رواية مجهول انبت عشقا الفصل الرابع عشر 14 بقلم سلمي خالد
الفصل الرابع عشر
اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد، استغفر الله وأتوب إليه 3مرات.
اللهم ارزق أحبتي من رزقك الواسع، وبارك لهم فيما رزقته،. اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
(استغلال الماضي)
شعرت بوجود دلو ماء بارد سقط فوق رأسها، هل بالفعل سيخرجهم من الحارة الآن؟ تطلعت لعينيه القاسيتان قم أردفت بنبرة مترددة:
_ ليه هتخرجنا من الحارة؟ على فكرة دا كده مش من الرجولة!
صك الوحش على أسنانه في غضب، يردف بنبرة تكاد تنفجر:
_ بت أنت خلصيني في أم الليلة دي!
رفعت حاجبها في غيظ منه ثم تمتمت بنبرة معاندة:
_ وهتعمل إيه بقى إن شاء الله! قولي خليني أشوف الهركليز اللي جواك هيعمل إيه!
أغمض الوحش عيناه يحاول ضبط انفعالاته، تبرز عروقه وكأنها ستنفجر، يقبض على مقبض الباب في غضب شديد، تطلعت له سدرا بقليل من التوتر ولكن تحولت ملامحها لرعب ما أن استمعت لصوت رصاص يطبق بالخارج، نظر لها الوحش في غضب جامح، بينما ازدردت سدرا حلقها تردد في خوف:
_ هو إيه صوت الرصاص دا؟
أخرج الوحش مسدسه يستعد لتلك المواجهة، يجيب بنبرة متوعدة:
_ رصاص هيخلص عليكي متقلقيش!
تركها يغادر من الغرفة يستعد لمواجهة هذا الضرب، بينما بقيت سدرا تشعر بتوتر شديد، حاولت النهوض من الفراش في حذر، ثم انطلق نحو النافذة تنظر من خلالها لتجد عدد من رجال الوحش يطلقون الرصاص على رجال أخرى تحاول اقتحام الحارة، لاحظت وجود الوحش وتصويبه الدقيق على رجال، يوقعهم بسهولة، وضعت سدرا يدها على فمها تحاول استيعاب ما يفعل، هو قاتل!
ظلت تتردد هاتان الكلمتان بعقلها كثيرًا، علمت إذًا أنه ليس كا باقي البشر إنما سفاح وأسمه وحش لأنه لا يحمل الرحمة، عادت نحو الفراش تجلس عليه تذرف الدموع على ما وصلت له، بعدما كانت على وشك الوصول لحُلمها الآن هي على حافة الموت، ولا تعلم ماذا ستفعل؟
*****
شعرت أيسل بالرعب ما أن استمعت لصوت الرصاص، هل أتي سليم للحارة كي يأخذهما، حركت رأسها في نفي تحاول نفض تلك الفكرة من رأسها، تردد بنبرة خائفة:
_ لا مش هيجي أكيد هيصدوا... لو مسكني هدمر العالم!
جلست على الفراش تحتضن ذاتها الضائعة بين غياهب الظلام، لا تجد ملجئ تنجي نفسها بداخله، ولا مأوى تحمي ذاتها به، وكأنها نبتة وسط عاصفة مليئة بالجليد يجمد حياتها ويدمرها!
*****
انتهى الوحش من تلك الحرب الثائرة التي نشبت فجأة، ثم رافع مسدسه يهدر في شرسة:
_ اللي هيفكر يخون او يغدر بالوحش هيحصل له زي..
هبط بذراعه يطلق الرصاص على أحد رجاله قائلًا في بسمة مليئة بالشر:
_ زيه.. اللي يخون ينسى أني اسمحه أو أنه ممكن يعيش بعد اللحظة دي فاهمين!
:_ فاهمين.
قالها الجميع في نبرة واحدة ملتاعة، بينما وضع الوحش سلاحه خلفه، نظر نحو مساعده الخاص « حندوق» يردد بنبرة خاوية:
_ ادفونه بعيد عن هنا.
