رواية شيخة القبيلة الفصل الخامس عشر 15 بقلم رانيا ممدوح
انتهى المجلس وقد دوّت أصداؤه في أرجاء القبائل كالرعد المجلجل، لكن الغريب أن أحدًا من الشيوخ لم يطلب لقاءً يجمع بين بدر وصقر كما اعتادوا في السابق عند كل مناسبة كبرى. فقد تغيّرت الموازين، واختلفت المراتب. بدر لم تعد مجرد منافسة في ميادين العلم ولا مجرد ابنة لقبيلة عريقة، بل صارت شيخة الحمدانية المعلنة رسميًّا أمام أعين الجميع، تحمل ثقل الحكم على كتفيها وتقبض على زمام المسؤولية بقبضة حديدية.
+
أما صقر، فقد جلس بين رجال الشرقاوية كرمزٍ للقوة الكامنة، وريث شرعي محفوظ له الحق، لكنه لا يزال في كنف والده جمال الذي يفرض وجوده وسط القوم. لم يكن صقر أقل شأنًا من بدر، لكن الفارق بينهما الآن أن بدر نالت الحكم بيدها، بينما لا يزال صقر ينتظر لحظة الغياب أو التسليم.
+
هكذا، تباعدت الطرق بينهما أكثر مما مضى، وصار بينهما جدار جديد من الكبرياء والسيادة، جدار لا يُرى، لكنه يُشعر به كل من في المجلس، وكأن القدر نفسه قرر أن يزرع بذور صراع جديد لا يعرف أحد كيف سينمو ولا إلى أين سيقود.
3
حين غادرت بدر المجلس، كانت خطواتها سريعة تحمل مزيجًا من الانتصار والإنهاك، وعيون الجميع تلاحقها بترقب وحذر. لكنها وسط ذلك الزخم لاحظت أمرًا غريبًا، غياب أمان، ذلك الظل الذي لا يفارقها منذ عودتها. رفعت بصرها تبحث في الوجوه، وفي الأركان، ثم تمالكت نفسها، وأخفت قلقها خلف صمتٍ متماسك.
+
"يمكن رجع قبلي..." همست في سرّها محاولة إقناع ذاتها، كمن يسكّن نارًا تتأجج في صدره.
1
قادها عبد ربه بعيدًا عن صخب الشيوخ وضجيج المجلس، ورافقها في طريق العودة إلى منزلها. جلست بدر في مؤخرة العربة، تنظر عبر النافذة إلى الطريق الممتد، يلفها الليل بظلامه الهادئ، وذهنها يعج بالأسئلة: عن غياب أمان، عن مصير قبيلتها، عن الدين الذي سددته بثمن باهظ، وعن مواجهة لم تنتهِ بعد مع جمال وصقر.
+
أما عبد ربه، فكان يقود صامتًا كعادته، يراقب ملامح سيدته من حين لآخر. قرأ في عينيها إرهاقًا كبيرًا، لكنه لم يتدخل، فذلك الصمت هو سلاحها وملاذها. من خلاله تصل إلى حلول ممكنه.
+
وهكذا عادت بدر إلى بيتها، تحمل على كتفيها عباءة الحكم الثقيلة، وقلبها مثقل بأسئلة لم تجد لها جوابًا بعد.
+
حين وطئت بدر عتبة دارها، وجدت سكينة، خادمة هنادي، واقفة بانتظارها، وقد ارتسمت على ملامحها ابتسامة صغيرة مترددة، تحمل بين طياتها رهبة وحذرًا. ما إن اقتربت حتى بادرت بصوت فيه مسحة من التملق:
+
"سيدي بدر، ستي هنادي طلبت مني أدعيك على الغداء بكرا إن شاء الله، عشان تستقبلك استقبال يليق بشيخ القبيلة."
1
ابتسمت بدر ابتسامة هادئة، يغلبها الوقار، وأجابت بنبرة لطيفة لكنها حاسمة:
+
"تمام... اشكريها وقوليلها بدر قبل دعوتك، والساعة أربعة هاكون عندها."
1
انحنت سكينة على الفور، مطرقة رأسها باحترام مصطنع:
5
"شكرا يا سيدي."
+
لكن وجه بدر تغير، وصارت نظرتها صارمة نافذة، تلمع من عينيها هيبة من لا يُرد أمره:
+
"متحنيش رأسك غير لربك يا سكينة."
1
ارتبكت سكينة للحظة، وقد شعرت بقطرات عرق بارد تسري على جبهتها، لكنّها حاولت التماسك وهمست بصوت خافت متلعثم:
+
"بس إنت بقيت شيخنا وحامينا... وواجب علينا الطاعة ليك."
+
مالت بدر قليلاً للأمام، والجدية تكسو ملامحها، وقالت بصوتٍ مهيب يشبه الرعد المكبوت:
+
"ماشي، كلام جميل... بس الانحناء لله، والعظمة لله. مابحبش كده. اسمعي الكلام."
+
ارتجفت سكينة، هي التي لم تعرف الخوف من قبل، فإذا بالخوف يتسرب إليها لأول مرة في حياتها
مثل سمّ يسري في العروق. نظرت إلى عيني بدر، فوجدت فيهما ما يكفي لإخماد أي محاولة للرد. لم تجد سوى أن تهمس بصوتٍ خائفٍ متقطع:
1
"حاضر يا سيدي."
+
ثم انصرفت مسرعة، تجر قدميها إلى الخارج، وما زالت أنفاسها مضطربة.
+
أما عبد ربه، فقد شدّد قبضته على سلاحه وهو يراقب الباب بعد خروجها، يدرك تمامًا أن الوضع تغيّر؛ فبدر لم تعد وريثة فقط، بل صارت شيخة للقبيلة، والعدو يتربص بكل زاوية، يتصيد زلّة أو ضعفًا. لذلك كان عزمه أن يؤمّن كل ركن من الدار، ليبقى قلب بدر مطمئنًا، ويمنحها شيئًا من الراحة التي اعتادت عليها، وإن كانت نفسها تأبى أن تهدأ.
+
كانت فاطمة تقف قرب ابنتها بدهشة ممزوجة بقلقٍ عميق، عيناها تتأملان ملامح بدر الصارمة، وكأن قلب الأم قد سبق عقلها إلى الخوف. اقتربت منها، ومدت يدها تتحسس كتفها بحنان مرتجف، وقالت بصوت خفيض:
+
"بدر... أنا خايفة."
1
رفعت بدر بصرها إليها، بنظرة ملؤها السكينة والصلابة، وأجابت بصوتٍ هادئ يخفي وراءه صلابة الجبال:
+
"من إيه يا أمي؟"
+
تنهّدت فاطمة، وقد تلبدت في عينيها سحابة قلق:
+
"هنادي... مش هتعمل حاجة كده لله من غير تخطيط. خدي بالك."
+
ارتسمت على وجه بدر ابتسامة ساخرة خفيفة، وقد ارتفع حاجبها بنصف استهزاء ونصف يقين:
+
"تفتكري ناوية تحط سم في الأكل؟"
2
ضحكت فاطمة، لكن ضحكتها كانت مكسورة كضحكة امرأة أرهقها القلق:
+
"يعني... ممكن."
+
هزّت بدر رأسها بثقة، وعيناها تلمعان كمن يقرأ نوايا الآخرين:
+
"هنادي رغم حقارتها... لكن في جزء في قلبها بيفكر في القبيلة. وأكيد ما تريد القبيلة تنتهي وتروح."
1
لكن فاطمة لم يهدأ لها قلب، فعادت تؤكد بعناد أمومةٍ لا تخضع للمنطق:
+
"احذري وخلاص يا بدر."
+
ابتسمت بدر برفق هذه المرة، وربتت على يد أمها:
+
"حاضر يا أمي."
+
سكتت لحظة، ثم ارتسمت على وجه فاطمة علامات حزن عميق، وترددت الكلمات على لسانها قبل أن تخرج كأنها تعاتب القدر:
+
"ليه؟ ليه خدتي من فلوس سالم كل المبلغ الكبير ده؟ ده كله ليكي... تتمتعي بيهم."
1
أطرقت بدر رأسها، وقد اختلط في ملامحها شجن الفقد بعزيمةٍ لا تلين، وردّت بصوتٍ حاسم:
+
"أتمتع إزاي... والقبيلة بتروح مني؟"
+
انكسرت عينا فاطمة، وغامت بالدموع، وهي تجادلها بحسرة:
+
"بس دول بتوعك... وشقى سالم طول عمره."
+
رفعت بدر رأسها بعزمٍ كالسيف، وقالت وهي تشد على كفّيها:
+
"هعمل غيرهم. مفيش حاجة تغلى على قبيلتي. ماتقلقيش... لسه فاضل خمسة عشرة آلاف دهبه. دول حلوين لكذا حاجة في دماغي ناوية أعملهم."
