اخر الروايات

رواية شيخة القبيلة الفصل الرابع عشر 14 بقلم رانيا ممدوح

رواية شيخة القبيلة الفصل الرابع عشر 14 بقلم رانيا ممدوح



                                              
لأول مرة في تاريخ الجامعة، لمع على جدارها الكبير اسمان ذهبيان، يسطّران بفخر وإنجاز لم يعرفه المكان من قبل. كعادة الجامعة، كان يُكتب اسم المتفوق الأول بجانب أسلافه من الأبطال السابقين، كأنها شجرة تتغذى على جهود من سبقوها.

1


لكن هذه المرة كان المشهد مختلفًا، فالتعادل أذهل الجميع: فقد حصلا بدر سالم الحمداني وصقر جمال الشرقاوي على نفس المجموع الكلي، متقاسمين المجد بلا تفاضل، إلا وفق ترتيب الحروف الأبجدية، فكتب اسم بدر أولًا، ثم اسم صقر بجانبه.

1


الجدار، الذي شهد عهودًا من النجاحات والانتصارات الفردية، أصبح شاهداً على حدث لم يسبق له مثيل؛ على قصة كفاح مزدوج، صقلتهما السنوات، ونحتت في روحيهما إرادة لا تعرف الاستسلام. وكان لكل من يقف أمامه شعور بالإعجاب والدهشة، كأن التاريخ نفسه يبتسم لهما، ويهمس بأن هذا الإنجاز سيظل خالدًا في ذاكرة الجامعة وأجيالها القادمة.

1


انتشر الحديث عن قصتهما كالنار في الهشيم، حتى صار الجميع يرويها من جيل إلى جيل، من أصغر الطلاب إلى أكبرهم، يتداولون تفاصيل تنافسهما الشديد، وإنجازاتهما المذهلة، وكأن كل من يسمع القصة يشعر وكأنه جزء منها.

1


لم يقتصر الأمر على طلاب عامهما فقط، بل أصبح الجميع يحضر مسابقاتهما، يتابعون كل تحدٍ وكل فوز، ينتظرون بفارغ الصبر اللحظة التي يثبت فيها كل منهما جدارته، وكأن هذين الاسمين أصبحا علامة فارقة في تاريخ الجامعة، رمزين للكفاح، والإصرار، والتفوق الذي لا يهدأ.

1


حتى لحظة استلام الشهادات، ارتسمت الأجواء بأسطورة لم يسبق لها مثيل، حيث وقف الاثنان جنبًا إلى جنب على المنصة، كلاهما متماسك رغم شعورهما المتبادل بعدم قدرة أي منهما على احتمال الآخر.

2


كانت عيون الحضور تترقب، وأصوات التصفيق تتعالى، لكن خلف ذلك المشهد البهي، كان هناك توتر خفي، تحدٍ صامت بين الاثنين، كأن كل حركة وكل ابتسامة تُقاس وتُقارن. بدر، برصانتها المعتادة، حافظت على هدوئها ووقارها، بينما صقر، رغم ابتسامته الملتوية، كان يختزن في صدره تحديًا لم ينطفئ منذ أول لقاء بينهما.

+


اللحظة كانت مهيبة، ليس فقط لأنها لحظة تتويج، بل لأنها خاتمة خمس سنوات من المنافسة الشرسة، منافسة صنعت أسطورة، وأسرت القلوب، وجعلت الجميع يذكر هذا اليوم إلى الأبد.

+


في بهو الجامعة الكبير، حيث كانت الأنوار تتلألأ وتعكس بريق الإنجازات على وجوه الحضور، وقف ماركو أمام الجمهور، وعيناه تلمعان بالفخر والحيرة معًا. أمامه كان وقوف بدر وصقر، كلاهما رمز للتفوق، وكلاهما ممتلئ بالغطرسة والفخر، كلٌ لا يطيق الآخر، وكلٌ يرفض أن يتراجع عن كبريائه.

1


رفع ماركو صوته ليعلن عرضًا غير مسبوق:

+


"أود أن أقدّم لكم عرضًا لمرة واحدة في حياتكم… بعد كل هذا التفوق، أنتم الإثنان أهل لأن تصبحا أساتذة هنا في الجامعة، لتستمروا في نقل خبرتكم وإلهام الأجيال القادمة."

1



   

                
ابتسمت بدر ابتسامة باردة، ونطقت بصوت حازم:
"شكرًا يا أستاذ ماركو، بس أنا مش حابب أفضّل هنا. حياتي مش مجرد حيطان مليانة أسماء ذهبية، أنا همشي في طريقي بعيد عن كل ده."

1


أما صقر، فابتسم ابتسامة ساخرة وقال:
"أنا كمان ممتن للعرض ده، بس مش شايف نفسي متعلق في قاعات الجامعة. عايز أخوض تحديات أكبر في العالم برا، مش أبقى محبوس بين جدران هنا."

+


تنهّد ماركو، محاولًا إخفاء خيبته:
"بجد؟ أنتم هتسيبوا فرصة تبقوا أساتذة الشباب اللي يقتدوا بيكم؟"

1


ردت بدر بثقة:
"أستاذ ماركو، اللي اتعلمناه هنا كان مهم، بس ده مجرد بداية. مش عايز أعيش على أمجاد حد تاني، عايزة أصنع أمجادي بنفسي.في حاجات أهم مستنياني"

+


صقر أضاف بنبرة تحدي:
"وأنا مش هبقى نسخة من أي حد، حتى لو كان العرض منكم. أفضل أخوض المعارك بنفسي وأصنع اسمي لوحدي في مكان تاني."

+


نظر ماركو إليهما بعينين مليئتين بالحزن والفخر معًا، وقال:
"حسنًا، قراراتكم محترمة، بس كنت بتمنى أشوف التعاون بينكم يستمر… على أي حال كان هيكون إنجاز اسطوري لو اتحدتم مع بعض، المستقبل قدامكم."

+


كان الجو مشحونًا بالهيبة، والحضور يراقب هذا الموقف النادر، حيث رفض أعظم متفوقين الجامعة البقاء فيها، واضعين أمام أعين الجميع معنى الكبرياء والتحدي الحقيقي.

+


قالا معًا في نفسهما :
" عمرنا ما هنتحد أبدا ، عشان واحد يحقق إنجاز لازم التاني يموت ، مفيش حل تاني غير كده."

2


توجهت بدر بخطواتها الواثقة نحو سيارتها، حيث كان عبد ربه يقودها، ولم يكن جلوسها في الخلف دليلاً على ضعفها في القيادة، بل كان اختيارًا مدروسًا، براءة تخفي وراءها رغبة في الاختفاء عن أعين الجميع، في هذه اللحظات التي لا ترغب فيها بأي شهرة أو اهتمام.

+


وفي الوقت ذاته، انطلق صقر إلى سيارته، يجلس بجانبه يزيد، وصمت بينهما يفيض بمعاني التحدي والصداقة المتشابكة بين المنافسين.

+


كلاهما، بدر وصقر، كانا متجهين إلى محلهما الخاص، حيث سيمسكان بزمام حياتهما الجديدة. كان كلٌ منهما يلتقط ما تبقى من أمتعته، ويرتب ذكرياته، مستعدًا لوداع حياة مرفقة بالمألوف، حياة تختلف تمامًا عن الرفقة والتقاليد المشدودة للقبيلة. كل خطوة كانت بمثابة إعلان استقلال، كل لحظة وداع كانت إشارة إلى بداية فصل جديد، فصل ستكتبه الأقدار بعزيمة وإصرار، بعيدًا عن جدران الجامعة وعن ضجيج الماضي.

+


ظلت بدر صامتة طوال الطريق، وكأن على قلبها قانونًا صامتًا يلزمها ألا تنطق. فقد كتب عليها أن تفارق مكانًا قضت فيه سنوات طويلة، مكانًا ملأته ذكريات الطفولة، وسحر القبيلة، وهدوء الأيام الماضية.

+


لكن مع مرور الوقت، انمحى جزء من حزنها حين استرجعت صور والدتها الحنونة، وأخيها الحبيب، وحسناء، وكل ما يذكرها بطفولتها وبجمال القبيلة ودفء أهلها. تلك الذكريات كانت كنسيم يلامس قلبها، يخفف من وطأة الفراق ويزرع في صدرها شعورًا غريبًا بالراحة، رغم كل وداع.

