اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل الخامس عشر 15 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل الخامس عشر 15 بقلم سهي الشريف


15 | القـاضيّ و الجـلاد


                                              
سَأَظَلُّ طُولَ العُمرِ بَابَكَ أَقْرَعُ
يَا خَيْرَ مَنْ ذَا يَسْتَجِيبُ وَ يَسْمَعُ
مَنْ ذَا أُلُوذُ بِهِ سِوَاكَ وَمَنْ أَرَى
مَلْجَاً سِوَاكَ لِلشَّدَائِدِ يَدْفَعُ
كَلَّا وَرَبِّي مَا لِى إِلَهٌ غَيْرُهُ
فَحَنَانُ قَلْبِكَ لا يُضَاهِيهِ مَطْمَعُ

+


- إبراهيم علي بديوي 

+


#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الخامس _عشر
#سهى_الشريف 

+


- صلوا على شفيع الأمة ♡ .

3


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


شعرت "هَـنا" بأنفاسه الساخنة تلهب وجنتها، بينما قبضته القوية تُحكم السيطرة على جسدها المرتجف ، فحاولت التحرك لكنه شدّها بعنف بصوت منخفض غاضب، همس في أذنها:

+


- فاكرة إني معرفش إنك ورا كل حاجة ؟!

+


شهقت بعنف فاتسعتا عيناها وقلبها يكاد يقفز من صدرها، فحاولت أن تتملص لكنه شدّ قبضته على خصرها أكثر بينما ضغط طرف السكين على عنقها.

+


- هسيب علامة... تخليكي تفتكريني طول عمرك!

+


لكن قبل أن يتمكن من تنفيذ تهديده، انطلقت صرخة غضب هادرة:

+


- ابعد عنها يا ابن الـ...

+


و فور أن أكمل الصوت عبارته حتى تلقى "سامي" ضربة قاسية على جانب رأسه، جعلته يترنح للخلف محررًا "هَـنا" من قبضته الحديدية ، ولم تستوعب ما يحدث حتى رأت شقيقها "حسام" يقف أمامها وعيناه مشتعلة بالغضب، بأنفاس ثقيلة وجسده القوي مشدود بعزم قاتل.

+


تراجع"سامي" خطوتين، لكنه سرعان ما استعاد توازنه وقبضته اشتدت حول السكين، نظر لحسام بتحدٍّ ثم بصق جانبًا مرددًا:

+


- إنت متعرفش بتلعب مع ميــ ...

+


لكن لم يكن هناك وقت للكلام ، في لحظة انقضّ "حسام" عليه، وكأن وحشًا بداخله قد انفجر ، فلكماته دفعت "سامي" للخلف بقوة، حتى ارتطم بالحائط لكنه لم يستسلم وحاول طعن "حسام" بتهوّر ، لكن الأخير تفاداه بأعجوبة ثم أمسك بمعصمه بقوة ولي ذراعه حتى سقطت السكين من يده.

+


وبعدها.لم يعد هناك شيء يوقف "حسام".

+


سقط "سامي" أرضًا تحت وطأة قبضاته العنيفة، وأنفاسه تتلاحق، والدم سال من زاوية فمه لكن "حسام" لم يتوقف فعيناه كانتا مشبعتين بالغضب، يديه كأنهما سلاح لا يرحم يستمر في ضربه بقوة حتى بدأ جسد "سامي" يرتخي وكاد أن يفقد وعيه.

+


- حــــســـام!!

+


صرخة "هَـنا" كانت مرتجفة، لكنها قوية بما يكفي لتخترق عاصفة غضبه ، واقتربت منه فأمسكت بذراعه المرتجفة وعيناها تترجاه:

+


- كفاية... متوسخش إيدك بدمه... مش مستاهل ، كفاية عشان خاطري !

+


ظل يلهث لثوان عيناه لا تزالان مصوبتين نحو "سامي" قبل أن يزفر بعنف ويدفعه بعيدًا عنه وكأنه مجرد شيء مقزز لا يستحق اهتمامه.

+



                                      

          

                
اندفع "سامي" على الأرض بالكاد تمكن من رفع جسده الواهن وزحف بعيدًا ثم وقف مترنحًا ناظرًا لـ"حسام" بنظرة امتلأت بالكره ، ترنح بأصبعه السبابه في وعيد ومظهرهُ يوحي بذهاب وعيه سُكرًا و تلك اللكمات زادت حالتهِ سوءًا لكنه فقط استدار وسار ببطء حتى اختفى في ظلام الليل.

+


ظل الصمت يحيط بالمكان للحظات، قبل أن تهمس "هَـنا" بصوت متقطع مُرتجف :

+


- كنت... هتـ قتله!

+


لم يرد"حسام" فقط أخذ نفسًا عميقًا ينظر إلى يديه ثم رفع رأسه ببطء نحو "هَـنا" وعينيه مليئتان بمزيج من الغضب والقلق قائلًا بصوت منخفض لكنه محمل بالحدة:

+


- الحيوان دا كان عاوز منك إيه ؟؟ عملتي إيه في يومك دا ؟!!

+


اتسعت عيناي " هَـنا " بصدمة من حديثه أيشُكُ بها هي ؟! لكنهُ توقف لحظة ثم أكمل بنبرة أكثر قسوة لكن فيها ارتجافة خفية:

+


- كنتِ هتضيعي يا هـنا وأنا كنت هضيع معاكي.

+


نظر إليها للحظات ثم أشاح بوجهه وهو يزفر بغضب مكبوت يحاول التحكم في انفعالاته، قبل أن تجيبه "هَـنا" بحنق وهي تمسح عنقها المرتجف:

+


- هو أنت هتقف تتبجحلي هنا بدل ما تسأل نفسك عامل إيه أنت و أختك اللي جابتلنا مصيبة على دماغنا؟!

+


أستدار لها " حسام " و علت ملامحه تعجُب ثم سألها :

+


- تقصدي إيه ؟

+


- الحيوان إلي أنت ضربته دا يبقى أبو ليلى .

+


الآن فقط ربط "حسام " الخيوط لكنه هتف ببرود مُتعب :

+


- والله المصيبة دي مكنتش هتيجي لو مدخلتيش ليلى بيتنا.

+


تقدمت "هَـنا" نحوه بغضب، تشير بإصبعها نحوه بحدة :

+


- لا ياخويا، المصيبة دي جت لما هددت ليلى ومشيت ورا أختك اللي محدش عارف آخِرة حواراتها دي إيه!

+


ثم توقفت لحظة تلتقط أنفاسها، ثم تابعت بحدة وعيناها تلتمعان بالغضب :

+


- أنا كنت هروح فيها بسببها، ووالله لو شفتها مش سيباها!

+


زفر "حسام " بضيق، يمرر يده في شعره ثم قال بجدية :

+


- على العموم كويس إنها جت على قد كده، روحي البيت دلوقتي.

+


تراجعت "هَـنا " قليلًا لكن لا تزال حانقة :

+


- طب وإنت؟ هتروح فين؟

+


أشاح "حسام" بوجهه ونبرته متوترة لكنها حاسمه :

+


- خليكي يا هَـنا برا الموضوع ده، وياريت تنهي علاقتك بليلى دي.

+


تأملته "هَـنا" بصدمة، تحرك رأسها ببطء لا تصدق ما سمعته للتوّ، وأجابت بنبرة هادئة حادة :

+


- أنت مدرك بتقول إيه؟! بعد ما شفت المريض ده كان مستعد يقـ تلني، أومال هيعمل إيه في بنته؟!

+



        

          

                
تنفس "حسام" ببطء يرد بجفاء :

+


- وأحنا مالنا؟ كنتِ خلفتيها ونسيتيها؟!

1


هتفت "هَـنا" باندفاع ودموع الغضب تترقرق في عينيها :

+


- ده بدل ما نحاول نحميها ونقف جنبها!

+


أجاب "حسام " بغضب مكبوت يحاول ضبط نفسه لكن كلماته تخرج أكثر حدة مما أراد :

+


- وأنا بحاول أحميكي إنتِ يا هـنا، عشان إنتِ اللي فارقة معايا يا متخلفة!

+


ضحكت "هَـنا " بسخرية مريرة تهز رأسها :

+


- ماشي... بس أختك المتخلفة دي مينفعش تشوف حد محتاجها وبيتوجع وما تخففش عنه ! أومال أنا داخلة تمريض ليه ؟! مش عشان أحس بالوجع وأخفف عنه ؟! معلش ده نصيبك... أختك هبلة.

+


تأملها "حسام" للحظات، ثم زفر ووضع يديه على كتفيها بحزم ينظر في عينيها مباشرة :

+


- متقوليش على نفسك كده وارجعي البيت يلا ومتتحركيش تاني خطوة من غير ما تعرفيني، فاهمة؟

+


تمتمت "هَـنا " وعيناها تومضان بتوجس خافت لكنه مستسلم في نفس الوقت :

+


- حاضر ، بس أنت هتعمل إيه أرجوك عرفني ! 

+


- ملكيش دعوة بيا ، تعالي أجيبلك عربية تروحي .

+


ثم أمسك معصمها وسحبها خلفه بتحفز شديد ، و" هَـنا " رغم حنقها وإطمئنانها إلا إنها خائفة عليه وبشدة إن قرر أن يقف في مواجهة " سامي " ، فشخص كمثله لن يهدأ قبل أن يأثر ، ودائمًا ثأر هؤلاء النوع من الأشخاص لا حدود و لا أخلاق به .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كان يقود سيارته بسرعة وكل ذرة في جسده مشدودة وعقله يشتعل بأسئلة لا تهدأ، بينما قبضته المضمومة تلامس شفتيه في توتر، وعيناه تتنقلان بين المرآتين الجانبية والعلوية بثبات ظاهري، لكن داخله كان عاصفة هوجاء تجمعُه بأصوات طرقات ابنته على باب مكتبه قبل عشر دقائق .

