رواية بوتقة الحب الفصل الخامس عشر 15 بقلم هدير الصعيدي
الفصل الخامس عشر
إن كان عليه أن يشفق على أحد فليشفق على نفسه التي لا يزال يجلدها بلا توقف , يجلدها بنبضات قلبه الذي يهيم بها عشقًا رغم كل ما تفعله , وما تتفوه به !
لم يستطع أن يغفو بعدما سمع منها عبارتها الأخيرة , أو بالأصح القنبلة التي ألقتها بوجهه دون رأفة , ألقتها وصعدت تغفو تاركة إياه يتمزق إربًا , ظل مستيقظًا حتى سمع أذان الفجر فتوضئ وصلى ثم خرج للحديقة يجلس على الأرجوحة يتابع شروق الشمس وهو يردد أذكار الصباح .
كان قلبه يصرخ متألمًا وهو لا يملك دواءً يداويه , أصاب قلبه العشق وزاد ألمه تواجدها برفقته بموافقته وسعيه الدائم لذلك , لمَ لا تشعر به , ألا ترى نظراته حينما يتحدث معها , ألم تستشعر الحب بحديثه , ألم ترى تلك اللمعة التي تظهر بعينيه وهو ينظر بعينيها.
أغمض عينيه ليفتحهما ما إن استمع لصوت الحارس يقترب منه مهرولًا يخبره بوصول عمه وزوجته , ضرب جبهته بضيق من ذاكرته فلقد أخبروه بقدومهما قبل يومين , ولكنه نسى الأمر , نهض يرسم على وجهه ابتسامة وهو يلمح سيارة عمه تدلف , اقترب يصافح عمه الذي هتف بحرج
- يبدو عليك الإرهاق .. لم يكن من الصواب أن نأتي بوقت مبكر هكذا
هتف تميم بعتاب
- هذا بيتك عمي .. فلتأتي وقتما أردت .. كما أنني طلبت منكما أن تأتيا باكرًا كي نقضي اليوم بأكمله سويًا
تساءلت زوجة عمة بابتسامة
- هل استيقظت فيروز ؟
هم بالرد لتقاطعه فيروز قائلة وهى تقترب منهم
- بلى مستيقظة وبانتظاركما
استدار ينظر لها فوجد ملامحها شاحبة قليلًا , وما إن وصلت إليهما حتى لمح احمرار عينيها الواضح لتتساءل والدتها بخوف
- ما بها عينيكِ ؟ .. هل كنتِ تبكين ؟
توجهت نظرات عمه وزوجته إلى تميم في انتظار تفسير لتهتف فيروز بتوتر
- كدنا نتعرض لحادث ليلة أمس خلال عودتنا من الحفل .. ومنذ ما حدث وأنا أكاد لا أتوقف عن البكاء
شهقت والدتها بخوف لتضمها متسائلة بقلق
- هل أصابكما شيء ؟
نظر له عمه متسائلًا بقلق
- هل أنت بخير بني ؟ .. كيف حدث ذلك ؟
هتفت زوجة عمه بقلق
- لا تذكرهما بالأمر .. ألا ترى كيف تبدو وجوههما .. حمدًا لله أنهما بخير الآن .. تلك بالتأكيد عين .. بلى هى كذلك
نظر تميم لفيروز التي كانت تهرب بنظراتها منه , دعاهما تميم للداخل قائلًا بهدوء
- الخادمة ستأتي بعد قليل وتعد الفطور .. ولكني سأعد فنجان من القهوة
أوقفته زوجة عمه قائلة
- لا تشرب القهوة دون فطور بني .. ولمَ ننتظر الخادمة لتعد الفطور .. أنا سأعده برفقة فيروز
نهضت زوجة عمه وهى تمسك بيد فيروز تسحبها خلفها , دلفا للمطبخ لتتساءل والدتها بعتاب
- هل تدعين زوجكِ يأكل من يد الخادمة ؟
هتفت فيروز بهدوء
- هو معتاد على ذلك أمي .. كما أنكِ تعلمين أنني لا أعرف شيئًا عن الطبخ .. فقط أقصى ما يمكنني فعله هو شطيرة جبن وكوب شاى .. حتى القهوة تنسكب فوق المقود أغلب الوقت
نظرت لها والدتها بغير رضا لتهتف وهى تلوي فمها بتهكم
- ستكونين السبب وراء ما سيفعله تميم .. سيبحث عن أخرى غيركِ يجد بها ما ينقصه فيكِ .. اهتمي بزوجكِ ابنتي
أدمعت عيني فيروز لتبدأ في البكاء , اقتربت منها والدتها تضمها لصدرها قائلة بحنان
- أنا أخشى عليكِ .. لا أود إخافتكِ .. ولكن الرجل يحب من تهتم لراحته .. تميم يفعل لأجلك كل شيء .. فلا تدعيه يبحث عن أخرى .. لا تُضِيعيه من يدكِ ابنتي فلن تجدي من يصونكِ مثله
بكت فيروز أكثر , لا تعلم لمَ يبكيها حديث والدتها , لمَ باتت تخشى من اقتراب إحداهن من تميم , تذكرت ليلة أمس حينما صعدت لغرفتها وبدأت في البكاء وهى تشعر بمشاعر متضاربة , لازالت تود عودة فادي والزواج منه وأيضًا تكره اقتراب إحداهن من تميم , تشعر بالغضب كلما تذكرت تصرفات الفتاة وابتسامة تميم الهادئة معها , تشعر نفسها خائنة لفادي بتفكيرها , وكلمات تميم تخترق عقلها باحثة عن إجابة " هل تغار ؟ "
دلف تميم مبتسمًا بهدوء رغم الحزن الذي يتوغل عينيه , نظر لحالة فيروز باستغراب وقلق ليتساءل بتردد
- ما الأمر ؟
ابتعدت فيروز عن والدتها واستدارت تجفف دموعها لتهتف والدتها بحزن
- أنا متأكدة من أن هناك عين أصابتكما .. سأخرج وأشغل الرقية الشرعية على التلفاز
خرجت تحت نظراتهما لينظر تميم لفيروز التي مازالت توليه ظهرها ,اقترب منها بتردد ثم ربت فوق كتفها هاتفًا باسمها لتستدير إليه وعينيها محمرة إثر البكاء , التقت نظراتهما فأبعدت عينيها عن مرمى نظراته ليتساءل بتردد
- لمَ تبكين ؟
هتفت بضيق
- لا أبكي
أمسك بذقنها لينظر بعينيها متسائلًا بقسوة يقصد بها إيلام قلبه
- هل تبكين لأجل فادي ؟
أجفلت من سؤاله , لم تتوقعه منه فهتفت بتوتر وهى تبتعد بعينيها عن عينيه
- أخبرتك أنني لا أبكي
كانت يشعر أنها تكذب , ترك ذقنها وهتف بهدوء
- أعتذر عما حدث بالأمس .. سأنتبه لتصرفاتي أكثر كي أحافظ على صورتكِ أمام الجميع
أنهى حديثه وخرج من المطبخ لتنظر في أثره بحزن قبل أن تعاود البكاء .