+



        

          

                
لم يجد عبد ربه حاجة لمقاطعة صمتها؛ فقد شعر أنها تحتاج إلى أن تنقش في قلبها كل لحظة، وأن تحتفظ بالهدوء الذي يسبق التغيير الكبير في حياتها. فتركها، ساكنة في عالمها الخاص، بين الماضي والحاضر، بين الحنين والقرار، تتنقل بخطواتها نحو غدٍ مجهول، لكنها ممتلئة بقوة وذكريات لا تموت.

+


عاد صقر أولًا إلى قبيلة الشرقاوية فهي أقرب من قبيلة الحمدانية، وعندما وصل إلى منزل والده، وجد جمال، القائد الصارم، في انتظاره. ارتسمت على وجه الأب علامات الحب والفخر، ولكن نظراته لم تخف استغرابه من مظهر ابنه الجديد وارتدائه للبدلة الرسمية التي لم تعتد عليها عيون القبيلة.

+


قال جمال، وهو يمد يده ليصافحه:
"يا ولدي! إنت رجعت لينا بخير، بس إيه الحكاية ، جاي بالبدلة دي؟ مش شايفك كنت متعود عليها ولا إنت عايز تورينا إنك بقيت من رجال المدينة و لا ده اللي اتعلمته من الجامعة؟"

+


ضحك صقر بخفة، وأجاب:
"يا بوي، البدلة دي مش عشان أي حاجة، بس عايز أكون مرتب قدام الناس، واللي شفته في الجامعة علّمني كتير غير اللبس."

+


هز جمال رأسه، مبتسمًا، وقال بلهجة بدوية تمزج بين التعجب والفخر:
"الله! ربنا يوفقك يا صقر. انت مهما لبست بدلة أو جلابية أو لبست أي حاجة، أنت ابن الشرقاوية، وده أكبر حاجة نفتخر بيها."

+


أخذ صقر نفسًا عميقًا وهو يشعر بالدفء الذي يغمر قلبه، ثم نظر إلى والده وقال مازحًا:
"بس يا بوي، إنت ما تصدقش، كل ما ألبس البدلة دي، كل الناس حواليا بيبقوا مفتونين بيا! عشان طالع زي أبويا"

2


ضحك جمال ضحكة قوية، وركل قدمه في الرمل برفق، وقال:
"هاهاها! الله يحظك يا ولدي، افتكر دايمًا إن الأهم مش البدلة، أهم حاجة القلب والشجاعة والكرامة اللي جوه منك."

+


قال جمال بصوت هادئ لكنه حازم:
"شوف يا ولدي، بدلتك دي شكلها حلو، بس ما تنساش إنك ابن الشرقاوية، والشرف والولاء للقبيلة أهم من أي حاجة تانية ، و الجلابية بنعتز بيها في أي مكان ."

+


ابتسم صقر بخفّة وقال:
"أيوه يا بوي، عارف، ومش هنسى حاجة، كل حاجة اتعلمتها هتخليني أحافظ على القبيلة أكتر ، و الجلابية هترجع تتلبس عادي يعني."

+


تنهد والده وقال بنبرة تشوبها الحزم:
"وبعدين يا صقر، قبيلة الحمدانية جنبك، وما ينفعش تنسى هدفك الأساسي. حافظ على كرامتك وكرامة القبيلة، وما تسمحش لأي حاجة تلهيك عن اللي اتعلمته."

+


نظر صقر إلى والده بعينين مليئتين بالثقة والتحدي، وقال:
"متقلقش يا بوي، أنا فاهم، وكل خطوة هاخدها هتكون باسم الشرقاوية، والشرف و الحفاظ على القبيلة أول حاجة في حياتي."

+


ابتسم جمال وقال وهو يربت على كتف ابنه:
"ربنا يخليك لينا يا ولدي، وخلي بالك، الدنيا كبيرة والناس كتير، بس ابن القبيلة ما يتهزّش، ولا يسيب هدفه."

+



        
          

                
وقفا معًا للحظة، والهواء يحمل بين طياته رائحة الصحراء وهدوء الديار، وكأن العالم كله يراقب لحظة تعهد الابن بالولاء والوفاء لمسؤولياته الكبرى.

+


وصلت بدر، وما إن اقتربت من حدود القبيلة حتى لمحت أمان واقفًا في انتظارها، عينيه تتوهجان بالفرحة لظهورها. لم تتردد لحظة، وركضت نحوه بسرعة، وقامت باحتضانه بقوة، كأنها تريد أن تنقل له كل شوقها الذي تراكم طوال هذه السنوات.

1


قالت بدر ودموع الفرح تلمع في عينيها:
"أخوي أخوي وحشتني يا أمان، عندي كلام كتير أحكيهولك"

1


وقف أمان صامتًا، عينيه تقول كل شيء، فهو يسمعها بتركيز واهتمام، لكن العاهة التي تمنعه من الكلام كانت حاجزًا أمامه. رغم ذلك، كان حضوره وابتسامته الصامتة كافيين لتطمئن قلب بدر وتملأه بالسكينة.

1


ظلت بدر متشبثة به للحظة طويلة، تهمس بكل ما يختلج في قلبها، وكل كلمة منها كانت تحمل معها حكايات الماضي وذكريات الطفولة وأحلامها التي لطالما رافقتها في رحلتها الطويلة بعيدًا عن الديار.

+


أمان اكتفى بالنظر إليها بعينيه المليئتين بالحب والحنان، كأنه يقول لها بدون صوت:
"أنا موجود معاكي و مبسوط بكلامك، وكل حاجة هتكون تمام، ومهما حصل، هفضل جنبك و أحميكي."

1


نظرت بدر أمامها، ولمحت مجموعة من النساء مكشوفات الرأس، يضعن كحلًا ثقيلاً يحيط بعينيهن، يجعل نظراتهن حادة وملفتة للنظر. تجمدت برهة، ثم شعرت بغضب يتصاعد في صدرها، وهمّت أن تقترب لتعرف من هؤلاء النساء وما سبب مظهرهن الغريب.

+


لكن أمان أسرع، وأمسك بذراعها بلطف ليوقفها عن المضي قدمًا.

+


قالت بدر بغضب ممزوج بالاستغراب:
"مين دول؟ وإزاي ماشيين كده؟"

+


أمان اكتفى بالنظر إليها بعينيه، محاولةً تهدئتها، وكأن صمته يحمل الإجابة:
"اصبري، كل حاجة هتفهميها."

+


عادت بدر إلى منزلها، وما إن عبرت العتبة حتى استقبلتها والدتها فاطمة بابتسامة واسعة، واحتضنتها بحرارة.

+


فاطمة، وهي تمسح على ظهرها:
"يا حبيبتي يا بدر! وحشتينا موت، إزيك بعد كل اللي حصل؟"

+


ابتسمت بدر رغم التعب، وردت بحب:
"أنا كويسة يا ماما… بس الدنيا برة كانت غريبة جدًا. هو غيابي طول للدرجة دي؟؟"

+


حينها تقدمت حسناء، الخادمة الوفية، وأمسكت بيدها برقة:
"رجعتِ بالسلامة يا ست بدر… البيت من غيرك كان ناقصه الروح."

+


ضحكت بدر بخفة، وهي تنظر إلى الأم والأخيرة:
"والله وحشتوني جدًا… وعندي كتير أحكيهولكم."

+


تذكرت بدر النساء اللواتي رأتهن عند الحدود، وعينها لم تفارقهن حتى عادت إلى الداخل. نظرت إلى والدتها فاطمة بعينين متسائلتين:

+



        
          

                
"يمّه، مين النساء اللي كانوا هناك… اللي ماشيين كده؟"

+


فاطمة، وهي تتنهد وتجلس بجانبها:
"هم الغجر يا بنتي… عايشين بطريقتهم الخاصة، وما يحبون يتقيدون بقوانيننا."

+


بدر، وعينها مليانة فضول وحذر:
"يعني ماحد عندهم رقابة؟ وما يلبسون زي ما يحبون؟"

+


فاطمة، بابتسامة خفيفة وحكمة في صوتها:
"إي والله… هم أحرار، لكن احذري منهم يا بدر… عندهم طرقهم وحيلهم. دخلوا أرضنا فجأة و بقوا مفروضين علينا."

