اخر الروايات

رواية اصداء القلوب الفصل الرابع عشر 14 بقلم سهي الشريف

رواية اصداء القلوب الفصل الرابع عشر 14 بقلم سهي الشريف


14 | نَبـضات بيّن قلبـيّن


                                              
مهما ابتعدت، 
يظل هُناك خيطٌ رفيع
يربطك بالشخص
الذي كان البداية والنهاية في آنٍ واحد.

+


رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الرابع_عشر
#سهى_الشريف 

+


- صلوا على شفيع الأمة ♡ .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


✦ تنويه هام قبل القراءة ✦

+


قارئي الكريم ، هذه الرواية تُصنَّف كرواية طويلة ذات بطولة مشتركة، تُركز على عدة شخصيات و عائلات و ثقافات و ميول مُختلفة، حيث تتشابك القصص تدريجيًا لتكون صورة متكاملة للأحداث.

+


الأحداث تُسرد بطريقة متوازنة بين الشخصيات المُختلفة، مع التركيز أحيانًا على شخصيات مُعينة نظرًا لأهمية تفاصيل قصتهم في هذه المرحلة من السرد.

+


الحبكة تتضمن عناصر اجتماعية ودرامية ونفسية وغموض، ما يعني أن بعض الخيوط قد تبدو منفصلة في البداية لكنها ستتقاطع لاحقًا.

+


أتمنى لكم قراءة ممتعة، وأرحب دائمًا بآرائكم البناءة ෆ .

1


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


حين خرج " وائل" من المحل وأخذ نفسًا عميقًا، كان الشارع لا يزال حيًا بضوضائه المُعتادة، لكنه شعر أنه أكثر هدوءًا أو ربما هو الذي أصبح أكثر انسجامًا معه.

+


وهو يسير باتجاه سيارته، كانت هناك على جانب الطريق امرأة عجوز، ملامحها مرهقة ويدها ممتدة نحوه ،هتفت بصوت ضعيف لكنه مُلحّ :

+


- يا ابني حس بغيرك ، لله.. حاجة لله، هات حاجة لله، ربنا يوسع عليك.

+


و " وائل " الذي كان شارداً لم ينتبه وكاد أن يتجاوزها، لكن قبل أن يبتعد تمامًا سمع صوتها ينقلب للهجةً حادة مليئة بالاستياء مُشبعة بالغضب :

+


- ربنا ياخد الغنى اللي خلاك متشوفش غير نفسك! ربنا يسلّط عليك اللي يحوجك!

4


توقف " وائل" فجأة شعر بوخزة غريبة في قلبه، التفت لها ببطء ناظرًا إليها بدهشة، وحدق في وجهها المتعب، لكنه لم يشعر بالغضب بل بالاستغراب ، عاد خطوة نحوها وقال بهدوء ممزوج بحيرة :

+


- إنتِ بتقولي كده ليه؟

+


رفعت رأسها نحوه، وعندما دققت في مظهره، ارتبكت للحظة ونظراتها تغيرت، كأنها أدركت أنها أمام واحد من "أولاد الذوات" فاستقامت بسرعة وتراجعت خطوة للوراء ثم هتفت بصوت مهزوز :

+


- هو أنا غلطت فيك يا بيه؟ إحنا ناس غلابة ، خلاص مش عاوز حاجة، روح ربنا يكرمك.

+


شعر "وائل" بانزعاج غريب، كيف تحولت من الغضب إلى الخضوع بهذه السرعة؟ 

+


أجاب "وائل " بهدوء مُصر على الفهم :

+


- إنتِ خايفة مني ولا بتتريقي؟

+



                
نفت برأسها سريعًا و هتفت :

+


- لا يا باشا، دا أنا أصلي غلطانة.. مكنش قصدي، متزعلش مني، أنا بس الأيام غلبتني.

+


تأملها للحظة فبدا عليه التردد، لكنه سألها دون تفكير كان نابع من خبرة قليله :

+


- إنتِ ليه هنا؟ ملكيش حد ؟؟

+


طالعت فيه المرأة و تسائلت بريبة :

+


- وإنت تبع مين يا بيه ؟!

+


لم يفهم " وائل " مغزى سؤالها فقرر تغير صيغة خاصته و قال :

+


- يعني ولادك فين ؟ أقصد بتباتي فين يا حجة ؟

+


نظرت له نظرة فيها مرارة و بصوت هادئ لكنه يحمل داخله سنين من الخذلان و كأنها لم تصدق من ترمي عليه أثقالها :

+


- أنا عندي عيال.. بس بقت حمولة تقيلة عليهم، كانوا مستنيينني أموت ولما طولت عليهم رموني، قالوا مش قادرين يشيلوني، كأن اللي شالهم عمرهم كله بقى تقيل دلوقتي.

+


قالت عبارتها الأخير بخفوت وقلة حيلة ، شعر "وائل" بانقباضه في صدره ، التفت حوله كأنه يبحث عن حل ولأن عقله على الدوام يعمل فجأة تذكر الجمعية التي تعمل بها " مريم " التي يُجزم أنه رأى بها دار رعاية المسنين ، فهتف بحذر :

+


- إنتِ عمرك سمعتي عن دور رعاية المسنين؟

+


ردت المرأة بسخرية ممزوجه بألم :

+


- دار إيه؟ دار للموت؟ لا يا ابني، خليهم يرموني في الشارع بس ميتحكمش فيا حد غريب، على الأقل كده حرة مش حد يرميني في أوضة ويقفل عليا الباب.

+


أدرك "وائل" أنها رافضة الفكرة من خوف متجذر، فحاول ان يوضح و هتف بهدوء :

+


- مش زي ما إنتِ فاكرة، المكان محترم، وأكيد أحسن من هنا هيكون عندك مكان دافي، وأكل كويس وحد يكلمك بدل الوحدة دي.

+


نظرت له بعدم تصديق، كأنها اعتادت أن أي عرض مثل هذا يُخفي وراءه خدعة ، فتسائلت بتردد :

+


- وهياخدوني كده ببلاش؟ ولا لازم أكون مشردة بس بشهادة خبرة؟

3


ابتسم" وائل" رغمًا عنه بعدم تصديق لكنه هز رأسه نافيًا ، يُطالع المارة حوله الذين يرمقونه كأنه سلعة شاذة ، لكنُه عاد ببصره لها و قال بجدية :

+


- محدش هيطلب منك حاجة غير إنك تكوني عاوزة تعيشي بكرامة، وأنا ممكن أساعدك .

+


ترددت للحظات، ثم رفعت عينيها إليه تحاول تصديقه رغم كل ما مرت به و تسائلت بقلق :

+


- طب والنبي لو بهدلة وذل، ملكش دعوة بيا.. شبعت من الذل.

4


أرخى " وائل " أهدابه ثم فتحها و أجاب بثقة :

+


- وعد.. تعالي شوفي بنفسك، ولو حسيتِ إنك مش مرتاحة يبقى قرارك ترجعي للشارع.

+


تنهّدت زأومأت برأسها بخوف لكن به ذرة أمل صغيرة ثم قالت وهي تتحرك ببطء ورائه :

+


          

                
- طيب ، بس هروح إزاي ؟

+


ألتفت " وائل " تجاه سيارته و أشار لها قائلًا :

+


- العربية إلي هناك دي بتاعتي هاخدك أوصلك. 

+


- لا يا بيه الكلام دا ميصحش .

+


توقف "وائل" يتأملها بعض الوقت يجهل سبب رفضها القاطع، ألتفت حوله ومازالت عيون المارة تلاحقهم تترقب تلك المسرحية الهزلية - في نظرهم - بين ذواتِ الطبقة العالية و الطبقة المتدنية، حسنًا كان عرضًا رائعًا سيحُب الجميع مشاهدة نهايته، لكن " وائل" تأمل حوله عله يجد .. و نعم وجد مطلبه. 

+


أشار بيده لتقف سيارة أجرة أمامه ، أقترب من نافذة السائق وهمس لهُ ببعض الكلمات ثم أعتدل واقفًا يُشير للسيدة العجوز قائلًا :

+


- تعالي يا حجة أركبي. 

+


أقتربت منه السيدة العجوز مغلوب على أمرها تجهل عن أيامها القادمة ، ولكن ما يمكن خسارته مُستقبلًا لن يفوق ما خسرتهً سلفًا ، أو هذا ما تظنه .

+


صعدت لسيارة الأجرة و صعد هو خاصته ،ثم سار بها و لحقته السيارة الآخرى نحو وجهة واحدة ..." جمعية نور الخيرية" .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


وصلت "يـارا" إلى المكتب حيث يتم التسجيل للمشروع، وكان المكان مزدحمًا بعض الشيء، لكن الجو كان هادئًا ومنظمًا.

