليسأل بجفاف:

+


- عز؟!

+


أومأ "خالد" برأسه ببطء:

+


- الاحتمال الأكبر إنه هو ، وإنها لسه على علاقة بيه، من بعد اختفائها المفاجئ وقت الجنازة من ٤ سنين خلى الشكوك تلبسها .

+


ابتسم " جواد " بتهكُم يهتف بفطنة :

+


- مكنتش متورطة بس كانت جبانه ، خليتهم يبعدوها بشكل يعمل شكوك فبقت في قايمة المُتهمين .

+


أومأ " خالد " بموافقة وأردف :

+


- بالظبط يا مِتر ، بس هيفضل ماضي نورين مشكوك فيه ، وإنها كان ليها في شغل شمال كتير ورطها بعز ورجالته و ...

+


كاد " خالد " ليُكمل قبل أن يتذكر وجود " آسر " وأن ما يُقال تاليًا لن يُسعده، فـ الحديث سيعود لشقيقته مرة آخرى وهذه قضية آخرى ليس أوانها النبش بها ، فتنهد وأردف :

+


- بس اللي مش مفهوم في مقابلة نورين ، إنهم ما بيتقابلوش في المكان العام ، اللقا بيكون في أوضة داخل الكباريه بعيد عن العيون.

+



        
          

                
مال "وائل " للأمام فزادت نبرته حدة:

+


- و ده معناه إيه؟

+


حرك "خالد" يده في الهواء مجيبًا :

+


- معناه إن العلاقة بينهم مش تواصل عادي، في سر في حاجة بتتدارى.

+


لم ينبس أحدهم بكلمة، لكن التوتر كان ملموسًا في الغرفة لكن الصورة الكاملة لم تكتمل بعد والمجهول القادم قد يكون أخطر مما يتوقعون.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


وقف عند مدخل الغرفة وعينيه تُراقبان المشهد أمامه دون وعي منه ، فالأطفال تحلقوا حولها بينما جلست على ركبتيها وسطهم، تضحك بخفة وهي تساعد طفلة صغيرة على ترتيب المكعبات الملوّنة.

+


كانت نبرتها دافئة، والطريقة التي تحدثت بها مع الأطفال حملت حنانًا، وضحكتها كانت حقيقية غير مُتكلفة، من النوع الذي ينشر الدفء حوله، أما "وائل " فظل يُراقبها للحظات بأعيُن مُترقبة ، متأملًا وجهها وابتسامتها، تلك التي اختفت فور أن التفتت إليه حين نادى اسمها بصوت واضح:

+


- مريم! 

+


التفتت لتجده واقف أمامها بهيئة البهية ، كانت ملابسه رسمية فاعتدلت واقفه ثم ابتعدت عن الأطفال واقتربت منه ، لينتقل بصرها سريعًا لموضع وجنتيه من آخر لقاء ، ولا تعلم لما اهتمت بذلك الأمر رغم جمود خافت في ملامحها .

+


- معجبة ؟!

1


نبس بها " وائل " بنبرة ساخرة وشبح ابتسامة طاف في وجهه بعد أن قلص المسافة بينهم ووقف أمامها يتأمل ملامحها المُستنكرة وهي تهتف :

+


- مين ؟!

+


رفع إحدى حاجباه ثم اخفضها هاتفًا :

+


- بتبصيلي كده ليه لو مش معجبة ؟!

+


ولكون " مريم " ليست من الفتيات التي يتهربن لتفادي الخجل أو حين يُحشرن في إحدى الزوايا فنبست بلا إكتراث:

+


- كنت بشوف وشك لسه أحمر زي إمبارح ولا لسه .

+


ورغم صدمة " وائل " من رؤيتها لذلك المشهد إلا أنهُ آسرّها في نفسه بحُزن وحاول المُتابعة بأسلوبه الساخر :

+


- دا إنتِ مُهتمة بقا !

+


رفعت " مريم " إحدى حاجبيها باستنكار و اردفت :

+


- مهتمه مين يا بيه ! هو أنا كنت واقفة معاك ؟! دا حصل قدام الكل فطبيعي انتبه .

+


- وائل ..

+


- إيه ؟!

+


- وائل مش بيه !

+


ملامح مُنتغصه اكتسحت ملامحها قابلها بملامح ساخرة يكتم ضحكاته بصعوبة ، واضعًا يداه في جيب بنطاله ليراها تقول :

+


- مش فارقة يا وائل... بيه !

+


قالتها وكأنها تتحداه فابتسم باستمتاع ، يالله هذا المجنون تُعجبه شراستها .. حتى أدرك موقفه ومحى ابتسامته سريعًا وهتف :

+



        
          

                
- المهم أنا كنت جاي عشان حاجه مهمة ، لما شفتك نسيت .

+


قالها بتسلية مزجها بتغاضي عن كونه من نادى عليها أولًا لترفع حاجباها باستنكار شديد كادوا يخرجون من رأسها :

+


- إيه دا ! فيه إيه ؟! ما تحترم نفسك يا بيه و لـ ...

+


- خلاص خلاص ، هو إنتِ لما بتفتحي الأسطوانه دي مش بتوقفي !!

+


ربما كان عليكِ عزيزتي " مريم " أخذ العبارة بصيغة المدح ، ولكن كيف و أنتِ " مريم " !

+


زمتّ " مريم " شفتاها بغيظ وهتفت بصوت خافت مُتأففه :

+


- أسطوانة لما تتهبد على دماغك .

+


استمع " وائل " لهمسات خافته علم أنها تذكره بسوء ، وللعلم هي لا تذكره سوى بذلك ، يالهُ من عار على اناقتك يا عزيزي. 

+


- أنا كنت عاوز أزور الحجة إلي جت معايا إمبارح؟!

+


قالها بنبرة جادة فرفعت عيناها له ومازالت نظرات السخط تعلوها لكن "مريم " و الرقة ومع " وائل " في موقف واحد ! هؤلاء خطان لا يلتقيان .

+


- الدور الناني .. أوضة ١٦ .

+


نبست بها بهدوء ومهنية عاليه ، ليتسائل :

+


- فين الدور التاني دا ؟!

+


تنهدت " مريم " بتصبُر وهو فقط يتأمل ملامحها رُغمًا عنه في إنتظار رد ليجد صمت مُطبق منها ليهتف بإدراك ساخرًا :

+


- أنا هدور عليه بنفسي ربنا ما يحوجني لحد .

+


ثم ألتفت من أمامها بينما هي اتسعت عيناها بصدمة تراه يسير مبتعدًا عنها لتطلق ضحكة قصيرة مستنكرة ثم نبست بعدها :

+


- لا دا مش طبيعي ، و ربنا ما طبيعي ...

+


بينما هو مجرد ما ألتفت من أمامها عدل هيئته ونبس بخفوت وغيظ :

+


- بلوة من بلاوي الزمن .

+


بعد ما غمغم "وائل" بينه وبين نفسه وهو يبتعد، تلفت حوله يحاول استيعاب المكان، لكن ملامحه سرعان ما تحولت إلى إدراك ساخر قبل أن يلتفت لها فجأة ويسأل بابتسامة جانبية:

+


- أيوه، الدور التاني فين برضو؟

1


ابتسمت "مريم " باستنكار وهي ترد بسلاسة:

+


- مش كنت لسه قايل ربنا ما يحوجني لحد؟

+


اقترب منها خطوة صغيرة، وارتسمت ابتسامة ساخرة على طرف شفتيه وهو يرد:

+


- بس إنتِ مش أي حد.

5


رفعت حاجبها باستنكار، تبادله نظرة ثابتة ينبثق منها شرارات التحدي، واعتمدت في اجابتها على نظراتها الدفاعية وتحفز جسدها فقط ، فالتقط هو صمتها بمهارة وأكمل بنبرة مرحة غُلفت بجدية :

+


- عشان إنتِ مريم.

1


ابتسمت "مريم" بخفة قبل أن ترد بسخرية:

+


- لا و sweet talker كمان!

+



        
          

                
- لا، أنا sweet بس.

2


رفعت حاجبيها بدهشة قصيرة، ثم ضحكت ضحكة، لم تكن ساخرة بقدر ما كانت غير مُصدقة لرده فاتسعت ابتسامته مع ضحكتها، قبل أن يرفع حاجبه قليلًا وينظر لها وكأنما يدرس ملامحها وتلك العلامة البارزه في خدها ، والتي كانت راقية بشكل مبالغ فيه ، فلا يُمكن لشخص أن يكون متوزان في تصرفاته التلقائية لهذا الحد ، إلا إن كان الطرف الآخر هو المُضطرب ليشعر بتوازنها بصورة مبالغة فيها .

+


صمت لبُرهة يتأمل ضحكتها وتعابير ملامحها وهي تُخفيها بكف يدها بتلقائية قبل أن تهدأ وتجده يقول :

+


- أنا عارف دمي خفيف، بس مستعجل ، وإلا كنت ممكن أقعد معاكِ اليوم كله.