حرك حندوق رأسه ثم تقدم من هذا القتيل ومعه رجل أخر يحملونه حتى يخرجوه من الحارة تمامٍ، سار الوحش نحو منزله ليعلم ما سر تلك الفتاة، ثم صعد نحو الأعلى وهو يشعر أنه على وشك قتلها، لا تريد أن تخبره ما الذي يحدث ومن هؤلاء الرجال الذين يقفون على اعتاب تلك الحارة، التقى بـ سيدة التي اردفت في توتر:
_ سدرا يا باشا دخلت عليها لقيتها بتعيط جامد.
رمقها بنظرة باردة يردد بلامبالاة:
_ هتتعود سبيها!
نظرت له سيدة في عتاب، ثم اضافت وهي تشعر بالشفقة نحو سدرا:
_ أنا هفضل معها لحد ما تهدى.
حدج بنظرة مخيفة، يردد بنبرة قاسية:
_ لو قربتي من الأوضة يا سيدة هقتلها.. سبيها دي قلبها طري وبكرة هتاخد على كده.
تضايقت سيدة من قسوته، ولكن هي لا تفعل شيء سوى أخذ الأوامر وتفيذها، تركها وأكمل سيره نحو الغرفة وما أن دلفها حتى وجد أيسل تضم ركبتيها لصدرها وتبكي، ابتسم في سخط قائلًا:
_ اللي يشوفك كده ميقولش إن أنتم جبتوا عصابة وراكوا وواقف مستنية تشوف مخلوق يخرج من الحارة عشان تاخده.
نظرت نحو بأعينٍ حمراء، تردف في خوف:
_ هما اللي ضربوا نار.. كانوا عايزين ياخدونا.
استند على الحائط ولا تزال ابتسامته الساخرة عالقه بثغره، يغمغم في برود:
_ ميخصكيش.. أنتِ اللي ليكي انك محدش هيقرب ليكي.. بس قدام دا لزمًا أفهم السر اللي مخليكم في كل دا!
شعرت بنوعٍ من الألم، لا تعلم ماذا تفعل هي ترفض هذا الحل ولكن لابد من أن تنفذ كي تبعد الخطر قليلًا عنها، مدت أناملها تزيل دموعها، قائلة بنبرة ضائعة:
_ عايز تعرف اي حاجة أعرفها من سدرا هي عارفة كل حاجة من أولها لأخرها!
ظل يرمقها بنظراتٍ جامدة ثم أردف محركًا رأسه في ايجابية:
_ تمام.. هروح للي هتجيب الخُلاصة.. بس برضو هتحكي يا أما هيجي وقت وهتقعي وساعتها مش هرحمك!
استدار يغادر من الغرفة بينما بقيت أيسل تذرف الدموع على حالها تتطلع للرسمة الموجود بيدها في نفور شديد، تتمنى أن تقطع يدها لعلها تريح قلبها قليلًا من كم الندوب التي تصرخ وتثور من عمقها.
****
جلس الوحش بعدما عاد لغرفته وأبدل ملابسه بأخرى مريحة، يتطلع نحو تلك الزهرة المسمومة داخل زجاجة مغلقة، يفكر ماذا سيحدث؟ وما معنى تلك الرسالة؟ تنهد في ارهاق، ثم نهض ولكن قبل أن يترك المقعد وقعت عيناه على الورقة الخاصة بـ سدرا، نظر لها قليلًا ثم مد يده يفتحها يتطلع لداخل تلك الكلمات ولكن زحفت ابتسامة طفيفة على شفتيه، أغلق الورقة ثم وضعها مكانها يغادر الغرفة لتناول الغداء، وما أن خرج من غرفته حتى استمع لصوت سدرا وهي تبكي بالغرفة المجاورة له، نظر نحو الغرفة ثم تقدم يطرق في خفة حتى استمع لها تردد:
_ ادخلي يا طنط سيدة.
فتح الباب وهو على علم بأنها لم تنزع حجابها، وقف أمام الباب يضم ساعديه لصدره، قائلًا في برود:
_ عمري ما شوفت واحدة نكدية زيك!
استدارت سدرا تتطلع نحو في كره، قائلة في غضب:
_ وأنا عمري ما شوفت بالبجاحة زي كده!
:_ لسانــــــــــك لميه!
قالها بنبرة عالية مخيفة، بينما نهضت سدرا من الفراش تردد في عصبية:
_ مش هلمه.. هتعمل ايه؟ هتقتلني زي ما قتلت اللي قبلي ما هو عادي لأمثالك تقتل والدم بنسبالك مايه!
