رواية مجهول انبت عشقا الفصل السادس عشر 16 بقلم سلمي خالد
مجهول أنبتَ عشقًا
بقلم سلمى خالد "سماسيموو"
الفصل السادس عشر
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
( كيف وقعت بحُبك؟)
ظلت جامدة مكانها تُحاول استيعاب ما حدث، هل سيموت هكذا؟ هل ستنتهي تلك القصة بقتله، ظلت تتطلع يمينًا ويسارًا إن كان لايزال هناك أحد وبالفعل لم تجد لتركض سريعًا نحو الحارة، تحاول ايجاد أي شخص لمساعدة الوحش، أخيرًا أصبحت داخل حدود الآمان، وقفت تضع يدها على ركبتيها تحاول التقاط أنفاسها الضائعة من كثرة اللاهث، ولكن انتفضت من مكانها ما أن صدع صوت حندوق يردد بنبرة متعجبة:
_ بتعملي إيه عندك وسايبه البيت ليه؟
رفعت رأسها ترمقه بنظراتٍ قلقة، ثم اجابت بنبرة مرتجفة:
_ الوحش اضرب بالنار.
اتسعت عين حندوق في صدمة، يردد متوجهًا نحوها في حدة:
_ هو فين؟ وازاي هربتي منهم!
حدقت به في غيظ، ثم اسرعت تستدير قائلة بنبرة غاضبة:
_ تعالي معايا عشان نلحقه وبعد كده أبقى اتكلم بالأسلوب دا.
تقدمت بخطواتٍ حذرة، يسير خلفها حندوق ليسرعوا في اللاحق بالوحش، وبالفعل تفاجأ حندوق بالوحش مُلقى على الأرض، اسرع يحمله بنوعٍ من الحذر داخل الحارة، بينما ساعدته سدرا قد الإمكان في ايقاف هذا النزيف، تتطلع نحوه وهو يُضع على الفراش، تتأمل ما يفعله الطبيب في حيرة شديدة، لِمَ ساعدته؟ هي كانت تنتظر لحظة انتقام واحدة منه ولكن رؤية ابتسامته الحزينة لها جعلتها تتردد كثير في الحُكم عليه.
جلست على الأريكة التي كانت تغفو عليها واضعة رأسها بين راحتي يدها لا تعلم ماذا يحدث معها؟، مر وقت استطع الطبيب ازالة الرصاصة وعلاج جروح الوحش، ثم مد يده بالدواء لسدرا قائلًا:
_ الدوا دا ياخده كل 12ساعة.
مدت سدرا يدها تتناوله منه، ثم غادر الطبيب من الغرفة بعدما أوصله حندوق للخارج، نهضت سدرا تقف أمام الباب تردد بجمود لمساعدة الوحش:
_ أنا تعبانة ومش حمل أسئلة منك فسبني عشان ارعيه جوا ويخف بسرعة.
ظل بعض الوقت بمكانه، ثم غادر المكان تاركًا إياها تنظر لإختفائه بممر طويل، أغلقت الباب ثم استدارت تجلس جواره على الفراش تتطلع لملامحه الساكنة، تنهدت في تعب ثم وضعت الدواء جانبًا تنتظر مرور ساعتين كي تعطيه الدواء المطلوب.
نهضت تبدل ملابسها لأخرى مريحة بعض الشيء تزيل حجابها في ارهاق قائلة ببعض الارهاق:
_ اعتقد أنه مش هيفوق غير بكرة!
وضعت حجابها جانبًا ثم عادت تجلس جواره تفكر بحياتها التي ضاعت وسط غياهب الظلام، تتمنى أن تأتي لحظة صغيرة تصفو حياتها من المشكلات، فبالرغم من المشكلات التي نتعرض لها طيلة حياتنا إلا أن كل ابن آدم يأخذ نصيبه بقدر طاقة تحمله، فلاتيأس من رحمة الله وكن على يقين أن لأي بلاء نهاية، فإن للدنيا نهاية.
*****
صباحًا..
فتح عيناه في ألم، يحاول رؤية أين هو؟ ثم يتذكر ماذا حدث؟، تطلع حوله في صمت فكيف أتي لهنا فأخر ما يتذكره هو رصاصه غُرست بداخله، نظر جانبه فوجد سدرا جالسة جواره نائمة، ولكن ملامحها باهته، ظل يتطلع لها في صمت ولم يحدث أي ضجيج، مد يده في بطء يلامس وجنتيها ثم زحفت ابتسامة هادئة لشفتيه، يهمس بداخله بنبرة حاملة إعجاب:
_ مش عارف ليه كل مرة بشوفك فيها برضو بتشدني وعايزك تفضلي معايا علطول.
شعرت سدرا باصبعه على وجنتيها يلامسها في رقة شديدة، ولكن لم تستطع السيطرة على السخونة التي ضربت وجنتيها، بينما اتسعت ابتسامة الوحش ما أن رأي تورد وجنتيها، همس بنبرة رجولية يزيد من خجلها ولكن أرد أن يبوح بما يرغبه الساكن خلف ضلوعه ينبض بأسم الحب:
_ وقت ما ترضي عن اللي جوايا ليكي مش هسيبك أبدًا.. بحبك يا سدرا.
لم تستطع تحمل ما يتفوه به، لترمش بأهدابها عدة مرات ثم نهضت تحاول إخفاء خجلها قائلة وهي تعيد إرجاع خصلات شعرها للخلف تُمسك بحجابها لتغطي شعرها سريعًا:
_ عامل ايه دلوقتي؟
منحها ابتسامة لأول مرة تراه مجيبًا في مكر:
_ مش عارف حاسس إن صدري وجعني أوي.
تحولت ملامحها لبعض القلق، ثم عادت تجلس جواره مرددة بنبرة متوترة:
_ مالك طيب؟ أنا متابعة الدوا والمفروض المسكن لسه مفعوله موجود و..
قاطعها يردد في همس متطلعًا لحدقتيها في هدوء ولكن يغرق ببندقة عيناها:
_ خايفة كده ليه عليا؟ مش أنا قاتل!
ازدردت حلقها في توتر ثم ابتعدت ولكن أمسك بمعصم يدها ضاغطًا عليه قليلًا ينتظر اجابة لما قاله، ازاد رجفة سدرا ثم أردفت قائلة بنوعٍ من التوتر:
_ أنا بحب اساعد الناس أي كان مين حتى لو أذاني.. فأكيد هساعدك ومش هسيبك!
ترك يدها يحرك رأسها قائلًا:
_ أممم ماشي وعرفتي منين أني اضربت بالنار؟
:_ مفيش حسيت بيك وأنت بتحطني على السرير وصحيت ومشيت وراك لحد ما لقيتك وقفت مرة واحدة ورجالة بتخرج عايزة تقتلك ولما لقيتك بتنزف جريت على الحارة وقابلت المساعد بتاعك وهو جابك هنا وانا اتوليت مهمة علاجك.
اجابته ببساطة شديدة، بينما صمت الوحش دون أن يردف كلمة أخري، اشار بيده لها أن تقترب وبالفعل تعجبت سدرا من صمته واقتربت تحاول فهم ما الذي يريد وما أن أصبح مستوى رأسها قريب منه حتى مد يده يمسكها من أذنها قائلًا بنبرة مغتاظة:
_ عدي معايا الغلطات دي عشان لما أعقب متقوليش مجرم وظالم.. خرجتي من غير ما تقوليلي.. ومشيتي ورايا.. وروحتي لحندوق.. ودلوقتي لو جرى ليكِ حاجة هيبقى ايه وضعي!