+


حينها كان يجلس كعادته خلف مكتبه غارقًا في تقييم الأفكار والمخططات، والهاتف على أذنه يتحدث بجدية لكن صوته انقطع فجأة حين اندفعت "وردة" إلى الداخل، بملامح منهكة وعيناها متورمتان من البكاء الذي لم يهدأ ، وما إن وقعت عيناه على هيئتها حتى أغلق الاتصال بسرعة، وتوجه نحوها بقلق:

+


- ورد؟! مالك بتعيطي ليه؟

+


لم تُجب وهرولت نحوه تطوقه بذراعيها بقوة وشهقاتها تتعالى فتجمد للحظة عاجزًا عن استيعاب ما يحدث ثم علت نبرته بحدة ممزوجة بالخوف:

+


- مالك يا وردة ؟ أتكلمي!

+


ورفعت " وردة " وجهها الغارق بالدموع إليه وملامحها الرقيقة تنطق بالألم:

+


- يـارا يا بابي!

+


جفل قلب "ممدوح" بمجرد سماع الاسم وحدّق في "وردة" بعدم فهم لكنها استرسلت بصوت مختنق:

+



        
          

                
- الـ Driver رجع من شوية... ويـارا مش معاه!

+


اتسعت عيناه بقلق وقبض على كتفيها يسألها بحدة:

+


- آيوه، وأختك فين؟!!

+


- قال... قال إنها نزلت وطلبت منه يمشي... وقالتله إنها هتيجي لوحدها... وعدت ساعة ومجتش!

+


ثم انفجرت في نوبة بكاء جديدة، بينما كان "ممدوح" يشعر بأن الدماء انسحبت من وجهه ، شيء ما في داخله بدأ ينهار وفكرة أن مكروهًا قد أصاب ابنته الكبرى بل مُدللته الأولى إن صح التعبير كانت تفوق احتماله .

+


صحيح أنه رُزق بثلاث فتيات وكنّ جميعًا زهوره التي يفخر بها أمام الجميع، لكن "يـارا" كانت أولى تلك الزهرات وأقربهن إلى قلبه، شغلته عن الجميع لسنوات حتى لحقت بها شقيقاتها.

+


فكرة أن تُقتلع تلك الزهرة الأولى،
أن تضيع منه، 
لم تكن ضمن حساباته.

+


لم يحتج إلى التفكير وتحرك فورًا متجهًا إلى الخارج بخطوات متسارعة ولحقت به "وردة" بلهفة .

+


فكان صامتًا، متجمد الملامح لكن داخله يضج بالفوضى ، آخر ما سمعه قبل أن يستقل سيارته هو صوت "وردة" وهي تهمس برجاء:

+


- متزعلش يـارا يا بابي... please.

+


لم يُجب و انطلق بسيارته نحو المجهول، أخرج هاتفه واتصل بالسائق:

+


- قولي، سيبت يـارا فين؟ عاوز أعرف كل حاجة!

+


بدأ السائق يشرح التفاصيل و"ممدوح" يقود وفقًا لما يسمعه يبحث بعينيه في كل مكان، يلتفت يمنةً ويسرةً علهُ يراها هنا أو هناك.

+


الدقيقة تلتهم الأخرى، والوقت يمضي بلا رحمة ، وفقًا لتقديراته فقد مر أكثر من ساعة ونصف وهي لا تزال في الخارج.

+


الساعة تقترب من منتصف الليل... أين يمكن أن تكون؟
أين يبحث؟
من يسأل؟
ما الذي عليه فعله الآن؟

+


وكما يلتهم الليل ساعاته الثقيلة، بدأت الذكريات تنهش ضميره، تُحييه من سباته، تعيده إلى تلك الليلة الخانقة المشابهة لهذا الليل الكئيب ، إلى تلك اللحظات التي وقفت فيها "مريهان" أمامه بعد أن فعل ما فعل بإبنته...

+


- قومي يا حبيبتي، قوميها يا وردة براحه و أطلعوا برا !

+


هتفت " مريهان " لوردة لتساند " يـارا" من فوق الأرض بعد صفعتها، فالتفت "ممدوح" نحو "وردة" وعينيه مليئة بالدهشة كما لو كان يتساءل عن الطريقة التي كان يمكن أن تراه فيها، أو عن مدى تأثير أفعاله على عائلته.

+


خرجت " وردة " تُساند شقيقتها ، فـ ألتفتت " مريهان " له ، وكان غارقًا في صمته المطبق، عقله مشوش بين خيبة أمله في "يـارا" وبين مشاعر الخوف من العواقب التي قد يواجهها. 

+


لم يكن يتخيل أن الأمور ستصل إلى هذه النقطة ،يحاول أن يلتقط أنفاسه بعد تلك الصفعة التي كانت له أكثر من مجرد صفعة .

+



        
          

                
انكسر صمته أخيرًا بصوت متردد وعيونه مليئة بالندم: 

+


- أنا مكنتش... مكنتش أقصد ده.

+


لكن كلمات "ممدوح" لم تجد صدى في قلبها، بل كانت بمثابة محاولات فاشلة للتهدئة بعد ما حدث ، اما " مريهان" بعينين مليئتين بالغضب، وصوت يرتجف من شدة الانفعال قالت : 

+


- مفـيش حـاجـة اسمـها مـكنـتش أقـصد، لـو كـنت بتـحبـها كنـت فـكرت فـي حـاجـة تـانـية غـير ضـربها وتهـديـدهـا.

+


صمت "ممدوح" وقد انتابت قلبه مشاعر متناقضة بين الغضب من تهديدات زوجته وبين شعور عميق بالندم على ما فعله ، ولكن لم يكن له خيار سوى الدفاع عن نفسه، فحاول أن يُهدئ الوضع بصوت خافت لكنه كان مليئًا بالتوتر :

+


- أنا مش هسمح لحد يضغط عليا في بيتي! دي قراراتي وأنا المسؤول.

+


قاطعته "مريهان" بحسم وقد وصلت لذروتها منه :

+


- لو فكـرت تـكمـل فـي طـريقـك ده فـأنت هـتدمر العـيلة دي بإيـدك ، وساعتها هتبقى آخر مرة تشوف فيها بناتك في حياتك عشان أنا مش هسكتلك من النهاردة و رايح .

+


تأملته"مريهان" بنظرة جادة وتابعت بصوت عميق :

+


- لو فاكـر إنك هتـقدر تتحكم فينا بالفلوس والقوة، فأنت غلطان ! عشان أنا مفيش حاجة عندي أغلى من حياة بناتي، ولا الفلوس هتعوضنا عن راحة البال ، بس مش مشكلة هيجي يوم وهتفهم كده ، وأدعي ميكونش متأخر .

+


ثم ألتفت لتخرج من المكتب، أما "ممدوح" وقف في مكانه وأخذ نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على مشاعره.

+


عاد " ممدوح " من ذكرياته ، طرق على مقود السيارة بعُنف ، عاجز، يائس وربما .. نادم لكن قبل أن يغوص في دائرة المشاعر وصله إتصال على هاتفه .

+


- آلو ..

+


أجابه الطرف الآخر ، واستمع " ممدوح " لتتابع كلماته وفجأة توقف في منتصف الطريق بصدمة وهو يهتف :

+


- طب لو سمحت أبعتلي الـ location حالًا على نفس الرقم .

+


ثم أدار المقود بقوة وغير إتجاه سيارته للطريق المُعاكس. 

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


ساد الصمت في الغرفة للحظات بعد كلمات "ميرال" والنظرات تباينت بين القلق والتوجس لكن "ريان" لم يترك المجال للصمت ليخنق الموقف أكثر.

+


- ميرال... هل تذكرتِ ذلك للتو؟ هل تستطيعين تذكر هوية الأشخاص وما يقولونه لكِ؟

+


بدت "ميرال" وكأنها لم تسمع ونظراتها لا تزال معلقة بـ"صفاء"لكن حين أعاد "ريان" عليها السؤال طرفت عيناها ببطء وأجابت بصوت مهتز تحاول التمسك بيقين هشّ :

+


- أنا... أنا لا أعلم...

+


رفعت عينيها إلى "ريان" تطلب منه تفسيرًا لشيء لا تستطيع فهمه ، لكن "مدحت" الذي كان يراقب التفاعل بينهما أدرك ما يحاول "ريان" الوصول إليه، فتدخل بصوت متزن يحمل اهتمامًا بتحليل استجابتها العصبية والنفسية:

+



        
          

                
- ميرال عندما سمعتِ هذه الكلمات... هل كان الصوت واضحًا؟ طبيعيًا؟ أم أنكِ شعرتِ بشيء غريب؟

+


بدا وكأن عقلها يعالج السؤال للحظة، ثم حركت رأسها قليلًا وهمست بتردد:

+


- لا... كان... كان حقيقيًا... لكن...

+


أغمضت عينيها بقوة للحظة ثم أخذت نفسًا عميقًا وبدأت تسحب نفسها بعيدًا عن "ريان" ببطء فشعر بارتخاء قبضتها يراقبها بصمت، بينما تبادل نظرة سريعة مع "مدحت" .

+


ثبت نظراته يراقب كيف بدأت تنكمش على نفسها مجددًا كأن عقلها بدأ يشك في كل شيء حوله حتى في ما قالته بنفسها قبل لحظات ، فأراد أن يمنحها بعض الثقة فهتف بتشجيع:

+


- إذا كنتِ متأكدة مما سمعتيه، أو تشكين بأحدهم فقط أشيري عليه إن كان موجودًا بيننا ، ثقي بنفسك وتحدثي عما تتذكرينه.

