رواية ظلام الذئاب الفصل الرابع عشر 14 بقلم سلمي خالد
أصبحت مشاعرها مُتضاربة تشعر بالخجل، الخوف، السعادة، الكثير من المشاعر التى ملأت قلبها، فجعلت من دقاتها تزداد، نظرت لساعة لتجد أنها على وشك الرحيل، تنفست قليلاً في محاولة تهدئت أنفاسها المتهدجة من نظراته التى كانت المصوبة باتجاهها ولاتزال عالقة بمُخيلتها، حملت حقيبتها ثم غادرت من المكتب لتتقدم إلى زياد بخطواتٍ متوترة تشعر ببعض الارتباك الذي احتل خلايا جسدها.
رددت بصوتٍ جاهدت في اصداره:
_ أنا هروح لمكتب الدكتور يوسف عشان الإجازة وكده وهحاول اتفاهم معاه.
هز رأسه بهدوء قائلاً بصوتٍ أجش:
_ روحي وأنا هتنظرك قدام المكتب بتاعه.
ابتسمت ليان بخفة وذهبا سوياً لمكتب الدكتور يوسف، حتى اخبرت السكرتير الخاص به وسمح لها بالدخول، حاولت التفوض معه ولكن انتهى الأمر أن لابد منها أن تحضر إلى المشفى باستمرار، وإن غابت عن العمل ستُرفد منه، تنهدت قليلاً وهي تنظر من زجاج السيارة للطريق والامطار التى تهبط من السماء وكأنها شعرت بها فأرددت البوح عما بجوفها، فربما لايشعر الإنسان بغيره، فيبقى يتألم من أوجاعه وضغوط الحياة، فتشعر الطبيعة بما في جوفها وتبوح عنه كما تشاء لعلها تريحه قليلاً، فسماء تهبط بأمطارها لتغسل قلوبنا المُتألم والرياح تلفح وجهنا لتُساعدنا على التفكير ماذا سنفعل بعد ذلك؟!!
***********
جلس زياد برداهة الشقة يتأكد من عدم مراقبة المافيا لهم عن طريق الكاميرات المثبتة بالطريق والتي تستعرض له الطريق من خلال هاتفه المحمول، نهض عن مكانه ليذهب لغرفة ليان يرى ماذا تفعل الآن، ويتأكد من أنها لاتزال لا تعلم شيء عن الميكرو فيلم، طرق على الباب الغرفة وعندما سمع صوتها لتسمح له بالدخول، فتح الباب بهدوء ونظر قليلاً للداخل فوجدها تجلس على السرير ترتد ملابسها المحتشمة، ترفع خصلات شعرها للأعلى على شكل "كعكة"وتنثر بعضها على وجهها، تبتسم بسعادة للصندوق الموضوع أمامها، فاق من تأمله على صوتها وهي تنظر بصفاءٍ، تشير بيدها له على السرير، تخبره بصوتٍ هادئ:
_ تعالى يا زياد أقعد هنا.
ظل يتأملها قليلاً ثم استجاب لندائها وذهب ليجلس على السرير بمواجهتها لا يفصلهما سوى هذا الصندوق الصغير، بدأت ليان تفرغ محتوى هذا الصندوق شيئاً فشيء وهي تسرد حكاية ما يحمله الصندوق لتهتف وبين يديها سلسلة صغيرة تحمل اسمها، ابتسامة صافية حملتها شفتيها لتضيف لها جمالاً ليس شكلاً ولكن أظهرت روحها الناقية؛ كالرضيع الذي يبتسم وهو نائم، فنعتقد أنه يرى الملائكة:
_ السلسلة دي بابا جبهالي لما نجحت في خمسة ابتدائي وشلتها من وقتها كانت هدية غالية عليا وبحب دايماً اشيل تذكرات كده لذكريات الحلوة عشان وقت زعلي افتحها فتهون عليا.
