رواية نفوس قاسية الفصل الثالث عشر 13 بقلم مني احمد حافظ
الثالثة عشر .لن أستسلم.
------------------------------
لماذا تصر الحياة على ظلمي؟ لما باتت رؤية دموعي هدفًا لها؟ لما صوت تمزق قلبي يطربها.
تاهت سهر بعين آدم تتساءل كيف تجرح مثل تلك العيون التي سقطت بعشقها وتقسو بجبروت لتنتفض على سؤال صفية، فالتفتت إليها وحدقت بها لا تدر بما تُجيب سؤالها وتمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها، فلا عذر لها لاستقبالها آدم وهي بمفردها ولا تفسير لديها توضح به سبب وجوده.
ليفاجئها آدم بإحاطته لها بيده ودفعه إياها ليخبئها خلف ظهره بتلقائية يحميها من نظرات صفية، فحدقت صفية بهما وعينيها تتبدل بين آدم وسهر التي ولصدمتها لم تدفعه عنها كما يحدث كلما اقترب منها ابنها محمود، فتقدمت منهما ووضعت ما بيدها من أشياء فوق المنضدة ومدت يدها وجذبت سهر من خلف ظهر آدم وأوقفتها بجوارها وأردفت تقول وهي تحدق بعينا آدم:
- أنت جاي تحمي بنتي مني.
ونظرت إلى سهر وأردفت مكررة سؤالها:
- مين ده يا سهر؟
ابتلعت سهر غصتها وتنفست بتوتر وهمت بالحديث ولكنها توقفت حين سمعت صوت آدم يجيب بدلًا منها:
- أنا آدم عمران صاحب الفندق اللي كانت سهر بتشتغل فيه.
حدقت به صفية للحظات وحاولت استرجاع ذاكرتها ليتجهم وجهها ويعلو ملامحها الغضب وهي ترميه بنظراتها النارية بعدما أدركت هويته وأردفت بحدة:
- أنت اللي بسببك خطيبتك كانت عايزة تفضح بنتي، وليك عين تيجي لهنا أيه مش خايف تكون بتراقبك وتعمل لنا فضيحة هنا، عمومًا لو أنت مش خايف فأنا بخاف على بنتي وسمعتها، وبعدين أنت بأي حق تيجي هنا وأزاي تسمح لنفسك تدخل بيت صاحبه مش موجود.
والتفتت بعيناها وحدجت سهر بعتاب صريح ورفعت حاجبها باستنكار ومدت يدها وقبضت على كتفيها وهزتها بوجع مُكفهر وأردفت:
- وأنتِ أزاي تدخليه من الأساس للبيت وجوزك مش هنا أزاي تعملي حاجة زي كده، عمومًا أنا مش هحاسبك دلوقتي أدام الاغراب إنما ليا كلام معاكِ وأحنا لوحدنا.
واستدارت صفية مرة أخرى ورمقت آدم بعيون غاضبة وهتفت بحدة:
- شرفت يا بيه ودلوقتي أتفضل من غير مطرود أحنا مش ناقصين مشكلات تيجي من ناحيتك تاني، وكفاية علينا اللي أحنا فيه.
زفر آدم بحزن وعيناه تجول فوق قسمات سهر وبداخله تصارعت رغبة عقله بإيلامها وإحساس قلبه بأختطافها بين ذراعيه، ليفوز عقله ويفرض سيطرته عليه فتبدلت ملامحه وبدت أكثر قتامة وصرامة وأردف:
- أنا مفروض فعلًا اعتذر وأنا بجد أسف بس مش على كلامي معاكِ لأن اللي قولته ميجيش نقطة من اللي عايز أقوله وأبقي سلميلي على محمود لما يرجع يا مدام سهر.
تركهم آدم وسط دهشة صفية وألم سهر وغادر صافقًا الباب خلفه بحدة، لتنهار سهر باكية بين ذراعي صفية وهي تهمس بوجع:
- حتى هو يا خالتي مرحمنيش أخر واحد كنت أتخيل أنه يظلمني جه عليا أنا ليه بيحصل معايا كده يا خالتي هو أنا أمته هعيش دنيتي زي ما أنا عوزاها.
وابتعدت فجأة عن صفية ونظرت للباب المغلق وكفكفت دموعها وقالت:
- أنا عايزة أتغير يا خالتي أنا عايزة أبقى إنسانة طبيعية زي أي حد أنا تعبت والله ومبقتش قادرة أتحمل أعيش فالظل كده أنا معدتش عايزة أبقى الضعيفة اللي الكل بيكسر فيها ويهدها، خلاص أنا معدش هقبل أعيش بالشكل ده معدتش هرضى الذل أنا معملتش أي ذنب ولا غلطت علشان أبقى المتهمة، ساعديني يا خالتي بالله عليكِ تساعديني.
ازداد توجس صفية فما حدث أمامها وما لاحظته مُستتر خلف العيون جعلها تُدرك أن هناك أمرً ما تجهله فزفرت بقوة وعاتب سهر بكلماتها قائلة:
- كل اللي بتقوليه ده أنا عرفاه وحساه ومعاكِ إنك لازم تتغيري وتتعالجي وترجعي أحسن من الأول كمان، بس أنك تفتحي الباب لراجل غريب وأنتِ لوحدك ميصحش أفرضي كانت هدى اللي دخلت ولا محمود كنتِ هتقولي لهم أيه، ليه عايزة تدي هدى فرصة تشتم فيكِ.
توقفت صفية فجأة عن الحديث وتطلعت إلى سهر بغموض لتُفاجئها بسؤالها:
- أنتِ بتحبي آدم يا سهر.
انفجرت سهر بالبكاء وارتمت بين ذراعي صفية وهي تأن بوجع ثم قالت بعدما شعرت بقدرتها على التحدث:
- وجعني اوي يا خالتي ظلمني واتهمني أني خدعته واتجوزت محمود وسبته رغم أن هو اللي كان بيكذب عليا ياريتني ما شوفته ولا حبيته.
باتت نظرات صفية مزيج بين الحيرة والصدمة والريبة وبداخلها ازداد فضولها وتساؤلها إن كانت سهر قد أحبت آدم فمتى حدث ذلك والأهم هل كان محمود على علم بحقيقة مشاعرها تلك أم لا، وأحست سهر بتساؤلات صفية فسارعت بقولها:
- أنا هقولك يا خالتي كل حاجة علشان متظنيش فيا أني خُنت الراجل اللي سترني واداني اسمه.
جلست صفية بجانب سهر وهي تقص عليها كل ما حدث معها حتى وقت وفاة والدها، ومع كل كلمة ازداد غضب صفية على ابنها وأردفت تقول بلوم:
- وأنتِ أزاي تسكتي لمحمود واللي كان بيطلبه منك أزاي تقبلي بحاجة زي كده، ليه مجتيش وحكيتي لي وأنا كنت وقفته عند حده، ده أنا على كده معرفتش أربي قال وأنا اللي كنت فاكره أنه هيصونك وقتها.
