اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل السادس عشر 16 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل السادس عشر 16 بقلم رانيا ممدوح



                                              
في ساحة الغجر التي تملؤها الألوان اللامعة وأنغام الدفوف الخافتة، تقدم كبيرهم سعدون بخطواتٍ بطيئة نحو بدر، وقد بدت على وجهه ابتسامة مصطنعة تخفي خلفها توجسًا وحذرًا. كان يحاول أن يُظهر الاحترام واللين، فيما عينيه تدوران بخبث حول المكان وكأنه يبحث عن مخرج آمن إن اشتد الموقف.

+


قال سعدون وهو يفتح ذراعيه كأنه يستقبل صديقًا قديمًا:
"أهلا يا سي بدر."

1


لكن بدر لم تبادله الترحيب، بل اكتفت بنظرة صارمة، عيناها كالسيوف، ونبرتها تحمل ثقلًا لا يحتمل:
"لا سلام ولا كلام."

2


ارتبك سعدون، وتغيرت ابتسامته إلى ابتسامة مترددة، يحاول بها أن يُخفي خوفه:
"ليه بس يا باشا، مانقدرش على زعلك."

1


رفعت بدر حاجبًا وهي تقترب خطوة، حتى بدا ظلها يكسو وجه سعدون. نبرة صوتها كانت ثابتة، قاطعة:
"مش عارف ليه؟"

1


ابتلع سعدون ريقه بسرعة، وحاول أن يستعيد ثقته بنفسه، فقال بلهجة لطيفة محايدة:
"عشان موجودين هنا يعني… ده جمال جابنا هنا. و… وطبعا عايزنا نمشي من هنا؟"

1


تحركت شفتا بدر بابتسامة خفيفة ساخرة، كأنها تسخر من بساطة فكره، ثم قالت ببرود حاد:
"و مين قال كده؟"

1


فتح سعدون عينيه بدهشة حقيقية هذه المرة:
"أومال إيه؟"

+


اقتربت بدر أكثر، حتى باتت المسافة بينهما ضيقة، وألقت كلماتها كأنها سهام:
"عايز إيجار للأرض دي. خمسين دهبة كل شهر. إيه رأيك؟"

1


شهق سعدون، وانفرج فمه وهو يرفع يديه بعفوية، كأنه يتلقى طعنة:
"إيه؟! خمسين دهبة؟ هجيب كل ده منين؟"

+


لم ترتعش ملامح بدر، بل ازدادت صرامة، وكأن صوتها يحمل حكمًا لا يُرد:
"مش هتقدر على الدفع… يبقى سيبها وامشي."

2


سعدون لحظتها شعر كأنه أمام جبل لا يهتز، ورغم أنه كان كبير الغجر، إلا أن موقفه بدا ضعيفًا أمام هيبة بدر، ذاك الرجل  أو هكذا يظن  الذي لا يعرف خوفًا ولا يتراجع عن كلمة قالها.

1


في الليلة التي تلمع فيها النيران في معسكر الغجر، ويمتزج دخان المشاعل بعطر البخور، كانت بدر تقف شامخة كصخرة وسط بحر من الضجيج. صمتُها أحيانًا كان أبلغ من أي وعيد، وهي تُمسك بزمام الموقف بخطواتٍ ثابتة ونظرات لا تعرف التراجع. أمامها كان سعدون، كبير الغجر، يحاول أن يُظهر قوةً ما، لكن عينيه الخائفتين فضحتا قلقه العميق.

+


ابتسم سعدون ابتسامة مشروخة، ثم رفع يده في الهواء كأنه يطلب هدنة:
"سي بدر… نحنا قوم جينا نعيش على الهامش، ما لنا طمع في أرضك ولا في خيرك. ليه تشدها علينا شدّ؟"

1


رفعت بدر كتفيها قليلًا، كأنها تُعلن أن الكلام لا يهزها، ثم ردّت بلهجة حاسمة:
"أنا ما بشدش، أنا بوضع شرط. الأرض دي مش سايبة. واللي عايز يقعد فيها لازم يدفع حقها… خمسين دهبة."

1



                                      

                
قطّب سعدون حاجبيه، وضرب كفه بكفه في انفعال، وقال بنبرة خليط بين الخوف و الرعب:
"خمسين دهبة؟ ده مبلغ يهد جبل! إحنا بالكاد نأكل ونشرب. الدفوف والرقص ما يجيبوش دهب يا باشا لو يجيبوا كل ده ، أنا كنت اشتريت ارض لنا تأوينا و تلمنا."

1


ضحكت بدر بخفة ساخرة، لكن عينيها ظلت صلبة:
"يبقى المشكلة مش عندي. أنا ما جبرتكوش تعيشوا هنا. لكن اللي مش قادر على الالتزام، يرحل بكرامته."

1


اقترب أحد رجال سعدون منه وهمس في أذنه، لكن بدر لمح حركة الشفاه ولمحت ارتباك سعدون وهو يومئ برأسه. تقدمت بدر خطوة، فارتبك الجمع كله. ثم قالت ببطء، وكأنها تنقش كلماتها على صدورهم:
"اسمعني يا سعدون… أنا مش جاي أطردك. بالعكس. أنا جاي أخليكم تختاروا. إما تدفعوا وتبقوا… أو تسيبوا وتمشوا من نفسكم. أنا مش عايزة أرفع سيف ولا أفتح باب دم."

1


سعدون بلع ريقه، وعاد يبتسم ابتسامة مصطنعة:
"كلامك موزون يا باشا، لكن الغجر ما يتعودوش على قيود. نعيش أحرار، لو لزم نمشي نمشي."

1


ابتسمت بدر ابتسامة جانبية خبيثة، ثم انحنت قليلًا للأمام وقالت بصوتٍ منخفضٍ لكنه مسموع:
"تمام. بس اعرف إنكم لو مشيتوا، مش هتلاقوا أرض زي دي. هنا رزق، هنا خير، وهنا ستر. برا… هتلاقوا ذل وجوع. أنت وشطارتك."

1


سكت سعدون طويلًا، يطرق بأصابعه على خنجرٍ معلق في حزامه. عيناه تدوران في وجوه الغجر من حوله، كأنه يطلب دعمهم. لكن أغلبهم تجنّب النظر إليه، وبدت عليهم الحيرة والخوف.

2


مدّ سعدون يده أخيرًا، وقال بصوتٍ متردد:
"طب ادينا مهلة يومين. نتشاور بيننا… ونشوف."

1


رفعت بدر ذقنها بفخر، وقالت بهدوء قاتل:
"يومين. لا أكتر ولا أقل. بعدها… القرار مش هيبقى في إيدك."

+


التفتت بدر فجأة للخلف، وتركتهم وسط نار مشتعلة من القلق. كانت تمشي كأنها تعرف أنهم سيتخذون القرار الذي تريده من دون أن تُصدر أمرًا واحدًا. هي لم تطردهم… لكنها زرعت في قلوبهم خوفًا يدفعهم إلى الرحيل بأنفسهم.

+


لم يكد صقر يُبعد عينيه عنها منذ اللحظة التي ظهرت فيها. كان واقفًا على أطراف المكان، يُخفي نفسه بين الجموع، يستمع لكل كلمة دارَت بينها وبين سعدون. عيناه اللامعتان كسهام الليل، وصدره يعلو ويهبط مع كل جملة نطقتها.

+


وما إن غابت بدر عن الساحة حتى تقدم صقر ببطء، بخطواتٍ محسوبة، كأن الأرض نفسها تخشى أن تصدر صوتًا تحت قدميه. التفت الغجر إليه بدهشة، فهم يعرفون أنه غريب عنهم، ليس منهم ولا من أهل الأرض. لكن مهابته فرضت صمتًا ثقيلًا على الجمع، حتى سعدون الكبير نفسه وقف متيبسًا لا يعرف ما يقول.

+


اقترب صقر حتى صار أمام سعدون، ورفع رأسه شامخًا، ثم قال بصوتٍ عميقٍ كالسيف القاطع:
"أنا هدفع اللي طلبه منكم ابن الحمدانية… هدفع خمسين دهبة كل شهر نيابة عنكم، ولا حد منكم يتهدد ولا يتشرد. الأرض دي هتفضل لكم، والغجر مش هيتطردوا منها."

3



        

          

                
انفرجت عيون الغجر دهشة، وتبادلوا نظرات مليئة بالذهول والفرحة في آنٍ واحد. بعض النساء وضعت أيديها على أفواهها مبهورات، والأطفال تسللوا من بين الخيام ليقتربوا أكثر.

+


سعدون، وقد بدا عليه الارتباك، قال وهو يحاول أن يتمالك نفسه:
"إنت مين يا ولد؟ وإيه اللي يخصّك في أمرنا؟ إحنا الغجر ما بنقبلش صدقة من غريب."