وضعت تلك القلادة جانباً، لتبدأ بتجميع الأوراق النقدية تهمس بفرحة وكأنها تعيش هذه الذكرى مرة أخرى:
_ كنت كل عيد لزماً أشيل جنيه.. خمسة جنيه.. اللي يفضل من العيدية بتاعتي، وأكتب عليها اليوم والتاريخ وأنهي عيد ومن مين، صحيح هي معظمها جنيهات وصغيرة بس دي بالدنيا أحياناً الحجات البسيطة والرخيصة بتبقى أغلى مليون مرة من اللي فلوسها أغلى وبتبقى مش حلوة.
وضعت العملات النقدية بجانب القلادة وهتفت بنبرة رقيقة اهتز هذا القلب من بين ضلوعه واخترق الجليد المكنون بداخله:
_ عشان كده يا زياد، لما بفتح الصندوق دا بنسى كل همومي، حياتي مرتبطة بيه أوي.
عادت بنظرها لصندوق، لترى ماذا ستخرج منه، بينما ظل هو يتأملها شعر وكأنه وقع مع من ستدوي جروحه التي صنعها الزمن، براءتها، طيبتها، ابتسامتها، نقائها، تحمل الكثير، بتلك اللحظة فطن بأن قلبه أصبح متعلقاً بها لم يمل بالمرة من الجلوس معها، أهذه هي الألفة التي أخبره بها والدها، عاد من تفكيره لصوتها وهي ترفع ميدالية خشبية مصنوع على شكل آلة "الكمان"، بسيطة للغاية مصنوع باحترافية شديدة، هتفت هي بصوتٍ غريب يحمل بين طياته الحنين:
_ دي بقى أغلى شيء في حياتي، كل شيء يهون إلا المدالية دي.
تدريجياً تحولت نظراتها من سعادة لبعض الحزن لاشتياقها للماضي، فأكملت بنبرة متألمة انصهر معها جليد قلبه:
_ ماما الله يرحمها كانت نحاتة شاطرة وعشان أنا وأنا صغيرة كنت قصيرة ومش هعرف اشيل الكمان، ماما عملت ليا الميدلية دي لأني كان نفسي اشيل الكمان أوي.
اغرقت عينيها بدموع لتفيض منهما تحتضن وجنتيها برقة، بينما تعمق زياد بنظره لها فلم يجد سوى موجاً مضطرب، لقيت من الحياة نصيب في الألم، مدت أناملها الصغيرة تزيل الدموع من أهدابها، ثم نظرت له عندما لم تسمع من كلمة، لتجده يرمقها بنظراتٍ غريبة ليست باردة ولكنها غريبة لم تفهم معناها، توردت وجنتيها بخجلٍ واضح من نظراته، لاحظ زياد خجلها بعد أفقته، ليبتسم لأول مرة أمامها هاتفاً بهدوء ولا تزال تلك الابتسامة تعلو ثغره:
_ أنا هخرج دلوقتي عشان ترتاحي وبكرة هنتظرك للشغل.
غادر الغرفة وقبل أن يغلق الباب استمع زياد لما قالته:
_ شكراً أنك قبلت تسمع قلبي الصغير وشاركتني أحلي اوقاتي في الذكريات، عشان مفيش غيرك شاركني.
رمش بعينيه ولم يتفوه بأي كلمة مغلقاً الباب خلفه، ثم بدأت الابتسامة تشق طريقها على وجهه؛ كصحراءٌ شقَّ مجراها بعض المياه فدبت بها الحياة، همس بصوتٍ أصبح يثنيه الحب:
_ والدك معاه حق أنتِ حسيتي بالألفة وأنا حسيتها بالوقت نفسه.
***********
بقصر عائلة الألفي،،،،،،
حالة من التوتر أصابتها، تحرك قدميها بعنف، والحزن انسحب لمقلتيها فأصبحتا بحراً يصارع نفسه في ليلة عاصفة ملأت القلوب بالرعب، همست بصوتٍ متألم نابع من قلب يحمل الآهات لم تنتهي:
_ كده يا زياد متفتحش تلفونك كل الفترة دي ولا حتى تبعت تطمني.
:_أنتِ عارفة إن زياد طول ما هو في مهمة لا بيفتح تلفون ولا حتى حد يعرف عنه حاجة.