تألمت سدرا من يده قائلة في ألم:
_ آآآه ايه سبني.
تركها يتطلع لها في غضب، بينما أمسكت سدرا أذنها تحاول تدليكها ربما تزيل بعض الألم الذي انتشر بأذنها قائلة:
_ إيه الإفترى دا! ملقتش غير وداني وتمسكها وهي اكتر حاجة بتضيقني!
ابتسم في برود الذي تحل به منذ البداية قائلًا:
_ عارف أمال مسكتك منها ليه؟
تطلعت له في حنق، ثم انطلقت باتجاه الاريكة تجلس عليها غاضبة، تحكم الوحش ببسمته لما تفعله سدرا، فهي كالطفلة معه، الآن سيعترف أنها بالفعل وضعته بطريق لن ينتهي سوى بدلوف لعالم جديد تحكمه أميرة تسمى العشق.
اعتدل الوحش بجلسته ناهضًا من مكانه يتجه نحو الخزانة، حمل منها بعض الملابس ثم ذهب نحو الحمام في صمت، تعجبت سدرا من صمته فليس بالعادة أن يتركها هكذا دون مشاكسة، استمعت لصوت المياه تدفق بداخل الحمام، ولكن قررت أن تبتعد عنه ما أن تذكرت كلماته وهي مغمضة عينيها، ولم يتردف سوا بكلمة واحدة:
_ هل بالفعل يحبها؟
ظلت شاردة لوقتٍ طويل لم تلاحظ خروج الوحش ووقوفه أمامها، فاقت على بعض قطرات المياه الساقطة عليها، تطلعت نحوه ببعض التعجب، بينما اردف هو بنبرة هادئة:
_ تعالي غيري على الجرح.
شعرت بتوتر شديد، فهو زوجها ولكن لا تعلم سر زواجها له فهو لم يطالبها إلى تلك اللحظة بحقه كأي زوج، ولم يردف بكلمة تشير لهذا الموضوع، ولكن أيضًا لِمَ جعلها تمضي عقد زواجهما، انتفضت من مكانها بعدما قال:
_ إخلصي الجرح بدأ يشد عليا.
رمقته بنظرة غاضبة ولم تستطع الرد فهو على حق تلك المرة، نهضت احضرت الأدوات اللزمة ثم عادت له لتبدأ بتغير الضمادة الخاصة بالجرح ولكن شعرت بتوتر شديد لم تفهم سره، ابتسم الوحش ما أن أحس بأناملها المرتعشة، وعلم أنها ستقع بالفخ قريبًا كما وقع به، انتهت سدرا في صعوبة شديدة، بينما نهض الوحش يرتدي باقي ملابسه قائلًا بنبرة جادة:
_ أبقى جهزي نفسك عشان هتقابلي ناس!
قالها ثم غادر الغرفة سريعًا قبل أن تتسأل سدرا من هم الذين ستقابلهم!
*****
وصلت تاليا أخيرًا للشركة، ثم صعدت السُلم في صعوبة بالغة تردد بنبرة حانقة:
_ على فكرة كده مش هينفع ما ينقلوا المكتب تحت!
:_ طب في حل اسهل وهو الاسانسير.
قالها آدم بعدما خرج من الاسانسير، استدارت تاليا في فزع قائلة بنبرة متهدجة:
_ يالهوي.. أنت ايه اللهو الخفي كل شوية تطلعي من حتة.
اغمض آدم عيناه ببعض الضيق، ثم تقدم يسير نحو مكتبه قائلًا بنبرة متشفية:
_ تعالي ورايا.
تعجبت تاليا من نبرته وشعرت بعدم ارتياح للقادم، سارت معه حتى وصلا الأثنان للمكتب، جلس آدم يردف بنبرة ماكرة:
_ أنتِ مش هتشتغلي معايا في المكتب.
شهقت تاليا في صدمة، ثم قالت بنبرة أشبه بباكية:
_ يعني خلاص هتستغنوا عن خدامتي.. خدتوني لحم ورمتوني عضم.. خلاص كده الخير اللي في الدنيا راح.. خدتوا خيري وهترموني..
:_ اتهــــــــــــدي.. واسمعي.
قالها بصوت عالي بعدما فشل في اسكتها في هدوء، صمتت تاليا فجأة تشعر ببعض الخوف، بينما أردف آدم بنبرة مغتاظة:
_ لحم ايه اللي خدنها دا.. هو أنتِ كملتي شهر في الشركة.. أنتِ كل يوم بتثبتلي أن نجاحك في الجامعة دا معجزة.
اتسعت عينيها في صدمة، ثم غمغمت بنبرة غير لائقة:
_ نعــــــــــــــم يا خويا.. لا أنا قدراتي العقلية مية مية شوف أنتَ نجاحوك ازاي؟
مسح آدم على وجهه في غضب يريد أن يرفدها من الشركة ولكن كلما بكت يشعر بالضيق من ذاته، همس بنبرة متعبة:
_ يارب.. جيتلي منين أنتِ!
تنهد في ارهاق بدا ظاهرًا على ملامحها، يتمتم في جدية يعتريها التعب:
_ أرحمني شوية أنا لسه في أول اليوم وعملتي فيا كده أمال هعمل ايه في بقيت اليوم.. مش هرفدك أنا لسه هكمل واقولك أنك هتكوني السكرتيرة اللي هتروح معايا الاجتماعات الخارجية لأن مريم متجوزة وبتتعب من الاجتماعات دي وليها بيت.. فهمتي!
ابتسمت في بلاهة قائلة بنبرة تحمل حماقة:
_ مش كنت تقول من الأول!
منحها نظرة غاضبة يغمغم:
_ أنت هبيتي ولا بابور الجاز.
رفعت ابهامها تتمتم في حذر:
_ انتقي الفاظك لو سمحت!
:_ قسمًا بالله لو ممشيتي من وشي دلوقتي لكون رنك علقة وهنسى المبادئ والأخلاق اللي أمي بقالها سنين بتزرعهم جوايا.
اندفعت تلك الكلمات بنبرة مخيفة هربت على التو منها تاليا، تشعر أنه بالفعل سيقضي عليها، في حين تطلع آدم لاختفاء تاليا يردف في حنق:
_ هتجبلي جلطة.
زفر عدة مرات يحاول استعدت اتزانه النفسي كي يبدأ بالعمل، ولكن ما كان يزيد ضيقه أنه سيحتاج لوجود تاليا اليوم باجتماعين خارج الشركة، تنهد قليلًا يردف بنبرة مترجية:
_ يارب كمل اليوم على خير!
******
صعدت سيدة تتجه نحو غرفة سدرا لحثها على الذهاب لتناول الإفطار، طرقت الباب عدة مرات ثم دلفت ما أن استمعت لصوت سدرا تسمح لها بالدخول، تمتمت سيدة وعلى ثغرها ابتسامة صغيرة:
_ الفطار جاهز يا بنتي تعالي عشان تفطري!