+


ساد الصمت في الغرفة مرة أخرى والجميع يترقب، بينما انتفضت "صفاء" داخليًا تلعن نفسها مرارًا فلم تأتِ إلى هنا إلا لتشهد انهيار "ميرال" لكنها لم تتوقع أن تكون هي من يسقط في مأزق خطير.

+


أما "ميرال" فكانت تجوب بصرها في الوجوه، تحدق في بعضها مطولًا وتتجاوزه سريعًا في أحيان أخرى لكن بينما كانت تحاول استدعاء الحقيقة اجتاح عقلها دوار مفاجئ يسحب وعيها قسرًا فأمسكت رأسها بقوة وأطلقت أنينًا خافتًا متألمًا.

+


تحركت الممرضات بسرعة نحوها، حاولن إرخاء عضلاتها بينما تقدمت "كوثر" لتُعد حقنة مهدئة لكن جسد "ميرال" الذي بدأ يتكيف مع الأدوية لم يستجب بسهولة هذه المرة رغم الارتخاء الطفيف الذي أصاب أطرافها.

+


أمر "مدحت" بإخراج الجميع من الغرفة، حتى "ريان" الذي أوشك على الإمتثال ، لكن خطواته توقفت عندما شعر بقبضتها تلتف حول معصمه تمنعه وهمست بصوت مرتجف:

+


- أرجوك... أنت لا...

3


تأمل حالتها ثم التفت إلى "مدحت" قبل أن يُعيد نظره إليها ، ثم وضع يده فوق يدها برفق وأزاحها عن معصمه وهو يهمس :

+


- ستكونين بخير لا تقلقي.

+


لكن قبل أن يتحرك، سمع صوتها يتوسل إليه متحشرجًا بألم:

+


- أرجوك لا تذهب... لا تتركني هنا... لا أستطيع...

5


جمدته كلماتها للحظة وصوتها اخترق دفاعاته المهنية ، فالتفت إليها ببطء ونظراته محايدة لكن داخله كان هناك شيء آخر...

+


رأى الدموع التي انحدرت بحرارة على وجنتيها، ولغة جسدها المتحيزة نحوه، الطريقة التي تشبثت به كما لو كان آخر طوق نجاة لها .

+


شعر بيد "مدحت" تُربت على كتفه، ثم همس له الطبيب بصوت هادئ :

+


- خليك معاها لحد ما تهدى ، نص ساعة وراجعلك .

+


أومأ "ريان" دون تعليق، راقب خروج الجميع حتى فرغت الغرفة إلا منهما.

+


اقترب بهدوء وجلس على طرف الفراش، ثم راقب كيف اعتدلت في جلستها بصعوبة ومدت يدها المرتجفة نحوه ببطء، لكنها ترددت للحظة قبل أن تضع يدها فوق يده، ثم جذبتها نحوها برفق ووضعتها في حِجرها فوق الغطاء .

+



        
          

                
لكنه لم يقاوم ولم يتحرك حتى، ولم يُسمع سوى أنفاسها المتقطعة وصوت شهقاتها التي تحاول كتمانها.

+


كان "ريان" يراقبها بصمت بعينين تائهتين بين دموعها المتساقطة على يديها المرتجفة بين كفه ، ولم يكن يدري لماذا لم يستطع تجاهل رجفتها الخفيفة وهي تتمسك به .

+


رفع بصره ببطء يراقب خصلاتها الشقراء المنسدلة وكيف أخفت ملامحها بينما كانت تنخفض برأسها، لكن شيء ما في داخله انكمش وهو يشعر بوجنتها تلامس يده بحرارتهما الممتزجة برطوبة دموعها.

+


حاول أن يبقى في إطار مهنيته؛ أن يُذكر نفسه أنه طبيب وهي مريضة تحتاج إلى مسافة آمنة، لكنه لم يستطع... لم يستطع أن يراها بهذا الضعف دون أن يشعر بانقباض غريب في صدره.

+


تنهد ببطء يُهدئ نفسه قبلها وهمس بصوت خافت دافئ:

+


- أنا هنا، اهدئي... 

+


و هذه هي المرة الأولى التي يُقر بوجوده هو فقط بجانبها ، ولم يكن يعلم إن كان ما قاله وعدًا أم مجرد كلمات قالها ليُطمئنها... 

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


وصلت "هَـنا" إلى الحارة بجسد مُرهق وخطواتها بطيئة، بينما هدوء الليل المريب يزيد إحساسها بالإنهاك حتى صعدت الدرج ببطء.

+


عندما وصلت إلى باب الشقة، لم يكن لديها طاقة حتى لتستجمع أنفاسها قبل أن تدفع الباب بهدوء.

+


كانت "سناء" جالسة في الصالة، عيناها المتعبة رفعتهما إليها فور دخولها و"ليلى" كانت بجانبها، تضع رأسها بين كفيها، لكن ما إن انتبهت لوجود "هَـنا"حتى وقفت بسرعة.

+


- هَـنا! انتِ فين كل ده ؟!

+


لم ترد "هَـنا" فقط أغلقت الباب خلفها، خلعت حجابها بحركة بطيئة، ثم مررت يدها على وجهها بتعب فنهضت "سناء" بخوف وهي تقترب منها:

+


- مالك يا بنتي؟ وشك متغير! حصلك إيه؟

+


لكن "هَـنا" اكتفت بالنظر إليها نظرة مطمئنة واهنة، ثم تمتمت بصوت بالكاد يُسمع:

+


- تعبانة يا ماما، هدخل أنام شوية.

+


حاولت "سناء" أن تمسك يدها، لكنها انسحبت منها برفق وواصلت السير باتجاه غرفتها.

+


- هَـنا، استني !

+


صوت "ليلى" كان قلقًا فتوقفت "هَـنا" لثوان رغم فقدانها لطاقة الحديث ثم هزت رأسها برفق وقالت :

+


- بكره يا ليلى لو سمحتي .

+


ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب بهدوء تاركة وراءها نظرات والدتها و"ليلى" المشحونة بالقلق والتساؤلات.

+


أما في الداخل فاستندت للحظة على الباب، أغلقت عينيها وهي تأخذ نفسًا عميقًا محاولة استجماع شتات روحها ثم اتجهت إلى السرير ببطء لتترك نفسها تسقط فوقه بإرهاق شديد.

+



        
          

                
───────────────── ˖.˚⋆ .

+


أوقف "ممدوح" سيارته أمام الڤيلا بسرعة، ثم ترجل منها بخطوات واسعة ،جسد مشدود، وأعصابه كالأوتار على وشك الانفجار ، اقترب من البوابة بخطوات سريعة وعيناه تجولان في المكان بقلق حتى استوقفه أحد أفراد الأمن:

+


- انت مين يا فندم؟

+


لم يكن في حالة تسمح له بالصبر أو المجاملات، فرد بصوت منخفض لكنه نافذ، يُخفي وراءه بركانًا :

+


- أنا ممدوح الشافعي... قالولي بنتي يـارا هنا.

+


تغيرت ملامح رجل الأمن فورًا وأشار له باللحاق به:

+


- أيوه يا فندم، اتفضل معايا.

+


تحرك "ممدوح" خلفه، ونظر إلى الرجل وسأله بنبرة حادة تكشف قلقه:

+


- إيه اللي حصل؟ بنتي لاقتوها فين؟

+


تنهد رجل الأمن وهو يسير بجواره:

+


- لقيناها واقعة على طرف الطريق قدام الڤيلا، كانت تعبانه جدًا حاولنا نكلمها بس مكنتش بترد ولا حتى قادرة تتكلم... قعدنا نسألها بتعملي إيه هنا وبنت مين، لكن مكنتش بترد نهائي ، اضطرينا نجيبها جوه عشان نفوقها، وشربناها شوية مية، وبعدها لما هديت شوية قالت إنها من عيلة الشافعي، وطلعت بالعافية رقم حضرتك من موبايلها.

+


ظل "ممدوح" صامتًا وهو يستمع بوجهه مُتجمد وعينان مُسمرة للأمام، وقلب يدق بعنف اكتفى من سماع المزيد، أراد فقط أن يراها...

+


وصل إلى غرفة الأمن التابعة للڤيلا، فتح الباب بسرعة ونظر داخلها، فوجد "يـارا" تجلس على أحد الكراسي، رأسها منحني للأسفل وذراعاها ملتفان حول نفسها.

+


- يـارا!

+


نطق باسمها بصوت خرج مزيجًا من الفزع والارتياح، واقترب منها بسرعة جاثيًا على ركبتيه أمامها يمد يده ليرفع وجهها برفق.

+


رفعت "يـارا" عينيها المتعبة، نظرت إليه بنظرة مشتتة دون النبس بحرف او البكاء، فقط مالت برأسها على كتفه في إنهاك، فمد ذراعيه وأحاطها بحنان نادر، نادر جدًا بالنسبة لـ"ممدوح الشافعي" لكنه لم يهتم بأي شيء الآن سوى أنها بأمان.

+


- يـارا، يـارا حبيبتي، إنتِ كويسة؟

+


فقط أغمضت عينيها، وكأنها وجدت أخيرًا ملاذها وهو كان نفسه من أدخلها في تلك الحالة .

+


عجيبه هي علاقة الأب بأبنائه .

+


لم ينتظر أكثر وحملها بين ذراعيه بحذر، وخرج بها من الغرفة وسط نظرات أفراد الأمن الذين تابعوه بصمت وحين وصل إلى سيارته فتح الباب الخلفي ووضعها برفق، ثم غطّاها بمعطفه .