+
لم تستطع فاطمة إلا أن تهز رأسها ببطء، وقد علا صوتها بالاستسلام والمرارة:
+
"رغم إني مش موافقة على صرف الفلوس دي... لأننا مش السبب. وعمّك اللي عمل كده المفروض هو اللي يسد... بس هقول إيه."
1
انعكس على وجه بدر مزيج من الغضب والحسرة، وقالت بلهجة حازمة:
+
"عمي ناجي كان أسوأ قرار في حياتي يوم ما اتنازلت ليه. بس... ملحوقة إن شاء الله."
1
تنهدت فاطمة بعمق، ثم ابتسمت ابتسامة حزينة كمن ألقى همًا عن قلبه، وقالت بصدق يفيض دفئًا:
+
"هروح أنام لأول مرة وأنا مطمنة عليكي ومش قلقانة. وزي ما اتعودت هدعيلك... يا رب يا بدر يعينك ويقويكي، ويبعد عنك شر وحقد كل الناس... يا بنتي."
+
رفعت بدر يدها ومسحت على رأس أمها، وصوتها يخرج كأمنية تُرمى في السماء:
+
"يا رب يا أمي... اتفضلي. تصبحي على خير."
+
أومأت فاطمة برأسها، وابتسمت رغم الدموع التي لمعت في عينيها، ثم انسحبت تاركة خلفها بدر وحدها، بين قلبٍ يحمل أثقال الدنيا، وعيونٍ لا تعرف النوم إلا على صدى الدعاء.
+
استدعت بدر عبد ربه إلى الغرفة حيث تجلس، وعيناها تتلألأان بحزمٍ واطمئنان، فيما ارتسمت على وجهها مزيج من الرقة والسلطة. اقترب عبد ربه، وقد بدت على ملامحه علامات الاحترام الشديد والمودة المتأصلة منذ سنوات طويلة.
+
قال عبد ربه بصوت منخفض حريص:
"خير يا ست بدر."
+
رفعت بدر رأسها إليه، وابتسمت نصف ابتسامة مليئة بالثقة والود:
"عبد ربه، أكيد عارف أنت أكتر شخص بثق فيه، وبحسبك زي والدي و في معزة أمي وأخويا."
1
ابتسم عبد ربه خجولًا، وخفض رأسه قليلًا:
"إيه لزوم الكلام ده يا ست بدر، أنا قصرت في حاجة؟"
+
هزت بدر رأسها بنصف رضا ونصف حزم، وعيناها لا تفارقان وجهه:
"لأ، بس هتعمل. هتروح السهل الغربي وتجيبلي تقرير بحالة الأرض وإيه اللي حصل طول السنين اللي فاتت وأنا غايبة بدون ما حد يدري بيك."
+
أومأ عبد ربه برأسه، وقد علا وجهه تعبير الالتزام:
"أمرك ينفذ."
+
ابتسمت بدر، وأشارت له بالارتياح:
"ارتاح، وبعدين روح. بكرا هروح لعمي ناجي تكون رجعت بعد ما أخلص."
+
تردد عبد ربه قليلاً:
"لازم أحضر معاكي."
+
هزّت بدر رأسها بثقة وقوة:
"متقلقش عليّ، هاعرف أتصرف."
+
أخرجت بدر من جيبها كيسًا صغيرًا ووضعت داخله مائة و خمسون دهبه:
"دول ليك مكافأة على تعبك معايا طول السنين اللي فاتت."
+
اقترب عبد ربه، وعيناه تلمعان بمزيج من الامتنان والخجل:
"ليه يا ست بدر؟ ناوية تستغني عني؟ وبعدين الست فاطمة كانت بتتولى مصاريف عيلتي طول السنين اللي فاتت، وكنت برجع ليهم كل فترة، وبديلهم فلوس ده خيركم كبير عليّ."
+
ابتسمت بدر ابتسامة دافئة، ونظرت إليه بعينين تنطق بالصدق والوفاء:
"إنت تعبت يا عبد ربه، ولازم ترتاح. وعيالك محتاجينك أكتر مني دلوقتي. وكنت خير الحارس ليا، والصديق، والأخ، والأب. وحافظت عليّ وشجعتني، وكل يوم مر كان بفضلك سهل ومريح، ومعاك عمري ما خوفت ولا قلقت من حاجة في الماضي."
+
ابتسم عبد ربه بحزن وسعادة في آن واحد، وصوته يمتلئ بالعاطفة:
"وفي المستقبل يا ست بدر كمان، أنا هكمل معاكي لحد ما أموت. مش عايز فلوس ولا أي حاجة منك، وعيلتي عايزين كده، وعارفين حجم التضحية قد إيه، وأنا بقيت جنبهم يعني أقدر أشوفهم أكتر من الأول. أرجوكي يا ست بدر، خليني معاكي، خليني أوفي بالوعد اللي وعدته لأبوك بيني وبين نفسي. أبوكي سالم كان زينة الرجال، ودافع عنا ومات وهو بيدافع عنا."
+
نظرت بدر إليه بعينين تقرآن عمق الحزن والتفاني في وجهه:
"عبد ربه، شكلك غاوي تعب وألم في حياتك."
+
ضحك عبد ربه بمرارة وخفة:
"أه يا ست بدر."
4
ابتسمت بدر ابتسامة حازمة، ورفعت يدها تومئ له بالارتياح:
"خلاص يا عبد ربه، زي ما تحب. روح بات في حضن ولادك، وتعال بكرا باللي أمرتك بيه."
+
أومأ عبد ربه برأسه، وقد بدت على ملامحه الطمأنينة والوفاء:
"حاضر يا ست بدر."
+
خرج عبد ربه من الغرفة، تاركًا خلفه شعورًا بالهدوء والوفاء الذي يملأ المكان، فيما بقيت بدر واقفة، عيناها تتأملان الطريق والمسؤولية التي أصبحت على عاتقها، بين قلب قوي وإرادة لا تلين.
+
جلس صقر على المقعد الخشبي في غرفة بسيطة، يقرأ كتابه بتركيز، عيناه تتبعان الحروف كما لو كان يغوص في عالم آخر، بينما حوله السكون يملأ المكان. اقترب يزيد، وعلامات الفضول والانزعاج على وجهه، وصرخ قليلاً وهو يتحرك بلا حراك:
"مش مصدق أننا رجعنا هنا تاني! لا تلفزيون، ولا موبايل، ولا إنترنت... بجد أنا مفتقد كل ده!"
5
لم يلتفت صقر، مواصلاً قراءة الكتاب بعينين هادئتين لا تشي بأي شعور.
+
كرر يزيد بصوت أعلى، محاولاً لفت انتباهه:
"مش سامعني؟ بقولك زهقان ومش عارف أنام!"
+
رفع صقر رأسه قليلاً، ونظر إليه بعينين مليئتين بالجدية والهدوء، وقال:
"تحب نتدرب مع بعض وساعتها هتنام بكل راحة."
2
قفز يزيد من مكانه فجأة، يلوح بذراعيه بحركة سريعة:
"لا لا لا لا لا لا!"
1
ضحك صقر بخفة، وعيناه تتلألأ بالسخرية اللطيفة:
"على فكرة، إنت اتعودت على الانتخة وفخدت من القعدة. المفروض إنت اللي تشجعني أكمل تدريباتي مش العكس."
1
هز يزيد رأسه مستنكراً وهو يتنفس بصعوبة من الحماسة:
"ماشي شوية إجازة يا خلق، إجازة شوية... إيه، متعرفش يعني إيه راحة!"
1
أغمض صقر عينيه قليلاً، ووجهه يحمل تعبير الغضب الممزوج بالملل:
"بعد اللي شوفته من بدر النهارده، خلاني قلقت و قرفت وزهقت، ومزاجي اتعكر."
1
ابتسم يزيد بخبث، وعيناه تلمعان بمكر الشباب:
"تحب أقولك على حاجة تحسن مزاجك؟"
+
رفع صقر حاجبه، وأشار برأسه موافقاً:
"إيه؟"
+
انحنى يزيد إلى الأمام، وهمس بصوت مليء بالحماس:
"نروح الغجر، بيعملوا شغل... إنما إيه بقى؟ عنب."
2
تجمد صقر للحظة، وعيناه تتسعان، بينما وجهه يملؤه الدهشة:
"إيه، إنت اتجننت ولا إيه؟"
2
هز يزيد كتفيه بخفة، وعيناه تلمعان:
"ليلة نشوف بيعملوا إيه."
1
اقترب صقر منه بخفوت، وأدار وجهه إلى يزيد بعينين شبه مستحيلة:
"دول بعيد جداً."
+
ابتسم يزيد، وعيناه مليئتان بالثقة:
"لأ، ما أنا سألت... هما هناك في الحمدانية."
1
هز صقر رأسه بصدمة، وعيناه تتسعان:
"إيه... مستحيل!"
