رواية مجهول انبت عشقا الفصل الخامس عشر 15 بقلم سلمي خالد
الفصل الخامس عشر
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
(مشاعر حزينة)
:_ بتعلمي إيه عندك؟
صوت كالرعد صدع داخل غرفة الاجتماع، شعرت بفزعٍ مفاجئ ثم اختل توازنها فوق المقعد ثم وقعت على الأرض تصرخ من شدة الألم الذي أصاب ظهرها تردد بنبرة مغتاظة:
_ إيه يا عم دا ضهري اتكسر!
صك آدم على أسنانه في غضب، يقبض على يديه في عنف ملقيًا الملف الخاص بالاجتماع على الطاولة قائلًا بنبرة عنيفة:
_ هو أنا مش حذرتك من اسلوبك دا! ثم بتهببي ايه فوق الكرسي والتكيف؟
شعرت ببعض التوتر من نظراته الغاضبة المغلفة بقسوة، استندت على يدها محاولة النهوض، تضبط ملابسها جيدًا قائلة في ارتباك تملك منها:
_ ها أصل التكيف عليه تراب فجبت الكرسي عشان امسح التراب.
رفع حاجبه في استنكار، ثم سار بخطواتٍ بطيئة نحو مقعده، جلس عليه يضع يده أسفل ذقنه يردد بنبرة واثقة:
_ أكتر حاجة بكره الكذب فقولي بهدوء وصراحة كده بتعملي ايه فوق!
أغمضت عيناها تشعر أنها وسط حصار قوي، همست بداخلها قائلة:
_ يا حسرتي على الشغل اللي ضاع.. يعني مش قادرة امسك نفسي شوية!
نظرت نحو تجيب في توتر:
_ أصل.. أصل أنا نفسي اشوف تكيف وكده فـ.. فـ يعني كنت بألقي نظرة بريئة عليه!
ألقى نظرة ساخطة عليه، ثم أردف في حزم:
_ خلصي وروحي لمريم ساعديها عشان الاجتماع فاضل عليه تلات دقايق.
حركت رأسها وسارت تضع يدها على ظهرها تتأوه منه، تحكم آدم في ضحكته ثم قال بنبرة جادة:
_ تاليا.
استدارت تنظر له في تعجب، بينما أردف آدم يتطلع للأوراق التي أمامه يرفع ما يريده:
_ الشركة هنا مش البيت عندك عشان تبوظي الأجهزة اللي فيها!
نظر لها بعد كلمته الأخيرة، بينما ابتسمت تاليا في حرج ثم استدارت تغادر الغرفة وهي تريد أن تدفن وجهها بين حبات الرمال.
****
أغلقت تاليا الباب وهي لاتزال واضعة يدها خلف ظهرها تردد بنبرة مغتاظة:
_ نانانانا هو دا بس اللي عايز تقوله.. كسرت ضهري وبس متعرفش تعمل غير كده تفتري على الغلابة!
تعجبت مريم من كلمات تاليا الغاضبة، لتردف في تساؤل، تلتمع عيناها بدهشة:
_ مالك يا تاليا حصل حاجة!
تطلعت لها في بعض الغضب وتولي ظهرها للباب مرددة في حنق:
_ البيه صاحب الشركة بيفتري على الغلابة فيها ايه لما ابص بصة بريئة على التكييف.. عامل زي عفريت العلبة بيطلع من تحت الأرض.. مش فالح غير أنه كسر ضهري وبيخضني كل شوية!
تعجبت من نظرات مريم الملتاعة، بينما لم تفهم تاليا نظراتها واعتقدت أنها لا تحب الحديث عنه لتسترسل حديثه المغتاظ:
_ عارفة أنك مش بتحبي اتكلم عليه.. بس اتصدقي هو فعلا ميستحقش اجيب أسمه على لساني الرقيق.. كفاية اني اتكرمت عليه واشتغلت معه في الشركة دي.
حاولت مريم الاشارة نحو الخلف ولكن لم تتفهم تاليا أيضًا نظراتها وبقيت تتحدث في سخط عليه، لتهمس مريم بداخلها:
_ روحنا في داهية!
توقفت تاليا عن الحديث وهي تشعر بوجود أحد خلفها، ازدردت حلقها في رعب تنظر نحو مريم قائلة في همس:
_ هو!
حركت مريم رأسها ترفق معها ابتسامة خفيفة لم تحمل معنى سوى « هو وروحنا في داهية»، وضعت تاليا يدها على احدي وجنتيها تحاول استيعاب ما يحدث، لتردف ببسمة مزيفة:
_ بس اقولك حاجة يا مريم على قد كده هو طيب وابن ناس وبيقدر اللي قدمه وراجل معطاء!
:_ والله! أنا دلوقتي راجل معطاء!
قالها آدم بنبرة مستنكرة، بينما قفزت تاليا جوار مريم تختبئ خلفها تردد بنبرة متوترة:
_ شوف بتيجي على السيرة الحلوة!
تقدم في خطوة مغتاظة، يتمنى لو تقع أسفل يده ليقتلع عنقها ربما تهدأ تلك البراكين الثائر من عنف الغضب بداخله، أردف آدم بنبرة غاضبة لم تراها مريم من قبل:
_ بت أنتِ اتظبطي بدل ما اظبطك، مش كل ما أروح في حتة ألقيكي بتجيبي في سيرتي وتشتمي!
نظرت له تاليا في ذهول مزيف قائلة بنبرة شعر آدم أنها لم تردف بأي كلمة تخصه بالرغم من سماعه لها:
_ أنــــــــــا!
قبض على يده بقوةٍ حتى شعرت كلًا من تاليا ومريم أن كفه سيتمزق، منحها نظرة غاضبة مردفًا بعض الكلمات المتعصبة:
_ بقولك إيه بلاش استعباط بدل ما انفجر فيكِ.. و
صمت فجأة عندما استمع لصوت الساعة، نظر للساعة ثم صك على أسنانه في غضب، وجه انظاره نحو مريم وتاليا التي تختبئ خلفها قائلًا بنبرة حازمة قاسية:
_ مريم هاتي الملف وتعالي معايا في الاجتماع.. وأنتِ تعالي معايا الاجتماع بس لو سمعت صوتك او اتحركتي هقت.لك فاهمة!
ازدردت حلقها في توتر تحرك رأسها في إيجابية، ثم تحركت مع مريم اتجاه غرفة الاجتماع كي يبدأ ناقش جديد حول مناقصة جديدة!
*******
لم تستطع استيعاب ما فعله، هل كانت تخطو بالقلم على عقد زوجهما، هل بالفعل فعلت هكذا؟، رمشت بأهدابها عدة مرات ربما تعي ما حدث منذ لحظات، هتفت بنبرة متحشرجة تحمل نصل الصدمة التي أخذتها للتو:
_ أنت بتقول ايه؟!