+


التفت إلى رجل الأمن وهز رأسه شاكرًا، ثم قال بصوت ثابت لكنه يحمل امتنانًا حقيقيًا:

+


- شكرًا، شكرًا على اللي عملتوه.

+



        
          

                
هز الرجل رأسه باحترام:

+


- الحمدلله إننا قدرنا نساعد، المهم إنها تكون بخير.

+


أغلق "ممدوح" باب السيارة و استدار بسرعة، وركب في المقعد الأمامي يأخذ نفسًا عميقًا، ثم نظر في المرآة الخلفية ليرى "يـارا" مستلقية، وجهها الشاحب نصف مختفٍ تحت المعطف.

+


شعر لأول مرة منذ ساعات بأن جزءًا صغيرًا من التوتر انزاح، فأدار المحرك وانطلق بها نحو المنزل.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


عاد "ريان" إلى منزله في وقت متأخر من الليل بخطوات ثقيلة، وكل عضلة في جسده تصرخ تعبًا لكن عقله لم يكن أقل إنهاكًا ، كان يشعر وكأنه قد استنزف تمامًا، وكأن كل المشاعر التي حاول أن يكبتها طوال الليلة قد تركت أثرها عليه.

+


فتح باب الشقة محاولًا ألا يُصدر أي صوت قد يوقظ عائلته ، فوجد الأضواء كانت مطفأة، والبيت غارق في السكون.

+


توجه مباشرة إلى غرفته خلع عنه معطفه الثقيل، ثم دلف دورة المياه ووقف تحت الماء البارد قليلًا ويحاول أن يُطفئ ذلك اللهيب الداخلي الذي أشعلته كلمات "ميرال" وارتجافتها بين يديه، ثم خرج بعد أن توضأ.

+


ما إن خرج حتى سمع صوت آذان الفجر يتردد في الأجواء، رغم جسده المنهك قاوم رغبته في السقوط على الفراش، وبدلًا من ذلك تحرك بخطوات هادئة نحو غرفة "ريم".

+


دفع الباب برفق ثم اقترب من فراش "ريم"، ناداها بصوت خافت لكنه ثابت:

+


- ريم، قومي لصلاة الفجر.

1


تحركت قليلًا متمتمه بكلمات غير مفهومة، لكنه لم يستسلم ومسح على رأسها بحنان كما اعتاد أن يفعل، مما جعلها تفتح عينيها أخيرًا وتنظر إليه بنعاس، فكرر عبارته مرة آخرى ثم نقل بصره لأبنائها الذين بدأوا يتمللون في نومهم فابتسم بهدوء ثم خرج .

+


انتقل إلى غرفة "ميار" و التي كانت أكثر استجابة، فتحت عينيها فورًا حين شعرت بوجوده، ثم جلست وهي تفرك وجهها بتعب، لكنه ابتسم لها قائلاً:

+


- يلا يا ميار، الفجر يا حبيبتي. 

1


أومأت برأسها وهي تتثاءب ثم نهضت ببطء.

+


و حين خرج من الغرفة ليجد والده "علي" قد استيقظ أيضًا، جالسا في الصالة ليرفع عينيه نحو "ريان" عندما رآه ثم سأله بهدوء:

+


- جيت إمتى؟

+


تردد "ريان" للحظة، لكنه أجاب بصوت منخفض:

+


- لسه من نص ساعة.

+


ضاقت عينا "علي" قليلاً وهو يتأمل ملامحه، لاحظ الإرهاق العميق في وجهه، والهالات الداكنة تحت عينيه، فتقدم نحوه وضع يده على كتفه ومسح عليه بحنان قائلاً:

+


- ربنا يقويك يا بني، ويعينك على شغلك ، انت بتعمل خير، وربنا مش هيضيع تعبك.

+


شعر "ريان" بدفء الكلمات في قلبه، لطالما كان والده مصدر قوته وسنده الأول، لم يكن رجلاً كثير الكلام، لكنه كان يعرف دائمًا كيف يختار الكلمات التي تخفف الحمل عن قلبه.

+



        
          

                
ظل "ريان" صامتًا ودون أن يدرك تمامًا لماذا اقترب من والده وطبع قبلة طويلة على رأسه، فأحس "علي" بشيء مختلف هذه المرة كأن هناك ثقلًا خفيًا يحمله ولده لم يقل شيئًا، فرفع يده إلى رأس ابنه وقبّله هو الآخر بحنان أبوي خالص، ثم تمتم بصوت هادئ:

+


- ربنا يحفظك يا بني، و يريح قلبك.

+


أغمض "ريان" عينيه للحظة، ثم تنهد بهدوء وهتف لوالده :

+


- هنزل أنا يا بابا الجامع.

+


- طيب يا ريان ، أنا جاي وراك. 

+


ثم أومأ له " ريان " رأسه و تقدم تجاه الباب و فتحه ثم خرج .

+


حينما أغلق الباب و ألتفت وجد عمه " أحمد " و ولده البِكر " عابد " يهبطان من أعلى للذهاب للمسجد ، تبادلوا السلامات ثم تسائل " ريان " :

+


- أومال يوسف و يحيى فين ؟

+


أجابه " عابد " و هم يهبطون درجات السُلم:

+


- يحيى فوق بيصحي يوسف ، غُلبنا نصحيه .

+


توقفت خطوات " ريان " وألتفت لهُم ثم تسائل بتعجُب:

+


- يعني هما لسه فوق ؟!!

+


أومأ لهُ " عابد " برأسه ، فهتف " ريان " قائلًا :

+


- طب أنزلوا و أنا هطلعله. 

+


وما إن أنهى عبارته، حتى ارتقى "ريان" درجات السُلم سريعًا متجهًا إلى شقة عمه "أحمد"، وحين وصل طرق الباب بخفة بدلًا من استخدام الجرس ، فلم يطُل انتظاره إذ فتحت له زوجة عمه "هند"، فغضّ بصره على الفور واستأذن بلباقة، إذ يعلم جيدًا أن زوجة العم أو الخال ليستا من محارمه، فلا يجوز له مصافحتهما أو الخلوة بهما.

+


- هدخل ليوسف يا عمتي أصحيه لو لسه مصحاش.

+


- آيوه طبعًا يا إبني اتفضل.

+


أفسحت له المجال، فدلف إلى الداخل متجهًا مباشرة نحو الغرفة التي يعلم بوجود "يوسف" فيها.

+


فور أن دخل وجد شقيقه الأصغر "يحيى" جالسًا على طرف الفراش، بينما كان "يوسف" غارقًا في نوم ثقيل كأنما أصابه الإعياء فألقى "ريان" التحية وجلس على طرف فراشه ثم بدأ يناديه بصوت هادئ:

+


- يوسف! يوسف قوم لصلاة الفجر، الفجر أذّن من بدري قوم عشان تلحقه.

+


لكن "يوسف" لم يُبدِ أي استجابة تُذكر، ما جعل "ريان" يوجه بصره نحو "يحيى" متسائلًا:

+


- هو نايم إمتى؟

+


- راجع الساعة ٢ بالليل.

+


زمّ "ريان" شفتيه في صمت ثم أشار ليحيى قائلًا:

+


- طب قوم كده قعدني جمبه.

+


نهض "يحيى"، فجلس "ريان" بالقرب من رأس "يوسف" وبدأ يناديه برفق يردد اسمه بصوت دافئ حتى تململ الأخير قليلًا، فشرع "ريان" في مداعبة خصلاته السوداء الطويلة، محاولًا استمالة قلبه للقيام:

+



        
          

                
- إنت عاوز الملائكة لما تطلع تقول تقريرها لربنا تقول إنها ماشافتش يوسف في صلاة الفجر؟

+


لم يبدُ أن "يوسف" استوعب الكلمات جيدًا، لكن جسده تحرك قليلًا ما شجع "ريان" على الاسترسال:

+


- مش أعمالنا بتتعرض على ربنا كل يوم مرتين؟ مرة في صلاة العصر، ومرة في صلاة الفجر؟

+


همهم "يوسف" بصوت ناعس، فتابع "ريان" حديثه:

+


- لما تطلع ملائكة الفجر لربنا ويسألهم، وهو أعلم، كيف تركتم عبادي؟ فتقول: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون! يعني شرف كبير إن يكون تقريرك عند ربنا كده!

+


حينها فتح "يوسف" عينيه بصعوبة، مستمعًا رغم إرهاقه ليجد "ريان" يميل نحوه وهو يواصل الحديث بذات النبرة العميقة: 

+


- ورد فيه حديث مشهور عن حبيبي و حبيبك النبي ﷺ قال : من سرهُ أن ينظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى غدا، فليحافظ على صلاة قبل طلوع الشمس" يعني صلاة الفجر والعصر! مش عاوز تشوف ربنا ولا إيه؟ 

1


هتف "يوسف" بصوت مُثقل بالنعاس: 

+


- لا، عاوز أشوفه طبعًا. 

+


- طيب يلا قوم يا حبيب أخوك عشان الفجر، كلنا مستنينك. 

+


على إثر كلماته المشجعة، تحامل "يوسف" على نفسه وبدأ بالنهوض، فالتفت "ريان" إلى "يحيى" وقال بابتسامة هادئة: 

+


- انزل إنت يا يحيى، وإحنا هنحصلك أهو. 

+


أومأ له "يحيى" ممتثلًا وخرج متجهًا إلى المسجد، بينما بقي "يوسف" جالسًا على الفراش يحاول استجماع طاقته ، فالتفت إليه "ريان" بلهجة مرحة قائلًا: 

+


- ما تقوم يا أخويا، عاوز أصلي بالناس النهاردة أنا. 

+


ابتسم "يوسف" في كسل قبل أن ينهض قائلًا: 

+


- حاضر يا شيخنا. 