1


ابتسم صقر ابتسامة باردة، لكنها حادة كالنصل:
"دي مش صدقة، دي صفقة. أنا بدفع، وأنتو تفضلوا هنا بأمان. اعتبروها ضمان. وأنا رجل ما بقول كلمة إلا وافي بيها."

1


تقدم واحد من رجال الغجر، شاب طويل ذو لحية كثيفة، وقال بحدة:
"بس ليه؟ إيه اللي يخليك تصرف دهبك على أمر ما يخصكش؟"

1


أدار صقر وجهه نحوه، ونظر في عينيه نظرة أثقل من ألف كلمة، ثم قال ببطء:
"مش كل حاجة تتقال. في أسباب تفضل في القلب… لكن اللي يهمكم دلوقتي إن أنا قادر، وإنتو محتاجين."

1


سعدون لم يعجبه الغموض، فأمسك بعمامته يلوح بها قليلًا وقال:
"الغجر ما يبيعوش حريتهم، يا باشا. ولو قبلنا عرضك، يبقى كأننا خدناك علينا سيد و رقابنا تحت يدك."

1


ضحك صقر ضحكة قصيرة كأنها تحدٍ:
"أنا ما أطلبش سيادة عليكم، ولا عايز منكم خضوع. اللي عايزه بسيط… وجودكم. أنتو هنا. مش أكتر."

+


ساد الصمت بين الجميع، لكن العيون لم تفارق ملامح صقر. رجل غريب، يدخل فجأة، ويعرض مالًا بلا مقابل ظاهر. النساء بدأن يتهامسن: "مين ده؟ وليه؟" والرجال يعضون على شفاههم بين شك وفضول.

+


سعدون اقترب أكثر، حتى صار وجهه قريبًا من وجه صقر، وصوت أنفاسه الساخنة يخرج مع كلماته:
"انت عايز إيه من ورا كل ده؟ الأرض؟ السلطة؟ ولا…" ثم خفض صوته فجأة وهو يرمقه بعين فاحصة: "ولا عشانه؟"

1


تجمدت ابتسامة صقر للحظة، لكنه لم يبح بكلمة. فقط نظر بعيدًا، في الاتجاه الذي غابت فيه بدر قبل دقائق، ثم قال بصوتٍ حازمٍ غامض:
"اللي بيني وبينه… ما يخصكمش. اللي يخصكم إن وجودكم مش هيتهدد طول ما أنا موجود. والدهب… هيوصل كده كده."

+


ارتبك سعدون، فهو يعرف جيدًا أن الرجل الذي يضع أمره بهذه الثقة لا يُستهان به. رفع يده وأعلن:
"لو كده… الغجر يقبلوا عرضك. بس تذكر… إحنا قوم حرّين، ما ننقادش غير للريح."

+


ابتسم صقر نصف ابتسامة، وقال:
"وأنا ريحكم… لكن ريح ما تعرفوش تجيبها ولا تودّيها."

+


ارتفعت أصوات الغجر بالتهليل، بعضهم بالضحك وبعضهم بالتصفيق، كأنهم وجدوا منقذًا في لحظة يأس. لكن خلف تلك الأصوات ظل وجه صقر جامدًا، عينيه تبحثان في الظلام، تترصد أثر بدر، كأن كلماته كلها لم تكن إلا لأجلها وحدها.

+


في زحمة المكان، بعدما هدأ صياح الغجر وانشغلوا برقصاتهم وضحكاتهم، سمع صقر صوتًا مألوفًا يعلو من زاوية الساحة:

+



        
          

                
"يا ولد… مش هتيجي؟ هكملك قراءة الكف، لسه ما قلتش كل اللي في كفّك."

1


التفت صقر ببطء، فإذا بسليمة، العرّافة، تجلس عند مصباح زيتي خافت، تحرك أصابعها النحيلة كأنها تلوّح بخيوطٍ غير مرئية. عيناها كانتا كجمرتين في ليلٍ حالك، والضحكة الملتوية على فمها توحي بأنها تعرف أكثر مما تُظهر.

+


اقترب منها صقر بخطوات متثاقلة، لكن بدت على وجهه علامات النفور، ثم قال بصوتٍ جافٍ لا يقبل اللين:
"كلامك اللي فات سمعته. كله ألغاز، وما يخرجش من حدود الخرافات. وأنا… ما أؤمنش بالخرافات حتى لو فيها جزء من الصحة. اللي بيقسم الأرزاق ربنا، واللي كاتب المصاير هو رب العالمين، مش خطوط مرسومة على كفّ بني آدم."

1


ضحكت سليمة ضحكة خافتة، ثم قالت وهي تحدق في عينيه:
"الخرافة عندك… هي الحقيقة عند غيرك. واللي بتسميه أنت أوهام… ناس تانية بتشوفه نور وهداية. ما يمكن أنا لسان القدر، جايب لك كلمة من الغيب."

1


هز صقر رأسه بعناد، ورفع يده إلى صدره كأنه يضع حدًا فاصلاً:
"الغيب بيد الله وحده. لا نبي ولا ولي يعرف إلا بما أذن له ربه. ربنا قالها صريحة: بسم الله الرحمن الرحيم 'قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله'… إزاي بقى أصدّق إنك أنتي أو غيرك تقدروا تكشفوا اللي مستور؟"

1


أطرقت سليمة برأسها قليلًا، ثم ابتسمت ابتسامة غامضة:
"يا ولدي، ما قلتش إني بعرف الغيب. أنا بقرأ إشارات… خطوط، ملامح، حركات، حاجات مكتوبة فيك من زمان. يمكن صح ويمكن خطأ، بس مش كله وهم."

+


اقترب صقر خطوة أخرى، حتى صار ظله يغطي وجهها المضيء بالمصباح، وقال بصرامة، لكن صوته هذه المرة كان أعمق وأكثر دفئًا:
"أنا راجل مؤمن، وأعرف إن الإنسان مكلّف بالسعي، والنتيجة على الله. مش همشي ورا كلام يزرع الشك في قلبي. لو ربنا كاتب علي نار، هشربها برضاي، ولو كاتب لي فرح، هاخده من عنده. مش من كفّي ولا من لسانك."

+


تأملته سليمة طويلًا، ثم أطلقت تنهيدة عميقة:
"قلبك صلب زي الحديد، ولسانك مليان يقين… بس أوعى تنسى، حتى الحديد يلين قدّام النار. واللي في طبعك من صدق وخوف رب، هو نفسه اللي هيجرّك لطريق العشق اللي حذّرتك منه."

1


أدار صقر وجهه بعيدًا، كأنه لا يريد أن يُظهر تأثره بكلماتها، ثم قال بصرامة تقطع الخيط:
"كفاية. أنا قلت اللي عندي. وما فيش بيني وبينك تاني. خدي دهبك من غيري، لكن كفّي عن زرع الوهم في قلوب الناس. الدين حرّم العرافة والسحر، واللي يتبعها يضل. وأنا مش من الضالين."

+


ارتعشت أصابع سليمة للحظة، لكنها أخفت ذلك بابتسامة باهتة، وقالت كأنها تخاطب نفسها أكثر  تخاطبه:
"يمكن تقول وهم، لكنك يوم تشوف بعينك اللي نطقت بيه… ساعتها تفتكر سليمة."

1


ثم سكتت، وتركته يرحل، بينما ظل صقر يمشي بخطواتٍ سريعة، يشعر بثقلٍ في صدره رغم يقينه، كأن كلماتها كانت شوكة علقت في قلبه، مهما حاول أن ينتزعها ظل أثرها باقٍ.

+



        
          

                
خرج صقر من مجلس الغجر بخطواتٍ متسارعة، كأن الأرض تحت قدميه لا تتسع لثقله. كانت عيناه مشتعلة، ليس من غضبٍ فحسب بل من مزيجٍ متناقض من الحدة واليقين والشك الذي حاول أن يدفنه في أعمق أعماقه. ظل يتنفس بعُمق، كأن صدره يضيق عليه، حتى ابتعد قليلًا عن الأضواء والأنغام.

+


لحق به يزيد، يركض خلفه، وصوت وقع خطواته يختلط بضحكات الغجر المتناثرة من بعيد. فلما أدركه، وضع يده على كتفه وقال مبتسمًا:
"هو فيه إيه يا صقر؟ سيبتها واقفة كده وكلامها نصه غامض ونصه مبهم، وأنا واقف مش فاهم حاجة. إنت ليه شدّيت عليها بالشكل ده؟"

+


أوقف صقر خطاه، وألقى نظرة جانبية على يزيد، نظرة حادة لكنها مثقلة بالهدوء المتكلَّف، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ لكن كلماته كانت تقطع الهواء قطعًا:
"لأن اللي بتعمله خرافة، وأي كلمة زيادة منها كانت ممكن تهز قلوب ناس وتخليهم يصدقوا إن الغيب ينكشف على يد بشر. وأنا ما أسمحش لنفسي أديها قوة أكبر من اللي هي فيها."