استدارت بجزعه العلوى تنظر لزيدان الألفي شقيق زوجها المقبل عليها، لتهتف ببعض الأسى وكأن أحزانها أصبحت أصفاد تكبل يدها وتمزق روحها المتهلكة:
_ عارفة بس كان نفسي يرجع زي زمان زياد اللي بيهزر ويضخك عادي اللي مشاعره موجوده..
هبطت دموعها وتهدجت أنفاسها، تسترسل باقي حديثها في ألم:
_ من ساعة الحداثة بتاعت ندى وهو محمل نفسه الغلط واتغير 180 درجة عن ما كان.
زفر باختناق فكأن عاصفة اصابة عائلتهم ليحدث بها أحداث غامضة لم يعلم أحد أسراراً عنها، تمتم بحزنٍ امتلك ملامح وجهه:
_ مش هو لو واحده من ساعة الحداثتين والقصر كله اتحول.
نظرت له قليلاً وحركت رأسها بإيجابية، فبل فعل منذ ذلك الحادث وأصبحو في صحراءٍ جاف.. صفراء لا تحتوي إلا على ظلام الذئاب الثلاثة.
***********
بشقة السيد أحمد،،،،،
ابتسم وهو ينظر لما بين يديه، يعلم جيداً أن السعادة ستقفز بحدقتي السيد أحمد عندما يرى هديته، هتف بحماس قائلاً وهو يدلف لداخل غرفته:
_ إيه يا عمي أول مرة ملقاكش في البلكونةو....
جحظت عيناه عندما وجد رأس السيد أحمد موضوعة على جانبه الأيمن تتلون بزُرقة، ويده تسقط عن الفراش لتصبح بالهاوية، ترك ما بيده وأسرع إليه كفهد يركض بالغابة، يهتف بخوف بالغ:
_ عمي..عمي رد عليا.
لم يجد أي استجابة منه، ليسرع بيده واضعاً إياه بقرب من عنقه ليجد بعض النبضات الضعيفة، ولكن يديه بردتان كثلج، فقد تسربت البرود لجسده تعلن عن موعد لقائه مع الرحمٰن.
***********
بمشفى اليوسف،،،،،،
انقبض قلبها فجأة، غصةٌ أليمة اجتاحت قلبها، لتضع يدها على قلبها لاتعلم لِمَ شعرت بتلك الغصة، دقائق واتسعت حدقتيها بفزعٍ عندما تذكرت والدها.
كان القلق يزحف إلى قلبها، كوحش يزحف ببطء لينقض على فريسته، أخرجت هاتفها المحمول لتهاتفه ولكن لم تجد إجابه ثم انقطع الاتصال، تجمعت الدموع بيعنيه وكأنها سحاب يُمطر بقوة، تذكرت زياد سريعاً فهتفت بتقطع:
_ زياد هو هو الحل!!!
فلم تدع لنفسها فرصة لتُسرع بخُطاها إلى زياد، و هتفت فجأة بصوتٍ ملتاع بعد أن خرجت من مكتبه بقدمان مرتجفتان:
_ زياد!!!
رفع بصره سريعاً عندما استمع لأسمه، ولكن انقبضت ملامحه عندما رأى وجهها الذي يُغرقه الدموع، أنفاسها المتهدجة برعب، ارتعشت صوتها، تجمدت عروقه عندما امسكت بيده في قوة تنظر له برجاء والدموع تفيض من عينيها:
_ عشان خاطري يا زياد أعمل أي حاجة وأعرف بابا فين عشان خاطري!!
ازال بروده المعتاد فلن يستطيع أن يستخدمه معها مجدداً، فقد أزالت برود الموجود بقلبه لتحتل هي جزءٌ منه، وضع يده على يديها المرتعشتان، يهتف بهدوءٍ محاولاً بث الطمأنينة لها، كالأب الذي يدفء المنزل بالحماية وينعش هواءه بالحب:
_ أهدي وخلصي شغلك، وأنا هتصرف وهحاول أعرف فين بس أكيد الخط فيه مشكلة.
ابتسمت من بين دموعها، تسمحها بسعادة متوترة، تمتمت بخفوتٍ وصوتها لا يزال يرتجف:
_ شكراً حقيقي مش عارفة أشكرك إزي.