رفع حاجبه يتطلع نحو شجاعتها، وضع يده بداخل جيب سرواله، يسير في بطء نحوها قائلًا في برود شديد:
_ أمم أنا ممكن في لحظة أخلص عليكي ودا بالنبسة ليا عادي لأمثالي، بس ياترى أهلك هيستحملوا موتك بطريقة اللي بحضرها ليكي لأنهم هياخدوا فيديو كامل لشكلك ميتة.. دا غير أنهم هيموتوا بقهرتهم عشان ملقوش جثة يدفنه ويدفنوا بواقي عضمك بس دا لو لقوها.
حدقت به سدرا في ذهول، ما الذي يتفوه به؟ رمشت بأهدابها عدة مرات تحاول فهم ما الذي يقوله؟ حركت رأسها في نفي قائلة بعدم تصديق:
_ لا لا أنت مش كده! مش أنت الإنسان اللي ساعدني ووداني لأهلى وبيساعد دلوقتي! في إيه بقى؟ بتعمل ليه كده معايا!
لم يحمل وجهه سوى بسمة خبيثة قائلًا:
_ يبقى تحافظي على لسانك كده وتسمعي كلامي ولو فكرتي تعترضي أول واحدة هتدفع التمن أختك.
استدار يسترسل حديثه:
_ بنفس الطريقة اللي هتموتي بيها... وزي الشاطرة كده تجهزي نفسك عشان تنزلي الغدا ليا مزاج تتغدي تحت.
امتلأت عيناها بدموع، تشعر بنوعٍ من القهر، جلست على الفراش حاملة صدمة ضخمة.. إن تركت الحارة هناك من ينتظرها بالخارج وإن بقت ستبقى داخل حُكم هذا المستبد الذي يسمي بـ الوحش.
بقيت هكذا تفكر بطريقة تستطيع الخروج من تلك الدوامة، حتى طرقت سيدة باب الغرفة تردد بنبرة حنونة:
_ تعالي يلا يا بنتي الغدا جاهز ووحش باشا مستنيكي!
ما أن استمعت لإسمه حتى شعرت باشمئزاز نحوه، نهضت تضبط حجابها وهذا الجلباب الغريب، ثم تقدمت سدرا نحو سيدة كي تأخذها للمكان المنشود ولكن أردفت بنبرة جامدة:
_ عمري ما هنسى اللي عمله فيا وإنه قاصد يذلني بالشكل دا.
توقفت سيدة عن التحرك تنظر نحوها قليلًا ثم تمتمت في هدوء:
_ بصي يا بنتي أنا مش هقولك دا طيب والكلام دا... كل واحد عنده عيوبه ومميزته بس هقولك كل ما قدرتي تسامحي وتنسى كل ما هترتاحي وهتكوني من جوا نضيفة مش ملينا سواد.. حاولي تعملي كده.
أكملت سيدة طريقها ومن خلفها سدرا التي شعرت بتضارب داخلها، ماذا ستفعل هل تفعل كما قالت سيدة أم ماذا؟، وصلت سدرا للطاولة لتجد الوحش جالسًا على المنضدة يمسك بالملعقة بشكلٍ غريب، يضرب بها الطاولة في حركات منتظمة، رمقته بنظرة نافرة ولكن شعرت بأن سيدة ستغادر لتمسك يدها سريعًا قائلة في شجاعة زائفة:
لا استنى أنا عايزة أيسل تيجي معايا!
توقف الوحش فجأة عن التحرك، ينظر نحو في غموض، بينما أبعدت سدرا عيناها في توتر قائلة بنبرة حزينة:
_أقعد حد مش هينفع ناكل لوحدنا وياريت طنط سيدة تيجي معانا.
اشار لسيدة بعينيه، لتتحرك نحو الأعلى، بينما أردف الوحش بكلمة واحدة:
_ اقعدي.
نظرت له ببعض التوتر، ثم تحركت لتجلس على مقعد بعيدًا عنه، في حين أردف الوحش بنفذ صبر:
_ اخلصي واقعدي على الكرسي دا!
اشار لمقعد قريب منه، في حين حركت سدرا رأسها في نفي قائلة بنبرة مغتاظة:
_ هو أنا مراتك إيه اقعد جنبك دي.. طبعًا مينفعش اقعد جنبك.