+


ضحك يزيد هزّة قصيرة وهو يقول:
"بس برضه، يا أخي، إنت شدّيت على ست كبيرة، كلامها كله أحجيات وألغاز، يمكن كان أحسن تسمع وتضحك وتسيبها في حالها. بدل ما طلّعت روحها بكلام الدين والآيات، حسيت إني في مجلس شيخ مش في سهرة غجر."

+


توقف صقر عن السير، واستدار ليواجه يزيد، وجهه مضاء بوميض القمر، وقال بثبات:
"يزيد… اللي ما يوقفش الوهم وهو صغير، يكبر ويسيطر على الناس. النهاردة سليمة بتقول فزورة، بكرة الناس تسيب صلاتها وتسمع كلامها. وتعرفني كويس، أنا عمري ما أقدر أشوف الناس تُضلّ وما أفتحش فمي."

+


أطرق يزيد قليلًا، ثم رفع رأسه وقال بنبرةٍ فيها جدية نادرة:
"بس في نفس الوقت، إنت جوه الغجر وقفت وقفة غريبة. الراجل سعدون كان بيجادلك، وأنت بتتكلم كأنك صاحب الأرض والقرار. بصراحة يا صقر، أنا مش فاهمك… مرّة تقف عليهم كأنك خصم، ومرّة كأنك حاكم، دلّني إنت ناوي على إيه بالظبط؟"

1


تغيرت ملامح صقر، وبدت عليه ابتسامة باهتة، لا تصل إلى عينيه. مشى ببطء وكأنه يفتّش عن الكلمات:
"أنا ناوي أكون حاضر. أي أرض تتحرك، أي قبيلة تتغيّر، أنا لازم أكون في قلب الحدث. الغجر ما هماش بس رقصة وزينة، الغجر عين على كل قبيلة وأذن لكل خبر. وسعدون يعرف ده. لما قلتله هادفع، ما كانش كلام كرم… كان رسالة: صقر موجود، وما يغيبش عن مشهد واحد في القبائل."

+


نظر يزيد إليه بدهشة، ثم قال بنبرة ممتزجة بالإعجاب والقلق:
"يعني إنت شايفها لعبة سياسة؟ أنا كنت فاكرك جاي عشان تتسلى، نشوف عروض، نضحك ونرجع. لكن أنت… كل خطوة عندك وراها غرض."

1


ابتسم صقر ابتسامة أكبر هذه المرة، لكنه ظلّ محتفظًا بحدة نظراته، وقال:
"يزيد… الرجل اللي يعيش بلا غرض، زي مركب في بحر من غير شراع. والغجر مجرد بداية. أنا مشيت معاهم النهارده مش عشان أرقص معاهم، لكن عشان أعرف حدودهم وأختبر نفسي قدامهم. واللي شفته أكدلي إن الطريق لسه طويل."

1



        
          

                
ظل يزيد صامتًا للحظة، يرمقه بنظرةٍ طويلة، ثم قال:
"يعني اللي حصل مع سليمة مش مجرد نزاع بينك وبين ست عرّافة، لكن وقفة مبادئ ورسالة للكل إن صقر مش لعبة. بس برضه… يا أخي، كلامها غريب. كأنها كانت بتكلملك عن سرّ كبير متعلق بيك."

1


شدّ صقر أنفاسه ببطء، ثم قال وهو ينظر للبعيد:
"السر الوحيد اللي يهمني، هو سر ربنا. والباقي… هيتكشف مع الزمن."

+


مشى الاثنان معًا، وصوت صقر ظلّ ثابتًا في أذن يزيد، كأنه لا يتكلم عن الغجر فقط، بل عن قدرٍ ينتظر عند أفق بعيد.

+


سار الاثنان جنبًا إلى جنب، والليل يلفهما بردائه الكثيف، وصوت خطواتهما يتردد فوق الرمال الممهورة بأثر النجوم. كان صقر ما يزال غارقًا في صمته، عيناه مشدودتان إلى البعيد كأنه يتتبع شيئًا لا يراه سواه، بينما ظل يزيد يرقبه بعين ماكرة، يبحث عن ثغرة في ذلك الجدار الصارم الذي يحيط به صاحبه.

+


ابتسم يزيد ابتسامة عريضة وقال، وهو يميل برأسه نحو صقر في خبث:

+


"يا عم صقر، إنت طالع خطيب الجامع النهارده ولا إيه؟ ما تسيبش للشيخ بتاع القبيلة حاجة يقولها الجمعة الجاية. خلّيتني أفكر أشتري سبحة وأمشي وراك وأقول للناس: آمين يا مصلين!"

1


قهقه يزيد عاليًا وربّت على كتف صقر، كمن يريد أن يهزّ ثقله عنه، ثم أضاف:
"وبعدين يا أخي، إنت بتقول كلام كبير كده عن الغرض والمركب والشراع… طب وإنت يا سيدي القبطان، هتخليني أنا إيه؟ بحّار صغير ولا بسوق الميه؟ و لا أمسح المركب و لا أراقب لك الشط؟"

1


لم يستطع صقر أن يمنع نفسه من ابتسامة عابرة، كسرت القناع الجاد للحظة، لكنه سرعان ما تداركها كمن يرفض الانكشاف.
صقر  قال ساخرًا بصوت خافت: 
"أنت يا يزيد، لو ركبنا البحر، أول موجة هتوقعك من المركب… وتغرق وانت بتضحك زي الاهبل."

1


تعالت ضحكات يزيد أكثر، ورفع يديه نحو السماء كأنه يعلن استسلامه:
"أهو كده! الحمد لله، أخيرًا ضحكت… كنت فاكر إن وجهك هيتجمد من كتر الجدية. بس برضه يا صقر، مهما تقول إنت كبير، أنا هفضل أفتكر إنك اللي بتمشط شعرك  و تلبس و تبص قدام المراية ساعة، وتعمل فيها فارس لا يُقهر بعدين."

1


ألقى صقر عليه نظرة تجمع بين الجدية والاستهزاء، وقال:
"خليك فاكر اللي يعجبك يا يزيد… بس لما ييجي اليوم اللي الغدر فيه يفرق بين الراجل والخيال، ساعتها هتعرف مين صقر على حقيقته."

1


ضحك يزيد وهز رأسه كمن يبارك تلك النبرة الحاسمة، قبل أن يغمز قائلاً:
"وأنا لسه مصدق إنك طلعت تتفرج على الغجر زيي! اتضحك عليّا يا صقر… لكن ماشي، أنا هفضل معاك لحد ما السر ده يبان لوحده، يمكن ألاقيلي شوية شراع معاك و أهو نطلع سوا مع بعض."

1


ثم مضت خطواتهما في ليلٍ بدا كأنه يكتب بآثار أقدامهما حكاية لم تُرفع ستارتها بعد، تتأرجح بين جدية صقر ومرح يزيد، كميزان لا يستقيم إلا بوجودهما معًا.

+



        
          

                
واصل الاثنان السير تحت أضواء النار البعيدة وصوت الدفوف الذي ما زال يتردد من معسكر الغجر، والليل يوشوش بأسراره في مسامعهم. كان يزيد يظن أن الحديث قد انتهى، لكن صقر التفت فجأة إليه، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة، لم يرها صاحبه منذ زمن بعيد.

+


صقر بصوت منخفض وكأنه يكشف سرًا: 
"ولسه بكرا يا يزيد… هتحضر ليلة محصلتش. أنا ناوي أعمل مقلب في بدر ماحصلش."

3


رفع يزيد حاجبيه بدهشة، ثم قهقه بصوت عالٍ وهو يصفّق بيده على فخذ صقر، وقال:
يزيد: "يا ساتر! هو انت لسه فاكر بدر؟ ده شكله شاغل دماغك أكتر من الغجر نفسهم. مقلب إيه يا عم؟ ولا ناوي تعلّقنا في مصيبة ورا الجبال؟"

1


أغمض صقر عينيه لحظة، كمن يتذوّق طعم الفكرة في خياله، ثم فتحهما وفيهما بريق مغامرة جامح.

+


"بدر فاكر نفسه أذكى من الكل… ماشي، بكرا هوريه إن في اللي أذكى منه. ليلة كاملة هتتخيّلها الناس عرس، و هو في الحقيقة مجرد لعبة. وساعتها يا يزيد، هنشوف مين اللي يضحك في الآخر أنا ولا هو."

+


ازدادت ضحكات يزيد حتى كاد يقع من شدتها، ثم قال وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه:

+


"يا جدع… ده بدر لو عرف خطتك، هيشرب دمك! بس أنا معاك، ولو الدنيا ولعت، أنا أول واحد هزود النار و أسيبك و أخلع."

+


ضحكا الاثنان بشدة ، ثم تبادلا الاثنان نظرة سرية كأنها عقد وُقِّع دون كلمات، بينما الليل يزداد ظلمة حولهما، والقدر ينسج لهما مشهدًا جديدًا في الغد، حيث لن يكون بدر على ما يرام أمام لعب صقر.