حركت رأسها في هدوء ثم نهضت تتطلع لحجابها تتأكد من عدم ظهور خصلا ت شعرها، تعجبت سيدة منها ثم أضافت وهي تهم بإزالة حجابها:
_ اخلعي يا حبيبتي الحجاب مفيش غيرنا بالبيت ولو حد من الرجالة جاي بيبلغنا ويدخل اوضة غير هنا.
لم تستطع سدرا ايقافها وشعرت ببعض الحرج، فهي ترتديه امام الوحش ولم يراها سوى مرة واحد بخصلات شعرها، أمسكت سيدة بإحدى مساحيق التجميل ( روج) ثم امسكت وجه سدرا التي شعرت ببعض الصدمة مما تفعله محاولة الحديث قائلة:
_ لا لا متحطيش!
ضحكت سيدة ظنًا منها أنها تخجل، تهتف ببعض المكر:
_ مكسوفة تحطي شوية احمر في شفافيك، دا جوزك يعني حقه يشوفك قمر اربعتشر.
ارتجف جسد سدرا من تلك الكلمة، هي قبل تلك اللحظة كانت تتمنى الانتقام منه، ولكن الآن لا تعلم لِمَ تساعده؟ هي تشعر بشيءٍ ما اتجاهه، نسمة خفيفة تداعب قلبها الصغير وفيزيد من شعوره بالراحة والأمان، تذكرت عدم قدوم هذا الحُلم لها مرة أخرى كلما كان يهمس لها بكلماتٍ اسكنتها، هل ستقع بحب قاتل؟ انتهت سيدة من وضع هذا الذي تطلق عليه لقب أحمر، ولاحظت شرود سدرا، ابتسمت في هدوء ثم أردفت بنبرة ربما غيرت الكثير بداخلها:
_ متفكريش كتير يا بنتي، أنتِ لو حبتيه وشايفة حياتك معاه كملي!
أدمعت عين سدرا في ألم كان كالشوكة التي تؤلم من يقترب منها، تردد في حزن:
_ حتى لو حبيته مش هقدر أكمل معاه.. أنا ليا مستقبل وحياة وهو بيدمر كل حاجة حلوة.. بيقتل وبيظلم والله أعلم بيعمل ايه من ورايا مش هقدر أكمل معاه للأسف.
ربتت سيدة على كتفها في حنان ثم همست بكلمة لربما غفت عنها سدرا:
_ بصي يا بنتي بتفكري كتير فيها ومن كل ناحية بس في النهاية ربنا بيدبرها بشكل عمره ما جه على دماغك فمتفكريش كتير فيها.. وتعالي يلا عشان تفطري.
حركت رأسها ثم كادت أن تمسك بمنديل لتزيل ما فعلته سيدة ولكن دفعتها سيدة سريعًا للخارج تردد:
_ يلا بلاش لكعة.
هبطت الاثنتان سويًا ولكن ضمت سدرا شفتيها وهي تشعر بخجل شديد، لا تعلم ماذا تفعل كي تزيل ما وُضع بشفتيها، جلست على الطاولة إلى جوار الوحش، تعجب الوحش من نظرها للأسفل وأنها لم ترفع رأسها، في حين غادرت سيدة تتناول الفطور مع أيسل وأيضًا كي تتركهم سويًا.
أردف الوحش وهو يقطع الفطير في برود:
_ ما تاكلي ولا مستنية عزومة.
حركت رأسها في ايجابية، بينما شعر الوحش بوجود خطبًا ما، ترك ما بيده وأمسك بالمنشفة يمسح يده جيدًا، مد أنامله لوجه سدرا التي حركت رأسها بالنفي ولكن لم يدعها الوحش بل تمتم ببعض القلق بات ظاهرًا بنبرته:
_ في ايه ومش عايزة ترفعي وشك ليه!
امسكت بيده لتبعده عنها في حين أمسك الوحش يدها يردف بنبرة حنونة:
_ مش عايزة ترفعي وشك ليه يا سدرا؟ متخلنيش اقلق.
سارت رجفة قوية بجسده من كلماته تحاول الثبات ولكن يزداد تورد وجنتيها، أخيرًا توقفت سدرا عن أبعاد رأسها ليقوم الوحش برفعها في هدوء متأملًا ملامحها التي غطها الحياء، قطب الوحش جبينه من ضمها لشفتيها ليهمس بصوتٍ خافت ساحر:
_ ضم شفايفك كده ليه؟
نظرت لحدقتيه الهادئتان، تشعر بالأمان الذي ضاع من اربعة وعشرون عامًا، مد الوحش اصبعه أسفل ذقنها قم بخفة سحب شفتيها ليبتسم تلقائيًا ما أن رأي ما الذي تخفيها وتشعر بالخجل بسببه، تأمل حدقتيها المرتجفات ثم اقترب من أذنها يهمس في هدوء:
_ متخفيش مني يا سدرا.. أنتِ أمانة معايا لحد ما أخرجك من اللي أنتِ فيه.
لا تعلم كيف تشعر بمثل هذا الشعور ولكن لم تتذكر سوى أية كريمة « وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»، ترك الوحش وجهها ثم مد يده بمنديل صغير قائلًا بنبرة هادئة:
_ أمسحيه.. وكلي يلا.
اخذته منه سريعًا ومسحت ما فعلته سيدة ولكن كانت تتمنى أن ترى سيدة بتلك اللحظة وتلكمها، فاقت من شرودها على قطعه من الفطير مقدمة لها، تطلعت لوجه الوحش المبتسم لها، بادلته الابتسامة ثم أخذت تلك القطعة وتناولتها في صمت دون اصدار كلمة.
انتهى الأثنان من تناول الطعام ليهتف الوحش ناهضًا من مقعده:
_ جهزي نفسك بقى عشان الناس زمانهم على وصول.. هتقابليهم وانا هروح مشوار وراجع.
شعرت سدرا بقلق وقبل أن يتركها امسكت بكفه قائلة:
_ أنت هتسبني لوحدي؟
تعجب من شجاعتها ولكنه ابتسم مانحًا اياها هذا الشعور الذي بات يمدها بالطاقة مجيبًا:
_ طول ما أنتِ في الحارة متخفيش أنا مأمنك كويس، والأهم الناس دول متخفيش منهم انا همشي عشان تكونوا على راحتكم.
ازال يدها في هدوء ثم غادر مكانه، تاركًا المنزل بأكمله ولكن ما أن ترك المنزل حتى تحولت عيناه لظلام دامس، مخيف سيقضي على من تجرأ عليه، هدر الوحش بصوتٍ أرعب الجميع:
_ حنــــــــــــدوق جهز الرجالة يلا.
انتفض حندوق من مكانه يستعد يحث الرجال على الاستعداد، بينما انتطلق الوحش لسيارته يتطلع لزهرة البلادونا في شر مخيف، قائلًا بنبرة سكنها شر اسود:
_ هعرفك من هو الوحش يا سليم.
*****
اعدت تاليا حقيبتها، تستعد للذهاب مع آدم للإجتماع، تستمع لنصائح مريم لها، ولكن توقفت عن الحديث ما أن خرج آدم يرتدي سترته ونظارته السوداء حاملًا الحقيبة بها بعض الأوراق الهامة، اردف بنبرة جادة:
_ خلاص عرفتي هتعملي ايه!
أومأت برأسها في هدوء، بينما حرك آدم رأسه قائلًا في ايجاز:
_ طب يلا.