+


كان " يوسف " جالسًا وراء مكتب بسيط، يكتب بعض الملاحظات، وبينما كان يرفع عينيه أبصرها ولاحظته "يـارا" التي كانت تحاول أن تُخفي توترها، ولكن محاولاتها باءت بالفشل.

+


أردف " يوسف" بهدوء : 

+


- أهلاً وسهلاً، أتفضلي. 

+


أجابت " يـارا " بتردد طفيف : 

+


- أهلاً بحضرتك ، أنا... جايّة أشوف أتقبلت في project السنادي ؟

+


ابتسم "يوسف" بلطف وأشار إلى الكرسي أمامه:

+


- تقصدي project إنتاج النباتات المُعدلة صح ؟

+


جلست " يـارا " لكن ملامحها تُوحي ببعض الحيرة، كانت تحاول التركيز على الموضوع رغم أنها لم تكن متأكدة من التفاصيل الكثيرة.

+


- تقريبًا ، مش أنا إلي سجلت بصراحه .

+


أرخى" يوسف" ملامحه ثم تفحص الحاسوب أمامه ، ليسألها عن أسمها فتجاوبه ثم قال بعد بُرهة قائلا :

+


- يارا الشافعي ؟ تمام إنتِ إتقبلتي معانا .

+


ألتفت لها بنظرة حيادية وبدأ في الشرح بطريقة مبسطة جادة :

+


- بصي يا يـارا ، ده مشروع بيهدف لتحسين أنواع من النباتات علشان تقدر تتحمل ظروف التصحر والجفاف بشكل أفضل ، يعني بنعمل تعديلات وراثية على النباتات بحيث تكون أكثر قدرة على تحمل نقص المايه ، الموضوع كله بيحاول يساعد في الحد من التأثيرات السلبية للتصحر على البيئة.

+



        
          

                
أُعجبت " يـارا " خِفية بالفكرة ثم تسائلت بتقرير :

+


- طب هنتعامل مع أي chemicals أو حاجة زي كده؟

+


نفى " يوسف " هاتفًا : 

+


- لأ، مش بالضبط ، إحنا بنستخدم طرق علمية أكثر أمانًا في التعديل، زي الـ CRISPR مثلاً .

+


كانت "يـارا " مُنصتة باهتمام، ليس لأن المشروع مُثير لقدراتها فقط بل لأن عقلها مازال يحصِرها في ذِكرياتها المُؤلمه و هي تُحاول إهلاكه بالاهتمام بأمر آخر .

+


أخفضت بصرها بدون وعي لترى أثار الجروح التي خلفها ضغط أظافرها على كفيها حين مُشادتها مع والدها ، و الذي خلف جروح غائره وواضحه لم تكترث بعلاجها. 

+


لاحظ " يوسف " تلك الجروح حينما أخفضت بصرها للأسفل ولكن آثر عدم التعليق بعدما فهِم مغزى سؤالها عن المواد الكيميائية .

+


و بعد ثوانِ شكرته ثم نهضت من الكرسي و غادرت المكان بهدوء .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


ثبت "آسر" عينيه على الإطارات المُفرغة، لم يبدُ عليه الذعر فقط تأمل المشهد بانظباط محكم ومدّ يده إلى هاتفه واتصل بسائقه مباشرة.

+


- ابعت عربية للمدرسة فورًا.

+


أغلق الهاتف وأخذ نفسًا عميقًا، ثم نظر للأعلى، عينيه تبحث في واجهة المدرسة حتى لمح الكاميرات المُعلقة على المبنى ، لم يكُن أمامه مجال للانتظار أكثر، لابد أن يعود للداخل.

+


عاد بخطوات ثابتة مُمسكًا بيد "مليكة"، حتى وصل إلى البوابة من جديد، ثم اتجه مباشرةً نحو المبنى الرئيسي.

+


في الداخل، كانت " ميار " و " مريم " مازالتا جالستان ، حتى توقف أمامهم " آسر " بملامح جدية ، رفعت "ميار" عينيها بدهشة وهي تراه عائدًا، وأشار لها برأسه دون مقدمات:

2


- ممكم تخلي مليكة مع حضرتك لحظة ؟

+


ثم انخفض إلى مستوى الصغيرة، ربت على كتفها وقال بهدوء مطمئن:

+


- هتفضلي مع مس ميار شوية، وأنا هخلص حاجة وأرجعلك تمام؟

+


أومأت "مليكة" برأسها الصغيرة، بينما نظرت إليه "ميار" بعدم فهم، لكنه لم يُوضح أكثر فقط ألقى نظرة أخيرة قبل أن يتجه نحو مكتب الأمن.

+


- في حاجة حصلت يا مليكة ؟ إنتِ كويسة ؟!

+


هكذا تسائلت " ميار " بقلق ، لتُجيبها الأخيرة بحيره وحزن بدأ يقتنص من ملامحها الناعمة :

+


- مش عارفة .

+


كانت " مريم " مازالت تُتابع ذالك الحوار لتهتف لميار :

+


- إنتِ معندكيش حاجة دلوقتي صح ؟

+


أومأت لها " ميار " بالرفض ،فاتسعت ابتسامة " مريم " و هتفت :

+



        
          

                
- طب تعالي نوديها أوضة الألعاب، يلا .

+


تأملت " ميار " ملامح " مريم " ففهمت مغزى إقتراحها، واستجابت له مُعتدله ثم إتجه ثلاثتهم لغرفة الألعاب في محاولة لتشتيت "مليكة" عن ما يُؤرق ذهنها. 

+


أما عنده ..
طرق باب غرفة الأمن ففتح له أحد الحراس ودخل "آسر" دون أن ينتظر إذنًا، ليجد أحد المسؤولين يجلس أمام الشاشات، يراقب المدرسة عبر عدة كاميرات مراقبة.

+


نظر "آسر" مباشرة إلى الرجل المسؤول، ثم قال بنبرة تحمل ثُقل السلطة:

+


- عايز لو سمحت أشوف تسجيل الكاميرات اللي بتجيب البوابة الرئيسية والموقف إلي برا .

+


تردد الحارس قليلًا، ثم قال:

+


- دي حاجة مش من صلاحياتي يا بيه، لازم إذن من الإدارة الأول.

+


أخذ" آسر " نفسًا عميقًا وأومأ ثم قال:

+


- تمام، هخلص الموضوع بنفسي.

+


خرج من عند الأمن واتجه مباشرةً نحو مكتب المديرة ، طرق الباب وانتظر حتى أذنت له بالدخول.

+


حين رآها، لم يُضِع وقتًا في المجاملات، قال بجدية:

+


-بعد أذنك يا أستاذة يسرى ، أنا عاوز أشوف التسجيلات إلي عند البوابه .

+


بدت المديرة متفاجئة قليلًا و قالت مُتسائلة :

+


- هو في حاجة حصلت يا أستاذ آسر ؟!

+


- عربتي اتبهدلت قدام بوابة المدرسة .

+


صمت ثقيل من جهة المديرة ثم تمالكت نفسها وقالت:

+


- أنا مقدرة سبب طلبك بس بعتذر منك ده مش إجراء متاح ليا ، لازم إذن من صاحب المدرسة.

+


لم يظهر عليه أي انفعال، فقط أخرج هاتفه واتصل مباشرةً برقم محفوظ لديه، وضع الهاتف على خاصية المُكبر، وانتظر بعد لحظات جاءه الرد، فقال بصوت ثابت:

+


- مساء الخير أستاذ طلعت ، أنا آسف على الإزعاج، بس عندي مشكلة حصلت في محيط المدرسة ولازم أتأكد من حاجة في تسجيلات الكاميرات... 

3


تسائل الطرف الآخر عن السبب فشرح لهُ " آسر" الأسباب ثم أنتظر لبُرهه قبل أن يُجيبه بالموافقة ووجه حديثه للمديرة التي كانت تستمع لكل كلمة ، ثم أنهى المكالمة، ورفع عينيه إلى المديرة وقال بهدوء:

+


- لو تسمحيلي هروح أراجع التسجيلات .

+


أجابت المديرة بإيماءة صامتة، بينما كان" آسر" يعلم جيدًا أن الأمور ستتحرك بالشكل الذي يريده، بهدوء لكن دون أن يترك أي ثغرة.

+


و في طريقه لمكتب الأمن وصل لمسامعه نغمة قصيرة من هاتفه تُعلمه بوصول رسالة ،حسنًا في حالات كهذه لن يكون مهتمًا بالرسائل رغم كونها مُهمة دائمًا لأجل عمله ، ولكن عندما يعلم أن الرسالة هذه ستكون بخصوص ما يحدُث فبالطبع سيقف يتفحصها .

+



        
          

                
و قد كان كما توقع ..

+


ارتسمت على وجهه طيف ابتسامة وهو يتأمل تلك العبارة أمامه وكان مفادها :

+


"زمان هربت مني بمعجزة، المرة دي مفيش معجزات تنقذك "

2


رفع " آسر" عيناه وطالع أمامه ، ضيق عيناه وشحذ تفكيره ثم حرك أصابعه بتناسق عجيب ينسج له هجمة مُرتدة ، ثم أغلق هاتفه وأعاده لجيبه وتابع طريقه بثبات وخطوات قوية . 