*******
أن يحصل على كل ما أراده وسعى لأجله بطرق شيطانية , ماكرة , دمر بها حياة أخرى وثقت به لم يسعده بقدر ما كان يظن .
تولى إدارة الشركة بدلًا منها , ابتاع له عمه سيارة أفضل من سيارتها , زادت ثقة عمه به , تخرج من الجامعة وحصل على شهادته أخيرًا .
تحققت كل أمانيه ولكنه لازال حزينًا رغم الابتسامة التي يرسمها على وجهه , لا يشعر بالراحة ولا بأي لحظة , يشعر أن هناك صخرة تجثم فوق صدره , تلاحقه الكوابيس بكثرة , كلما نظر بالمرآة رأى شيطانًا وكأن ضميره قد استيقظ دفعة واحدة وقرر جلده !
كيف ترك نفسه للشيطان هكذا , كيف سمح لنفسه أن يدمر حياة أخرى بتلك الطريقة !
اعتدل بجلسته على المقعد بغرفة مكتبة بالشركة , تدور الأحداث متلاحقة أمامه حينما كاد أن يفقد حياته جراء هذا السم وهو برفقة أحد أصدقاؤه وحينما ذهبوا به للمشفي أنجاه الله من الموت بأعجوبة لا يكاد يصدقها أحد ممن كانوا برفقته حينها , رفض أن يعود للمنزل أسبوعًا بأكمله , كان يرسل لعمه رسائل يطمئنه فيها على حالته ويخبره أن صديق له مريض وعليه ألا يتركه وحيدًا , وصدقه عمه كما فعل وصدق أكاذيبة السابقة !
توقف عن تعاطي ذلك السم فهو لم يكن قد وصل إلى الإدمان , ولكنه دفع بالسم لغيره , كانت دليلة تهاتفه كل لحظة تسأل عنه بجنون , تود لو تعرف ما أصابه وكيف له أن يترك المنزل أسبوعًا بأكمله !
شعر أنه بات شخصًا آخر بهذا الأسبوع , وكأن الشر الذي نما بداخله منذ الصغر زال دفعة واحدة , لم يتخيل أنه سيندم يومًا على أفعاله , لم يتخيل أن يشعر بما يشعر به الآن !
ليته يستطع إصلاح كل شيء , ليته يستطع حقًا إعادة دليلة السابقة .
ما فعله هو أنه حاول أن يعجل بأمر زواجه منها , ظنًا منه أنه بذلك سيعوضها عن أفعاله , ولكن عمه رفض الأمر فهو يرى دليلة بحالة سيئة , كما أنها باتت دائمة الشجار معه , لازالت لا تغفر له طردها من الشركة على الرغم من مرور أربعة أشهر على تلك الحادثة , على الرغم من محاولة مزمل تصليح ما سعى جاهدًا لإفساده ولكن العلاقة بين عمه ودليلة باتت سيئة للغاية , كلاهما يحاول تجنب الآخر وناهد زوجة عمه ضائعة بينهما , تتحدث معه كل بضعة أيام منهارة تخبره أن يحاول إقناع دليلة بزيارة طبيب نفسي ربما يساعدها ولكنه لا يستطع ؛ ما إن يخبر دليلة بالأمر حتى تنظر له غاضبة وتخبره أن والدها هو السبب في تلك الحالة التي باتت عليها فليتعالج هو , ربما حينها تصبح بحال أفضل !
كان ينظر لطريقتها بالتحدث وعصبيتها بصدمة حقيقية , تلك ليست دليلة , من أمامه أخرى سعى بيديه لتحويلها فباتت بتلك الهيئة , هو نفسه لا يستطع التعامل معها !
رن هاتفه فالتقطه من فوق المكتب ليجدها دليلة , أجابها لتخبره باكية أن يأتي بالحال فحالتها سيئة للغاية , نهض وهو يخبرها هادئًا أنه سيغادر المكتب وسيكون أمامها خلال دقائق , وصل فدلف لغرفتها ليجدها جالسة على الأرض في حالة من الفوضى , اقتربت منه فور رؤيته متسائلة بانفعال ودموعها تُغرق وجنتيها
- هل عبثت بأشيائي ؟
لم يعلق فأمسكت ذراعه قائلة بقسوة وغضب
- فلتُخرج ما أخذته مزمل .. تلك الأفعال كنت أقوم بها معك بالسابق فلا تفعلها الآن
أمسك بها من كلتا ذراعيها قائلًا بجدية
- يجب أن تتوقفي عن تعاطي ذلك السم
حررت ذراعيها قائلة بانفعال غاضب
- وما شأنك أنت
اقترب منها يمسك ذراعها مجددًا قائلًا بغضب
- أنت تقتلين نفسكِ ببطء
صمت يسحبها للمرآة كي ترى هيأتها قائلًا بغضب
- هل تلك الفتاة دليلة ! .. دليلة التي كانت تنعم بالنشاط والبهجة
نظرت لهيأتها بحزن ولكنها دفعته بغضب , لم يبتعد بل هتف بجدية
- ستتوقفين عن ذلك السم .. ستتعالجين دليلة
دفعته من جديد صارخة بغضب
- فلترى نفسك أولًا .. لن أفعل سوى ما أراه أنا الأفضل .. لن أستمع لأحد من اليوم
نظر له بحزن قبل أن يتركها ويرحل , استقل سيارته وقادها حتى توقف بأحد الأماكن الخالية من المارة وأخذ يصرخ بقوة وهو يضرب المقود بيده عدة مرات في غضب .
*******
كلما شعرت بحالها يتحسن هاجمتها الذكريات دفعة واحدة , كلما حاولت تجاهلها وجدت حنينها إليه يعود , ولكنها كانت تذكر نفسها بما فعله , بتلك الندبات التي أحدثها بروحها , سمعت طرقات على باب المنزل فاتسعت عينيها بقلق , من تراه قد يأتي لها !