+


عاد الليل يفرش ستائره على الديار، وكان في البيت هدوء مهيب يقطعه صوت خافت لبدر وهي تخلع عباءتها الثقيلة وتجلس عند المصباح الزيتي، عيناها تلمعان بعزم لا يلين. دخل عبد ربه بخطوات مترددة، ينظر إليها نظرة تجمع بين القلق والولاء.

+


رفعت بدر رأسها نحوه وقد بدا وجهها صارمًا لكنه دافئ في الوقت ذاته، وقالت بصوت واضح يحمل يقينًا لا يقبل الجدل:
"عبد ربه… هحضر حفلة القبيلة، وتاني يوم هروح عند السهل الغربي. إنت هتاخد أمان وتروح عند أكبر دكاترة في مصر كلها وتكشف على أمان. معاك لحد ألف دهبه… مايهمنيش، أهم حاجة أخويا يرجع يتكلم تاني."

+


بدت الدهشة على ملامح عبد ربه، ثم اقترب خطوة كأنه يريد الاعتراض، وارتجف صوته من فرط خوفه عليها:
"هتقعدي في السهل الغربي لوحدك؟"

+


ابتسمت بدر ابتسامة خفيفة تخفي وراءها صلابتها، وأشارت بيدها وكأنها تبعد عن نفسها أي تردد:

+


"هاخد أمي وحسناء وليلى معايا. هو أسبوع أو عشر أيام، ناوية أشوف كام حاجة كده. وهقولك تعمل شوية حاجات في المدينة."

+


تنهد عبد ربه، ونظر إلى الأرض ثم رفع عينيه من جديد وقد استسلم لقرارها، وفي نبرة صوت تحمل ولاءً صادقًا قال:

+



        
          

                
"ماشي يا ست بدر… زي ما تحبي. جهزي نفسك للحفلة بكرا."

+


اعتدلت بدر في جلستها، يكسو وجهها فضول ممزوج بالحذر، وسألت بجدية:

+


"هتكون عبارة عن إيه؟"

+


ارتسمت ابتسامة مطمئنة على وجه عبد ربه، وقد بدا كأنه يريد أن يبعثر عنها القلق، فأجاب بثقة:

+


"هتقضي وقت مع أهل القبيلة بطريقتنا. الستات ناويين يعملوا حاجات كتير عشانك. متخافيش… كله متأمن."

+


ظلّت بدر لحظة صامتة، تحدّق في شعلة المصباح التي ترقص أمامها، وفي عينيها مزيج من ترقب وحنين، كأنها تعرف أن كل خطوة تخطوها تقرّبها أكثر من مصير غامض ينتظرها في السهل الغربي.

+


في تلك الليلة، جلست بدر أمام مرآة صغيرة عتيقة، تنعكس فيها صورتها المزدوجة: رجلٌ في أعين الناس، وامرأة تخفيها ملابس الرجولة وسحنات الصرامة. مدت يدها تتحسس وجهها، تتأمل تفاصيلها في صمتٍ طويل، و هي تسائل نفسها: " لحد امتى؟"

4


كانت غرفتها ساكنة إلا من همسات الليل خلف النوافذ، وصوت أمها في الداخل تتهامس مع حسناء وليلى عن ترتيبات الغد. شعرت بدر أن كل شيء يضيق من حولها؛ كأن الليلة ليست مجرد استعداد لاحتفال، بل اختبار جديد لقدرتها على التوازن بين ما تُخفيه وما تُظهره.

+


أخرجت عباءتها الداكنة ونظفت سيفها بعناية، حركة وراء أخرى، وفي عينيها بريق يشبه بريق الشعلة التي تتراقص على حافة المصباح. كانت تعلم أن حضورها بين أبناء القبيلة غدًا لن يكون مجرد وجود عادي، بل إعلانًا غير مباشر أنها أصبحت الوجه الجديد للقبيلة بعد رحيل والدها، وأن كل الأنظار ستترقب حركاتها، كلماتها، وحتى صمتها.

+


اقتربت أمها بخطوات واثقة، وضعت يدها على كتفها بحنان، وقالت بصوت دافئ يشبه نسمة تهبّ في قلب العاصفة:
"بدر… الناس بكرة هتشوف فيكي صورة أبوكي، وأكتر. خدي بالك من نفسك."

+


ابتسمت بدر بخفة، ابتسامة قصيرة لكنها محملة بالقوة، وأجابت بهدوء:
"ما تخافيش، يا أمي… الليلة دي بداية جديدة. وأنا قدها."

+


تراجعت الأم بخطوة، تاركة لابنتها مساحة عزلة تأملية. أما بدر، فعادت إلى المرآة، ترفع ذقنها ببطء، وتضع عباءتها على كتفيها كما لو كانت تتوشح بقدرٍ لا مفر منه.

+


وقبل أن تطفئ المصباح، همست لنفسها:
"بكرة… هوريهم إني مش بس بدر بن سالم… أنا بدر اللي هتفتح أبواب جديدة."

+


ثم أغلقت عينيها، مستسلمة لليل قصير، وهي تعلم أن الغد لن يكون احتفالًا عابرًا، بل خطوة في طريق طويل ينتظرها، طريق لا رجعة فيه.

+


في صباح اليوم التالي، ارتجت أجواء القبيلة بالحركة والحياة، وكأنها احتفال من قلب التراث يمتزج مع عبق الماضي. كانت النساء مشغولات بتزيين المكان بالورود الطازجة، تفوح منها رائحة عطرية غنية تمزج بين الورود والياسمين، بينما كانت الحنة تزين أيادٍ أصابها الذهب والشمس، ويزين جسدهن نقشات دقيقة تتلألأ تحت أشعة الشمس.

+



        
          

                
توزعت البخور في أرجاء الساحة، ينبعث منه دخان أبيض متصاعد، يحمل معه رائحة المسك والعود، فيغمر المكان بهالة من السحر والغموض، وتتمايل خيوط الدخان مع نسائم الصباح. أما الطاولات، فكانت مزدحمة بألوان الطعام والحلويات: أطباق الكبسة واللحوم المشوية تتصدر الموائد، إلى جانب أطباق السمك المدخن والسلطات المبهرة التي تشد الأنظار.

+


وعلى جانب آخر، كان الشواء على نار مفتوحة يتصاعد منه الدخان والروائح الشهية، ويجتمع حوله رجال القبيلة ليتناولوا ما أعدّ لهم، فيما الأطفال يركضون حول الساحة، يضحكون ويلعبون، مملوءين بالحيوية.

+


أما الحلويات، فقد تزينت بألوانها الزاهية، فكان هناك المعمول المحشو بالتمر والفستق، والكعك المصنوع من العسل واللوز، وقطع الحلوى المغلفة بالسكر البودرة، والتي تناثر سحرها بين أيدي الضيوف كما لو كانت وعودًا صغيرة بالفرح والسعادة.

+


كل زاوية في المكان كانت محضّرة بعناية فائقة، وكل لمسة كانت بعناية النساء اللواتي أرادوا أن يكون يوم إعلان بدر مليئًا بالبهجة والترف والكرم، وكأن المكان نفسه يحتفل بمولود جديد للقيادة، وبداية عهد جديد للقبيلة.

+


كثرت الذبائح في الساحة، وتوزع اللحم الطازج على الشوايات، حيث كانت النار تتوهج ويعلو الدخان، وتنتشر رائحة الشواء الزكية في كل الأرجاء. كان الرجال مشغولين بإدارة النار وتقليب اللحوم بعناية، فيما النساء يعتنين بترتيب الطاولات وتزيينها بالورود الملونة والحلوى، واضعات كل شيء في مكانه بدقة كأنها رقصة منظمة على إيقاع يوم طويل من العمل.

+


مع اقتراب المساء، بدأ الضوء الخافت للشموع والفوانيس يملأ الساحة، ليمنح المكان هالة ساحرة، ويزيد من بريق الزينة على الأرض والحوائط. تحولت الأجواء إلى انتظار متوهج للحفل الذي لم يسبق له مثيل، حيث كان كل فرد من القبيلة، صغيرًا وكبيرًا، يترقب اللحظة التي ستظهر فيها بدر، ويحتفل الجميع بمناسبة عظيمة تُخلّد في تاريخ القبيلة.

+


مع حلول الليل، دخلت بدر الساحة، متخفية بزي الرجل الذي يضفي عليها الهيبة والقدرة على السيطرة. كل الأنظار التفتت إليها، فأحسّ الحضور بمزيج من الدهشة والاحترام. كان ضوء الفوانيس يلمع على عينيها، فيعكس صرامتها وهدوءها، بينما كان كل من في القبيلة يهمس بينهم: «جاء ابن سالم اللي اشتقناله لرؤيته سنين و سنين».

+


تقدمت بدر خطوة خطوة بين الحشود، وكل حركة لها محسوبة، كأنها جزء من رقصة مقدسة، توازن بين القوة والنعومة. النساء تلمحن لبعضهن البعض بإعجاب، والرجال يخفون دهشتهم تحت وجوه جامدة، فقد أدركوا أن هذا الرجل الغامض ليس كباقي الرجال، بل قوة مهيبة تفرض احترامها في كل تفصيل.