سار متوجهًا نحو المصعد بينما اسرعت تاليا خلفه حاملة تلك الحقيبة السوداء بعد أن اعطاها إياها، وصلت نحو السُلم وهبطت سريعًا كي تصل معه، بينما حرك آدم رأسه في يأس منها.
وصلا كلاهما للسيارة ثم دلفا لها في هدوء، ليتحرك السائق بهما للمكان المنشود، انهوا الاجتماع الأول في سلام ولكن شعرت تاليا بالجوع ولم ترغب بقول ذلك أمام آدم، انطلق الاثنان للإجتماع الثاني ليردف آدم نازعًا نظارته:
_ افتحي الشنطة هتلاقي ورق المناقصة هاتيه.
حركت رأسها وفي سرعة فتحت حقيبته ولكن لم تجد شيئًا لتردف في تعجب:
_ مفيش حاجة!
رفع حاجبه في استنكار قائلًا بنبرة غاضبة:
_ أحنا هنبدأ بقى لعب.. أخلصي طلعي الورق.
ضمت حاجبيها في ضيق ثم اردفت في غيظ تدفع الحقيبة نحوه:
_ أنتِ بتزعقلي ليه شنطتك عندك شوف ورقك.
اغتاظ من طريقتها ونظر بالحقيبة ينوى عقابها بعد أن يخرج الورق ولكن هو بالفعل لم يجده، بقى عدت دقائق يتذكر أين الورق ثم تذكر أنه وضع ورق اجتماع واحد ولم يضع الأخر، صك على أسنانه ثم اردف من بين أسنانه يلاحظ نظرات تاليا المتشفية:
_ اطلع على الفيلا بسرعة خليني اجيب الورق.
شهقت تاليا قائلة:
_ فيلا ايه استنى يا عم الحاج.. احنا قولنا اجتماعات برة لكن مفيش بيوت.
مسح آدم على وجهه في عصبية مفرطة ثم أردف محاولًا السيطرة على غضبه:
_ حد قالك واخدك بيت دعارة.. رايح الفيلا اللي فيها حراس وشغالين ووالدي يعني مش رايح بيكي شقة مفروشة.. فاسكتي بقى عشان مفقدش اخر ذرة في عقلي معاكِ.
صمت تاليا في ضيق منه، بينما توجه السائق نحو فيلا الكدواني، مر بعض الوقت وصل به آدم للفيلا التي شعرت تاليا بالذهول ما أن رأتها ، تتطلع لها في فرحة؛ وكأنها طفلة بينما لاحظ آدم طريقتها ولم يستطع كبح ابتسامته من ملامحها الطفولية، هبط كلاهما من السيارة وبالفعل رأت تاليا سيدة كبيرة بالسن ومعها فتاة يقفان على باب الفيلا يستقبلان آدم الذي تعامل معهما في حنان واحترام، لم تنكر تاليا اعجابها بهذا الاسلوب وشعرت بأن هذا الآدم هو رجلٌ بما تعنيه الكلمة، سارت خلفه في بطء بينما أسرع آدم ليحضر تلك الأوراق قبل أن يتأخروا ويمر على والده، قبل أن يغادر.
هتفت تاليا وهي تنظر لتلك السيدة الكبيرة:
_ معلش يا دادة ممكن طلب على السريع!
حركت رأسها تجيب:
_ أأمري يا بنتي.
منحتها ابتسامة سريعة ثم قالت في لهفة:
_ عندكوا ميكروويف هنا؟
حركت تلك السيدة رأسها متعجبة منها، لتسرع تاليا تضيف:
_ طب ممكن سندوتش حلو كده وتحطي جواه جبنة رومي ومعاه كوباية شاي على السريع.. لحسن الراجل دا مرمطني في شغل ومفطرتش لحد دلوقتي.
ضحكت تلك السيدة علي طريقتها ثم اجابة وهي تغادر:
_ حاضر يا بنتي دقايق ويكون جاهز.
ابتسامة تاليا في سعادة تصفق بيدها، ولكن وقعت منها الحقيبة وتناثرت بعض الاوراق، اسرعت تمسك بها ولكن تطايرت ورقة مع نسمات الهواء، أسرعت خلفها لتمسكها وما أن أمسكتها حتى صرخت بشدة أفزعت الجميع!
*****
داخل بطن الحندوق..
بقيت سدرا جالسة بالردهة تشاهد التلفاز بملل، ثم شعرت بدلوف أحد ما، نظرت نحو هؤلاء الأشخاص ثم اتسعت ابتسامتها وهي ترى جلال وفريال سويًا نهضت تركض نحوهما، وبالفعل استقبالهما الأثنان في عناق شديد، يبكيان جميعًا دون توقف، اردف جلال بنبرة متحشرجة:
_ وحشتني يا سدرا.. وحشني نقارك ولعبك في البيت.
احتضنته سدرا بشدة تردد بنبرة باكية:
_ وأنت يا بابا كان نفسي اشوفك أوي وحسيت أني صعب اشوفك بعد اللي حصل.
مد فريال اناملها تزيل دموعها قائلة:
_ الوحش هو اللي جبنا هنا يا حبيبتي.. وأمن أن محدش شايفنا ودخلنا الحارة.
شعرت سدرا أنها تتمنى رؤية الوحش بتلك اللحظة لا تعلم لماذا ولكن رؤيته تلك المرة يتغير الكثير، ابتسمت لهما سدرا في سعادة، بينما أردف جلال في هدوء:
_ عاملة ايه في جوازك معاه.
تطلعت له في صدمة، بينما تنهد جلال في هدوء يجيب على صدمتها:
_ أيوة عارف.. الوحش قبل جوازكم بظبط جالي وقالي إن حمايتك مرتبطة بجوازكم من بعض على الورق بس وكنت مضطر أني اوافق عشان احميكي ، هو عملك حاجة؟
حركت سدرا رأسها بالنفي تتمتم بنبرة خافته:
_ لاء هو قالي أني أمانة معاه لحد ما يرجعني تاني بس كده.
ابتسم جلال في رضا قائلًا:
_ ربنا يباركله الشاب دا.. ربنا جعله سبب لحمايتك.
حركت سدرا رأسها في إيجابية، بينما امسكت فريال يدها ليتحدثوا سويًا عما حدث لها بالتفاصيل، ولكن تعمدت سدرا اخفاء جزء صغير وهو أنها تعلم الرقم السري الخاص ببرنامج أيسل!
******
حربٌ نشبت بتلك اللحظة ولم تتوقف، مات عدد كبير من رجال سليم، بينما ابتسم الوحش في شر، يهدر بصوتٍ جامد قاسي:
_ سليــــــــــــــم.
خرج سليم من بيته يتطلع للوحش في برود، بينما ألقى الوحش زجاجته قائلًا بنبرة باردة:
_ أعتقد نسيت هديتك وأنا حابب اردهالك.
تطلع سليم للزهرة ببعض الغضب ثم نظر للوحش الذي منحه ابتسامة ساخرة ثم استدار ولكن صوت الرصاص الذي صدر جعله يتوقف فجأة ليردف سليم في غضب:
_ وأنا هوريك ازاي تختار الهدايا.