+


ضحكت " مريم" بخفة وهي ترد ببرود مدروس:

+


- لا يا شيخ إيه الكرم ده؟ على العموم نسيت أقولك ، مفيش حاجة اسمها زيارات مفتوحة هنا، والكل لازم يبلغ الإدارة.

+


رفع حاجبه يفكر للحظة، قبل أن يرد بنبرة متسلية:

+


- يعني لو جيت من غير ما أقول، كنتِ هتبلغي عني؟

1


- أكيد.

+


ردت بثقة.فابتسم بخفة واقترب بقدر بسيط، يخفض صوته :

+


- أنا عارف إنك مش هتعمليها.

+


نظرت له بريبة قبل أن ترد بتحدٍّ:

+


- إنت إيه اللي مخليك واثق كده؟

+


- لأنك طيبة... وبتحبي تعملِ خير، حتى لو معايا.

+


رمقته بنظرة مُنزعجة قبل أن تخطو خطوة صغيرة للأمام لتستقيم في وقفتها أمامه ، وهي تهمس بجدية:

+


- إنت فاهم غلط، أنا مش بساعدك أنا بساعد الحَجة اللي معاك.

+


حاول إخفاء ابتسامته وهو يومئ برأسه ببطء:

+


- أها... يعني وجودي مش فارق؟

+


- بالضبط ، مش في جمعية خيرية إحنا عشان أعملك خـ ..

5


ثم توقفت فجأة ؛
تلبكت ، ولأول مرة .. أمامه !

+


بينما هو رفع كلا حاجباه بسخرية ممزوجه بابتسامة خفيفة ينتظرها أن تُكمل عبارتها ، حتى أخفضت أهدابها ثم فتحتهُما ببطء ونبست :

+


- أنا ورايا شغل ، عن أذنك .

+


و لم تنتظر رده ، فقط ألتفت من أمامه وهي تكاد تنفطر خجلًا و غادرت .

+


إنها تُغادر
تهرُب ..
لأول مرة 
و لكن لِما ؟!
ليس منطقي 
لا شىء من هذا منطقي !

+


بينما تلك البسمة الجانبية لم تختفِ من ملامحه يُراقب ابتعادها بأعين ضيقة واستمتاع مُريب ، فإن وكان الحديث بينهُما حادًا بعض الشئ .. فرُبما يروقه ذلك .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


تململ في نومه عندما تسللت أشعة شمس إلى غرفته، ليبدأ بفتح عينيه ببطء يستدير برأسه، رافعًا عينيه إلى ساعة الحائط، فرآها تشير إلى الثانية بعد الظهر.

+



        
          

                
بعد الظهر؟!

+


اتسعت عيناه بفزع معتقدًا أنه ربما أخطأ النظر، فأمسك هاتفه من فوق الكومود بجوار السرير، لكن الشاشة أكدت ما رآه ..الثانية تمامًا.

+


لقد نام منذ الفجر ولم يستيقظ لا للعمل ولا... لصلاة الظهر في موعده ! والأغرب أن أحدًا لم يوقظه.

+


نهض " ريان " من فراشه، ووضع قدميه على الأرض قبل أن يمسح وجهه بكفه، ثم مرر يده بين خصلات شعره الناعمة بتلقائية ، يذكر الله في جوفه ثم تحرك إلى باب غرفته، ليقابله هدوء غريب تسلل منه أضواء خافتة من آخر الردهة.

+


سار عبر ممر الغُرف المؤدي إلى الصالة الرئيسية، حيث لمح "ميار" تجلس أمام التلفاز، مُندمجه في المشاهدة، بينما تتناول رقائق البطاطس من كيس صغير بين يديها.

+


وما إن لمحته حتى انتفضت بفزع هاتفة:

+


- بسم الله! إنت كنت هنا؟!

+


لم يعلق "ريان" بل ألقى نظرة سريعة على ما تشاهده ، ولم يكن سوى فيلم وثائقي عن ... الغزلان.

+


ابتسم بخفّة عندما لاحظ مدى تركيزها الشديد على الشاشة، لكنه لم يعلّق إذ كان يكفيه أنها لا تشاهد شيئًا مُحرمًا.

+


ثم سأل بصوته الأجش:

+


- ماما فين؟

+


أجابته "ميار" ببساطة، دون أن تحوّل عينيها عن الشاشة:

+


- في الجامع.

+


أومأ بتفهُّم قبل أن يواصل تساؤله بينما يطوف بنظره في أرجاء المنزل الساكن:

+


- و ريم وعيالها؟

+


تناولت "ميار" قطعة أخرى من المقرمشات، ثم أجابته بنفس الهدوء:

+


- راحت تجيبهم من الحضانة، بس لما عدّت على جنينة الألعاب شبطوا فيها، فدخلتهم يلعبوا شوية.

+


أومأ برأسه مرة أخرى، متوقعًا بالفعل أن والده في العمل ، وفي اللحظة التي كاد أن يستدير فيها نقلت "ميار" بصرها إليه ثم أشارت إلى كيس المقرمشات قائلة بلطف:

+


- جبت حاجة حلوة معايا وأنا راجعة من المدرسة.

+


أطلق "ريان" ضحكة قصيرة مرحة، فاستغلتها لتسأله:

+


- معندكش مستشفى النهاردة؟

+


تثاءب بإرهاق مجيبًا بأسى:

+


- عندي، بس راحت عليا نومة... وكمان مصلتش الظهر.

+


- أنا مكنتش أعرف إنك هنا، فكرتك نزلت.

+


- مش عارف مالي... نمت ومحستش بنفسي.

+


قالها بطريقة تلقائية، وهو يفرك شعره في ارتباك لكن قبل أن يتحرك، سمعها تتردد قليلًا قبل أن تقول:

+


- طب، ريان... في موضوع عاوزة أكلمك فيه.

+


رفع عينيه إليها للحظة، ثم ابتسم لها بهدوء قائلاً:

+



        
          

                
- حاضر، هصلي الظهر وأجي أسمعك.

+


أومأت برأسها موافقة ،وما إن استدار متجهًا إلى دورة المياه، حتى سمع شهقتها المفاجئة تليها عبارتها المأساوية:

+


- الغزالة يـا...

+


ضحك مرة أخرى، ثم أكمل طريقه لدورة المياه. 

+


يقول ﷺ: « من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك » 

1


انتهى " ريان " من صلاة الظهر ثم أتبعها بركعتين نافلة ، رافضًا أن يُصلي الفرض مُجردًا حتى لو كان مُتعجلًا ، فثلاث دقائق آخرى لن تؤثر في حياته لكنها رُبما تكون أثقل في ميزانه إذ جَبرت نقصًا في الفريضة .

+


ارتدى ملابسه التي تكونت من بنطال قماشي باللون البُني وفوقه قميص أبيض ، يتخلله ربطة عُنق بُنية أنيقة، وساعته الفضية المُفضلة تُزين معصمه.

+


صفف شعره ولحيته السوادء ،وبعض من ذلك الرذاز العطري ثم حمل حقيبته الجلدية مُربعه الشكل من نفس لون البنطال ، و خرج من غرفته حيث تجلس شقيقته .

+


تقدم نحوها وجلس على كنبة قريبة منها ، ووضع أدواته جانبًا يوليها كامل اهتمامه مشبكًا قبضتاه معًا هاتفًا :

+


- قوليلي يا مِس ميار إيه مواضيعك الخطيرة !

+


امسكت " ميار " جهاز التحكُم واخفضت صوت التلفاز ثم استدرات لتواجهه ولقد اعتلاها التوتر تدريجيًا حين ذكر لقبها المهني وهو لُب حديثها .

+


- بص ..

+


أومأ برأسه بانصات ليُطمئنها و يعطيها كامل الوقت لسرد حاجتها ، ولكن و إن كان لميار عيبًا لا تستطيع تصحيحه فهو تلقائتها مع القريبين منها :

+


- تعرف حد اسمه " آسر " ؟! 

1


قطب " ريان " حاجباه في ردة فعل أولى فور ذكر إسمه ، بينما كانت " ميار " تُراقب ملامح وجهه التي بدأت تتهجم بنسبة بسيطة لتستطرد قائله :

+


- الشخص دا ، كلمني .. قصدي يعني .. في بنت في الفصل بتاعي أهلها متوفيين و كده و هي عايشة مع آسر ده ، فالبنت تعبانه جدًا و هتقعد من المدرسة تكمل تعليمها من البيت على الأقل لسنة ، و هو قالي .. أو طلب يعني .. مني .. إني أديلها دروس خصوصية في الـ Math و قالي أنه يعرفك و إني اوصله ردي معاك .

+


استمع ، لقد فعل، لم يغفل عن كلمة واحدة بينما مازال حاجباه منتصبان وملامح حادة مليئة بالدهشة ليتسائل باستنكار :

+


- قالك أنا هوصله ردك ؟!

+


أومأت برأسها بترقُب ثم ابتلعت ريقها وتابعت بتردد :

+


- و بصراحه البنت صعبانه عليا يعـ ...

+


- بس إنتِ عارفه موقفنا من دا يا ميار !

