📁 آخر الروايات

رواية ظلام الذئاب الفصل السادس عشر 16 بقلم سلمي خالد

رواية ظلام الذئاب الفصل السادس عشر 16 بقلم سلمي خالد

بدأت تتهدج أنفاسها عندما رأت هذا الملثم يريد أن يقتحم غرفتها، تحركت عن الفراش ببطءٍ شديد ثم زحفت على ركبتيها ويديها تسير كالسلحفاة على الأرض تحاول عدم أصدر ضجيج فيشعر بها، حاولت الإسراع بعض الشيء حتى استطعت أن تخرج من غرفتها لتكمل باقي سيرها كما فعلت منذ دقائق على ركبتيها، يمتلكها شعور بالذعر، دقات قلبها تكاد تتوقف من فرطت رعبها؛ كالقطة الصغيرة يحاوطها الوحوش من كل جانب فتقع فريسةً لهم من الرعب، وصلت للباب غرفة زياد، تتنفس براحة وهي تقتحم الغرفة بسرعة مغلقة الباب خلفها.
شعر باقتحام أحداً غرفته وما هي إلا دقائق وكان قد أخرج مسدسه من أسفل الوسادة يُصوِبه باتجاه ليان، تراجعت بخوفٍ وهي تنظر للمصوب باتجاهها، ثم هتفت وعيناها تتسع من الذعر:
_ أنا ليان والله ليان، يعني حرامي يدخلك بالكنبوشة بتاعتي دي.
أشارت على شعرها المبعثر من أثر النوم، فأنزل زياد مسدسه ونظر لها قليلاً وقد تعجب من شكلها ترتدي لأول مرة يراها بيجامة يوجد عليها أشكال خاصة ب "باربي" للفتيات، شعرها المبعثر بشدة من أثر النوم والغير مرتب وكأنها كانت تتشاجر مع أحد، تمتم بدهشة واضحة، وعيناه ترمش مما يراه:
_ إيه اللي جايبك كده؟!!
نظرت باتجاه الباب، وهمست بخوف تتجاهل شكلها فالجميع يعلم كيف يستيقظون من النوم:
_ في واحد ملثم في الأوضة بتاعتي، وكان في البلكونة و بيحاول يفتحها فخُفت وجيت على هنا من غير صوت.
الصمت كان يخيم بالغرفة، فلم يوجد سوى أنفاس ليان المتهدجة من الخوف، خرج من هذا الصمت وقوف زياد أمام خزانته يخرج منها حقيبة سوداء كبيرة، ومعاها ملابس سوداء، استدار زياد إلى ليان وهتف بنبرة جادة تحمل بطياتها الغموض:
_ خدي ألبسي الهدوم دي.
امسكت بالملابس الممدودة إليها، فما كانت سوى جيب سوداء واسعة وطويلة، ومعاها بلوزة وحجاب من نفس اللون، بينما قام زياد بإعداد مسدسة وتأكد من خزانه قائلاً وهو يسير بهدوء:
_ مسافة ما أخلص تكوني خلصتي لبس هدوم.
حركت رأسها بايجابية، وقررت أن ترتدي تلك الملابس فوق ما ترتديه، فشعرت بالحرج الشديد من أن ترتدي ملابس جديدة وتنزع القديمة أمامه.
أنهي زياد ضبط كل ما يحتاجه ليهتف وهو ينظر إلى ليان:
_ خلصتي.
حركت رأسها بتوتر، ليسترسل زياد في صلابة قائلاً بصوتٍ جاد:
_ تعالي أوقفي ورايا بسرعة.
هرولت إليه مسرعة تختبئ خلفه، تمسك بالحقيبة الموجودة على ظهره، مد يده للخلف يبعد ليان ويتأكد من وجودها خلفه، بينما رفع يده الآخر يصوب باتجاه الباب، وما كانت إلا دقائق وفُتح الباب على مصراعيه، ليطلق زياد النيران على هذا الدخيل، افترش الأرض ووقع غارقاً في دمائه بعد رصاصة زياد، ليزداد تشبث ليان بذراع زياد قائلة بصوت شبه باكي:
_ ليه عملت كده قتلته.. ليه يا مفتري؟!!