+


تقدمت بدر إلى والدتها، وعيونها تتقد بالغضب، وجهها يحمرّ من شدة الانفعال، وكل عضلة في جسدها مشدودة كقوس الوتر، وكأن النار تتصاعد من قلبها إلى أطراف أصابعها. قالت بغضب واضح في صوتها:

+


" يعني ايه دخلوا أرضنا ؟ و يعني ايه ابعد عنهم و احذر منهم، الأرض ارضي و أنا نفسي افهم ازاي دخلو ديارنا دول خطر على نساءنا."

+


أمها فاطمة جلست بجانبها، عينيها تلمع بالحزن والقلق، ويديها ترتجفان قليلاً من أثر الذكريات المؤلمة:

+


"القبيلة اتدهور حالها بعد ما مسكها عمك ناجي و حصل حاجات كتير صعبة يا بدر في غيابك."

+


نظرت بدر إلى الأرض للحظة، ثم رفعت رأسها بعنف، وعيونها تلمع بالغضب والأسى معًا:

+


"ليه مش كتبتي لي و قلتي كده؟ ليه مش حكيتي لي ؟ ليه؟ "

+


فاطمة، بصوت خافت مزيج من الخوف والحب: "خوفت عليكي."

+


ارتعشت شفاه بدر قليلًا، لكنها سرعان ما تشبثت بالكلمات، وعينها تشع عزمًا وإصرارًا:

+


"لو كنت عرفت ده كله كنت رجعت و وقفت المهزلة دي."

+


فاطمة أخذت نفسًا عميقًا، ويدها تهتز وهي تمسح شعر ابنتها برفق:

+


"ارتاحي يا بدر و بعدين تعرفي كل حاجة على مهل."

+


بدر، عيناها حادّتان كالسيوف، ونبرة صوتها مملوءة بالتحدي:
"مافيش راحة يا أمي، أنا ارتحت كتير و جه دور التعب."

+


فاطمة رفعت حاجبيها بقلق، تحاول تلمس قلب ابنتها بنبرة حانية:
"رايحة فين يا بدر؟"

+


بدر أمالت رأسها للأمام، وعيناها تلمعان بعزم لا يلين، وابتسامة خفيفة تعلو وجهها وكأنها تتحدى كل الصعاب:
"رايحة لعمي، ابعتي مرسال لشيخ القبايل يقابلني هناك خبريه إن بدر رجع."

+


كانت الكلمات تتردد في أذني فاطمة، وأحاسيس الخوف والفخر تتصارع في صدرها، بينما بدر وقفت متجهة نحو مصيرها، قوية لا تعرف التراجع، وعزمها يلمع كالشمس في السماء الصافية.

+


وصلت بدر إلى هناك وهي متأهبة بهيئتها الرجولية، وجهها صارم وعينها تتلألأ بعزم لا يلين، وشكلها الذي ارتدته جعل من الصعب تمييز جنسها لأي نظر عابر. دخل عبد ربه بهدوء، ونظر حوله قبل أن يخبرهم بصوت خافت:

+



        
          

                
"سيدي بدر رجع و مستني برّه."

+


نظرت هنادي، زوجة عمها، إليها بسرعة، لكن لم تُظهر أي ردة فعل، وكأنها لم تلمح أحدًا، عيناها الثاقبتان تحدقان في مكان آخر، وشفاهها مغلقة بشدة، وجهها يحافظ على هدوئه البارد.

+


تقدم ناجي، عمها، بخطوات مترددة، وعيناه تمتلئان بالحنين، حاول أن يطوي المسافة بينهما ويحتضنها قائلاً:
"أهلا بإبن أخويا…"

1


لكن بدر رفعت يدها وقفّلتها في الهواء، عيناها تتلألأ بالغضب والحزن، وصوتها يخرج من بين أسنانها بإحكام:
"ليه يا عمي ليه؟ ، اغيب كل ده و ارجع الاقي القبيلة كده."

+


استدار ناجي نحوها، عينيه مليئتان بالأسى، يرفع كتفيه قليلًا في محاولة لتفسير ما حدث:

+


"و أنا كان بإيدي ايه، القبيلة غرقانة في الديون و الحل كان استلف."

+


ضمت بدر شفتيها بشدة، وحاجباها يشقان السماء بحدة، ونبرة صوتها مشبعة بالغضب والقهر:

+


"و استلفت من الغجر مالقيتش غيرهم و طبعا معرفتش تسد قعدوا في أرضنا."

1


تنهد ناجي بمرارة، عينه تلمع بالندم، يخفف من صوته وكأنه يبرر ما حدث:

+


"لأ استلفت من الشرقاوية و خدوا كام أرض و كام بيت ، و هما اللي جابوا الغجر في قبيلتنا و مقدرتش اتكلم."

2


تجمّدت بدر للحظة، عيناها تتسعان من الغضب، ويديها تتوتران على جانبيها، رأسها يميل قليلًا للأمام كأنها تواجه عاصفة لا تعرف كيف تهدأ، وقلوبهم جميعًا تخفق بصمت تحت وطأة الحقيقة المؤلمة التي لم تتخيلها، بينما صمت المكان يضغط كحجر ثقيل على صدرها.

+


كان صدى صرخات بدر يملأ أرجاء الدار، تصم الآذان بقوة العزم والإصرار، حين دخل شيخ القبايل عرفان، متسارع الخطى، ملامحه ترتسم عليها الدهشة والحرص، وعيناه تبحثان عن مصدر الصوت.

+


عرفان، وقد اتسعت حدقتاه من هول الموقف:

+


"فيه ايه يا بدر، ليه هايج زي الجمل اللي فقد صاحبه؟"

1


رفعت بدر رأسها، عيناها تتقدان بالغضب والحزم، وحركت يديها بحزم كما لو كانت تمسك مصير القبيلة بقبضة قوية:
"رجعلي قبيلتي! رجعلي حكمي! أنا رجعت، وحكمي لازم الكل يعرف بيه! النهارده مفيش وقت… لازم الحق الخراب قبل ما يغرق قبيلتي و تروح."

3


وقف عرفان، يتأمل حدة نظراتها وصرامة صوتها، شعر بالاحترام يملأ صدره، وعينه تلمع بإعجاب شديد:
"طبعا حقك… واليوم بنقعد مجلس يحضر فيه كل الكبارات، ونعلن عنك كشيخ القبيلة."

2


صمتت الحجرة لوهلة، والهواء مشحون بتوتر القوة والعزم، كل من حضر يشعر بثقل كلماتها، وبأنها ليست مجرد عودة، بل إعلان عهد جديد للقبيلة، عهد تُكتب فيه قواعدها من جديد، بيد من تعرف كيف تحمي أرضها وكرامة أهلها.

+



        
          

                
خرجت بدر بسرعة من المكان، خطواتها كانت حازمة وسريعة، وكأنها تجري خلف الريح لتتخلص من الأجواء المثقلة بالجدال والتوتر. الهواء حولها كاد يهتز من قوة عزمها، ووجهها مشحون بالغضب والحزم، بينما كان قلبها ينبض بسرعة من شعورها بالمسؤولية تجاه قبيلتها.

+


وفي الداخل، وقفت هنادي، عيناها تتقدان بالغضب، ويدها ترتجف من التوتر وهي توجه كلامها إلى ناجي، عينيها الثاقبتين كأنهما سهمان موجهان:

+


"ايه يا ناجي، ازاي تسيبه يتكلم معاك كده؟ ليه واقف زي العيل الصغير قدامه؟ هو ده اتفاقنا ؟، و بعدين هتسيب الحكم كده بسهولة؟"

1


ابتسم ناجي ابتسامة باهتة، عيناه تحملان نوعًا من الاستسلام، ورأسه يميل قليلًا كما لو كان يهمس بالحقيقة المؤلمة:

+


"و أنا هعمل ايه؟ أنا أصلا عايز بدر يمسك الحكم."