+


قاطع عبارتها قوله الحاسم لتصمُت بتفكير ، هي تعلم رفض والدها لعملها في الدروس الخاصة ، وأنهُ سعى جاهدًا لكي تتوظف في مكان مُستقر وتحظى بوظيفة ثابته ، حسنًا كان الفضل يعود بعد الله في تقديراتها الدراسية ولكن هو لن يرضى لها التنقل في منازل الناس، ليس وهي تكون ابنة المهندس " علي الشريف " .. و هذا ليس غرورًا قط ، و لكن يرى أن بيده أن يُريح أولاده فلم يدخر جُهدا لذلك .

+



        
          

                
- بس يا ريان.. البنت صعبانه عليا ، ملهاش حد قريب منها ، وهي شاطرة ومؤدبة وواضح من عيلة كويسة .

+


أومأ " ريان " بهدوء مُنظبط يؤكد على عبارتها الأخيرة بأسلوب أكثر شدة :

+


- أيوه فعلًا أنا عارف إنها من عيلة كويسة ، و آسر دا أعرفه معرفة شخصيه ، بس إلي إنتِ مفروض عرفاه إننا مش هنقبل حاجه زي كده ليكِ .

+


كادت تفتح فاهها لترُد قبل أن تستمع لصوت " ريان " يهتف بكلماته الأخيرة قبل النهوض :

+


- مقدر اهتمامك بيها ، لو مُصرة تساعديها تقدري تجيبي ليها مُعلمة غيرك من معرفتك ذو أمانه و ثقة ، و ليكِ أجر برضو ..

+


هتف بعبارته باهتمام ثم نهض يحمل أغراضه :

+


- خلي بالك من نفسك ، و متقربيش من حد وتسمحيله ياخد و يدي معاكِ في الكلام .

+


كانت على وشك أن تقاطعه ليسبقها هاتفًا بتفهُم واحتواء :

+


- عارف ، و الله عارف إنك مدتيش فرصة ، بس محدش يأمن خطوات الشيطان يا ميار .

+


أومأت " ميار " بصمت ، فابتسم " ريان " لها لم تُبصرها اذ حولت بصرها للتلفاز حزينه ، فاختفت ابتسامته وتقدم تجاه باب المنزل ، ارتدى حذائه - أكرمكم الله - ثم غادر المنزل في هدوء تام .

+


و بقيت " ميار " جالسة مكانها ، تتأمل التلفاز بجمود ، لا تُبصر ما ترى ، فقد طافت غمامات من الدموع توقفت في عيناها..
هي حقًا أرادت مساعدتها ، 
لم تقصد أي شئ ، 
لم تنوي فعل شئ .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


بتنورة من الجينز الفاتح تنسدل برقة لما بعد ركبتيها بقليل، تُكمل إطلالتها بقميص قماشي قصير باللون الوردي الفاتح، لم تتجاوز أكمامه منتصف ذراعيها ، و لفّت حول كتفيها سترة من الكروشيه الناعم باللون الأبيض، أما شعرها القصير، فقد زُيّن عند جانبه الأيمن بـدبوس أبيض رقيق تتدلى منه جناح فراشة، فـ تقدمت "وردة" بخطوات واثقة داخل شركة الرفاعي للتطوير العقاري، متجهة مباشرةً نحو الطابق الهندسي، الذي أصبح وجهتها الأولى مؤخرًا.

+


عندما وصلت "وردة" إلى الطابق الهندسي، لاحظت على الفور الجلبة التي تعم المكان، فتسللت الدهشة إلى ملامحها، لكنها واصلت التقدم بخطوات هادئة وناعمة. 

+


حاولت تجنب الازدحام قدر الإمكان، متسللة بين الموظفين حتى تصل إلى والدتها بسلام ، وعندما أخيرًا لمحتها، أسرعت ناحيتها، ثم هتفت بصوت ناعم:

+


- يا مامي!

+


لم يكد "مؤمن" يسمع صوتها حتى خفض بصره للملف الذي بين يديه، ثم تراجع بخطوة هادئة إلى الخلف ، أما "مريهان" فاستدارت إليها بابتسامة ودودة وقالت:

+


- ورد ! إيه يا ماما، مقلتيش إنك جاية؟

+


تلفتت "وردة" حولها بارتباك قبل أن تسأل بتردد:

+



        
          

                
- هو فيه إيه يا مامي؟!

+


أجابت "مريهان" بنبرة هادئة وهي تشير إلى من حولها:

+


- مفيش الفريق الإداري بس نازل يـ check على set كده و يشوفوا الشغل فيها .

+


لم تكن "وردة" متأكدة من فهمها للأمر، فاستفسرت برقة:

+


- يعني إيه؟!

+


رفعت "مريهان" يدها تُعدل دبوس شعرها، ثم أوضحت بمهنية:

+


- يعني نازلين يشوفوا موقع بيتبني ، ويتأكدوا إن الشغل ماشي كويس.

+


كاد "مؤمن" أن يتحدث معلنًا رغبته في التحرك الآن، لكن قبل أن ينطق، قطعت "وردة" كلماته حين همست بحماس وهي تمسك بيد والدتها برقة:

+


- عاوزة أروح يا مامي! Please، عاوزة أشوف !

+


في تلك اللحظة، سمعت ضحكة خفيفة لم تصدر عن والدتها، بل عن امرأة أخرى كانت تقف قريبًا ، استدارت "وردة" نحوها سريعًا، ثم اتسعت ابتسامتها الرقيقة وهتفت بسعادة:

+


- إنتِ!

+


قطبت "مريهان" حاجبيها في استغراب، ثم تساءلت:

+


- إنتو تعرفوا بعض؟

+


أومأت "وردة" برأسها سريعًا، ثم قالت بحماس:

+


- أيوه! رشا، صح؟ افتكرتك من أول مرة جيت الشركة هنا، وإنتِ اللي وصلّتيني لمامي .

+


أما "مؤمن"، فظل واقفًا في المنتصف بجمود، ينتظر بصمت أن تنتهي "وردة" من... حسنًا، لا يعلم تحديدًا مما، فقط لينتهي. 

+


ابتسمت "رشا" وردّت بلطف:

+


- أيوه، صح! وردة مش كده؟

+


أومأت "وردة" لها بابتسامة، ثم سألت بفضول:

+


- إنتِ رايحة معاهم؟

+


هزّت "رشا" رأسها بالإيجاب، فالتفتت "وردة" سريعًا نحو والدتها وطلبتها برجاء، عيناها الواسعتان تتوسلانها:

+


- يا مامي please، خليني أروح معاهم .

+


ترددت "مريهان" في الموافقة، فهي تعرف جيدًا مدى خطورة المكان، لا يزال تحت الإنشاء ومليئ بالمعدات والعوائق ، زفرت بضيق ثم قالت بردٍّ حاسم :

+


- لا يا ورد مينفعش ، المكان لسه مش جاهز، لما يكتمل هنروح سوا نشوفه .

+


في تلك اللحظة قاطع "مؤمن" الحوار بصوته الرزين، متحدثًا مع مريهان مباشرةً:

+


- طيب يا بشمهندس، لو مش محتاجة مننا حاجة، نقدر نتحرك دلوقتي.

+


كان ينتظر ردها، لكنه ما إن أنهى كلماته حتى تسللت إلى مسامعه نبرة "وردة" المتوسلة من جديد، هذه المرة بنغمة طفولية أكثر، وكأنها تحاول اختراق قرار والدتها بعفويتها:

+


- عشان خاطري يا مامي، خليني أروح معاهم! هاخد بالي من نفسي كويس، promise. 

+


طالعَتها "مريهان" بتردد واضح، على وشك أن ترفض مجددًا، لولا أن قطع حيرتها صوت "رشا" وهي تهتف بحماس:

+



        
          

                
- ممكن تجي معانا يا بشمهندس ، أنا هاخد بالي منها.

+


التفت الجميع نحو "رشا" ومن بينهم "مؤمن" الذي استدار نحوها بتعجّب واضح، حاجباه ينعقدان قليلاً وكأنه لم يفهم بعد السبب الذي يدفع "رشا" لهذا الاقتراح المفاجئ.

+


ابتسمت "رشا" مطمئنةً "مريهان" وهي تقول بثقة:

+


- متقلقيش عليها يا بشمهندس ، أنا موجودة وبشمهندس مؤمن كمان وكلنا حواليها، مش هيحصل لها حاجة إن شاء الله.

1


ثم التفتت إلى "مؤمن" وهتفت بابتسامة ماكرة:

+


- وفُرصة يا بشمهندس توريها التدريب عملي!

+


بينما كانت "وردة" قد استدارت نحوه بالفعل، اتسعت ابتسامتها في حماس طفولي، تراقبه بعينيها المتألقتين ، أما هو فقد انتقل من ذهوله بسبب عرض "رشا" إلى التقاط نظرات "وردة"، التي وللحق كاد أن يوافق لأجل رجائها وحده، لكنه استعاد رباطة جأشه سريعًا، واستعد للرفض حين هتف بنبرة جادة:

+


- بس ... 