+


و صلت تلك الرسالة لمُستقبلها في ثانية ، رفع الهاتف أمامه ،أغشت الشاشة دخان سجارته ثم نفث بها ببرود وتأملها في عقله. 

+


"أنا لا بهرب ولا بعتمد على المعجزات... أنا اللي بعمل النهاية وانت عارف نهايتك كويس"

+


ثم أتسعت ابتسامته الجانبية بخبث كبير .. يُعجبه أن يلعب مع من يعلم قواعد اللعب ، وإن كُنت لا تعلمُها لا بأس يمكنه تعليمُك عمليًا .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كان "جواد" جالسًا في مكتبه، عيناه مُثبتتان على شاشة الجهاز اللوحي، يُدقق في أحد الملفات القانونية، حين اقتحم "مراد" الغرفة بلا مقدمات، متكئًا على حافة المكتب بكسل واضح.

+


- بقولك !

+


رفع "جواد" عينيه إليه بفتور، ثم أعاد نظره للملف. 

+


- عاوز إيه؟

+


هتف "مراد" بتنهيدة مسرحية :

+


- لا افرد وشك الأول!

1


تأمله "جواد" بلا اهتمام :

+


- أخلص يا مراد، عندي شغل.

+


أردف "مراد" بعناد : 

+


- مش هحكي وأنت قالب وشك كده!

+


ألقى "جواد" القلم الذي كان يمسكه على الطاولة، متأملًا أخاه الأصغر بنفاد صبر :

+


- طب أنا معايا حق أقلب وشي... أنت مش قالب وشك ليه؟

1


هتف "مراد" بابتسامة ساخرة : 

+


- يا عم أنا إنسان فرفوش، مش معقد زيك.

+


ساد الصمت لثوانِ "جواد" يحدق فيه بلا تعبير، بينما "مراد" يتأرجح بخفة في مكانه ، طالع الأخير نظرات شقيقه الحادة ثم قال : 

+


- آه اخلص ، طب بص ..

+


- بعمل كده 

+


ضيق "مراد" عيناه و بتسليه قال :

+


- أنت مش طايقني، فأنا مش هتكلم.

+


رفع "جواد" حاجبه بسخرية، وأسند ظهره إلى كرسيه قائلًا بابتسامة خفيفه :

+


- أنا أصلًا مش بتكلم معاك غير عشان متطلعش معقد نفسي مش أكتر.

2


تردد "مراد " للحظة، ثم ابتسم بمكر قائلًا :

+


- أنت مش هتجوزني بقا ؟

1


ألقى "جواد" عليه نظرة طويلة، ثم عاد للملف كأنه لم يسمع شيئًا و هتف : 

+



        
          

                
- طيب، اتأكدنا إنك فعلًا معقد نفسي.

+


طالعه " مراد " بنظرات ساخطه فتأمله "جواد" بنظرة ثابتة قبل أن يميل للأمام مستندًا بكوعيه على المكتب و هتف :

+


- طب بما إنك فاضي كده وبتحاول تشغلني بهزارك... ليه لما طلبت منك تعمللي مصلحة ، مشيت وقولت عندي مشروع تخرج ومش فاضي؟

+


ثم ختم عبارته بغمزة صغيرة ، فجمدت ابتسامة "مراد" لثوان لكن سرعان ما استعاد توازنه واعتدل واقفًا :

+


- إيه ده؟ إنت لسه فاكر؟! يا راجل ده كان من شهرين .

+


هتف "جواد" بابتسامة ساخرة : 

+


- كان من أسبوع يا مراد، ما تحاولش تزوّقها.

+


أشاح "مراد" بوجهه بعيدًا، متظاهرا بالانشغال في النظر إلى أحد الأرفف، ثم حكّ مؤخرة رأسه بتوتر مفتعل.

+


- بصراحة... كنت مضغوط في المشروع، وقلت مصلحتك ممكن تستنى، لكن دراستي لا!

+


رفع "جواد "حاجبه بريبة و تسائل : 

+


- أها... طيب، بالمناسبة بقى مشروع التخرج بتاعك عامل إيه؟

+


اتسعت عينا "مراد" للحظة قبل أن يستعيد هدوءه بسرعة :

+


- شغال عليه... 

+


- جميل... طب وريني آخر حاجة كتبته فيه.

+


ابتسم "مراد" بارتباك، ثم تراجع بخطوة للخلف ، وهتف بإعتراض : 

+


- إيه ده! إنت مُفتش ولا أخ؟ بعدين إنت محامي، إيه اللي عرفك في مشاريع الصيدلة؟

1


هتف "جواد" بهدوء قاتل : 

+


- مش محتاج أكون صيدلي عشان أفهم إنك مطنش ومش عامل حاجة.

+


ضحك "مراد" ضحكة قصيرة ثم قال : 

+


- يا أخويا متحسسنيش إني مجرم هربان ، المشروع في السليم... بس بصراحة أنت محتاج ..

+


توقف لثانية، ثم أكمل بحماس مفتعل وهو يرفع إصبعه كأنه اكتشف الحل العبقري:

+


- محتاج أرشحلك حاجة تصفي دماغك ! حاجة كده تريّح أعصابك تساعدك في التركيز وتقلل التوتر وأعتبرها خدمة صحية مني ليك بما إنك دايمًا بتشكك في خبرتي!

+


نظر إليه "جواد" لثوان ثم انفجر ضاحكًا لأول مرة منذ بدء الحوار، حتى أنه اضطر إلى إسناد مرفقه على المكتب ليتمالك نفسه.

+


- يا نهار أبيض! يعني مش بس مطنش مشروعك، ده أنت بتبيعلي علاج كمان؟!

1


ابتسم "مراد" بفخر وهو يرفع ذراعيه متظاهرًا بالثقة:

+


- طبعًا، أهو إثبات عملي إني صيدلي فاهم .

+


أخذ "جواد" نفسًا عميقًا محاولًا كبح ضحكاته ، رفع "مراد" حاجبيه بدهشة مصطنعة، ثم مال نحوه هامسًا كأنه يخبره بسر خطير:

+



        
          

                
- عارف؟ أنا عندي وصفة ممتازة لعلاج الاستمتاع بمصايب الأخ الأصغر بتاخدها مرتين في اليوم وتلاقي ضميرك فاق علطول، اسمها "أنا ماليش دعوة ومراد يشيل شيلته"

+


ضحك "جواد" بخفة وهو يتراجع للخلف، فهتف "مراد" بمرح:

+


- عظيم، واضح إنك فهمت أخيرًا! دلوقتي هكمل سعي في البحث عن زوجة .

+


لوّح بيده مغادرًا الغرفة سريعًا تاركًا "جواد" يهز رأسه مستمتعًا بهذا الجدال الذي تحوّل إلى استراحة فكاهية غير متوقعة وسط يومه المزدحم.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


- ولاه يــــــا عـبــــد الله !!

+


هتفت " هَـنا " بأعلى صوتها من نافذة غرفتها، تنادي الفتى الذي كان يتظاهر بعدم سماعها وهو يتسكع بالأسفل ، فتجاهلها بوضوح مما زاد من غيظها، لكنه في النهاية اضطر لرفع رأسه والرد بضيق:

+


- عاوزة إيه؟!

1


جزّت "هَـنا" على أسنانها، وصرخت فيه بنبرة آمرة:

+


- اسـمها عـاوزة إيه؟! اطـلعلي فـوق وأنا أقولك... يـلا!

+


راقبته وهو يتمتم بسبّة خافتة، قبل أن يتوجه للداخل بتكاسُل فأعادت رأسها إلى داخل الغرفة، والتفتت إلى "ليلى" الجالسة على طرف الفراش، تُتابع الموقف بابتسامة خفيفة تحمل مزيجًا من التسلية والاستغراب ، حاولت "هَـنا" أن تُخفي انزعاجها العميق فقالت بنبرة مُتحفظة وهي تهز كتفيها:

+


- مش بيجي غير كده، أصبري بس لـ...

+


لكن طرقات عنيفة على الباب قطعت كلماتها، فتوجهت إليه سريعًا، بينما نهضت "ليلى" خلفها ببطء تتابع المشهد باهتمام.

+


بلا استئذان دلف الفتى إلى المنزل ولم يكن يتجاوز الخامسة عشرة، بشرته سمراء مخملية وملامحه صارمة رغم صغر سنه، وملابسه البالية تحوي آثار الأوساخ الناتجة عن بقائه لساعات طويلة خارج المنزل ، ما إن دخل حتى وقعت عيناه على "ليلى" فهتف بلا أدنى احترام:

+


- أوبا... حلوة!