ابتسم في مكر مليء بالشر، ثم قال في خبث:
_ عجبتني دماغك.. بس خليكي فاكرة إن هيجي اليوم اللي هتقعدي في اقرب مكان مني.
منحته نظرة استخفاف، ثم جلست على مقعد اختارته، لم تمر ثواني وأتت أيسل تجلس معهما، جلست أيسل إلى جوار سدرا تشعر ببعض التوتر، بينما هتف الوحش بنبرة جامد بعد ان لاحظ مغادرة سيدة:
_ خليكي عشان هتاكلي معانا.
ابتسمت سيدة في خبث ثم جلست تتناول معهم الغداء؛ الذي تكون من أرز وبعض الفاصوليا المطبوخة و دجاج مقلي، تناول الثلاثة في صمت ولكن لاحظ الوحش تناول سدرا القليل من الطعام وأنها شاردة بشيءٍ ما، فهتف بصوتٍ يحمل بعض الضيق:
_ خلصي طبق يا دكتورة يلا عشان مش هيعجبك رد فعلي.
فاقت من شرودها على جملته التي اشعلت براكين الغضب بداخلها، صكت على أسنانها في غيظ، بينما رمقتها أيسل بنظراتٍ تعجبت لها وكأنها تخبرها أن تتناول الطعام في صمت سريعًا، قررت الصمت كي تنهض وتعلم ما الذي تريده أيسل، ثم تناولت الطعام في هدوء ولكن تعجب الوحش من خضوعها تلك المرة، قرر تجاهل هذا الموقف ليرى ما الذي تهدف له سدرا، نهضت ومعها أيسل قائلة:
_ محتاجاها في الأوضة معايا.
امسك بكوب الماء يردد بنبرة باردة:
_ تقعد ماشي تبات معاكي لاء.
أخذتها سدرا دون أن تردد بكلمة، وصعدوا سويًا للغرفة وما أن دلفوا حتى اغلقت أيسل الباب قائلة لسدرا بنبرة حاسمة:
_ سدرا أنا هقولك الباسورد بتاع البرنامج وازاي يشتغل وهوقفي البرنامج دا أزاي بس الباسورد دا لو مين طلبه منك مدهوش غير لواحد شغال في المخابرات المصرية وتكوني عرفاه كويس غير كده لاء!
******
وصلت تاليا أخيرًا الدور المطلوب وتوجهت نحو مكتب آدم الكدواني وهي تكاد تتنفس في صعوبة، وقفت أمام مكتب «مريم» تتسأل في نهج:
_ قولي لعديم الرحمة اللي جوا دا أني طلعت خلاص.
اتسعت عين مريم في صدمة مما تفوهت به، ثم ازدردت حلقها في صعوبة وهي تتمنى ألا يكون آدم قد أشعل الكاميرات ولكن أغمضت عيناها عندما استمعت لصوت الهاتف، اجابة مريم في رجفة ملأت صوتها، بيننا تعجبت تاليا من خوفها الزائد منه فهو ليس بتلك الشراسة كي تشعر بالرعب هكذا، اردفت مريم سريعًا ناهضة:
_ حاضر يا بشمهندس ثواني وهتدخل.
وضعت السماعة جانبًا ثم اشارت لها في رسمية:
_ تعالي ادخلي معايا.
سارت أمامها في هدوء تدفع الباب، في حين سارت تاليا خلفها تحاول فهم ما سر خوف مريم هكذا، دلفت للمكتب تراه يضع سترته على المقعد الخاص به، يتطلع للأوراق الموجودة أمامه في اهتمام، اردف بنبرة جادة حازمة لأول مرة تراها تاليا:
_ أخرجي يا مريم ومدخليش حد لغاية ما أخلص الاستاذة دي.
حركت رأسها وسارت للخارج مغلقة الباب خلفها، بينما نهض آدم يضع يده بجيب سرواله قائلًا في غيط:
_ بقى أنا عديم الرحمة والمفتري والقاهر صح!
اتسعت عيناها بشدة، وكأن شخصًا ألقى بصخرة فوق رأسها، تسارعت أنفاسها، تبتسم في توتر شديد قائلة:
_ مين قال كده حضرتك كلك رحمة وكرم.