ابتسم الوحش في خبث قائلًا بنبرة ماكرة تفوح بالشر:
_ فكر تعلمني اختار الهدية ازاي وهتلاقي سدرا معايا في نفس المكان اللي بتعلم منه اختيار الهدايا؟
يتبع
بقلم سلمى خالد "سماسيموو"
الفصل السادس عشر
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
( كيف وقعت بحُبك؟)
ظلت جامدة مكانها تُحاول استيعاب ما حدث، هل سيموت هكذا؟ هل ستنتهي تلك القصة بقتله، ظلت تتطلع يمينًا ويسارًا إن كان لايزال هناك أحد وبالفعل لم تجد لتركض سريعًا نحو الحارة، تحاول ايجاد أي شخص لمساعدة الوحش، أخيرًا أصبحت داخل حدود الآمان، وقفت تضع يدها على ركبتيها تحاول التقاط أنفاسها الضائعة من كثرة اللاهث، ولكن انتفضت من مكانها ما أن صدع صوت حندوق يردد بنبرة متعجبة:
_ بتعملي إيه عندك وسايبه البيت ليه؟
رفعت رأسها ترمقه بنظراتٍ قلقة، ثم اجابت بنبرة مرتجفة:
_ الوحش اضرب بالنار.
اتسعت عين حندوق في صدمة، يردد متوجهًا نحوها في حدة:
_ هو فين؟ وازاي هربتي منهم!
حدقت به في غيظ، ثم اسرعت تستدير قائلة بنبرة غاضبة:
_ تعالي معايا عشان نلحقه وبعد كده أبقى اتكلم بالأسلوب دا.
تقدمت بخطواتٍ حذرة، يسير خلفها حندوق ليسرعوا في اللاحق بالوحش، وبالفعل تفاجأ حندوق بالوحش مُلقى على الأرض، اسرع يحمله بنوعٍ من الحذر داخل الحارة، بينما ساعدته سدرا قد الإمكان في ايقاف هذا النزيف، تتطلع نحوه وهو يُضع على الفراش، تتأمل ما يفعله الطبيب في حيرة شديدة، لِمَ ساعدته؟ هي كانت تنتظر لحظة انتقام واحدة منه ولكن رؤية ابتسامته الحزينة لها جعلتها تتردد كثير في الحُكم عليه.
جلست على الأريكة التي كانت تغفو عليها واضعة رأسها بين راحتي يدها لا تعلم ماذا يحدث معها؟، مر وقت استطع الطبيب ازالة الرصاصة وعلاج جروح الوحش، ثم مد يده بالدواء لسدرا قائلًا:
_ الدوا دا ياخده كل 12ساعة.
مدت سدرا يدها تتناوله منه، ثم غادر الطبيب من الغرفة بعدما أوصله حندوق للخارج، نهضت سدرا تقف أمام الباب تردد بجمود لمساعدة الوحش:
_ أنا تعبانة ومش حمل أسئلة منك فسبني عشان ارعيه جوا ويخف بسرعة.
ظل بعض الوقت بمكانه، ثم غادر المكان تاركًا إياها تنظر لإختفائه بممر طويل، أغلقت الباب ثم استدارت تجلس جواره على الفراش تتطلع لملامحه الساكنة، تنهدت في تعب ثم وضعت الدواء جانبًا تنتظر مرور ساعتين كي تعطيه الدواء المطلوب.
نهضت تبدل ملابسها لأخرى مريحة بعض الشيء تزيل حجابها في ارهاق قائلة ببعض الارهاق:
_ اعتقد أنه مش هيفوق غير بكرة!
وضعت حجابها جانبًا ثم عادت تجلس جواره تفكر بحياتها التي ضاعت وسط غياهب الظلام، تتمنى أن تأتي لحظة صغيرة تصفو حياتها من المشكلات، فبالرغم من المشكلات التي نتعرض لها طيلة حياتنا إلا أن كل ابن آدم يأخذ نصيبه بقدر طاقة تحمله، فلاتيأس من رحمة الله وكن على يقين أن لأي بلاء نهاية، فإن للدنيا نهاية.
*****
صباحًا..
فتح عيناه في ألم، يحاول رؤية أين هو؟ ثم يتذكر ماذا حدث؟، تطلع حوله في صمت فكيف أتي لهنا فأخر ما يتذكره هو رصاصه غُرست بداخله، نظر جانبه فوجد سدرا جالسة جواره نائمة، ولكن ملامحها باهته، ظل يتطلع لها في صمت ولم يحدث أي ضجيج، مد يده في بطء يلامس وجنتيها ثم زحفت ابتسامة هادئة لشفتيه، يهمس بداخله بنبرة حاملة إعجاب:
_ مش عارف ليه كل مرة بشوفك فيها برضو بتشدني وعايزك تفضلي معايا علطول.
شعرت سدرا باصبعه على وجنتيها يلامسها في رقة شديدة، ولكن لم تستطع السيطرة على السخونة التي ضربت وجنتيها، بينما اتسعت ابتسامة الوحش ما أن رأي تورد وجنتيها، همس بنبرة رجولية يزيد من خجلها ولكن أرد أن يبوح بما يرغبه الساكن خلف ضلوعه ينبض بأسم الحب:
_ وقت ما ترضي عن اللي جوايا ليكي مش هسيبك أبدًا.. بحبك يا سدرا.
لم تستطع تحمل ما يتفوه به، لترمش بأهدابها عدة مرات ثم نهضت تحاول إخفاء خجلها قائلة وهي تعيد إرجاع خصلات شعرها للخلف تُمسك بحجابها لتغطي شعرها سريعًا:
_ عامل ايه دلوقتي؟
منحها ابتسامة لأول مرة تراه مجيبًا في مكر:
_ مش عارف حاسس إن صدري وجعني أوي.
تحولت ملامحها لبعض القلق، ثم عادت تجلس جواره مرددة بنبرة متوترة:
_ مالك طيب؟ أنا متابعة الدوا والمفروض المسكن لسه مفعوله موجود و..
قاطعها يردد في همس متطلعًا لحدقتيها في هدوء ولكن يغرق ببندقة عيناها:
_ خايفة كده ليه عليا؟ مش أنا قاتل!
ازدردت حلقها في توتر ثم ابتعدت ولكن أمسك بمعصم يدها ضاغطًا عليه قليلًا ينتظر اجابة لما قاله، ازاد رجفة سدرا ثم أردفت قائلة بنوعٍ من التوتر:
_ أنا بحب اساعد الناس أي كان مين حتى لو أذاني.. فأكيد هساعدك ومش هسيبك!
ترك يدها يحرك رأسها قائلًا:
_ أممم ماشي وعرفتي منين أني اضربت بالنار؟
:_ مفيش حسيت بيك وأنت بتحطني على السرير وصحيت ومشيت وراك لحد ما لقيتك وقفت مرة واحدة ورجالة بتخرج عايزة تقتلك ولما لقيتك بتنزف جريت على الحارة وقابلت المساعد بتاعك وهو جابك هنا وانا اتوليت مهمة علاجك.
اجابته ببساطة شديدة، بينما صمت الوحش دون أن يردف كلمة أخري، اشار بيده لها أن تقترب وبالفعل تعجبت سدرا من صمته واقتربت تحاول فهم ما الذي يريد وما أن أصبح مستوى رأسها قريب منه حتى مد يده يمسكها من أذنها قائلًا بنبرة مغتاظة:
_ عدي معايا الغلطات دي عشان لما أعقب متقوليش مجرم وظالم.. خرجتي من غير ما تقوليلي.. ومشيتي ورايا.. وروحتي لحندوق.. ودلوقتي لو جرى ليكِ حاجة هيبقى ايه وضعي!