+
قاطع يزيد بجدية، ونبرة صوته تعكس معرفة دقيقة بالتاريخ والمكر:
"هو إنت مش عرفت؟ أبوك لما سلف الحمدانية عشان يغرقهم، رمى الغجر في طريقهم... وطبعاً هما ما صدقوا، إنت عارف، مفيش أرض تلمهم، وأبوك شخص مش يتعاند معاه، ولا حد يقف ضده."
+
وقف صقر للحظة، عيناه تتأملان الأفق بعيداً، ووجهه يمتلئ بمزيج من الصدمة والتفكير العميق، بينما يزيد يبتسم بفخر، وقد نجح في جذب انتباهه أخيراً.
+
رفع صقر حاجبه، وعيناه تتسعان بقليل من الاهتمام:
" قولي إيه كل حاجة بالظبط، عن عروضهم وحاجات زي إيه؟"
+
تقدم يزيد خطوة إلى الأمام، وابتسامة حادة تعلو وجهه:
"بيحركوا الخيول بطريقة رهيبة، ورقص على الموسيقى، وناس بتعمل عروض خطيرة على الحبال، وبيعرضوا البضائع بتاعتهم بطريقة تلمع العين... يعني حاجة ما تتفوتش!"
+
صرخ صقر بهدوء لكنه مليء بالحماس:
"ده فعلاً مثير... بس محتاجين نروح نشوف بعينينا ونفهم الموضوع كله، نعرف مين منهم مين، ونشوف إيه الحاجات اللي ممكن تأثر على القبيلة."
+
ضحك يزيد بخبث، وهو يلمس ذقنه:
"تمام، نروح بكرا بالليل، قبل ما حد يعرف، ونتابع كل حاجة خطوة خطوة، من غير ما حد يشوفنا."
1
اقترب صقر منه، ووجهه مليء بالجدية:
"تمام، بكرا بالليل لازم نخطط، ونحدد أماكنا، ونتأكد إن محدش يلاحظ وجودنا... الغجر مش لعبة، ومين عارف إيه اللي ممكن نلاقيه هناك."
+
ابتسم يزيد وهو يشير إلى صقر بعينين مليئتين بالحماس:
"اتفقنا، بكرا نبدأ المغامرة الكبيرة... ونشوف كل العروض، وكل الحيل، وكل الأسرار اللي مستخبية عن الناس."
1
جلس الاثنان هادئين، وعيناهما تتأملان الأفق في صمت ممتلئ بالتخطيط، وكأن الليل يحمل لهما وعداً بمغامرة لم يعهدها أحد من قبلهما.
+
خرج صقر إلى الخارج ، ثم جلس صقر على صخرة صغيرة على حافة السهل، عينيه تحدقان في الأفق البعيد، وجهه مشحون بالتركيز والتفكير العميق. كان صوته الداخلي يتردد في عقله كهمس خافت لكنه حاد:
+
"يعني بقى سهل أدخل لقبيلة الحمدانية بحجة إني أشوف الغجر، وساعتها أوصل للداية جلالة وأسألها عن أخويا، وأعرف مكانه فين وأخده يعيش معايا... أو على الأقل أضمن إنه يكون في أمان."
3
حرك فمه قليلاً وكأن الكلام يخرج منه بصمت، وعيناه تتسعان وهو يواصل التفكير:
"يا ترى هو فين دلوقتي؟ وعايش ولا ميت؟ ولو عايش، تابع للجنود ولا من الناس العادية؟"
1
تجمد صقر للحظة، وعض شفتيه بتوتر، بينما يمرر يده على ذقنه، وعيناه تتوهجان بالقلق والحرص، لكن في أعماقه كان يتملك شعور غريب من التصميم، شعور بأن لا شيء سيوقفه عن الوصول إلى هدفه وحماية أخيه مهما كانت المخاطر.
+
في الصباح الباكر، ارتدى عبد ربه عباءته الثقيلة، وحمل عصاه الخشبية المفضلة، واتجه نحو السهل الغربي. كانت الشمس تكاد تشرق، وأشعتها الذهبية تتسلل بين أوراق الشجر، مرسلة خيوطها على الأرض الرطبة.
+
كان عبد ربه يسير بخطى حذرة، عينيه ترصدان كل حركة وكل ظل، إذ يعلم أن مهمته ليست مجرد تفقد الأرض، بل البحث الدقيق عن آثار الغياب والتغيرات التي حدثت خلال السنوات التي غابت فيها بدر عن القبيلة.
+
وفي نفسه كان يكرر أوامر بدر، صوته الداخلي صامت لكنه واضح: "قدامك مهمة دقيقة، لازم تعرف كل حاجة عن الأرض، عن الناس، عن التغيرات... وما ترجعش إلا لما يكون عندك كل التفاصيل اللي طلبتها."
+
تحرك بخفة بين الأعشاب الطويلة، عينيه تتنقل بين الأرض والسماء، كل جزء من السهل يبدو وكأنه يخفي أسراراً تنتظر من يكتشفها.
+
دخلت بدر إلى بيت عمها وقد شعرت بدفء الاستقبال على غير المعتاد، إذ كانت الطاولة عامرة بكل ما لذّ وطاب من طعام وحلويات ومشروبات طازجة، بينما نور الشموع ينعكس على وجوه الحاضرين، مضيفًا جوًا من الألفة والاهتمام.
+
استقبلتها زوجة عمها، هنادي، بابتسامة واسعة وحرارة تبدو على محياها:
"أهلا بالزين، أهلا بكبيرنا، حامينا وحافظنا"، قالت وهي تفتح ذراعيها وكأنها تحتضنها بكل حفاوة.
1
ابتسمت بدر وأجابت بلطف:
+
"الله يعزك يا خالة، لبيت دعوتك."
+
تابعت هنادي وهي تحاول أن تظهر اهتمامها، لكن بدر شعرت بخبث خفي في عينيها:
"ده كبير عندي يا بدر، أكيد عندك مسؤوليات كتير دلوقتي، أكيد مش فاضي لنا."
+
ضحكت بدر بذكاء، محاولةً كبح شعورها بالريبة: "مقدرش يا مرات عمي، أنتم عيلتي واهلي وناسي."
+
ابتسمت هنادي مجاملة، وبدأت بتقديم بناتها:
+
"تعالى بقى اعرفك على بناتي، دي بنتي الكبيرة سهام، اتجوزت ابن قائد قبيلة سندان، ودي بنتي الأصغر منها ورد، واتجوزت ابن قائد قبيلة جبير، ودي بقى بنتي سارية، أجمل بنت في القبيلة."
+
ضحكت بدر مستفسرة:
"اتجوزت ابن قائد مين؟"
1
ضحكت هنادي بخفة، محاولةً التغطية على دهشتها: "لأ، لسه متجوزتش، مستنية نصيبها الحلو."
+
ردت بدر مبتسمة بسماجة ، متجاهلة ما فهمته ما وراء تلك الوجبة:
"إن شاء الله، اللي بعده."
1
أشارت هنادي إلى باقي البنات:
+
"دي بقى بتول ودي العنود."
+
ابتسمت بدر وقالت:
"أهلا بيكم كلكم يا بنات عمي، بس أنا عارف إنهم ستة."
+
تنهدت هنادي وهي تشير إلى الابنة الأخيرة التي تجلس في الخارج، متجاهلة ما يحدث في الداخل: "اه، لسه نسيم دي بقى غير دول يا بدر، مطلعة عيني في كل حاجة وبتحب الخيل والسيف والحاجات الهبلة دي، هي فاكرة نفسها راجل، ياريت تكلمها تعقلها شوية، أصل أنا وأبوها خلاص مفيش أمل، زهقنا كلام كلام ومفيش فايدة."
3
كانت بدر تتابع كل تفاصيل الكلام، عينيها تلتقط ملامح البنات، وابتسامتها تحمل خفة دم وذكاء، بينما قلبها يقيس المواقف بحذر، مستعدة لكل ما قد يحدث بينهن.
+
جلس الجميع حول المائدة، والروائح الزكية للطعام والحلويات تملأ المكان، بينما كان بدر، متنكرًا في هيئة رجل، يراقب كل حركة بعين فاحصة وابتسامة خفيفة على وجهه. البنات يتبادلن النظرات والحديث، غير مدركات أن أمامهن ليست سوى ابنة عمهم المعتادة على الذكاء والصلابة.
1
هنادي، وهي تضع الطعام أمام بدر:
+
"تفضل يا بدر، كله جاهز مخصوص ليك، عشان تعرف قد إيه احنا فرحانين برجوعك."
2
بدر بابتسامة هادئة، وهي تجلس بثقة:
+
"شكرا يا خالة، كل ده ريحة وحسسني بالبيت، تحياتي ليكم."
+
سهام تناولت الطعام وهي تضحك:
"يا ريت يا بدر تقعد معانا على طول، الواحد مبسوط إنك رجعت وبقيت معانا."
+
ورد كانت تأكل بشراهة، ونبرة حديثها مليئة بالحماس:
"بجد، البيت ناقصك كان ناقصنا في كل حاجة."