لقد صعدت للتو والتقت بحارس البناية فإن كان يريد إخبارها بشيء لكان أخبرها حينها , اقتربت من الباب بتردد , خطر ببالها أن يكون معتصم قد علم بأمر المنزل , هل تذكره !!
عادت الطرقات مجددًا فاقتربت بيدها من المقبض تديره بخوف , عقدت حاجبيها فور رؤيتها للطارق لتهتف باستغراب
- هبة
ابتسمت لها هبة بتوتر لتتسع عيني كلثم متسائلة
- هل علم معتصم بأمر المنزل ؟
هزت هبة رأسها قائلة بصدق
- لم أخبر أي شخص .. أقسم لكِ
نظرت لها كلثم تحاول استبيان صدق حديثها من عدمه لتبتسم هبة قائلة
- لن أُقسم كذبًا كلثم
ابتسمت كلثم ابتسامة هادئة سرعان مازالت فلم تعد لديها ثقة بأحد , أفسحت لها مجالًا كي تدلف قائلة
- تفضلي
دلفت هبة بحرج وهى تستشعر عدم تصديق كلثم لها , جلست على الأريكة الموجودة بالصالة لتجلس كلثم على المقعد قائلة
- خيرًا
نظرت لها هبة بحزن وحرج شعرت بهما كلثم ولكنها لم تُظهر تأثرها فلم تكن قاسية مع عائلتها أبدًا , ولكنهم هم من دفعوا بها إلى ماتفعله الآن , هتفت هبة بتوتر
- رأيتكِ بمحل الصائغ قبل شهر وراقبتكِ حتى وصلتي إلى هنا .. ظللت أراقبكِ طوال الشهر الماضي حتى تأكدت من كونكِ تقنطين بتلك البناية .. كنت مترددة بالمجيء .. لم أمتلك الشجاعة ولكني لم أعد أحتمل ما يحدث لذا أتيت إليكِ
نظرت لها كلثم بملامح جامدة فهتفت هبة بتردد
- أريد أن يطلقني معتصم وأظل بجانبكِ
رفعت كلثم حاجبها قائلة
- تلك لعبة من معتصم أليس كذلك ! .. يظنني سأصدق
هزت هبة رأسها قائلة وعينيها تغزوها الدموع
- كنتِ أقرب شخص إليّ .. والآن لم يعد لدي أحد .. زينة ابتعدت كليًا وبت أبغض ما تفعله فبتُ أتجنبها وأتجنب التواجد برفقتها هى ومعتصم .. أعلم أنكِ غاضبة منا ولكني لم أخونكِ كلثم .. أنا غير راضية عن تلك الزيجة وأود لو يطلقني معتصم .. ولا مانع لدي من التنازل عن كل شيء كما فعلتِ
اعتدلت كلثم بجلستها قبل أن تهتف بتهكم
- وماذاعن جامعتكِ .. من سيدفع تكاليف دراستكِ .. هل فكرتِ بالأمر جيدًا .. أعتذر منكِ ولكني لا أصدقكِ هبة
نظرت لها هبة بحزن قبل أن تهتف بصدق
- أعلم أنك غاضبة منا جميعًا ولكني لا أريد الزواج من معتصم .. أقسم لكِ أود أن أفعل مثلما فعلتِ وأرحل وها أنا هنا أخبركِ بذلك كي تساعديني
نظرت لها كلثم قليلًا مما أربكها , تعلم أنها لا تثق بها ولكن الله يشهد أنها لا تكذب بأي حرف مما تفوهت به
هتفت كلثم بهدوء
- لن أستطع مساعدتكِ هبة .. ولكن إن كنتِ صادقة فسأساعدكِ بالوقت الذي أستطع به ذلك .. لننتظر على الأقل حتى تنتهي من جامعتكِ
هتفت هبة بحزن
- ولكن وصية جدي .. أن يتم الزواج وليس بشكل صوري .. إن شعر معتصم أنني أتلاعب به سيخبر المحامي بذلك
نظرت لها كلثم ولم تعلق فهتفت هبة بحزن
- أنا لست زينة كلثم .. أقسم لكِ لا أحب معتصم ولاأريد الزواج به .. أحبه كأخي فقط .. وبعد ما فعله بكِ لا أثق به ولا بزينة .. لقد نجاكِ الله منهما كلثم
لا تعلم لمَ شعرت كلثم بعبارتها الأخيرة وهى تتلمس أعماق قلبها , ابتسمت قائلة
- الحمد لله كل ما يقدره الله خير .. حاولي المراوغة مع معتصم واطمئني زينة لن تتركه لكِ لتهنئي به .. ما إن تشعر برفضكِ للزواج ستبعد معتصم عنكِ مباشرة .. بل ربما ستزدادي قربًا منها فلم تعودي غريمة لها
نهضت هبة من جلستها قائلة
- ما إن تنتهي جامعتي سآتي مجددًا إليكِ .. آمل أن تساعديني حينها كلثم
أومأت كلثم برأسها إيجابًا فابتسمت هبة وتوجهت إلى الباب , أمسكت بمقبضة وهمت بفتحه ولكنها توقفت واستدارت برأسها متسائلة بتردد
- هل لي أن أعانقكِ ؟
نظرت لها كلثم ولم تعلق بالبداية , ولكن لمحة الحزن الذي ظهرت بعينيها جعلتها توافق فابتسمت تفتح ذراعيها فاقتربت منها هبة تحتضنها بحب ثم ابتعدت قائلة بابتسامة
- أعدكِ ألا يعلم مخلوق بلقاءنا
خرجت هبة فأوصدت كلثم الباب خلفها ثم توجهت حيث على رنين هاتفها لتجده المحامي , أجابته بلهفة آمله أن يُخبرها بموعد جلسة الخلع الخاصة بها هى ومعتصم , استمعت لحديثه بملامح غاضبة قبل أن تهتف بهدوء
- أخبره أنني سآتي الشركة بالغد في تمام العاشرة
*******
راقبت شروق الشمس بملامح هادئة , كانت تهز الأرجوحة بقدمها , تستنشق نسمات الهواء التي تلفح وجهها , تفكر فيما أصبحت عليه , عقدت حاجبيها وهى تلمح موسى يدلف من البوابة , التقت أعينهما وظنته سيأتي يتحدث معها ولكنه خطى تجاه الفيلا فأوقفته هاتفه باسمه في تردد , ظل يوليها ظهره عدة ثواني قبل أن يستدير ويقترب منها قائلًا
- صباح الخير