طوى الورقة واضعًا إياها في جيب سرواله، يبتسم في برود، متطلعًا لها في صمت، استدار يغادر الغرفة ولكن توقف ما أن شعر بيدها التي تمسك بذراعه في عنف، تردد في شرسة:
_ أنا بكلمك هنا.. رد عليا!
رمقها بنظرة شرسة قائلًا في برود ممسكًا بيدها ليزيلها:
_ لما تتكلمي مع جوزك تتكلمي بأسلوب أحسن من كده!
تراجعت نحو الخلف تحرك رأسها بالنفي، تُغرِق حدقتها بالدموع قائلة بنبرة ربما لو كانت صرخة فلن تعبر عن عنف ألمٍ واحد من ندبة محفورة بداخلها:
_ متقولش جوزك أنا مش متجوزة.. أنا فضلت كل يوم أحلم بواحد يحافظ عليا ونبني مستقبل سوا.. بس أنت لاء أنت هدمرني وهضيع مستقبلي كله.. أنا شوفتك وأنت بتقتل.. أنت مجرم.
لم تشعر سوى بأصابعه حول رقبتها تضغط عليها في قسوة، لم تمتلئ عيناها سوى بالخوف، بينما كانت عيناه مليء بالقسوة، همس الوحش بنبرة قاسية مخيفة:
_ لو فكرتي أنك تزودي في البوقين الحمضنين دول هخلص عليكي زي ما بتقولي، فأهدي على نفسك كده عشان متشوفيش زعلي وأنا زعلي وحش أوي.
تلون وجهها بالزُرقة، تغمض حدقتها وكأنها على حافة الموت وستنتهي حياتها بأي لحظة، تركها فجأة يتطلع لها في برود ممزوج بسخط منه، ثم استدار يغادر الغرفة يلقى تلك الكتلة من الثلج عليها:
_ بكرة هيتعمل فرح.. تجهزي عشانه بدل ما ألبسك الأسود على أقرب الناس ليكِ.
انهمرت الدموع من حدقتها وهي تستمع لصوت الباب يُغلق، تشعر باختناق شديد، هناك من يطبق على أنفاسها، ثُقب أسود حُفر بذاتها فأصبح يتسع إلىٰ أن إلتهم حياتها وأصبحت أشبه بصحراء قاحلة تفتقد الأمل، أجهشت في البكاء وهي تنزل نحو الأعلى مرددة بنبرة غلب عليها نوع من القهر:
_ آآآه يارب أنا تعبانة اوي.. دا اختبار منك وراضية بيه بس دبرها من عندك يارب.. خايفة طاقتي تخلص.. اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لي به وارحمني يا أرحم الراحمين.
احتضنت نفسها تدعو الله بأن ينقذها من ذاك المأزق الذي وقعت به، تفكر هل بالفعل سينتهي بها الأمر بالزواج من هذا القا.تل!
*****
:_ خلاص يا بشمهندس آدم كده حطينا الشروط واتفقنا عليها وعلى معادنا المرة الجاية!
تطلع له آدم ببسمة رسمية مرددًا في هدوء:
_ تمام.. روحي يا مريم عشان توصليهم!
نهضت مريم سريعًا تذهب مع الباقية لتصلهم، بينما تحركت تاليا محاولة الخروج ولكن توقفت جامدة ما أن استمعت لصوت آدم يردد في حدة:
_ اعتقد أنك شغالة هنا والسكرتيرة بتاعتي فالمفروض لما تخرجي تسألي إذا كنت هتهبب اعوز حاجة ولا لاء!
استدارت تاليا تتطلع نحوه في توتر، مرددة بنبرة متلثمة:
_ هحضرتك هتتهبب تعوز حاجة!
حدق بها في ذهول ثم نهض من مقعده يتقدم نحوها في غضب، ركضت تاليا تدور حول المقاعد قائلة في ذعر:
_ أنت هتضرب ولا ايه!
:_ هضرب دا أنا هشرب من د.مك وأخلص عليكي!
قالها بعدما فقد أخر ذرة بعقله، لتسرع تاليا تندفع بكلماتها المجنونة قائلة:
_ يالهوي طلعت دركولا شكيت فيك برضو ما دي مش أخلاق بني آدمين.
توقف آدم عن الركض خلفها، يتطلع لها في صدمة، وضع يده على رأسه محاولًا السيطرة على ذاك الصداع الذي التهم رأسه فجأة يتمتم في ألم:
_ أنا عمري في حياتي ما قبلت حد زيك يا شيخة هتجبلي جلطة من عمايلك فيا.. والنصيبة أني مستحملك ومستحمل أسلوبك دا وعشان وصية أمي ساكت.. فضلك غلطة معايا وساعتها مكانك هيفضى هنا فاهمة!
ازدردت حلقها في صعوبة، تراقب ذاك الفراغ الذي تركه، مدت يدها تحمل تلك الأوراق الخاصة بمناقصة ثم عادت لمكتبها تحاول أن تصمد قدر الإمكان أمام ذاتها المضمورة أسفل بركة ضخمة من الدموع متمنية اللحظة التي تنفجر بها وتفرغها، وأمام مريم التي لاحظت صمتها الغريب أمامها.
لم يتعامل آدم مع تاليا طيلة اليوم حتى أنتهي الدوام، غادرت كلًا من تاليا ومريم المكتب، ولكن كان صمت تاليا يزيد قلق مريم لتهتف بنبرة متحيرة:
_ مالك يا تاليا من ساعة الاجتماع وأنتِ ساكتة في حاجة حصلت!
رسمت ابتسامة مهترئة على شفتيها تجيب في حزن:
_ لا يا مريم مفيش أنا بس بحاول أشوف هجيب شبسي ولا لاء عشان ماما منعاني منه!
حدقت بها مريم قليلًا ثم ضحكت بشدة على ما تتفوه به، ربتت على ذراعها تتمتم في فطنه:
_ خلاص يا ستي وقت ما تحبي تتكلمي أنا سمعاكي وأنتِ معاكِ رقمي، همشي عشان ألحق البيت بقى قبل ما محمد يشد في شعره من العيال.
غادرت مريم من أمام الشركة بينما شعرت تاليا برغبة جامحة في البكاء لتنطلق في طريق يصلها بالجراج الخاص بالشركة، وقفت أمام احدى العربات وجلست جوارها، ثم انفجرت في البكاء بشدة لا تعلم من أين أتت بتلك الدموع ولكن هي بأشد الحاجة لها الآن ربما تريح قلبها الذي يتلو من الألم.