+


لم يعلق "ريان" بل اكتفى بابتسامة خفيفة، ثم خرج ينتظره خارج المنزل وما إن أنهى "يوسف" وضوءه، حتى أمسك "ريان" بيده وانطلقا معًا إلى المسجد ، كان من حسن حظهما أنهما وصلا في الوقت المناسب، فتقدم "ريان" الصفوف عازمًا على الإمامة، لكنه تراجع فور أن وجد والده قد سبقه احترامًا له. 

+


───────────────── ˖.˚⋆ . 

+


ارتفعت شمس نهار جديد، ليتسلل ضوؤها لعتمات النفوس قبل أزقة الليل.

+


هبط " آسر " من سيارته و اتجه لباحة المدرسة ، عازمًا على أخذ شريط تسجيل للكاميرا ، فتقدم نحو المبنى ليُلقي التحية على المديرة أولًا وارتسمت جدية على ملامحه كالعادة بجسده تحفز للمواجهه لكن ذهب كل ذلك أدراج الرياح حين توقفت خطواته فجأة عندما لمحها تقف بعيداً . 

+


تسارعت ضربات قلبه بشكل مُثقل ، لا يُنكر تأثيرها المُميز عليه في كل مرة يُبصرها، لكن كانت لتكون تلك النبضات بريئة لو لم تخلطها نبضات آخرى عنيفة، نبضات تصرخ دفاعاً عما يعود لها ، كانت هُناك يقف أمامها رجلٌ آخر يتبادل معها الحديث . 

+



        
          

                
توقف لبُرهة يتصارع عقله مع قلبه في حوار لطيف ولكن حتى هو لم يعلم من انتصر إذ تقدم لهُم بخطوات حذرة ثابتة . 

+


تخيل جميع الأسباب التي تجعل شخصًا مثلها يتحدث مع رجل آخر وجميعهُم كانت مرفوضة بالنسبة له ، وليس وهو لا يملُك الحق في نَهرِها عن ذلك ، أو المطالبة بمعرفة سبب الحوار ، كلها غممات أعمت رؤيته وهو يتقدم تجاههم، جاهل ردة فعله فقط يود الوقوف أمامها و إثبات نفسه لها . 

+


ألتفت له حين وجدته اقترب منه ، نظراتها هادئة مُتسائلة ، بينما هو لم يحيد بنظراته عنها بشكل أثار شكوكها، فهتفت بإسمه بإحراج و قلق: 

+


- أهلًا حضرتك ! في مشكلة ؟ مليكة كويسة ؟ 

+


تحكم في نظراته ، انفعالاته ، حتى لهفته عليها لكن ما كان مُستحيلًا عليه ، أن يتحكم في تحفُزات جسده غيرةً عليها ، بالله لإزاحة جبل أهون عليهِ من التوقف عن فعل ذلك . 

+


ألتفت للرجل أمامها بنظرات جامدة ، ليهتف الرجل ويُنهي حضوره على عجل وباحترام انسحب من المواجهة، لم تُعقب " ميار " على ذهابه بل توترت من نظرات ذلك الواقف بمُقاربه منها . 

+


هي لا تتعرض لتلك الأمور عادةً ، تضع مسافة ألفي ميل بينها وبين أي رجُل ، عِفة قلبها لم تأتي بسهولة، و لكن لن يكتسبها سوى من دفع ثمنها كنوزًا . 

+


مازالت تجهل التعامل مع الرجال
نعم تجهل ذلك ؛
لا خبرة لديها ،
لا صداقة قديمة، ولا زملاء عمل ،
فقط والدها وشقيقها ،
دائرة تعارف ضيقة لأبعد حد . 

+


لكن ولأنها فطرة ؛
ستجدها دومًا تبحث في قلوب الناس
عن تؤام هذه الروح . 

+


وقف في مواجهتها، ورغمًا عنهُ ، أرخى ملامحه وهتف بتوضيح : 

+


- آسر .. 

+


ضيقت عيناها وهتفت بخفوت : 

+


- عفوًا ؟ 

+


ابتسم " آسر " بخفة وكرر قائلًا: 

+


- اسمي آسر الرفاعي . 

1


كانت تضم كفيها بخجل أمامها ، ليس لوجوده بل لصفة ملازمه لها عند التعامل مع الآخرين، خاصةً الرجال ، لتهتف بتردد فهي لم تفهم بعد سبب تعريفه : 

+


- أهلًا وسهلًا حضرتك . 

+


سنوات يتخيل هذه المواجهة ،
كم أن لذتها تفوقت كُل ما حلُمَ وتخيّل ،
هي ..تقف أمامه ،
دون حواجز ،
وكأن الزمن توقف في حضورها . 

+


كم هي مُهلكة للقلب، 
مُهلكة للذي عاش عُمره 
يخطو الخطوة تلو الخطوة بتخطيط، 
و لكن عندها ؛
يتلعثم فؤاده 
وتلك البعثرة في وجودها تُصبح أجمل طُمأنينه . 

+


كان يقف بهيّبة و جاذبية لا تُخطئها عين ، وإتزان لا يُنكره عقل ،بدلته قاتمة السواد سوى من شريط ذهبي على امتداد حوافها ، تُقابله هي ببدلة فضفاضه بلون " الهاڤان " و تنوره و خِمار باللون " السُكري" الذي أشرق ملامحها الناعمة ، دون أي اكسسورات أو مستحضرات تجميل . 

+



        
          

                
فاتسعت ابتسامة خفيفه على ملامحه الجذابة وانعكس لمعانُها في عيناه التي شُبعت بلون العسل كما عينا ساكنة الفؤاد ، و هو يُجمع كلماته محاولًا الثبات : 

+


- مليكة بخير الحمد لله ، بس مستنياكِ . 

+


كاد يلفظ بها ، ليس " مليكة " وحدها من تنتظرها ،
فـ آهِ على عِشقٍ عذاب فؤاد ساكنه 
وصب فيه حرمان قُربها حتى تجرع منها كوؤسًا . 

+


ابتسمت " ميار " بخفة فور إنتهاء عبارته الأخيرة ، ونبست بهدوء و رقة : 

+


- حبيبتي هي ، لسه ملكلمتش أخويا ، إن شاء خير ، سلملي علينا كتير . 

1


ابتسم هو إثر ابتسامتها ، فترددت قليلًا ثم هتفت بخجل : 

+


- عن إذن حضرتك دلوقتي ، عندي حصة . 

+


ثم تراجعت للخلف ببطئ مما زاد المسافة - التي لم تكن بـ القليلة بينهم - وِسعًا حتى استدارت و ذهبت من أمامه ، و هو ظل يتأملها حتى أختفت عن بصره ، ليلتفت بهدوء حوله ثم نبس في جوفه : 

+


- أنا كُنت جاي عشان إيه ؟! 

3


و فورًا تذكر سبب قدومه ليتوجه لمكتب المديرة . 

+


───────────────── ˖.˚⋆ . 

+


تمللت " يـارا " في فراشها بإرهاق شديد، وآلام جمة في جسدها تنهض بصعوبة لتجلس على الفراش وهي تُمسك رأسها وجعًا . 

+


ألتفتت حولها وفتحت عيناها بصعوبة لتجد أنها في غُرفتها ، ولم يستغرق منها الأمر سوى ثواني لاسترجاع شريط ما حدث ليلة أمس في لحظات . 

+


اخفضت بصرها لتتأمل يداها المُغلفة بالشاش الطبي عدى أطراف أصابعها تتنفس بهدوء ، وأدركت أنهُ لم يكن كابوسًا ثقيلًا. 

+


ما هي سوى ثوانِ اخفضت فيها أهدابها بأسى، حتى تذكرت لحظات رأت فيها والدها ، سمعت صوته ، شعرت بلمساته ، ثم أخرجت نفسًا عميقًا حوى مشاعر مُتناقضة . 

+


هي لم تكرهه يومًا ،
و لا حتى الآن ،
كل ما في الأمر أنها مجروحه منه ،
جرحه هو إن كان خدشًا ؛ تظن كأنه مزق القلب ،
كلمة ثقيلة منه؛ تُعادل آلاف الكلمات من غيره . 

+


هو القاضي و الجلاد في حكايتها، 
تخشى أن يكون جلادًا لجراحها، 
و تفزع أن يكون القاضي لآمالها، 
و بين ذلك وتلك ،
لا تعلم أيُهما أسوء 
لكن تبقى الهزيمة منهُ .. أقسى أوجاعها . 

+


فتحت عيناها بهدوء حين ألتقطت مسامعها إشعارًا من هاتفها ، مدت يدها للكومود و تناولت الهاتف وفتحته في عبثية تامة ، لتتسع حدقتا عيناها حين لمحت رسالة من أحد برامج التواصل محتواها 

+


" السلام عليكم يا شباب ،إن شاء الله بكرا هنشتغل على البروجيكت في معمل " A3 " الساعة ١٠:٣٠ ، ياريت الكل يكون حاضر على الوقت " 

+


و بتلقائيه رفعت عيناها للساعة لتجدها في تمام العاشرة و النصف صباحًا . 

+


لم تعلم ماذا فعلت ، إذ انتفضت من الفراش تتجه لدوره المياه المُلحقه بغُرفتها لتغتسل على عُجالة ،وبعد عدة دقائق خرجت منه تجاه خزانة ملابسه و أخرجت أول شئ قابلته أمامه ثم أخذت ترتديه . 

+



        
          

                
ارتدت فستانًا قصيرًا باللون " الأخضر-الزيتي" لما بعد الركبة بقليل ، و ذو أكمام قصيرة ، أخفتها بارتداء معطف جلدي أسود فوقه ، وختمت مظهرها بحذاء جلدي طويل العُنق يتجاوز الكاحل بقليل ، بعد أن صففت شعرها لأعلى إلا من خُصلات خفيفه تسللت لوجنتيها. 