ابتسمت له قائلة بارتباك
- صباح النور .. أعتذر منك عما حدث مني
لمحت ابتسامة هادئة ترتسم على ملامحه فشعرت بالراحة ؛ إذن فقد سامحها , هتفت بابتسامة
- أشكرك على الرمل الخاص ببسلة .. ولكن لمَ فعلت ذلك ؟
هتف بلا تردد
- كي لا تستخدم الحمام الخاص بالملحق
ظهر الضيق على ملامحها فهتف بجدية
- لا أحب المجاملات ولا تزييف الحديث لنيل رضا الآخرين
رفعت ثويبة حاجبها قائلة بضيق
- إذن تجرح الآخرين بحديثك وتؤذي مشاعرهم
رفع حاجبه هو الآخر قائلًا بتحدي
- لم أفعل ذلك
جزت على أسنانها ثم هتفت بغضب
- لا أود منك أن ترسل لي الرمل مرة أخرى .. لقد اعتادت بسلة على استخدام الحمام منذ عدة سنوات والحمد لله لا نحتاج للرمل .. اطمئن سأنظف الحمام جيدًا قبل أن أترك الملحق لك
كان يتابع ملامحها الغاضبة وعلى وجهه ابتسامة هادئة , وما إن انتهت حتى هتف بهدوء
- تشبهين أباكِ بكل شيء ثويبة .. سيرك .. ملامحكِ عند الغضب والحديث .. براءتكِ
أجفلت من حديثه الذي لم تكن تتوقعه , رمشت بعينيها قبل أن تهتف بغباء
- ما علاقة ما تفوهت به الآن بما أحدثك أنا به
رفع كتفيه قائلًا بهدوء
- لاحظت ذلك فأخبرتكِ به
هزت رأسها بغير اقتناع , ثم تساءلت بفضول
- أين كنت في هذا الوقت الباكر ؟
ابتسم ولم يعلق فعقدت حاجبيها لتتساءل باستغراب
- لا تريد إخباري ؟ .. كما تود فقط أثار مجيئك بهذا الوقت الباكر فضولي
ابتسم ثم هتف وهو يعتدل بوقفته
- سأبتاع الرمل لأجل بسلة وسأرسله لكِ بانتظام .. أما بخصوص الملحق فلن تتركيه ثويبة .. الملحق والحديقة والفيلا لكِ بهم جميعًا .. أنتِ لست ضيفة فلا تتعاملي بحرج .. هذا بيتكِ
ابتسمت بامتنان لحديثه ثم هتفت بصدق
- شكرًا لك موسى على كل ما تفعله
ابتسم ابتسامة هادئة ثم تركها وخطى بخطوات متمهلة تجاه الفيلا , توقف فجأة واستدار برأسه هاتفًا باسمها فنظرت له ليهتف بهدوء
- أحب السير بعد صلاة الفجر .. كلما سنحت لي الفرصة أفعل ذلك وشعرت بنشاط اليوم فقررت السير قليلًا
ابتسمت ولم تعلق فهتف بهدوء
- أخبرتكِ كي لا يلتهمكِ الفضول
كتمت ابتسامتها وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه فابتسم وعاد يخطو تجاه الفيلا فأوقفته متسائلة
- سأُعد الفطور .. هل تأكل ؟
اتسعت ابتسامته ليهتف وهو يُكمل خطواته المتبقية لباب الفيلا الداخلي
- إن أعددتي صحنًا لي أكون ممتن لكِ
..
كانت تتحرك هنا وهناك بخِفة في أنحاء المطبخ لتهتف الخادمة " حسناء " بابتسامة
- أشتقت لرائحة طعامكِ ثويبة .. منذ مجيئكِ هنا ومكوثكِ بالملحق لم تُعدي الطعام كالسابق
ابتسمت ثويبة قائلة
- فلتتناولي الطعام معنا إذن
ضحكت حسناء قائلة
- ولتقتلني السيدة قدرية حينها .. لا .. تكفيني الرائحة فقط
ربتت ثويبة على كتفها قائلة
- سأتناول برفقتكِ الطعام هنا لا تقلقي لن يرانا أحد
دلف موسى بتلك اللحظة فنظرت له ثويبة متسائلة
- هل يمكننا تناول الطعام هنا ؟ .. برفقة حسناء أم أنك تود تناوله بالخارج ؟
تساءل موسى باهتمام
- هل زوجة أبي ستغضب إن تناولناه هنا ؟
نظرت حسناء لثويبة ثم هتفت بتوتر
- لا أعلم .. ولكن السيدة قدرية حازمة في أمر الطعام إذ يكون بالخارج بعيدًا عن الخدم
ظهرت الابتسامة على ملامح موسى فصفقت ثويبة قائلة بفرحة
- ستناوله هنا
هتف موسى باستغراب
- لم أوافق بعد !
ابتسمت ثويبة قائلة
- ابتسمت وتكفي تلك الإجابة أليس كذلك ؟
ضحك موسى وخرج من المطبخ بعد أن هتف بهدوء
- سأرى بعض الإيميلات الخاصة بالعمل ريثما تنتهي من إعداد الفطور
أومأت ثويبة إيجابًا لتكمل ما تفعله ثم وضعت الصحون فوق الطاولة الصغيرة بالمطبخ وأخبرت موسى والذي سرعان ما أتى لتتسع عينيه انبهارًا من كثرة الصحون , هتف بابتسامة هادئة
- ما تلك الأصناف .. هذا كله فطور .. ماذا إذن لو أعددتي الغذاء !
هتفت حسناء بابتسامة
- الآنسة ثويبة بارعة في إعداد الطعام .. إن تناولت طعامها لن تستطع تذوق غيره .. حينما كانت تُعد الطعام من قبل كانت تظل رائحته عالقة بأنفي عدة ليالي .. ليتها تعده مجددًا
هتف بموسى بحزم
- لا لن تفعلها
ابتلعت حسناء ريقها بخوف لتنظر ثويبة لموسى بعتاب فهتف موسى بهدوء
- ثويبة إن أرادت إعداد الطعام فسيكون لأجلها .. ولكن أن تفعل كالماضي فهذا لن يحدث
حاولت ثويبة تغيير مجرى الحديث فهتفت بابتسامة
- دعونا نتناول الطعام كي لا يبرد
جلس ثلاثتهم , وأثناء تناولهم للطعام دلفت قدرية , اتسعت عينيها قبل أن تتساءل بغضب وانفعال
- ما الذي يحدث هنا ؟
............