غادر آدم الشركة يتجه نحو الجراج، كاد أن يفتح باب السيارة ولكن استمع لصوت شهقات عالية، استدار يحاول ايجاد هذا الصوت فوجده بركنٍ بعيد عن مدخل، تقدم ليرى من موجود بهذا المكان وتفاجئ بـ تاليا هي من تصدر تلك الشهقات العنيفة، هتف بنبرة مذهولة:
_ بتعملي إيه هنا؟ وايه اللي مقعدك كده!
انتفضت من مكانها في فزع، ثم نهضت تزيل دموعها قائلة من بين شهقاتها:
_ مـ مـ مفيش!
حملت حقيبتها ثم اتجهت نحو الخارج ولكن توقفت بعدما صدع صوته يحمل الحزم:
_ سألتك سؤال يبقى تردي عليه!
لم تعلم ماذا تفعل بتلك اللحظة، لتفجر مرة أخرى في البكاء، دُهش آدم من طريقتها وأصبح جاهلًا ما الذي يفعله معها، يتمتم بنبرة متوترة:
_ يا بنتي بتعيطي كده ليه؟
مدت كفها تزيل دموعها كالأطفال مجيبة في حزن:
_ عشان مش نافعة في حاجة! حياتي كلها بتبوظ بسبب تفاهتي! يمكن مفيش حد بيستحملني غير بابا وماما وأختي سدرا بس! معنديش صحاب وفاشلة في أكتر حاجة بتمنى اشوف نفسي فيها! وحضرتك النهاردة كنت هتفطس بسببي!
ضحك آدم على أخر كلمة نطقت بها، بينما تعجبت تاليا من ضحكه على حديثها، وظنت أنه يضحك على حديثها، لاحظ نظراتها التي بدأت تتحول لحزن أكبر ليسرع بالحديث قائلًا:
_ اهدي أنا بس كلمة هتفطس دي ضحكتني والصراحة عليكي وصف للحالات رهيب.
لاحظ ظهور ابتسامة هادئة على شفتيها، ليسترسل حديثه في جدية:
_ طيب هنتكلم جد.. أنا فعلا مجهز قرر رفدك من الشركة ودا لأسباب كتير منهم أنك حتى مش بتعرفي تتكلمي قدام الناس باحترم عني.. وأنا ليا أسمي ومركزي أي كلمة منك هضرني.. ولا سيما أني عهدت أني هساعد أي شخص لحد ما يوصل للعايزه بس أنتِ كده بتأذيني.. لزمًا تبتدي من عندك يا تاليا عشان اقدر اساعدك غير كده فأعذريني عن المساعدة.. هديكي فرصة أخيرة تحاولي فيها وكل ما شوفتك بتجتهدي بيكون ليكي رصيد واعتقد كده عملت اللي عليا!
رفع يده في الهواء مبتسمًا في مرح، بينما ابتسمت تاليا في هدوء مرددة بنبرة هادئة عكس طبيعتها:
_ شكرًا وهحاول أنفذ اللي حضرتك عايزه.
تركته تهرول نحو الخارج، تتسع ابتسامتها شيئًا فشيء حتى ضحكت بصوت عالي تشعر بسعادة شديدة، همست بداخلها في فرح:
_ يا ريتك معايا يا سدرا!
*****
ظلت سدرا طيلة الليل مستيقظة حتى أشرقت الشمس بأشعتها على الجميع ولكن لم تشرق بقلبها، ظلت على حالها كثيرًا تشعر بالقهر ولكن رفضت هذا الشعور تنتظر اللحظة المناسبة لتنتقم منه، نظرت نحو الباب الذي فتحته سيدة للتو، تقدمت منها مرددة بنبرة حنونة:
_ يلا يا بنتي عشان اجهزك الفرح خلاص كله ساعات وفي شغل كتير!
لاحظت سيدة الاشمئزاز الموجود بحدقتيها تجاهها واتجاه الوحش ولكن ما باليد حيلة، ساروا سويًا تساعدها في اعداد ذاتها في صمت، تشعر بالقلق على عائلتها من بطشة هذا المتوحش، ولكن تتذكر جيدًا حديثه عندما قال « طول ما أنتِ بتسمعي الكلام طول ما أهلك بخير»، تعلم جيدًا أن حماية عائلتها يعتمد على خضوعها له، ستخضع ولكن ستنتقم منه!
ظل الجميع طيلة اليوم يعدون المطلوب منهم جيدًا حتى وانتهوا جميعًا من اعداد سدرا، فلم يبق سوى أن يحضرها الوحش للفرح لتجلس أمام الجميع ويعلن هكذا زواجهما.
طرق حندوق باب الغرفة يدلف لغرفة الوحش ليجده لم يستعد بعد، تعجب منه قائلًا بنبرة مندهشة:
_ إيه يا وحش باشا خلاص العروسة جهزت ومستنية حضرتك!
ابتسم له في سخط، ثم نهض يحمل جلبابه يغمغم في سخرية:
_ عروسة! قولها جاي.
حرك حندوق رأسه ثم توجه نحو والدته ليخبره، في حين بدأ الوحش يبدل ملابسه ويستعد لبدأ مراسم الزواج التي باتت كنقطة سوداء ستغير حياته.
*****
:_ يعني ايه لسه بيجهز، هو بيحط ميكاب ولا بيلبس فستان ولا بيظبط طرحة.. دا كده اسمها قلة ذوق منه!
قالتها سدرا في غضب جامح، بينما شعرت سيدة ببعض التوتر لتندفع سريعًا بالكلام قبل أن تكمل سدرا حديثها:
_ يابنتي معلش هو بيشتغل وأكيد اتعطل، شوية وجاي.
جلست سدرا على السرير، تهز قدمه في حركة عصبية، تنظر للساعة في ضيق شديد، مر بعض الوقت ولم يأت لتنهض قائلة بنبرة متعصبة تستدير نحو الخزانة:
_ أنا هغير الفستان.. دا إنسان عشوائي يبقى يدور على عروسة بقى يحطها جنبه في الكوشه، مش متجوزني غضب عني وكمان يهني بالشكل دا.. أنا مش جارية وقت ما يعوز انفذ.
:_ حلو اوي وأنا كمان مش عايز فرح، سيدة ابقى قولي للناس أن الوحش لغي الفرح وقاعد مع عروسته.
قالها الوحش مبتسمًا في برود، بينما استدارت سدرا تتطلع نحو في شك قائلة بنبرة حذرة:
_ أنت بتفكر في ايه بظبط!