نظر لها بغضب ثم هدر بعنف:
_ أنتِ متخلفة واحد جاي وعايز يخلص عليكِ عايزني إيه أخده أغديه قبل ما يقتلنا.
صمتت ليان وخاصة عندما هدر بهذا العنف، ولكن صرخت بخوفٍ عندما وجدت أحداً يطلق النيران عليهما، تراجع زياد بخفة وبراعة متمكناً من حماية ليان، استعاد توازنه بسرعة ورفع يديه سريعاً ليصيبه ولكن امسكت ليان يده قائلة:
_ لا حرام متقتلوش.
أصابت الطلقة الحائط، ولكن سرعان ما أطلق واحدة أخرى قبل أن يهاجمه هذا العضو من المافيا، تحولت عين زياد إلى براكين من الغضب، يصيح بعنفٍ شديد ارتجف جسدها أثر صوته:
_ قسماً بربي يا ليان لو مبطلتيش تخلف لكون مخلص عليكِ وعلى نفسي، أنتِ غبـــــــــــــــــــــــــــية عايزة تموتينا!!!!!
وضعت ليان يدها على آذانها من صوته العالي بشدة، تتراجع إلى الخلف بينما نظر زياد من النافذ الغرفة فوجد أن هناك عدد ثاني سيأتي خلاص دقائق، عاد إليها ونظر بغموض همساً:
_ أنتِ مينفعش معاكِ غير كده.
قام بضربها في جبينها برأسه لتقع بين يديها غائبة عن الواقع، حملها بسرعة وضغط على الزر الموجودة بجوار المرآة، مغمغماً بغيظ:
_ هتموتنا يا بنت المجنونة.
سار بهذا النفق الموجود بالشقة خلف المرآة الخاص به، وقبل أن يكمل السير ضغط على زر آخر أغلق به هذا الباب، ليسير بهذا الممر السري حاملاً تلك المسكينة بين يديه.
************
نفخت بضيق وهي تحاول مرراً أن تهاتف صديقتها، متعجبة من عدم ردها فهتفت بضيق:
_ هو دا وقت تعملي فيها الرجل الغامض يا ليان.
وضعت الهاتف جانباً بعد أن قامت بإرسال رسالة قصيرة وتوضح فيها لصديقتها أنها عائدة إلى مصر، وبدأت تُعد حقيبتها لتعود إلى مصر مرة أخرى.
***************
بإحدي المستشفيات الحكومية،،،،،،،
صوت الجهاز صدع بالغرفة ليعلن عن توقف قلباً أراد الرحيل بسلام، ترك جسده وغادرت روحه لتسبح بعالم آخر لا يعلم عنه الإنسان شيء، ترك صغيرته بالحياة لتلقى من الآلام نصيب ليس بهين عليها.
امتلأت عين الجميع بالألم والدموع تفيض منها كالفيضان الذي يصارع في الأرض فيقضي على ما امامه، رجلاً ترك ذكرى طيبة بين الناس فأصبحوا جميعاً يترحمون عليه، فمنهم من تألم من أجل صغيرته التي تركها تجني أشواك الحياة قليلاً ومنهم من تألم لفراقه.
بالشقة السيد أحمد، سارت دموعها ترسم كلمات الألم على وجنتيها، اعتبرته والدها فلم يخذلها، بينما وقف طارق يتماسك بثبات زائف يتذكر كيف شجعه ليصبح طبيباً، وقف بجانبه كالدرع الذي يحميها أطفاله من قسوة الحياة، فغادر تاركاً إياهم يحربون الحياة بمفردهم دون درع يحميهم من الآلام.