+


خرجت من غُرفتها و هبطت درجات السُلم، لتجد الجميع تجمعوا على سُفرة الإفطار . 

+


ألتفت الجميع بتوجس حين التقطوا صوت خطواتها على الدرج ، لتنهض" مريهان " هاتفه بقلق : 

+


- يـارا حبيبي ! بقيتي عامله إيه؟ و رايحه فين دلوقتي ؟ 

+


توقفت " يـارا " أمامهم بملامح جامدة لكن لم تخفى تعبيرات التعب عليها حين أجابت : 

+


- كويسة يا مامي ، عندي project في الكلية لازم ألحقه . 

+


ثم تقدمت تجاه البوابة ، ليقطع خطواتها صوت والدها وهو يهتف بحدة مُغلفه باهتمام : 

+


- طب افطري معانا وهاخدك أوصلك أنا. 

+


ألتفت له " يـارا " وبنظرات مُتصنعه للقوة نبست بصوت حاولت أن لا يكون مُتحشرجًا : 

+


- معنديش وقت لازم أطلع دلوقتي. 

+


ثم ألقت عليه نظره أخيره مليئة بالخذلان واستدارت تتقدم بخطوات سريعة ثابته حتى عبرت البوابة. 

+


ما أن غادرت حتى بعثرت الأجواء بغيابها فجلست " مريهان " وطالعت أمامها بتشتُت وأما "ممدوح" توقف عن تناول طعامه وقبض على كفه بعجز كبير ولم تغيب تلك المشاعر عن نفوس الشقيقتان بل وكل قانطي المنزل . 

+


───────────────── ˖.˚⋆ . 

+


- متتحركش بقا . 

+


- متحركتش صدقيني ! 

+


كان هذا حوارًا بين " وائل " الجالس أمام شقيقته الكُبرى " لُبنى " بصبر، بينما هي تميل برأسها قليلًا، تُركّز على توزيع الكريم العلاجي فوق وجنتيه المُحمّرة بلُطف وعندما انتهت أبعدت يدها وأغلقت الأنبوب ثم رفعت عينيها تتأمله بمرح، قبل أن تقول: 

+


- شكلك funny أوي . 

+


ألتقط " وائل " المرآه منها و تأمل وجنتيه أثناء امتصاص بشرته للمستحضر العلاجي ببطئ ، ليتسائل مُترددًا بقلق : 

+


- هو خف عن إمبارح صح ؟ 

+


أجابته " لُبنى " بهدوء : 

+


- آيوه خف طبعًا، دي كانت خدودك شبه الطمطماية. 

+


قالت عبارتها الأخيرة بسخرية ممزوجه بابتسامة خفيفة تعود لطبعها الجاد على نقيض شقيقها الذي هتف بتسلية : 

+


- لا أوعي تكون مفكرة نفسك دكتورة ولا حاجه ! 

+


- لا أنا مُترجمة عادي ، أي خدمة . 

+


قالتها بفخر وثبات عالي فضحك "وائل"لكنه قبل أن يرد سمعا صوت خطوات تقترب، ليلتفتوا ويروا والدهما يقف عند الباب، يرمقهما بنظرة ساخرة وهو يقول بابتسامة جانبية: 

+



        
          

                
- إيه يا وائل، اتكسفت تاني ولا إيه؟ 

+


ضحكت "لبنى " ضحكة قصيرة بينما "وائل" جمد نظراته عليهما متصنعًا الجدية وهو يرد ببرود: 

+


- ما شاء الله، شايفين صحتّي موضوع كوميدي عندكم! 

+


ضحك والده وربت على كتفه، ثم أشار إليه قائلاً بنبرة عملية: 

+


- لما يخف اللي على وشك، مستنيك في الشركة متتأخرش. 

+


زمّ " وائل " شفتاه بقلة حيلة، بينما تأملته " لُبنى " في صمت بعدها نهضت و قالت قبل أن تُغادر : 

+


- خلي بالك من نفسك و أبعد عن الـ Stress . 

+


ثم حملت حقبيتها و خرجت من غُرفته، ليلتقط هاتفه و يهتف بخفوت : 

+


- فين البت سالي ! هي إلي هتخرجني من الـ Stress . 

2


ثم علت وجهه ابتسامة حين وجد رقمها وقام بطلبه وهو يتأمل مظهره في المرآه . 

+


───────────────── ˖.˚⋆ . 

+


كانت شبه تهرول في ممرات الكلية لتصل لوجهتها ، وبعد ما يزيد عن الخمس دقائق توقفت أمام المعمل المنشود فأخذت أنفاسها المتلاحقة بهدوء ثم طرقت الباب و دلفت . 

+


توقفت الأصوات حينما فتحت الباب وتجلت أمام الحضور ، وبذات الموقف وبنفس العذر تقف أمامه مرة آخرى . 

+


تنهّدت ثم هتفت بارتباك : 

+


- أنا بعتذر جدًا من حضراتكم ، مشفتش الـ messages إمبارح..و .. 

+


- و لا يهمك إتفضلي . 

+


نبس بها " يوسف " بهدوء وملامح مُرتخية ، فطالعته سريعًا ثم تقدمت للداخل وجلست على أول كرسي قابلته ورتبت أغراضها ثم وجهت بصرها نحوه " يوسف " الذي تقدم يتحدث باتزان: 

+


- طيب يا شباب تاني كده ، زي ما قلنا ، إحنا قسمناكم Groupe كل اثنين مع بعض ، بعد كل محاضرة بيبقى في تطبيق عملي للكل بعدها بناخد الـ Notes بتاعتكم ونجمعها ونطورها ، بعدها بنديكم tasks يعلمها كل Groups لوحده وتجولي بعدها بالنتايج إلي وصلتولها عشان نشتغل عليها ونشوف إيه نجحت وإيه إلي لسه ، وهكذا بقا لحد ما نحقق الـ goal ، حد عنده أي سؤال؟! 

+


ومرر بصره على الجميع لكن قابله صمت تام وإماءات بالرفض ، فبلل شفتاه ثم تراجع للوراء خطوة لتهتف زميلته: 

+


- طب كل واحد يقف جمب الـ partner بتاعه. 

+


فالتفت " يـارا " حولها تُبصر الجميع يقترب من شريكه إلا هي تجهل مع من تكون ، فرفعت يدها لتُبصرها « المُعيدة » وتؤمأ لها بالحديث لتتسائل " يـارا " : 

+


- حضرتك أنا معرفش أنا مع مين ! 

+


- إسمك إيه ؟ 

+


- يـارا الشافعي . 

+


طالعت « المُعيدة » كشف الأسماء ثم رفعت رأسها و هتفت قائله : 

+


- إنتِ مع حبيبة النجار . 

+



        
          

                
زمت " يـارا " شفتاها بجهل حتى سمعت صوتًا ناعمًا بقُربها وفتاة تقف عن يمينها، تأملت" يـارا " سريعًا مظهرها ، فكانت ترتدي ملابس فِضفاضه وحجاب شرعي « خِمار » ، وابتسامة خفيفه تُزين وجهها المليح قالت تمد يدها : 

+


- أنا حبيبة ، إنتِ يـارا صح ؟ 

+


وقفت " يـارا " أمامها ابسمت ابتسامة ضيقه لكنها لم تستطع أن تُبادلها السلام فقط أشارت ليدها المُغلفة بالشاش الطبي ، فسحبت " حبيبة " يدها بإدراك ثم هتفت بخفوت : 

+


- بعتذر ، ألف سلامة. 

+


أومأت لها " يـارا " بخفوت ثم جلست على مقعدها فاقتربت " حبيبة " وجلست على الكرسي بجانبها و قامت « المُعيدة » و وضعت أمامهم عينة صغيرة من نسيج ورقي لنبتة برية مقاومة للجفاف و أنبوب اختبار و جهاز استخلاص الـ DNA. 

+


كلها أدوات تعرفها الفتاتان، فهذا تخصصهم في الهندسة الوراثية لثلاث سنوات، مدت " حبيبة " يدها لتضع العينة بداخل أنبوب الأختبار لكن المشكلة الأولى كانت في يداي " يـارا " التي لا تستطيع المُساعدة بشئ ، فقط اكتفت بمراقبة زميلتها بصمت . 

+


من ثم وجدت " يوسف " يقترب منهم و وقف أمام الجهاز ، و ما أن أقترب حتى شاهد خطوات " حبيبة " باستخدام العينة ، فاقترب هو الجهاز ليقوم بظبط إعدادته و الذي كان دور " يـارا " حينها ليهتف قائلًا و هو ينظر للجهاز: 

+


- لو حضرتك تعبانه و مش هتعرفي تشتغلي ممكن كُنتِ متجيش . 

+


أنتبهت " يـارا " على عبارته ثم ألتفت ليدها تتأملها قليلًا لترفع بصرها له قائلة : 

+


- مكنش ينفع أفوت أول معمل، الـ Project دا مهم ليا . 

+


لم يرد فقط كان مُركزًا على الجهاز أمامه فظنت أنه لم يسمع حتى وجدته يقول بعد أن أنهى عمله و رفع عيناه لها بنظرة جادة مُستندًا على رخام المعمل : 

+


- بس الشغل كله عملي هتشتغلي إيه دلوقتي؟ 

+


كانت نظرة جادة ينتظر وراءها إجابة منطقية و هذا ما شعرت به " يـارا " سريعًا ، فالتفت لحبيبة ثم عادت ببصرها له و قالت باتزان : 

+


- هشتغل بإلي أقدر عليه يا دكتور ، و هي جروح خفيفة وهرجع أطبق معاكم إن شاء الله. 