زاد الخوف بداخلها فهزت رأسها بالنفي وهتفت بتوسل:
- وحياتي يا خالتي متجبيش سيرة أنك تعرفي أنا خلاص معدش بفكر فحد أنا كل اللي يهمني دلوقتي نفسي وبس.
أردفت صفية بعدما جمعت بداخلها حقيقة ما حدث:
- آه لو كنت أعرف لكنت أديت اللي اسمه آدم ده كلمتين بجنابه إنما تعالي هنا قوليلي يا خايبة أنتِ أزاي تسكتي له ومترديش عليه.
احتضنت سهر صفية وأردفت بصدق:
- أنتِ طيبة أوي يا خالتي عارفة أنتِ العوض الحقيقي اللي ربنا عوضني بيه عن كل حاجة حصلت لي.
قبلتها صفية وربتت ظهرها بحنو وقالت:
- يبقى ترضي قلبي بقى وتجمدي كده وكمان تبطلي تقولي لي يا خالتي دي وتقولي لي ماما.
لم تستطع سهر تمالك دموعها فعادت لبكائها وهي تُخبرها:
- أنتِ أحسن أم الدنيا ربنا ميحرمنيش منك أبدًا.
------------------
مرت عدة أيام نفذت فيها سهر كلام صفية وابتعدت عن محمود وهدى وكانت تقضي معظم وقتها في غرفتها ليُخرجها من غرفتها صوت شجار، فوجدت صفية تقف أمام ابنها محمود وعلامات الغضب مرسومة على وجهها ولمحت هدى تجلس بجانب البلكونة وكأن الأمر لا يعنيها فنظرت إلى صفية مرة أخرى وسألتها:
- في أيه يا ماما حصل إيه علشان تزعقوا كده.
انتبه محمود لمناداة سهر لوالدته فسخر منها بقوله:
- بقت ماما دلوقتي طبعا ما أكيد أنتِ اللي قايلة لها تكلمني.
أجابته صفية بحدة:
- ملكش دعوة بيها وكلمني أنا، سهر مطلبتش حاجة أنا اللي بقولك هتخليها تتعالج ولا لاء.
بادل محمود بصره بينهما وأردف ببرود مخالفًا غضبه الذي بدا عليه:
- لاء أنا عجبني مراتي كده لا عايزها تتعالج ولا تخرج من البيت من أساسه والموضوع ده انتهى ودي أخر مرة يتفتح.
عقدت صفية يدها أمام صدرها وسألته:
- يعني ده آخر كلام عندك يا ابني!
زفر محمود بضيق وأشاح بوجهه عنهما وأجاب:
- آه وأظن أني قلت بدل المرة ألف علاج لسهر مافيش.
نظرت له صفية بغموض وغمغمت:
- ماشي يا محمود اللي أنت شايفه يكون وكتر خيرك يا ابني.
----------------------------
لم يدر آدم كيف مرت تلك الأيام عليه فهو لم يهدأ منذ كان معها فها هو يواجه صراع قلبه وعقله فما زالت تمتلك كامل إحساسه وحبه، بحث آدم ببصره حوله وما أن وقعت عيناه على هاتفه حتى اختطفه وهاتف مازن وهتف حين أجابه بقوله:
- تعالى يا مازن متسبنيش لوحدي أنا هتجنن خلاص أنا كنت فاكر أن ناري هتبرد لما أرد لها القلم، إنما بالعكس دخلت الجحيم برجليا مش قادر أنسى عينيها وأنا بهين فيها نظراتها قتلتني، كانت بتتهمني أن أنا اللي ظلمتها أنا مش فاهم حاجة يا مازن أرجوك يا مازن أنا حابس نفسي خايف أروح لها وأضعف أنا مستعد اترجاها تسيبه وترجع لي مازن أنت ساكت ليه.
تنهد مازن بحزن وعقب:
- بسمعك عايزك تقول كل اللي جواك علشان عارف أن ردي عليك مش هيعجبك أنا قُلتهالك قبل كده بلاش تروح لها علشان عارف أنك هتبقى على الحالة دي أنا فالطريق يا آدم وأعقل شوية إياك تتهور فاهم.
صرخ آدم بصوت مملوء بالعذاب:
- أنا بحبها يا مازن بحبها وحبها زاد أضعاف لما شوفتها.
أدرك مازن أن آدم وصل لمرحلة صعبة مثلما واجه مشكلة خطفه، فهو يحتاج لكل دعم الآن حتى لا ينساق وراء قلبه ويدمر معه سهر فزاد من سرعة سيارته وهو يفكر كيف يقنعه بالسفر مرة أخرى ليبتعد عنها.
---------------
تعاملت صفية مع ابنها بهدوء في الأيام التالية تحاول مواساة سهر على رفض محمود علاجها، فازداد شعور الحزن عليها لْتزم الصمت مع الجميع حتى أتى محمود قرابة نهاية الأسبوع ينادي على والدته:
- يا صفصف يا أم محمود.
غادرت صفية غرفتها وحدقت بوجه ابنها المبتسم بتساؤل فهو لم يعد يناديها بتحبب منذ زواجه، لتغادر هدى هي الآخرى غرفتها وتلتصق به كجلد ثان له وحين لاحظت صفية تصرفها هزت رأسها وهتفت ساخرة:
- أيه يا هدى هو أنتِ يا هدى على طول كاتمة على نفس ابني ولازقه له كل ما يعوز يتكلم معايا روحي ريحي باوضتك ومتنسيش تقفي ورا الباب تسمعي بنتكلم فأيه.
صاحت هدى بعدما أغضبها تهكم صفية منها:
- سامع والدتك بتقول إيه يا محمود أنا بقف ورا الباب اتجسس عليكم يرضيك اللي والدتك بتقوله ده أنا بتهان فبيتي وأنت ساكت.
لم يهتم محمود بصياح هدى ووجه حديثه إلى والدته وأردف:
- نادي سهر يا أمي علشان الكلام اللي هقوله للكل مش لحد لوحده.
تركت سهر غرفتها وانضمت لجوار صفية ما أن سمعت ندائها لتضمها بحنان إليها وأنتظروا حديث محمود الذي سارع بفصم الصمت بقوله:
- أنا قبلت الترقية اللي جاتلي وقررت أننا ننقل القاهرة تاني.
صفقت هدى بسعادة وهي تقفز فرحًا ونظرت لوجه صفية وسهر ووجدتهما عابستان فاحتضنت محمود وقبلته بدلال وهتفت:
- مبروك يا حبيبي على الترقية أنا مش مصدقة أننا هنعيش في القاهرة.
والتفتت بوجهها صوب صفية وسألتها باستنكار:
- أيه يا جماعة هو مافيش مبروك مالكم مش مبسوطين لحبيبي على الترقية يا ساتر.