نظر لها بجانب عينيه يردد وهو يعاود الجلوس مجدداً:
_ لو غلطي كده تاني يا تاليا صدقيني هتترفدي.
:_ ياعم هو أنا اتعينت أصلا!
قالتها وهي تشيح بيده في ضيق ممزوج بسخرية، بينما نظر لها آدم في ذهول متمتمًا بنبرة متعجبة تحمل بعض السخط:
_ يعني لو مفهاش إساءة أدب أنا المفروض صاحب الشركة.. والمفروض تقولي استغفار الله العظيم من الذنب اللي هقوله دلوقتي يا بشمهندس آدم.
اغتاظت تاليا من طريقته مرددة في اندفاع:
_ لا إله إلا الله في ايه يا بني!
:_ يا بني!
قالها في صدمة، بينما أكملت تاليا وهي تمسح وجهها في ضيق:
_ هو كل فتفوتة اقولها هتقف عليها يا بشمهندس.
رمقها بنظرة غاضبة ثم قال في عصبية:
_ اتصدقي أني غلطان اللي قلت أعمل بأصلي وخليتك تتدربي الاول وتاخدي شهادة خبرة من شركة الكدواني وكمان هشغالك فيها بمرتب.
شهقت تاليا ببعض الصدمة قائلة في عدم تصدقي:
_ قول بجد إله تنستر قول تاني أنا خلاص هشتغل!
لم يعد يتحمل ما تتفوه به، فأردف بنبرة جافة:
_ خلاص طالما مش هتعرفي تتعاملي باحترام وأدب مع صاحب الشركة يبقى تنسي أنك تشتغلي.
أدمعت عين تاليا في حزن قائلة وهي تحاول السيطرة على حدقتيها اللتان على وشك اطلاق صراح دموعها:
_ يعني خلاص مش هشتغل واطردت كده!
شعر آدم بتلك اللحظة أنه يود قتل نفسه، من هذه المجنونة التي وقع معها منذ أن تعرف عليها وهي معه بصِدامٍ ودايمٍ تخرجه عن حالته الطبيعية، تنهد في ارهاق مرددًا:
_ يا بنتي أرحمني شوية.. أنتِ أسلوبك دا مينفعش تتعاملي بيه مع صاحب شركة ولا حتى واحد معدي في الشارع.. وهنا الكل بيعملي احترام فلما تتكلمي كده يبقى انا إيه وضعي!
مدت يدها تزيل دموعها قائلة في ضيق:
_ مش بعرف اسيطر على لساني.. بس خلاص ممكن تسبني اشتغل وأنا بوعد حضرتك أني هظبط لساني.
ابتسم في هدوء، متمتمًا في عملية:
_ شكلك خام اوي يا تاليا.. مفيش في الشغل اوعدك ولا الكلام دا... هنا يا أما تتعيني بمجهودك أو لاء... انما اوعدك دي مش رايحة تصالحي بيها خطيبك... دا بنسبة لأول حاجة، تاني حاجة بقى وهو أن أنا عامل تدريب السنة دي للمهندسين ومحاسبين عشان افتتاح فرع جديد وعايز اشغل ناس فيه فبالتالي أنتِ لحقتي التدريب دا في أوله وهتحضري زيك زي أي حد...و هتشتغلي مع مريم السكرتيرة برة ودا الشغل اللي متوفر حاليًا لأني محتاج سكرتيرة معايا في الشركات والاتفاقات اللي برة الشركة ومينفعش اسيب الشركة فاضية فبالتالي مريم هدربك على شغلنا وهتفهمك نظامي وهتشتغلي شهر معايا لو لقيت غلطة واحدة منك يا تاليا للأسف هتسيبي الشركة لأني معنديش اعذار في الشغل.. تمام كده.
حركت رأسها في ايجابية محاولة ايقاف طريقتها العفوية، مرددة في انتباه لحديثه:
_ ايوة يبقى المفروض هجهز ورق التدريب الخاص بالمحاسبة وورق التقديم الخاص بالشغل السكرتيرة تمام كده؟
حرك رأسه في ايجابية، يردد في ايجاز:
_ خلاص اتفضلي شوفي ورقك واعرفي ناقصك ايه من مريم عشان بكرة هيكون اول يوم شغل ليكي.