+


لكن صوته قُطع بحديث "مريهان" التي قالت بلهجة هادئة، وإن لم تخلُ من الحزم:

+


- ممكن يا بشمهندس مؤمن تاخدها معاك، وتفضل قريبة منكم؟

1


توقف "مؤمن" للحظة صامتًا في حيرة، بينما تابعت "مريهان" تنقل بصرها بينه وبين ابنتها التي كانت تترقب الرد بكل لهفة:

+


- يعني عرفوها الأماكن والشغل، وهي هتفضل جمبكم يعني... لو دا مش هيضايقكم؟

+


أومأت "رشا" سريعًا بالنفي، قائلة بحماس:

+


- لا طبعًا، مش هيضايق خالص! هعرفها كل حاجة وهبقى معاها.

1


اتسعت ابتسامة "وردة" بسعادة فور سماعها رد "رشا"، ثم استدارت تنظر إلى "مؤمن" مترقبة رده بفارغ الصبر، بينما هو ظل مترددًا للحظة، قبل أن يهتف أخيرًا بنبرة هادئة جادة:

+


- تمام، اللي حضرتك تشوفيه... هي تبقى مع "رشا"، وأنا هتابع مع العمال و... وهبقى عيني عليها من بعيد.

+


لم تنتظر "وردة" أكثر من ذلك، فزادت ابتسامتها اتساعًا، وكأنها انتصرت في معركة صغيرة، بينما لم يملك "مؤمن" سوى أن يزفر بهدوء، لا يعلم متى بدأ يتوقعها ، لكنه شعر أن هذه الفتاة لن تمرّ رحلتها اليوم دون بعض الفوضى الصغيرة.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


داخل غرفته حيث تتماهى العتمة مع أركانها، جلس " يوسف " على الأرض، يسند ظهره إلى السرير، بينما تنكمش أنفاسه في صدره. 

+


أمامه صندوق الخشبي مُغلق؛ قطعة من ماضيه فمدّ يده نحوه، ولمس الخشب بأطراف أصابعه، لكنه في النهاية استسلم لتردده في فتحه.

+


فتح الصندوق ببطء، فتسرّب إليه هواء مكتوم محملًا برائحة الذكريات التي لم تَبهت يومًا.

+



        
          

                
عشرات الأوراق مُرتبة لكنها تحمل آثار التصفح المُستمر، الأثر الذي يتركه الإنسان حين يعود إلى شيء مِرارًا.

+


تقارير طبية، وصفات علاجية، أوراق تحمل بين سطورها تواريخ، ووسط كل هذا كانت هُناك رسائل...

+


رسائل بخط يدوي، أطرافها مُهترئة، لكن الكلمات لا تزال واضحة وحية .

+


كان يعرف كُل حرف فيها، 
حفظه عن ظهر قلب، 
لكنه رغم ذلك، 
كلما قرأها ..
شعر وكأنها تُقرأ للمرة الأولى.

+


ترددت يده وهو يختار واحدة، راقب ارتجاف أصابعه وهو يلتقطها، كأنما يرفض استرجاع الألم.

+


قرأ بصوت بالكاد يسمع:
"حبيبي، إنت هتبقى كويس يا حبيبي، إنت قوي وشاطر، وأنا معاك مش هسيبك"

+


كلمة... ثم الأخرى... حتى وصل للنهاية ، توقف عند النقطة الأخيرة، بين الماضي الذي كان يصدّقه، والحاضر الذي كذّبه.

+


انهارت عيناه قبل أن ينهار جسده، دموع لم تأخذ إذنًا، انزلقت في صمت ،وهمس كأنما يناجي أحدًا لم يعد هنا:

+


- بس إنتِ مشيتي وسبتيني... مشيتي...

2


رفع كم ذراعه الأيمن ببطء، مرر أنامله فوق العلامة التي رفض الزمن طمسها « ندبة » كانت ذات يوم موضع وخز الإبر، تحولت إلى شاهد على وجع لم يرحل.

+


كانت تلك العلامة تقول له إنه نجا،
لكنه لم يشعر بالنجاة يومًا.

+


ظل غارقًا في لحظات لا تقيسها الساعات، حتى اخترق سكونه صوت إشعار هاتفه... ثم آخر... ثم آخر، فحرك كفه نحوه بلا اهتمام والتقط هاتفه، يمرر عينيه بجمود على سيل الرسائل، إلى أن توقفت عند واحدة:

+


"جاي؟!"

+


ظل يتأملها لثوان ثم أغلق الهاتف أخيرًا، تركه بجانبه، وبدأ يجمع أوراقه بهدوء ومسح وجهه براحته ثم زفر نفسًا عميقًا، قبل أن ينهض.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


دخل "ريان" المستشفى بخطوات هادئة لكنه كان يشعر بثقل غير مرئي يحيط به ، أن يأتي المستشفى مُتأخره رُغمًا عنه .

+


لمحته موظفة الاستقبال فرفعت رأسها فورًا وقالت بابتسامة رسمية:

+


- دكتور ريان !

+


التفت ليها " ريان " واقترب من المكتب ليسمعها تُتابع :

+


- كان عند حضرتك كشف مرضى النهاردة بس حوّلناهم على دكتور مروان لأن حضرتك مكنتش موجود.

+


أومأ لها بتفهم قبل أن يرد بصوت منخفض لكنه حاسم:

+


- تمام، ابدأي حوّلي عليا أي حالة جاية من دلوقتي.

+


أومأت برأسها بينما استدار مغادرًا تجاه مكتبه ، سار في الممر الطويل بعينين مطروفتين، لا يرفع نظره في الوجوه، وكأنه يحاول التخفي وسط الضجيج المعتاد للمستشفى لكنه لم يستطع الهروب من أفكاره.

+



        
          

                
رغم كل شيء، اقتحمت عقله رغمًا عنه.

+


توقفت خطواته فجأة ،
لماذا الآن؟
ظن أن النوم أنساه !
أن النوم منحه تذكرة تَجاوز ليلة الأمس ،
و إن كانت جمعيها في إطار مهنيته ، ولكن لن يُنكر أن حالتها تلك وبالقرب هذا منه تفعل ... حسنًا لا يعلم ما تفعل لكن لا يروقه ما يحدث .

+


زفر ببطء كأن أفكاره لم تحسم قرارها بعد، لكنه لم يمنح نفسه وقتًا أطول للتفكير، استدار في الاتجاه الآخر بخطوات ثابتة... خطوات قادته إليها.

+


دخل "ريان" إلى غرفة " ميرال " بهدوء ،ألقى التحية على الطبيب " مدحت " ثم تفحّص الأجهزة الطبية المتصلة بها سريعًا وتأكد من استقرار علاماتها الحيوية، ثم التفت إليها فكانت مستلقية في السرير، عيناها تائهتان كالعادة لكن حين شعرت بوجوده، رمشت ببطء .

+


- كيف تشعرين اليوم؟

+


لم تجب وأدارت وجهها قليلًا إلى الناحية الأخرى ، لكن لم يكن هذا غريبًا، فلقد اعتاد على صمتها الذي يمتد أحيانًا لأيام ، فلتفت للطبيب " مدحت " و تبادلا نظرات صامته .

+


سحب الكرسي وجلس بجوارها، ثم فتح حقيبته الجلدية و عبث بها حتى آخرج ملفًا ونظر إليه ثم سأل بنبرة هادئة:

+


- هل نمتِ جيدًا الليلة الماضية؟

+


أطالت الصمت قبل أن تهمس بصوت واهن:

+


- لم أستطع... الأصوات كانت عالية.

+


رفع عينيه إلى " مدحت " بتركيز ليُرسل لهُ إشارة بالاستمرار ، وسأل بلطف:

+


- أصوات من؟

+


حركت أصابعها على الملاءة ببطء، ثم قالت بصوت شبه مسموع:

+


- لا أعرف... لكنها لا تتوقف، كلما أغلقت عيني تعود من جديد.

+


دوّن ملاحظاته، ثم نظر إليها مجددًا وسأل:

+


- هل كانت هناك وجوه؟

+


هزّت رأسها بالإيجاب دون أن تتكلم، ثم أضافت بعد لحظة:

+


- لكنها غير.. واضحة.

+


تبادل "ريان" نظرة سريعة مع طبيبها النفسي الذي كان يقف في زاوية الغرفة يراقب بصمت، ثم عاد ينظر إليها، وصوته ظل متزنًا لكنه اكتسب دفئًا خفيفًا:

+


- هل تتذكرين أي شيء آخر؟ أي تفاصيل؟

+


أغمضت عينيها بقوة تحاول التركيز، ثم همست بتردد:

+


- لا... لكنني .. أعرف .. شيئًا واحدًا.

+


انتظر دون أن يقاطعها، وعندما فتحت عينيها من جديد، كانت تنظر إليه مباشرة وعيناها مضطربتان لكنها ثابتة.

+


- لا أريد أن أكون وحدي.

+


شعر بشيء ما في صوتها ، لكنه ظل محتفظًا بمسافته، ابتسم ابتسامة هادئة وهو يقول:

+



        
          

                
- أنتِ لستِ وحدكِ، نحن جميعًا هنا من أجلكِ.