تقدم نحوها في هدوء يبتسم في خبث، ثم توقف أمامها يمد يده فوق إحدى خصلات شعرها الظاهرة دون عمد يهمس ببعض المكر:
_ عريس مع عروسته هيكون في خيالك كده هيعمل ايه!
اتسعت عيناها في صدمة، ثم تلون وجهها بحرج، بينما استدار الوحش قائلًا:
_ لسه وقفة عندك بتعملي ايه يا سيدة ألغي الفرح!
:_ لاء هتعملي ايه أنا هنزل اقعد في الفرح!
صرخت بتلك الجُملة سريعًا، في حين نظر لها الوحش في برود قائلًا:
_ يبقى تحسبي كل كلمة هتخرج منك أزاي عشان هتكوني بعد كده خسرانه!
امسك بيدها، واضعا أيها بيده متجها بها للخارج، يسير وسط الزغاريد النساء وطلقات النيران من رجاله، جلست إلى جواره بالمكان لمخصص للعرسان، ثم تطلع نحو الجميع في صمت، كانت دائمًا تحلم بوجود تاليا جوارها، وبوجود والدتها، ولكن الآن هي بمفردها، ستظل وحيدة.. تلك اللحظة التي خشيت أن تراها والآن هي تعيش بها !
شعرت باختناق من هذا الشعور، ثم حاولت التنفس في هدوء ولكن لم تجد فائدة أصبحت محاصرة من كل اتجاه، أمسكت بيد الوحش الذي يشاهد رقص الرجال بالأسلحة، تردد في همس بحمل انين الألم:
_ لو سمحت مش قادرة أكمل عايزة أقوم.. أنا بتخنق!
نظر لها ظنًا منه أنها تحاول تحديه، ولكن لاحظ تغير ملامحها بالفعل وأنها تختنق، نهض الوحش بمسك بمسدسه يطلق العديد من الرصاص قائلًا بصوتٍ عالي:
_ العشا هينزل للرجالة الليلة مش عايز حد جعان كله ياكل لحد ما يشبع.
امسك بيد سدرا ثم هبط من السُلم الخشبي متجهًا نحو المنزل، وما أن وصل كلاهما للغرفة حتى أغلق الباب يردد بنبرة جادة تحمل بعض القسوة:
_ أسمك اتكتب على اسمي ولحد ما اطلقك تسمعي كلامي ، مش عايز شغل لعب العيال بتاعك دا فاهمة ولو قولتي كلمة غير فاهمة هنفذ اللي خايفة منه!
حدقت به في كره، تدمع عيناها بنوعٍ من القهر، همست بصوتٍ متحشرج:
_ فاهمة.. بس مش هنسى ذُلك ليا!
ابتسم في سخرية، واستدار يردد بكلمة واثقة تعجبت لها سدرا؛:
_ معتقدتش.
وقفت سدرا تحمل ملابسها، تنتظر انتهائه وما أن خرج من الحمام، حتى دلفت هي الأخرى دون أن تنظر تجاهه، تحاول أن تنتهي من هذا الفستان الذي بات كالثُقل الذي يقتلها، وقفت أمام المرآة تتطلع لوجهها الذي دُفن أسفل مشاعر ستُنهي حياتها قريبًا، ابتسمت ببعض الحزن قائلة:
_ بمثل القوة وأنا ضعيفة.. بمثل الفرحة وأنا في اشد وقت محتاجة اعيط فيه.. بمثل كل المشاعر الايجابية وأنا مدفونة وسط مشاعر سلبية هتموتني.. أنا أخصائية نفسية أعالج الكل بس في النهاية فشلت أكبر فشل في علاجي أنا.
استدارت تنطلق نحو الخارج، تشعر أنها روبوت يجب عليه تنفيذ الأوامر، ولكنها توقفت فجأة وهي ترى الوحش نائمًا على الفراش ولم يترك لها أي مساحة للنوم، صكت على أسنانها في غيظ تغمغم:
_ أتصدق أنك بني آدم بدون قلب ولا مشاعر أقوله إيه غير كده، دا لو فار معدي هصعب عليه.
جلست على الأريكة، وهي لاتزال تُبرطم بالحديث، حتى غفت مكانها بعد أن أزالت حجابها كي لا تختنق بالليل، في حين استيقظ الوحش يبتسم على حديثها الذي استمع له مستمتعًا بكل كلمة قالتها، نهض يحملها في هدوء واضعًا إياها على الفراش، ثم تأمل ملامحها الهادئ يبتسم لها في حزن ثم غادر الغرفة بعدما تأكد من عدم استطعت الجميع رؤيته!
****
صوت تناثر حبات الزجاج يرتفع كلما ألقي سليم بكل ما يقابله بيده، يهدر في غضب متطلعًا لهم بنظراتٍ أرعبت الجميع:
_ يعني ايه اتجوزت الوحش.. سدرا دي ليا أنتم فاهمين ولا مش فاهمين؟ دلوقتي تقولولي أنها بقت أرمله.. يــــــــــــــلا!
اختفي رجال سليم سريعًا، في حين ابتسم في جنون يردد بنبرة متملكة:
_ هتكوني ملكي وساعتها بس مش هخلي مخلوق يفكر يشوفك!
****
سار الوحش خارج الحارة كعادته، ربما يشعر ببعض الراحة التي اختفت منذ سنوات، يتمنى أن ينهمر المطر على حياته فيطهرها كما يطهر الأرض من التلوث، فاق من شروده على حركةٍ حوله غير طبيعية، نظر حوله في حذر، ثم قبض على يده في غضب بعدما علم أنه محاوط من رجال سليم، نظر حوله قائلًا في لامبالاة:
_ اضربوا مستنين ايه؟!
خرج اربعة قد ارسلهم له، بينما ابتسم الوحش في مكر بعدما علم عددهم، مد أحدهم يده بالمسدس يستعد لإطلاق النيران عليه ولكن قبل أن تدلف الرصاصة بصدره دلفت بصدر رجل من هؤلاء الرجال بعدما دفعه الوحش أمامه في حركة سريعة غير متوقعة، سقط أرضًا في حين أشار أحدهم للاثنان المتبقيان بأن يأتوا معه كي يمسكوه ثلاثتهم، وبالفعل تقدموا نحو الوحش يسددون له العديد من اللكمات التي تصدى لبعضها والبعض الأخر لم يستطع ليسقط أرضًا من عنف ضربهم وتلقيه ضربه لم يتوقعها فوق رأسه من الخلف، أخرج أحدهم المسدس ثم أطلق رصاص بصدره يبتسمون في سعادة أنهم أنهوا تلك المهمة، غادروا تاركين إياها يغرق بدمائه، فلم يشعر هو سوى بألم عنيف يغزو جسده وأنفاسه تكاد تنقطع..