هز رأسه بهدوء وهتف ببسمة خبيثة:
_ انتِ دكتورة في إيه بظبط؟
نظرت له متعجبة وأجابته في دهشة:
_ دكتورة نفسية.
أشار بيده اليسرى على يُمناه التي لاتزال تقبض عليها ثم غمز بيعنيه قائلاً ببعض المكر:
_ طب ماسكة في إيدي كده ليه ولا عايزها معاكي!!
تسربت الدماء بوجهها، ليشع بالحمرة الشديدة، تشعر بسخونة غير عادية بعد ما قاله، لتهتف وهي تقزفها بعيداً:
_ آآل أنا آسفة مقصدتش، عن أذنك.
سارت بخُطى سريعة، تهرب من كلماته ونظراته الماكرة، بينما ابتسم زياد بيأس على ما فعلته، وهمس بداخله ببعض التسلية:
_ مفيش مانع نجننك شويا يا لينو!!!!
************
بأحدى المستشفيات الحكومية،،،،،،
صوت الأجهزة يصدع بالغرفة، ينظر له وملامحه التي يكسوها التعب، التمعت عينيه بأسى والحزن، وقرر الخروج من العناية المركزة.
بينما ظلت تهمس وتدعو الله بأن ينجي القابع بالفراش داخل تلك الغرفة، وكأنها حلبة صراع بين الموت والحياة، رأته يقبل عليها لتسرع بخُطاها لتسأله بلهفة:
_ عمو أحمد عامل إيه يا طارق؟!!
نظر لها بحزنٍ دافين ثم ردد بألم:
_ قلبه ضعيف جداً يا سالي، كان لزماً يتنقل للمستشفى من بدري، ربنا يستر وال48 ساعة الجايين يعدوا على خير، لأنه ممكن يدخل بغيبوبة بنسبة كبيرة.
وضعت يدها على فمها تمنع تلك الشهقة الحزينة من الخروج، ثم بدأت تزرف الدموع بقلبٍ منفطر لأجل صديقتها، وهتفت بصوتٍ باكي:
_ طب وليان هتعمل معاها إيه؟!!
حرك رأسه بحزن وهمس بنبرة قلقة:
_ مش عارف، بس هأخر الخبر على أمل إنه يفوق، بدعي ربنا ينجيه، ليان مش هتتحمل الخبطة دي لوحدها.
نظرت له قليلاً فهي تعلم جيداً صديقتها وماذا سيحدث لها منذ لحظة التي توفت بها والدتها وتأثرت عينيها بشدة لتفقد بصرها لفترة من الزمن وعادت تنظر بعد أن شجعها والدها ومارست حياتها فعاد مجدداً، حركت رأسها و عادت تنظر للغرفة القابع بها السيد أحمد.
**********
بشركة الألفي،،،،،،،
جلس وليد بتعب على مقعده بعد أن قرر الذهاب للشركة، ينظر إلى الأوراق التي أمامه، ثم تحدث متسائلاً عن شيءٍ ما لحظه:
_ هو مين اللي ماسك شركة الدمنهوري يا إياد؟!!
أجابه مسلطاً بصره على الملف الموضوع أمامه يقلب بصفحاته:
_ كل اللي أعرفه بعد موت وائل الدمنهوري حد اشترى الشركة من العيلة، بس بتسأل ليه؟!!
رفع أحد الورقات واضعاً إياها أمامه، هاتفاً بهدوء يثنيه التعجب:
_ المنقصة الجاية شركة الدمنهوري دخلها بقلب جامد!!
قطب جبينه ثم أمسك بالورقة ودقق النظر بها وتسأل وليد بحيرة:
_ واللي اشتراها مغيرش اسمها ليه؟!!
هز إياد كتفيه قائلاً بعد اهتمام:
_ مش مهم اللي مهم حالياً إننا ناخد صفقة دي لأنها مهمة وهنبني عليها المصنع الجديد.
هز رأسه، ولم يتفوه بكلمةٍ أخرى، وبدأ يكمل باقي عمله.