يتبع
إن كان عليه أن يشفق على أحد فليشفق على نفسه التي لا يزال يجلدها بلا توقف , يجلدها بنبضات قلبه الذي يهيم بها عشقًا رغم كل ما تفعله , وما تتفوه به !
لم يستطع أن يغفو بعدما سمع منها عبارتها الأخيرة , أو بالأصح القنبلة التي ألقتها بوجهه دون رأفة , ألقتها وصعدت تغفو تاركة إياه يتمزق إربًا , ظل مستيقظًا حتى سمع أذان الفجر فتوضئ وصلى ثم خرج للحديقة يجلس على الأرجوحة يتابع شروق الشمس وهو يردد أذكار الصباح .
كان قلبه يصرخ متألمًا وهو لا يملك دواءً يداويه , أصاب قلبه العشق وزاد ألمه تواجدها برفقته بموافقته وسعيه الدائم لذلك , لمَ لا تشعر به , ألا ترى نظراته حينما يتحدث معها , ألم تستشعر الحب بحديثه , ألم ترى تلك اللمعة التي تظهر بعينيه وهو ينظر بعينيها.
أغمض عينيه ليفتحهما ما إن استمع لصوت الحارس يقترب منه مهرولًا يخبره بوصول عمه وزوجته , ضرب جبهته بضيق من ذاكرته فلقد أخبروه بقدومهما قبل يومين , ولكنه نسى الأمر , نهض يرسم على وجهه ابتسامة وهو يلمح سيارة عمه تدلف , اقترب يصافح عمه الذي هتف بحرج
- يبدو عليك الإرهاق .. لم يكن من الصواب أن نأتي بوقت مبكر هكذا
هتف تميم بعتاب
- هذا بيتك عمي .. فلتأتي وقتما أردت .. كما أنني طلبت منكما أن تأتيا باكرًا كي نقضي اليوم بأكمله سويًا
تساءلت زوجة عمة بابتسامة
- هل استيقظت فيروز ؟
هم بالرد لتقاطعه فيروز قائلة وهى تقترب منهم
- بلى مستيقظة وبانتظاركما
استدار ينظر لها فوجد ملامحها شاحبة قليلًا , وما إن وصلت إليهما حتى لمح احمرار عينيها الواضح لتتساءل والدتها بخوف
- ما بها عينيكِ ؟ .. هل كنتِ تبكين ؟
توجهت نظرات عمه وزوجته إلى تميم في انتظار تفسير لتهتف فيروز بتوتر
- كدنا نتعرض لحادث ليلة أمس خلال عودتنا من الحفل .. ومنذ ما حدث وأنا أكاد لا أتوقف عن البكاء
شهقت والدتها بخوف لتضمها متسائلة بقلق
- هل أصابكما شيء ؟
نظر له عمه متسائلًا بقلق
- هل أنت بخير بني ؟ .. كيف حدث ذلك ؟
هتفت زوجة عمه بقلق
- لا تذكرهما بالأمر .. ألا ترى كيف تبدو وجوههما .. حمدًا لله أنهما بخير الآن .. تلك بالتأكيد عين .. بلى هى كذلك
نظر تميم لفيروز التي كانت تهرب بنظراتها منه , دعاهما تميم للداخل قائلًا بهدوء
- الخادمة ستأتي بعد قليل وتعد الفطور .. ولكني سأعد فنجان من القهوة
أوقفته زوجة عمه قائلة
- لا تشرب القهوة دون فطور بني .. ولمَ ننتظر الخادمة لتعد الفطور .. أنا سأعده برفقة فيروز
نهضت زوجة عمه وهى تمسك بيد فيروز تسحبها خلفها , دلفا للمطبخ لتتساءل والدتها بعتاب
- هل تدعين زوجكِ يأكل من يد الخادمة ؟
هتفت فيروز بهدوء
- هو معتاد على ذلك أمي .. كما أنكِ تعلمين أنني لا أعرف شيئًا عن الطبخ .. فقط أقصى ما يمكنني فعله هو شطيرة جبن وكوب شاى .. حتى القهوة تنسكب فوق المقود أغلب الوقت
نظرت لها والدتها بغير رضا لتهتف وهى تلوي فمها بتهكم
- ستكونين السبب وراء ما سيفعله تميم .. سيبحث عن أخرى غيركِ يجد بها ما ينقصه فيكِ .. اهتمي بزوجكِ ابنتي
أدمعت عيني فيروز لتبدأ في البكاء , اقتربت منها والدتها تضمها لصدرها قائلة بحنان
- أنا أخشى عليكِ .. لا أود إخافتكِ .. ولكن الرجل يحب من تهتم لراحته .. تميم يفعل لأجلك كل شيء .. فلا تدعيه يبحث عن أخرى .. لا تُضِيعيه من يدكِ ابنتي فلن تجدي من يصونكِ مثله
بكت فيروز أكثر , لا تعلم لمَ يبكيها حديث والدتها , لمَ باتت تخشى من اقتراب إحداهن من تميم , تذكرت ليلة أمس حينما صعدت لغرفتها وبدأت في البكاء وهى تشعر بمشاعر متضاربة , لازالت تود عودة فادي والزواج منه وأيضًا تكره اقتراب إحداهن من تميم , تشعر بالغضب كلما تذكرت تصرفات الفتاة وابتسامة تميم الهادئة معها , تشعر نفسها خائنة لفادي بتفكيرها , وكلمات تميم تخترق عقلها باحثة عن إجابة " هل تغار ؟ "
دلف تميم مبتسمًا بهدوء رغم الحزن الذي يتوغل عينيه , نظر لحالة فيروز باستغراب وقلق ليتساءل بتردد
- ما الأمر ؟
ابتعدت فيروز عن والدتها واستدارت تجفف دموعها لتهتف والدتها بحزن
- أنا متأكدة من أن هناك عين أصابتكما .. سأخرج وأشغل الرقية الشرعية على التلفاز
خرجت تحت نظراتهما لينظر تميم لفيروز التي مازالت توليه ظهرها ,اقترب منها بتردد ثم ربت فوق كتفها هاتفًا باسمها لتستدير إليه وعينيها محمرة إثر البكاء , التقت نظراتهما فأبعدت عينيها عن مرمى نظراته ليتساءل بتردد
- لمَ تبكين ؟
هتفت بضيق
- لا أبكي
أمسك بذقنها لينظر بعينيها متسائلًا بقسوة يقصد بها إيلام قلبه
- هل تبكين لأجل فادي ؟
أجفلت من سؤاله , لم تتوقعه منه فهتفت بتوتر وهى تبتعد بعينيها عن عينيه
- أخبرتك أنني لا أبكي
كانت يشعر أنها تكذب , ترك ذقنها وهتف بهدوء
- أعتذر عما حدث بالأمس .. سأنتبه لتصرفاتي أكثر كي أحافظ على صورتكِ أمام الجميع
أنهى حديثه وخرج من المطبخ لتنظر في أثره بحزن قبل أن تعاود البكاء .