يتبع!
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
(مشاعر حزينة)
:_ بتعلمي إيه عندك؟
صوت كالرعد صدع داخل غرفة الاجتماع، شعرت بفزعٍ مفاجئ ثم اختل توازنها فوق المقعد ثم وقعت على الأرض تصرخ من شدة الألم الذي أصاب ظهرها تردد بنبرة مغتاظة:
_ إيه يا عم دا ضهري اتكسر!
صك آدم على أسنانه في غضب، يقبض على يديه في عنف ملقيًا الملف الخاص بالاجتماع على الطاولة قائلًا بنبرة عنيفة:
_ هو أنا مش حذرتك من اسلوبك دا! ثم بتهببي ايه فوق الكرسي والتكيف؟
شعرت ببعض التوتر من نظراته الغاضبة المغلفة بقسوة، استندت على يدها محاولة النهوض، تضبط ملابسها جيدًا قائلة في ارتباك تملك منها:
_ ها أصل التكيف عليه تراب فجبت الكرسي عشان امسح التراب.
رفع حاجبه في استنكار، ثم سار بخطواتٍ بطيئة نحو مقعده، جلس عليه يضع يده أسفل ذقنه يردد بنبرة واثقة:
_ أكتر حاجة بكره الكذب فقولي بهدوء وصراحة كده بتعملي ايه فوق!
أغمضت عيناها تشعر أنها وسط حصار قوي، همست بداخلها قائلة:
_ يا حسرتي على الشغل اللي ضاع.. يعني مش قادرة امسك نفسي شوية!
نظرت نحو تجيب في توتر:
_ أصل.. أصل أنا نفسي اشوف تكيف وكده فـ.. فـ يعني كنت بألقي نظرة بريئة عليه!
ألقى نظرة ساخطة عليه، ثم أردف في حزم:
_ خلصي وروحي لمريم ساعديها عشان الاجتماع فاضل عليه تلات دقايق.
حركت رأسها وسارت تضع يدها على ظهرها تتأوه منه، تحكم آدم في ضحكته ثم قال بنبرة جادة:
_ تاليا.
استدارت تنظر له في تعجب، بينما أردف آدم يتطلع للأوراق التي أمامه يرفع ما يريده:
_ الشركة هنا مش البيت عندك عشان تبوظي الأجهزة اللي فيها!
نظر لها بعد كلمته الأخيرة، بينما ابتسمت تاليا في حرج ثم استدارت تغادر الغرفة وهي تريد أن تدفن وجهها بين حبات الرمال.
****
أغلقت تاليا الباب وهي لاتزال واضعة يدها خلف ظهرها تردد بنبرة مغتاظة:
_ نانانانا هو دا بس اللي عايز تقوله.. كسرت ضهري وبس متعرفش تعمل غير كده تفتري على الغلابة!
تعجبت مريم من كلمات تاليا الغاضبة، لتردف في تساؤل، تلتمع عيناها بدهشة:
_ مالك يا تاليا حصل حاجة!
تطلعت لها في بعض الغضب وتولي ظهرها للباب مرددة في حنق:
_ البيه صاحب الشركة بيفتري على الغلابة فيها ايه لما ابص بصة بريئة على التكييف.. عامل زي عفريت العلبة بيطلع من تحت الأرض.. مش فالح غير أنه كسر ضهري وبيخضني كل شوية!
تعجبت من نظرات مريم الملتاعة، بينما لم تفهم تاليا نظراتها واعتقدت أنها لا تحب الحديث عنه لتسترسل حديثه المغتاظ:
_ عارفة أنك مش بتحبي اتكلم عليه.. بس اتصدقي هو فعلا ميستحقش اجيب أسمه على لساني الرقيق.. كفاية اني اتكرمت عليه واشتغلت معه في الشركة دي.
حاولت مريم الاشارة نحو الخلف ولكن لم تتفهم تاليا أيضًا نظراتها وبقيت تتحدث في سخط عليه، لتهمس مريم بداخلها:
_ روحنا في داهية!
توقفت تاليا عن الحديث وهي تشعر بوجود أحد خلفها، ازدردت حلقها في رعب تنظر نحو مريم قائلة في همس:
_ هو!
حركت مريم رأسها ترفق معها ابتسامة خفيفة لم تحمل معنى سوى « هو وروحنا في داهية»، وضعت تاليا يدها على احدي وجنتيها تحاول استيعاب ما يحدث، لتردف ببسمة مزيفة:
_ بس اقولك حاجة يا مريم على قد كده هو طيب وابن ناس وبيقدر اللي قدمه وراجل معطاء!
:_ والله! أنا دلوقتي راجل معطاء!
قالها آدم بنبرة مستنكرة، بينما قفزت تاليا جوار مريم تختبئ خلفها تردد بنبرة متوترة:
_ شوف بتيجي على السيرة الحلوة!
تقدم في خطوة مغتاظة، يتمنى لو تقع أسفل يده ليقتلع عنقها ربما تهدأ تلك البراكين الثائر من عنف الغضب بداخله، أردف آدم بنبرة غاضبة لم تراها مريم من قبل:
_ بت أنتِ اتظبطي بدل ما اظبطك، مش كل ما أروح في حتة ألقيكي بتجيبي في سيرتي وتشتمي!
نظرت له تاليا في ذهول مزيف قائلة بنبرة شعر آدم أنها لم تردف بأي كلمة تخصه بالرغم من سماعه لها:
_ أنــــــــــا!
قبض على يده بقوةٍ حتى شعرت كلًا من تاليا ومريم أن كفه سيتمزق، منحها نظرة غاضبة مردفًا بعض الكلمات المتعصبة:
_ بقولك إيه بلاش استعباط بدل ما انفجر فيكِ.. و
صمت فجأة عندما استمع لصوت الساعة، نظر للساعة ثم صك على أسنانه في غضب، وجه انظاره نحو مريم وتاليا التي تختبئ خلفها قائلًا بنبرة حازمة قاسية:
_ مريم هاتي الملف وتعالي معايا في الاجتماع.. وأنتِ تعالي معايا الاجتماع بس لو سمعت صوتك او اتحركتي هقت.لك فاهمة!
ازدردت حلقها في توتر تحرك رأسها في إيجابية، ثم تحركت مع مريم اتجاه غرفة الاجتماع كي يبدأ ناقش جديد حول مناقصة جديدة!
*******
لم تستطع استيعاب ما فعله، هل كانت تخطو بالقلم على عقد زوجهما، هل بالفعل فعلت هكذا؟، رمشت بأهدابها عدة مرات ربما تعي ما حدث منذ لحظات، هتفت بنبرة متحشرجة تحمل نصل الصدمة التي أخذتها للتو:
_ أنت بتقول ايه؟!