+


تنهدت هنادي بغضب، وجهها مشدود وشفتيها ترتجفان وهي تكاد تصرخ:

+


"بتقول ايه يا عاري؟"

6


رفع ناجي يده، وأمعن في التعبير عن قناعته، عينيه ثابتتان على هنادي، صوته هادئ لكنه حاد:

+


"زي ما سمعتي… كل اللي وصلناله ده بسببك ضيعتي قبيلتي من أول يوم، و أنا عارف إني مش قدها… لازم تعرفي ربنا خلق ناس قواد و ناس تنقاد… ليه مش عايزة تفهمي ده؟"

1


اقتربت هنادي خطوة إلى الأمام، عينيها تتقدان بالتحدي، شفتيها ترتجفان بالغضب:

+


"و ايه صعب في القيادة؟ ايه… فهمني ايه الصعب فيها؟ حتة عيل هيمسكها اهوه ، هو أحسن منك في ايه؟!!!"

1


صمت المكان لحظة، وكأن الهواء نفسه تجمد من وطأة الكلمات، بينما كان كل من حولهما يشعر بثقل الصراع المستعر، صراع بين طموح وهيبة، بين القوة والسيطرة، وبين الماضي الذي حمل عبء الأخطاء والمستقبل الذي ينتظر من يملك الجرأة ليقوده.

+


نجا ناحي بعيدًا قليلًا، كأنه يزن كل كلمة قبل أن ينطق، وعيناه تحدقان في هنادي ببرود يخفي وراءه قرارًا حازمًا:

+


"بصّي يا هنادي… ماينفعش تتحكمي في كل حاجة، وماينفعش كمان تظني إنك تعرفي كل حاجة. بدر رجع، وحكمه… هو الصح للقبيلة دلوقتي."

1


ارتفعت أصوات هنادي، وعينيها تتوهجان بالغضب:

+


"يعني هتسيبه ياخد كل شيء؟ كل تعبنا وكل اللي عملناه من أول يوم؟"

1


صوت ناجي صار أكثر حزمًا، يقطع الهواء كالسكين:

+


"أنا مش هسيب حاجة تضيع… بس اللي صح دلوقتي هو إن بدر يمسك الحكم. هو يعرف يمسك القبيلة، وإنتي… لازم تفهمي ده."

1


لم تستطع هنادي السيطرة على انفعالها، قفزت خطوة نحو ناجي، ويدها ترتجف من الغضب:

+


"و انتَ تعرف إنك مش هتقدر تتحكم فيه بعد ما يمسك الحكم ولا لأ؟ هتسيبه يعمل كل اللي هو عايزه؟ هتكون ليه دلدول ؟؟"

1



        
          

                
ابتسم ناجي ابتسامة باردة، عيناه تتحركان بذكاء بين ثنايا الغرفة:

+


"مش هتحكم أنا… بدر هيتحكم، وده الصح للقبيلة. أنا اتعلمت إن القوة مش في السيطرة على الناس… القوة في إنك تعرف مين يستحق الحكم ، و هو يستحق أكتر مني ، أنا اخدت فرصتي و اديكي شايفة اللي وصلناله."

1


تنهدت هنادي بمرارة، وعينيها تتراجعان قليلًا، لكنها لم تفقد كل عنادها:

+


"طيب… ماشي… بس أنا مش هسكت… وهتشوف إزاي هتمشي الأمور مع بدر…"

1


صمت المكان، وكأن كل كلمة تركت أثرها على الجدران، بينما النافذة كانت تهتز بخفة من نسيم المساء، مذكّرة الجميع بأن فترة جديدة بدأت، وأن صراع القيادة الحقيقي لم ينتهِ بعد.

+


جلست بدر على طرف السجادة، عيناها شاخصتان إلى الأرض، وحزن يغلف ملامح وجهها. حاولت والدتها فاطمة تخفيف الألم بعرض الطعام، صوتها دافئ ومليء بالحنان:

+


"تعالي يا بدر، كلي شوية، أنا حضرتلك الأكل اللي بتحبيه كله."

+


رفعت بدر عينيها للحظة، ثم أعادت النظر إلى الأرض، شفت فيها كل اليأس اللي في قلبها، وقالت بصوت منخفض وجاف:
"مش عايزة يا أمي… مش  هأقدر آكل دلوقتي."

1


اقتربت فاطمة وجلست بجانبها، وضعت يدها على يدها بحنان، محاكة بحذر:

+


"يا بنتي، حتى لو قلبك مليان هموم… الجسم محتاج قوة، ما ينفعش تسيبيه ضعيف. سفرك كان طويل و جسمك ضعيف."

1


تنهدت بدر بعمق، نظراتها مليئة ألم وحرقة، لكنها صبت كل غضبها في الكلمات:

+


"مش عايزة قوتي يا أمي… كل اللي حولي ضاع… كل حاجة كنت بحلم بيها راحت… مش هيفيدني أكل دلوقتي اللي هيفيدني تفكيري. أنا اصطدمت صدمة مكنتش متوقعاها."

1


ابتسمت فاطمة بحزن، محاولة تهدئتها:
"أنا فاهمة… بس صدقيني، شوية أكل هيديك قوة… وقوتك محتاجينها للخطوة الجاية."

1


بدر أومأت برأسها بصمت، لكن عيناها لم تفقد حزنهما، وكأنها تقول في صمتها: 

+


"الخطوة الجاية… لازم أواجه كل اللي ضاع."

1


بدر أمالت رأسها على كتف أمها، لكن عينيها بقيتا متجهتين للأرض، كأنها تقول في صمتها: 

+


"القوة اللي محتاجاها… مش هتيجي من الأكل… هتيجي من العدالة… من استرجاع حقي و حق القبيلة."

1


فاطمة قالت بصوت ضعيف، محاولة كتم حزنها:

+


"حقك يا بدر… وحقك هيرجع… وربنا يكون معاكي… خليكي صامدة… وكل اللي ضاع دلوقتي… هيتصلح أنا واثقة فيكي زي ما كنت واثقة في أبوكي."

1


بدر اكتفت بالصمت، عينيها مليئة حزن وعزم في الوقت نفسه، بينما فاطمة بقيت بجانبها، مستسلمة لليأس المؤقت، لكنها تعرف أن النور سيأتي بعد لحظة الإعلان عن حكمها للقبيلة.

+



        
          

                
حينما كان صقر يجلس مع والده جمال، فاجأه صوت خطوات خلف الباب. ما لبث أن فُتح الباب ليطلّ عليه إخوته للمرة الأولى منذ أن أدرك أن له إخوة، وكلٌّ يحمل على وجهه مزيجًا من الدهشة والحماس والترحيب.

+


زين، البالغ خمسة وعشرين عامًا، ظهر رجلاً ناضجًا، كأن السنوات قد صقلته، ورماح، في ثلاثة و عشرون ، عيونه تحمل لمعان الشباب، وجوان، واحد و عشرون عاما، ملامحه تعكس اندفاع الشباب، وأخيرًا دنانير، الطفلة البالغة السابعة عشرة، ذات العينين الواسعتين والشعر اللامع، التي أضاءت الغرفة ببراءتها.

+


صقر شعر بفرحة لا توصف، فهذا أول لقاء منذ وعيه على الدنيا مع إخوته، لأول مرة يستطيع أن يتحدث معهم، أن يسمع أصواتهم، أن يشاركهم ضحكاته وهمومه، فابتسم ابتسامة صافية وعيونه تتلألأ بالدهشة والسعادة.

1


زين تقدم خطوة وقال بابتسامة ممتزجة بالخجل والفخر:

+


"أهلاً يا صقر… رجعت لينا بالسلامة ، و رفعت راسنا وحشتنا."

+


صقر رفع رأسه، وعيناه تتلألأان بفرحة غير معتادة، وردّ بنبرة حنونة:
"وأنا كمان… أخيرًا… كلمتكم… وحشتوني قوي."

+


رماح تقدم وأضاف بلهجة شاب مليء بالحماس:

+


"والله وحشنا يا صقر… واحنا فرحانين برجوعك."

+


جوان ضحك وقال بخفة دم المراهق:

+


"أيوه… أخونا الكبير رجع… خلاص هنتعلم منك حاجات كتير."

+


ودنانير ركضت نحوه واحتضنته بكل حب وبهجة، وعيونها تتلألأ:

+


"أخوي… وحشتني… قوي قوي!"