انتهت مراسم العزاء، ليرتمي طارق على المقعد بتعبٍ شديد، يفكر كيف يخبر ليان بهذا الخبر المؤلم لا بل القاتل الذي سيقضي على باقى روحها المسكينة ويحطم فؤادها فيصبح مكلوم، وكيف يستطيع أن يصل إليها، قطع شروده صوت زوجته سالي تهتف ببعض الإرهاق الذي داهمها من أخذ واجب العزاء والبكاء قلبها المنفطر لأجل هذا الطيب:
_ طارق يا طارق سرحان في إيه.. بقالي ساعة بقولك إني اتأخرت ولزماً أروح عشان ماما بترن عليا.
نظر لها قليلاً ثم قال بهدوء يتخلله بعض الألم فيفيض بكلماته المكسورة:
_ حاضر يا سالي تعالي معايا.
مدت يدها لتوقفه، قائلة بصوتٍ رقيق:
_ مالك يا طارق فيك إيه قولي؟!!
زفر بألم يتذكر ما مكنون بصدره ليبوح عنه قائلاً:
_ أنا مش عارف إزي هقول لـ ليان ان باباها مات وهي في الغربة لواحدها.
قطبت سالي جبينها وتساءلت بحيرة قائلة:
_ انت مش قولت اتجوزت هناك؟!!
حرك رأسه بإيجابية وهمس بألم:
_ المشكلة إني معرفش هو بيعاملها إزي ؟؟ولا بيحصل إيه معاها ؟؟ أنا أصلاً معرفش هي لسه على ذمته ولا لاء؟؟ وأخف أقولها الموضوع يزود همها أكتر؟!!!
نفخت بفمها قائلة بصوت متحير:
_ مش عارفة أقولك إيه يا طارق ربنا يقويك
تنهد قليلاً ثم نهض قائلاً بهدوء عكس ما بصدره والنيران الألم تشتعل بها:
_ تعالي طب أروحك عشان اتأخرتِ.
************
بقصر الألفي،،،،،
يجلس شارداً بهذه الضمادة الموجودة بكتفها أيعقل أن تكون هي هذا الملثم؟؟، ولكن كيف لمرأة مثلها أن تقوم بفعل هذه الحركات؟!!
نهض من مكانه وهو يهمس بضيق:
_ أنا أقوم أخد حمام كده يريح أعصابي بدل الهم دا.
سار باتجاه الخزانة وسحب منها ردائه ولكنه أوقع هاتف صغير على الأرض نظر له قليلاً وبدأ يتذكر ما حدث وكيف اشتعلت نيران الكره بحدقتيه، يرى خيانتها له فقط بعينيه
***
وقف مصدوم وهو يسمع حديثها مع هذا الرجل الغامض بالهاتف ولكن براكين الغضب بدأت تشتعل وهو يستمع إلى كل كلمة تُلقيها أمامه وكأنها تقذف جمرات نار فتحرك قلبه المكلوم:
_ بقولك ممكن أقابلك عادي، وملكش دعوة بجوزى هو أساساً مطنشني ومش واخد باله مني، يا حبيبي أنت اللي في القلب ومحدش غيرك وع.....
بتر حديثها عندما شعرت بأحد يسحب منها الهاتف ألتفت له وقد اشتعلت عيناها بالغضب قائلة:
_ أنت إزي تسحب مني الفون كده؟!!
وكأنه لم يسمع شيء بل باغتها بسؤالٍ ويتمنى أن تخبره أن ما سمعه كذب، يريد أن ينصر قلبه وحبها لها، فكيف لهذا الملاك أن يكون وحشاً بشعاً هكذا:
_ أنت كنتِ بتكلمي مين وبتقولي ليه الكلام دا.. أنتِ عمرك ما هتكوني زي يا ندى صح؟!!