وعادت وأولت محمود أهتمامها وأخبرته بغنج:
- متزعلش يا حودة كفاية أنا فرحانة ليك أنا هحتفل بيك في اوضتنا وانسيك عدم تقديرهم ده.
تحدثت صفية أخيرًا بهدوء:
- مبروك يا ابني بس أحنا زي ما أنت عارف مش هنسافر معاك.
تعجبت هدى من قرار صفية وحدقت بوجه سهر المذعور لتلاحظ أنكماشها بجوار صفية لتغمرها السعادة فأردفت مُسرعة:
- براحتك يا طنط خليكم هنا ونبقى نيجي زيارة فالمناسبات.
زفر محمود وعيناه مثبته على سهر التي امتلأت عيناها بالدموع وقال:
- مافيش حد هيقعد لوحده كلنا هنسافر وده قراري.
همت صفية بالأعتراض ولكن يد سهر التي شدت على ذراعها ورأسها التي حركتها نفيًا منعتها من الحديث وهي ترى هدى تسحب ابنها خلفها فهمست بحزن:
- عليه العوض ومنه العوض.
بدأت هدى في تجهيز حقائبها استعدادا للسفر ولاحظ محمود حالة سهر التي ازدادت سوء فكلما سأل عنها أخبرته والدته أنها نائمة فشك في حديثها فتسلل إلى الغرفة ليراها متكورة حول نفسها مغمضة العين وعلى وجهها آثار بكاء شعر بأنه تمادى في تعسفه معها فجلس بجانبها وهمس:
- حقك عليا يا سهر أنا مش عارف ليه بعمل معاكِ كده بس صدقيني أنا مش قادر أتخيل أنك تروحي مني وتسيبني الأيام اللي فاتت دي كنت حاسس أني ميت علشان مش بشوفك أدامي، آه يا سهر لو تعرفي أن قلبي ده لحد دلوقتي مش عارف يقبل بهدى أنا بقيت إنسان أسواء مما تتخيلي يا سهر بقيت بنتقم منك فهدى كل ما ألمسها أو تلمسني بشوفها أنتِ بنام معها وتبقي فحضني ومش حاسس بيها كل إحساسي أنك أنتِ اللي فحضني ببوسك وبعيش معاكِ الحب اللي اتمنيت دايما أني اعيشه معاكِ أنتِ ظلمتيني يا سهر لما أجبرتيني أتجوز لا والمصيبة أنها طلعت عكسك فكل حاجة أنا بضيع من نفسي يا سهر لأني اكتشفت أني لا بقيت قادر استغنى عن هدى ولا قادر على فراقك سامحيني يا سهر ياريت بجد تسامحيني.
جاء يوم السفر ووقفت سهر بجانب صفية تتشبث بساعدها كطفلة صغيرة بوجه شاحب تنظر إلى باب الشقة برعب، فنظر محمود إليها بحزن وأغمض عينيه وقال ليفاجئهم:
- هبقى أنزل أجازة كل أسبوع خميس وجمعة وهقضيها معاكم هنا، فخلي بالك من سهر يا صفصف.
تنهدت صفية بارتياح لعدول ابنها عن قراره وأردفت:
- روح يا ابني ربنا يراضيك ويجبر خاطرك زي ما رضيت قلبي.
وقفت هدى تنظر لوجوههم التي احتلها الارتياح كأن حملا خف عنهم وقالت محدثة نفسها:
- أموت وأعرف السر اللي بينكم أنتم التلاتة ومخبينه عني، منين محدش هيقعد هنا ومنين خليكم هنا، بس كده أحسن هيبقى محمود ليا لوحدي وإن كان على الأجازة فأنا هأقدر أخليه ميجيش وينساكم.
انتبهت هدى لصوت محمود يقول:
- يلا يا هدى العربية واقفة تحت أنزلي وأنا هجيب الشنط.
تحركت هدى بسعادة وقالت:
- سلام بقى أبقى أشوفكم فالمناسبات.
قبل محمود يد والدته وقال لها:
- مش عايز أسافر وأنتِ زعلانة مني وعايزك اسمعك وأنتِ بتدعي لي زي زمان.
دعت له صفية وربتت وجنته وأردفت بحنان:
- هجيبلك المصحف بتاعي خليه معاك دايمًا.
وتركته برفقة سهر ووقف محمود يحدق بها منتظرًا سماع كلمات وداعها له فاقترب منها وهمس:
- ينفع تخليني أحضنك قبل ما أمشي لأنك هتوحشيني اوي وربنا يصبرني على فراقك.
ارتبكت سهر وأغمضت عينيها وفتحت ذراعيها تضمه إليها وهي تدعو الله إلا يصيبها الفزع، ليسكن محمود لأول مرة بين ذراعيها برضاها فقال:
- ياه يا سهر أول مرة تحضنيني من غير ما تبعديني وتخافي مني.
وأبعد وجه وهو ينظر لشفتيها فأحست سهر برغبته في تقبيلها فقالت بخوف حاولت أن تخفيه بداخلها وهي تضع يدها على شفتاه تمنعه من تقبليها:
- بلاش يا محمود أرجوك خلي وداعك ليا ميوجعنيش.
قبل محمود يدها ومد يده ليبعدها عن شفاهه وقبل أنفها وقال:
- هخليها المرة الجاية لما أجي وأعرفي أني مش هتنازل عنها خلي بالك من نفسك.
مضى الأسبوع الأول بهدوء غريب وأنتظرت صفية وصول محمود ولكنه هاتفها وأعتذر عن المجيء بتلك الأجازة لانشغاله بتجهيز وترتيبه مسكنه الذي وفره عمله، وجلست صفية تنظر لوجه سهر تارة وتختطف نظرة إلى الخارج وأردفت بصوتٍ هادئ تقول:
- على فكرة يا سهر أنا رتبت طالما محمود مش هيبقى معانا ولا الحرباية وخدت القرار مكانك وكلمت الدكتور حمدي، وهو كتر خيره وافق على كلامي ومن النهارده الساعة خمسة المغرب دكتور هاني هيجي يكمل علاجك وأيام أجازة محمود مش هيجي، فأنا عيزاكي تشدي حيلك معاه وتخفي خلينا نعمل مفاجأة لمحمود إنك مبقتيش زي زمان وخفيتي.
ابتسمت سهر بسعادة تتساءل هل حقًا ستعطيها الحياة الفرصة لتحيا بأمل كما تريد دون خوف أم أنها ستعود وتغدر بها مرة أخرى تلاشت ابتسامتها وعبست بقلق وأردفت بصوتٍ خافت:
- بس أنا خايفة محمود لما يعرف يزعل.
أجابتها صفية وهي تربت يدها:
- حتى لو عرف سيبي الموضوع ده عليا أنا ماشي.