+


صقر لم يتمالك نفسه، وضحك ضحكة عفوية مليئة بالفرحة، وقال:

+


"وأنا كمان وحشتوني… مش مصدق نفسي… أول مرة أحس كده معاكم مش عارف شعور غريب."

1


جلس الجميع معًا، والجو ممتلئ بالدفء العائلي، بينما والده جمال يراقب المشهد بعينين تلمع فيهما الفخر والحنان، مدركًا أن صقر لم يأتِ كابن عاد إلى بيته فقط، بل عاد لأول مرة يكتشف أخوته، لأول مرة يملأ قلبه بالفرحة العفوية التي طالما افتقدها.

+


لاحظت رشيدة، والدة زين و جوان و رماح و دنانير قربهم من أخيهم الأكبر، بريق الغضب والخوف في قلبها حين رأت أولادها يتحدثون مع أخيهم الأكبر صقر، الذي لطالما كانت تحمله ضغينة في قلبها لأنه ابن سيدة أخرى، و زوجها جمال قد أحبّها حبا أبديًا، لكنها لم تُخفِ شعورها بالاستياء. وما إن خرج زين من المكان حتى أوقفته بصرامة، ووجهها يشعّ بالغضب والحذر، وعيناها تتلألأان بمرارة.

+


رشيدة قالت بحدة:
"ليه بتسلم على أخوك كده؟"

1


زين نظر إلى أمه بعينين صادقتين، حاول أن يخفف التوتر بصوت هادئ:
"زي ما قولتي يا أمي… ده أخويا وبسلم عليه بعد غياب خمس سنين."

1



        
          

                
رشيدة تنهدت بمرارة، وتملأ وجهها علامات الأسى والخيبة، وصرخت:
"يا خيبتي في ابني البكري!"

1


زين حاول أن يفهم موقفها وقال بدهشة:
"ليه بس يا أمي؟"

+


رشيدة نظرت إليه بعمق، وشفتيها ترتجفان قليلاً، وعيناها تتشح بالحزن والغضب معًا، وقالت بنبرة موجعة:
"كنت أظن انت بتفكر في اللي بفكر فيه… يا ما قلتلك اتعلم و روح و امشي في الدنيا زي اخوك… لكن خاب ظني… ما تريد علام ولا حكم… ايش بتريد من الدنيا تجلطني وبس!"

1


زين وقف صامتًا، حائرًا بين احترامه لمشاعر أمه ومحاولته لفهم غضبها، بينما صوت رشيدة كان يملأ المكان، يختلط بالغضب والحزن والخيبة، فملأ الجو توترًا ثقيلًا لا يزول بسهولة، وكأن الكلمات المحمّلة بالعاطفة كانت تقصم أي محاولة للتهدئة.

+


وقف زين مكانه، عينيه تهتزّان من وقع كلمات أمه، كأنها طعنات تُغرس في قلبه. شعر أنه بين نارين: نار حبه وولائه لأمه التي ربّته على عينيها، ونار اعترافه بصقر كأخٍ له مهما حاولت هي إنكار ذلك. ارتبك للحظة، ثم قال بصوت مبحوح فيه رجاء:

+


"يا أمي… هو صحيح مش زيّنا، هو من أم تانية… بس يظل أخويا. إزاي أنكر دمي؟"

1


رشيدة، وقد علا وجهها غضب شديد، أشارت إليه بيدها بعنف، كأنها تطرده من دائرة الأمان:

+


"دمه من دمك آه… لكن قلبه من قلب عدوتي! إنت مش فاهم، يا زين. ده لو مسك الحكم بكرة ينسفنا إحنا قبل غيرنا. كنت عايزاك توقف سنده، تبقى له السند والظهر، بس بعقلك… بعقلك تاخد مكانه مش بإيدك تحط له التاج فوق راسه!"

1


زين رفع رأسه قليلاً، وفي عينيه بريق حيرة وتمرّد دفين:

+


"أنا ما طلبتش تاج ولا عرش. أنا عايز أعيش زي ما ربنا قسم. واللي خد مكانه خدوه بعرق جبينه. إنتِ مش شايفة هو راجع إزاي؟ كل القبيلة بتحبه يا أمي ، و صقر تعب جدا في حياته نسيتي عملتي فيه ايه أنتي و أبويا؟؟."

2


رشيدة اقتربت منه بخطوات بطيئة، وصوتها يتغير من غضبٍ صارخ إلى حزنٍ مكتوم، كأنها تخشى أن تفقده هو الآخر:

+


"يا ولدي… أنا كل همي عليك. أخوك ده، من يوم ما وعيت وأنا شايفاه غريب بينا. إنت الكبير… كنت عايزاك تبقى سيد إخواتك. ليه ترمي حلمي في الأرض وتقوم تبني له فوق أنقاضي؟"

1


زين أطرق رأسه للحظة طويلة، أنفاسه تتسارع، ثم رفع نظره إليها وفيه ألم عميق:

+


"لأن الحلم مش حلمي يا أمي… حلمك إنتِ. وأنا… أنا مش قادر أعيش حياتي عشان أحقق اللي جواكي. سامحيني."

2


وقبل أن ترد، خطا مبتعدًا عنها بخطوات سريعة، كأنه يهرب من سطوة كلماتها، بينما رشيدة ظلت واقفة مكانها، عيناها مغرورقتان بالدمع المكابر، تدعو في سرها أن لا يخذلها ابنها كما خذلها أبوه يوم أحب امرأة غيرها ، و نسي وعده.

+



        
          

                
ظلّت رشيدة واقفة مكانها، تتابع خطوات زين وهو يبتعد عنها، يغيب في دهاليز القصر كأنه يحمل معه قطعة من قلبها. مسحت دمعة حارة انسلت على وجنتها بظهر كفها، ثم تماسكت سريعًا وهي تسمع وقع أقدام أخرى تقترب. كان رماح وجوان، يقفان على مقربة، وقد سمعا شيئًا من الحوار بين أمهما وأخيهما الأكبر.

+


نظرت رشيدة إليهما بعينين يختلط فيهما الحزن بالغضب، وقالت بصوت متهدّج، لكنه يقطر إصرارًا:

+


"إنتو الاثنين… تعالوا. لازم تسمعوا كلامي وتفهموه. لا تنخدعوا في صقر… هو مش منّا، وديارنا ما بتسع إلا لدم واحد. لو سابنا الشيخ جمال بكرة، وطلع ده وريثه… حياتكم كلها هتضيع."

1


جوان، ببراءة عمره اليافع، نظر إليها بارتباك وقالت:

+


"بس يا أمي… هو أخونا برضه. وإحنا عمرنا ما شفناه شرير. هو بس… مختلف."

1


شهقت رشيدة بعصبية، اقتربت من ابنتها وأمسكت كتفيها بقوة:
"مختلف؟! ده غريب… غريب يا بني! دمه نابع من عدوة أمكم. لا تضعف! لو مشيتوا وراه تبقوا زي زين… تضيعوا حلمي، وتضيعوا مستقبلكم."

1


أما رماح، فقد ظل ساكتًا طوال الوقت، عيناه تتنقلان بين أمه وأخيه، حتى انفجر قائلاً بحدة تفوق سنه:

+


"كفاية يا أمي! طول عمرنا نسمع إننا إخوة. ليه دلوقتي عايزة تزرعي بينا الكره؟ يمكن يكون صقر أحسن مننا كلنا. يمكن يكون هو اللي يشيل القبيلة فوق كتفه. إحنا إيه غير أولاد قاعدين تحت جناحك؟ بس صقر أبويا شايف فيه حاجة مش موجودة فينا. دايما تحكي لنا على عمي صقر رغم قوته إلا إنه كان تحت طوع أبويا ليه مانكونش زيه زي ما دايما بتقولي لنا؟"

1


تجمدت رشيدة، ارتجفت شفتاها من وقع كلمات ابنها، كأنها لم تتوقع تمرّده. صمتت للحظة، ثم أشاحت بوجهها عنهما قائلة بلهجة حادة:

+


"امشوا من وشي… ما عاد لي فيكم غير حسرة فوق حسرة."

1


ابتعد رماح وجوان وهما يجران خطواتهما الثقيلة، بينما بقيت رشيدة وحيدة في فناء البيت، تكتم غيظها وتخطط في قلبها كيف تجعل أبناءها يعودون إلى صفها، وكيف تنتزع صقر من مكانه قبل أن يصبح سيدًا فوق رقابهم جميعًا.