نظرت له ببرود شديد، ثم رددت بصوتٍ ماكر تفوح منه رائحة الخبث:
_ بكلم اللي خد قلبي خلاص، بكلم اللي مهتم بيا، و على فكرة أنا اتعلمت المكر خلاص اصل مينفعش واحدة عايشة في وكر الذئاب ومتتعلمش المكر والخيانة وزي ما أنتِ خونتني زمان وعرفت بنات وأتجوزت وقولتلك خلاص مش هزعلك وهعملك اللي عايزه بس قولت ليا وقتها ببرود خلاص الوقت فات واتجوزتها غصب عني وقهرتني، أنا خونتك دلوقتي وجعتك زي ما وجعتني، وهقهرك زي ما قهرتني، وعندي استعداد ادمر أي حاجة عشان أنتقم منك، ندى الهبلة بتاعت زمان اللي كنت بتشوفها مع زياد أخوها دي ماتت وأنا قتلتها بإيدي.
اقتربت منه قليلاً وهي تستلذ بشكله المصدوم قائلة ببرود:
_ فرحانة وأنا بقيت خاينة ووجعتك يا وليد، وهدمرك أكتر، وأثبت بقى إني خونتك أصل محدش هيصدق ندى الهبلة الصغننة دي هتعمل حاجة وخاصة جدك اللي بقى كارت في إيدي، سلام يا جوز الخاينة.
غادرت المكان وهي تضحك باستفزاز، ضمرت قلبه بكلماتها السامة، قتلت حياته ودمرتها، دمرت رجولته بخيانتها له، لن ينسى ما فعلته وسينتقم منها!!!
****
ألقى الهاتف الخاص بزوجته الخائنة ندى و أنفاسه تتهدج يلتقطها بصعوبةٍ بالغة، يشعر بالأختناق، نيران الألم تشتعل بصدره فتهلك بروحه إلى الهاوية، تحرك نحو الحمام بخطواتٍ ثقيلة حتى وصل له نزع ملابسه ووقف أسفل الماء البارد لعله يطفئ هذه البركين ولسيت نيران، يشعر بشيءٍ أخترق صدره وسمم قلبه، فجعل من ضلوعه القوية هشَّ.
أغلق صنبور الماء وجفف نفسه ثم خرج من الحمام منتهياً من ارتداء ملابسه ليجلس على السرير قائلاً بألم وعيناه تفيض بالدموع:
_ الله يسامحك يا ندى، قتلتني بخيانتك ليا وتمثيلك، لا بقيت عارف انتقم لنفسي ولا عارف اعمل حاجة ياريتك موتي وريحتيني!!!!
*************
شقَّت أشعة الشمس الظلام لتصنع مجرى للنور يسير بالشقة، استمع السيد رفعت لصوت الباب، فقطب جبينه وتعجب من المجهولة الذي أتى، نهض عن مقعده ذهاباً للطارق على الباب وما إن فتحه حتى وجد ابنته الوحيدة تقف أمامه، وتتأرجح الابتسامة فوق ثغرها، هاتفه ببعض المرح:
_ وحشتني أوي يا بابا.
ادمعت عيناه ووفتح ذراعه سريعاً قائلاً باشتياق:
_ سهام.. وحشتني يا بنتي.
دفنت وجهها بصدره قائلة بضحك:
_ وأنت يا بابا وحشني أكلك كله.
رمقه بنظر محتقرة قائلاً بغيظ:
_ يعنى راجعة عشان الأكل يا بتاعت مصلحتك.. نتنة.
تعالى صوت ضحكتها كالبلبل الصغير، ثم همست بدلل:
_ الله مش أنت بابا أحسن شيف بدنيا وبدلع عليه.
كبح ضحكته ثم همس ببسمة رقيقة:
_ طب خشي يا لمضة وأنا هعملك أحسن أكل بالدنيا.
صفقت بيديها كالطفل الصغير، مرددة بسعادة:
_ الله عليك يا حج لما تدخل المطبخ وتخربها.