*******
أن يحصل على كل ما أراده وسعى لأجله بطرق شيطانية , ماكرة , دمر بها حياة أخرى وثقت به لم يسعده بقدر ما كان يظن .
تولى إدارة الشركة بدلًا منها , ابتاع له عمه سيارة أفضل من سيارتها , زادت ثقة عمه به , تخرج من الجامعة وحصل على شهادته أخيرًا .
تحققت كل أمانيه ولكنه لازال حزينًا رغم الابتسامة التي يرسمها على وجهه , لا يشعر بالراحة ولا بأي لحظة , يشعر أن هناك صخرة تجثم فوق صدره , تلاحقه الكوابيس بكثرة , كلما نظر بالمرآة رأى شيطانًا وكأن ضميره قد استيقظ دفعة واحدة وقرر جلده !
كيف ترك نفسه للشيطان هكذا , كيف سمح لنفسه أن يدمر حياة أخرى بتلك الطريقة !
اعتدل بجلسته على المقعد بغرفة مكتبة بالشركة , تدور الأحداث متلاحقة أمامه حينما كاد أن يفقد حياته جراء هذا السم وهو برفقة أحد أصدقاؤه وحينما ذهبوا به للمشفي أنجاه الله من الموت بأعجوبة لا يكاد يصدقها أحد ممن كانوا برفقته حينها , رفض أن يعود للمنزل أسبوعًا بأكمله , كان يرسل لعمه رسائل يطمئنه فيها على حالته ويخبره أن صديق له مريض وعليه ألا يتركه وحيدًا , وصدقه عمه كما فعل وصدق أكاذيبة السابقة !
توقف عن تعاطي ذلك السم فهو لم يكن قد وصل إلى الإدمان , ولكنه دفع بالسم لغيره , كانت دليلة تهاتفه كل لحظة تسأل عنه بجنون , تود لو تعرف ما أصابه وكيف له أن يترك المنزل أسبوعًا بأكمله !
شعر أنه بات شخصًا آخر بهذا الأسبوع , وكأن الشر الذي نما بداخله منذ الصغر زال دفعة واحدة , لم يتخيل أنه سيندم يومًا على أفعاله , لم يتخيل أن يشعر بما يشعر به الآن !
ليته يستطع إصلاح كل شيء , ليته يستطع حقًا إعادة دليلة السابقة .
ما فعله هو أنه حاول أن يعجل بأمر زواجه منها , ظنًا منه أنه بذلك سيعوضها عن أفعاله , ولكن عمه رفض الأمر فهو يرى دليلة بحالة سيئة , كما أنها باتت دائمة الشجار معه , لازالت لا تغفر له طردها من الشركة على الرغم من مرور أربعة أشهر على تلك الحادثة , على الرغم من محاولة مزمل تصليح ما سعى جاهدًا لإفساده ولكن العلاقة بين عمه ودليلة باتت سيئة للغاية , كلاهما يحاول تجنب الآخر وناهد زوجة عمه ضائعة بينهما , تتحدث معه كل بضعة أيام منهارة تخبره أن يحاول إقناع دليلة بزيارة طبيب نفسي ربما يساعدها ولكنه لا يستطع ؛ ما إن يخبر دليلة بالأمر حتى تنظر له غاضبة وتخبره أن والدها هو السبب في تلك الحالة التي باتت عليها فليتعالج هو , ربما حينها تصبح بحال أفضل !
كان ينظر لطريقتها بالتحدث وعصبيتها بصدمة حقيقية , تلك ليست دليلة , من أمامه أخرى سعى بيديه لتحويلها فباتت بتلك الهيئة , هو نفسه لا يستطع التعامل معها !
رن هاتفه فالتقطه من فوق المكتب ليجدها دليلة , أجابها لتخبره باكية أن يأتي بالحال فحالتها سيئة للغاية , نهض وهو يخبرها هادئًا أنه سيغادر المكتب وسيكون أمامها خلال دقائق , وصل فدلف لغرفتها ليجدها جالسة على الأرض في حالة من الفوضى , اقتربت منه فور رؤيته متسائلة بانفعال ودموعها تُغرق وجنتيها
- هل عبثت بأشيائي ؟
لم يعلق فأمسكت ذراعه قائلة بقسوة وغضب
- فلتُخرج ما أخذته مزمل .. تلك الأفعال كنت أقوم بها معك بالسابق فلا تفعلها الآن
أمسك بها من كلتا ذراعيها قائلًا بجدية
- يجب أن تتوقفي عن تعاطي ذلك السم
حررت ذراعيها قائلة بانفعال غاضب
- وما شأنك أنت
اقترب منها يمسك ذراعها مجددًا قائلًا بغضب
- أنت تقتلين نفسكِ ببطء
صمت يسحبها للمرآة كي ترى هيأتها قائلًا بغضب
- هل تلك الفتاة دليلة ! .. دليلة التي كانت تنعم بالنشاط والبهجة
نظرت لهيأتها بحزن ولكنها دفعته بغضب , لم يبتعد بل هتف بجدية
- ستتوقفين عن ذلك السم .. ستتعالجين دليلة
دفعته من جديد صارخة بغضب
- فلترى نفسك أولًا .. لن أفعل سوى ما أراه أنا الأفضل .. لن أستمع لأحد من اليوم
نظر له بحزن قبل أن يتركها ويرحل , استقل سيارته وقادها حتى توقف بأحد الأماكن الخالية من المارة وأخذ يصرخ بقوة وهو يضرب المقود بيده عدة مرات في غضب .
*******
كلما شعرت بحالها يتحسن هاجمتها الذكريات دفعة واحدة , كلما حاولت تجاهلها وجدت حنينها إليه يعود , ولكنها كانت تذكر نفسها بما فعله , بتلك الندبات التي أحدثها بروحها , سمعت طرقات على باب المنزل فاتسعت عينيها بقلق , من تراه قد يأتي لها !