+
بتول والعنود تبادلتا الحديث عن أمور بسيطة، ضاحكتان أحيانًا على نكات بدر، التي خرجت بتلقائية وذكاء، لكن بدر ظلت متحكمة في تصرفاتها، محافظة على هيئتها الرجولية بكل حزم وأناقة.
+
نسيم بقيت خارج المنزل، تركض في الساحة على الحصان بعد مغامرتها السابقة، بعيدة عن الطاولة وعن كل الأحاديث.
+
هنادي، وهي تراقب المائدة:
"يا بدر، حتى لو نسيم برا، أهم حاجة إننا كلنا هنا، ونتشارك اللحظة دي سوا."
+
بدر بابتسامة رقيقة، وهو ينظر للنساء بعين حكيمة وفاحصة:
"صح يا خالة، اللحظة دي بتجمعنا، وده أهم حاجة دلوقتي."
+
تخللت الأحاديث بعض المرات التي أظهرت اختلاف شخصيات البنات، وبعض التصرفات الطريفة التي كانت تضفي جوًا من الحميمية والمرح، لكن بدر ظلت دومًا صامدة، محافظة على سر تنكرها، ومراقبة الجميع بعين حذرة وذكاء بالغ.
+
بعد مغادرة الجميع، وجدت بدر نفسها وحيدة مع سارية، التي كانت تحدق فيها بنظرات جريئة وفضولية. بدر، محافظة على هيئته الرجولية، وضعت يديها على جانبيها واقفة بثقة.
+
سارية، بابتسامة نصف مستفزة:
"إيه يا عم، قاعد لوحدك كده؟ مش حاسس بالملل؟"
1
بدر، بصوت عميق خافت قالت:
"لا ملل ايه، بس الواحد ساعات بيحتاج شوية هدوء."
+
سارية اقتربت بخطوات حذرة، وعيناها تلمعان بالفضول:
"طول الوقت بتختفي وسط الحكايات والناس، نفسي أعرف إيه اللي في دماغك."
+
بدر، حافظة على وقارها ونبرتها الرجولية:
"دماغي مليانة حاجات، بس مش كله للعرض."
+
سارية، بعينين متسعتين و هي تقترب من الجلوس بجانبها:
"يعني في أسرار؟ وانا هنا عايزة الصراحة."
+
بدر، وهو تراقبها بدهاء:
"اللي يهمني دلوقتي إنك تعرفي إن أي خطوة غلط ممكن تكلف كتير. أحسن لك تحافظي على مكانك بعيد شوية عني."
+
سارية ضحكت بخفة:
"مش فارقة معايا، بس عايزة أشوفك حقيقي، مش اللعبة اللي كل الناس شايفاها."
+
جلست سارية أمام بدر بعينين تلمعان بالفضول والتحدي، بينما بدر، محتفظة بهيئتها الرجولية، تبادلها النظرات بثبات وهدوء.
+
بدر، مرفوعة الرأس وصوتها عميق:
"قصدك إيه بلعبة قدام الناس؟"
1
سارية، مبتسمة بخفة ونبرة ماكرة:
"قصدي عايزة أشوفك بشكل تاني، بشكل لطيف وظريف، وتقدر تعتمد عليّ وتثق فيا، وأي حاجة ممكن تحكيها لي."
3
بدر، متباعدة قليلًا وذا تعابير وجه صارمة:
"ده ليه؟"
+
سارية، بنظرة حادّة وابتسامة خفيفة:
"شوف بقى وفكر."
+
بدر، وهو تهز رأسه مستنكفًا:
"لأ، مش هتعب نفسي ولا هفكر، وكل حاجة تنتهي دلوقتي... بس لبسك ده حلو."
+
سارية، بلهجة فخورة:
"اه، ده جايلي مخصوص. عجبك؟"
+
بدر، وهو تبتسم قليلاً تيشير إلى نفسها:
+
"اه، جدًا فعلا مميز و الألوان كمان لايقة على بعض، حتى الاكسسوارات دي لونها مبهج و الخواتم بقى حكاية ، و لا رسمة الحنة اللي في ايدك."
1
وفجأة، قفزت بدر من مكانها بخفة وصرامة:
"خلاص بقى، لازم أمشي."
ثم تابعت في نفسها :
" قبل ما اخرب الدنيا "
1
كانت نظرات سارية تلاحقها، محملة بالدهشة والتعجب من حديثها، بينما بدر تمشي بخطوات واثقة، محافظة على هيئتها الرجولية، بعيدًا عن الفضول الذي يحيط بها.
+
خرجت بدر من الداخل، وسارية تتابع خطواتها بهدوء، بينما شعاع الشمس الذهبي ينسكب على الساحة الصغيرة حيث كانت نسيم جالسة تمشط شعر الحصان بعناية، غير مدركة للمخاطر التي قد تنجم عن طريقة تعاملها معه. تقدمت بدر، عيناها مركزة ونظرتها ثابتة، وأصوات الحصان تتناغم مع حركة المشط، فارتسم على وجهها مزيج من الحزم والحرص.
+
قالت بدر بنبرة حازمة:
+
"على فكرة كده غلط."
+
رفعت نسيم حاجبيها بدهشة، وقالت بتحدٍ:
"قصدك طبعا غلط إن قربي من الحصان غلط لأنه ممنوع على البنات."
1
بدر اقتربت أكثر، وهي تتفحص حركة يدي نسيم: "لأ، قصدي طريقتك غلط. ممكن تجرحي الحصان، وساعتها هيجرحك."
1
ابتسمت نسيم ابتسامة صغيرة، تعبيرًا عن استهزاءها الظاهر:
"غريب يعني، مش فارق معاك اللي بعمله وحتقولي زي ما الكل بيقولي."
1
أجابت بدر بعينين مركّزتين وصوت ثابت:
+
"لأ، طالما ما بتعمليش حاجة غلط، وإيه يعني."
+
رفعت نسيم حاجبها مرة أخرى، وقالت بنبرة شبه استفهام:
"بس دي حاجة رجالة."
+
ابتسمت بدر بخفّة وهدوء، ونظرتها تمزج بين الحزم والاعتداد بالنفس:
"تفتكري لو قامت حرب والرجالة خلصوا، ساعتها نعمل إيه؟ لازم الست تساعد هي كمان عشان تدافع عن وطنها."
1
اقتربت بدر أكثر، وأخذت المشط من يد نسيم بمهارة وحنو، موجهة يديها لتصحح الوضع:
+
"لازم تعملي كده ومن الجهة دي."
+
أثرت كلماتها في نسيم، ونظراتها بدأت تتغير، من فضول وشغف إلى احترام لما تقدمه بدر من خبرة وحزم، بينما كل حركة تقوم بها بدر كانت مليئة بالثقة، تجذب نسيم لتتبع تعليماتها بحذر وحب، وكأنها تتعلم درسًا ليس فقط عن الحصان، بل عن الاعتماد على النفس والقوة الداخلية.
+
تقدمت بدر نحو نسيم وهي ترفع المشط برفق، عينها تلمع بالتركيز والحزم، وقالت بصوت هادئ لكنه حازم: "ها، عرفتي تعملي كده ازاي؟"
+
شردت نسيم فجأة، وعيناها تتأملان ملابس بدر الرجولية، وفجأة ربطت بين المظهر الذي أمامها وبين الشاب الذي أنقذها بالأمس؛ نفس الهيئة تقريبًا، مع الوجه المغطى الذي لم يستطع أن يُكشف.
+
ضحكت نسيم بخفة، محاولة استيعاب المفارقة: "بقى عشان كده متكلمتش امبارح."
+
التفتت بدر إليها باستفهام، عيناها تتطلعان بفضول: "مش فاهم قصدك إيه؟"
+
أكملت نسيم بنبرة خجولة وفضول متأجج:
"كنت ممكن تقولي إنت مين لما أنقذتني امبارح من الموت... المجلس كان مهم عندك للدرجة دي؟"
+
ارتسم على وجه بدر لمحة من الإدراك، وعيناها اتسعت قليلًا حين فهمت أن أمان هو من أنقذ نسيم بالفعل، وأن شجاعته وتضحيته كانت سببًا في أمانها.
+
تنهدت بدر بخفة، مستعدة لمغادرة المكان، وقالت بهدوء وثقة:
"طيب، أنا هامشي."
+
كانت نظراتها تحمل ثقة لا تتزعزع، وملامح وجهها تعكس التصميم والحزم، بينما نسيم بقيت تتأملها بإعجاب وخوف وفضول، كأنها تدرك أن أمامها قوة لا تقهر، وحكمة تتجاوز المألوف.
+
تقدمت سارية نحو نسيم بخطوات واثقة، وابتسامة ماكرة ترتسم على وجهها، عيناها تلمعان بمزيج من الغرور والفضول.