هزت سهر رأسها بإيجاب وهي تطمئن نفسها أن الأمور ستسير بخير معها، وبالفعل بدأت سهر العلاج النفسي لها فتبدلت الأحوال معها كلما مضت جلسة علاج بينها وبين هاني، لتشعر بالثقة معه وتزداد ثقتها بنفسها وأصبحت تتقبل تعاملها معه ولكن كلما حاول سؤالها مستفسرًا عن السبب الرئيسي لحالتها ينتابها الخوف وتتوقف عن الحديث وتبكي فيعتذر منها ويغادر.
ورُغم حالة سهر المتذبذبة استطاع هاني أن يخلصها من خوف مغادرتها للمنزل فبدأت سهر تغادر لخطوات تليها أخرى، ولم تدر صفية أو سهر أن هناك من تراقب كل شاردة وواردة تحدث معهم فكانت سميرة حريصة على معرفة كل تحركاتهم وإبلاغ ابنتها هدى بها، وحين تأكدت من زيارة ذلك الرجل لهم بشكل يومي طلبت منها هدى معرفة الوقت الذي يقضيه، في حين حاول محمود أن ينهي طلبات هدى التي كانت تتعمد مطالبته بها قبل نهاية الأسبوع لينشغل معها معتذرًا عن زيارة والدته وسهر.
وها هي نهاية الأسبوع حانت فجلست هدى وحاولت كعادتها ثنيه عن السفر ولكن محمود لم يغير قراره وطلبت منها أن تبقى بمفردها تلك المرة ولا ترافقه فوافقها محمود وهو يشعر بالراحة فتلك هي فرصته ليبقى بمفرده برفقة سهر دون محاولاتها منعه عنها، وصل محمود إلى الأسكندرية وعقله يفكر بسهر التي ازداد احتياجه إليها وفتح باب مسكنه بهدوء وتسلل بروية ولمح والدته تجلس بارتياح في مكانها المفضل بالشرفة فكاد يفاجئها، ولكنه توقف بمكانه حين جذب انتباهه صوت يغني بهدوء فتبع الصوت ليرى سهر وهي تعد بعض الحلوى وتغني ولكن ما جذب انتباهه إليها أكثر لعقها للحلوى من أطراف أصابعها، فاقترب منها وأختطف يدها ينوي امتصاص الحلوى من أطراف أصبعها، ليعلو صوت صراخها وسقط الإناء منها فهرولت صفية محوها ودهشت لوجود محمود الذي جاهد بمحاولة تهدأة سهر والتفت إلى والدته وأردف بأستياء:
- أنا مكنش قصدي أبدًا أخضها معلش ضيعت مجهودها والكيكة راحت على الأرض.
احتضنته صفية وترحب به بحفاوة وابتسمت بسعادة وقالت وهي تنظر لسهر:
- حصل خير يا محمود فداك أي حاجة حمد لله على السلامة أومال فين هدى.
ترك محمود مكانه بالمطبخ وغادره وهو يجيب:
- أنا سبت هدى فالقاهرة بتخلص شوية حاجات فالبيت وقلت أجي أنا علشان مقدرتش على بعدكم أكتر من كده أصلكم وحشتوني أوي.
انحت سهر تنظف فوضى الشُكولاتة عن أرض المطبخ فلاحظت صفية نظرات ابنها لسهر فجذبته بعيدًا وقالت:
- متسرحش يا حبيبي بعينك وتعالى معايا وقولي أزاي تسيب مراتك لوحدها هناك وتيجي.
جلس محمود ينظر تجاه المطبخ بقلق وقال:
- عادي وفيها أيه لما تقعد لوحدها ما أنتم كنتم هنا لوحدكم من غيري.
تنهدت صفية وقالت بعدما تأكدت من انشغال محمود بسهر وقد أحست بما يشعر به وكان جليا على وجهه:
- بلاش اللي فدماغك يا ابني وقضي معانا الأجازة على خير وأرجع لمراتك وسيب سهر فحالها، أنا أول مرة أحسها مرتاحة وبقت تنام براحتها مش قلقانة ولا بتصحى من النوم مفزوعة.
بدى قول صفية كصفعة صدمت محمود فحدق بوجهها بحزن وعقب على قولها:
- يعني أنا كنت سبب فاللي بيحصل لها شكرا يا أمي أنك بتتهميني أني بسبب لمراتي الرعب بوجودي وبجيب لها كوابيس عن أذنك أنا هدخل أريح شوية وبالمرة اختفي من أدامكم بدل ما تخافوا.
تابعت صفية مغادرة محمود للمكان وزفرت بضيق والتفتت بعيناها لتتقابل وعينا سهر فزمت الأخيرة شفتيها واقتربت منها وعاتبتها قائلة:
- ليه كده يا ماما تزعليه يعني ده جاي يشوفك بعد قد إيه وميستهلش تزعليه ده مهما كان حوده حبيب قلبك.
كادت صفية تصرخ بوجه سهر ولكنها لم تستطع وضحكت وهي تفرك أذن سهر وعقبت قائلة:
- بلاش بالله عليكِ حوده دي أحسن بتعلي عليا الضغط وبعدين يا فالحة لو مكنتش زعلته كان هو اللي هيزعلك، وأفهمي بقى ده كان هياكلك بعينه، فلو الموضوع عادي معاكِ فأنا هدخل أطيب خاطرة وماليش دعوة بيكِ.
ارتبكت سهر ووقفت أمام صفية وقالت:
- أهون عليكِ يا ماما ما أنتِ عارفة اللي فيها وحياتي لو يعني هتصلحيه متسبنيش لحد ما يسافر.
صمتت سهر فجأة وضربت جبهتها وقالت:
- نسيت زيارة الدكتور هاني.
أجابتها صفية:
- ادخلي بسرعة اوضتك واتصلي بيه، وقوليله بلاش يجي النهاردة وقوليله يستنى لما نبلغه بسفر محمود.
أسرعت سهر إلى غرفتها وأولت بابها ظهرها وهاتفت هاني ولم تلحظ محمود الذي وقف عند باب الغرفة وما أن أجابها هاني حتى أردفت سهر تخبره:
- معلش أنا بتصل دلوقتي علشان ألحقك قبل ما تيجي أصل محمود وصل على فجأة فمش هينفع تيجي، لا خليها لما يسافر ماشي هكون بانتظارك فنفس الميعاد زي كل مرة تمام مع السلامة.
عاد محمود إلى غرفته قبل أن تراه سهر وعلى ملامحه ارتسمت الصدمة وجلس فوق فراشه يهمس بتيه:
- معقول اللي سمعته ده مش ممكن أنتِ يا سهر أنتِ تطلعي بتخونيني أيه ما صدقتي سافرت معقول آدم عرف طريقك، طيب أزاي آه صح تلاقيه جاب العنوان من الشركة بس من أمته وأنتو سوا من ورايا وأمي بتكون فين وقت ما بتقابل عشيقها، ياه ده أنا طلعت مغفل أنا لازم أقتلك هقتلك يا سهر لا أهدى يا محمود أنت لازم تظبطهم سوا، علشان تنتقم منهم هما الاتنين، وقتها محدش هيقدر يلومك، أنت لازم تتعامل معاها عادي أمسك أعصابك وبلاش تتهور
------------------------------
لماذا تصر الحياة على ظلمي؟ لما باتت رؤية دموعي هدفًا لها؟ لما صوت تمزق قلبي يطربها.