+


- تمام ، ألف سلامة. 

+


ثم سار مُبتعدًا دون حتى إنتظار رد ، بينما " يـارا " لم يكُن يُهمها عبارته الأخيرة فقط تجاهلتها ببساطة ونهضت تتفحص الجهاز عن قُرب . 

+


كان "يوسف" قد عاد لمراقبة باقي المجموعات، لكن بعد مرور دقائق، لاحظ أن "يـارا" ورغم إصرارها، لم تستطع تنفيذ الجزء العملي من التجربة كما ينبغي ، كانت "حبيبة" تحاول مساعدتها، لكن هناك خطوات تتطلب استخدام كلتا اليدين، وهو ما جعل "يـارا" تضغط شفتيها بانزعاج واضح. 

+



        
          

                
سار "يوسف" نحو طاولتهما، متجاهلًا نظرة "يـارا" التي انزلقت إليه فور اقترابه ، وقف بجانبها يلقي نظرة سريعة على العينة والجهاز، ثم قال بنبرة هادئة لكن حاسمة: 

+


- طيب، أنا هساعدكوا في الجزء دا عشان الوقت و .. يـارا، إنتِ هتمسكي الـ Notes وتسجلي الملاحظات. 

+


رفعت حاجبها بخفة وهي تطويه ببطء، كأنها تزن كلماته ،  للحظة.بدا وكأنه يضعها في دور ثانوي، مما أزعجها لكنها أدركت أن هذا الحل الوحيد حاليًا ، ورغم أنه لم يعرض عليها المساعدة مباشرة، لكنها شعرت وكأن قراره نوع من الاعتراف بقدرتها على المتابعة حتى لو لم يكن بإمكانها المشاركة يدويًا. 

+


بعدما بدأ "يوسف" في تنفيذ الخطوات بجانب "حبيبة"، و"يـارا" تتابع بصمت، وعقلها يعمل بسرعة . 

+


على الرغم من أنها لم تستطع المشاركة عمليًا، إلا أنها وجدت نفسها تنخرط أكثر في التفاصيل، تُدون الملاحظات، تطرح أسئلة بين الحين والآخر، بل وتصوّب بعض التفاصيل التقنية، مما جعل "يوسف" يرفع عينيه نحوها أحيانًا بابتسامة خاطفة يعترف ضمنيًا بتركيزها الجيد. 

+


في لحظة ما لاحظت "حبيبة" ذلك، فابتسمت لنفسها وقالت ممازحة: 

+


- شكلنا كده هنبقى أحسن Group، دكتور "يوسف" بنفسه بيشتغل معانا. 

+


رفع "يوسف" حاجبيه قليلًا، وكأنّه تفاجأ بالمزحة لكنه اكتفى بابتسامة جانبية خفيفة قبل أن يرد بهدوء: 

+


- فرصة تشوفوا التجربة بشكل عملي صح. 

+


أما "يـارا" اكتفت بنظرة جانبية نحوه، قبل أن ينحني "يوسف" قليلًا نحو المجهر وضبط الإعدادات ثم مدّ لها الورقة قائلًا بنبرة هادئة: 

+


- اكتبي القراءات دي، عشان لو نسينا أي رقم

+


مدّت "يـارا" يدها تلقائيًا لتأخذ الورقة، لكن قبل أن تُمسكها، انزلقت من يده وسقطت على سطح الطاولة ، رفعت حاجبها ببطء ونظرت له نظرة جانبية كأنها تزن تصرفه، بينما هو ألقى نظرة سريعة على يدها المصابة، ثم التقط الورقة مجددًا ووضعها مباشرة أمامها دون تعليق

+


أمسكت "يـارا" الورقة، وبدأت في تسجيل الأرقام التي كان يُمليها عليها بينما ينظر إلى المجهر ، وتركز على الكتابة تحاول أن تتجاهل أي إحساس بالتهميش، لكنها لم تستطع منع نفسها من الشعور ببعض الضيق. 

+


صحيح أنها لا تستطيع استخدام يديها كما يجب، لكنها لم تحب فكرة أن تكون مجرد مدونة ملاحظات. 

+


وهو على الجانب الآخر لم يكن ينظر للأمر بنفس الطريقة، بل كان يرى أنه الحل العملي الوحيد ، في النهاية المشروع يحتاج لعمل دقيق وهي لن تتمكن من أداء المهام كما ينبغي الآن. 

+


أنهى ضبط الجهاز ثم رفع رأسه قليلًا وألقى نظرة سريعة على "يـارا" ليتأكد أنها تتابع و لاحظ أنها توقفت للحظة عن الكتابة.

+



        
          

                
- تمام، شغل ممتاز.. بس إتأكدي من رقم ده ، شوفي الـ reading تاني. 

+


رفعت "يـارا" حاجبها ببطء، ونظرت إلى الرقم ثم عادت لجهاز القياس، لتكتشف فعلًا أنها أخطأت في إحدى القيم ، شعرت بتيار خفيف من الإحراج لكنها لم تكن من النوع الذي يُعاند لمجرد العناد، فعدّلت الرقم بصمت. 

+


بينما لم يُعلّق أكثر من ذلك، فقط حرك رأسه بإيماءة صغيرة ،يستقيم وهو يلقي نظرة عامة على باقي المجموعات. 

+


مرّت بضع دقائق وبدأ الطلاب في إنهاء تجاربهم، وبينما كانت "حبيبة" توضّب الأدوات، نظرت إلى "يـارا" وقالت بخفوت: 

+


- شكلك كنتِ عايزة تشتغلي بيدك أكتر، صح؟ 

+


رفعت "يـارا" عينيها نحوها، ثم زفرت بهدوء وقالت: 

+


- مبحبش أحس إني مش مفيدة. 

+


أجابت "حبيبة " و ابتسمت قليلًا وكأنها تفهم : 

+


- مش مشكلة هتبقى كويسة الجاية إن شاء الله ألف سلامة عليكِ 

+


اكتفت " يـارا " بابتسامة قصيرة ثم أكملت ترتيب أدواتها. 

+


في تلك اللحظة عاد "يوسف" باتجاه الطاولة، وتوقف للحظة وهو يراقب التجربة المكتملة أمامهم، ثم قال : 

+


- بما إنكِ مش حابة تكوني متفرجة بس، ممكن تشتغلي على تحليل النتائج وإعداد التقرير النهائي هيكون دورك أساسي فيه. 

+


نظرت له "يـارا" لثانية، لم تكن تتوقع منه أن يلاحظ أو حتى يعرض عليها دورًا مختلفًا، لكنها استدركت سريعًا وردّت بنبرة محايدة: 

+


- مفيش مشكلة، هشتغل عليه يا دكتور . 

+


أومأ "يوسف" بإيجاز، ثم انتقل لطاولة أخرى دون أن يضيف شيئًا. 

+


أما "يـارا"فبقيت تراقب ظهره للحظة، قبل أن تُغلق دفتر ملاحظاتها بهدوء، هذه المرة بشعور أقل إحباطًا

+


───────────────── ˖.˚⋆ . 

+


جلست "ليلى" في المطعم، تنتظر طلبات الطعام تتجهز وكانت تتأمل أمامها دون تركيز، أفكارها مشوشة، وعقلها يستعيد تفاصيل الصباح... 

+


استيقظت على ضوء الشمس المتسلل من النافذة، مدت يدها بتكاسل باحثة عن الغطاء لتسحبه عليها، لكنها توقفت فجأة حين لمحت الفراش المُقابل لها ... كان فارغًا. 

+


اعتدلت بسرعة، قلبها تسارع، نظرت حولها... "هَـنا " لم تكن هُنا. 

+


نهضت وخرجت من الغرفة بسرعة بخطوات متوترة تبحث عنها، لكنها توقفت عند باب المطبخ... المشهد أمامها لم يكن متوقعًا. 

+


" هَـنا " تقف هناك ترتب الأطباق على الطاولة، بملامح هادئه، وكأن شيئًا لم يكن. 

+


- صباح الخير! 

+


قالتها "هَـنا " بابتسامة دافئة فور أن لمحتها، وكأنها لم تكن بالأمس شخصًا منهكًا، بالكاد استطاع السير إلى غرفته. 

+



        
          

                
ظلت "ليلى" واقفة تحدق بها، غير مستوعبة، هل كانت تتخيل ليلة أمس؟ هل بالغت في قلقها؟ 

+


اقتربت بخطوات مترددة، نظرتها تفحص ملامح "هَـنا" بقلق واضح: 

+


- إنتِ كويسة؟ إمبارح شكلك مكنش مطمني... 

+


أرسلت " هَـنا " لها نظرة مُطمئنة، ثم أكملت ترتيب الأطباق 

+


- متخافيش، كان ضغط شغل بس، وفي حادثة كبيرة حصلت إمبارح... كان منظر صعب يعني، بس أنا كويسة. 

+


لكن "ليلى" لم تقتنع، شيء ما في طريقة كلامها لم يكن صادقًا تمامًا. 

+


انتبهت " هَـنا " لنظراتها المشككة، فتوقفت ثم ضحكت بخفة وهي ترفع حاجبها: 

+


- إيه؟ هتفضلي تبصيلي كده كتير؟ ما تروحي تغسلي وشك بقى عشان نفطر سوا. 

+


رغم الشك الذي ظل يراودها، أومأت "ليلى" برأسها واتجهت لدورة المياه، لكنها لم تكن مقتنعة... هناك شيء تخفيه " هَـنا" هي متأكدة من ذلك. 