***********
بشركة الدمنهوري،،،،،،
تجلس على المقعد، بظلامٍ كاحل، تنتظر تلك الرسالة لتعلم ما مهمتها، إلى أن استمعت لصوت يعلن عن وصول الرسالة وما إن فتحتها حتى هتفت ببسمة غريبة لا تفوح منها سوى رائحة الشر:
_ ايقاع وليد الألفي!!!!!
يتبع....
رددت بصوتٍ جاهدت في اصداره:
_ أنا هروح لمكتب الدكتور يوسف عشان الإجازة وكده وهحاول اتفاهم معاه.
هز رأسه بهدوء قائلاً بصوتٍ أجش:
_ روحي وأنا هتنظرك قدام المكتب بتاعه.
ابتسمت ليان بخفة وذهبا سوياً لمكتب الدكتور يوسف، حتى اخبرت السكرتير الخاص به وسمح لها بالدخول، حاولت التفوض معه ولكن انتهى الأمر أن لابد منها أن تحضر إلى المشفى باستمرار، وإن غابت عن العمل ستُرفد منه، تنهدت قليلاً وهي تنظر من زجاج السيارة للطريق والامطار التى تهبط من السماء وكأنها شعرت بها فأرددت البوح عما بجوفها، فربما لايشعر الإنسان بغيره، فيبقى يتألم من أوجاعه وضغوط الحياة، فتشعر الطبيعة بما في جوفها وتبوح عنه كما تشاء لعلها تريحه قليلاً، فسماء تهبط بأمطارها لتغسل قلوبنا المُتألم والرياح تلفح وجهنا لتُساعدنا على التفكير ماذا سنفعل بعد ذلك؟!!
***********
جلس زياد برداهة الشقة يتأكد من عدم مراقبة المافيا لهم عن طريق الكاميرات المثبتة بالطريق والتي تستعرض له الطريق من خلال هاتفه المحمول، نهض عن مكانه ليذهب لغرفة ليان يرى ماذا تفعل الآن، ويتأكد من أنها لاتزال لا تعلم شيء عن الميكرو فيلم، طرق على الباب الغرفة وعندما سمع صوتها لتسمح له بالدخول، فتح الباب بهدوء ونظر قليلاً للداخل فوجدها تجلس على السرير ترتد ملابسها المحتشمة، ترفع خصلات شعرها للأعلى على شكل "كعكة"وتنثر بعضها على وجهها، تبتسم بسعادة للصندوق الموضوع أمامها، فاق من تأمله على صوتها وهي تنظر بصفاءٍ، تشير بيدها له على السرير، تخبره بصوتٍ هادئ:
_ تعالى يا زياد أقعد هنا.
ظل يتأملها قليلاً ثم استجاب لندائها وذهب ليجلس على السرير بمواجهتها لا يفصلهما سوى هذا الصندوق الصغير، بدأت ليان تفرغ محتوى هذا الصندوق شيئاً فشيء وهي تسرد حكاية ما يحمله الصندوق لتهتف وبين يديها سلسلة صغيرة تحمل اسمها، ابتسامة صافية حملتها شفتيها لتضيف لها جمالاً ليس شكلاً ولكن أظهرت روحها الناقية؛ كالرضيع الذي يبتسم وهو نائم، فنعتقد أنه يرى الملائكة:
_ السلسلة دي بابا جبهالي لما نجحت في خمسة ابتدائي وشلتها من وقتها كانت هدية غالية عليا وبحب دايماً اشيل تذكرات كده لذكريات الحلوة عشان وقت زعلي افتحها فتهون عليا.
وضعت تلك القلادة جانباً، لتبدأ بتجميع الأوراق النقدية تهمس بفرحة وكأنها تعيش هذه الذكرى مرة أخرى:
_ كنت كل عيد لزماً أشيل جنيه.. خمسة جنيه.. اللي يفضل من العيدية بتاعتي، وأكتب عليها اليوم والتاريخ وأنهي عيد ومن مين، صحيح هي معظمها جنيهات وصغيرة بس دي بالدنيا أحياناً الحجات البسيطة والرخيصة بتبقى أغلى مليون مرة من اللي فلوسها أغلى وبتبقى مش حلوة.