تاهت سهر بعين آدم تتساءل كيف تجرح مثل تلك العيون التي سقطت بعشقها وتقسو بجبروت لتنتفض على سؤال صفية، فالتفتت إليها وحدقت بها لا تدر بما تُجيب سؤالها وتمنت لو تنشق الأرض وتبتلعها، فلا عذر لها لاستقبالها آدم وهي بمفردها ولا تفسير لديها توضح به سبب وجوده.
ليفاجئها آدم بإحاطته لها بيده ودفعه إياها ليخبئها خلف ظهره بتلقائية يحميها من نظرات صفية، فحدقت صفية بهما وعينيها تتبدل بين آدم وسهر التي ولصدمتها لم تدفعه عنها كما يحدث كلما اقترب منها ابنها محمود، فتقدمت منهما ووضعت ما بيدها من أشياء فوق المنضدة ومدت يدها وجذبت سهر من خلف ظهر آدم وأوقفتها بجوارها وأردفت تقول وهي تحدق بعينا آدم:
- أنت جاي تحمي بنتي مني.
ونظرت إلى سهر وأردفت مكررة سؤالها:
- مين ده يا سهر؟
ابتلعت سهر غصتها وتنفست بتوتر وهمت بالحديث ولكنها توقفت حين سمعت صوت آدم يجيب بدلًا منها:
- أنا آدم عمران صاحب الفندق اللي كانت سهر بتشتغل فيه.
حدقت به صفية للحظات وحاولت استرجاع ذاكرتها ليتجهم وجهها ويعلو ملامحها الغضب وهي ترميه بنظراتها النارية بعدما أدركت هويته وأردفت بحدة:
- أنت اللي بسببك خطيبتك كانت عايزة تفضح بنتي، وليك عين تيجي لهنا أيه مش خايف تكون بتراقبك وتعمل لنا فضيحة هنا، عمومًا لو أنت مش خايف فأنا بخاف على بنتي وسمعتها، وبعدين أنت بأي حق تيجي هنا وأزاي تسمح لنفسك تدخل بيت صاحبه مش موجود.
والتفتت بعيناها وحدجت سهر بعتاب صريح ورفعت حاجبها باستنكار ومدت يدها وقبضت على كتفيها وهزتها بوجع مُكفهر وأردفت:
- وأنتِ أزاي تدخليه من الأساس للبيت وجوزك مش هنا أزاي تعملي حاجة زي كده، عمومًا أنا مش هحاسبك دلوقتي أدام الاغراب إنما ليا كلام معاكِ وأحنا لوحدنا.
واستدارت صفية مرة أخرى ورمقت آدم بعيون غاضبة وهتفت بحدة:
- شرفت يا بيه ودلوقتي أتفضل من غير مطرود أحنا مش ناقصين مشكلات تيجي من ناحيتك تاني، وكفاية علينا اللي أحنا فيه.
زفر آدم بحزن وعيناه تجول فوق قسمات سهر وبداخله تصارعت رغبة عقله بإيلامها وإحساس قلبه بأختطافها بين ذراعيه، ليفوز عقله ويفرض سيطرته عليه فتبدلت ملامحه وبدت أكثر قتامة وصرامة وأردف:
- أنا مفروض فعلًا اعتذر وأنا بجد أسف بس مش على كلامي معاكِ لأن اللي قولته ميجيش نقطة من اللي عايز أقوله وأبقي سلميلي على محمود لما يرجع يا مدام سهر.
تركهم آدم وسط دهشة صفية وألم سهر وغادر صافقًا الباب خلفه بحدة، لتنهار سهر باكية بين ذراعي صفية وهي تهمس بوجع:
- حتى هو يا خالتي مرحمنيش أخر واحد كنت أتخيل أنه يظلمني جه عليا أنا ليه بيحصل معايا كده يا خالتي هو أنا أمته هعيش دنيتي زي ما أنا عوزاها.
وابتعدت فجأة عن صفية ونظرت للباب المغلق وكفكفت دموعها وقالت:
- أنا عايزة أتغير يا خالتي أنا عايزة أبقى إنسانة طبيعية زي أي حد أنا تعبت والله ومبقتش قادرة أتحمل أعيش فالظل كده أنا معدتش عايزة أبقى الضعيفة اللي الكل بيكسر فيها ويهدها، خلاص أنا معدش هقبل أعيش بالشكل ده معدتش هرضى الذل أنا معملتش أي ذنب ولا غلطت علشان أبقى المتهمة، ساعديني يا خالتي بالله عليكِ تساعديني.
ازداد توجس صفية فما حدث أمامها وما لاحظته مُستتر خلف العيون جعلها تُدرك أن هناك أمرً ما تجهله فزفرت بقوة وعاتب سهر بكلماتها قائلة:
- كل اللي بتقوليه ده أنا عرفاه وحساه ومعاكِ إنك لازم تتغيري وتتعالجي وترجعي أحسن من الأول كمان، بس أنك تفتحي الباب لراجل غريب وأنتِ لوحدك ميصحش أفرضي كانت هدى اللي دخلت ولا محمود كنتِ هتقولي لهم أيه، ليه عايزة تدي هدى فرصة تشتم فيكِ.
توقفت صفية فجأة عن الحديث وتطلعت إلى سهر بغموض لتُفاجئها بسؤالها:
- أنتِ بتحبي آدم يا سهر.
انفجرت سهر بالبكاء وارتمت بين ذراعي صفية وهي تأن بوجع ثم قالت بعدما شعرت بقدرتها على التحدث:
- وجعني اوي يا خالتي ظلمني واتهمني أني خدعته واتجوزت محمود وسبته رغم أن هو اللي كان بيكذب عليا ياريتني ما شوفته ولا حبيته.
باتت نظرات صفية مزيج بين الحيرة والصدمة والريبة وبداخلها ازداد فضولها وتساؤلها إن كانت سهر قد أحبت آدم فمتى حدث ذلك والأهم هل كان محمود على علم بحقيقة مشاعرها تلك أم لا، وأحست سهر بتساؤلات صفية فسارعت بقولها:
- أنا هقولك يا خالتي كل حاجة علشان متظنيش فيا أني خُنت الراجل اللي سترني واداني اسمه.
جلست صفية بجانب سهر وهي تقص عليها كل ما حدث معها حتى وقت وفاة والدها، ومع كل كلمة ازداد غضب صفية على ابنها وأردفت تقول بلوم:
- وأنتِ أزاي تسكتي لمحمود واللي كان بيطلبه منك أزاي تقبلي بحاجة زي كده، ليه مجتيش وحكيتي لي وأنا كنت وقفته عند حده، ده أنا على كده معرفتش أربي قال وأنا اللي كنت فاكره أنه هيصونك وقتها.