3


اتسعت عينا "ليلى" بصدمة غير مصدقة وقاحته، لكن قبل أن تستوعب الرد، كانت "هَـنا" قد أمسكت بأذنه بقوة وهي تجز على أسنانها بغيظ:

+


- لمّ نفسك يا جحش! مش بندهلك بقالي ساعة؟!

+


انتفض "عبد الله" محاولًا التملص من قبضتها، يئن بصوت متألم:

+


- مسمعتكيش يا خالتي، سيبي ودني بقى، معتش هسمعك كده!

+


لكنها زادت من شدتها، قائلة بنبرة حادة:

+


- دلوقتي افتكرت إني خالتك؟!

+


أخيرًا أفلت نفسهُ منها، وفرك أذنه بوجع وهو يرمقها ببرود:

+


- آه، عاوزة إيه؟!

+


ضيّقت "هَـنا" عينيها وهي تتطلع إليه بنظرات صارمة، ثم سألته بلهجة جادة:

+



        
          

                
- أمك فين؟

+


- أمي؟! معرفش فين.

+


رد بإهمال كأنه لم يكترث حتى بالتفكير للحظة قبل الإجابة ، لكنها كانت تعرفه جيدًا وتعرف طريقته في التهرب لذا قالت بصبر نافد:

+


- أخلص يا عبد الله، أمك بقالها يومين مبتردش عليا هـي فـيـن؟!

+


أسند "عبد الله" ظهره إلى الجدار بلا مبالاة، ورد بلهجة عبثية:

+


- معرفش، هي مش أختك؟! أبويا مسافر يجيب بضاعة، وهي مبتبطلش لف في الحارة طول النهار.

+


نظرت إليه بحدة، وهتفت مستنكرة:

+


- احترم نفسك، دي أمك يالاه !

+


- يوه بقى هو أنتِ هتفتحيلي تحقيق؟ تلقيها عند خالتي أمينة.

+


ثم استقام فجأة واتجه نحو الباب مستعجلًا وهو يهتف:

+


- يلا بقى همشي مش فاضي!

+


في لحظة كان قد اختفى خارج المنزل تاركًا "هَـنا" واقفه بوجه مُتجهم، بينما تابعت "ليلى" المشهد كله بدهشة.

+


أغلقت "هَـنا" الباب خلفه، ثم استدارت نحو "ليلى" وقالت بنبرة مليئة بالحيلة:

+


- معلش، أختي اتلهت بالمصايب ونست تربي ابنها.

+


لم ترد "ليلى" في البداية، بل اكتفت بالنظر إليها بصمت.قبل أن تنفجر كلتاهما في موجة من الضحك.

+


بعد أن هدأت هتفت "ليلى" وهي تلتقط أنفاسها:

+


- لا بس بجد مش لايق عليكِ الدور ده خالص!

+


اقتربت "هَـنا" منها، ووضعت يديها على خصرها قائلة بتهكم:

+


- مش كده؟ طب أعمل إيه يا بنتي! بيطلعوا أسوأ ما فيّا ، مسيرك تشوفي كريمة، وهتفهمي قصدي... عيلة محتاجة إعادة تأهيل!

+


ضحكت "ليلى" مجددًا على تعليقها، بينما تنهدت "هَـنا" بإرهاق، قبل أن تُتابع بمرح مصطنع:

+


- آه والله...

+


تأملتها "ليلى" قليلًا، ثم سألتها بهدوء:

+


- مش هتنزلي المستشفى النهاردة؟

+


تبدلت تعابير "هَـنا" وكأن السؤال أعادها إلى الواقع ، زفرت ببطء، ثم فركت جبينها بإرهاق قبل أن تجيب:

+


- آه... المفروض أنزل، بس... اليوم بدأ بشكل معكوس، وعبد الله ده عقدني الصبح!

+


- أنزلي أريح هتقعدي تعملي إيه ؟! و أنا هنزل الشغل كمان .

+


أتسعت عيناي " هَـنا " بصدمة و تسائلت :

+


- شًغل دا إيه إلي تنزليه ؟ إنتِ لسه تعبانـ ...

+


قاطعتها " ليلى" تبتلع غصة أليمة :

+


- سيبك من الكلام دا أنا كنت ببقى تعبانه أكتر من كده و كنت بنزل أشتغل وأجي على نفسي ، كتر الله خيرك والله ما عارفه أرد جميلك دا إزاي ، محدش بيعمل كدا يا هـنا محدش عنده قلب زيك يعمل كده في الدنيا والله .

+



        
          

                
ربتت "هَـنا" على ظهرها بحنو، بينما كانت "ليلى" تحاول جاهدة أن تمنع دموعها من الانهيار ، كانت ممتنة لها، ممتنة لكل لحظة قضتها بجانبها، لكنها في نفس الوقت تشعر بأنها عبء، وأن الوقت قد حان لتقف على قدميها من جديد.

+


تراجعت "هَـنا" قليلًا وهي تمسك بوجنتي "ليلى" بين يديها قائلة بحزم:

+


- بصي، أنا مش عاوزة أسمع منك الكلام ده تاني، أنا وأنتِ خلاص بقينا أهل، وإنتِ مش مطالبة تردي لي أي جميل، اللي بينا مش جميل أصلاً ده واجب.

+


هزت "ليلى" رأسها بابتسامة صغيرة، قبل أن تأخذ نفسًا عميقًا وتقول:

+


- ماشي، بس برضو أنا لازم أنزل الشغل، مش هقعد هنا كتير ، أنا مش عارفه أبويا فين ولا عارفه حياتي الجاية هتمشي إزاي ، أنا بقيت خايفة من كل لحظة بتعدي عليا .. كل لحظة يا هَنا ، حاسه إني تايهه و مش عارفه بقيت فين و لا إلي جاي رايح فين ،أنا مرعوبة من المستقبل أوي يا هَنا .

+


أحاطت "هَـنا" يديها حول كفي "ليلى" المُرتجفين، وضغطت عليهِما برفق، وكأنها تُحاول بث السكينة في قلبها ونظرت إليها بحنو ثم قالت بصوتٍ دافئ يحمل قوة خفية:

+


- أنا مش هقولك كلام كبير زي الشيوخ، ولا هعرف أقولك حكم ومواعظ زي الناس اللي بيعرفوا يواسوا، بس هقولك اللي أنا مؤمنة بيه...

+


رفعت "ليلى" عينيها المرتبكتين إليها، بينما تابعت "هَـنا" بصوت أكثر ثباتًا:

+


- إحنا مش بنعرف المستقبل، ولا حتى نقدر نتحكم فيه، بس نقدر نثق في اللي ماسك المستقبل كله... ربنا يا ليلى ، هو الوحيد اللي عارف طريقك فين وعارف إيه اللي مستنيك وعارف أنتِ قد إيه خايفة وتايهة ، بس طالما أنتِ معاه عمرك ما هتكوني لوحدك حتى لو الدنيا كلها سابتك.

2


ارتعشت شفتا "ليلى" كأنها على وشك الانهيار، لكنها تماسكت فأضافت "هَـنا" بابتسامة دافئة:

+


- أنتِ مش مُطالبة تفهمي كل حاجة دلوقتي، ولا تحسي إنك لازم تلاقي طريقك حالًا، كل اللي عليكِ إنك تحطي خطوة قدام التانية، حتى لو كانت خطوة صغيرة وربنا هيفتحلك الطريق .

+


ازدردت "ليلى" ريقها بصعوبة، قبل أن تهمس:

+


- بس أنا تعبت أوي يا هَنا، تعبت من كل حاجة، من الدنيا اللي بتديني بالألم أكتر ما بتديني أمان، ومن الخوف اللي عايش جوايا كأنه جزء مني...

+


ابتسمت "هَـنا" برفق، وربتت على كفها قائلة:

+


- عارفة... بس برضو ربنا قال "إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا"، مش بعده، لا، معاه... يعني وإنتِ جوه تعبك، جوه خوفك، في حاجة حلوة مستنياكي، في فرحة قريب، في باب هيتفتح، بس طول ما قلبك معاه، عمرك ما هتضيعي .

+


تأملتها "ليلى" بعيون ممتلئة بالدموع، لكنها هذه المرة لم تكن دموع ضعف، بل خليط من التأثر والأمل، شعور دافئ تسلل لقلبها مع كلمات "هَـنا"، شعرت لأول مرة منذ زمن أن هناك يدًا غير مرئية تمتد إليها وسط عتمتها.

+



        
          

                
مسحت "ليلى" دموعها سريعًا وهي تضحك بخفة، قائلة:

+


- كل الكلام الحلو دا و مش بتعرفي تتكلمي !

1


أتسعت ابتسامة " هَـنا " بخجل و هتفت :

+


- يوه بقا ، والله كلمتين حفظاهم من أمي هي حفظاهم من راديو الإذاعة عشان كنت بقعد معاها كتير لوحدنا .