+
قالت بصوت خفيف لكنه يحمل غضبا بالموقف:
"كان بيقولك ايه ، اتكلمتوا في ايه بقى ؟ سيبي الحصان و كلميني."
2
ارتفعت حاجبا نسيم قليلاً، وملامح وجهها مشدودة لكنها مليئة بالدهشة:
"ده شغلي يا سارية، مش شغلك."
+
ضحكت سارية بخفة، ومالت برأسها وكأنها تحاول استفزازها:
"آه، طبيعي، كل حاجة بتعمليها لازم تكون كده، ليه يا نسيم؟"
+
نسيم توقفت للحظة، عينها تلتقي بعيني سارية بثبات، تقول ببرود:
"اللي عايز يعرف، يعرف. أما اللي مش عاجبه يبقى يتفرج من بعيد."
+
سارية رفعت حاجباها، وأشارت بإصبعها بخفة تجاه نسيم، مستمرة في استفزازها:
"بصراحة، حاسة إنك جامدة أوي، بس خلينا نشوف إذا كنت هتقدري تفضلي جامدة قدام الكل ، لو وقفتي قصادي كأنك بتقفي قدام أمك."
+
نسيم ابتسمت ابتسامة قصيرة لكنها تحمل تحديًا وثقة، ثم التفتت ومشت بخطوات رشيقة، تاركة سارية خلفها، عيونها تلمع بالعزم، وكأنها تقول:
"مين هيقدر يزعجني قدام اللي قدام؟ أنتي؟ روحي العبي بعيد يا حلوة ، مش في دماغي اللي بتفكري فيه ده ."
+
تقدمت بدر إلى غرفة أمان بخطوات هادئة، ووجهها يحمل لمحة من الغضب المختلط بالفضول، عيناها تراقبانه بحذر واهتمام.
+
قالت بصوتها المعتاد الذي يختلط فيه التحدي بالمرح:
"يا سلام يا سي أمان، امبارح تسيبني في المجلس و تروح ورا بنت ناجي."
+
رفع أمان عينيه نحوها، وكتب بإيماءة صامتة على دفتر صغير:
"كانت هتموت ، و لما رجعت كنتم مشيتوا."
+
ابتسمت بدر بخفة، لكنها أضافت بتعجب قليل:
"لأ يا شيخ، وبعدين؟ ده موضوع رومانسي قوي."
1
رفع أمان حاجبيه، وأجاب بجدية:
"ده بجد، و مفيش اكتر من كده ."
+
نظرته بدر بعينين واسعتي الفهم، وأضافت بنبرة حادة قليلاً:
"لكن دي زعلانة منك خالص."
+
فرد أمان مستفسرًا: "ليه؟"
+
ابتسمت بدر بابتسامة نصفها سخرية، وقالت:
"عشان مكلمتهاش."
+
توقف أمان لحظة، ثم كتب بإيماءة صامتة:
"هو أنا بتكلم؟"
+
تبادلا النظرات، وبين الجدّية والمرح، ظل الجو مشحونًا بقدر من التحدي والود المختلط، كأن كلمات قليلة تكفي لخلق عالم كامل من الفهم بينهما.
+
تقدمت بدر خطوة أقرب، وعيناها تحملان مزيجًا من القلق والحزم، وقالت بنبرة جدية مختلطة بالحنان: "أمان، لازم تكشف الطب، اتقدم وروح، جايز يكون في حل في لسانك."
+
رفعت حاجباها أمان، وصمت للحظة، ثم نظرت بدر بعينين حادتين، محاولة استيعاب كلماتها.
+
تابعت بدر بخفة، محاولة تهدئته:
"إنت بتسمع كويس؟ يعني ممكن كام عملية، وترجع تتكلم تاني."
+
ظل أمان يراقبها بصمت، وجهه متجهم قليلًا، لكنه بدا أنه يفكر جدياً فيما قالت، وكأن الأمل بدأ يلمع في عينيه للمرة الأولى منذ زمن طويل.
+
رفع أمان عينيه نحو بدر، تتلاعب على وجهه ملامح القلق والحذر، و كتب بصوت مكتوم:
"أسيبك لوحدك؟"
+
ابتسمت بدر بخفة، عيناها تحملان مزيجًا من التحدي والطمأنينة، وأجابت بهدوء:
"هيجرالي إيه؟ ما أنا كويسة... مش هموت لو غيبت أسبوع، كده كده هروح السهل الغربي وأشوف المشكلة هناك بنفسي كمان كام يوم ."
+
نظر أمان إليها طويلاً، صامتًا، كأنه يزن كلماتها وحزمها، وفي عينيه لمعة من الاحترام لما تحمله من شجاعة وإصرار رغم كل شيء.
+
ابتسمت بدر بنبرة حازمة وثقة في ذاتها، وقالت: "هوصل السهل الغربي وأبعتلك عبد ربه يروح معاك، ومايرجعش غير لما يعمل كل الفحوصات اللازمة ليك."
+
أمان رمقها بنظرة هادئة، يشعر بثقل المسؤولية الذي يلقاه عليها، لكنه شعر أيضًا بالطمأنينة لمعرفته أن بدر لن تترك الأمور للصدفة، وأنها تعرف كيف تحمي نفسها ومن حولها.
+
طرق عبد ربه الباب بقوة، فردت بدر بهدوء وثقة:
"خليك، أنا جاية، نتكلم جوا البيت أحسن."
+
دخلت بدر وجلست مواجهًا لعبد ربه، وقالت مباشرة:
"ها، لقيت إيه؟"
+
عبد ربه نظرت إليها بعينين مليئتين بالقلق:
"لقيت... مش هعرف أقولك اللي بيحصل هناك، جيبتلك حد من هناك اسمه يامن."
+
ابتسمت بدر قليلًا وقالت:
"ماشي، دخله."
+
دخل يامن، ورفع رأسه متواضعًا:
"أهلا يا سيدي بدر، أنا يامن من المزارعين هناك."
+
بدر كانت عيناها مليئتين بالفضول والحزم:
"إيه الأخبار هناك؟ ليه الزرع قل هناك؟"
+
رد يامن بحزن:
"الأرض بتموت، صابها وباء غريب، وكان بيجي للست دليلة تهديد، وإن ده بيحصل بفعل فاعل."
+
بدر شدّت حاجبيها وسألت بدهشة:
"مممممم، متأكد؟"
+
أجاب يامن بثقة:
"أه، كل الأراضي حوالينا كويسة، مفيش غير أرضنا."
+
نظرت بدر إلى الأرض في تفكير، ثم سألت:
"والخيول عاملة إيه؟"
+
هز يامن رأسه:
"مالها الخيول."
+
ابتسمت بدر بسخرية:
"بلاش زراعة وخلينا في الصناعة، الأرض ماتت، بركة كده كده الزراعة مش هتجيب همها."
+
ابتسمت بدر ابتسامة عريضة، وعيناها تتلألأ بالحيلة والحزم، و أكملت قائلة:
"تمام... يبقى بدل ما نضيع وقتنا مع الأرض الميتة دي، هنعمل حاجة مختلفة تمامًا. هنسخر كل الموارد اللي عندنا، ونحول كل الزرع الفاشل ده لمصدر للطاقة. نخلي المزارع تنتج كهربا، ونستغل المياه في تربية الأسماك والطيور، وكمان نصنع أسمدة عضوية تعيد الحياة لأراضينا القديمة."
+
نظر يامن بدهشة:
"ده... ده شيء جديد يا سيدي بدر، أول مرة أسمع عنه ، ماحدش جرب حاجة زي كده قبل كده!"
+
ضحكت بدر بخفة وقالت:
"ده اللي أنا عايزاه يا يامن، نفكر خارج الصندوق. الأرض ماتت؟ يبقى نخلق حياة جديدة بطريقتنا. اللي هيستغرب هيشوف نجاحنا وراه... وده هيخلي قبيلتنا مش بس تعيش، لكن تبقى قدوة لكل القبائل حواليها."
1
عبد ربه رفع حاجبه معجبًا:
"أفكارك دايمًا مختلفة يا سي بدر... أكيد ده هينجح، خصوصًا لو الناس كلها اتحدت واشتغلت معانا."
+
بدر نظرت إلى يامن بعينين واثقتين:
"يبقى من بكرة، نبدأ التنفيذ، ونخلي الأرض دي مصدر قوة للقبيلة كلها، مش بس زرع وخسارة."
+
بدر رفعت يدها وأشارت بثقة:
"الجزء اللي صالح للزراعة سيبه، ونزرعه بحكمة. أما الباقي فهنعمل فيه مصنع صغير، نصنع حاجات يحتاجها أهل القبيلة ونبيع الفائض. كده الأرض كلها هتشتغل وتجيب دخل مستمر."
+
عبد ربه علق وهو يلمس ذقنه بتفكير:
"يعني بدل ما نضيع وقتنا على الأرض الميتة، نحولها لمصدر إنتاج وصناعة. فكرة ممتازة، يا سي بدر... ده هيرجع لنا السيطرة على كل حاجة."