تألمت سدرا من يده قائلة في ألم:
_ آآآه ايه سبني.
تركها يتطلع لها في غضب، بينما أمسكت سدرا أذنها تحاول تدليكها ربما تزيل بعض الألم الذي انتشر بأذنها قائلة:
_ إيه الإفترى دا! ملقتش غير وداني وتمسكها وهي اكتر حاجة بتضيقني!
ابتسم في برود الذي تحل به منذ البداية قائلًا:
_ عارف أمال مسكتك منها ليه؟
تطلعت له في حنق، ثم انطلقت باتجاه الاريكة تجلس عليها غاضبة، تحكم الوحش ببسمته لما تفعله سدرا، فهي كالطفلة معه، الآن سيعترف أنها بالفعل وضعته بطريق لن ينتهي سوى بدلوف لعالم جديد تحكمه أميرة تسمى العشق.
اعتدل الوحش بجلسته ناهضًا من مكانه يتجه نحو الخزانة، حمل منها بعض الملابس ثم ذهب نحو الحمام في صمت، تعجبت سدرا من صمته فليس بالعادة أن يتركها هكذا دون مشاكسة، استمعت لصوت المياه تدفق بداخل الحمام، ولكن قررت أن تبتعد عنه ما أن تذكرت كلماته وهي مغمضة عينيها، ولم يتردف سوا بكلمة واحدة:
_ هل بالفعل يحبها؟
ظلت شاردة لوقتٍ طويل لم تلاحظ خروج الوحش ووقوفه أمامها، فاقت على بعض قطرات المياه الساقطة عليها، تطلعت نحوه ببعض التعجب، بينما اردف هو بنبرة هادئة:
_ تعالي غيري على الجرح.
شعرت بتوتر شديد، فهو زوجها ولكن لا تعلم سر زواجها له فهو لم يطالبها إلى تلك اللحظة بحقه كأي زوج، ولم يردف بكلمة تشير لهذا الموضوع، ولكن أيضًا لِمَ جعلها تمضي عقد زواجهما، انتفضت من مكانها بعدما قال:
_ إخلصي الجرح بدأ يشد عليا.
رمقته بنظرة غاضبة ولم تستطع الرد فهو على حق تلك المرة، نهضت احضرت الأدوات اللزمة ثم عادت له لتبدأ بتغير الضمادة الخاصة بالجرح ولكن شعرت بتوتر شديد لم تفهم سره، ابتسم الوحش ما أن أحس بأناملها المرتعشة، وعلم أنها ستقع بالفخ قريبًا كما وقع به، انتهت سدرا في صعوبة شديدة، بينما نهض الوحش يرتدي باقي ملابسه قائلًا بنبرة جادة:
_ أبقى جهزي نفسك عشان هتقابلي ناس!
قالها ثم غادر الغرفة سريعًا قبل أن تتسأل سدرا من هم الذين ستقابلهم!
*****
وصلت تاليا أخيرًا للشركة، ثم صعدت السُلم في صعوبة بالغة تردد بنبرة حانقة:
_ على فكرة كده مش هينفع ما ينقلوا المكتب تحت!
:_ طب في حل اسهل وهو الاسانسير.
قالها آدم بعدما خرج من الاسانسير، استدارت تاليا في فزع قائلة بنبرة متهدجة:
_ يالهوي.. أنت ايه اللهو الخفي كل شوية تطلعي من حتة.
اغمض آدم عيناه ببعض الضيق، ثم تقدم يسير نحو مكتبه قائلًا بنبرة متشفية:
_ تعالي ورايا.
تعجبت تاليا من نبرته وشعرت بعدم ارتياح للقادم، سارت معه حتى وصلا الأثنان للمكتب، جلس آدم يردف بنبرة ماكرة:
_ أنتِ مش هتشتغلي معايا في المكتب.
شهقت تاليا في صدمة، ثم قالت بنبرة أشبه بباكية:
_ يعني خلاص هتستغنوا عن خدامتي.. خدتوني لحم ورمتوني عضم.. خلاص كده الخير اللي في الدنيا راح.. خدتوا خيري وهترموني..
:_ اتهــــــــــــدي.. واسمعي.
قالها بصوت عالي بعدما فشل في اسكتها في هدوء، صمتت تاليا فجأة تشعر ببعض الخوف، بينما أردف آدم بنبرة مغتاظة:
_ لحم ايه اللي خدنها دا.. هو أنتِ كملتي شهر في الشركة.. أنتِ كل يوم بتثبتلي أن نجاحك في الجامعة دا معجزة.
اتسعت عينيها في صدمة، ثم غمغمت بنبرة غير لائقة:
_ نعــــــــــــــم يا خويا.. لا أنا قدراتي العقلية مية مية شوف أنتَ نجاحوك ازاي؟
مسح آدم على وجهه في غضب يريد أن يرفدها من الشركة ولكن كلما بكت يشعر بالضيق من ذاته، همس بنبرة متعبة:
_ يارب.. جيتلي منين أنتِ!
تنهد في ارهاق بدا ظاهرًا على ملامحها، يتمتم في جدية يعتريها التعب:
_ أرحمني شوية أنا لسه في أول اليوم وعملتي فيا كده أمال هعمل ايه في بقيت اليوم.. مش هرفدك أنا لسه هكمل واقولك أنك هتكوني السكرتيرة اللي هتروح معايا الاجتماعات الخارجية لأن مريم متجوزة وبتتعب من الاجتماعات دي وليها بيت.. فهمتي!
ابتسمت في بلاهة قائلة بنبرة تحمل حماقة:
_ مش كنت تقول من الأول!
منحها نظرة غاضبة يغمغم:
_ أنت هبيتي ولا بابور الجاز.
رفعت ابهامها تتمتم في حذر:
_ انتقي الفاظك لو سمحت!
:_ قسمًا بالله لو ممشيتي من وشي دلوقتي لكون رنك علقة وهنسى المبادئ والأخلاق اللي أمي بقالها سنين بتزرعهم جوايا.
اندفعت تلك الكلمات بنبرة مخيفة هربت على التو منها تاليا، تشعر أنه بالفعل سيقضي عليها، في حين تطلع آدم لاختفاء تاليا يردف في حنق:
_ هتجبلي جلطة.
زفر عدة مرات يحاول استعدت اتزانه النفسي كي يبدأ بالعمل، ولكن ما كان يزيد ضيقه أنه سيحتاج لوجود تاليا اليوم باجتماعين خارج الشركة، تنهد قليلًا يردف بنبرة مترجية:
_ يارب كمل اليوم على خير!
******
صعدت سيدة تتجه نحو غرفة سدرا لحثها على الذهاب لتناول الإفطار، طرقت الباب عدة مرات ثم دلفت ما أن استمعت لصوت سدرا تسمح لها بالدخول، تمتمت سيدة وعلى ثغرها ابتسامة صغيرة:
_ الفطار جاهز يا بنتي تعالي عشان تفطري!
حركت رأسها في هدوء ثم نهضت تتطلع لحجابها تتأكد من عدم ظهور خصلا ت شعرها، تعجبت سيدة منها ثم أضافت وهي تهم بإزالة حجابها:
_ اخلعي يا حبيبتي الحجاب مفيش غيرنا بالبيت ولو حد من الرجالة جاي بيبلغنا ويدخل اوضة غير هنا.