+


ضحكت "ليلى" ثم زفرت براحة، وكأنها تخلصت من ثقل كان يجثم على صدرها ، نظرت إلى "هَـنا" بعرفان، ثم قالت:

+


- بجد... أنا محظوظة إنك في حياتي.

+


ابتسمت "هَـنا" وربتت على كتفها بحنان قبل أن تقول :

+


- يلا بقى، كل واحدة تروح لمصيرها، أنا المستشفى، وأنتِ المطعم ، وربنا يستر وما نقابلش مصايب جديدة النهاردة!

+


ضحكت "ليلى" وهزت رأسها وهي تُتابعها بعينيها،
فقط برفقة صديق يحتويك كُل شئ يكون أخف .

+


───────────────── ˖.˚⋆ . 

+


بعد أن راجع "آسر" الكاميرات دون إفادة تُرجى حاليًا ، بدأ يبحث عن "مليكة" في أروقة المدرسة، قلقه يتزايد مع كل لحظة تمرّ دون أن يجدها ، استمر في البحث لدقائق قبل أن يستوقف إحدى المعلمات، التي لم تكن تملك إجابة عن مكانها، لكنها لم تتردد في الاتصال بـ"ميار" لمعرفة موقعها ، وما إن حصل على الإجابة حتى اتجه مباشرة إلى هناك.

+


وقف أمام الغرفة، وطرق الباب ثم دلف بهدوء ، وقع بصره على "ميار" وهي تساعد "مليكة" في تركيب إحدى ألعاب الأحجيات، بينما كانت "مريم" تلتقط صورًا لهُنّ ، كان المشهد دافئًا على نحو غير متوقع، تسلل إلى جوفه المضطرب وهدّأ من قلقِه للحظات ، لكنهُ سرعان ما استعاد جديته متنحنحًا ليعلن عن وجوده.

+


التفتت الفتيات إليه على الفور ونهضن باستقامة، باستثناء "مليكة" التي ظلت جالسة، منشغلة بتركيب الأحجية، لكنها هتفت بلهفة رقيقة:

+


- خالو! تعالى شوف مليكة عملت إيه!

2


اقترب "آسر" منها بخطوات هادئة، تعلو شفتيه ابتسامة حانية، ثم انخفض إلى مستواها، متأملًا ما صنعته، وسألها برقة:

+


- بتعملي إيه يا قلب خالو؟

+


أجابته ببراءة، ووجهها الصغير يضيء بحماس طفولي:

+


- كملت الشكل دا، بس لسه حتة صغنونة!

+


راقبها للحظات قبل أن تتسع ابتسامته، ثم قال مشجعًا:

+


- براڤو يا حبيبتي، بس مش هنمشي بقى؟

+


هزّت رأسها نفيًا وهي تُكمل ترتيب الأشكال بإصرار:

+


- لما أخلص الشكل الأول.

+


تبادلت "ميار" و"مريم" النظرات بترقب، بينما ابتسم "آسر" بخفة واقترب منها أكثر، محاولًا إقناعها بهدوء:

+



        
          

                
- مينفعش يا حبيبتي، الكل خلاص هيروح، وأكيد مش هتخلي مس ميار تتأخر.

+


رفعت "مليكة" عينيها لميار وسألتها بعفوية:

+


- مس ميار! إنتِ هتروحي دلوقتي؟

+


ابتسمت "ميار" بخفة وأجابت بلطف:

+


- أيوه يا حبيبتي، الكل هيروح دلوقتي، اسمعي كلام خالو، وأكيد هنكمل مرة تانية إن شاء الله.

+


عبست "مليكة" بحزن وهي تهمس:

+


- بس دي آخر مرة هاجي المدرسة... مش هكمل اللعبة!

+


ترددت "ميار" للحظة وهي تتبادل نظرات متسائلة مع "مريم"، بينما زمّ "آسر" شفتيه بتفكير قبل أن يقول بصوت هادئ مُطمئن:

+


- لا، مش هتبقى آخر مرة، أكيد هتيجي المدرسة تاني... يلا يا حبيبتي، كلنا مستنينك في البيت.

+


نظرت إليه "مليكة"وكأنها تصدق كلماته، قبل أن تبتسم أخيرًا وتتمتم:

+


- حاضر... هكملها بكرا بقى.

+


ربّت "آسر" على رأسها بحنان، ثم نهضت وهي تمسك بكفّه، وسار معها باتجاه الباب، لكن خطواته توقفت فجأة، وكأن فكرة طارئة قد خطرت بباله، استدار نحو "ميار"، التي كانت قد بدأت بالفعل في ترتيب الألعاب مع "مريم"، وهتف بتردد:

+


- أستاذة ميار .

+


- نعم !

+


رفعت نظرها إليه فورًا، نبرته الجادة جعلتها تشعر ببعض الترقب ، بقي صامتًا للحظات متأملًا ملامحها الهادئة، لكنه سرعان ما انتبه لنفسه، مستحضرًا صورة "ريان" في ذهنه... لو علم أنه يستبيح النظر إلى شقيقته بهذه الطريقة لما غفر له.

+


تنحنح سريعًا، محاولًا تشتيت أفكاره، قبل أن يقول بجدية:

+


- حضرتك ممكن تيجي لمليكة البيت تديها دروس الـMath؟

+


تسمرت "ميار" في مكانها، تحدق فيه بدهشة حقيقية ، لم يكن هذا العرض ضمن توقعاتها بأي شكل، ولم تستطع حتى تحديد شعورها تجاهه في هذه اللحظة.

+


لاحظ "آسر" ترددها، فحاول أن يخفف عنها محولًا نظره إلى "مليكة" قبل أن يضيف بنبرة هادئة:

+


- مش مطلوب من حضرتك تردي دلوقتي... لو موافقة، تقدري تقولي لريان، وهو هيوصلني ردك.

1


ثم قبض على كف "مليكة" وغادر الغرفة، تاركًا "ميار" غارقة في اندهاشها، استدارت نحو "مريم"، لتجدها تحمل نفس النظرة الحائرة، قبل أن تهمس بذهول:

+


- ريان... أخويـا!

+


رفعت "مريم" حاجبيها بسخرية وهي تهمس بمغزى:

+


- شكله مش موضوع بسيط.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كانت الغرفة غارقة في السكون، لا يُسمع فيها سوى الطنين الرتيب للأجهزة الطبية ، جلست "ميرال" على سريرها، عيناها شاخصتان نحو الفراغ، لا شيء في ملامحها يشير إلى أي تفاعل مع ما حولها.

1



        
          

                
في تلك اللحظة فُتح الباب بهدوء ودلفت منه الممرضة "صفاء"، خطواتها متزنة لكن في داخلها عاصفة تعصف بها ، كانت تحمل في يدها كوب ماء وعلبة دواء صغيرة، أما عيناها فكان فيهما بريق خفي من الغيظ والغيرة.

+


تقدمت ببطء، حدقت في "ميرال" للحظات قبل أن تبتسم ابتسامة باهتة وهي تقول بنبرة مهنية متكلفة:

+


- حان وقت دوائكِ.

+


لم تُجب "ميرال" قط فقط هدوء ، اقتربت "صفاء" أكثر ونظرت إلى ملامح "ميرال" الساكنة، ثم تمتمت بصوت خافت لكنه محمّل بالسم:

+


- متخافيش دا مش حقيقي و عمره ما هيحصل .

+


ثم تأملتها مليًّا، وجدت ملامحها هادئة، جامدة لكنها رغم ذلك تنطق بجمال مُبهر.

+


بدايةً من خصلاتها الشقراء القاتمة التي انسدلت بنعومة، وصولًا إلى ملامحها الرقيقة وعينيها الزرقاوين اللتين عكستا برودًا غامضًا، أي ملامح تليق بفتاة غربية .

+


لكن هذا لم يزد "صفاء" إلا غيظًا، اشتعلت بداخلها نار الغيرة، فهتفت هذه المرة، لكن بلغتها الإنجليزية و نبرتها تحمل غضبًا مكبوتًا:

+


- لا تقلقي... هذا ليس حقيقيًا ولن يكون كذلك أبدًا.

+


لم يبدُ على "ميرال" أي رد فعل، ألتفت لها بهدوء استمرت في التحديق إليها بصمت من غير إدراك، مما زاد من غيظ "صفاء" أكثر ، هي تعلم حالتها ، تعلم مرضها ، تعلم إضطرابها الذي لا دخل لها به رغم ذلك مالت نحوها، نبرتها ازدادت حدة وهي تهمس:

+


- مهما حدث... الطبيب لن يحبكِ يومًا.

2


تُعاند تلك الحقيقة المُتجذره بها ، تعلم مدى حساسية المرضى في تلك المرحلة ، يحاول الجميع أن يُسايرونها فيما تُريد حتى تعود كما كان ، بينما ما تفعلهُ " صفاء " سيزيد من مرضها إضطرابًا و سوءًا .