زاد الخوف بداخلها فهزت رأسها بالنفي وهتفت بتوسل:
- وحياتي يا خالتي متجبيش سيرة أنك تعرفي أنا خلاص معدش بفكر فحد أنا كل اللي يهمني دلوقتي نفسي وبس.
أردفت صفية بعدما جمعت بداخلها حقيقة ما حدث:
- آه لو كنت أعرف لكنت أديت اللي اسمه آدم ده كلمتين بجنابه إنما تعالي هنا قوليلي يا خايبة أنتِ أزاي تسكتي له ومترديش عليه.
احتضنت سهر صفية وأردفت بصدق:
- أنتِ طيبة أوي يا خالتي عارفة أنتِ العوض الحقيقي اللي ربنا عوضني بيه عن كل حاجة حصلت لي.
قبلتها صفية وربتت ظهرها بحنو وقالت:
- يبقى ترضي قلبي بقى وتجمدي كده وكمان تبطلي تقولي لي يا خالتي دي وتقولي لي ماما.
لم تستطع سهر تمالك دموعها فعادت لبكائها وهي تُخبرها:
- أنتِ أحسن أم الدنيا ربنا ميحرمنيش منك أبدًا.
------------------
مرت عدة أيام نفذت فيها سهر كلام صفية وابتعدت عن محمود وهدى وكانت تقضي معظم وقتها في غرفتها ليُخرجها من غرفتها صوت شجار، فوجدت صفية تقف أمام ابنها محمود وعلامات الغضب مرسومة على وجهها ولمحت هدى تجلس بجانب البلكونة وكأن الأمر لا يعنيها فنظرت إلى صفية مرة أخرى وسألتها:
- في أيه يا ماما حصل إيه علشان تزعقوا كده.
انتبه محمود لمناداة سهر لوالدته فسخر منها بقوله:
- بقت ماما دلوقتي طبعا ما أكيد أنتِ اللي قايلة لها تكلمني.
أجابته صفية بحدة:
- ملكش دعوة بيها وكلمني أنا، سهر مطلبتش حاجة أنا اللي بقولك هتخليها تتعالج ولا لاء.
بادل محمود بصره بينهما وأردف ببرود مخالفًا غضبه الذي بدا عليه:
- لاء أنا عجبني مراتي كده لا عايزها تتعالج ولا تخرج من البيت من أساسه والموضوع ده انتهى ودي أخر مرة يتفتح.
عقدت صفية يدها أمام صدرها وسألته:
- يعني ده آخر كلام عندك يا ابني!
زفر محمود بضيق وأشاح بوجهه عنهما وأجاب:
- آه وأظن أني قلت بدل المرة ألف علاج لسهر مافيش.
نظرت له صفية بغموض وغمغمت:
- ماشي يا محمود اللي أنت شايفه يكون وكتر خيرك يا ابني.
----------------------------
لم يدر آدم كيف مرت تلك الأيام عليه فهو لم يهدأ منذ كان معها فها هو يواجه صراع قلبه وعقله فما زالت تمتلك كامل إحساسه وحبه، بحث آدم ببصره حوله وما أن وقعت عيناه على هاتفه حتى اختطفه وهاتف مازن وهتف حين أجابه بقوله:
- تعالى يا مازن متسبنيش لوحدي أنا هتجنن خلاص أنا كنت فاكر أن ناري هتبرد لما أرد لها القلم، إنما بالعكس دخلت الجحيم برجليا مش قادر أنسى عينيها وأنا بهين فيها نظراتها قتلتني، كانت بتتهمني أن أنا اللي ظلمتها أنا مش فاهم حاجة يا مازن أرجوك يا مازن أنا حابس نفسي خايف أروح لها وأضعف أنا مستعد اترجاها تسيبه وترجع لي مازن أنت ساكت ليه.
تنهد مازن بحزن وعقب:
- بسمعك عايزك تقول كل اللي جواك علشان عارف أن ردي عليك مش هيعجبك أنا قُلتهالك قبل كده بلاش تروح لها علشان عارف أنك هتبقى على الحالة دي أنا فالطريق يا آدم وأعقل شوية إياك تتهور فاهم.
صرخ آدم بصوت مملوء بالعذاب:
- أنا بحبها يا مازن بحبها وحبها زاد أضعاف لما شوفتها.
أدرك مازن أن آدم وصل لمرحلة صعبة مثلما واجه مشكلة خطفه، فهو يحتاج لكل دعم الآن حتى لا ينساق وراء قلبه ويدمر معه سهر فزاد من سرعة سيارته وهو يفكر كيف يقنعه بالسفر مرة أخرى ليبتعد عنها.
---------------
تعاملت صفية مع ابنها بهدوء في الأيام التالية تحاول مواساة سهر على رفض محمود علاجها، فازداد شعور الحزن عليها لْتزم الصمت مع الجميع حتى أتى محمود قرابة نهاية الأسبوع ينادي على والدته:
- يا صفصف يا أم محمود.
غادرت صفية غرفتها وحدقت بوجه ابنها المبتسم بتساؤل فهو لم يعد يناديها بتحبب منذ زواجه، لتغادر هدى هي الآخرى غرفتها وتلتصق به كجلد ثان له وحين لاحظت صفية تصرفها هزت رأسها وهتفت ساخرة:
- أيه يا هدى هو أنتِ يا هدى على طول كاتمة على نفس ابني ولازقه له كل ما يعوز يتكلم معايا روحي ريحي باوضتك ومتنسيش تقفي ورا الباب تسمعي بنتكلم فأيه.
صاحت هدى بعدما أغضبها تهكم صفية منها:
- سامع والدتك بتقول إيه يا محمود أنا بقف ورا الباب اتجسس عليكم يرضيك اللي والدتك بتقوله ده أنا بتهان فبيتي وأنت ساكت.
لم يهتم محمود بصياح هدى ووجه حديثه إلى والدته وأردف:
- نادي سهر يا أمي علشان الكلام اللي هقوله للكل مش لحد لوحده.
تركت سهر غرفتها وانضمت لجوار صفية ما أن سمعت ندائها لتضمها بحنان إليها وأنتظروا حديث محمود الذي سارع بفصم الصمت بقوله:
- أنا قبلت الترقية اللي جاتلي وقررت أننا ننقل القاهرة تاني.
صفقت هدى بسعادة وهي تقفز فرحًا ونظرت لوجه صفية وسهر ووجدتهما عابستان فاحتضنت محمود وقبلته بدلال وهتفت:
- مبروك يا حبيبي على الترقية أنا مش مصدقة أننا هنعيش في القاهرة.
والتفتت بوجهها صوب صفية وسألتها باستنكار:
- أيه يا جماعة هو مافيش مبروك مالكم مش مبسوطين لحبيبي على الترقية يا ساتر.
وعادت وأولت محمود أهتمامها وأخبرته بغنج:
- متزعلش يا حودة كفاية أنا فرحانة ليك أنا هحتفل بيك في اوضتنا وانسيك عدم تقديرهم ده.