طوى الورقة واضعًا إياها في جيب سرواله، يبتسم في برود، متطلعًا لها في صمت، استدار يغادر الغرفة ولكن توقف ما أن شعر بيدها التي تمسك بذراعه في عنف، تردد في شرسة:
_ أنا بكلمك هنا.. رد عليا!
رمقها بنظرة شرسة قائلًا في برود ممسكًا بيدها ليزيلها:
_ لما تتكلمي مع جوزك تتكلمي بأسلوب أحسن من كده!
تراجعت نحو الخلف تحرك رأسها بالنفي، تُغرِق حدقتها بالدموع قائلة بنبرة ربما لو كانت صرخة فلن تعبر عن عنف ألمٍ واحد من ندبة محفورة بداخلها:
_ متقولش جوزك أنا مش متجوزة.. أنا فضلت كل يوم أحلم بواحد يحافظ عليا ونبني مستقبل سوا.. بس أنت لاء أنت هدمرني وهضيع مستقبلي كله.. أنا شوفتك وأنت بتقتل.. أنت مجرم.
لم تشعر سوى بأصابعه حول رقبتها تضغط عليها في قسوة، لم تمتلئ عيناها سوى بالخوف، بينما كانت عيناه مليء بالقسوة، همس الوحش بنبرة قاسية مخيفة:
_ لو فكرتي أنك تزودي في البوقين الحمضنين دول هخلص عليكي زي ما بتقولي، فأهدي على نفسك كده عشان متشوفيش زعلي وأنا زعلي وحش أوي.
تلون وجهها بالزُرقة، تغمض حدقتها وكأنها على حافة الموت وستنتهي حياتها بأي لحظة، تركها فجأة يتطلع لها في برود ممزوج بسخط منه، ثم استدار يغادر الغرفة يلقى تلك الكتلة من الثلج عليها:
_ بكرة هيتعمل فرح.. تجهزي عشانه بدل ما ألبسك الأسود على أقرب الناس ليكِ.
انهمرت الدموع من حدقتها وهي تستمع لصوت الباب يُغلق، تشعر باختناق شديد، هناك من يطبق على أنفاسها، ثُقب أسود حُفر بذاتها فأصبح يتسع إلىٰ أن إلتهم حياتها وأصبحت أشبه بصحراء قاحلة تفتقد الأمل، أجهشت في البكاء وهي تنزل نحو الأعلى مرددة بنبرة غلب عليها نوع من القهر:
_ آآآه يارب أنا تعبانة اوي.. دا اختبار منك وراضية بيه بس دبرها من عندك يارب.. خايفة طاقتي تخلص.. اللهم لا تحملنا ما لا طاقة لي به وارحمني يا أرحم الراحمين.
احتضنت نفسها تدعو الله بأن ينقذها من ذاك المأزق الذي وقعت به، تفكر هل بالفعل سينتهي بها الأمر بالزواج من هذا القا.تل!
*****
:_ خلاص يا بشمهندس آدم كده حطينا الشروط واتفقنا عليها وعلى معادنا المرة الجاية!
تطلع له آدم ببسمة رسمية مرددًا في هدوء:
_ تمام.. روحي يا مريم عشان توصليهم!
نهضت مريم سريعًا تذهب مع الباقية لتصلهم، بينما تحركت تاليا محاولة الخروج ولكن توقفت جامدة ما أن استمعت لصوت آدم يردد في حدة:
_ اعتقد أنك شغالة هنا والسكرتيرة بتاعتي فالمفروض لما تخرجي تسألي إذا كنت هتهبب اعوز حاجة ولا لاء!
استدارت تاليا تتطلع نحوه في توتر، مرددة بنبرة متلثمة:
_ هحضرتك هتتهبب تعوز حاجة!
حدق بها في ذهول ثم نهض من مقعده يتقدم نحوها في غضب، ركضت تاليا تدور حول المقاعد قائلة في ذعر:
_ أنت هتضرب ولا ايه!
:_ هضرب دا أنا هشرب من د.مك وأخلص عليكي!
قالها بعدما فقد أخر ذرة بعقله، لتسرع تاليا تندفع بكلماتها المجنونة قائلة:
_ يالهوي طلعت دركولا شكيت فيك برضو ما دي مش أخلاق بني آدمين.
توقف آدم عن الركض خلفها، يتطلع لها في صدمة، وضع يده على رأسه محاولًا السيطرة على ذاك الصداع الذي التهم رأسه فجأة يتمتم في ألم:
_ أنا عمري في حياتي ما قبلت حد زيك يا شيخة هتجبلي جلطة من عمايلك فيا.. والنصيبة أني مستحملك ومستحمل أسلوبك دا وعشان وصية أمي ساكت.. فضلك غلطة معايا وساعتها مكانك هيفضى هنا فاهمة!
ازدردت حلقها في صعوبة، تراقب ذاك الفراغ الذي تركه، مدت يدها تحمل تلك الأوراق الخاصة بمناقصة ثم عادت لمكتبها تحاول أن تصمد قدر الإمكان أمام ذاتها المضمورة أسفل بركة ضخمة من الدموع متمنية اللحظة التي تنفجر بها وتفرغها، وأمام مريم التي لاحظت صمتها الغريب أمامها.
لم يتعامل آدم مع تاليا طيلة اليوم حتى أنتهي الدوام، غادرت كلًا من تاليا ومريم المكتب، ولكن كان صمت تاليا يزيد قلق مريم لتهتف بنبرة متحيرة:
_ مالك يا تاليا من ساعة الاجتماع وأنتِ ساكتة في حاجة حصلت!
رسمت ابتسامة مهترئة على شفتيها تجيب في حزن:
_ لا يا مريم مفيش أنا بس بحاول أشوف هجيب شبسي ولا لاء عشان ماما منعاني منه!
حدقت بها مريم قليلًا ثم ضحكت بشدة على ما تتفوه به، ربتت على ذراعها تتمتم في فطنه:
_ خلاص يا ستي وقت ما تحبي تتكلمي أنا سمعاكي وأنتِ معاكِ رقمي، همشي عشان ألحق البيت بقى قبل ما محمد يشد في شعره من العيال.
غادرت مريم من أمام الشركة بينما شعرت تاليا برغبة جامحة في البكاء لتنطلق في طريق يصلها بالجراج الخاص بالشركة، وقفت أمام احدى العربات وجلست جوارها، ثم انفجرت في البكاء بشدة لا تعلم من أين أتت بتلك الدموع ولكن هي بأشد الحاجة لها الآن ربما تريح قلبها الذي يتلو من الألم.