وضعت العملات النقدية بجانب القلادة وهتفت بنبرة رقيقة اهتز هذا القلب من بين ضلوعه واخترق الجليد المكنون بداخله:
_ عشان كده يا زياد، لما بفتح الصندوق دا بنسى كل همومي، حياتي مرتبطة بيه أوي.
عادت بنظرها لصندوق، لترى ماذا ستخرج منه، بينما ظل هو يتأملها شعر وكأنه وقع مع من ستدوي جروحه التي صنعها الزمن، براءتها، طيبتها، ابتسامتها، نقائها، تحمل الكثير، بتلك اللحظة فطن بأن قلبه أصبح متعلقاً بها لم يمل بالمرة من الجلوس معها، أهذه هي الألفة التي أخبره بها والدها، عاد من تفكيره لصوتها وهي ترفع ميدالية خشبية مصنوع على شكل آلة "الكمان"، بسيطة للغاية مصنوع باحترافية شديدة، هتفت هي بصوتٍ غريب يحمل بين طياته الحنين:
_ دي بقى أغلى شيء في حياتي، كل شيء يهون إلا المدالية دي.
تدريجياً تحولت نظراتها من سعادة لبعض الحزن لاشتياقها للماضي، فأكملت بنبرة متألمة انصهر معها جليد قلبه:
_ ماما الله يرحمها كانت نحاتة شاطرة وعشان أنا وأنا صغيرة كنت قصيرة ومش هعرف اشيل الكمان، ماما عملت ليا الميدلية دي لأني كان نفسي اشيل الكمان أوي.
اغرقت عينيها بدموع لتفيض منهما تحتضن وجنتيها برقة، بينما تعمق زياد بنظره لها فلم يجد سوى موجاً مضطرب، لقيت من الحياة نصيب في الألم، مدت أناملها الصغيرة تزيل الدموع من أهدابها، ثم نظرت له عندما لم تسمع من كلمة، لتجده يرمقها بنظراتٍ غريبة ليست باردة ولكنها غريبة لم تفهم معناها، توردت وجنتيها بخجلٍ واضح من نظراته، لاحظ زياد خجلها بعد أفقته، ليبتسم لأول مرة أمامها هاتفاً بهدوء ولا تزال تلك الابتسامة تعلو ثغره:
_ أنا هخرج دلوقتي عشان ترتاحي وبكرة هنتظرك للشغل.
غادر الغرفة وقبل أن يغلق الباب استمع زياد لما قالته:
_ شكراً أنك قبلت تسمع قلبي الصغير وشاركتني أحلي اوقاتي في الذكريات، عشان مفيش غيرك شاركني.
رمش بعينيه ولم يتفوه بأي كلمة مغلقاً الباب خلفه، ثم بدأت الابتسامة تشق طريقها على وجهه؛ كصحراءٌ شقَّ مجراها بعض المياه فدبت بها الحياة، همس بصوتٍ أصبح يثنيه الحب:
_ والدك معاه حق أنتِ حسيتي بالألفة وأنا حسيتها بالوقت نفسه.
***********
بقصر عائلة الألفي،،،،،،
حالة من التوتر أصابتها، تحرك قدميها بعنف، والحزن انسحب لمقلتيها فأصبحتا بحراً يصارع نفسه في ليلة عاصفة ملأت القلوب بالرعب، همست بصوتٍ متألم نابع من قلب يحمل الآهات لم تنتهي:
_ كده يا زياد متفتحش تلفونك كل الفترة دي ولا حتى تبعت تطمني.
:_أنتِ عارفة إن زياد طول ما هو في مهمة لا بيفتح تلفون ولا حتى حد يعرف عنه حاجة.
استدارت بجزعه العلوى تنظر لزيدان الألفي شقيق زوجها المقبل عليها، لتهتف ببعض الأسى وكأن أحزانها أصبحت أصفاد تكبل يدها وتمزق روحها المتهلكة:
_ عارفة بس كان نفسي يرجع زي زمان زياد اللي بيهزر ويضخك عادي اللي مشاعره موجوده..