هز رأسه بيأس منها، وقال وهو يضرب يده بالأخرى:
_ عوض عليا عوض الصابرين يارب.
سارت تضحك بسعادة لعودتها إلى أحضان والدها الدفئة، فتنعم بقليلٍ من الراحة والحب.
*************
بنيويورك،،،،،،
تشنجت تعبيرات وجهها بالاشمئزاز، تنفر ما يتخلل أنفها الصغيرة من رائحة كريهة، بدأت تصدر همهمات ومن ثم فتحت عيناها بتشوش بسيط، وبدأت تضح الرؤية أمامها شيئاً فشيء، ولكن وجدت المكان مظلم لا يوجد سوى نور خافت وبسيط يساعد على السير فقط، همست بواهن وهي تحاول أن تسترد وعيها كامل:
_ آآآآه إيه الريحة دي؟!!
نظر لها زياد ولاحظ ملامحها المتقززة من الرائحة، فهتف بخبث واضح عليه:
_ إيه الريحة مش حلوة؟!!
اغمضت عيناها ثم أعادت فتحها ولكن شعرت بيد تقيض خصرها وأسفل ركبتيها وما أن شعرت بأن زياد يحمل صرخت بشدة قائلة:
_ نزلـــــــــــــــني نزلني بسرعة!!!
ركلت بالهواء بعنف تحاول أن تفلت نفسها من أصفاد يده، فحدثها في حدة:
_ اتنيلي أثبتِ عشان انزلك.
توقفت عن الحركة ما أن تفوه بتلك الكلمات، ولكن أشتعلت وجنتيها بالحمرة الشديدة وهي ترى المكر مرسوم بحرفية في عينيه، وما أن لمست قدماها الأرض، رأت نظراته التي تزيد سخونة وجنتيها مصوبة باتجاهها، فهتفت في تلثم محاولة تغير نظراته قليلاً:
_ هو أحنا فين؟!!
أزداد مكر عيناه وأردف في خبث:
_ في المجاري!!!
جحظت عيناها بل كانتا ستقفزان من الصدمة، مرددة تلك الكلمة وهي تحرك شفتيها دون إصدار صوت:
_ مجاري!!!
حرك رأسها ولم تفرقه ابتسامته الماكرة ولكن أنعكست الأمور عندما مر فأر صغير بجوار قدم ليان ولامسها لتقفز جواره تتشبث بذراعه قائلة بخوف مصحوب بصراخ حاد:
_ لاء فيران لاء أبعدوا عني.
أنحنى بجزعه العلوي، محاولاً السيطرة على ما أصابه من نوبة الضحك، وردد بكلمات لم يثنيها سوى الضحك:
_ أهدي يا بنتي وسيبي دراعي.
حركت رأسها بالنفي وازداد تمسكها بذاعه، لاحظ ذعرها وتنهد قليلاً، ثم همس بهدوء محاولاً بث الطمأنينة لها:
_ أهدي يا ليان طول ما أنا معاكِ مفيش حاجة هتأذكِ، وأنتِ متخافيش من حاجة.
نظرت له بقلق فهي تخشى جميع الكائنات الحية، ولكن رمقها بنظرات مطمئنة دافئ داعبت قلبها المرتجف خلف ضلوعها، فأجابته بتوتر:
_ ماشي.
تحرك متمسكاً بيدها المرتجفة قائلاً بهدوء:
_ طب يلي عشان نخرج من هنا
هزت رأسها وبدأت بسير معه ويدها لم تفارق يده، تتشبث بذرعه كطفلة صغيرة خائفة أن تفقد أمان والدها ولكن توقفت فجأة، لتسير الدهشة على ملامح زياد وترسمها بحرفية، همست بتذكر وعيناها تتسع شيئاً فشيء:
_ الصندوق!!!
استدارت سريعاً ولم تهتف سوى بكلمات غريبة ترددها بغرابة:
_ الصندوق لزماً أرجع أجيبه الصندوق.