1


جلست رشيدة وحدها في ركن الدار، والسواد يخيّم على وجهها كأنه غيمة ليل بلا نجوم. كانت يداها ترتعشان وهي تضم طرف ثوبها بقوة، وكأنها تخنق شيئًا لا يُخنق. نظرت إلى الباب الذي خرج منه زين ورماح وجوان، ثم أطلقت تنهيدة طويلة، تبعها صوتها المنخفض يخرج كالهسهسة:

+


"يا ويل قلبي… يوم ما دخلت الدار دي وأنا عارفة إن دمي مش هو اللي يسكن فيها. جمال… جمال اللي ما عرفت يوم أملك قلبه، تركني عايشة مكان واحدة ثانية، واحدة سرقت مني كل شي… حتى الولد. الولد اللي كبر وصار صقر! كاسر ظهري، وكأنه سيف مرفوع فوق رقبتي.

1



        
          

                
كل الناس فرحانين برجوعه، وأنا شايفة الخراب اللي جاي معاه. لو مسك زمام القبيلة، أنا وأولادي نصير عبيد تحت رجليه. لا… لا والله! ما أسمحش.

1


أولادي… كانوا لي أملي. زين خذلني، رماح بيتمرّد، جوان مش فاهم حاجة… ودنانير لسه صغيرة. لكن أنا… أنا اللي هعرف أوقف صقر.

1


أكرهك يا صقر… أكرهك من يوم ما شفتك! شكلك، كلامك، حتى خطواتك… كأنها بتفكرني باللي خطفت مني حياتي. لازم ينكسر… لازم أدفنك قبل ما تدفنني.

1


والله لأوريك يا ابن الغجرية، إن رشيدة ما تنكسرش… ولا تنسحق تحت قدميك!"

1


رفعت رأسها، وعيناها تقدحان شررًا، كأنها عاهدت نفسها في تلك اللحظة أن تبدأ حربها الخاصة، حرب لا يعرفها أحد، ولا يسمعها أحد، لكنها تشتعل في صدرها مثل النار في الهشيم، تنتظر الريح لتنتشر.

+


حلّ المساء، والسماء قد اكتست بحلّة من الزرقة الغامقة يوشّحها القمر كقرص فضي يلمع بين السحب المتناثرة. في دار الحمدانية، كانت بدر تقف أمام مرآتها القديمة، ملامحها صارمة، عيناها تشعّان ببريق التحدي، ووجهها يفيض بهيبة من يعرف أن اللحظة المنتظرة قد حانت. مدت يدها إلى عباءتها السوداء المطرّزة بخيوط بسيطة، وارتدتها بحزم، ثم شدت حزامها حول خصرها. بدا وكأنها لا ترتدي مجرد عباءة، بل تكسو نفسها بثقل التاريخ ومسؤولية الأجداد.

+


اقتربت منها فاطمة، والدتها، بعينين دامعتين وقلب يخفق بين الخوف والفخر. وضعت يدها على كتف ابنتها وقالت بصوت مرتجف:

+


"الله يقوّيكي يا بدر… الليلة دي مش زي أي ليلة. الليلة دي إما ترفعي راس القبيلة وإما تضيع كل حاجة قوتك هي مصيرك."

+


لكن بدر لم تُبدِ سوى صلابة جبل، لم تهتز ملامحها ولم يرمش جفنها، كأنها صارت تمثالًا من العزم. ردّت ببطء:
"مافيش ضياع بعد اللي شفته، يا أمي. الليلة كلهم هيعرفوا إن بدر الحمداني ابن سالم رجع، وإن الحكم راجع لأهله."

2


ثم خرجت من دارها بخطوات ثابتة، يتبعها عبد ربه وأمان كظلّين وفيّين. النسيم الليلي كان يداعب أطراف عباءتها، وصوت وقع حذائها على الأرض كأنه إعلان اقتراب زعيم لا رجلًا عاديًا.

+


حين وصلت إلى مجلس الكبارات، ارتفعت الهمهمات بين الحاضرين. كبار الشيوخ جلسوا في صفوف، وجوههم متجهمة، وأعينهم متسائلة. بعضهم يترقب بفضول، وبعضهم يخشى انقلاب الموازين. وعلى رأسهم الشيخ عرفان، شيخ شيوخ القبائل، جالسًا في صدر المجلس بعصاه الثقيلة، يراقب بصرامة ووقار.

+


دخلت بدر بخطوات مهيبة، ووقف كل من في المجلس احترامًا لهيبتها، وإن كان بعضهم يخفي حيرته وراء لحى كثيفة. جلست في المكان المخصص لها، نظراتها ثابتة لا تعرف التراجع.

+


في تلك اللحظة، أدرك الجميع أن الليلة لن تكون عادية. الليلة ستُكتب صفحة جديدة في تاريخ الحمدانية.

2



        
          

                
جلس الكبارات في صفوفهم المتراصة، والمجلس يغشاه صمت ثقيل لا يقطعه سوى صوت النار المشتعلة في الموقد الكبير، تتراقص ظلالها على الجدران كأنها تهمس بذكرى قديمة. على صدر المجلس جلس الشيخ عرفان، وقورًا شامخًا، عكازه بين يديه، عيناه تراقبان بدر التي جلست أمامه بوجه شامخ يفيض عزيمة.

+


رفع عرفان صوته المجلجل الذي يفرض السكون على الجميع:
"يا كبارات القبائل، الليلة نشهد أمرًا ما شهدناه من قبل. رجع لنا بدر الحمداني، وحقه ما ينكر. الليلة يعلَن شيخًا على الحمدانية، وتعود الأمور لأهلها."

1


ارتفعت همهمات في المجلس، بعضهم مخفضين برؤوسهم موافقين، وبعضهم تبادل النظرات الصارمة. فجأة، نظر الجميع إلى جمال بن الشرقاوي، الذي حضر المجلس بصفته من كبار القوم وصاحب النفوذ. كان جمال جالسًا، لحية سوداء قد خطها الشيب، عيناه تلمعان بكره دفين. لم ينطق بكلمة، لكنه في داخله كان يغلي.

+


"يا ليتني أدفنه تحت التراب قبل ما يعلن حكمه… يا ليتني أكسر شوكته وأرميه للريح. ده لو مسك الحكم مش بس هيحفظ أرضه، دي هيقطعني من جزوري. بدر مش مجرد الحمدانية، بدر سيف مرفوع عليّا."

3


ابتسمت بدر بخفة، وكأنها تستشعر ما يدور في صدره، ثم قالت بصوت ثابت يخترق القلوب:

+


"أنا ما رجعتش علشان أكون زينة للمجلس، ولا رجعت أطلب رضا من حد. أنا رجعت علشان قبيلتي. حكمها من دمي، وحملها من ظهري، واللي يشوف نفسه قادر يشيل المسئولية قدامي و يعلن عداوته ليا و لوجودي… يتفضل يقولها دلوقتي."

2


ساد الصمت. التفتت العيون إلى جمال، كأنهم ينتظرون منه ردًا. لكنه شدّ على يده فوق ركبته حتى أبيضّت مفاصله، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة مصطنعة تخفي نيران صدره.

+


قال عرفان بصرامة وهو يضرب بعصاه الأرض:

+


"انتهى الكلام. الليلة يشهد المجلس أن بدر سالم الحمداني هو شيخ القبيلة. ومن الليلة… كل كبير وصغير يسمع كلمته."

+


ارتفعت أصوات بعض الحضور بالتهليل، بينما ظل جمال صامتًا، يبتسم ابتسامة صفراء كمن يبتلع سمًا. وفي داخله لم يتوقف صوته الغاضب: 
"مش هتتهنى يا بدر… ما دام جمال الشرقاوي عايش و ابنه صقر جاره."

1


جلس صقر بين الصفوف الخلفية، على مقربة من الكبارات، لكنه لم يتصدر المشهد. ملامحه كانت غامضة، لا تقرأ منها فرحًا ولا حزنًا. عيناه مثبتتان على بدر وهي تجلس شامخة أمام الجميع، كأنها جبل لا تهزه الرياح.