هبطت دموعها وتهدجت أنفاسها، تسترسل باقي حديثها في ألم:
_ من ساعة الحداثة بتاعت ندى وهو محمل نفسه الغلط واتغير 180 درجة عن ما كان.
زفر باختناق فكأن عاصفة اصابة عائلتهم ليحدث بها أحداث غامضة لم يعلم أحد أسراراً عنها، تمتم بحزنٍ امتلك ملامح وجهه:
_ مش هو لو واحده من ساعة الحداثتين والقصر كله اتحول.
نظرت له قليلاً وحركت رأسها بإيجابية، فبل فعل منذ ذلك الحادث وأصبحو في صحراءٍ جاف.. صفراء لا تحتوي إلا على ظلام الذئاب الثلاثة.
***********
بشقة السيد أحمد،،،،،
ابتسم وهو ينظر لما بين يديه، يعلم جيداً أن السعادة ستقفز بحدقتي السيد أحمد عندما يرى هديته، هتف بحماس قائلاً وهو يدلف لداخل غرفته:
_ إيه يا عمي أول مرة ملقاكش في البلكونةو....
جحظت عيناه عندما وجد رأس السيد أحمد موضوعة على جانبه الأيمن تتلون بزُرقة، ويده تسقط عن الفراش لتصبح بالهاوية، ترك ما بيده وأسرع إليه كفهد يركض بالغابة، يهتف بخوف بالغ:
_ عمي..عمي رد عليا.
لم يجد أي استجابة منه، ليسرع بيده واضعاً إياه بقرب من عنقه ليجد بعض النبضات الضعيفة، ولكن يديه بردتان كثلج، فقد تسربت البرود لجسده تعلن عن موعد لقائه مع الرحمٰن.
***********
بمشفى اليوسف،،،،،،
انقبض قلبها فجأة، غصةٌ أليمة اجتاحت قلبها، لتضع يدها على قلبها لاتعلم لِمَ شعرت بتلك الغصة، دقائق واتسعت حدقتيها بفزعٍ عندما تذكرت والدها.
كان القلق يزحف إلى قلبها، كوحش يزحف ببطء لينقض على فريسته، أخرجت هاتفها المحمول لتهاتفه ولكن لم تجد إجابه ثم انقطع الاتصال، تجمعت الدموع بيعنيه وكأنها سحاب يُمطر بقوة، تذكرت زياد سريعاً فهتفت بتقطع:
_ زياد هو هو الحل!!!
فلم تدع لنفسها فرصة لتُسرع بخُطاها إلى زياد، و هتفت فجأة بصوتٍ ملتاع بعد أن خرجت من مكتبه بقدمان مرتجفتان:
_ زياد!!!
رفع بصره سريعاً عندما استمع لأسمه، ولكن انقبضت ملامحه عندما رأى وجهها الذي يُغرقه الدموع، أنفاسها المتهدجة برعب، ارتعشت صوتها، تجمدت عروقه عندما امسكت بيده في قوة تنظر له برجاء والدموع تفيض من عينيها:
_ عشان خاطري يا زياد أعمل أي حاجة وأعرف بابا فين عشان خاطري!!
ازال بروده المعتاد فلن يستطيع أن يستخدمه معها مجدداً، فقد أزالت برود الموجود بقلبه لتحتل هي جزءٌ منه، وضع يده على يديها المرتعشتان، يهتف بهدوءٍ محاولاً بث الطمأنينة لها، كالأب الذي يدفء المنزل بالحماية وينعش هواءه بالحب:
_ أهدي وخلصي شغلك، وأنا هتصرف وهحاول أعرف فين بس أكيد الخط فيه مشكلة.
ابتسمت من بين دموعها، تسمحها بسعادة متوترة، تمتمت بخفوتٍ وصوتها لا يزال يرتجف:
_ شكراً حقيقي مش عارفة أشكرك إزي.
هز رأسه بهدوء وهتف ببسمة خبيثة:
_ انتِ دكتورة في إيه بظبط؟
نظرت له متعجبة وأجابته في دهشة:
_ دكتورة نفسية.