+


مع كل لحظة، كانت رائحة البخور والورد والحلوى تملأ المكان، مختلطة بأصوات الشواء والضحك والحديث، مما جعل الحفل يتسم بالدفء والبهجة، لكن تحت هذا الجو الاحتفالي، كانت هيبة بدر وسحر حضورها تشعل نوعًا من الحذر في القلوب، كأنها تزرع فكرة أن هناك شخصًا هنا لا يمكن الاستهانة به، وأن هذا اليوم سيظل محفورًا في ذاكرة القبيلة إلى الأبد.

+



        
          

                
ارتفعت بدر على منصة خشبية، لتبدو كأنها رمز السلطة والحزم وسط الحشود الغفيرة. شعرت بعين كل فرد من أفراد القبيلة تراقبها باهتمام، من الأطفال الذين لم يختفوا من وجوههم دهشة حية، إلى الشيوخ الذين تركوا لحظات صمتهم الطويلة ليحملوا بصيصًا من الفضول والاحترام. بدت الساحة كأنها قلب القبيلة النابض، مليئة بالألوان، بروائح البخور والورد المتناثرة، واصوات الضحك والمناقشات المتداخلة، وبين كل هذا الجو الاحتفالي كان لكل كلمة من كلمات بدر وقعها الخاص، كأنها موسيقى تُحرك القلوب.

1


رفعت بدر صوتها، وهو صوت صارم لكنه دافئ في الوقت نفسه:
"كيف أخباركم أهلي وناسي وعشيرتي؟ رجال ونساء وأطفال وشيوخ، أحبكم جميعًا!"

2


تجمد بعض الحضور للحظة، مندهشين من هذا المزج بين الحزم والمحبة، ثم تابعت بدر بنبرة مليئة بالعزم:
"عايز أقول لكم إني ناوي أخلي القبيلة تنسى كل الأيام والسنين اللي فاتت، وعايز منكم تساعدوني."

2


ارتفع همس بين النسوة:

+


"لكن احنا نساء، هنعمل إيه؟"

2


ابتسمت بدر بإيماءة واثقة، وأجابت:
"تقدروا تعملوا حاجات كتير. أنا ناوي أخلي الكل يشتغل. إحنا كان عندنا دين كبير، لازم نسدده، لازم نشتغل كلنا ونكبر بالقبيلة."

+


نظر أحد الرجال إلى الأرض ثم رفع رأسه متوجسًا:
"بس الزرع بيموت، الأرض مش صالحة، وماذا نفعل إذا خربت المحاصيل؟"

2


أومأت بدر برأسها ببطء، معبرة عن فهمها، ثم أجابت بثقة لا تتزعزع:
"أنا فاهم مخاوفكم، الأرض هتفضل معانا، بس هنركز على الجزء الصالح للزراعة. والباقي؟ هنعمل فيه صناعات صغيرة، ورسمت في بالي مشاريع كثيرة تجعل من أرضنا مصدر قوة وازدهار. كل شخص فيكم، رجلاً كان أو امرأة، هيلاقي مكانه في المشروع ده، وبذلك نقدر نعوض اللي ضاع ونبني المستقبل معًا."

+


ارتفع صوت امرأة أخرى، من بين النسوة:
"بس يا سي بدر، احنا ما نفهمش كتير من الصناعات دي، مش هنعرف نعملها!"

2


تقدمت بدر خطوة للأمام، ونظرت لكل امرأة بعينين يلمع فيهما الحزم والحنان معًا:
"مش هتشتغلوا لوحدكم. هتتعلموا مع بعض، وكل خطوة هنعملها مع بعض. أنا هنا معاكم، هعلمكم وأشوف كل حاجة، وهنجعل من كل يد عاملة قوة. القوة الحقيقية مش في الرجل بس، القوة في التعاون، في العزيمة، في قلب كل واحد فينا."

1


رفعت أحد النساء الكبيرة رأسها وقالت بحذر:
"بس يا سي بدر، احنا متعودين على طريقة قديمة، الرجالة كانوا يتحملوا كل شيء، وإحنا النساء نكتفي بالبيت والفرش والحطب. هل حضرتك ناوي تغير كل شيء؟"

1


ابتسمت بدر، وأمالت جسدها قليلًا نحو المنصة، محاطة بالأضواء والظلال التي جعلت منها رمزًا حيًا للسلطة والتحدي:
"أيوه، أنا ناوي أغير كل شيء. مش لأنكم ضعفاء، لكن لأننا محتاجين القوة تكون في كل مكان. كل يد هتساعدنا، كل عقل هيفكر معانا، كل قلب هيحب القبيلة معانا. النساء مش مجرد متفرجات، أنتم قلب القبيلة وروحها، وبدونكم مش هتحصل أي حاجة."

+



        
          

                
بدأت الأصوات تتغير، من الهمس إلى الانبهار، فرفع بعض الرجال أصواتهم:
"بس يا سي بدر، احنا ما نعرفش ازاي نشتغل الصناعات دي، إزاي نغير كل حاجة من غير خبرة؟"

+


ردت بدر بنبرة حازمة لكن دافئة:
"هنبدأ صغير. كل يوم هنتعلم حاجة جديدة. كل خطوة هتقربنا من هدفنا. مش مهم نعرف كل حاجة من البداية، المهم نعرف نتحرك ونشتغل. العقل زي الزرع، لو زرعناه بالعزيمة والصبر، هيطلع لنا أفضل ثمار."

+


وقف أحد الشبان، ووجهه متجهم من الحيرة والفضول:
"طب والفلوس يا سي بدر؟  هتيجي منين المشاريع دي؟ احنا تعبنا في الأرض عشان نعيش، وإحنا كده هنحتاج دعم كبير."

+


أمالت بدر رأسها قليلًا نحو الحشد، ونظرت في وجوههم جميعًا:
"الفلوس هتيجي من كل واحد فينا. كل ما نقدّر نعمل حاجة، نقدر نصنع قيمة جديدة. أنا مش هسيب حد منكم، كل واحد هيكون جزء من النجاح ده. وأمانة القبيلة في أيدينا كلنا، مش بس في أيدي أنا. مع بعض، هنغير الواقع، وهنبني غدًا أفضل للجميع."

+


ارتفع همس من بين النسوة، وبدأت بعض الأصوات تتشابك مع الضحكات، بينما كانت بدر تلعب دور المعلمة والقائدة والمحفزة في نفس الوقت.

+


رفعت إحدى النساء صوتها، ويدها ترتجف قليلًا من الحماس والخوف:
"بس احنا خايفين، يا سي بدر، مش دايمًا التغيير سهل، وممكن يفشل!"

+


نظرت بدر لها بعينين متقدتين بالحزم والحنان معًا:
"الفشل جزء من الطريق، لكن الوقوف مكانك مش حل. كل خطوة هتاخدوها هتقربكم من حلمنا كلنا. كل خطأ هنتعلم منه، وكل نجاح هيكون بفضل تعاوننا مع بعض سكة نحو تحقيق الهدف."

2


وقف أحد الرجال الكبار، بيده تمسك بعصا طويلة، ونظر إلى بدر بعينين مليئتين بالفضول والاحترام:
"إحنا نثق فيك يا سي بدر، لكن هل فعلاً النساء والرجال هيشتغلوا سوا؟ هل هنتقبل بعض بالرغم من العادات القديمة؟"

+


ابتسمت بدر، ورفعت يدها كأنها توقيع على عهد جديد:
"إحنا محتاجين ننسى الماضي. كل واحد هنا هيتعلم من التاني. كل واحد هنا ليه دور، سواء في الزرع أو الصناعة أو التنظيم أو حتى التعليم. القوة مش في العنف بس، القوة في الفهم والعمل معًا. وأنا هقودكم، بس هتكونوا أنتم قلب القوة. النساء مع النساء و الرجال مع الرجال."

+


بدأ بعض الرجال بالتصفيق، بينما انضمت إليهم النساء، وارتفعت أصوات الحشد، والفرحة امتزجت بالدهشة.

+


واستمر الحوار بين بدر والقبيلة ساعات طويلة، تتخلله أسئلة عن تفاصيل المشاريع الجديدة، عن التدريب، عن توزيع المسؤوليات، وعن حماية الأرض والمحاصيل.

2


أحد الشيوخ: 
"والمياه يا سي بدر؟ الأرض محتاجة مياه، مين هيتأكد إن الأرض ما تفضاش منها؟"

+


بدر نظرت له بجدية محارب قديم: 
"هنديرها مع بعض. هننظم كل شيء، ونجيب مصادر مياه جديدة، ونستفيد من كل نبع وكل جدول قريب مننا."