+


هزّت رأسها بخفة، ثم همست و كأنها آلة :

+


- أنتَ تتحدث عن الجميع... لكن .. ماذا .. ماذا عنك؟

4


استقام "ريان" قليلًا في جلسته، لم يكن متأكدًا إن كانت هذه الكلمات مجرد انعكاس لحالتها النفسية أم أنها تحمل معنى أعمق.

+


- أنا هنا كطبيبكِ، هذا واجبي.

+


-  لكن... أنت من أنقذني، صحيح؟

+


ضيق عيناه قليلًا ثم أجاب بحذر:

+


- كنت هناك وقت الحادثة... قمت بما يجب أن أفعله.

+


نظرت له نظرة غريبة، ثم همست وكأنها تتأكد من أمر ما:

+


- أنت تفعل .. تفعل ما يجب أن تفعله...

+


لم يعرف ما إن كانت تكرر كلماته، أم أنها تحاول أن تفهم شيئًا بين السطور .

+


- انقذني منهم... انقذني .. كما .. كما أنقذتني قبلًا.

+


ظل صامتًا للحظات، شعور غير مريح يثقل صدره ، لم يكن هذا مجرد تعلق طبيعي، كان أكثر تعقيدًا مما قد يبدو.

+


- ممن ، ميرال !

+


- من أصواتهم ..

+


تابع بنفس التُرقب يريد استرسالها في الحديث:

+


- أصوات من ؟! هل تعرفينهم ؟

+


رمشت ببطء، ثم همست دون أن تنظر إليه:

+


- لا أعلم... هل ما أراه حقيقي؟

+


سكن للحظة، قبل أن يسأل بلطف ممزوج بترقُب:

+


- ما الذي ترينه؟

+


حركت رأسها ببطء، نظراتها خاوية لكنها قلقة:

+


- أشياء... وجوهًا... أصواتًا... لكنها تذهب عندما أفتح عيني.

+


أومأ برأسه وتبادل النظرات مع " مدحت "، ونبرته ازدادت تعاطفًا لكنه لم يفقد احترافيته:

+


- هذا طبيعي مع الصدمات، أحيانًا يخلط العقل بين الذكريات والواقع لكن كل ما تحتاجينه الآن هو أن تركزي معي .. أنتِ هنا.

+


نظرت إليه نظرة ضائعة لكنها تحمل بريقًا من الارتباك ، ظلت تُحدق به للحظات قبل أن تهمس :

+


- وأنت... هل أنتَ حقيقي؟

+


كان السؤال غير متوقع، لكنه لم يُظهر اندهاشه ،حافظ على هدوئه وهو يجيب بنبرة ثابتة:

+


- نعم أنا حقيقي ...ميرال.

+


واصلت التحديق فيه، ثم قالت بصوت منخفض يكاد يكون سرًا:

+


- أنتَ لا تختفي... عندما أغمض عيني، ما زلتُ أسمعك.

+


شعر بانقباض غريب في صدره، لكنه لم يسمح له بالظهور ، هذا ليس مجرد تعلق، هذا أقرب إلى تشبث غير واع ويُدرك أن الأمر أخطر مما يبدو.

+



        
          

                
- هذا لأنكِ تتذكرين... عقلكِ لا ينسى الأشخاص الذين بقوا بجانبكِ حين كنتِ بحاجة إليهم.

+


وكأن كلماته لم تصل إليها، نظرت بعيدًا وهمست:

+


- وإذا لم أكن أريد أن أتذكر؟

+


استدار قليلًا وهو يكتب في ملفها، لكنه أجاب قبل أن يغادر:

+


- الذكريات ليست اختيارًا، لكن طريقة التعامل معها هي ما يحدد قوتنا.

+


سكن لوهله يتابع تأثير كلماته عليها ثم استطرد بصوت هادئ لكنه صارم برفق:

+


- ميرال... أنا هنا لمساعدتكِ، لكن عليكِ أن تفهمي أن قوتكِ أنتِ هي التي ستُخرجكِ من هذا، لا أحد غيركِ يستطيع فعل ذلك.

+


شعر بأن قبضة يدها بدأت ترتخي ، وكأن كلماته أثقلت عليها، كان يُدرك أن رفضه قد يؤذيها، لكنه يعلم أيضًا أن السماح لها بالاستمرار في هذا التعلق قد يكون أكثر ضررًا.

+


- أنتِ لستِ وحدكِ، هناك أشخاص كثيرون هنا من أجلكِ.

+


رفعت عينيها إليه، تبحث عن شيء ما في ملامحه، لكنه لم يمنحها سوى تلك الطمأنينة الحازمة.

+


أخيرًا، أغمضت عينيها تستسلم للتعب، بينما هو وقف للحظة يراقبها قبل أن يعدّل معطفه الأبيض ، لم يُظهر تأثره لكنه شعر أن المسافة التي يرسمها بينه وبينها بدأت تتلاشى ببطء... ولا يعرف إن كان ذلك جيدًا أم سيئًا.

+


التفت إلى طبيبها النفسي قائلاً:

+


- شكلها محتاجة أكتر من جلسة النهاردة، شكلها فاكرة كتير .

+


ثم نظر إليها مجددًا قبل أن يغادر، لكن هذه المرة لم يكن متأكدًا إن كان يستطيع أن يبقى على نفس المسافة لفترة أطول.

+


رُبما حان الوقت ، لزيادتها .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


تحت أشعة الشمس الساطعة، كان موقع البناء يعج بالحركة ، أصوات الأدوات الحديدية وهي تحتك ببعضها، و نِقاشات المُهندسين المُتفرقة حول المُخططات، وأوامر العُمال المُتتالية كانت تملأ الأجواء بصخب مألوف.

+


المساحة الواسعة التي لم تكتمل بعد تُحيطها الهياكل الخرسانية، بينما الأتربة تتطاير مع حركة الأقدام الثقيلة.

+


في وسط كل هذا وقف "مؤمن" بزيه الهندسي بثبات، كان يستمع بتركيز للمُهندسين و العُمال الذين يسردون آخر المستجدات، عينيه خلف نظارته الشمسية ، تُتابع المُخططات التي يُشير إليها أحد المُهندسين، لكن في فترات مُتقطعة، كان بصره يرتفع قليلًا... يتفقدها.

+


كانت "وردة " واقفة بجانب "رشا" كما طلب، تتحدث معها و تُراقب العمل من بعيد ، و رغم جدية ملامحه، كان هُناك شيء من الارتياح في صدره، رُبما لأن النظارة تخفي نظراته التي يقتنصها ليتأكد أنها في مكانها.

1



        
          

                
استمر النقاش و استمر هو في التنقل بين أرجاء الموقع ، يتابع، يوجّه، يُدوّن ملاحظاته، حتى غاب عنها قليلًا، انشغل بأمر آخر ولم يبحث عنها كعادته ، لكن بعد لحظات حين فرغ من حديثه مع العمال، رفع رأسه بتلقائية، و عينيه تحركت سريعًا تبحث عنها وسط الزحام.

+


لم تكن بجوار "رشا" !!

+


جفلت ملامحه قليلًا، أخذ نفسًا عميقًا قبل أن تجول عيناه في الأرجاء حتى وقعت عليها ، كانت واقفة وسط مجموعة من العُمال، قريبة من إحدى المُنشآت الخرسانية، ويبدو أنها تستفسر عن شيء ما كعادتها الفضولية تجاه الهندسة و رغم أن المسافة بينه وبينها لم تكن بالقصيرة، وقف في مكانه للحظة حدّق إليها ثم فجأة.

+


- وردة!

+


لم يكن صوته حادًا، لكنه كان مرتفعًا بما يكفي ليصل إليها بين الضوضاء ، التفتت برأسها فورًا، نظرت إليه للحظة قبل أن تتحرك نحوه، بينما هو انتظرها في مكانه، يخلع نظارته بُبطء و يُمعن النظر في خطواتها المُتحمسة .

+


توقفت "وردة" أمامه و ذراعيها بجانبها بانظباط ، ملامحها تفيض بالحماس، وبلهجتها العفوية سألته بنبرة فضولية:

+


- عاوز مني حاجة يا بشمهندس؟!

+


استمع لها ، لقد فعل لكنهُ ظل ينظر إلى المنشأة التي كانت واقفة بجوارها منذ لحظات ثم قال دون أن يحوّل نظره عنها: 

+


- مش قلتلك متبعديش عني؟! لازم أخد بالي منك وأرجعك لوالدتك بالسلامة، المكان هنا خطر 

+


كلماته كانت جادة، مهنية أكثر مما ينبغي، لكنه لم يكن مستعدًا لمساومتها في أمر السلامة، خاصةً وهي تتحرك باندفاع لا يُستهان به.

+


أما هي فكانت تنتظر انتهاء ما يقول بحماس لإخباره بما تعلّمته، لكن كلماته جعلتها تتوقف للحظة، قبل أن يضيف وهو يرمقها بنظرة سريعة:

+


- باشمهندس مريهان مش هتفرح لما تتعلمي بس ترجعيلها مجروحة ولا فيكي حاجة .