أشار بيده اليسرى على يُمناه التي لاتزال تقبض عليها ثم غمز بيعنيه قائلاً ببعض المكر:
_ طب ماسكة في إيدي كده ليه ولا عايزها معاكي!!
تسربت الدماء بوجهها، ليشع بالحمرة الشديدة، تشعر بسخونة غير عادية بعد ما قاله، لتهتف وهي تقزفها بعيداً:
_ آآل أنا آسفة مقصدتش، عن أذنك.
سارت بخُطى سريعة، تهرب من كلماته ونظراته الماكرة، بينما ابتسم زياد بيأس على ما فعلته، وهمس بداخله ببعض التسلية:
_ مفيش مانع نجننك شويا يا لينو!!!!
************
بأحدى المستشفيات الحكومية،،،،،،
صوت الأجهزة يصدع بالغرفة، ينظر له وملامحه التي يكسوها التعب، التمعت عينيه بأسى والحزن، وقرر الخروج من العناية المركزة.
بينما ظلت تهمس وتدعو الله بأن ينجي القابع بالفراش داخل تلك الغرفة، وكأنها حلبة صراع بين الموت والحياة، رأته يقبل عليها لتسرع بخُطاها لتسأله بلهفة:
_ عمو أحمد عامل إيه يا طارق؟!!
نظر لها بحزنٍ دافين ثم ردد بألم:
_ قلبه ضعيف جداً يا سالي، كان لزماً يتنقل للمستشفى من بدري، ربنا يستر وال48 ساعة الجايين يعدوا على خير، لأنه ممكن يدخل بغيبوبة بنسبة كبيرة.
وضعت يدها على فمها تمنع تلك الشهقة الحزينة من الخروج، ثم بدأت تزرف الدموع بقلبٍ منفطر لأجل صديقتها، وهتفت بصوتٍ باكي:
_ طب وليان هتعمل معاها إيه؟!!
حرك رأسه بحزن وهمس بنبرة قلقة:
_ مش عارف، بس هأخر الخبر على أمل إنه يفوق، بدعي ربنا ينجيه، ليان مش هتتحمل الخبطة دي لوحدها.
نظرت له قليلاً فهي تعلم جيداً صديقتها وماذا سيحدث لها منذ لحظة التي توفت بها والدتها وتأثرت عينيها بشدة لتفقد بصرها لفترة من الزمن وعادت تنظر بعد أن شجعها والدها ومارست حياتها فعاد مجدداً، حركت رأسها و عادت تنظر للغرفة القابع بها السيد أحمد.
**********
بشركة الألفي،،،،،،،
جلس وليد بتعب على مقعده بعد أن قرر الذهاب للشركة، ينظر إلى الأوراق التي أمامه، ثم تحدث متسائلاً عن شيءٍ ما لحظه:
_ هو مين اللي ماسك شركة الدمنهوري يا إياد؟!!
أجابه مسلطاً بصره على الملف الموضوع أمامه يقلب بصفحاته:
_ كل اللي أعرفه بعد موت وائل الدمنهوري حد اشترى الشركة من العيلة، بس بتسأل ليه؟!!
رفع أحد الورقات واضعاً إياها أمامه، هاتفاً بهدوء يثنيه التعجب:
_ المنقصة الجاية شركة الدمنهوري دخلها بقلب جامد!!
قطب جبينه ثم أمسك بالورقة ودقق النظر بها وتسأل وليد بحيرة:
_ واللي اشتراها مغيرش اسمها ليه؟!!
هز إياد كتفيه قائلاً بعد اهتمام:
_ مش مهم اللي مهم حالياً إننا ناخد صفقة دي لأنها مهمة وهنبني عليها المصنع الجديد.
هز رأسه، ولم يتفوه بكلمةٍ أخرى، وبدأ يكمل باقي عمله.
***********
بشركة الدمنهوري،،،،،،
تجلس على المقعد، بظلامٍ كاحل، تنتظر تلك الرسالة لتعلم ما مهمتها، إلى أن استمعت لصوت يعلن عن وصول الرسالة وما إن فتحتها حتى هتفت ببسمة غريبة لا تفوح منها سوى رائحة الشر:
_ ايقاع وليد الألفي!!!!!
يتبع....