+


و في تلك اللحظة، نظرت إلى الدواء الذي تحمله ثم إلى "ميرال"ولمعت عيناها بخبث ، كانت قد حصلت على تلك الجرعة من " كوثر " بعد اقناعها أنها تريد مساعدتها وقد جرت ما خططت له بالفعل.

+


رسمت على شفتيها ابتسامة زائفة، ثم مدت يدها بالكوب والدواء قائلة:

+


- هيا خُذيه، عليكِ أن تكوني بخير، أليس كذلك؟

+


بدون أي تردد، تناولت "ميرال" الدواء ورشفت الماء ببطء بمساعدتها ، لم تبدُ عليها أي علامة للشك، وكأنها فقدت تمامًا الاهتمام بأي شيء.

+


وقفت "صفاء" تراقبها، وعندما بدأت جفون "ميرال" تثقل، وملامحها ترتخي شيئًا فشيئًا، ارتسمت على شفتيها ابتسامة خبيثة، قبل أن تستدير بهدوء، وتخرج من الغرفة كما لو أنها لم تكن هناك .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


كانت "مريم" جالسة برفقة "سمسم" تحاول ترتيب عُلب الدواء لها، بينما كانت الأخرى تُحدّق عبر نافذة غرفتها، تراقب الخارج بصمت فجأة، انتفضت "سمسم" وهتفت بحماس:

+



        
          

                
- الواد الحليوة جه تاني!

1


رفعت "مريم" بصرها إليها، وضيّقت عينيها بعدم فهم، ثم تمتمت بفضول:

+


- مين؟

+


لكن "سمسم" تجاهلتها تمامًا، وانطلقت بكرسيها المتحرك إلى الخارج دون أن تشرح أي شيء، تاركةً "مريم" تُحدّق في آثرها بدهشة.

+


وقفت الأخيرة ببطء، ثم اتجهت إلى النافذة، تبحث بعينيها عمّن تقصده لم يستغرق الأمر طويلًا حتى لمحته واقفًا بالأسفل، يتحدث مع مدير الجمعية ، بدا مألوفًا لها... للحظة لم تستطع تذكره، لكن ما إن تأملته أكثر، حتى اتسعت عيناها باستيعاب ، آه، حسنًا... إنه هو.

+


قلبت عينيها بضيق وهي تُردد في نفسها لقب "سمسم" له منذ لقائها الأول به:

+


- حليوة على إيه؟!

2


تمتمت بالكلمة بخفوت، بينما تطيل النظر إليه دون أن تشعر ، لم تختلف أناقته كثيرًا عن المرة السابقة، حتى في ملابسه العادية بدا مُرتبًا بشكل لافت ، يعرف كيف يختار ملابسه... وللحق، يليق به ذلك.. 

+


حسنًا توقفي عزيزتي "مريم" إلى أين يذهب تفكيرك بالضبط؟! 
نهرت ذاتها داخليًا.

+


استغفرت الله سريعًا في جوفها، قبل أن تدفع نفسها للتحرك حين رأت "سمسم" تقف بجانبه بالفعل، فقررت النزول إلى الأسفل.

+


هبطت الدرج بخطوات بطيئة وباردة، ناظرة حولها وكأنها لا تكترث، ثم عبرت البوابة لتجد نفسها وسط الباحة حيث تجمع بعض الموجودين حوله ، وقفت على مسافة قريبة تُراقب بصمت ضامة ذراعيها إلى صدرها.

+


اقتربت أكثر محاولة أن تفهم سبب وجوده، حتى قاطعها صوت أحد الواقفين بسؤال غريب:

+


- يا أستاذ هو وشك أحمر ليه؟

+


في لحظة واحدة بدا وكأن الباحة ضاقت عليه ، رفع يده لا إراديًا ليمرر أصابعه على وجنته، وأحس بخشونة خفيفة على الجلد، وكأن الشعيرات الدموية تحترق تحت السطح.

+


لم يكن بحاجة إلى مرآة ليفهم... 
العلامات ظهرت مجددًا.

+


فبسرعة وضع كفهُ على خده يحاول إخفاء ما ظهر بوضوح ثم تلبّك وهتف على عجالة:

+


- طيب عن إذنكم.

+


استدار سريعًا مُبتعدًا بخطوات متوترة، وكفه لا يزال يُغطي نصف وجهه مُتجهًا إلى سيارته وسط نظرات الذهول من الجميع... و وسط حيرتها هي.

+


لم تفهم ما الذي رأتهُ بالضبط، لكن هذه كانت أولى العلامات التي ستجذبها نحو ذلك العالم المُضطرب، وكأن الأمواج بدأت بسحبها إليه دون أن تشعر.

+


تفرق الجمع بعد ذلك كُلٌ لما كان يشغله، وبعد نصف ساعة طرقت بقبضة يدها على إحدى الغُرف في إذن بالدخول. 

+


دلفت بعد أن سمعت الأذن ، لتجد سيدة عجوز تتوسط كرسي في منتصف الغرفة، ترتدي ملابس مُهندمة ويبدو وجهها مُشرقًا ، هتفت " مريم " بأدب و ابتسامة لطيفة :

+



        
          

                
- تسمحيلي أدخل ؟

+


- آيوه يا بنتي طبعًا المكان مكانك .

+


ثم دلفت " مريم " للداخل وتقدمت نحوها بهدوء وهي تقول:

+


- حضرتك نورتي الجمعية كلها ، معاكِ مريم .

+


ابتسمت السيدة بوهن و هي تستمع لها ثم هتفت برأسها :

+


- أهلًا يا بنتي .

+


استطردت " مريم " الحديث بهدوء و لطف و مهنيه عاليه :

+


- أتمنى تحسي إن المكان مكانك ومتضايقيش من حاجه وإحنا معاكِ علطول محدش بيفضل لوحده .

+


أومأت السيدة برأسها ثم قالت :

+


- ربنا يصلح حالك يا بنتي ويبارك في ولاد الأصول إلي لسه بيفكروا في الغلبانين إلي زيي. 

+


- متقوليش كدة يا طنط ، الدنيا لسه بخير والخير في أمة محمد ﷺ ليوم القيامة .

+


أومأت لها السيدة بوهن ثم هتفت :

+


- ربنا يكتر من أمثاله ، ياريت يا بنتي لو جه تاني قوليلي خليني أسلم عليه .

+


تأملتها " مريم " للحظات بينما أختفت ابتسامتها تدريجيًا وهي تسترجع شريط ذكريات ما حدث قبل نصف ساعة حينما علمت من مدير الجمعية بأن " وائل " أحضر سيدة عجوز بحاجة للإعالة وكان مُستعدًا لتحمُل كافة التكاليف على أن يكون أسمهُ مخفيًا .

+


عادت لواقعها ثم اتسعت ابتسامتها بلُطف وأردفت :

+


- أكيد هقول لحضرتك، هسيبك تريحي دلوقتي ولو أحتجتي حاجة قولي مش هيرُدك غير لسانك .

+


أومأت لها السيدة وتبادلا الإبتسامات ثم خرجت " مريم " وما أن أغلقت الباب خلفها حتى أستندت عليه بلا إدراك وعقلها أرسلها حيث لقائها الأخير به ، لم تُحدد نظرة كاملة حوله و لكن كل ما تستطيع أن تؤكد به لنفسها أنهُ لا يبدو كما يظهر .

+


حسنًا يا " مريم " لقد أعطيتي ذلك الشاب إهتمامًا مُبالغًا به على يوم واحد،ألن تُركزي في عملك الآن أم سنظل نُفكر في تحليلات لشخصيته؟!

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


غابت أشعة ذلك اليوم بخفوت، تستعد لإغلاق قصص وفتح غيرها تاركةً خلفها أحداثًا لم تُحسم بعد.

+


عادت "ميار" إلى منزلها، مشغولة الفكر بعرض "آسر"، لكن غياب شقيقها حال دون البوح بما يدور في ذهنها فاختارت الصمت حتى تتحدث معه أولًا.

+


في صالة المنزل وجدت والدها يجلس بهدوء، اقتربت منه بعد أن ألقت السلام ثم انحنت تُقبِّل رأسه بحنو كما اعتادت ، رفع "علي" رأسه لها يطالعها بعينين يملؤهما الرضا قبل أن يهتف:

+


- ربنا يرضى عنكِ يا بنتي.

+


ابتسمت بخفة، ثم استأذنته لتدخل غرفتها حيث استقبلها أبناء شقيقتها بشقاوتهم المعتادة و " ريم " تقوم بمحاولة يائسة لتسكين ضجيجهم .

+



        
          

                
أما "مريم" فقد عادت إلى المنزل بعد يوم طويل مُرهِق؛ بدأ بساعات التدريس في المدرسة وتلاه العمل في الجمعية .