+



        
          

                
امرأة سألت بتعجب كبير: 
"طب إحنا النساء، هنعمل إيه في الزراعة؟"

+


بدر جاوبتها بلطف :
"هتتعلموا مع الرجال، وهنبدأ بخطوات صغيرة. كل يوم خطوة، وكل أسبوع هنتعلم حاجة جديدة و اللي ماتقدرش هنشوف لها حاجة سهلة على قدها."

+


شاب رفع يده بتساؤل:
"وإحنا اللي هنشتغل في الصناعة؟ إحنا ما نعرفش حاجة عن المصانع ولا المعدات."

+


"هنتعلم، هنجرب، وهنعمل تجارب صغيرة، وهنكبر المشاريع تدريجيًا. كل حد هنا ليه دور، كل واحد هيلعب دوره بطريقته، وكلنا مع بعض هننجح."

1


شيخ كبير: 
"طيب احنا محتاجين فلوس. منين هتيجي؟"

+


"الفلوس هتيجي من جهدنا. كل شغل هنعمله له قيمة، وكل منتج هينتج لنا دخل، وهنعمل مشروعنا مع بعض."

+


وبين كل هذا الحوار الممتد، كانت بدر تراقب وجوه الجميع، تلمح دهشة الأطفال، وحرص النساء، وفضول الرجال، وكلهم بدأوا يشعرون بنوع من التغيير يتسلل إلى قلوبهم.

+


أنهت بدر حديثها وهي ترفع يدها مرة أخيرة، بنبرة صارمة لكنها دافئة:
"أنا عايز كل واحد هنا يفهم حاجة واحدة: القبيلة دي مش ملك رجل واحد، القبيلة دي ملكنا كلنا. قوة القبيلة مش بس في الحاكم، قوة القبيلة في كل قلب موجود هنا، في كل يد بتشتغل، وفي كل عقل بيفكر. مع بعض، هنغير الواقع، وهنبني مستقبل القبيلة."

1


ارتفعت هتافات الحشد، وبدأ الرجال والنساء يصفقون، والضحكات تتعالى، والفرح يملأ الساحة. ارتفعت أصوات الأطفال وهم يركضون بين الحشد، فيما كانت رائحة البخور والورد تعبق المكان، مختلطة بروائح اللحم المشوي والحلويات الطازجة، مما أضفى على الجو شعورًا بالاحتفال والوفاء.

+


رفع أحد الشيوخ عصاه قائلاً بحزم:
"سمعنا كلامك يا سي بدر، وواضح إنك تعرف الطريق. إحنا معاك، كلنا، رجال ونساء، كبار وصغار."

+


ابتسمت بدر وهي تشعر بأن كلماتها لم تذهب هباءً، ثم نظرت إلى بعض الشابات اللواتي كن يشكنن في قدرتهن على المساهمة، وقالت:
"مش هتكونوا مجرد مشاهدين، هتكونوا صانعات المستقبل. كل واحدة فيكم هتعرف دورها وتساهم. هيكون في تعليم، تدريب، وكل حاجة محتاجينها عشان ننجح."

+


صرخ أحد الرجال الشباب بحماس:
"طب واللي ما يعرفش يعمل حاجة؟"

+


ردت بدر وهي تحدق في عينيه مباشرة:
"هنتعلم كلنا، الخطأ مش نهاية الطريق، الفشل مش عيب. المهم تحاول وتتعلم، وكل خطوة هتقربنا من هدفنا."

+


بدأت النساء يتهامسن فيما بينهم، بعضهن يشعرن بالفضول وبعضهن بالخوف، بينما كان بعض الرجال يناقشون بدر حول تفاصيل المشاريع، الموارد، وحماية الأرض من المخاطر.

+


رفعت بدر يدها ثانية لتخمد الهمسات:
"اسمعوني كويس. كل شيء هنا هيبدأ من الصفر، ولكن كل واحد فيكم ليه دور. كل يد هتشتغل، كل عقل هيخطط، وكل قلب هيحب القبيلة، وهنخليها أقوى من أي وقت فات."

+



        
          

                
صمتت الساحة لبرهة قصيرة، ثم ارتفع صوت تصفيق حار، فيما بدأت بدر تلمح في وجوه الجميع رغبة متجددة في العمل، شعور بالمسؤولية، وإحساس بالولاء للقبيلة.

+


وفي تلك اللحظة، أدركت بدر أن الكلمات كانت فقط البداية، وأن التغيير الحقيقي سيأتي من الجهد المشترك، من التعاون، ومن العزيمة التي أضاءت قلوب الحضور، وملأت المكان بطاقة لم يشعروا بها منذ سنين.

+


قالت بدر بجدية :
" الأهم أننا نحافظ على أخلاق القبيلة و نرجع عادتنا و تقاليدنا و نحافظ عليها و نورثها من جيل و مانسمحش للغجر يأثروا علينا ."

1


لم تنهي بدر جملتها حتى احتل الغجر المكان على حين غفلة ، بدر وقفت في مكانها و المفاجأة تكسو وجهها، عيناها الثاقبتان تتفحصان الحاضرين من حولها، بينما كانت الأصوات والأنوار تتراقص على وقع الموسيقى والزغاريد. الجميع بدأ ينصرف اهتمامه إلى عروض الغجر المبهرة، فتناسوا وجودها تمامًا. الحركات المتقنة للنساء، الملابس الملونة، الرقصات الجريئة، كل ذلك اجتاح المكان وأخذ الأنظار، إلا أن بدر بقيت ثابتة، كأنها صخرة وسط بحر من الفوضى والجمال.

+


وقف صقر خلف بدر، عيناه تلمعان بسخرية، والابتسامة الماكرة لا تفارق وجهه، كأنه وجد لحظته المفضلة وسط الفوضى. أما بدر فكانت واقفة كالجبل أمام القبيلة، متنكرة في زي الرجل، تحافظ على هيبتها وكبريائها.

+


قال صقر بصوتٍ عالٍ يكسر هيبة الموقف:
"معلش يا بدوره… عروض الغجر دي ما تتفوتش. خطبتك دي؟ تعوضها بكرة."

1


التفتت بدر بحدة، نظرتها كالسهم تخترق صدره، وجهها يشتعل غضبًا، لكنها تماسكت:
"إنت اللي جبتهم؟"

1


ضحك صقر ضحكة قصيرة، مليئة بالتهكم، واقترب بخطوة واثقة:
"طبعًا… حبيت أديك هدية. إيه يعني؟ مش إحنا صحاب ولا إيه يا بدوره؟ ولا أقولك يا بودي؟ ولا دودو؟ ولا دودي؟ ولا دودا؟… بصراحة أنا محتار أي لقب يليق بيك."

1


شدّت بدر فكها، كاظمة الغيظ، ثم ردت ببرودٍ ناري:
"لا تحتار يا… قوقو."

1


قهقه صقر، ضربة الاسم أصابته لكنها أضحكته أكثر:
"قوقو؟! هاها… جامدة دي. واضح إن لسانك حامي يا شيخ بدر. بس ما تخافش، أنا أتحمل، أصلّي بحب أدي للخصم مساحة يفتكر نفسه غالب."

1


ارتفعت زاوية فم بدر بابتسامة ساخرة، عينها لا ترمش:
"وإنت فاكر نفسك خصم؟ إنت في أرضي يعني أنا اللي هسيطر هنا… مش إنت."

1


أدار صقر رأسه متعمدًا النظر إلى أهل القبيلة، ثم عاد بعيونه الثاقبة إليها:
"سيطرة؟ مين اللي اتكلم عن السيطرة ، يا راجل… السيطرة مش بالكلام، السيطرة إنك تخلي الناس يصدقوا اللي إنت عايزه حتى لو كانوا عارفين إنه كدب. وأنا… شاطر قوي في اللعبة دي."

1


اقتربت بدر خطوة، صوتها ثابت كالحجر:
"لو حاولت تكرر لعبتك دي، صدقني، مش هتلاقي نفسك عارف إزاي وقعت. أنا مش واحد من اللي تضحك عليهم يا صقر، و إنت عارف كده كويس."

+



        
          

                
اتسعت ابتسامة صقر، نبرته كانت تنقط مكرًا:
"يا سلام؟ يعني إنت صعب ينضحك عليك؟ طيب… أنا مش مستعجل. هخليك إنت اللي تشك في نفسك من غير ما ألمسك و لا أقرب منك حتى ."

1


رفعت بدر حاجبها، وصوتها نزل كالسيف:
"خليك فاكر اللي يلعب بالنار… يتحرق. وأنا مش بخاف من اللهيب."

1


أطرق صقر قليلًا، ثم رفع رأسه مبتسمًا ابتسامة عاصفة:
"النار يا بدوره مش دايمًا بتولّع في العدو… ساعات بتولّع جوه صاحبها. وصدقني… قريب جدًا هتكتشف إن اللي بيكسر الرجالة مش السيوف… حاجات كتير."

1


شدّت بدر عباءتها على صدرها، ونظرتها تزداد صلابة:
"إنت بتلعب بالنار يا صقر. وأنا وعد مني… أي نار هتولعها حواليّا، هتولع بيك قبل أي حد."