+


شعرت وكأنه أطفأ حماسها بواقعية حديثه، ورغم أنها كانت تودّ مناقشته أدركت أنه محق ، تشابكت أصابعها خلف ظهرها، وبتنهيدة استسلام قالت بصوت أكثر هدوءًا:

+


- معاك حق... السلامة مهمة عندي مامي 

+


أومأ برأسه وكأنه يُؤكد لها أن هذا كان مقصده الوحيد، لكنه شعر بشيء من الضيق غير المبرر، لسبب لم يستطع تحديده قبل أن يُطيل التفكير، أشار لها قائلاً:

+


- خليكي جنبي وجنب باشمهندس رشا عشان تبقي في أمان !

+


استدار ليُكمل طريقه ، لكن قبل أن يبتعد سمع صوت خطواتها السريعة تلحق به ، 
لم يُفاجَأ، 
فقد تعوّد على إصرارها ،
فقالت بنبرة تحمل فضولها المعتاد: 

+


- يعني يا بشمهندس لما أدخل هندسة السنة الجاية، هطبّق اللي بتعلّمهولي ده إزاي؟!

+


لم يُبطئ خُطاه، بل ردّ عليها بنبرة تحمل شيئًا من الدُعابة:

+



        
          

                
- مش هتطبقي يا وردة، لأنك أول ما تدخلي أولى هندسة، هترجعي تاخدي الحاجات اللي بعلمهالك دي من الأول .

+


انكمشت ملامحها الصغيرة برقة، ثم تساءلت بدهشة:

+


- طب يعني خبرتي دي هتخليني أخلص الهندسة في كام سنة يا بشمهندس؟!

2


توقف فجأة واستدار لينظر إليها، وابتسم بعدم تصديق و على الفور توقفت بدورها، عيناها العسلية تُحدقان فيه ببراءة، وابتسامتها المُشرقة زادت وجهها تألقًا، وكأنها تتحدى شمس هذا اليوم.

+


أما هو فلم يُسعفه سوى التفكير في أمر واحد ،
هل تسمي ما تعلّمته من أساسيات بسيطة "خبرة"؟!

+


كيف يُخبرها أن كل ما أخذته حتى الآن ليس سوى تمهيد، وأن تدريبه لها لشهرين كان مجرد بداية لما هو أعظم؟!

1


نظر إليها للحظة ، مُترددًا بين أن يمنحها إجابة جادة أم يُبقي الأمور خفيفة كما اعتاد معها ، لم يُرد أن يُثقل عليها أو يُخيفها، لكنه أيضًا لم يستطع تجاهل إصرارها الطفولي الذي يلمع في عينيها ...

+


و مهلًا !

+


لماذا كل هذا الجهد في اختيار كلماته بعناية؟ 
لماذا يمنحها هذا الاهتمام غير المبرر؟ 
كان عليه فقط أن يقول ما لديه دون كل تلك التكلفات.

+


- خلصي ثانوية عامة و جيبي مجموع عالي، وربنا يسهل.

+


قالها بصوت ثابت، ثم استدار فجأة وكأنما يهرب من شيء لا يُدركه تمامًا ، وجودها حوله بات يُحدث داخله اضطرابًا لا يُحب الاعتراف به، وكأنها تُعطل شيئًا اعتاد أن يسير بانضباط صارم في حياته.

+


أما هي فظلت واقفة في مكانها، عيناها تُتابعان ظهره وهو يبتعد، قبل أن تهمس وكأنها تُفكر بصوت مسموع:

+


- هجيب مجموع عشان مامي وبابي...

+


ثم وبعد لحظة ابتسمت ابتسامة خجولة خافتة لكن صادقة:

+


- و عشانك .

+


لم تكن تُدرك تمامًا حجم المشاعر التي تسكُن كلماتها، أو لماذا تودّ أن يكون فخورًا بها، ولم تكن تفهم التعقيدات التي تحيط بهذه العاطفة التي تنمو بداخلها دون وعي منها !

+


عقلها أبسط، 
وأحلامها أنقى، 
لكنها لم تستطع مُقاومة الشعور الدافئ
الذي راودها عند تخيل فكرة ...

+


أن يكون فخورًا بها يومًا ما.

+


مرت دقائق آخرى كان "مؤمن" مُنشغلًا في مُراجعة المُخططات والتأكد من سير العمل كما يجب، مرت الدقائق تلو الدقائق وهو غارق في تركيزه، يتابع التفاصيل بدقة، حتى قطع هذا الهدوء المفاجئ صوت صريخ أنثوي حاد!

+


رفع الجميع رؤوسهم برعب، تجمدت الحركة لثوان قبل أن ينطلق الجميع ركضًا نحو مصدر الصوت، ومن بينهم "مؤمن " الذي جفلت ملامحه ، تسارعت خطواته بجنون لم يفكر في شيء سوى أن يصل بسرعة.

+



        
          

                
وحين اقترب من تجمع العمال، تلاشت كل الرسميات، نزع عنه كل الألقاب حتى نبرة صوته تبدلت، لم يكن "البشمهندس مؤمن"، لم يكن سوى شخص يعرفها حق المعرفة شخص لا يريد سوى أن يكون قريبًا منها في هذه اللحظة، فهتف باسمها بصوت مرتجف، نداء لا تسمعه إلا عائلتها:

+


- ورد!

+


كانت تلك الكلمة وحدها كفيلة بأن تُعبر عن كل الرعب الذي اجتاحه...

+


كانت مُستقرة داخل حفرة كان من المفترض أن تكون أساس بنائي ، تجمد في مكانه للحظة، عيناه اتسعتا برعب وهو يراها جالسة في الأسفل، ملابسها متسخة تمامًا، وساقها تحمل خدوشًا وجرحًا صغيرًا، أما وجهها فكان مبللًا بالدموع ونظرتها تائهة .

+


وحين التقت عيناها بعينيه وسمعت اسمها يخرج منه، زاد بكاؤها أكثر وكأنها الآن فقط استوعبت الموقف، وحاولت تبرير ما حدث بصوت متقطع:

+


- والله كنت واخدة بالي... بس...

+


لكن "مؤمن" لم يسمع أيًا من هذا، لم يكن هناك وقت للكلام، كل تركيزه كان على إخراجها من الحفرة ،فاقترب أكثر من الحافة ومال بجذعه للأمام ومد يده نحوها وهو يهتف بنبرة تحمل شيئًا من القلق المكبوت:

+


- حاولي تقومي نفسك وتمسكي في إيدي!

1


تطلعت "وردة" إلى يده الممدودة نحوها، ثم إلى المسافة التي تفصلها عنه، كانت تحاول كبح شهقاتها لكن الخوف لازال يربكها. 

+


ساقها تؤلمها قليلًا، لكنها لم تكن مُصابة بشدة، المشكلة الحقيقية كانت ارتجاف أطرافها، وكأنها فقدت القدرة على الحراك للحظات.

+


راقب "مؤمن" ترددها، ولم يكن لديه أي نية للانتظار أكثر، فنبرته أتت أكثر حزمًا هذه المرة:

+


- وردة، متتأخريش، امسكي في إيدي بسرعة!

2


ابتلعت ريقها بصعوبة، حاولت أن تدفع جسدها للأعلى مستندة على يديها، لكن قدمها انزلقت قليلًا فوق التراب المُفكك، فتسربت منها شهقة مرتعبة ،وعلى الفور زاد "مؤمن" من انحناء جذعه داخل الحفرة حتى كاد أن يختل توازنه:

+


- متقلقيش، أنا ماسك نفسي كويس، بس لازم تمدي إيدك .

+


نظرت إليه مرة أخرى، كان وجهه مُتجهمًا، جديًا أكثر من أي وقت مضى، لكنها رأت في عينيه قلقًا لم تعهده، فاستنشقت نفسًا عميقًا، ثم دفعت جسدها مرة أخرى للأعلى، وهذه المرة مدّت يدها نحوه بسرعة.

+


بمجرد أن لامست أصابعها أصابعه، أحكم قبضته عليها فورًا وسحبها بقوة وثبات، لا يسمح لها بأن تنزلق ولو للحظة ،ومع أنها لم تكن ثقيلة إلا أن إخراجها تطلب جهدًا بسبب عمق الحفرة واهتزاز جسدها بفعل التوتر.

+


وحين أصبحت خارج الحفرة تمامًا، تعثرت قليلًا لكنه كان لا يزال ممسكًا بها، فدفعها للأمام بخفة لتقف باستقامة، ويده لم تترك معصمها إلا حين تأكد أنها توازنت.

+



        
          

                
رفعت رأسها إليه تنتظر منه أي رد فعل، لكنها لم تتوقع أن يكون صوته بهذه الحدة:

+


- إنـتِ عـقلِك فيـن يا وردة؟! أنـا مـش قايلـك مـتبعـديش؟!