لم تستطع سدرا ايقافها وشعرت ببعض الحرج، فهي ترتديه امام الوحش ولم يراها سوى مرة واحد بخصلات شعرها، أمسكت سيدة بإحدى مساحيق التجميل ( روج) ثم امسكت وجه سدرا التي شعرت ببعض الصدمة مما تفعله محاولة الحديث قائلة:
_ لا لا متحطيش!
ضحكت سيدة ظنًا منها أنها تخجل، تهتف ببعض المكر:
_ مكسوفة تحطي شوية احمر في شفافيك، دا جوزك يعني حقه يشوفك قمر اربعتشر.
ارتجف جسد سدرا من تلك الكلمة، هي قبل تلك اللحظة كانت تتمنى الانتقام منه، ولكن الآن لا تعلم لِمَ تساعده؟ هي تشعر بشيءٍ ما اتجاهه، نسمة خفيفة تداعب قلبها الصغير وفيزيد من شعوره بالراحة والأمان، تذكرت عدم قدوم هذا الحُلم لها مرة أخرى كلما كان يهمس لها بكلماتٍ اسكنتها، هل ستقع بحب قاتل؟ انتهت سيدة من وضع هذا الذي تطلق عليه لقب أحمر، ولاحظت شرود سدرا، ابتسمت في هدوء ثم أردفت بنبرة ربما غيرت الكثير بداخلها:
_ متفكريش كتير يا بنتي، أنتِ لو حبتيه وشايفة حياتك معاه كملي!
أدمعت عين سدرا في ألم كان كالشوكة التي تؤلم من يقترب منها، تردد في حزن:
_ حتى لو حبيته مش هقدر أكمل معاه.. أنا ليا مستقبل وحياة وهو بيدمر كل حاجة حلوة.. بيقتل وبيظلم والله أعلم بيعمل ايه من ورايا مش هقدر أكمل معاه للأسف.
ربتت سيدة على كتفها في حنان ثم همست بكلمة لربما غفت عنها سدرا:
_ بصي يا بنتي بتفكري كتير فيها ومن كل ناحية بس في النهاية ربنا بيدبرها بشكل عمره ما جه على دماغك فمتفكريش كتير فيها.. وتعالي يلا عشان تفطري.
حركت رأسها ثم كادت أن تمسك بمنديل لتزيل ما فعلته سيدة ولكن دفعتها سيدة سريعًا للخارج تردد:
_ يلا بلاش لكعة.
هبطت الاثنتان سويًا ولكن ضمت سدرا شفتيها وهي تشعر بخجل شديد، لا تعلم ماذا تفعل كي تزيل ما وُضع بشفتيها، جلست على الطاولة إلى جوار الوحش، تعجب الوحش من نظرها للأسفل وأنها لم ترفع رأسها، في حين غادرت سيدة تتناول الفطور مع أيسل وأيضًا كي تتركهم سويًا.
أردف الوحش وهو يقطع الفطير في برود:
_ ما تاكلي ولا مستنية عزومة.
حركت رأسها في ايجابية، بينما شعر الوحش بوجود خطبًا ما، ترك ما بيده وأمسك بالمنشفة يمسح يده جيدًا، مد أنامله لوجه سدرا التي حركت رأسها بالنفي ولكن لم يدعها الوحش بل تمتم ببعض القلق بات ظاهرًا بنبرته:
_ في ايه ومش عايزة ترفعي وشك ليه!
امسكت بيده لتبعده عنها في حين أمسك الوحش يدها يردف بنبرة حنونة:
_ مش عايزة ترفعي وشك ليه يا سدرا؟ متخلنيش اقلق.
سارت رجفة قوية بجسده من كلماته تحاول الثبات ولكن يزداد تورد وجنتيها، أخيرًا توقفت سدرا عن أبعاد رأسها ليقوم الوحش برفعها في هدوء متأملًا ملامحها التي غطها الحياء، قطب الوحش جبينه من ضمها لشفتيها ليهمس بصوتٍ خافت ساحر:
_ ضم شفايفك كده ليه؟
نظرت لحدقتيه الهادئتان، تشعر بالأمان الذي ضاع من اربعة وعشرون عامًا، مد الوحش اصبعه أسفل ذقنها قم بخفة سحب شفتيها ليبتسم تلقائيًا ما أن رأي ما الذي تخفيها وتشعر بالخجل بسببه، تأمل حدقتيها المرتجفات ثم اقترب من أذنها يهمس في هدوء:
_ متخفيش مني يا سدرا.. أنتِ أمانة معايا لحد ما أخرجك من اللي أنتِ فيه.
لا تعلم كيف تشعر بمثل هذا الشعور ولكن لم تتذكر سوى أية كريمة « وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»، ترك الوحش وجهها ثم مد يده بمنديل صغير قائلًا بنبرة هادئة:
_ أمسحيه.. وكلي يلا.
اخذته منه سريعًا ومسحت ما فعلته سيدة ولكن كانت تتمنى أن ترى سيدة بتلك اللحظة وتلكمها، فاقت من شرودها على قطعه من الفطير مقدمة لها، تطلعت لوجه الوحش المبتسم لها، بادلته الابتسامة ثم أخذت تلك القطعة وتناولتها في صمت دون اصدار كلمة.
انتهى الأثنان من تناول الطعام ليهتف الوحش ناهضًا من مقعده:
_ جهزي نفسك بقى عشان الناس زمانهم على وصول.. هتقابليهم وانا هروح مشوار وراجع.
شعرت سدرا بقلق وقبل أن يتركها امسكت بكفه قائلة:
_ أنت هتسبني لوحدي؟
تعجب من شجاعتها ولكنه ابتسم مانحًا اياها هذا الشعور الذي بات يمدها بالطاقة مجيبًا:
_ طول ما أنتِ في الحارة متخفيش أنا مأمنك كويس، والأهم الناس دول متخفيش منهم انا همشي عشان تكونوا على راحتكم.
ازال يدها في هدوء ثم غادر مكانه، تاركًا المنزل بأكمله ولكن ما أن ترك المنزل حتى تحولت عيناه لظلام دامس، مخيف سيقضي على من تجرأ عليه، هدر الوحش بصوتٍ أرعب الجميع:
_ حنــــــــــــدوق جهز الرجالة يلا.
انتفض حندوق من مكانه يستعد يحث الرجال على الاستعداد، بينما انتطلق الوحش لسيارته يتطلع لزهرة البلادونا في شر مخيف، قائلًا بنبرة سكنها شر اسود:
_ هعرفك من هو الوحش يا سليم.
*****
اعدت تاليا حقيبتها، تستعد للذهاب مع آدم للإجتماع، تستمع لنصائح مريم لها، ولكن توقفت عن الحديث ما أن خرج آدم يرتدي سترته ونظارته السوداء حاملًا الحقيبة بها بعض الأوراق الهامة، اردف بنبرة جادة:
_ خلاص عرفتي هتعملي ايه!
أومأت برأسها في هدوء، بينما حرك آدم رأسه قائلًا في ايجاز:
_ طب يلا.