+
بدر ابتسمت بثقة وقالت:
"بالظبط... وكل خطوة هنعملها هتكون بحساب. الناس هتتعلم، الشيوخ هيدعموا، وهنخلي القبيلة كلها قوية ومكتفية بنفسها. مين قال إن الأرض الفاشلة مش ممكن تتحول لفرصة ذهبية؟"
+
يامن نظر حوله بدهشة وهدوء:
"يبقى نبدأ من بكرة زي ما قلت... الأرض، المصنع، كل حاجة تحت قيادتك يا سيدي بدر."
+
بدر نظرت إليه بعينين واثقتين:
"تمام... بكرة بداية جديدة للقبيلة كلها، وهتكون البداية معانا. محدش يعرف ده يا يامن و أنا هثق فيك و هميزك عن كل الناس و هتكون تبعي."
+
يامن انحنى برأسه احترامًا، وعيناه تلمعان بالولاء:
"مفهوم يا سيدي بدر... هاعمل كل اللي تقوله، وهابقى تبعك في كل حاجة، محدش هيعرف حاجة غيرك."
+
بدر ابتسمت بخفة، ورفعّت يدها لتطمئنه:
"تمام... ده سرنا الكبير، وهتتعلم مني كل خطوة. الأرض والمصنع وكل حاجة هتبقى تحت إشرافي، ومفيش حد غيرنا يعرف."
+
عبد ربه وقف صامتًا يراقب الحوار، وهو يشعر بالدهشة من الثقة الكبيرة التي تمنحها بدر ليامن، لكنه يعلم أن هذا الولاء سيكون حجر الأساس في خطتها لإعادة القبيلة إلى مجدها.
+
ابتسمت بدر بخفة، ثم وضعت يامن أمام مهامه الأولى:
+
"تمام يا يامن، أول حاجة هتعملها، روح شوف الأرض اللي صالحة للزراعة وحددها بدقة، واعمل تقرير كامل عن حالة التربة والمياه. بعدين، اعمل جدول لكل الأراضي التانية اللي مش صالحة للزراعة، ونحسب إزاي نقدر نحولها لمصنع أو مشروع صناعي صغير.
1
كمان، راقب الخيول وتأكد إنها صحية وقوية، أي مرض أو ضعف لازم تكتبه وتبلغني.
+
وايه اللي حصل في الفترات اللي فاتت، أي شيء غريب أو ضرر حصل في الزراعة أو الحيوانات، لازم تعرفه.
+
كل ده هيتجمع في ملف كامل لما أرجع من السهل الغربي، وده هيساعدني أخطط للخطوة الكبيرة اللي جاية."
+
رفع يامن رأسه وقال بحزم:
+
"مفهوم يا سيدي بدر، هاعمل كل ده وأرجعلك بالتقرير كامل، متقلقش."
+
ابتسمت بدر وهي تشعر بالاطمئنان، ثم أضافت بخفة:
+
"ومتنساش، محدش يعرف عن الخطط دي، ده سرنا الكبير، وده اللي هيخلي القبيلة ترجع قوية تاني."
+
بدأ يامن يجهز نفسه للخروج، وعيناه مليئتان بالعزم، بينما بدر جلست تفكر في كل خطوة تخطط لها قبل رحلتها إلى السهل الغربي.
+
عبد ربه، الذي بدا مترددًا قليلًا، حاول أن يخفف من قلقه:
+
"أنا خايف من الخطوة دي يا ست بدر..."
+
ابتسمت بدر بثقة، ونظرت لعبد ربه بعينين تملؤهما الحزم:
+
"ماتخفش يا عبد ربه، أنا مادرستش خمس سنين في الفاضي. أنا مهندسة معمارية، وعندي خبرة في التخطيط والمساحات الكبيرة، وأعرف أستغل أي مشروع على أتم وجه."
+
قطعت بدر كلامه بابتسامة واثقة:
+
"خلي بالك، كل خطوة محسوبة، كل حاجة مخططة بعناية. ماتقلقش، أنا عارفة هاعمل إيه ومافيش حاجة هتوقفنا."
+
رفع عبد ربه رأسه وقال وهو يشعر ببعض الاطمئنان:
+
"تمام يا ست بدر، أنا معاكي في كل حاجة."
+
كانت عيون بدر تتألق بالحزم، وعقلها يدور في كل اتجاه، تفكر في كيفية تحويل كل الأرض والمشروع إلى قوة حقيقية للقبيلة.
+
في ذلك المساء، حين كان السكون يخيّم على الدار، جلست بدر إلى جوار عبد ربه وقد بدا على ملامحها تركيز عميق، عيناها تلمعان كوميض نصلٍ تحت ضوء القمر. وضعت كفيها على الطاولة أمامها، وكأنها تمسك زمام الحديث بقبضة لا تُفلت.
+
قالت بنبرة متزنة:
"في حاجة تاني؟"
+
تنحنح عبد ربه قليلًا، وعقد حاجبيه وهو يحاول أن يختار كلماته بحذر، ثم أجاب:
"آه... القبيلة عاملين احتفال بإبن سالم اللي مسك الحكم... وفرحانين باللي حصل، وباللي إنتِ عملتيه، إنك سددتي الدين."
+
ارتسمت على شفتي بدر ابتسامة خفيفة، لكن عينيها ظلّتا ثابتتين، كأنها ترى ما وراء الكلمات:
"آه... دي حاجة كويسة. وده امتى؟"
+
أجاب عبد ربه بسرعة وكأنه يخشى أن يفوته شيء:
"بُكرا."
+
هزّت بدر رأسها في هدوء، ثم عدّلت جلستها وارتكزت على مسند الكرسي كأنها تستعد لإعلان قرار جديد، وقالت بنبرة حاسمة:
"طب كويس... النهارده هروح عند الغجر."
+
ارتفع حاجبا عبد ربه فجأة، وبدت الدهشة واضحة على وجهه، حتى انعقدت شفتاه وهو يحاول استيعاب مقصدها، ثم قال مترددًا:
"ليه؟... هتطرديهم؟"
+
عادت ابتسامة غامضة تتسلل إلى محيا بدر، ابتسامة لم تحمل قسوة بقدر ما حملت ثقة العارف بمآل الأمور، ثم أطرقت قليلًا قبل أن ترفع بصرها نحوه وتقول بصوت منخفض لكنه نافذ كالسهم:
"لأ... هخليهم هما اللي يمشوا من نفسهم."
4
عندها، ارتجف قلب عبد ربه رغم صلابته، فقد أدرك أن ما تفكر به بدر ليس بالأمر الهيّن. رأى في عينيها ذلك البريق الذي اعتاد أن يراه في عيني والدها سالم، حين كان يخطط للمعارك الكبرى. لكنه بداخل نفسه كان يتساءل: كيف ستفعلها؟ وكيف ستجعل الغجر يرحلون بلا حرب ولا دماء؟
+
في المساء، حين خيّم الليل بردائه الثقيل، خرجت بدر متجهة نحو مضارب الغجر. كل خطوة تخطوها كانت تنبض بفضول عميق، ممزوج بحذر يليق بمن يعرف أن وراء كل جمال سرًّا خفيًّا.
+
وما إن اقتربت من تخوم مكانهم حتى باغتها المشهد... مشهد لم ترَ مثله من قبل. المصابيح المعلقة على العربات تتأرجح في الهواء، تنثر أضواءً ذهبية وقرمزية كأنها نجوم هبطت إلى الأرض لتحتفل معهم. ألوانٌ زاهية تكسو الخيام، أقمشة من حرير وقطيفة، تتماوج مع نسائم الليل في رقصات خفية.
+
لكن الأكثر إذهالًا كان النساء... نساء الغجر، وهن يتمايلن وسط الدائرة على أنغام موسيقى نارية تعزفها آلاتهم المدهشة. أجسادهن تنحني وتلتف بخفة، والخرز والحلي على خصورهن وأذرعهن يرنّ بإيقاع يضاعف السحر. شعورهن المنسدلة تبرق تحت ضوء النار، وعيونهن الكحيلة تتألق ببريق جريء.
+
توقفت بدر مكانها، وكأن الأرض قد جذبت قدميها إلى الجذر. انبهرت، وانسحبت أنفاسها رغماً عنها. تساءلت في داخلها،
"إن كنتُ رجلًا، كيف كان قلبي سيتحمل هذا المشهد؟ كيف كنت سأقاوم هذا الجمال المُغوي الذي يلتهم العقول قبل الأبصار؟"
+
كان الليل هناك مختلفًا... أشبه بعالم آخر. هؤلاء الغجر الذين رآهم الناس في وضح النهار فوضويين، بسطاء وعاديين، تحولوا مع الظلام إلى كائنات من نور وفتنة. فرق شاسع بين وجوههم الباهتة تحت الشمس وبين وجوههم المضيئة حول النيران. الليل كان معبدهم، والرقص طقوسهم، والغواية سلاحهم الخفي.