+


عادت "ليلى" إلى الواقع، حدقت في كوب العصير أمامها وتمتمت لنفسها بصوت بالكاد يُسمع: 

+


- في حاجة حصلت... أنا متأكدة... هي مش كويسة. 

+


شعرت بنغزة في قلبها، نفس الإحساس القديم الذي كانت تشعر به في منزل والدها... ذلك الشعور البارد كأن هناك خطرًا قادمًا كأن شيئًا سيحدث. 

+


قبل أن تغرق في أفكارها أكثر، نهضت تُكمل عملها وقبل أن تقترب من المطبخ مرة آخرى قطع شرودها صوت ينادي اسمها. 

+


- لــيلى ! 

+


ألتفت " ليلى" بتوجس لتجد " كريم " يتقدم لها بخطوات سريعًا بينما جسدها تجمد للحظة حتى وجدته يقترب منها و يحاوطها بكلا ذراعيه يضم جسدها له ، الآن ووسط المطعم ؛ 

+


يالا السخرية ! 

+


بينما " ليلى " اتسعت عيناها بصدمة و مازال " كريم " يشد على ضمها يهتف : 

+


- وحشتيني أوي أوي 

1


و ما أن تحدث حتى بدأت " ليلى " تدفعه عنها بتردد وفزع و هي تهتف بخفوت : 

+


- كريم ! بتعـمل إيـه !! إبعـد عـني . 

+


بينما ذلك الموقف ألتقطه بمهارة، ذلك الذي يستنشق سجارته قبل أن يُطفئها ويُلقيها في سلة المُهملات بجانبه ثم دلف للمطعم عبر الباب الزجاجي وأتجه إليهما وحينها " كريم " ابتعد عن " ليلى " قليلًا ليضع " حسام " يده أعلى كتف الأول ليجعله يستدير له وهو يهتف بحدة: 

+


- هما معلومكش إن الحركات دي مابتتعملش في الأماكن الراقية، ولا إنت واخد المكان عزبة أبوك؟ 

+


ألتفت له " كريم " وأحتدت نظراته بينما " ليلى" لم تخلو نظراتها من الدهشة حتى هتفت بحدة : 

+


- هو حضرك بتطلعي في كل مكان ليه ؟! 

+


ألتفت لها " حسام " وما زالت نظراته ساخطه ليُجيبها : 

+



        
          

                
- أطلعلك فين يا آنسه دا مكان شغلي ! و أنا إلي موافق على توظيفك ، والحركات الرخيصة دي متتعملش هنا عشان مرفضكيش . 

+


اتسعت عيناي " ليلى " من .. وقاحته إن صح التعبير ، وما أن أنهى عبارته بسخط كبير وجد " كريم " يُجيبه مُقاطعًا خطواته وهو يلف ذراعه حول جسد " ليلى " على حين غِرة و يقربها له : 

+


- و ليلى تبقى خطيبتي يا أستاذ لما تحب تتكلم معاها أتكلم باحترام . 

+


رفع " حسام " حجباه بسخرية ، بينما " ليلى " نغزت " كريم " و ابتعدت عنه ساخطه ليعود " حسام " بخطوة و يقف في مواجهة " كريم " هاتفًا بصرامه : 

+


- مبلاش الحركتين دول منك أنت يا كريم . 

+


- لا بلاش تلعبها معايا أنت يا... أسطه حسام ... و لا تحب أفكرك ؟؟ 

2


اتسعت عينا " ليلى " حين ذكر كل منهُم أسم الآخر ، وزم " حسام " شفتاه بغضب واحتدت نظراته كما " كريم " في حرب بصريه لا نهايه لها سوى وقوف " ليلى " في المنتصف وهي تقول : 

+


- كفاية إنت وهو ، شايفين نفسكم فين ؟! لو المدير لمح وقفتنا مش بعيد يطردنا . 

+


ألتفت لها " حسام " بنظراته اللعوبيه وهو يقول بتسلية : 

+


- و ماله يا حلوة ، مش عاوزين المدير يزعل فعلًا .. إتفضلي على شًغلك . 

+


و ختم عبارته بنبرة حادة آمره ،لم تستطع " ليلى " كسرها فأرسلت نظرات مودعه لكريم ثم غادرت للمطبخ ، وتابعها نظرات كليهما ، بعدها ألتفت " حسام " و هتف بتسلية : 

+


- مش ناوي تقولها الحقيقة بدل ما أنت بتلعب على الطرفين كده ؟! 

+


ألتفت له " كريم " بنظرات حادة و لمح في نظراته انتشائًا لكن الأول هتف بسخريه : 

+


- ميخصكش يا ... أُسطه . 

+


ثم غادر و ترك " حسام " يشتعل داخليًا منه ، أما " ليلى " كانت تسير هائمه على وجهها للمطبخ، حتى قاطع طريقها ظهوره على جانب باب المطبخ مما أفزعها قليلًا لتجد " جواد " كان على وشك الخروج لولا توقف خطواتها أمامه . 

+


توقف " جواد " لوهله يتأمل ملامحها رُغمًا عنه، يُقسم أنهُ لا يمكن أن يُخطئ في هكذا تفاصيل، لكن " ليلى " قاطعت وصلة التأمل بسؤالها بنبرة خافته : 

+


- حضرتك محتاج حاجة ؟ 

+


عاد " جواد " من شروده وألتفت حوله ثم وضع يداه داخل جيب بدلته كما عادتُه ، وعاد ببصره لها يُطالعها من أعلى لفرق الطول بينهما و كأنه يفرض سيطرته التامة حين قال بنبرة جادة لا تخلو من الرحمه : 

+


- ليلى ! بقيتي كويسة دلوقتي؟! أجازتك لسه مخلصتش. 

1


تلبكت " ليلى " للحظة ثم قالت : 

+


- لا أنا بقيت كويسة حضرتك . 

+


أومأ برأسه بتفهُم ثم طالع الخارج بنظرة خاطفه وعاد ببصره لها وهو يتسائل بطريقة أقرب للاستجواب: 

+


- تعرفي الشاب إلي كان واقف مع حسام دا ؟ 

+


سكنت " ليلى " للحظة لا تعلم ماذا تقول وطالعت ملامحه الجادة لكن مُرتخيه بشكل مثير للشك يعطيها كامل الوقت للإجابة ، لتتردد " ليلى" قليلًا وتهتف : 

+


- دا كريم .. خطيبي . 

3


و ما أن قالت عبارتها الأخيرة حتى أخفض " جواد " بصره ليدها سريعًا لتلتقط " ليلى " نظراته وتعلم ما يُفكر به ، لتضم يداها لها و هي تهتف : 

+


- بس مش بلبس الدبلة كتير عشان وسعت عليا . 

+


رفع عيناه لها ومازالت ملامحه كما هي دون أي تغير ، و يداه كما هي في جيبه ،
أنه بارد للحق ،
رمادي ،
لا تستطيع قراءته بسهولة 
بالإضافة لسر آخر ؛
أنهُ ماكر بعض الشيء . 

+


- متخليهوش يجي هنا كتير عشان باين عليه بتاع مشاكل ، قابليه برا الشغل . 

+


هتف بعبارته بجمود ثم اخفض بصره لساعة معصمِه ، بعدها عاد و رفع عيناه لها و نبس ببساطة : 

+


- و ساعات الشغل بتخلص ١١ بالليل ، يبقى يشوفك في الويكند عشان مش هتقابليه بعد ١٢ يعني ، صح ؟ 

1


تأملت " ليلى " عبارته بسكون لا تعلم ، أيتحدث بجدية؟ ، أيمزح ؟ أيختبر أخلاقها؟ لكنه لم يُعطها مجال للرد فأومأ برأسه بهدوء و أعاد يداه داخل جيبه و تخطاها لخارج المطبخ ، بينما هي ظلت ساكنة مكانها و كأن أحدهم ابتلع لسانه لولا تذكرها أمرًا في اللحظة الأخيرة لتوقف خطواته قائله : 

+


- بشكر حضرتك على الإسدال، تقدر تخصمه من مرتبي آخر الشهر . 

+


ألتفت لها بجسده كاملًا و ضيق عيناه يتأملها قبل أن تظهر شبح ابتسامة على شفتاه و هو يقول : 

+


- و لا يهمك ، إعتبريها هدية ترحيب . 

3


ثم ألتفت و أكمل خطواته تحت نظرات " ليلى" المُتعجبه بشدة من تصرُفه . 

+


أهكذا هو دائمًا؟!
أم هذه شخصيته عند الاقتراب منه ؟ 

+


اتجه نحو" مكتب شؤون العاملين " طرق الباب ثم أدار المِقبض و فتح الباب ، وقفت السيدة " ناهد " فور رؤيته ليهتف لها قائلًا و هو مازال أمام الباب : 

+


- عاوز كل المعلومات عن ليلى إلي إتوظفت قريب دي . 

2


أومأت السيدة برأسها و هتفت : 

+


- حالًا يا فندم هبعتهولك إيميل . 

+


و حينها خرج " جواد " و أغلق الباب خلفه ، و اتجه بالفعل للسلم ليرقى لمكتبه ، لكن حين ارتقى أولى خطواته توقفت فجأة إذ قاطع سيره رنين هاتفه ، ليُجيب قائلًا: 

+


- آيوه يا آسر ! 

+


انصت في سكون في الإستماع لابن عمه ،ثم تحفز جسده و ما هي إلا ثوانِ حتى عاد بخطواته للأسفل سريعًا و اتجه لخارج المطعم بعد أنهى مكالمته معه قائلًا بجدية : 

+


- جـايلك القـسم حِـالًا . 

+


و أنهى " جواد " تواجدُه في المطعم بعدها . 

+


-

+


يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


و السلام على قلوبكم .

+


| سُهى الشريف |

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close