+


فتحت الباب ودلفت ليُقابلها والدها، الرجل الوحيد المتبقي لها من عائلتها بعد وفاة والدتها منذ سنوات ، ولم يكن لديها إخوة لكنهُ كان عائلتها بأكملها.

+


رأته يتحدث عبر الهاتف بجدية كبيرة، فانتظرته حتى أنهى المكالمة ، وحينما أدرك وجودها طالعها بتعجّب:

+


- إنتِ جيتي يا بابا؟!

+


لم ترد فقط ابتسمت بحنان، ثم ألقت بنفسها بين أحضانه دون أن تنبس بكلمة ، شعر "إبراهيم" بتوترها، فضمها إليه بحنو وهو يستفهم بقلق:

+


- مالك يا بابا؟ حصل حاجة؟!

+


هزّت رأسها نافية وما زالت مستكينة في أحضانه، فهتف بتسلية:

+


- قوليلي لو حد مزعلك، أودهولك ورا الشمس!

+


اتسعت ابتسامتها رغم التعب، وأخرجت رأسها من بين ذراعيه، تُطالعه بعينين ممزوجة بلون القهوة كما أبيها ، كانت نظرات يملؤهما الامتنان قبل أن تهمس بخجل:

+


- عارفة يا بابا.

+


ثم ابتعدت قليلًا وسألته باهتمام :

+


- اتغديت؟

+


- لسه والله كنت مستنيكِ.

+


- يا بابا بقى، كُل عشان صحتك، متستنانيش!

+


ضحك بخفة، بينما توجهت هي إلى المطبخ تُحضّر الطعام، وظلا يتبادلان الحديث في أجواء دافئة كما عادتهم ، فلم يتبقى لكليهِما عزيز غير الآخر .

+


و على بُعد ليس ببعيد، وقفت "هَـنا" عند مكتب الاستقبال في المستشفى، تُراجع بعض الأوراق باهتمام ، لم تُعر انتباهًا للخطوات التي اقتربت من المكتب حتى سمعت صوتًا حادًا يهتف:

+


- بسألك على ليلى سامي! بقالها ثلاث أيام هِنا ليه مخرجتش؟

+


رفعت "هَـنا" نظرها بحذر، ثم التفتت بتوجس نحو الرجل الواقف على بُعد خطوات قليلة منها، تعرفت عليهِ فورًا، ما كان شاقًا عليها تذكر تلك الملامح ، كان مُتصلبًا وعينيه تومضان بانفعال غامض ، استمعت لرد الموظفة التي أجابت بعملية واضحة:

+


- حضرتك، ليلى خرجت من يومين من المستشفى.

+


شحذ بصره بقوة، شدّ عضلاته يُحاول السيطرة على انفعاله، ثم سأل من بين أسنانه المُطبقة:

+


- طلعت فين يعني ؟!

+


- معرفش يا فندم، هي خدت الأذن وخرجت.

+


تابعت "هَـنا" الحوار بترقُّب، إحساس غريب بدأ يتسلل إليها ، وفجأة استدار " سامي " ناحيتها، عينيه الداكنتين تسودّان بنظرة حادة جعلت قلبها ينبض بعنف ، لم يقل شيئًا و بالطبع تعرف عليها ، ولكن فقط ثبتها بنظراته للحظة طويلة قبل أن يستدير ويخرج.

+



        
          

                
أطلقت "هَـنا" زفيرًا مكتومًا، محاولة طرد القلق الذي تسلل إليها ، وهمست بخفوت :

+


- راجل معندوش قلب ، مفكرش حتى يعرف حالها ، كويس أنها مشت و سابتك .

+


انتهت "هَـنا" من عملها في المستشفى، بدّلت ملابسها، جمعت أغراضها، ثم خرجت إلى الشارع.

+


الجو كان ساكنًا والمارة قليلون مما أضفى على المكان شعورًا بالهدوء المريب ، سارت في طريقها المعتاد، تُخطط للوصول إلى أقرب موقف سيارات أجرة.

+


لكن...

1


في تلك اللحظات القليلة، شعرت بشيء غريب ، إحساس غير مريح، كأن هناك من يتتبعها ، حاولت أن تتجاهل الأمر لكن خطواتها تسارعت لا إراديًا.

+


ثم... فجأة!

+


ذراع قوية التفت حول جسدها، يد خشنة كممت فمها قبل أن تتمكن من الصراخ ، جسدها تقوّس بعُنف لكنها لم تستطع الإفلات من قبضته المحكمة ، زصوتها خرج مكتومًا في محاولة يائسة لطلب النجدة لكن لا أحد في الشارع ليسمعها.

+


قلبها خفق بجنون، ودم بارد تسلل إلى عروقها محاولة بكل قوتها لكن كان واضحًا أن خاطفها أقوى منها.

+


ثم...

+


أُجبرت على السير بعيدًا عن الطريق، إلى زاوية مُظلمة حيث اختفى صوتها تمامًا وسط ظلام الليل الحالك.

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


بعد يوم طويل من الإرهاق، جلست "يـارا" في المقعد الخلفي لسيارتها، مُفضلة أن يقودها السائق بدلاً عنها ، رفعت كفها ببطء تمسح على مقدمة رأسها بإنهاك، قبل أن تهتف له بصوت خافت لكن حاسم:

+


- وقفني على جنب لو سمحت.

+


نظر السائق إليها عبر المرآة العلوية، ثم تردد وهو يجيبها باحترام:

+


- بس يا آنسة، لسه موصلناش .

+


تشنجت ملامحها وضغطت أصابعها على رأسها كما لو كانت تحاول تهدئة صداع مؤلم، ثم زادت حدة نبرتها:

+


- بقـولك نـزلني هـنا.هـروح لوحـدي!

+


- يا آنسة...

+


قاطعته بحدة.وعيناها تعكس ألمًا دفينًا:

+


- لو ما وقفتـش العربية، هفـتح الباب وأنزل وهي ماشيـة!

+


كلماتها الأخيرة جعلته ينقاد لرغبتها، فتوقف على جانب الطريق مستسلمًا وقبل أن تترجل رمقته بجمود قائلة:

+


- روح ومتستناش وقولهم إني جاية.

+


خرجت وأغلقت الباب بقوة خلفها، ثم وقفت للحظات تُراقب السيارة وهي تبتعد، حتى اختفت عن مرمى بصرها ، عندها فقط استدارت ببطء تتأمل المجمع السكني الهادئ ، الأضواء المُنتشرة أمام الڤلل تومض برتابة، لكنها لم تكن ترى سوى ظلام يسيطر على عالمها الداخلي.

+



        
          

                
خطت خطوات متثاقلة، كأن جسدها مرهق بروح مثقلة بالأوجاع ، 
تعرف وجهتها، 
تدرك هويتها، 
لكنها لم تعد واثقة من الشخص الذي أصبحت " يـارا " عليه الآن. 

+


كم تُكلّفنا الأقدار حتى تُعيد تشكيلنا؟ 
كم تأخذ منا وكم تترك خلفها من ندوب لا تلتئم؟ تتوجل بداخلنا تترك بصمتها بكل ما هو مسالم داخلنا ، تُبعثره و تعبث به ثم تتركه رمادًا وأنت مُكلف بالإصلاح !

+


كم هي دارُ كبدِ و مشقة ، كل ما بها مُتعِب وكل من بها مُتعَب ، كل ما بها يستنزف جميع قواك، وتظل تهيم على وجهك طول عمرك أملًا أن تجد مُجدِدًا لتلك الطاقة .

+


إنها الغَصة تلك التي تقف في حلقك بصعوبة لكن في الحقيقة هي تقف بين نبضة قلبك والتي تليها ، تعلم أنك ستموت بين إحداهم وهذا ماكنت تشعر به ، لن يُبصر أحدُ ذلك الجانب منك وهذا ما كانت تحاول تذكير نفسها بها.

+


وسط هذا الشرود انقطع سكون الليل بصوت محرك قادم من بعيد ، في البداية لم تهتم لكن الصوت ازداد قربًا، حتى لاحظت أن الإضاءة الأمامية للمركبة تومض بشكل عشوائي وكأنها تحاول لفت انتباهها ، لم تمر سوى لحظات حتى توقفت بجانبها دراجة نارية ، التفتت ببطء وعيناها المتعبة تتفحص القادم بحذر.

+


كان يرتدي خوذة تُخفي ملامحه، وملابس جلدية سوداء تناسب الدراجة التي بدت كأنها خرجت للتو من سباق ، صوته العميق اخترق صمت الليل حين سألها:

+


- حضرتِك بتمشي لوحدك هنا ليه في الوقت ده؟

+


ضيّقت عينيها بعدم ارتياح ثم ردّت بحِدة:

+


- ومال حضرتك بيا؟!

+


لكن فجأة لمعت فكرة في رأسها فتغيرت نبرتها وهي تهتف بريبة:

+


- استنى... أنت أكيد من عند أهلي صح؟ بعتوك ورايا؟ اسمع! قولهم إني مش محتاجة حد وسبوني في حالي!