+


كان كل من حوله يترقب إعلان عرفان، لكن صقر ظل صامتًا، وجهه كالحجر. في داخله، الأفكار تتناوب عليه.
"هل أفرح إنه قدر يثبت نفسه؟ ولا أزعل إنه وقف قبالتي، وأنا عارف إن في يوم من الأيام لازم نصطدم؟ هو غريمي من سنين، وفي نفس الوقت… أقوى واحد شُفته في حياتي. بس دلوقتي… بدر بقى شيخ قبيلة، والليلة غير كل اللي فات."

2



        
          

                
بينما كان الكل يصفق ويهتف باسم بدر، جلس صقر متجهمًا. عيناه تارة على وجه بدر الذي يفيض بالعزم، وتارة على والده جمال الشرقاوي الذي يخفي وراء ابتسامته المسمومة نارًا مستعرة.

+


لم يفهمه أحد. حتى يزيد الذي كان جالسًا بجانبه، حاول أن يقرأ تعابيره، فلم يجد سوى صمت ثقيل كأنما صدره يخفي أسرارًا لا تُفصح.

1


وكأن صقر في تلك اللحظة صار لغزًا.
أهو سعيد بانتصار غريمته التاريخية، أم حزين لأنه يرى التحدي يكبر أمامه ليصير معركة لا مفر منها؟

+


توجهت بدر بنظرها الثاقب إلى جمال، ولم تجد في وجهه أي اهتمام؛ كان تجاهلًا يموج بالكبرياء والكره، لكن بدر لم تتراجع، بل رفعت رأسها بعزم لم يهدأ منذ سنوات.

+


قالت بدر بصوت واضح، تخترق به الصمت المطبق في المجلس:

+


"اسمحولي أسأل الشيخ جمال عن دين قبيلتي؟"

3


نظر إليها جمال بعينين شبه جامدتين، وكأنها تحدت سجينا:

+


"بتسأل ليه؟"

+


ابتسمت بدر ابتسامة خفيفة، تفيض بتحدي لا يلين:

+


"أكيد مش حُبًا في الكلام معاك ، قصدي دون عن الموجودين."

3


ضحك الجميع، وصدى ضحكاتهم أضاء المجلس، وزاد ذلك من غيظ جمال الذي تملكه شعور بالإهانة أمام كل هذا الجمع.

+


أما صقر، فقد كان معتادًا على حديث بدر بهذا الشكل؛ لم يبدُ عليه أي انفعال، لكنه راقب كل حركة في المجلس بعين فاحصة، كأنه يتوقع كل كلمة قبل أن تُقال.

+


ثم أدار جمال وجهه بحدة، وحين سمع مبلغ الدين، بدا عليه الارتباك والحيرة:

+


"خمسة عشر ألف دهبه!"

+


صُدم الجميع، فالمبلغ كان هائلًا، يتجاوز قدرة القبيلة على جمعه في عام كامل، إذ يكادون بالكاد يجمعون ألف دهبة في السنة.

1


نظرت بدر إلى عبد ربه بعينين مليئتين بالإيعاز، وفهم عبد ربه المقصود دون أن يحتاج أحد للكلام. بهدوء ودون أن يراه أحد، توجه إلى منزلها وأخذ من فاطمة المبلغ المطلوب، عائدًا به ليكون في متناول القبيلة.

+


كان المجلس يتابع كل شيء بترقب، فيما بدر تجلس شامخة، عيناها تلمعان بعزم لا يلين، وكأنها تقول لكل من حولها:

+


"ها أنا ذا، هذا حكمي، وهذه قوتي."

+


ابتسم جمال ابتسامة باردة، ضحكها يتردد في أرجاء المجلس كصدى تهكم:

+


"تقدر ترد الدين ده يا ابن الحمدانية؟"

1


صمتت بدر، عيناها تلمعان بتحدٍ، لكنها لم ترد، تاركة له الكلام ينساب كسهام من السخرية على مسامع الجميع.

+


واصل جمال، صوته يرتفع مع كل كلمة وكأنها طعنات:

+


"ياريت ترد! ولا تبقى زي باقي اللي مرّوا من هنا، فاكر نفسك مين؟ فاكر إنك أكبر من القبيلة؟ فاكر إن الذهب بين إيديك ينفعك ؟ فاكر تقدر تسد لوحدك؟"

1



        
          

                
تشنج وجهه، وعيناه تضيقان بحدة، والدم يتوهج في خديه من الغضب، وكأنه يريد أن يختنق بدر بالكلمات نفسها، ويثبت للجميع أنها ليست أهلاً لما تحاول أن تفرضه.
"أنا هقولك حاجة، كل واحد فينا يعرف مين اللي يحافظ على الأرض ومين اللي يضيعها، وانت كنت تغيب وتركب على كتف الكل وتظن نفسك فوق الكل يا عيل يا صغير."

+


جلس الجميع متوترين، يتأملون قوة الكلمات وغضب جمال، لكن بدر بقيت واقفة شامخة، صامتة، تحدّ كل السخرية والتحدي في نفس الوقت، وعينيها ترصدهما كما لو كانت تقول: 

+


" اتكلم قول كل اللي جواك ، مش هعبرك يا جمال."

1


وفجأة، قطع حديث جمال صوت صرير الأحذية على الأرضية، وتقدّم خمسة عشر من الجنود متراصين بدقة، كل واحد منهم يحمل بين يديه كيسًا من القماش به ألف ذهبية لامعة.

1


توقف جمال فجأة، عيناه تتسعان بدهشة وغضب مختلط، وصوت المجلس خفت فجأة تحت وقع هذه المفاجأة.

+


بدر وقفت بثبات، عينها ترقب كل حركة من الجنود، وابتسامة خفيفة تعلو ثغرها، كأنها تقول بصمت:

+


"اللي قولته مجرد كلام، واللي فعله حاضر قدامك. مد يدك خد دينك."

1


الجميع من حولها صمت، عيونهم تتراوح بين الدهشة والإعجاب، حتى صقر الذي كان جالسًا بعيدًا، أحس بدهشة حقيقية مما يحدث، لم يكن يتوقع أن تملك بدر مثل هذه القدرة على الحسم.

+


جمال حاول استعادة هيبته، صوته يرتجف بغضب:

+


"إيه ده…! ازاي…؟ مين أمر بده؟"

1


وبدر، بهدوء شديد، أجابت بعينين لا تخفيان تحديها:

+


"اللي أمر به هو أنا، والدين كله راجع للقبيلة… وانت لازم تعرف، الكلام مش دايمًا يثبت الحق."

+


المجلس صمت مرة أخرى، والجميع يدرك أن هذه اللحظة ستظل محفورة في ذاكرة القبيلة، وأن بدر لم تعد مجرد اسم، بل قوة لا يُستهان بها.

+


وقفت بدر شامخة، نظرتها تحدق في جمال الذي صمت عاجزًا، كأن الكلمات قد انسدت في حلقه.

+


بصوت ثابت وواضح، قالت بدر:

+


"كده خلاص، دينك رجعلك… رجعلي أرضك كاملة."

1


تجمد جمال في مكانه، عينيه تتسعان بدهشة وغضب، لم يعرف ماذا يقول، فقد كان يتوقع أن يكون الدفع جزئيًا أو مجرد تهديد، لكن أن يقوم ابن الحمدانية بكل هذا؟!

+


ثم أكملت بدر بنبرة حازمة، عيونها تتجول بين الشيوخ الحاضرين:

+


"و شيخ القبايل وكل الشيوخ شاهدين، إن حقك رجعلك… كله قدامك، ومافيش أي نقص."

1


صمت المجلس للحظات، فيما كان جمال يحاول استجماع كلماته، لكن عزيمة بدر وهيبتها وقفت أمامه كجدار لا يُكسر.

+



        
          

                
ثم تحدث جميع شيوخ القبائل واحدًا تلو الآخر، كلٌ منهم يحمل وجهًا متجهمًا وتعبيرًا مليئًا بالاحترام والخوف من قرار بدر.

+


وقفت بدر في وسط المجلس، كأنها محور هذا العالم، عينها تتفقد كل شيخ وشاهده، فيما كانت ألسنتهم محجوزة بدهشة أمام شجاعة وقوة ابن الحمدانية الذي لا يعرف التردد.