سار متوجهًا نحو المصعد بينما اسرعت تاليا خلفه حاملة تلك الحقيبة السوداء بعد أن اعطاها إياها، وصلت نحو السُلم وهبطت سريعًا كي تصل معه، بينما حرك آدم رأسه في يأس منها.
وصلا كلاهما للسيارة ثم دلفا لها في هدوء، ليتحرك السائق بهما للمكان المنشود، انهوا الاجتماع الأول في سلام ولكن شعرت تاليا بالجوع ولم ترغب بقول ذلك أمام آدم، انطلق الاثنان للإجتماع الثاني ليردف آدم نازعًا نظارته:
_ افتحي الشنطة هتلاقي ورق المناقصة هاتيه.
حركت رأسها وفي سرعة فتحت حقيبته ولكن لم تجد شيئًا لتردف في تعجب:
_ مفيش حاجة!
رفع حاجبه في استنكار قائلًا بنبرة غاضبة:
_ أحنا هنبدأ بقى لعب.. أخلصي طلعي الورق.
ضمت حاجبيها في ضيق ثم اردفت في غيظ تدفع الحقيبة نحوه:
_ أنتِ بتزعقلي ليه شنطتك عندك شوف ورقك.
اغتاظ من طريقتها ونظر بالحقيبة ينوى عقابها بعد أن يخرج الورق ولكن هو بالفعل لم يجده، بقى عدت دقائق يتذكر أين الورق ثم تذكر أنه وضع ورق اجتماع واحد ولم يضع الأخر، صك على أسنانه ثم اردف من بين أسنانه يلاحظ نظرات تاليا المتشفية:
_ اطلع على الفيلا بسرعة خليني اجيب الورق.
شهقت تاليا قائلة:
_ فيلا ايه استنى يا عم الحاج.. احنا قولنا اجتماعات برة لكن مفيش بيوت.
مسح آدم على وجهه في عصبية مفرطة ثم أردف محاولًا السيطرة على غضبه:
_ حد قالك واخدك بيت دعارة.. رايح الفيلا اللي فيها حراس وشغالين ووالدي يعني مش رايح بيكي شقة مفروشة.. فاسكتي بقى عشان مفقدش اخر ذرة في عقلي معاكِ.
صمت تاليا في ضيق منه، بينما توجه السائق نحو فيلا الكدواني، مر بعض الوقت وصل به آدم للفيلا التي شعرت تاليا بالذهول ما أن رأتها ، تتطلع لها في فرحة؛ وكأنها طفلة بينما لاحظ آدم طريقتها ولم يستطع كبح ابتسامته من ملامحها الطفولية، هبط كلاهما من السيارة وبالفعل رأت تاليا سيدة كبيرة بالسن ومعها فتاة يقفان على باب الفيلا يستقبلان آدم الذي تعامل معهما في حنان واحترام، لم تنكر تاليا اعجابها بهذا الاسلوب وشعرت بأن هذا الآدم هو رجلٌ بما تعنيه الكلمة، سارت خلفه في بطء بينما أسرع آدم ليحضر تلك الأوراق قبل أن يتأخروا ويمر على والده، قبل أن يغادر.
هتفت تاليا وهي تنظر لتلك السيدة الكبيرة:
_ معلش يا دادة ممكن طلب على السريع!
حركت رأسها تجيب:
_ أأمري يا بنتي.
منحتها ابتسامة سريعة ثم قالت في لهفة:
_ عندكوا ميكروويف هنا؟
حركت تلك السيدة رأسها متعجبة منها، لتسرع تاليا تضيف:
_ طب ممكن سندوتش حلو كده وتحطي جواه جبنة رومي ومعاه كوباية شاي على السريع.. لحسن الراجل دا مرمطني في شغل ومفطرتش لحد دلوقتي.
ضحكت تلك السيدة علي طريقتها ثم اجابة وهي تغادر:
_ حاضر يا بنتي دقايق ويكون جاهز.
ابتسامة تاليا في سعادة تصفق بيدها، ولكن وقعت منها الحقيبة وتناثرت بعض الاوراق، اسرعت تمسك بها ولكن تطايرت ورقة مع نسمات الهواء، أسرعت خلفها لتمسكها وما أن أمسكتها حتى صرخت بشدة أفزعت الجميع!
*****
داخل بطن الحندوق..
بقيت سدرا جالسة بالردهة تشاهد التلفاز بملل، ثم شعرت بدلوف أحد ما، نظرت نحو هؤلاء الأشخاص ثم اتسعت ابتسامتها وهي ترى جلال وفريال سويًا نهضت تركض نحوهما، وبالفعل استقبالهما الأثنان في عناق شديد، يبكيان جميعًا دون توقف، اردف جلال بنبرة متحشرجة:
_ وحشتني يا سدرا.. وحشني نقارك ولعبك في البيت.
احتضنته سدرا بشدة تردد بنبرة باكية:
_ وأنت يا بابا كان نفسي اشوفك أوي وحسيت أني صعب اشوفك بعد اللي حصل.
مد فريال اناملها تزيل دموعها قائلة:
_ الوحش هو اللي جبنا هنا يا حبيبتي.. وأمن أن محدش شايفنا ودخلنا الحارة.
شعرت سدرا أنها تتمنى رؤية الوحش بتلك اللحظة لا تعلم لماذا ولكن رؤيته تلك المرة يتغير الكثير، ابتسمت لهما سدرا في سعادة، بينما أردف جلال في هدوء:
_ عاملة ايه في جوازك معاه.
تطلعت له في صدمة، بينما تنهد جلال في هدوء يجيب على صدمتها:
_ أيوة عارف.. الوحش قبل جوازكم بظبط جالي وقالي إن حمايتك مرتبطة بجوازكم من بعض على الورق بس وكنت مضطر أني اوافق عشان احميكي ، هو عملك حاجة؟
حركت سدرا رأسها بالنفي تتمتم بنبرة خافته:
_ لاء هو قالي أني أمانة معاه لحد ما يرجعني تاني بس كده.
ابتسم جلال في رضا قائلًا:
_ ربنا يباركله الشاب دا.. ربنا جعله سبب لحمايتك.
حركت سدرا رأسها في إيجابية، بينما امسكت فريال يدها ليتحدثوا سويًا عما حدث لها بالتفاصيل، ولكن تعمدت سدرا اخفاء جزء صغير وهو أنها تعلم الرقم السري الخاص ببرنامج أيسل!
******
حربٌ نشبت بتلك اللحظة ولم تتوقف، مات عدد كبير من رجال سليم، بينما ابتسم الوحش في شر، يهدر بصوتٍ جامد قاسي:
_ سليــــــــــــــم.
خرج سليم من بيته يتطلع للوحش في برود، بينما ألقى الوحش زجاجته قائلًا بنبرة باردة:
_ أعتقد نسيت هديتك وأنا حابب اردهالك.
تطلع سليم للزهرة ببعض الغضب ثم نظر للوحش الذي منحه ابتسامة ساخرة ثم استدار ولكن صوت الرصاص الذي صدر جعله يتوقف فجأة ليردف سليم في غضب:
_ وأنا هوريك ازاي تختار الهدايا.
ابتسم الوحش في خبث قائلًا بنبرة ماكرة تفوح بالشر:
_ فكر تعلمني اختار الهدية ازاي وهتلاقي سدرا معايا في نفس المكان اللي بتعلم منه اختيار الهدايا؟
يتبع