+
وقفت بدر تتأمل، وعيناها تتنقلان بين حركة الأجساد ووميض النار والألوان المبهجة. لم تشعر بنفسها إلا وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة غامضة، خليط من التعجب والدهشة، وربما الخطر التي تشمل رائحته يغزو المكان.
+
كان صقر يقف أمام المرآة في حجرته، يمرر المشط في شعره الأسود الكثيف حتى صار يلمع كبريق الليل، كل خصلة تنسدل بانتظام يزيد من وسامته الصارمة. ثم أخذ يرتدي بدلته الرسمية بعناية، يضبط ياقة القميص، يشد رابطة العنق بلمسة دقيقة، وكأنه يستعد لحضور مناسبة هامة أو استقبال وفد من الملوك. ملامحه في المرآة عكست ذاك الكبرياء الأنيق الذي لا يفارقه، فهو يحب أن يظهر في أبهى صورة، أنيقًا كما اعتاد أن يكون دومًا.
+
دخل يزيد فجأة، فوقف مذهولًا ينظر إلى صديقه من رأسه حتى قدميه، قبل أن يطلق ضحكة خفيفة:
"هو إيه يا عم، إحنا عندنا فرح ومحدش قالي؟"
+
التفت إليه صقر بابتسامة جانبية ورفع حاجبه بثقة:
"لأ، بس هو لازم أستنى فرح عشان أبقى أنيق؟"
+
اقترب يزيد، يدور حوله بدهشة كأنه يتفحص تمثالًا:
"يعني يا أخي إحنا قاعدين في نص الصحراء، لا في تلفزيون ولا بنات ولا حتى ضيوف، وتلبسلي البدلة دي كأنك داخل مسرح في إيطاليا."
+
ضحك صقر وهو يعيد تسوية أزرار سترته:
"اللي يهمل في شكله، يهمل في نفسه. وأنا عمري ما بسيب صورتي تقع قدام حد ."
+
يزيد بهز رأسه، نصف ساخر ونصف معجب:
"إنت مشكلة، والله العظيم... حتى في الصحراء عايز تبقى نجم!"
+
يزيد اقترب أكثر، وصوته امتلأ بالخبث والفضول، وراح يبتسم ابتسامة عريضة:
"بصراحة بقى، أنا مش مقتنع... كل الأناقة دي ولبس البدلة وكأنك رايح تخطب. يا عم قول، أكيد في واحدة في بالك!"
+
التفت له صقر بحدة مصطنعة، ثم ضيق عينيه وكأنه يحاول يخفي ابتسامة صغيرة فضحتها ملامحه:
"يزيد، إنت دماغك ما بتفكرش غير في البنات؟"
1
ضحك يزيد ضحكة عالية، ورمى نفسه على الفراش وهو يصفق بكفيه:
"ها! عرفتك. يبقى في واحدة... أنا حاسس. يعني من إمتى صقر يضيع وقت قدام المراية عشان شكله وهو قاعد معايا أنا؟"
+
اقترب صقر ببطء، رفع ياقة سترته بتأنٍ أمام المرآة، ثم نظر إليه عبر انعكاس الزجاج وقال ببرود الواثق:
+
"يمكن بعمل كده عشان نفسي... عشان صورتي أنا... عشان أفضل دايمًا أكبر من المكان اللي حواليّ."
+
يزيد مال على جنبه، يشيح بيده باستخفاف:
"آه يا سيدي، ماشي، قول زي ما تقول... بس أنا هافضل مقتنع إن وراك سر. وسر له علاقة ببنت... وبنت مش عادية كمان."
2
ابتسم صقر أخيرًا ابتسامة خفيفة، لكنه لم يرد، مما جعل يزيد يقفز من مكانه ويقول وهو يضحك:
"أها! سكوتك دليل إدانة، مش كده؟"
+
وقف صقر مبتسم ابتسامة ماكرة، وهو يعدل رابطة عنقه أمام المرآة، ثم التفت فجأة نحو يزيد وقال بصوت هادئ لكنه حاسم:
+
"هتجهز... ولا أمشي وأسيبك؟"
1
يزيد فتح عينيه بدهشة، ثم جلس معتدلًا على الفراش وهو يلوح بيديه:
"إيه ده! يعني فعلاً ناوي تسيبني وتروح لوحدك؟"
+
ضحك صقر وهو يلتقط عطره ويرش قليلًا على عنقه:
"ما أنا مش هافضل أستنى لحد ما حضرتك تخلص تنظيرك... أنا رايح أستمتع بالليلة، سواء معاك أو من غيرك."
+
يزيد قفز واقفًا بسرعة وهو يغمغم بضحكة مترددة:
"لاااااا... استنى! حاضر يا سيدي، هجهز... بس والله هعرف السر اللي مخليك متحمس كده."
+
صقر، بابتسامة غامضة وهو يتفحص نفسه آخر مرة في المرآة:
"إعرف لو قدرت."
+
خرج صقر ويزيد معًا تحت ضوء القمر، الأول يسير بخطوات واثقة متأنية، والثاني يركض وراءه محاولًا اللحاق به وهو ما زال يتذمر بين حين وآخر.
+
كان الليل ساكنًا إلا من نسمات الهواء التي تحمل رائحة الرمال والسهول البعيدة. كلما اقتربا من أطراف الحمدانية، بدأت الأصوات تتسرب إليهما... دقات طبول متلاحقة، تصفيق متناغم، وصوت غناء نسائي يعلو ويهبط كأمواج البحر.
+
يزيد فتح فمه بدهشة وهو يقول:
"يا نهار أبيض! ده من بعيد بس، أمال جوه عامل إزاي؟"
+
ابتسم صقر ابتسامة خفيفة، لكن عينيه كانتا مشدودتين إلى البعيد، كأنه يرى شيئًا غير الذي يراه صاحبه.
+
اقتربا أكثر، فإذا بالمكان ينكشف أمامهما: خيام مضيئة بالفوانيس الملونة، نساء يتمايلن بملابس براقة تعكس ألوان النار، رجال يعزفون على آلات وترية ونفخية، والجو كله كأنه عرس لا ينتهي.
+
يزيد، مذهولًا:
"أنا كنت فاكر اللي بسمعه مجرد حكايات... بس ده الليلة دي كأنها عالم تاني خالص!"
+
صقر رفع حاجبه بتأمل وقال في نفسه:
"وسط كل الدخان ده، وكل السحر ده، في فرصة... فرصة إني أوصل للي عايزه ، لازم اروح لجلالة الليلة ازاي معرفش."
+
ثم التفت ليزيد وقال بصوت منخفض:
" ياريت تعقل كده و بلاش فضايح."
+
جلس صقر على مقعدٍ خشبي منخفض تتناثر حوله وسائد مطرزة بخيوط لامعة، بينما يزيد إلى جواره يتأمل باندهاشٍ الألوان الزاهية والحركات المتناغمة في ساحة الغجر. كانت الأضواء المتراقصة من الفوانيس تجعل كل شيء يبدو وكأنه حلم يذوب في عيون الناظرين.
+
اقترب منهما رجل في منتصف العمر، له شارب كثّيف وعينان لامعتان تحملان مكرًا وخبرة السنين. انحنى قليلًا في حركة أقرب للمجاملة وقال بصوتٍ أجشّ:
"أهلا بالضيوف الكرام... تحبوا نشيل عنكم العناء ونخلي الليلة دي ليلة ماتتنسيش؟"
+
رفع يزيد حاجبيه بدهشة وضحك نصف ضحكة:
"هو إحنا أول ما قعدنا جالنا عرض كدا؟ دي خدمة سريعة بجد."
+
بينما صقر ظل متحفظًا، لم يضحك ولم يعلّق، بل حدّق في الرجل طويلًا قبل أن يقول ببرود:
"وإيه اللي بتعرضه بالظبط؟"
+
أجاب الرجل بابتسامة ماكرة، وقد شبك أصابعه كأنه يكشف سرًا:
"عندنا كل ما يبهج العين ويطرب القلب... رقص، غناء، قصص عجيبة... ولو مزاجكم أوسع، في اللي يفسر الأحلام، ويكشف الغيب."
+
يزيد مال على أذن صقر وهمس متحمسًا:
"يا ابني ده مولد مش فرجة! خلينا نجرّب؟"
+
صقر لم يحرّك سوى زاوية فمه بابتسامة باهتة، ثم قال للرجل:
"هات اللي عندك... بس خلّي الليلة دي مختلفة."
+
في اللحظة التي أشار فيها الرجل بيده، ظهرت امرأة في منتصف العمر، طويلة القامة، تلفّ جسدها بعباءة مطرزة بالخرز اللامع، وخصلات شعرها السوداء ينسدل منها بعضها أسفل الوشاح. كانت خطواتها بطيئة واثقة، ونظرتها تخترق الجالسين وكأنها تعرف ما يخفونه قبل أن ينطقوا.