+


وبصوت واضح، رفع أحد الشيوخ الكبيرين حاجبيه وقال:
"بدر، شجاعتك ومقدرتك على استرجاع الحق ترفع القبيلة كلها. الكل شهد على ده."

+


وتتابع الآخرون، كل منهم يقر بقرارها، ويثني على حزمها، فيما ظل جمال يقف عاجزًا، صامتًا، غير قادر على مواجهة قوة موقفها وهيبتها بين جميع الشيوخ.

+


كان الصمت يسود المكان لحظة، قبل أن يُسمع صوت بدر مجددًا، واضحًا وحازمًا، لتأكيد سيطرتها على الموقف:

+


"اليوم، كل واحد فيكم يعرف إن الحق لازم يرجع، ومافيش حاجة فوق القانون ولا فوق إرادة القبيلة."

+


ابتسم الشيوخ واحدًا تلو الآخر، معلنين دعمهم الكامل، بينما ظل جمال يلتهم لسانه غيظًا وحنقًا.

+


كانت سارية واقفة أمام المرآة، تعدل ملابسها بعناية، وعيناها تلمعان بغرور وثقة فائقة، تلك الثقة التي اكتسبتها من مدح الجميع لها، وأخبرها كل من حولها أنها أجمل فتاة في القبائل كلها.

2


نهضت والدتها هنادي وهي تبتسم بخبث، وقالت:

+


"خلاص جه الوقت اللي نستفاد بيه من جمالك ده."

1


رفعت سارية حاجبها بدهشة وفضول، وسألت:

+


"إزاي يعني؟"

1


ضحكت هنادي بخفة، وعيناها تلمعان بمكر الأم التي تعرف كيف تستغل الأمور لصالحها:

+


"بكرا، هخليكم تستقبلوا ابن عمكم… ازاي يرجع من سفر طويل كده من غير ما نستقبله؟ عيب علينا."

1


ابتسمت سارية بسخرية خفية، فهي تعرف والدتها جيدًا، وتعلم أنها ليست من النوع الذي يجيد التعامل إلا مع من يجمعهم بها مصلحة:

+


"معقول… يا سلام على قلبك الطيب يا أمي."

+


ضحكت الأم والأبنة معًا، بينما كانت نوايا كل واحدة منهما تتلألأ بين الغرور والخطة المحبوكة بعناية.

4


ابتسمت هنادي ابتسامة ماكرة، وأشاحت بيدها نحو سارية قائلة:

+


"اسمعي يا بنتي، دلوقتي الفرصة قدامك، لازم تستخدمي جمالك ده صح."

+


رفعت سارية حاجبها بدهشة:
"إزاي يعني، يا أمي؟ فهميني أكتر."

+


اقتربت هنادي بخطوة، ونظرت إليها بحدة مختلطة بالمكر:
"تعالي هنا… بدر ده قوي جدًا وعنده هيبة، لو عرفتي تستغلي جمالك وتغويه شوية، هتقدري تتحكمي فيه وتنفذي كل اللي في بالك."

4



        
          

                
سارية ضحكت بخفة، وهي تفكر في خطة والدتها:

+


"تقصدِي أسيطر عليه بمظهري وبكلامي؟"

+


نظرت هنادي إليها بعينين متألقتين:

+


"أيوه يا بنتي، استخدمي كل حاجة عندك، عيونك، ابتسامتك، صوتك… خلي بدر يفتكر إنك الوحيدة اللي تفهمه، وهتلاقيه بين إيديك."

+


"هاه… طب تمام، بس هو صعب، مش أي حد يقدر يقرب منه بسهولة."

+


ضحكت هنادي بصوت منخفض، وكأنها تتحدى العالم:

+


"ده تحدي يا بنتي، وأنتي عارفة إننا بنحب التحديات… وبكرة هتشوفي، بدر هيكون ليكي."

1


سارية ابتسمت بخبث، ونظرت في المرآة مجددًا، كأنها تعد نفسها للمعركة القادمة.

+


كانت نسيم، الأخت الصغرى لسارية بعامين، فتاة في العشرين من عمرها، تتمتع بشخصية قوية وعنيدة. كانت مولعة بركوب الخيل، رغم أن ذلك ممنوع للفتيات في قبيلتها.

+


في تلك اللحظة، اجتاحها الغضب فجأة، فقفزت على ظهر حصانها وانطلقت بلا هدف محدد، تاركة مشاعرها تتدفق بحرية، ولم تعد تعرف إلى أين تتجه. كان الحصان يركض بسرعة كبيرة في طريق لم تعهده من قبل، ما جعل الخوف يتسلل إلى قلبها مع كل نبضة.

+


اقتربت نسيم شيئًا فشيئًا من مكان المجلس الذي يجتمع فيه الشيوخ وبدر، حيث كانت أصواتهم تتردد في المكان.

+


من بعيد، كان أمان يراقب المجلس بعينين حذرتين، إذ كان الهدف الأصلي من وجوده هناك حماية بدر و كان يرتدي مثلها تحسبًا لإقامة مبارزة بينها و بين صقر، فهو سيحل محلها. لكن صوت صراخ نسيم المذعور اجتذب انتباهه فورًا. لم يستطع تجاهل الأمر، فرفع رأسه وقرر التدخل.

+


خفى وجهه بشاله، وحمل نفسه على عجل نحو مصدر الصراخ، مستعدًا لمواجهة أي خطر من أجل إنقاذ الفتاة، بينما كانت ورد تشعر بالهلع مع كل خطوة من خطوات الحصان السريعة، غير مدركة أنها اقتربت كثيرًا من مكان المجلس.

+


لكن رغم صراخ نسيم، لم يسمعها أحد، فكان الجميع منغمسين تمامًا فيما يحدث داخل المجلس، مشغولين بالكلام والنزاعات والخطابات.

+


تقدم أمان بخطوات سريعة وحذر، يختفي خلف الرمال والخيل، حتى وصل إلى مكان الفتاة. بمهارة فائقة، ومداعبًا الحصان بخفة وحزم في الوقت ذاته، تمكن من السيطرة على الحيوان وإيقافه عن الركض الجامح.

+


وقفت نسيم مذهولة، تتنفس بصعوبة، وعينيها تلمعان بالخوف والدهشة، بينما كان أمان ينظر إليها بعينين حذرتين، محافظًا على هدوئه رغم الموقف العصيب.

+


نسيم، وهي تحاول استجماع أنفاسها بعد الركض الهائج: 

+


"شكرا… إنت أنقذت حياتي."

+


لكن أمان لم ينطق بكلمة، مكتفياً بالوقوف إلى جانبها، صامدًا وهادئًا رغم التوتر الذي كان يحيط بالمكان.

+


أضافت نسيم بارتباك، محاولة تفسير ما حدث: 

+


"أنا مش عارفة إزاي ده حصل… أنا بعرف أركب الحصان على فكرة ما تفتكرش بقى عشان بنت و كده أكون ضعيفة."

+


وظنت نسيم أن صمت أمان يحمل استهزاءً بها، فعبست وجهها قليلاً، مزيج من الغضب والإحراج، وهي تتابع الحصان الذي هدأ أخيرًا بفضل تدخل أمان.

+


نسيم، وهي تحدق في صمت أمان المستمر: 
"عيب… لما أكلمك وماتردش علي ، اه أنا بنت و بركب حصان ، عادي يعني ، ايه المشكلة يعني ؟ هو إنت فاكر ده يخصك بس ، انتم الرجالة كده ، انانيين و عايزين كل حاجة لنفسكم و بس "

+


ظل أمان صامتًا، عينيه مركّزتان على الحصان الذي هدأ، دون أن ينظر إليها، مظهرًا هدوءه وقوة تحكمه بالموقف، مما جعل ورد تشعر بمزيج من الغضب والإحراج والحيرة في آن واحد.

+


ركبت نسيم حصانها وغادرت، وهي تقول بصوت عالٍ: " على فكرة بقى مش شكراً… بسحب شكري ليك!"

3


وبعد أن اختفت من أمامه، ارتسم على وجه أمان ابتسامة خفيفة، ضاحكًا في صمت على تصرّفها الطريف، فهو لا يستطيع الكلام، لكن عينيه كانت تقول كل شيء.

1


..

+


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close