أمسك ذراعها لترتد عليه مرة أخرى قائلاً بهدوء:
_ مش هينفع ترجعي يلى نمشي.
هزت رأسها بعنف قائلة بعند وقوة:
_ لا هرجع يعني هرجع.
زمجرها بعنفٍ شديد ليهدر بشرسة:
_ ليـــــــــــــــان أمشي بدل ما اوريكي وشي التاني وهتفضلي لأخر عمرك تكرهيه.
انتفض جسدها أمامه وأمتلئت الدموع بأهدابها، فأصبحت الآن في غياهب ظلام لاتعلم متى ستخرج إلى النور بعد أن سحبها زياد إلى العاتمة، استطرد زياد حديثه في برود:
_ اخلصي ويلى نمشي.
شهقة عنيفة أصبتها من عمقها بالبكاء، تسير معه بخطواتٍ تحفر ألمها بها، تشعر وكأنها تركت روحها الصغيرة، لم تتفوه بكلمةٍ واحدة وبدت الحيرة تُحلق فوقها كالطيور التي تحلق فوق الجبال بالسماء، هل يحبها؟ وإن كان يحبها لِمَ يعاملها هكذا؟ ولِمَ لَمْ يسمح لها بالعودة بأخذ أعز ما تملك كما أخبرته سابقاً ؟؟ أسئلة عديدة دارت بخلدها فأصبحت بدوامة كبيرة لا نهاية لها تغرقها فقط بظلامها.
توقفت عن السير عندما رأت زياد يتوقف ينظر لطريقين الموجودين أمامه، بتلقائية نظرت حولها لترى ما هذا المكان المقزز للغاية حتى وقعت عيناها على شيءٍ ما يتحرك فوق الماسورة لونها أسود، ضيقت عينيها في محاولة معرفة ما هذا حتى اتسعتا بشدة عندما اتضحت الرؤية أمامها فلم تستطع أن تصرخ أو أن تفعل شيء سوى أن تمسك بملابس زياد وتشدها بعنف غريب، نظر زياد خلفه قاطباً جبينه بحيرة من أمرها، حتى وجدها تنظر باتجاهٍ ما بصدمة شديدة، أدار عينيه بالاتجاه الذي تنظر منه ليجد ثعبان أسود فوق الماسورة، أخرج مسدسه وببراعة أصاب الثعبان ليقع بقلب المياه المقززة ميتاً، أعاد مسدسة بمكانه ونظر إلى ليان ليجدها لا تزال كما هي ولكن تحبس أنفاسها حتى بدأ يشع وجهها بزُرقة غريبة، تسرب القلق إلى قلبه، ثم هتف وهو يمسك يدها ويهزه برفق:
_ أتنفسي يا ليان أنا قتلته خلاص أتنفسي عادي
أدارت رأسها له وفجأة انفجرت في البكاء تهتف بكلماتٍ متقطعة بالكاد استطع فهمها:
_ أنا خلاص تعبت هو أنا عملت إيه عشان يحصلى كده منهم وهما بيعملوا ليه كده فيا أنا عايزة ارجع مصر عايزه ارجع لحضن بابا!!!
غصة أليمة أصابت قلبه وهو يراها تبكي هكذا ولاتعلم لِمَ يحدث كل هذا معها، ربت على ظهرها بحنو شديدة، يحاوطها كدرع حامي ليحميها من آلامها، قائلاً بحنان بالغ فقد شعر أنها ابنته وليست زوجته وفؤاده:
_ أنا عارف إنك أول مرة تتعرضي لكده وعارف إنك تعبتي بس أحنا قربنا نخرج وأهدي أنا مش هسيبك مهما حصل.
مسحت دموعها بطفولية ثم همست بصوتٍ مبحوح:
_ ولا هتسبني لما نرجع مصر!!