ابتسمت تاليا في سعادة قائلة بنبرة ممتنة:
_ أنا بشكرك لأنك وقفتي جنبي بشهامة.
غادرت تاليا المكتب وهي تشعر بسعادة بالغة، تنطلق نحو مريم لتخبرها بالأوراق المطلوبة، بينما حرك آدم رأسه قائلًا في حنين:
_ الله يرحمك يا أمي!
تذكر كيف كانت دائمًا توصيه بأن يساعد الجميع، وأن يقدم للجميع المساعدة، وألا يترك أي شخص يأتي له ويغادر بخاطرٍ محطم. عاد للأوراق الموجودة أمامه يحاول التركيز بها بعدما شغلت عقله تلك المجنونة.
****
وقف مساعد سليم يردد بنبرة تحمل بعض التوتر:
- لسه محدش فيهم خرج.
حدجه بنظرةٍ غاضبة قائلًا بنبرة شرسة:
- اتصرف أنا عايز سدرا تيجلي لزمًا امتلكها هي اللي هعرف عن طرقها اجيب أيسل ومش بعيد تكون أيسل قالت ليها على كلمة السر وساعتها هنخلص من أيسل وسدرا هتفضل معايا لأخر يوم بعمرها.
اختتم حديثه بنبرة متملكة ممزوج بجنون، بينما حرك الأخر رأسه ثم غادر سريعًا يفكر بحلٍ كي يحضر به سدرا له !
*********
داخل مبني المخابرات..
:_ في ايه يا حمزة أنت ويوسف واللي بشوفه كل فين وفين، شحنة بكمية والحجم دا تدخل بسهولة دي مصر، مش عارف تشتغل أنت وهو قولي اجيب غيركم يشتغل في القضية!
قالها اللواء ياسر في غضب، بينما أردف حمزة ببعض الضيق:
_ يا سيادة اللوا أحنا مش مقصر والله بس أحنا مش بتعامل مع عصابة هما حاجة أكبر من كده!
ضيق اللواء ياسر حدقتيه متسائلًا في اهتمام:
_ قصدك إيه!
اجابه بمعلوماتٍ وصل لها للتو:
_ وصلنا لمعلومات إن كل حاجة من ممنوعات وأثار عشان تتهرب بيبقى معها شعار البلد اللي متهربها منها واللي جاية عليها والشعار دا عبارة عن وردة سامة وملفوف حوليها أفعي سودا، اللي بيخلينا نعرف الفرق إن الوردة دي تبع دولة معينة من نوع الوردة السامة دي، معنى كده إن دول مش عصابة دي منظمة كبيرة أوي!
جلس اللواء ياسر على المقعد، يتطلع نحو حمزة في حزم قائلًا:
_ بص يا حمزة اختارتك أنت ويوسف عشان عارف أنكم مجتهدين.. بس تأخركم أكتر من كده هيأذيكم وهيخسركم كتير.
حرك حمزة رأسه في هدوء قائلًا:
_ حاضر يا سيادة اللوا.
خرج حمزة من مكتبه يشعر باختناق شديد وكأن هناك من قبض على أنفاسه في عنف فلم يدع له مجال للتنفس، رفع هاتفه يهاتف صديقه قائلًا بنبرة غاضبة:
_ طيرت على المهمة برة وسبتني أنا أخد الكلام التّمام من سيادة اللوا صح!
ضحك يوسف في خفة على صديقه متمتمًا:
_ معلش بقى يا صاحبي بس بجبلك معلومات على قد ما بقدر.
تنهد حمزة في ارهاق فهو يعلم كم الارهاق الذي يتعرض له يوسف، استرسل حديثه بنبرة مختنقة:
_ أنا اتخنقت من القضية دي يا يوسف بقالنا سنين فيها والمخدرات بتدخل غصب عننا ومش عارفين مين الوجه الخفى اللي بيدخل المخدرات.
غمغم يوسف في جدية:
_ بأذن الله هنجيبه وهيقع بين ايدينا متقلقش.
:_ يارب، هقفل عشان أكمل بقى الورق واشوف هنعمل الخطة التانية إزاي!
أغلق حمزة العميري على أمل جديد بأنه سيكتشف من هذا الوجه الخفي لتلك العصابة، يشعر فقد ظل عدة سنوات بتلك القضية ولا يزال يحاولوا بها فلم يصلوا لخيط واحد يساعدهم على الوصول لأحد افراد تلك العصابة أو الوجه الجديد لهم فهناك أحد يدبر لهم خطة للدخول!