+


أطرقت برأسها و لا تزال تتنفس بصعوبة، وكأنها لم تستوعب تمامًا أنها خرجت من الموقف بسلام، لكنها لم تستطع منع نفسها من الهمس باعتذار خافت:

+


- آسفه...

+


زفر "مؤمن" بضيق ومرر يده على وجهه ثم في شعره يحاول ضبط أعصابه، لم يكن يريد أن ينفعل لكنه لم يستطع التحكم في التوتر الذي تسلل إليه منذ لحظة سماعه لصراخها.

+


اقتربت منها " رشا" سريعًا تتفحصها بعيناها وتمسح عنها الأتربة بينما هو اكتفى بالنظر لها ثم هتف بصوت أقل حدة لكنه مليئ بالنُصح :

+


- كويس إنك تلاقي المساعدة من الناس، بس الأحسن لما تكوني إنتِ قادرة تساعدي نفسك ، نحمد ربنا إننا حواليكي. 

+


هزت رأسها بسرعة تستوعب كلامه ولم تنبس بكلمة ،فنظر إليها مطولًا ثم زفر أخيرًا وكأن توتره بدأ يهدأ ، لم يكن يُريد أن يُخيفها، لكنه أيضًا لم يكن مستعدًا لرؤيتها في موقف مماثل مرة أخرى ، وبعد لحظة صمت، قال بصوت أخف قليلًا:

+


- خلاص، المهم دلوقتي إنتِ كويسة؟ رجلك بتوجعك؟

+


رفعت قدمها قليلًا، حركتها بحذر ثم أومأت :

+


- لأ، بس كنت خايفة...

1


لم يُعلق على اعترافها، فقط أشار برأسه نحو جهة معينة:

+


- تعالي معايا عند العربية، هنطهر الجروح دي الأول.

+


تبعته "وردة "بهدوء مُستنده على ذراع " رشا " ، لكن حين خطت بجواره، رفعت رأسها لتنظر إليه فجأة وسألته بنبرة حائرة:

+


- إنت كنت خايف عليّا ؟

3


توقف عن المشي للحظة والتفت إليها، كما ألتفت له " رشا" تترقب إجابته ، تفحص ملامحها البريئة المتسائلة، لكنه لم يجب فقط استدار مجددًا وأكمل سيره قائلاً بجفاف ظاهري:

+


- أنا خايف على سلامة أي حد في الموقع ، المكان خطر .

3


رغم إجابته الحازمة إلا أن "وردة" ابتسمت بخفوت، وكأنها لم تُصدقه تمامًا.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


جلس "وائل" على كرسي بجوار السرير، يُحادث السيدة بلطف وهو يطمئن على حالتها، كانت تبتسم له وكأنها تراه ابنًا لها، بينما هو يرد بابتسامة صافية، يراقبها وهي تتحدث عن الراحة التي وجدتها في المكان.

+


- الحمد لله، الناس هنا طيبين، بس الوحدة صعبة يا ابني...

+


نظر إليها "وائل" بصمت للحظة، ثم قال بجدية دافئة:

+


- أنا مش هسيبك لوحدك، إن شاء الله هاجي أطمن عليكي كل فترة.

+


قبل أن تُكمل السيدة حديثها، انفتح الباب فجأة، ودخلت "مريم " بخطوات ثابتة تحمل بيدها ملفًا صغيرًا وعينيها انتقلت فورًا نحو "وائل" قبل أن تستقر على السيدة بلطف:

+



        
          

                
- إزيك يا طنط ؟ عاملة إيه دلوقتي؟

+


ابتسمت السيدة بوهن :

+


- الحمد لله يا بنتي، المكان مريح ومستورة الحمد لله. 

+


أومأت "مريم" برضا قبل أن تلتفت لوائل، لتجده يتكئ على الكرسي بارتياح، ينظر لها بنصف ابتسامة ساخرة:

+


- إنتِ بتراقبيني ولا إيه؟ مش سيبتك من شوية لقيتك ورايا تاني!

+


زفرت "مريم" بضيق وهي تضع الملف على الطاولة:

+


- بالعكس، بس كان لازم أراجع شوية أوراق خاصة لطنط ومكنتش أعرف إني هلاقيك هنا.

+


رفع "وائل" حاجبه بدهشة مصطنعة:

+


- آه طبعًا صدفة و بتاع ، إنتِ محظوظة أوي بقى!

+


- وإنت دمك تقيل أوي بقى!

+


ضحك بخفة، بينما هي حاولت كتم ابتسامة صغيرة زارت طرف شفتيها لكنه التقطها بسرعة ، قبل أن يرُد، قطع حديثهما صوت رنة هاتفه، انتقل نظره نحو الشاشة، وما إن قرأ الاسم حتى تهللت ملامحه قبل أن يرد بحماس:

+


- سالي!

+


انتبهت" مريم " فورًا لنبرة صوته المُختلفة، وللحماسة في عينيه، لم تُدرك لماذا لكنها توقفت للحظة، تُحدق به دون وعي بينما هو نهض من مكانه مستعدًا للخروج من الغرفة وهو يقول:

+


- استنيني يا سالي، أنا خارج أسمعك كويس.

+


مرت بجانبها رائحة عطره الخفيفة وهو يعبر باب الغرفة تاركًا وراءه فراغًا غريبًا فلم تتحرك "مريم"  فقط عقدت ذراعيها أمام صدرها و استدارت ببطء نحو النافذة، تُراقب "وائل" وهو يسير في الساحة للخارج ، و هاتفه لا يزال على أذنه، ضحكته الخفيفة تتردد بين الكلمات.

+


بلا إدراك، خرجت منها همسة خافتة، كأنها تتحدث لنفسها دون وعي:

+


- أخته... ولا إيه؟! 

3


ثم شردت قليلًا، دون أن تدري لماذا اهتمت من الأساس بالإجابة عن هذا السؤال.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


انسدل الليل على نهار مُتعب، يتسلل الظلام كوشاح مخملي يغمر الأفق رويدًا،وفي الأعالي يلمع القمر بنوره الفضي.

+


وفي داخل السيارة؛ كانت "يـارا " مُستندة برأسها إلى زجاج النافذة، شاردة في أفكارها ، يدها تلامس اللاصق الصغير على كفها، وعقلها يعود بها إلى تلك اللحظة... الشاب الغريب، يده الدافئة وهي تضمد جرحها، صوته الهادئ وعينيه التي لم تتمكن من رؤيتها، من يكون؟ ولماذا تشعر بهذا الفضول تجاهه؟

+


تنهدت وأغلقت عينيها للحظة، ثم فجأة اعتدلت في مقعدها وقالت بحزم:

+


- أحمد، خد نفس الطريق اللي مشيت فيه إمبارح. 

+


نظر إليها السائق من خلال المرآة الخلفية باستغراب، لكنه لم يجادلها بل نفذ طلبها بهدوء.

+



        
          

                
كانت " يـارا " تُراقب الشوارع بعينين تبحثان في الظلام، تحاول استرجاع تفاصيل المكان، لكنها لم تكن متأكدة... إلى أن خفق قلبها للحظة حين بدا لها أحد الأماكن مألوفًا فأشارت إليه سريعًا:

+


- أقف هنا.

+


تردد "أحمد" قليلًا، لكنه أوقف السيارة كما طلبت ، وضعت " يـارا " يدها على مقبض الباب، وشبح ابتسامة انتصار رسم على شفتيها، كأنها على وشك كشف لغز ما، لكن صوت أحمد أوقفها:

+


- على فين يا آنسة يـارا؟

+


أطلقت تأففًا خفيفًا، وعادت بظهرها إلى المقعد قائلة بامتعاض:

+


- مش معقول هتسألني عن كل خطوة باخدها !!

+


هزّ رأسه معتذرًا:

+


- لا طبعًا يا آنسة، بس حضرتك عارفة تعليمات والدك... لازم أعرف تحركاتك وأرجّعك البيت علطول، آسف، مش بإيدي.

+


توقفت " يـارا "للحظة تُفكر في كلماته ، كانت تعلم أن والدها لن يتسامح مع خروجها المفاجئ دون علمه، لكنها لم تكن من النوع الذي يستسلم بسهولة ، التفتت إلى أحمد بعينيها الحادتين، ثم قالت بإصرار هادئ:

+


- أحمد... بعد إذنك ، أنت عارفني بقالك سنين، وعارف كويس إني مفيش حاجة بعملها مش حسبالها ، روح البيت please ، وأنا هرجع لوحدي.

+


تردد أحمد للحظة، لكنه كان يعلم أن الجدال معها لن يجدي نفعًا...

+


بعدما غادر " أحمد" ، بدأت " يـارا " في المشي ببطء على الرصيف، تحاول تذكر الزاوية التي وقفت فيها ذلك اليوم ، فجأة تسمع صوت دراجة بخارية قادمة من بعيد، فتوقفت مكانها مترددة، هل يمكن أن يكون هو؟ الدراجة تقترب، قلبها يخفق، لكن حين اقترب الراكب، اكتشفت أنه شخص آخر تمامًا فشعرت بالإحباط.