1


انحنى صقر قليلًا، كأنه يهمس أمام الجميع لكنه يزرع السم في أذنها:
"يبقى اللعبة بدأت… وأنا بكره أخسر. بس أوعدك، هخلي كل يوم ليك مليان استفزاز، عناد… وسخرية. ولسه هتشوف متعة اللعب مع صقر الشرقاوي."

1


رفعت بدر رأسها أكثر، متعمدة أن تُظهر الكبرياء أمام أعين الجميع:
"وأنا أوعدك… إنك هتندم إنك اخترت اللعبة دي معايا."

1


ضحك صقر ضحكته الأخيرة، صوتها كطعنة خفية، وقال:
"يبقى نستنّى… ونشوف مين اللي هيندم الأول."

1


القبيلة حولهم، رجالًا ونساءً، لاحظوا التوتر بين الاثنين، لكن لم يدركوا حقيقة بدر، فهي مستمرة في تمثيل دور الرجل بقوة، بينما صقر يحاول استفزازها، وهما يتبادلان الهجوم الكلامي المستمر والاستهزاء الممزوج بالعداء.

+


الجو أصبح مشحونًا، والكل يراقب كل حركة، وكل كلمة بين الاثنين تحوي عنادًا واستفزازًا وسخرية متبادلة، وسط ألوان الغجر المبهرة، وأصوات الموسيقى والرقص، والزغاريد العالية للنساء، بينما بدر تحافظ على هيبتها أمام الجميع، متنكرة كرجل، وصقر يحاول إثارة غضبها بطريقة ظاهرة للجمهور دون أن يعرف أحد حقيقتها.

+


ضحك صقر ضحكة مكتومة، ورفع يده كأنه يعلن التحدي أمام الجميع:
"فاهم يا بدوره… فاكر نفسك ماسك الدنيا بيدك؟ صدقني… أول ما أتكلم، هيبان إن كل القوة اللي بتتظاهر بيها مجرد قشرة بس من برا… وهتقف قدامي عريان من أي هيبة."

1


رفعت بدر حاجبها، وعينها تلمع بالحدة والثبات، وصوتها العميق يصدح وسط الحشد:
"هو عشان ساكت لك تبقى فاكرني ضعيف؟ أنا ساكت عشان غيري يحاسبك، لكن لو فتحت أنا حسابك… صدقني هتندم. إنت مجرد وريث، لسه ليك كبير يربيك، أما أنا… بقيت شيخ قبيلة، وجنودي لو أمرتهم يطردوك، هتجري تعيط في حجر أبوك."

1


ابتسم صقر ابتسامة ساخرة، واقترب خطوة، حتى وقف وجهًا لوجه معها:
"أنا خايف ؟! يا راجل… ده أنا برتعش من الرعب… شايف ركبي؟ بتخبط في بعضها! هاها… إنت فاكر نفسك جبل؟ ده أنا شايفك شوية و هتتلخبط في كلمتين قدام الناس."

1



        
          

                
تقدمت بدر خطوة مقابلة، عينها لا ترمش:
"جرب. أنا ما بخافش من صوتك ولا استهزاءك. الكلمة اللي عندك… عندي عشرة أثقل منها."

1


قهقه صقر بصوت أعلى، ثم أشار إلى الحضور كأنه يفضحها:
"شوفوا الزعيم… بدوره العظيم… فاكر نفسه ماسك الملك بإيده. واللي جاي أوضح من النهار: مين الأقوى ومين الورق."

2


ازدحم الحضور حولهما، بعض الرجال يتهامسون بدهشة، والنساء يغطين أفواههن بالذهول. لكن بدر كانت تصمت حتى تجعله يحترق أكثر بمفرده ، فالصمت أشد عقابًا من الرد.
اقترب صقر أكثر، وقال بلهجة تنقط استفزازًا:
"يا بدوره… إنت بجد مؤدب. شايف نفسك راجل كامل. بس أوعى تنسى… أنا قادر أخليك تبان صغير مهما انتفخت قدام الناس."

1


ابتسمت بدر ابتسامة باردة، ابتسامة من يعرف قوته، وقالت:
"قول زي ما تحب يا… قوقو. بس خلي في بالك، أنا ما بحبش الخسارة. وأي كلمة منك… هتلاقي الرد جاهز."

1


اهتز وجه صقر للحظة من وقع اللقب أمام الناس، لكنه تماسك سريعًا، ثم رفع صوته متحديًا:
"خلاص… نرجع نضحك ونرقص دلوقتي. من باب الكرم هسيبك تفرح بالحفلة… لأن بعد النهارده؟ مفيش فرح تاني هيجيلك."

1


رفعت بدر ذقنها عاليًا، وصوتها الرجولي يتغلغل في المكان:
"الليلة دي مجرد البداية. من النهارده لحد آخر يوم في عمري، طول ما أنا واقف هنا… القبيلة هتحتفل. أما إنت… كل كلمة من لسانك هتتسجل ضدك، وكل حركة هتتحاسب عليها."

1


ضحك صقر ضحكة قصيرة، كمن يستمتع بالمعركة:
"ممتاز… يبقى اللعبة بقت علنية. من النهارده مش هيبقى في أسرار ولا همسات في الضلمة. المنافسة نار… وهتشوف بنفسك قد إيه بتلسع."

1


اقترب أكثر، وصوته صار همسًا ساخرًا مسموعًا للحشد:
"حافظ على هدوءك يا بدوره… لأن أنا ناوي أستفزك لحد ما تفقده. كل ثانية من دلوقتي… هخليها شوكة في صدرك."

1


تقدمت بدر بثبات، حاجبها مرفوع كالسيف:
"لو فاكر إنك هتعرف تلعب عليّ، يبقى بتحلم. كل كلمة مني محسوبة… وكل حركة مدروسة… وأي مفاجأة منك؟ عندي لها رد جاهز."

+


ضحك صقر بخبث، وكلماته كالسُمّ:
"تمام يا شيخ بدر… شد حيلك. أنا مش مستعجل. هخلي عنادك يغرقك، وهخليك بنفسك تمسك حجر وترميه في المية اللي بتغرق فيها ، يشدك أكتر لتحت."

1


رفعت بدر رأسها عاليًا، وصوتها صارم يقطع الهواء:
"جرب. أنا واقف قدامك مستعد. واللي ناويتهو لي… هرده عليك مضاعف. وهخلي سيرتك أنت وقبيلتك نكتة على كل لسان."

1


ابتسم صقر ببرود، وكأن الغضب وقود متعته:
"تمام… أنا مستني. وخلينا نخلي الكل هنا يشهد: مين اللي هيكسب… ومين اللي هيبقى مجرد ذكرى."

1


ازدادت الجموع التفافًا حولهما، الصمت يخيّم إلا من همسات الفضول والدهشة، بينما بدر واقفة بصلابة، تخفي سرها الكبير خلف ملامح الرجولة، وصقر واقف قبالتها كذئب لا يشبع من لعبة الصيد.

+



        
          

                
لكن فجأة اقتربت من صقر فتاة فاتنة تُدعى ياسمينة قطعت ما كان يدور بين صقر و بدر أخيرًا، وابتسامة الرضا ترتسم على وجهها:
"صقر، سعيدة إني شوفتك هنا."

1


ارتفع حاجبا صقر بتعجب، ونظرة تردد في عينيه قبل أن يجيب:
"أنتي مين؟"

+


مدت ياسمينة يدها بخفة وأشارت إلى رقبتها، وابتسامة ماكرة تعلو شفتيها:
"أنا ياسمينة الغجرية… نستني، نسيت العلامة اللي سيبتها على رقبتي؟"

2


في تلك اللحظة، فتحت بدر عينيها على اتساعهما، والدهشة ترتسم على ملامحها، كأن الهواء من حولها قد تجمد لوهلة. لم تستطع مواجهة المشهد، فدفعتها الصدمة إلى الابتعاد قليلاً عن المجموعة، وجلست في مكان الجلوس المخصص للاحتفال، مستندةً بظهرها على المقعد، وعيناها تتأملان المشهد من بعيد، محاولةً استجماع رباطة الجأش.

1


اقتربت منها سارية بخطوات هادئة، وعينها تتلألأ بمزيج من الحذر والفضول:
"بدر، أنا جيت مخصوص عشانك."

1


رفعت بدر رأسها، وملامحها لا تزال تحمل صدمة اللقاء الغير متوقع، لكنها حاولت التحكم في انفعالاتها. لم تكن الكلمات سهلة على لسانها، لكن عينيها القويتان أكدت لسارية أنها كانت مستعدة للاستماع، وأن ما سيحدث بعد لحظات سيكشف الكثير من الأسرار المخبأة.

+


جلست سارية بجانب بدر، ونظرتها مليئة بالتحدي:
"بدر… بقولك  أنا جيت مخصوص عشانك."