+


واجهت صمتًا ثقيلًا من جهته، وكأنه لم يتأثر بكلامها ، وبينما كانت تستعد للتحرك، أوقفها صوتهُ مرة أخرى:

+


- بس إيدك محتاجة.

+


رفعت حاجبيها بدهشة، قبل أن تُخفض نظرها إلى يديها فاكتشفت أخيرًا الجروح التي تنزف بصمت ، لم تكن قد شعرت بها من شدة شرودها ، رفعت عينيها إليه مجددًا، لكنها وجدته قد أخرج ضمادات للجروح ، ثم مد يده نحوها قائلاً بهدوء:

+


- لو تسمحيلي، عشان إنتِ محتاجة إيدك الأيام الجاية.

5


تجمدت في مكانها، غير قادرة على استيعاب عرضه المفاجئ ، نظرت إلى يده الممدودة المغطاة بقفازات الحماية، ثم عادت بعينيها إلى وجهه المخفي خلف الخوذة لم تفهم لماذا لكنها وجدت نفسها تقول بسخرية :

+


- و إيه إلي يجيب wound dressings " ضمادات الجروح " مع حد هاوي Motorcycles ؟؟

+


أهتز جسده بخفه دليل على ضحكة قصيرة أطلقها ثم أجاب بصوته الأجش العميق من وراء الخوذة :

+



        
          

                
- أديكي قلتيها هاوي Motorcycles يعني مفيش حد عنده خبرة مع الجروح أكتر مني .

+


طالعته بصمت هادئ و ترقُب لصدقِه ، ثم وجهت بصرها لكفه الذي مازال مُنبسطًا لها ثم قبضهُ بِخفة و بسطهُ مره آخرى في إشارة منها للإقتراب، ويا للمعجزة اقتربت منه بتردد ورفعت يدها له ، وما أن ارتاحت في كفه، بدأ بتطهير الجرح بمادة مُعقمة تحت ضوء الدراجة ، مما جعل الألم يلتهب فجأة، فانقبضت أصابعها تحاول سحب يدها، لكنه أمسكها برفق وهمس باعتذار:

+


- آسف.

2


لم ترد لكنها لاحظت أن جسده توتر للحظة، كأنه يتفهم شعورها بالألم أكثر مما ينبغي ، فأبقت عينيها عليه وهو يضع الضمادات بعناية ومهارة واضحة، بينما أنهى لف الضمادة حول كفيها بإحكام. 

+


سحبت يدها فورًا وضمتها لها ، ثم ابتلعت غصة وهتفت : 

+


- مع إني معرفكش بس Thanks .

3


أومأ برأسه بخفوت ثم أدار المُحرك وتحرك من أمامها بسرعة ، بينما هي تابعته بعيناها حتى أختفى ، وما أن أدركت ذلك حتى خارت قواها وسقطت على رُكبتيها أرضًا .

+


───────────────── ˖.˚⋆ .

+


الغرفة كانت تغرق في توتر خانق و "ميرال" في وسطها، جسدها ينتفض بعنف بينما يحاول الطبيب النفسي والممرضات السيطرة على نوبتها ، عيناها كانت تائهة، كأنما لا ترى أحدًا منهم.

+


- ميرال، اسمعي صوتي حاولي التنفس ببطء .

+


قالها الطبيب النفسي " مدحت " بحذر لكن صوته لم يصل إليها.

+


لكنها لم تكن تسمع كل ما كان يدور في عقلها تلك الكلمات التي همست بها "صفاء" قبل أن تغيب عن الوعي وتجد نفسها في حالة يُرثى لها بعد أن هدأت نوبتها الفترة الأخيرة ،ولكن تلك كلمات أشعلت شيئًا مظلمًا داخلها ، ولم تكُن وحدها من فعلت .

+


ثم وسط هذا الفوضى فُتح الباب ودخل "ريان " بخطوات ثابتة بعد أن أستدعوه على الفور ، توقفت فجأة عن المقاومة والتفتت ببطء ونظراتها تبحث عن الوجه الذي صار مألوفًا وسط الفوضى.

+


ريـان.

+


شهقت شهقة مكتومة تتوسل إليه بعينين تحملان قلقًا واضحًا ، كانت جالسة على فراشها، يدها تمسك بملاءته بقوة، وحينها هتف مُتسائلًا :

+


- إيه إلي حصل يا دكتور مدحت هي مش ماشية على الأدوية بانتظام ؟

+


ألتفت الطبيبان وبعض الممرضات التي تجمعنّ بالغرفة لكوثر ، لكنها هتفت سريعًا بتوضيح :

+


- والله يا دكتور منتظمه معاها في العلاج و كانت زي الفل .

+


ولكن " زي الفل " لم يكُن ما يُبصرونه على " ميرال " الآن ، وكأن الأدوية عملت بشكل عكسي ، لكن " ريان " اقترب منها بعدما أزاح لهُ " مدحت " المكان ليسألها :

+


- ميرال ، أخبريني ماذا حدث ؟ هل تتذكرين شيئًا ؟!

+


وبدون تفكير، اندفعت نحوه وارتطمت بصدره، ثم تشبثت بمعطفه بأصابعها المرتجفة، كأنما تمسك بطوق نجاة وسط بحر هائج.

+


أما "ريان" شعر بجسدها المرتجف بين يديه، وانتقلت تلك الإرتجافه لجسده أيضًا، لكنه لم يحاول إبعادها بملامح متوترة.

+


- ميرال نحن هنا لا تخافي .

+


قالها بصوت هادئ لكنه متحفظ، يده ترتفع قليلًا لكنه لم يلمسها ،لكن "ميرال" لم تكن تستمع ، أما عيناها التي أغلقت للحظة فُتحت ببطء وهنا... وقعت على "صفاء" في الخلفية .

+


في البداية لم تفهم، كأن عقلها يحاول أن يُجمع القطع المكسورة من صورة لم تكتمل بعد ، فرمشت أكثر من مرة وأنفاسها صارت أهدأ، لكن مضطربة... مشوشة.

+


وفجأة عيناها توسعتا.وارتجف جسدها بالكامل، ثم ارتدت للوراء.لكنها لم تبتعد عن" ريان" بل اختبأت فيه أكثر ودفنت رأسها في صدره.

+


بينما "ريان" شعر بحركتها ، ونظراته أصبحت أكثر حدة فمال بجسده قليلًا حتى يستطيع رؤية وجهها المختبئ.

+


- ميرال ، أرجوكي إهدأي، لن يمُسك أحد بسوء فقط اهدأي وابتعدي لكي أستطيع فهم ما حدث بوضوح. 

+


لكنها لم ترد، فقط كانت تتشبث به بقوة، وعيناها مُثبتتان في رعب على "صفاء " بينما أصابعها تنغرس في قميصه .

+


ثم أخيرًا حاولت "ميرال " التحدث، صوتها بالكاد خرج:

+


- هي... قالت لي...

+


شهقت وكأنها فقدت قدرتها على الكلام.

+


- من هي ؟! و قالت لكِ ماذا ؟ 

+


سألها "ريان" برفق، بينما يكاد يفقد أعصابه، وترقُب كل من بالغرفة إجابتها لكن عينيها كانتا لا تُفارقان "صفاء".

+


حركت "ميرال" حركة شفتيها تحاول النطق، لكن صوتها كان مختنقًا كأنما تحارب لتخرج الكلمات.

+


قال الطبيب النفسي " مدحت " بصوت هادئ أكثر ثباتًا :

+


- حاولي أن تتنفسي بعمق، أنا هنا والطبيب ريان هنا أيضًا ولن يتركك أحد، لكن أريدكِ أن تخبريني بما حدث .

+


لكن" ميرال" لم ترفع رأسها فقط همست بصوت بالكاد مسموع: 

+


- قالت لي.. إنه ليس حقيقيًا.. وأنك لن تحبني أبدًا...

4


و فجأة سكنّ كُل شئ ...
صمتٌ ثقيل لم يقطعه سوى دقات قلبها المُتسارعة... 

+


أو ربما كانا قلبين ينبضان معًا في ارتباك.

+


يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
───────────────── ˖.˚⋆ .

+


-

+


آسفة على الثلاث قفلات دول ، بس بدأنا نعلي بالحبكة أتمنى يكون نفسّكُم معايا طويل. 

+


- و أحب أنوه تنويه مهم ، إن دا جروب الفيس الخاص بي و بالرواية ، هناك بعلن عن المواعيد أو أي تفاصيل للرواية و بتكون المناقشة أسهل و بعرف أتواصل معاكم بشكل أبسط ، لذلك تنوروني بوجودكم يا كرام .
؛ و هتلاقوا اللينك في البايو عندي في الواتباد هنا ෆ.
.

+


───────────────── ˖.˚⋆

+


و السلام على قلوبكم 
| سُهى الشريف |

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close