غادر آدم الشركة يتجه نحو الجراج، كاد أن يفتح باب السيارة ولكن استمع لصوت شهقات عالية، استدار يحاول ايجاد هذا الصوت فوجده بركنٍ بعيد عن مدخل، تقدم ليرى من موجود بهذا المكان وتفاجئ بـ تاليا هي من تصدر تلك الشهقات العنيفة، هتف بنبرة مذهولة:
_ بتعملي إيه هنا؟ وايه اللي مقعدك كده!
انتفضت من مكانها في فزع، ثم نهضت تزيل دموعها قائلة من بين شهقاتها:
_ مـ مـ مفيش!
حملت حقيبتها ثم اتجهت نحو الخارج ولكن توقفت بعدما صدع صوته يحمل الحزم:
_ سألتك سؤال يبقى تردي عليه!
لم تعلم ماذا تفعل بتلك اللحظة، لتفجر مرة أخرى في البكاء، دُهش آدم من طريقتها وأصبح جاهلًا ما الذي يفعله معها، يتمتم بنبرة متوترة:
_ يا بنتي بتعيطي كده ليه؟
مدت كفها تزيل دموعها كالأطفال مجيبة في حزن:
_ عشان مش نافعة في حاجة! حياتي كلها بتبوظ بسبب تفاهتي! يمكن مفيش حد بيستحملني غير بابا وماما وأختي سدرا بس! معنديش صحاب وفاشلة في أكتر حاجة بتمنى اشوف نفسي فيها! وحضرتك النهاردة كنت هتفطس بسببي!
ضحك آدم على أخر كلمة نطقت بها، بينما تعجبت تاليا من ضحكه على حديثها، وظنت أنه يضحك على حديثها، لاحظ نظراتها التي بدأت تتحول لحزن أكبر ليسرع بالحديث قائلًا:
_ اهدي أنا بس كلمة هتفطس دي ضحكتني والصراحة عليكي وصف للحالات رهيب.
لاحظ ظهور ابتسامة هادئة على شفتيها، ليسترسل حديثه في جدية:
_ طيب هنتكلم جد.. أنا فعلا مجهز قرر رفدك من الشركة ودا لأسباب كتير منهم أنك حتى مش بتعرفي تتكلمي قدام الناس باحترم عني.. وأنا ليا أسمي ومركزي أي كلمة منك هضرني.. ولا سيما أني عهدت أني هساعد أي شخص لحد ما يوصل للعايزه بس أنتِ كده بتأذيني.. لزمًا تبتدي من عندك يا تاليا عشان اقدر اساعدك غير كده فأعذريني عن المساعدة.. هديكي فرصة أخيرة تحاولي فيها وكل ما شوفتك بتجتهدي بيكون ليكي رصيد واعتقد كده عملت اللي عليا!
رفع يده في الهواء مبتسمًا في مرح، بينما ابتسمت تاليا في هدوء مرددة بنبرة هادئة عكس طبيعتها:
_ شكرًا وهحاول أنفذ اللي حضرتك عايزه.
تركته تهرول نحو الخارج، تتسع ابتسامتها شيئًا فشيء حتى ضحكت بصوت عالي تشعر بسعادة شديدة، همست بداخلها في فرح:
_ يا ريتك معايا يا سدرا!
*****
ظلت سدرا طيلة الليل مستيقظة حتى أشرقت الشمس بأشعتها على الجميع ولكن لم تشرق بقلبها، ظلت على حالها كثيرًا تشعر بالقهر ولكن رفضت هذا الشعور تنتظر اللحظة المناسبة لتنتقم منه، نظرت نحو الباب الذي فتحته سيدة للتو، تقدمت منها مرددة بنبرة حنونة:
_ يلا يا بنتي عشان اجهزك الفرح خلاص كله ساعات وفي شغل كتير!
لاحظت سيدة الاشمئزاز الموجود بحدقتيها تجاهها واتجاه الوحش ولكن ما باليد حيلة، ساروا سويًا تساعدها في اعداد ذاتها في صمت، تشعر بالقلق على عائلتها من بطشة هذا المتوحش، ولكن تتذكر جيدًا حديثه عندما قال « طول ما أنتِ بتسمعي الكلام طول ما أهلك بخير»، تعلم جيدًا أن حماية عائلتها يعتمد على خضوعها له، ستخضع ولكن ستنتقم منه!
ظل الجميع طيلة اليوم يعدون المطلوب منهم جيدًا حتى وانتهوا جميعًا من اعداد سدرا، فلم يبق سوى أن يحضرها الوحش للفرح لتجلس أمام الجميع ويعلن هكذا زواجهما.
طرق حندوق باب الغرفة يدلف لغرفة الوحش ليجده لم يستعد بعد، تعجب منه قائلًا بنبرة مندهشة:
_ إيه يا وحش باشا خلاص العروسة جهزت ومستنية حضرتك!
ابتسم له في سخط، ثم نهض يحمل جلبابه يغمغم في سخرية:
_ عروسة! قولها جاي.
حرك حندوق رأسه ثم توجه نحو والدته ليخبره، في حين بدأ الوحش يبدل ملابسه ويستعد لبدأ مراسم الزواج التي باتت كنقطة سوداء ستغير حياته.
*****
:_ يعني ايه لسه بيجهز، هو بيحط ميكاب ولا بيلبس فستان ولا بيظبط طرحة.. دا كده اسمها قلة ذوق منه!
قالتها سدرا في غضب جامح، بينما شعرت سيدة ببعض التوتر لتندفع سريعًا بالكلام قبل أن تكمل سدرا حديثها:
_ يابنتي معلش هو بيشتغل وأكيد اتعطل، شوية وجاي.
جلست سدرا على السرير، تهز قدمه في حركة عصبية، تنظر للساعة في ضيق شديد، مر بعض الوقت ولم يأت لتنهض قائلة بنبرة متعصبة تستدير نحو الخزانة:
_ أنا هغير الفستان.. دا إنسان عشوائي يبقى يدور على عروسة بقى يحطها جنبه في الكوشه، مش متجوزني غضب عني وكمان يهني بالشكل دا.. أنا مش جارية وقت ما يعوز انفذ.
:_ حلو اوي وأنا كمان مش عايز فرح، سيدة ابقى قولي للناس أن الوحش لغي الفرح وقاعد مع عروسته.
قالها الوحش مبتسمًا في برود، بينما استدارت سدرا تتطلع نحو في شك قائلة بنبرة حذرة:
_ أنت بتفكر في ايه بظبط!