تحدثت صفية أخيرًا بهدوء:
- مبروك يا ابني بس أحنا زي ما أنت عارف مش هنسافر معاك.
تعجبت هدى من قرار صفية وحدقت بوجه سهر المذعور لتلاحظ أنكماشها بجوار صفية لتغمرها السعادة فأردفت مُسرعة:
- براحتك يا طنط خليكم هنا ونبقى نيجي زيارة فالمناسبات.
زفر محمود وعيناه مثبته على سهر التي امتلأت عيناها بالدموع وقال:
- مافيش حد هيقعد لوحده كلنا هنسافر وده قراري.
همت صفية بالأعتراض ولكن يد سهر التي شدت على ذراعها ورأسها التي حركتها نفيًا منعتها من الحديث وهي ترى هدى تسحب ابنها خلفها فهمست بحزن:
- عليه العوض ومنه العوض.
بدأت هدى في تجهيز حقائبها استعدادا للسفر ولاحظ محمود حالة سهر التي ازدادت سوء فكلما سأل عنها أخبرته والدته أنها نائمة فشك في حديثها فتسلل إلى الغرفة ليراها متكورة حول نفسها مغمضة العين وعلى وجهها آثار بكاء شعر بأنه تمادى في تعسفه معها فجلس بجانبها وهمس:
- حقك عليا يا سهر أنا مش عارف ليه بعمل معاكِ كده بس صدقيني أنا مش قادر أتخيل أنك تروحي مني وتسيبني الأيام اللي فاتت دي كنت حاسس أني ميت علشان مش بشوفك أدامي، آه يا سهر لو تعرفي أن قلبي ده لحد دلوقتي مش عارف يقبل بهدى أنا بقيت إنسان أسواء مما تتخيلي يا سهر بقيت بنتقم منك فهدى كل ما ألمسها أو تلمسني بشوفها أنتِ بنام معها وتبقي فحضني ومش حاسس بيها كل إحساسي أنك أنتِ اللي فحضني ببوسك وبعيش معاكِ الحب اللي اتمنيت دايما أني اعيشه معاكِ أنتِ ظلمتيني يا سهر لما أجبرتيني أتجوز لا والمصيبة أنها طلعت عكسك فكل حاجة أنا بضيع من نفسي يا سهر لأني اكتشفت أني لا بقيت قادر استغنى عن هدى ولا قادر على فراقك سامحيني يا سهر ياريت بجد تسامحيني.
جاء يوم السفر ووقفت سهر بجانب صفية تتشبث بساعدها كطفلة صغيرة بوجه شاحب تنظر إلى باب الشقة برعب، فنظر محمود إليها بحزن وأغمض عينيه وقال ليفاجئهم:
- هبقى أنزل أجازة كل أسبوع خميس وجمعة وهقضيها معاكم هنا، فخلي بالك من سهر يا صفصف.
تنهدت صفية بارتياح لعدول ابنها عن قراره وأردفت:
- روح يا ابني ربنا يراضيك ويجبر خاطرك زي ما رضيت قلبي.
وقفت هدى تنظر لوجوههم التي احتلها الارتياح كأن حملا خف عنهم وقالت محدثة نفسها:
- أموت وأعرف السر اللي بينكم أنتم التلاتة ومخبينه عني، منين محدش هيقعد هنا ومنين خليكم هنا، بس كده أحسن هيبقى محمود ليا لوحدي وإن كان على الأجازة فأنا هأقدر أخليه ميجيش وينساكم.
انتبهت هدى لصوت محمود يقول:
- يلا يا هدى العربية واقفة تحت أنزلي وأنا هجيب الشنط.
تحركت هدى بسعادة وقالت:
- سلام بقى أبقى أشوفكم فالمناسبات.
قبل محمود يد والدته وقال لها:
- مش عايز أسافر وأنتِ زعلانة مني وعايزك اسمعك وأنتِ بتدعي لي زي زمان.
دعت له صفية وربتت وجنته وأردفت بحنان:
- هجيبلك المصحف بتاعي خليه معاك دايمًا.
وتركته برفقة سهر ووقف محمود يحدق بها منتظرًا سماع كلمات وداعها له فاقترب منها وهمس:
- ينفع تخليني أحضنك قبل ما أمشي لأنك هتوحشيني اوي وربنا يصبرني على فراقك.
ارتبكت سهر وأغمضت عينيها وفتحت ذراعيها تضمه إليها وهي تدعو الله إلا يصيبها الفزع، ليسكن محمود لأول مرة بين ذراعيها برضاها فقال:
- ياه يا سهر أول مرة تحضنيني من غير ما تبعديني وتخافي مني.
وأبعد وجه وهو ينظر لشفتيها فأحست سهر برغبته في تقبيلها فقالت بخوف حاولت أن تخفيه بداخلها وهي تضع يدها على شفتاه تمنعه من تقبليها:
- بلاش يا محمود أرجوك خلي وداعك ليا ميوجعنيش.
قبل محمود يدها ومد يده ليبعدها عن شفاهه وقبل أنفها وقال:
- هخليها المرة الجاية لما أجي وأعرفي أني مش هتنازل عنها خلي بالك من نفسك.
مضى الأسبوع الأول بهدوء غريب وأنتظرت صفية وصول محمود ولكنه هاتفها وأعتذر عن المجيء بتلك الأجازة لانشغاله بتجهيز وترتيبه مسكنه الذي وفره عمله، وجلست صفية تنظر لوجه سهر تارة وتختطف نظرة إلى الخارج وأردفت بصوتٍ هادئ تقول:
- على فكرة يا سهر أنا رتبت طالما محمود مش هيبقى معانا ولا الحرباية وخدت القرار مكانك وكلمت الدكتور حمدي، وهو كتر خيره وافق على كلامي ومن النهارده الساعة خمسة المغرب دكتور هاني هيجي يكمل علاجك وأيام أجازة محمود مش هيجي، فأنا عيزاكي تشدي حيلك معاه وتخفي خلينا نعمل مفاجأة لمحمود إنك مبقتيش زي زمان وخفيتي.
ابتسمت سهر بسعادة تتساءل هل حقًا ستعطيها الحياة الفرصة لتحيا بأمل كما تريد دون خوف أم أنها ستعود وتغدر بها مرة أخرى تلاشت ابتسامتها وعبست بقلق وأردفت بصوتٍ خافت:
- بس أنا خايفة محمود لما يعرف يزعل.
أجابتها صفية وهي تربت يدها:
- حتى لو عرف سيبي الموضوع ده عليا أنا ماشي.
هزت سهر رأسها بإيجاب وهي تطمئن نفسها أن الأمور ستسير بخير معها، وبالفعل بدأت سهر العلاج النفسي لها فتبدلت الأحوال معها كلما مضت جلسة علاج بينها وبين هاني، لتشعر بالثقة معه وتزداد ثقتها بنفسها وأصبحت تتقبل تعاملها معه ولكن كلما حاول سؤالها مستفسرًا عن السبب الرئيسي لحالتها ينتابها الخوف وتتوقف عن الحديث وتبكي فيعتذر منها ويغادر.