لقد صعدت للتو والتقت بحارس البناية فإن كان يريد إخبارها بشيء لكان أخبرها حينها , اقتربت من الباب بتردد , خطر ببالها أن يكون معتصم قد علم بأمر المنزل , هل تذكره !!
عادت الطرقات مجددًا فاقتربت بيدها من المقبض تديره بخوف , عقدت حاجبيها فور رؤيتها للطارق لتهتف باستغراب
- هبة
ابتسمت لها هبة بتوتر لتتسع عيني كلثم متسائلة
- هل علم معتصم بأمر المنزل ؟
هزت هبة رأسها قائلة بصدق
- لم أخبر أي شخص .. أقسم لكِ
نظرت لها كلثم تحاول استبيان صدق حديثها من عدمه لتبتسم هبة قائلة
- لن أُقسم كذبًا كلثم
ابتسمت كلثم ابتسامة هادئة سرعان مازالت فلم تعد لديها ثقة بأحد , أفسحت لها مجالًا كي تدلف قائلة
- تفضلي
دلفت هبة بحرج وهى تستشعر عدم تصديق كلثم لها , جلست على الأريكة الموجودة بالصالة لتجلس كلثم على المقعد قائلة
- خيرًا
نظرت لها هبة بحزن وحرج شعرت بهما كلثم ولكنها لم تُظهر تأثرها فلم تكن قاسية مع عائلتها أبدًا , ولكنهم هم من دفعوا بها إلى ماتفعله الآن , هتفت هبة بتوتر
- رأيتكِ بمحل الصائغ قبل شهر وراقبتكِ حتى وصلتي إلى هنا .. ظللت أراقبكِ طوال الشهر الماضي حتى تأكدت من كونكِ تقنطين بتلك البناية .. كنت مترددة بالمجيء .. لم أمتلك الشجاعة ولكني لم أعد أحتمل ما يحدث لذا أتيت إليكِ
نظرت لها كلثم بملامح جامدة فهتفت هبة بتردد
- أريد أن يطلقني معتصم وأظل بجانبكِ
رفعت كلثم حاجبها قائلة
- تلك لعبة من معتصم أليس كذلك ! .. يظنني سأصدق
هزت هبة رأسها قائلة وعينيها تغزوها الدموع
- كنتِ أقرب شخص إليّ .. والآن لم يعد لدي أحد .. زينة ابتعدت كليًا وبت أبغض ما تفعله فبتُ أتجنبها وأتجنب التواجد برفقتها هى ومعتصم .. أعلم أنكِ غاضبة منا ولكني لم أخونكِ كلثم .. أنا غير راضية عن تلك الزيجة وأود لو يطلقني معتصم .. ولا مانع لدي من التنازل عن كل شيء كما فعلتِ
اعتدلت كلثم بجلستها قبل أن تهتف بتهكم
- وماذاعن جامعتكِ .. من سيدفع تكاليف دراستكِ .. هل فكرتِ بالأمر جيدًا .. أعتذر منكِ ولكني لا أصدقكِ هبة
نظرت لها هبة بحزن قبل أن تهتف بصدق
- أعلم أنك غاضبة منا جميعًا ولكني لا أريد الزواج من معتصم .. أقسم لكِ أود أن أفعل مثلما فعلتِ وأرحل وها أنا هنا أخبركِ بذلك كي تساعديني
نظرت لها كلثم قليلًا مما أربكها , تعلم أنها لا تثق بها ولكن الله يشهد أنها لا تكذب بأي حرف مما تفوهت به
هتفت كلثم بهدوء
- لن أستطع مساعدتكِ هبة .. ولكن إن كنتِ صادقة فسأساعدكِ بالوقت الذي أستطع به ذلك .. لننتظر على الأقل حتى تنتهي من جامعتكِ
هتفت هبة بحزن
- ولكن وصية جدي .. أن يتم الزواج وليس بشكل صوري .. إن شعر معتصم أنني أتلاعب به سيخبر المحامي بذلك
نظرت لها كلثم ولم تعلق فهتفت هبة بحزن
- أنا لست زينة كلثم .. أقسم لكِ لا أحب معتصم ولاأريد الزواج به .. أحبه كأخي فقط .. وبعد ما فعله بكِ لا أثق به ولا بزينة .. لقد نجاكِ الله منهما كلثم
لا تعلم لمَ شعرت كلثم بعبارتها الأخيرة وهى تتلمس أعماق قلبها , ابتسمت قائلة
- الحمد لله كل ما يقدره الله خير .. حاولي المراوغة مع معتصم واطمئني زينة لن تتركه لكِ لتهنئي به .. ما إن تشعر برفضكِ للزواج ستبعد معتصم عنكِ مباشرة .. بل ربما ستزدادي قربًا منها فلم تعودي غريمة لها
نهضت هبة من جلستها قائلة
- ما إن تنتهي جامعتي سآتي مجددًا إليكِ .. آمل أن تساعديني حينها كلثم
أومأت كلثم برأسها إيجابًا فابتسمت هبة وتوجهت إلى الباب , أمسكت بمقبضة وهمت بفتحه ولكنها توقفت واستدارت برأسها متسائلة بتردد
- هل لي أن أعانقكِ ؟
نظرت لها كلثم ولم تعلق بالبداية , ولكن لمحة الحزن الذي ظهرت بعينيها جعلتها توافق فابتسمت تفتح ذراعيها فاقتربت منها هبة تحتضنها بحب ثم ابتعدت قائلة بابتسامة
- أعدكِ ألا يعلم مخلوق بلقاءنا
خرجت هبة فأوصدت كلثم الباب خلفها ثم توجهت حيث على رنين هاتفها لتجده المحامي , أجابته بلهفة آمله أن يُخبرها بموعد جلسة الخلع الخاصة بها هى ومعتصم , استمعت لحديثه بملامح غاضبة قبل أن تهتف بهدوء
- أخبره أنني سآتي الشركة بالغد في تمام العاشرة
*******
راقبت شروق الشمس بملامح هادئة , كانت تهز الأرجوحة بقدمها , تستنشق نسمات الهواء التي تلفح وجهها , تفكر فيما أصبحت عليه , عقدت حاجبيها وهى تلمح موسى يدلف من البوابة , التقت أعينهما وظنته سيأتي يتحدث معها ولكنه خطى تجاه الفيلا فأوقفته هاتفه باسمه في تردد , ظل يوليها ظهره عدة ثواني قبل أن يستدير ويقترب منها قائلًا
- صباح الخير