+


أكملت طريقها تحاول إقناع نفسها بأن بحثها لا جدوى منه، لكنه مجرد فضول... مجرد رغبة في معرفة من يكون ذلك الشاب الذي ساعدها.

+


تابعت سيرها حتى لاحظت دراجة بخارية مركونة على جانب الطريق ، ترددت قليلًا لكنها خطت نحو الشارع الجانبي بخطوات حذرة.

+


المكان كان شبه مُظلم، و بعيد عن المباني السكنية ، والإضاءة الخافتة القادمة من المصابيح البعيدة لم تكن كافية لرؤية كل شيء بوضوح ، تقدمت ببطء، بحواس متيقظة لأي حركة حولها حتى وصلت إلى ساحة مفتوحة.

+


تقلت بصرها للساحة الخالية ، و كانت على وشك الاستدارة والعودة عندما سمعت صوتًا قادمًا من مكان مجهول ، التفتت بسرعة وعيناها متسعتان تبحثان عن مصدر الصوت، قبل أن تلمح دراجات نارية قادمة من بعيد باتجاه الساحة. 

+


شعرت بالتوتر وتراجعت قليلًا للخلف، ووقفت وراء جدار عندما مرّت الدراجات أمامها، يتردد في الأجواء صوت ضحكات رجولية وحماسية.

+



        
          

                
لم تفهم ما الذي يجري، لكنها سمعت هتافات، وكأن هناك عرضًا ما يحدث .

+


" الفضول" 
ذلك الشعور المجنون الذي لم تستطع السيطرة عليه، دفعها للتقدم ببطء، تحاول التسلل دون أن يلاحظها أحد.

+


كانت تُخفي نفسها قدر الإمكان، وعيناها تتابع المشهد أمامها بترقب.

+


مجموعة من الشباب كانوا يُشكلون دائرة، ودراجاتهم تلتف حول شخص واحد في المنتصف ، بدا وكأنهُ أمهرهم، يفعل الأمر و لا يخشى توابعه، يتحرك بدراجته بانسيابية مُذهلة، يدور حول نفسه بمهارة لا تُخطئها عين.

+


الدخان كان يلتف حوله، وصوت المحركات يعلو وسط الهتافات الحماسية ،لا تدري لماذا، لكن شفتيها تحركتا في ابتسامة خفيفة، وكأنها انغمست في هذا العالم الغريب عنها.

+


كان الجو مفعمًا بالطاقة، لكن عقلها كان مشغولًا بشيء آخر... هل يمكن أن يكون هو نفس الشخص الذي ساعدها؟

+


بينما كانت تُحاول رؤية ملامحه وسط الدخان والأضواء المتحركة، قررت أن تتراجع ببطء، حتى لا تجذب الانتباه أكثر ، لكن أثناء عودتها للخلف، اصطدم كعب حذائها بشيء صلب، فقدت توازنها للحظة، و لكنه سقطت و اصطدمت بعُلب كرتونية بها خرده لم تراها سوى الآن .

+


اللعنة !

+


كان الصوت الذي أحدثته كافيًا ليجعل الجو في الساحة يتغير للحظة ، التفت أحد الدراجين الذي كان قريبًا من الصوت بسرعة نحو مصدر الصوت، ضيّق عينيه في الظلام قبل أن يهتف بصوت مرتفع:

+


- ميـن هـناك؟!

+


صوته جذب انتباه باقي المُتسابقين ، فشحبت " يـارا " ملامحها وتجمدت في مكانها لثوان ثم أدركت أن عليها الهرب فورًا ، أدارت جسدها بسرعة، لكن قلبها كاد يسقط حين سمعت صوتًا آخر أكثر جدية هذه المرة.

+


- استنوا، أنا هشوف.

+


اندفعت بسرعة محاولة الخروج من الشارع الجانبي، بخطوات مُتسرعة، لدرجة أنها لم تُلاحظ أن سلسالها انزلق من رقبتها وسقط على الأرض دون أن تشعر.

+


بينما كانت تختفي في الظلام، كان قد اقترب من المكان الذي وقفت فيه قبل لحظات ، توقف عند الحافة، نظر حوله بحذر لكن لم يكن هناك أحد... فقط الهدوء والظلام.

+


لكن عيناه لمحت شيئًا على الأرض، شيء صغير ولامع يعكس ضوء القمر ،انحنى والتقطه ثم رفعه أمام عينيه ليتفحصه.

+


شعر بحاجبيه ينعقدان ببطء وهو يتمتم بدهشة:

+


- دهب !! 

+


كان سلسالًا رقيقًا، لكنه ثمين... لابد أن الشخص الذي كان هنا قد أسقطه أثناء هروبه.

+


رفع رأسه سريعًا، عيناه تبحثان في الأرجاء لابد أن صاحبه لم يبتعد كثيرًا ! اندفع نحو الشارع الرئيسي، تطلّع يمينًا ويسارًا، لكن الشارع كان خاليًا تقريبًا، فقط بعض السيارات البعيدة وأضواء خافتة من أعمدة الإنارة.

+


جاءه صوت أحد أصدقائه من الخلف، ينادي باسمه:

+


- يوسف! في حاجة؟ حصل حاجة؟ 

+


ظل صامتًا للحظة وعيناه تحدقان في الظلام، ثم زفر ببطء قبل أن يدس السلسال في جيبه ويجيب بصوت هادئ:

+


- لأ... مفيش 

+


أدار السلسال بين أصابعه مرة أخرى، يتتأمل النقش الصغير الذي لمحه عليه،
من كانت؟ 
ولماذا كانت تراقبهم؟ 
والأهم... هل ستعود لاستعادة سلسالها؟

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


هبطت "ليلى " و "هَـنا " من التوكتوك إلى أرض الحارة، حيث خيم الهدوء على الأجواء لتأخر الوقت.

+


فجأة تناهى إلى مسامعهما مواء صغير قادم من زاوية مظلمة بجانب المبنى السكني ، التفتت" ليلى" نحو الصوت بفضول، بينما ارتسمت على وجه "هَـنا" ابتسامة عفوية تعرف مصدره جيدًا.

+


تقدمت دون تردد وبمجرد أن وصلت انحنت برفق، تربت على القطة الصغيرة التي كانت ملتفة حول صغارها فابتسمت" ليلى "وهي تراقب المشهد، ثم علّقت بخفة:

+


- دي طلعت عارفة ريحتك!

+


ضحكت " هَـنا " وهي تمرر يدها على فرو القطة بحنان:

+


- طبعًا دي عِشرة عمر!

+


ثم أشارت لـ "ليلى" كي تقترب:

+


- تعالي، خدو على بعض شوية، مستكة طيبة مش هتعضك.

+


ترددت" ليلى " للحظة قبل أن تنحني بحذر، وحينها اقتربت القطة منها، وكأنها ترحب بها مما جعلها تبتسم بخفة وهي تلمس فروها الناعم.

+


لكن اللحظة لم تدم طويلًا، إذ قطع صوت نقاش حاد في الطابق العلوي هدوء الحارة ، صوت مألوف جعل "هَـنا" تعقد حاجبيها وهي ترفع رأسها نحو المبنى.

+


في الداخل، وقفت" سناء" عند عتبة الباب، وجهها مرهق، بينما تحدثت بصوت منخفض ثابت:

+


- والله يا أمينة، أنا راجعة من الشغل، وما فيا حيل مناهدة!

+


زفرت" أمينة " بضيق، قبل أن ترد بنبرة مستفزة:

+


- بس الناس مش بيسيبوني في حالي! متأخرة عليهم في الجمعية، وكل شوية حد يكلمني!

+


حاولت " سناء" الحفاظ على هدوئها، رغم أن نظرتها كانت تحمل قلقًا دفينًا:

+


- طب وأنا أجيب منين دلوقتي؟ أول ما يبقى معايا فلوس، هدهوملك والمصحف .

+


لكن "أمينة" لم تكن تنوي التراجع بسهولة، فمالت نحوها قليلًا وقالت بصوت خافت لكنه محمل بالخبث:

+


- طب ما تبيعي جهاز ولا اتنين من حاجات بنتك، وتفكي كل القواضي اللي عليكِ.

+


وكأن كلماتها أشعلت شرارة في صدر "سناء" فردّت بحدة، عيناها تضيقان بذهول واستياء:

+


- إنتِ بتقولي إيه؟ لا طبعًا! مش هبيع حاجة من حاجتها، ولا حتى أفكر في كده!

+


في تلك اللحظة، كانت "هَـنا" و "ليلى " تصعدان الدرج تتبادلان حديثًا متقطعًا، حتى توقفت "هَـنا "فجأة عند المدخل ، نظرت للأمام وعيناها متسعتان بدهشة غامضة، قبل أن تهمس بكلمة واحدة:

+


- ماما ؟!

+


رفعت " ليلى" رأسها بتردُد، لكن ما رأته جعلها تعقد حاجبيها بارتباك...

1


يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


شكرًا لحُسن قرائتكم، و أتمنى تتركوا ليا رأيكم .

+


و السلام على قلوبكم 💌.
|| سُهى الشريف ||

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close