ورُغم حالة سهر المتذبذبة استطاع هاني أن يخلصها من خوف مغادرتها للمنزل فبدأت سهر تغادر لخطوات تليها أخرى، ولم تدر صفية أو سهر أن هناك من تراقب كل شاردة وواردة تحدث معهم فكانت سميرة حريصة على معرفة كل تحركاتهم وإبلاغ ابنتها هدى بها، وحين تأكدت من زيارة ذلك الرجل لهم بشكل يومي طلبت منها هدى معرفة الوقت الذي يقضيه، في حين حاول محمود أن ينهي طلبات هدى التي كانت تتعمد مطالبته بها قبل نهاية الأسبوع لينشغل معها معتذرًا عن زيارة والدته وسهر.
وها هي نهاية الأسبوع حانت فجلست هدى وحاولت كعادتها ثنيه عن السفر ولكن محمود لم يغير قراره وطلبت منها أن تبقى بمفردها تلك المرة ولا ترافقه فوافقها محمود وهو يشعر بالراحة فتلك هي فرصته ليبقى بمفرده برفقة سهر دون محاولاتها منعه عنها، وصل محمود إلى الأسكندرية وعقله يفكر بسهر التي ازداد احتياجه إليها وفتح باب مسكنه بهدوء وتسلل بروية ولمح والدته تجلس بارتياح في مكانها المفضل بالشرفة فكاد يفاجئها، ولكنه توقف بمكانه حين جذب انتباهه صوت يغني بهدوء فتبع الصوت ليرى سهر وهي تعد بعض الحلوى وتغني ولكن ما جذب انتباهه إليها أكثر لعقها للحلوى من أطراف أصابعها، فاقترب منها وأختطف يدها ينوي امتصاص الحلوى من أطراف أصبعها، ليعلو صوت صراخها وسقط الإناء منها فهرولت صفية محوها ودهشت لوجود محمود الذي جاهد بمحاولة تهدأة سهر والتفت إلى والدته وأردف بأستياء:
- أنا مكنش قصدي أبدًا أخضها معلش ضيعت مجهودها والكيكة راحت على الأرض.
احتضنته صفية وترحب به بحفاوة وابتسمت بسعادة وقالت وهي تنظر لسهر:
- حصل خير يا محمود فداك أي حاجة حمد لله على السلامة أومال فين هدى.
ترك محمود مكانه بالمطبخ وغادره وهو يجيب:
- أنا سبت هدى فالقاهرة بتخلص شوية حاجات فالبيت وقلت أجي أنا علشان مقدرتش على بعدكم أكتر من كده أصلكم وحشتوني أوي.
انحت سهر تنظف فوضى الشُكولاتة عن أرض المطبخ فلاحظت صفية نظرات ابنها لسهر فجذبته بعيدًا وقالت:
- متسرحش يا حبيبي بعينك وتعالى معايا وقولي أزاي تسيب مراتك لوحدها هناك وتيجي.
جلس محمود ينظر تجاه المطبخ بقلق وقال:
- عادي وفيها أيه لما تقعد لوحدها ما أنتم كنتم هنا لوحدكم من غيري.
تنهدت صفية وقالت بعدما تأكدت من انشغال محمود بسهر وقد أحست بما يشعر به وكان جليا على وجهه:
- بلاش اللي فدماغك يا ابني وقضي معانا الأجازة على خير وأرجع لمراتك وسيب سهر فحالها، أنا أول مرة أحسها مرتاحة وبقت تنام براحتها مش قلقانة ولا بتصحى من النوم مفزوعة.
بدى قول صفية كصفعة صدمت محمود فحدق بوجهها بحزن وعقب على قولها:
- يعني أنا كنت سبب فاللي بيحصل لها شكرا يا أمي أنك بتتهميني أني بسبب لمراتي الرعب بوجودي وبجيب لها كوابيس عن أذنك أنا هدخل أريح شوية وبالمرة اختفي من أدامكم بدل ما تخافوا.
تابعت صفية مغادرة محمود للمكان وزفرت بضيق والتفتت بعيناها لتتقابل وعينا سهر فزمت الأخيرة شفتيها واقتربت منها وعاتبتها قائلة:
- ليه كده يا ماما تزعليه يعني ده جاي يشوفك بعد قد إيه وميستهلش تزعليه ده مهما كان حوده حبيب قلبك.
كادت صفية تصرخ بوجه سهر ولكنها لم تستطع وضحكت وهي تفرك أذن سهر وعقبت قائلة:
- بلاش بالله عليكِ حوده دي أحسن بتعلي عليا الضغط وبعدين يا فالحة لو مكنتش زعلته كان هو اللي هيزعلك، وأفهمي بقى ده كان هياكلك بعينه، فلو الموضوع عادي معاكِ فأنا هدخل أطيب خاطرة وماليش دعوة بيكِ.
ارتبكت سهر ووقفت أمام صفية وقالت:
- أهون عليكِ يا ماما ما أنتِ عارفة اللي فيها وحياتي لو يعني هتصلحيه متسبنيش لحد ما يسافر.
صمتت سهر فجأة وضربت جبهتها وقالت:
- نسيت زيارة الدكتور هاني.
أجابتها صفية:
- ادخلي بسرعة اوضتك واتصلي بيه، وقوليله بلاش يجي النهاردة وقوليله يستنى لما نبلغه بسفر محمود.
أسرعت سهر إلى غرفتها وأولت بابها ظهرها وهاتفت هاني ولم تلحظ محمود الذي وقف عند باب الغرفة وما أن أجابها هاني حتى أردفت سهر تخبره:
- معلش أنا بتصل دلوقتي علشان ألحقك قبل ما تيجي أصل محمود وصل على فجأة فمش هينفع تيجي، لا خليها لما يسافر ماشي هكون بانتظارك فنفس الميعاد زي كل مرة تمام مع السلامة.
عاد محمود إلى غرفته قبل أن تراه سهر وعلى ملامحه ارتسمت الصدمة وجلس فوق فراشه يهمس بتيه:
- معقول اللي سمعته ده مش ممكن أنتِ يا سهر أنتِ تطلعي بتخونيني أيه ما صدقتي سافرت معقول آدم عرف طريقك، طيب أزاي آه صح تلاقيه جاب العنوان من الشركة بس من أمته وأنتو سوا من ورايا وأمي بتكون فين وقت ما بتقابل عشيقها، ياه ده أنا طلعت مغفل أنا لازم أقتلك هقتلك يا سهر لا أهدى يا محمود أنت لازم تظبطهم سوا، علشان تنتقم منهم هما الاتنين، وقتها محدش هيقدر يلومك، أنت لازم تتعامل معاها عادي أمسك أعصابك وبلاش تتهور