تقدم نحوها في هدوء يبتسم في خبث، ثم توقف أمامها يمد يده فوق إحدى خصلات شعرها الظاهرة دون عمد يهمس ببعض المكر:
_ عريس مع عروسته هيكون في خيالك كده هيعمل ايه!
اتسعت عيناها في صدمة، ثم تلون وجهها بحرج، بينما استدار الوحش قائلًا:
_ لسه وقفة عندك بتعملي ايه يا سيدة ألغي الفرح!
:_ لاء هتعملي ايه أنا هنزل اقعد في الفرح!
صرخت بتلك الجُملة سريعًا، في حين نظر لها الوحش في برود قائلًا:
_ يبقى تحسبي كل كلمة هتخرج منك أزاي عشان هتكوني بعد كده خسرانه!
امسك بيدها، واضعا أيها بيده متجها بها للخارج، يسير وسط الزغاريد النساء وطلقات النيران من رجاله، جلست إلى جواره بالمكان لمخصص للعرسان، ثم تطلع نحو الجميع في صمت، كانت دائمًا تحلم بوجود تاليا جوارها، وبوجود والدتها، ولكن الآن هي بمفردها، ستظل وحيدة.. تلك اللحظة التي خشيت أن تراها والآن هي تعيش بها !
شعرت باختناق من هذا الشعور، ثم حاولت التنفس في هدوء ولكن لم تجد فائدة أصبحت محاصرة من كل اتجاه، أمسكت بيد الوحش الذي يشاهد رقص الرجال بالأسلحة، تردد في همس بحمل انين الألم:
_ لو سمحت مش قادرة أكمل عايزة أقوم.. أنا بتخنق!
نظر لها ظنًا منه أنها تحاول تحديه، ولكن لاحظ تغير ملامحها بالفعل وأنها تختنق، نهض الوحش بمسك بمسدسه يطلق العديد من الرصاص قائلًا بصوتٍ عالي:
_ العشا هينزل للرجالة الليلة مش عايز حد جعان كله ياكل لحد ما يشبع.
امسك بيد سدرا ثم هبط من السُلم الخشبي متجهًا نحو المنزل، وما أن وصل كلاهما للغرفة حتى أغلق الباب يردد بنبرة جادة تحمل بعض القسوة:
_ أسمك اتكتب على اسمي ولحد ما اطلقك تسمعي كلامي ، مش عايز شغل لعب العيال بتاعك دا فاهمة ولو قولتي كلمة غير فاهمة هنفذ اللي خايفة منه!
حدقت به في كره، تدمع عيناها بنوعٍ من القهر، همست بصوتٍ متحشرج:
_ فاهمة.. بس مش هنسى ذُلك ليا!
ابتسم في سخرية، واستدار يردد بكلمة واثقة تعجبت لها سدرا؛:
_ معتقدتش.
وقفت سدرا تحمل ملابسها، تنتظر انتهائه وما أن خرج من الحمام، حتى دلفت هي الأخرى دون أن تنظر تجاهه، تحاول أن تنتهي من هذا الفستان الذي بات كالثُقل الذي يقتلها، وقفت أمام المرآة تتطلع لوجهها الذي دُفن أسفل مشاعر ستُنهي حياتها قريبًا، ابتسمت ببعض الحزن قائلة:
_ بمثل القوة وأنا ضعيفة.. بمثل الفرحة وأنا في اشد وقت محتاجة اعيط فيه.. بمثل كل المشاعر الايجابية وأنا مدفونة وسط مشاعر سلبية هتموتني.. أنا أخصائية نفسية أعالج الكل بس في النهاية فشلت أكبر فشل في علاجي أنا.
استدارت تنطلق نحو الخارج، تشعر أنها روبوت يجب عليه تنفيذ الأوامر، ولكنها توقفت فجأة وهي ترى الوحش نائمًا على الفراش ولم يترك لها أي مساحة للنوم، صكت على أسنانها في غيظ تغمغم:
_ أتصدق أنك بني آدم بدون قلب ولا مشاعر أقوله إيه غير كده، دا لو فار معدي هصعب عليه.
جلست على الأريكة، وهي لاتزال تُبرطم بالحديث، حتى غفت مكانها بعد أن أزالت حجابها كي لا تختنق بالليل، في حين استيقظ الوحش يبتسم على حديثها الذي استمع له مستمتعًا بكل كلمة قالتها، نهض يحملها في هدوء واضعًا إياها على الفراش، ثم تأمل ملامحها الهادئ يبتسم لها في حزن ثم غادر الغرفة بعدما تأكد من عدم استطعت الجميع رؤيته!
****
صوت تناثر حبات الزجاج يرتفع كلما ألقي سليم بكل ما يقابله بيده، يهدر في غضب متطلعًا لهم بنظراتٍ أرعبت الجميع:
_ يعني ايه اتجوزت الوحش.. سدرا دي ليا أنتم فاهمين ولا مش فاهمين؟ دلوقتي تقولولي أنها بقت أرمله.. يــــــــــــــلا!
اختفي رجال سليم سريعًا، في حين ابتسم في جنون يردد بنبرة متملكة:
_ هتكوني ملكي وساعتها بس مش هخلي مخلوق يفكر يشوفك!
****
سار الوحش خارج الحارة كعادته، ربما يشعر ببعض الراحة التي اختفت منذ سنوات، يتمنى أن ينهمر المطر على حياته فيطهرها كما يطهر الأرض من التلوث، فاق من شروده على حركةٍ حوله غير طبيعية، نظر حوله في حذر، ثم قبض على يده في غضب بعدما علم أنه محاوط من رجال سليم، نظر حوله قائلًا في لامبالاة:
_ اضربوا مستنين ايه؟!
خرج اربعة قد ارسلهم له، بينما ابتسم الوحش في مكر بعدما علم عددهم، مد أحدهم يده بالمسدس يستعد لإطلاق النيران عليه ولكن قبل أن تدلف الرصاصة بصدره دلفت بصدر رجل من هؤلاء الرجال بعدما دفعه الوحش أمامه في حركة سريعة غير متوقعة، سقط أرضًا في حين أشار أحدهم للاثنان المتبقيان بأن يأتوا معه كي يمسكوه ثلاثتهم، وبالفعل تقدموا نحو الوحش يسددون له العديد من اللكمات التي تصدى لبعضها والبعض الأخر لم يستطع ليسقط أرضًا من عنف ضربهم وتلقيه ضربه لم يتوقعها فوق رأسه من الخلف، أخرج أحدهم المسدس ثم أطلق رصاص بصدره يبتسمون في سعادة أنهم أنهوا تلك المهمة، غادروا تاركين إياها يغرق بدمائه، فلم يشعر هو سوى بألم عنيف يغزو جسده وأنفاسه تكاد تنقطع..
يتبع!