2


رفع بدر رأسه سريعًا، وعيناه تلمعان بجفاف:
"مش فاضي دلوقتي… خليني على راحتي."

1


اقتربت سارية قليلاً، محاولًة كسر الجفاء:
"أنا عارفة إن الجو صعب… بس كنت عايزة أساعدك حتى لو اتكلمنا مع بعض بس."

1


تنهدت بدر بسرعة، مع تجهم واضح على وجهها، محاولًة الحفاظ على مسافة:
"محتاج أتعامل مع الأمور لوحدي… مش عايز حد يقرب."

1


ابتسمت سارية بسخرية خفيفة:
"مش هضغط عليك… بس لازم تعرف إنك مش لوحدك."

1


ابتعدت بدر قليلًا، وصوتها جاف:
"تمام… كفاية الكلام دلوقتي نتكلم بعدين."

1


نظرت سارية إليه، تشعر بالاستفزاز من برودها، لكنها اكتفت بالنظر بدون محاولة أخرى، وابتعدت لتتركها تجلس بمفردها، تحافظ على غموضها أمام الجميع.

+


ابتسم صقر بخبث وهو يلتفت نحو ياسمينة:
"أه… افتكرتك، أنتي بنت جاد ميمون، صح؟"

2


رفعت ياسمينة رأسها بتحدٍ، وعيناها تتلألأان:
"صح… ومش محتاجة حد يفتكرني، أنا دايمًا موجودة في كل مناسبات الغجر."

1


اقترب يزيد من خلفهم، متفحصًا المشهد بفضول:
"مين اللي قاعدة مع بدر دي؟ دي شكلها جميلة قوي!"

1


نظر صقر إلى يزيد بعينين نصف مغمضتين، وصوته يحمل استهزاء:
"دي مين؟ أكيد واحدة من بنات ناجي."

+



        
          

                
ضحكت ياسمينة بخفة، وهي تحاول تخفيف التوتر:
"شكل اللي واقف هناك فاكر نفسه جامد… بس الحقيقة غير كده."

1


زاد يزيد حدةً في فضوله:
"يعني إيه؟ ده اللي أنا شايفه ، قصدك بدر؟"

1


ابتسم صقر ابتسامة خبيثة، وأشار بإصبعه نحو بدر:
"قصدها إن بدر مش مالي عينها تحبي نلعب لعبة عليه ."

1


رفعت ياسمينة حاجبها بفضول، لكن في عينيها لمعة حذر:
"لعبة؟ ده شكله معقد و مش بتاع لعب ."

2


نظر صقر إليها بعينين تلمعان بخبث، وصوته هادئ لكنه مشحون بالتهديد:
"أيوه… كل حاجة ليها ثمن، وكل خطوة لازم تبقى محسوبة… خصوصًا لما تكوني في وسطنا."

1


ضحك يزيد بخفة، وهو ينظر إليهم بحيرة:
"يا راجل… كل حاجة بتتعقد حواليا أنا مش فاهم حاجة ما تحسسونيش إني غبي"

1


أومأ صقر برأسه، كاشفًا عن نبرة ساخرة:
"الموضوع مش للضحك، كل واحد فينا له مكانه… واللي يلعب صح، هو اللي هيكسب."

+


تبادلت ياسمينة النظرات مع صقر، شعورها بمزيج من الفضول والحذر، بينما يزيد بقي يراقب المشهد بحيرة ودهشة، غير مدرك تمامًا حجم اللعبة التي تجري أمامه.

+


ابتسم صقر ابتسامة ماكرة، وقال لياسمينة بصوت منخفض مليء بالتهكم:
"بصي يا ياسمينة… عايزك تساعديني تشوفيلي بنت تحاول تغوي بدر… عايزين نضحك شوية على بدر."

3


رفعت ياسمينة حاجبها بتحدي، وعيناها تلمعان بالفضول:
"بجد؟ عايز نراقبه؟ ونضحك عليه؟"

+


ضحك صقر بخفة وهو يهز رأسه:
"أيوه… الموضوع ممتع، خصوصًا لما تشوفي رد فعل بدر… الراجل ده فاكر نفسه جامد، بس هتتفرجي على اللي هيعمله لما نلعب عليه."

1


ابتسمت ياسمينة، وهي تضع يدها على ساقها:
"تمام… بس لازم تعرف، اللي هتشوفيه مش هيكون سهل، بدر مش واحد أهطل أي حد يضحك عليه بسهولة."

1


صقر لمعت عيناه بخبث:
"عشان كده الموضوع هيبقى ممتع… كل حركة منه هتكون قدام عينينا، وهنشوف مين اللي يتحكم في اللعبة دي ."

1


ياسمينة بخبث:
"طيب… أهو أنا جاهزة، بس لو حبيت تلعب، لازم تتحمل النتيجة مهما كانت هي ايه."

+


صقر ضحك وقال:
"متقلقيش… أنا بحب المغامرة… واللي هيضحك هيضحك معانا… يلا نبدأ اللعبة."

+


ابتسمت ياسمينة بخبث، ثم اقتربت من بدر بخطوات واثقة، وعيناها تتلألأ بالفضول والتحدي:
"يا بدر… مش شايف إن الجو هنا جميل قوي؟ إحنا ممكن نقضي وقت ممتع سوا."

+


رفعت بدر حاجبها بنفاذ صبر، وابتعدت خطوة إلى الخلف، تحاول الحفاظ على مسافة:
"شكرًا… أنا تمام، مش محتاج حاجة دلوقتي."

+


تقدمت ياسمينة خطوة أخرى، مائلة رأسها بابتسامة مغرية:
"يا عم بدر… ليه بتهرب؟ الجو هنا كله فرحة… إنت المفروض تكون مستمتع و تفك كده ، و نلعب لعبة."

1


بدر، بصوت متحفظ وجاف، أجابت:
"أنا… مش مهتم باللعب ده. خليكي بعيد عني شوية ، أنا بفكر في حاجات مهمة."

+


ضحكت ياسمينة بخفة، وقالت:
"بصراحة… إنت غريب شوية يا عم… بس حلو المقاومة."

+


ابتعدت بدر أكثر، وعيناها مليئتان بالحرص والانتباه:
"مش عايز أتكلم أكتر من كده… ياسمينة، خلي المسافة بيننا محترمة و سيبي المكان و أمشي."

+


هزت ياسمينة كتفيها بابتسامة ماكرة، ثم تراجعت قليلًا، وهي تقول:
"تمام… بس متأكد مش هتلعب معايا ، هتكون لعبة حلوة لو وافقت على الكلام اللي معايا ، دي لعبة خاصة بالغجر."

+


بدر أدارت وجهها عنها بخفة و كانت تتهرب منها بطرق لا يصدقها، وهي في قرارة نفسها تحاول الحفاظ على هويتها المخفية كـ"رجل":
"مفيش حاجة هتحصل… لازم أحافظ على مسافة… ولازم يفتكروا إني راجل."

1


وقف صقر على طرف المكان، عينيه تتبعان كل حركة، وكل ضحكة وكل لمسة بين ياسمينة وبدر. كانت عيناه ثاقبتين، كأنها تحدد كل حركة وتصرف، وهو يبتسم بخفة من خلف صخب الاحتفال، مستمتعًا بارتباك "بدر" المتنكرة في زي رجل لكنه لا يعلم بذلك.

+


صقر، بصوت منخفض لنفسه:
"يزيد بص شوف اللي بيحصل."

+


اقترب يزيد من جانبه، متسائلًا:
"إيه اللي بيحصل يا صقر؟ شكله مش مرتاح… إنت شايف حاجة؟"

1


صقر هز رأسه ببطء، عيناه لم تفارق بدر:
"شايف… بس متخليش حد يشوف إني منتبه… لازم اللعبة تكمل على طبيعتها، لازم أشوف رد فعله الحقيقي."

+


ضحك يزيد بخفة وقال:
"أنت دايمًا بتلعبها جد… حتى في الحفلة."

+


صقر ابتسم بابتسامة غامضة، ثم أدار نظره نحو ياسمينة التي تحاول التقرب من بدر، وقال:
"دي… اللعبة بدأت… لازم أشوف هو هيستسلم ولا هينسحب… ولا هيعمل حركة غلط و نتفاجئ."

+


وبينما كانت الأنظار مشغولة بعروض الغجر والاحتفال الكبير، ظل صقر مراقبًا، صامتًا، كأنه ظل لا ينفصل عن الحدث، مستمتعًا بكل حركة وكل تفاعل، وفي داخله خطط لما سيحدث لاحقًا، بعينين تلمعان بالحذر والذكاء.

+


صقر اقترب بخفة من يزيد، عينيه تتلألأ بمزيج من الجدية  والحذر:
"بدر ده… مش راجل."

4


يزيد، مذهولًا ومرتبكًا، رد بصوت مرتجف:
"إيه… قصدك إيه؟… مش فاهم… إنت شايف حاجة غلط؟"

1


.....

+



تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close