ابتسمت له قائلة بارتباك
- صباح النور .. أعتذر منك عما حدث مني
لمحت ابتسامة هادئة ترتسم على ملامحه فشعرت بالراحة ؛ إذن فقد سامحها , هتفت بابتسامة
- أشكرك على الرمل الخاص ببسلة .. ولكن لمَ فعلت ذلك ؟
هتف بلا تردد
- كي لا تستخدم الحمام الخاص بالملحق
ظهر الضيق على ملامحها فهتف بجدية
- لا أحب المجاملات ولا تزييف الحديث لنيل رضا الآخرين
رفعت ثويبة حاجبها قائلة بضيق
- إذن تجرح الآخرين بحديثك وتؤذي مشاعرهم
رفع حاجبه هو الآخر قائلًا بتحدي
- لم أفعل ذلك
جزت على أسنانها ثم هتفت بغضب
- لا أود منك أن ترسل لي الرمل مرة أخرى .. لقد اعتادت بسلة على استخدام الحمام منذ عدة سنوات والحمد لله لا نحتاج للرمل .. اطمئن سأنظف الحمام جيدًا قبل أن أترك الملحق لك
كان يتابع ملامحها الغاضبة وعلى وجهه ابتسامة هادئة , وما إن انتهت حتى هتف بهدوء
- تشبهين أباكِ بكل شيء ثويبة .. سيرك .. ملامحكِ عند الغضب والحديث .. براءتكِ
أجفلت من حديثه الذي لم تكن تتوقعه , رمشت بعينيها قبل أن تهتف بغباء
- ما علاقة ما تفوهت به الآن بما أحدثك أنا به
رفع كتفيه قائلًا بهدوء
- لاحظت ذلك فأخبرتكِ به
هزت رأسها بغير اقتناع , ثم تساءلت بفضول
- أين كنت في هذا الوقت الباكر ؟
ابتسم ولم يعلق فعقدت حاجبيها لتتساءل باستغراب
- لا تريد إخباري ؟ .. كما تود فقط أثار مجيئك بهذا الوقت الباكر فضولي
ابتسم ثم هتف وهو يعتدل بوقفته
- سأبتاع الرمل لأجل بسلة وسأرسله لكِ بانتظام .. أما بخصوص الملحق فلن تتركيه ثويبة .. الملحق والحديقة والفيلا لكِ بهم جميعًا .. أنتِ لست ضيفة فلا تتعاملي بحرج .. هذا بيتكِ
ابتسمت بامتنان لحديثه ثم هتفت بصدق
- شكرًا لك موسى على كل ما تفعله
ابتسم ابتسامة هادئة ثم تركها وخطى بخطوات متمهلة تجاه الفيلا , توقف فجأة واستدار برأسه هاتفًا باسمها فنظرت له ليهتف بهدوء
- أحب السير بعد صلاة الفجر .. كلما سنحت لي الفرصة أفعل ذلك وشعرت بنشاط اليوم فقررت السير قليلًا
ابتسمت ولم تعلق فهتف بهدوء
- أخبرتكِ كي لا يلتهمكِ الفضول
كتمت ابتسامتها وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه فابتسم وعاد يخطو تجاه الفيلا فأوقفته متسائلة
- سأُعد الفطور .. هل تأكل ؟
اتسعت ابتسامته ليهتف وهو يُكمل خطواته المتبقية لباب الفيلا الداخلي
- إن أعددتي صحنًا لي أكون ممتن لكِ
..
كانت تتحرك هنا وهناك بخِفة في أنحاء المطبخ لتهتف الخادمة " حسناء " بابتسامة
- أشتقت لرائحة طعامكِ ثويبة .. منذ مجيئكِ هنا ومكوثكِ بالملحق لم تُعدي الطعام كالسابق
ابتسمت ثويبة قائلة
- فلتتناولي الطعام معنا إذن
ضحكت حسناء قائلة
- ولتقتلني السيدة قدرية حينها .. لا .. تكفيني الرائحة فقط
ربتت ثويبة على كتفها قائلة
- سأتناول برفقتكِ الطعام هنا لا تقلقي لن يرانا أحد
دلف موسى بتلك اللحظة فنظرت له ثويبة متسائلة
- هل يمكننا تناول الطعام هنا ؟ .. برفقة حسناء أم أنك تود تناوله بالخارج ؟
تساءل موسى باهتمام
- هل زوجة أبي ستغضب إن تناولناه هنا ؟
نظرت حسناء لثويبة ثم هتفت بتوتر
- لا أعلم .. ولكن السيدة قدرية حازمة في أمر الطعام إذ يكون بالخارج بعيدًا عن الخدم
ظهرت الابتسامة على ملامح موسى فصفقت ثويبة قائلة بفرحة
- ستناوله هنا
هتف موسى باستغراب
- لم أوافق بعد !
ابتسمت ثويبة قائلة
- ابتسمت وتكفي تلك الإجابة أليس كذلك ؟
ضحك موسى وخرج من المطبخ بعد أن هتف بهدوء
- سأرى بعض الإيميلات الخاصة بالعمل ريثما تنتهي من إعداد الفطور
أومأت ثويبة إيجابًا لتكمل ما تفعله ثم وضعت الصحون فوق الطاولة الصغيرة بالمطبخ وأخبرت موسى والذي سرعان ما أتى لتتسع عينيه انبهارًا من كثرة الصحون , هتف بابتسامة هادئة
- ما تلك الأصناف .. هذا كله فطور .. ماذا إذن لو أعددتي الغذاء !
هتفت حسناء بابتسامة
- الآنسة ثويبة بارعة في إعداد الطعام .. إن تناولت طعامها لن تستطع تذوق غيره .. حينما كانت تُعد الطعام من قبل كانت تظل رائحته عالقة بأنفي عدة ليالي .. ليتها تعده مجددًا
هتف بموسى بحزم
- لا لن تفعلها
ابتلعت حسناء ريقها بخوف لتنظر ثويبة لموسى بعتاب فهتف موسى بهدوء
- ثويبة إن أرادت إعداد الطعام فسيكون لأجلها .. ولكن أن تفعل كالماضي فهذا لن يحدث
حاولت ثويبة تغيير مجرى الحديث فهتفت بابتسامة
- دعونا نتناول الطعام كي لا يبرد
جلس ثلاثتهم , وأثناء تناولهم للطعام دلفت قدرية , اتسعت عينيها قبل أن تتساءل بغضب وانفعال
- ما الذي يحدث هنا ؟
............
يتبع