+
اقتربت السيدة، وجلست أمام صقر ويزيد، ثم قالت بصوت رخيم يحمل نبرة غامضة:
"أنا سليمة... أقرأ الكف وأكشف الستار عمّا تخفيه الأيام."
+
يزيد ضحك وهو يمد يده باندفاع:
"ابدأي بيا أنا! خليني أشوف آخر زهقي ده هيخلص إمتى."
+
سليمة نظرت إلى كفه قليلًا ثم رفعت رأسها، وقالت باستخفاف:
"زهقك وهم في عقلك، قلبك متعلق بالحياة السهلة، لكن روحك تبحث عن نار تغيّرك... سيأتيك امتحان، إن صبرت صرت رجلًا، وإن ضعفت ضاع عمرك."
1
يزيد سحب يده بسرعة وضحك بارتباك:
"هو الواحد جاي ينبسط ولا يتحاكم؟!"
+
أما صقر، فظل صامتًا يراقبها بعينين متوجستين. مدت سليمة يدها نحوه بثقة وقالت:
"وأنت... ياصاحب الملامح الحادة، هات كفك، حاسة إن كفك يحكي عنك أكثر مما تقول."
+
تردد صقر لحظة، ثم مد يده ببطء. أمسكت سليمة بكفه ونظرت طويلاً، حتى انعكس ضوء الفانوس في عينيها. فجأة تغيرت ملامحها، اتسعت عيناها كأنها رأت شيئًا مهولًا، ثم همست:
"أنت تبحث عن دمك... عن لحم من لحمك. الطريق إليه مليء بالغموض، والجواب عند امرأة تعرف أسرار الميلاد والموت... واحدة يحبها الجميع."
4
ارتجف قلب صقر، لكن وجهه بقي جامدًا، بينما يزيد نظر إليه بدهشة وهمس:
"إيه ده يا صقر؟ هي قصدها على مين؟ هو ده بجد؟"
+
صقر شدّ يده من بين يديها وقال ببرود يخفي العاصفة بداخله:
"دي مجرد لعبة، قراءة كف يعني... كلام يتقال وخلاص."
+
لكن في داخله كان يعلم أن الكلمات أصابت قلب الحقيقة.
+
سليمة تركت يد صقر ببطء، لكن لم تنهض. حدّقت في عينيه بتركيز، ثم ابتسمت ابتسامة غامضة وقالت:
+
"لسّه في كفك حكايات... في سرّ ما بين الخطوط، في جرح قديم لسه ما التئم."
+
صقر صمت، يراقبها وهو يحاول إخفاء اضطرابه. رفعت سليمة كفه مرة أخرى، تتبع خطوطه بأصابعها الرفيعة، ثم همست وكأنها تلقي فزورة:
+
"تبحث عن نصفك الضايع... لكن نصفك مش بعيد، ده قدام عينك، يتكلم بلسان القوة ويلبس وش مش وشه وش قوي... لكنه قلب بنت بتمدّ إيدها للحماية."
+
يزيد فتح فمه بدهشة وقال بضحكة عصبية:
"إيه الكلام الغريب ده؟ يعني حبيبتك قوية زيك لقيت اللي يتدرب معاك ولا إيه؟!"
1
لكن صقر لم يضحك. كان قلبه يدق بقوة، وعينيه متعلقتين بسليمة التي أضافت بنبرة حاسمة:
+
"اللي بتدور عليه مش هتلاقيه في البُعد... ده بيقاتل جنبك، لكنك مش شايفه عشان لابس قناع يخفي حقيقته."
1
ثم تركت يده فجأة و ظلت تنظر له بدون كلام، وكلماتها تتلاشى بين الألوان والأنغام، تاركة صقر غارقًا في صمت ثقيل، بينما يزيد يرمقه متعجبًا:
+
"إيه يا صقر، وشّك اتغيّر كده ليه؟ هو الكلام ده لمسك ولا إيه؟"
+
لكن صقر اكتفى بنظرة غامضة، يخفي خلفها بركانًا من الأسئلة.
+
صقر شد على يد سليمة بعصبية مكبوتة، وصوته خرج منخفضًا لكنه نافذ:
"وضحي أكتر... أنا مش فاهم قصدك إيه؟ مين اللي لابس القناع؟"
+
ابتسمت سليمة ابتسامة غامضة، وأمالت رأسها بخفة، وقالت بنبرة مسرحية وكأنها تتلذذ بإثارة فضوله:
"الكف ما بيكشفش غير للي يدفع... ادفع أقول، ما أبطل حكي."
+
يزيد قفز من مكانه بضحكة عالية:
"يعني الموضوع تجارة مش بصيرة. يا صقر، هتدفع للست دي ولا نمشي ونسيبها؟"
+
لكن صقر لم يضحك. كان ينظر لسليمة بعينين مليئتين بالقلق والفضول، وكأنه يخشى أن يضيع منه خيط مهم إن تركها.
+
صقر نفخ الهواء من صدره ببطء، وأخرج بعض القطع النقدية من محفظته ووضعها في يد سليمة:
"خلاص، خدّي، بس وضحي... بسرعة!"
+
ابتسمت سليمة ابتسامة عريضة، وكأنها انتصرت في لعبة غامضة، وأمسكت يده بحركة مسرحية:
"آه... هاه، كل قطعة ليها سرها، كل خط في كفك بيروي حكاية... بس مين يعرف يفهم؟ لسه في كفك حكايات متشعبة، متقطعة، زي الضل لما يمشي على الرمل، وفيها ضحك ودموع، ووجوه تختفي... واحد منهم، اللي قلبك بيدور عليه، راهو بين الخيوط اللي ما بتتلاقيش... لو حبيت تدور ماتلقهوش مع أنه أمام عينك نصفك التاني."
+
صقر حدق فيها بدهشة، محاولًا فك شفراتها، لكنه شعر أن الكلمات تزداد غموضًا كلما اقترب من الحقيقة.
+
سليمة مدت يدها على كف صقر، وحركت أصابعها بخفة، ثم نظرت إليه بعينين غامضتين وقالت:
"لسه في كفك حكايات... وواحدة منهم، دمّها في قلبك، فيها خطين حمر لما يكبروا يظهروا ... ، لا... حاجتين يلعبوا في الهواء زي الليل لما يخبي القمر... حد يعرفهم يضحك، وحد ما يعرفش يفضل يحلم."
+
صقر حرك حاجبيه بارتباك:
"خطين حمر؟ إيه الكلام الغريب ده؟"
2
ابتسمت سليمة بابتسامة مشاغبة، و هي تقول له:
"ده سر... بس اللي يعرف يقراه، يلاقي الطريق... واللي يسيبه، يفضل يدور في الضلمة زي الغريق، حاسب من الغرق يا صقر."
+
الكلمات كانت متداخلة ومعقدة، وفزورة تحير العقل، تجعل صقر يفكر ويعيد التفكير في كل ما يعرفه عن كل من حوله...
+
سليمة مدت يدها على كف صقر، وعينها تتلألأ بالغموض، وقالت بصرامة مختلطة بالغموض:
"هتقع في عشق مسموم يا صقر... ومصيرك من مصير أبوك في العشق. ساعتها لازم تختار بين ملك وجاه، أو عيشة بقربها... ويا بخت من وقعت هي بعشقه تدافع عنه لآخر قطرة في دمها. العشق في حياتك طعمه نار... وإنت وشطارتك لو عرفت تستحمله."
3
صقر شعر ببرودة تنساب في جسده، وعيناه تتسعان من ثقل الكلام، كأن الكلمات غرست نارا في قلبه، وتركت له شعورًا بالمواجهة بين القدر والحب والمصير.
+
يضيف يزيد بفضول:
"طب وانا؟ هعشق مين يا سليمة؟"
+
سليمة تبتسم ابتسامة غامضة، وتدير كف صقر بين يديها وكأنها تعزف لحنًا خفيًا، وقالت بفزورة:
"هتحب اللي تاجها في دمها، اللي قلوبها متقاطعة بينك وبين الملك... وهي اللي شبهك في سرّك، لكن غامضة زي الليل... لو فهمتها صح، هتعرف مين اللي قلبها ليك، ومين اللي حاضر للدفاع عنها بالنار واجب عليك."
2
صقر ويزيد تبادلا نظرات متشابكة بين الدهشة والارتباك، فالرسالة كانت مغلفة بالمعنى، لكنها لم تقل شيئًا صريحًا.
+
نظر صقر شمالًا، فإذا بعينيه تصطدمان ببدر، تقف هناك بهيئة واثقة، مهيبة، كأنها تجسيد لكل القوة والحكمة التي طالما عرفها عنها، لكن الغموض يحيط بها، يجعل نظره لا يحيد عنها وهو يحاول قراءة ما تخفيه نظراتها.
+
.