****
بالمساء..
جلس جلال يشعر بالاختناق مما فعله هل ستسامحه سدرا على ما دبره أم لا؟، تعجبت فريال من شرود جلال فهتفت متعجبة:
_ مالك يا جلال شارد ليه؟
نظر لها في حزن قائلًا بنبرة مترددة:
_ خايفة أكون بأذي سدرا وأنا بحاول اوصلها!
ابتسمت فريال في حزن مردفة:
_ لا يا جلال هي قالت لما تعرف توصلنا هتوصل بلاش عشان منأذهاش خلينا بس ندعلها ترجعلنا بالسلامة.
حرك رأسه في ايجابية، ثم عاد لشروده مجددًا!
*****
مر يومين انهت تاليا الأوراق اللزمة لتقديم بالتدريب والشركة، بينما بقى حمزة ويوسف يعملان سويًا على محاولة معرفة مكان الذي سيتم به تسليم الجديد للشحنة الأسلحة القادمة، في حين تحسنت سدرا كثيرًا عما كانت، ولكن لم تتقابل مع الوحش خلال هذان اليومين ومنعتها كرمتها السؤال عنه، بينما بقيت أيسل تفكر هل ما فعتله صحيح أنها أخبرت سدرا بالسر الذي بقت تحتفظ به لسنوات أم ماذا ولكن سيتدمر كل شيء إن لم تستطع ايقافه خلال الأيام المقبلة.
****
ظلت سدرا شاردة أمامها، تتذكر والديها الراحلين، ووالديها اللذان ادخلها عُشهما الصغير، ابتسمت بحنين لهما وهي تتمنى العودة للحظة صغيرة كي تطفئ شوقها لهما، انتفضت من مكانها وهي تنظر للوحش الذي دلف يحمل ورقة بين يديه قائلًا بنبرة جامدة:
_ أمضي على الوراقة دي!
رفعت حاجبه في استنكار، تغمغم ببعض السخط:
_ هتمضنين على ايه إن شاء الله وصلات أمانة!
رمقها بنظرة خاوية خبيثة، يمد يده بالقلم وتلك الورقة قائلًا بنبرة مخيفة ارتجفت سدرا على أثارها:
_ لو فكرتي تقولي لأ.. هنفذ تهديدي بس وقتها مش بس اختك اللي هتموت أمك وأبوكِ هيموتوا بشكل مش هتحبيه يا دكتورة.. هتختاري ايه!
نظرت نحوه في رعب لم تتذكر سوى والديها اللذان قُتل بتلك الليلة المشؤومة، أدمعت عيناها في ألم تهمس بصوتٍ يحمل صرخة مكتومة:
_ عشان خاطري لأ كله إلا هما!
أشار بعينيه نحو الورقة، أخذت سدرا القلم بيدٍ مرتعشة، تخطو به على الورقة واضعة اسمها الذي رسم بسمة على وجه الوحش، أخذ الوحش ورقته قائلًا بنبرة ماكرة، يتطلع لها في خبث:
_ مبروك يا عروسة بقيتي مراتي رسمي وبكرة فرحك!
*****
داخل شركة الكدواني..
وقفت مريم جوار تاليا تشرح لها كيف تعد غرفة الاجتماع جيدًا، وما الذي يجب عليه تنفيذه، انهت حديثها قائلة وهي تتطلع لساعتها:
_ هروح أنا أظبط ملف يا تاليا وأنتِ عرفتي هتعملي إيه!
حركت تاليا رأسها في إيجابية، بينما تحركت مريم سريعًا تعد ما طُلب منها قبل أن تتعرض للتوبيخ، بدأت تاليا بإعداد الغرفة حتى وقعت عيناها على جهاز تحكم خاص بتكييف، ضيقت عيناها قائلة ببعض السعادة التي تسربت شيئًا فشيء بنبراتها:
_ في تكييف هنا!
نظرت نحو الباب ثم تطلعت للساعة ووجدت أنه لايزال هناك وقت أسرعت تحضر مقعد لتعبث بالتكيف كما تفعل بجميع الأجهزة التي عبثت بها!
يتبع.