صدامه سؤالها فلم يرغب بأن يفكر في هذا الأمر وهو يعلم نهاية هذا الطريق وهو الفراق، فأجابها بهدوء عكس ما يشعر به وعواصف تدور بخاطره من ألم:
_ لما نرجع مصر ربنا يحلها من عنده!!!
بدأت تشعر بالغرابة من حديثه ولكنها استكنت شيئاً فشيء، لينهض زياد بعيداً عنها عندما رأي الحمرة تتسرب بوجنتيها وأصبحت ترتجف خجلاً منه قائلاً وهو يمد يده يساعدها لتنهض يكظم مكره قليلاً وهو يعلم أنها بكامل حرجها:
_ يلى عشان نخلص المجاري دي ولا عجبتك الريحة.
صدع صوت ضحكتها فسلبت باقي فؤاده وأصبح العشق مكنون بصدره لها، قائلة ببسمة صغيرة:
_ لاء يلى.
كادت أن تسير ولكنها شعرت بشيء فوق كتفها نظرت جوارها برعب لتجد حشرة صغيرة مقززة "صرصار" حركت رأسها ثم همست بكلماتٍ وعيناها تغلق:
_ لا لا كده كتير أوي.
وقعت مغشياً عليها ليصاب زياد بنوبة ضحك على شكلها وهي تنظر لهذه الحشرة برعب كأنها وحش من وحوش الظلام، دعس هذه الحشرة ثم حمل زياد ليان قائلاً بضحك:
_أنا أشيلك أرحم من الهيبر اللي في دماغك وتفوقي تاني.
أكمل سيره حاملاً إياها بصدرٍ رحب، لينهي هذا الطريق سريعاً قبل أن تفيق.
***********
بمبنى المخابرات،،،،،
جلس اللواء سراج على مقعده والقلق ينهش خلاياه يريد من زياد أن ينهي تلك القضية بسرعة قبل أن يعلم أن رئيس المافيا هو من قتل والده همس بصوتٍ مجهد:
_ دي هتبقى مجزرة لو عرف مين اللي قتل ابوه، ومش هعرف أسيطر عليه.
تنهد بألم وظل يفكر ماذا يفعل ليعيد زياد سريعاً إلى مصر قبل أن يعلم بما يجهله!!!!
*************
بنيويورك،،،،،،،،
وجد أشعة الشمس تغرق المكان، الأشجار تحاوطه بكل أتجاه، تقدم عدة خطوات ثم وضع ليان فوق الأعشاب الخضراء، التي تتمايل مع نسمات الهواء الباردة، تلفح وجه زياد فتزيد انتعاشه، بدأ يدور بالمكان يجمع بعض الأخشاب الصالحة للإشعال، وبعد أن انتهى قام بوضع الأخشاب فوق بعضها على شكل دائرة ثم أشعاله، نهض عن مكانه ذهب على بعد أمتار يتحدث بالهاتف، بينما تحرك جفنيها دليلاً على إفاقته، بدأت ترى نور شديد وحرارة قريبة منها، لم تعلم ما هذا سبب الرؤية المشوشة ولكن بعد لحظات، أحست بالزرع أسفلها والقطع الخشب المشتعلة، ظلت تدور بعينيها في المكان وزُرع الإعجاب بداخلها من هذا المنظر الخلاب اسفل نور الخشب المشتعل، نهضت عن مكانها، تزيل عنها الأعشاب التي التصقت بها، وبدأت تسير بخطواتٍ حذرة حتى وجدت زياد يقف مولياً ظهره لها تقدمت منه لتسمعه يهتف:
_ ادفن خلاص.
:_ هو مين اللي أدفن يا زياد؟!!!
قالتها بتعجب وهي تقطب جبينها، أغلق زياد هاتفه سريعاً ينظر لها بصدمة، فماذا ستفعل إن علمت أن والدها هو من دُفن، نظر لها قليلاً ثم هتف بقليلٍ من الحزن......
يتبع!!!!


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات