رواية نفوس قاسية الفصل الرابع عشر 14 بقلم مني احمد حافظ
الرابعة عشر. حقا أكتفيت ألما.
-------------------------------------
لم يستطع محمود النوم فأخذ يدور حول نفسه يشعر بأن عقله سيتوقف من كثرة التفكير كيف يعقل لسهر أن تطعنه هكذا في شرفه أيعقل أن تخونه، أيعقل أن تكون بمثل هذه البراعة وتتصنع الخوف معه لتفعل ما يحلو لها من وراء ظهره، أراد محمود أن يسألها ويواجهها فترك غرفته ولكنه توقف أمام غرفتها وتراجع مرة أخرى فقد صرخ به كبريائه يمنعه من سؤالها، ومن مكانه رأها تغادر غرفتها وهي تنظر نحوه بوجه مضطرب فأشاح بوجهه عنها فاقتربت منه وهي تزدرد لعابها وسألته بتردد:
- واقف كده ليه يا محمود لو محتاج أعمل لك حاجة قولي.
حدق بها محمود ولم يجيب عليها فمطت شفتيها وأضافت:
- طيب أنا هعمل شاي تحب تشرب معايا.
زفر محمود أنفاسه وعقله يفكر بما سمعها تقوله وأردف وهو بطريقه نحو الشرفة:
- اعملي لي قهوة أحسن أنامصدع شوية وهاتيها فالبلكونة.
أعدت سهر لمحمود قهوته وجلست بجانبه تنظر للبحر فقالت:
- عارف يا محمود طول عمري كنت بحلم أشوف البحر وأنزله ولما جينا إسكندرية وقعدنا وأدامنا البحر بقيت بردوا مش قادرة حتى ألمسه وبشوفه من بعيد لبعيد.
حين لزم محمود الصمت التفتت نحوه وسألته:
- مبسوط فـ شغلك يا محمود.
أجابها وهو يحدق بالأفق أمامه:
- الحمد لله الشغل كويس مش ناقصني فيه غير وجودك معايا إنما قوليلي أنتِ مش ناوية تيجي تعيشي معايا هناك ولا عجبتك القعدة لوحدك هنا.
تنهدت سهر وهي تفكر بجلساتها العلاجية التي تقدمت فيها كثيرًا وأجابته:
- أكيد هيجي يوم وتلاقيني معاك وأنا يعني هروح فين يعني وبعدين أنا مش لوحدي أنا معايا ماما ربنا يخليها.
نظر لها محمود وحاول قراءة ملامح وجهها وتنهد بقوة وسألها دون وعي منه:
- سهر أنتِ بتحبيني.
أغمضت سهر عيناها تخفي تهربها من نظرات عينيه وأخبرته بصوتٍ متحشرج:
- أحنا بقى بينا عشرة يا محمود ورغم أنك بعد جوازك أتغيرت شوية بس أنت بردو لسه بالنسبة لي محمود اللي أتربيت معاه وكفايه معروفك معايا.
زفر محمود وحدق بوجهها المضطرب وحدث نفسه:
- هربتي بردوا من السؤال ومفروض أفهم من الأجابة أنك مش بتحبيني يا سهر، ودا معناه حاجة واحدة وهي أن اللي بتكلميه ده هو آدم فعلًا بس يا ترى سمحتي له باللي حرمتني منه، يا ترى يا سهر أخد حقي فيكِ سرقه مني زي ما سرق قلبك، آه يارب مش قادر أشوف وشها اللي كله براءة ده واكذب ودني واللي سمعته منها ما لو كان حد اللي قال كنت قتلته إنما أنا اللي سمعتك وأنتِ بتنبهي عليه ميجيش علشان أنا جيت، هتجنن يا سهر أزاي قدرتي تعمليها معقول أنا انخدعت فيكِ معقول أنتِ سهر ولا أنا مكنتش عارفك من الأول.
انتبه محمود على يد سهر تربت كتفه وتقول:
- روحت مني لفين.
أجابها محمود وهو يقف مبعدًا يدها عنه:
- روحت لحد هدى أصلها وحشتني عن أذنك أنا داخل أنام.
تركها محمود بمفردها فحدقت بأثره حتى ولج غرفته واغلق بابه خلفه فزفرت بحزن وأردفت:
- سامحني أني مش قادرة أديلك قلبي، غصب عني أنا قلبي أخده مني آدم ومعرفتش ارجعه، بس أنا اتعودت أبقى معاك وكان صعب عليا أفضل شيفاك محروم من أبسط حق ليك، يمكن أكون أسأت لما أخترت هدى ليك بس خلاص هي بقت نصيبك، أنا بدعيلك كل يوم إن ربنا يرزقك منها بالذرية الصالحة وتفرح على الأقل واحد فينا يا محمود يبقى عاش.
مضى اليوم التالي ومحمود حبيس غرفته ليفاجئهم بخروجه قائلًا:
- أنا مضطر أرجع القاهرة هدى تعبانة هروح اطمن عليها أشوفكم بخير.
وأقترب محمود محتضنا والدته يودعها ونظر إلى سهر بغموض وغادر دون أن يلمسها، وطوال طريقه للقاهرة أخذ عقله يفكر ليحزم أمره بعودته مرة أخرى ليواجه سهر ويسترد كرامته التي أهدرتها، وحين وصل إلى شقته وولج إلى غرفته وجد هدى تستند إلى فراشها وكأنها كانت على علم بشأن عودته واعتدلت ونظرت نحوه برغبة صريحة وأشارت له بأصبعها، فأهمل تلميحها له فحدقت به وتحركت ووقفت أمامه وساعدته على تبديل ثيابه ولمسته بجرأة وهمست في أذنه وهي تلفحه بأنفاسها:
- أول مرة تطنشني كده إيه موحشتكش ولا خلاص نسيت هدى حبيبة قلبك، تفتكر في حد غيري قدر يرضيك علشان كده مبقتش عايز هدى.
أجابها محمود بضيق وهو يبتعد عنها:
- هدى أنا مش فايق لأي كلام دلوقتي ولو سمحتي سيبيني لوحدي أنا مش طايق نفسي.
احتضنته هدى وقالت وهي تقبل رقبته:
- هي زعلتك أنا مش عارفة أزاي اتجوزتها وهي عاملة زي التمثال البارد.
حاول محمود أن يبتعد عنها ولكنها تعلم نقاط ضعفه جيدًا فاستحوذت على شفتاه مقبله إياها لتثير رغبته بها، فبدأ يستجيب لها ليغمض عينيه وهو يفكر بسهر واستسلم مطلقًا سراح أحتياجه فحملها إلى فراشه هاربًا لأحضانها.
استيقظ محمود فجرًا يشعر بثقل يجثم فوق صدره فوجد رأس هدى تستريح فوق صدره وذراعها يحتضنه، فأبعد ذراعها عنه بهدوء فهمست قائلة:
- رايح فين يا محمود.
أجابها محمود بهدوء:
- هقوم أاعمل فنجان قهوة.
اعتدلت هدى وقالت:
- مالك يا محمود أنت مكنتش معايا أصلًا أول مرة أحسك بعيد عني وأنت نايم معايا.
سحب محمود نفسًا وحاول نسيان ما يفكر به وقال:
- مافيش أنا بس تعبان شوية نامي أنتِ يا هدى.
نظرت له هدى بتمعن ثم ابتسمت بخبث وقالت بصوت حاولت إظهار ارتباكه:
- محمود هو أنت عرفت.
التفت إليها محمود بحدة وقال:
- عرفت أيه تقصدي إيه يا هدى أنتِ عارفة حاجة ومخبيه عليا أتكلمِي.
ابتعدت عنه هدى وقالت:
- لا معرفش حاجة أنا أصل ماما لا أنا مش هقدر أقول حاجة.
جذبها محمود من ذراعها بقوة لتواجهه وقال بحدة:
- انطقي تعرفي إيه وسيباني مغفل أتكلمِي بدل ما أقتلك أنتِ كمان.
شعرت هدى بالبهجة لصحة ظنها فقالت وهي تدعي الخوف منه:
- أنا مش قصدي أسيبك على عماك بس ماما حلفتني متكلمش.
صاح محمود بها بغضب وقال:
- هدى متختبريش صبري أنا العفاريت بتتنطط أدامي مش ناقص انطقي مخبية إيه عني أنتِ ووالدتك.
ابتعدت هدى عنه ووقفت وهي تنظر له وقالت:
- أنا ميرضنيش أسيبك معمي أكتر من كده ولا هرضى أن سهر تمرمغ شرفك في الأرض.
صرخ بها محمود باستهجان وقال:
- أنتِ تقصدي أيه.
نظرت له هدى بشماته وغيظ وقالت:
- أقصد أن الست اللي سايبها مع والدتك فاتحة البيت لراجل غريب بيروح لها كل يوم المغرب يقعد له ساعتين تلاتة وينزل، ماما شافته كذا مرة داخل الشقة عندك ووالدتك مش هناك.
جلس محمود يحاول تكذيب هدى ليواجه نفسه بما سمعه فشعر بالدماء تضرب عقله بقوة فوقف مرة أخرى وخرج من غرفته واتجه إلى المرحاض حاول أن يغسل غضبه قليلًا لكن المياه لم تستطع إطفاء بركان ثورته على سهر فدخل مرة أخرى ليرتدي ملابسه، فسألته هدى تدعي البراءة:
- أنت رايح فين دلوقتي؟
لم يجيبها محمود وغادر يسيطر عليه غضب أعمى أن يقتلها ليغسل عنه عار خيانة سهر له، وعاد إلى الإسكندرية وصل أسفل منزله كاد يصعد ليفتك بها ولكنه توقف وعاد أدراجه وجلس في ذاك الكافية القريب من منزله يراقب مدخل العمارة منتظرًا ظهور غريمه، وفي الشقة بالأعلى نادت سهر على صفية وقالت:
- يا ماما هنزل أجيب نسكافية قبل ميعاد دكتور هاني هو خلاص على وصول.
أجابتها صفية وهي تنظر لها بابتسامة:
- لا خليكِ أنا جبت امبارح يا قلبي بلاش تنزلي أنتِ ولا خلاص بقينا مش بنخاف وعايزين ننزل كل شوية.
ضحكت سهر بسعادة وقالت:
- أنا مش مصدقة أصلًا أني قدرت ونزلت أمبارح ياه يا ماما ربنا ميحرمنيش منك ويارب دايمًا تفضلي تكملي الحاجة الناقصة و.
قطع على سهر إكمال جملتها صوت رنين الهاتف فأجابت سهر ونادت على صفية وقالت:
- ماما دي طنط سميرة عايزاكي.
تحدثت صفية مع سميرة وأغلقت الهاتف وقالت لسهر:
- هطلع أشوفها مالها بتقول تعبانة أنا مش هغيب لو دكتور هاني جه وأنا فوق قعديه فالصالة ورني عليا وأنا هنزل على طول.
جلست سهر بقرب النافذة تراقب البحر وتبتسم وهي تتذكر سعادتها بالأمس وهي تجري وتلعب مع الأمواج وسط ضحكات صفية التي شجعتها على الخروج بعدما سافر محمود، أفاقت من شرودها على رنين هاتفها فأجابت وهي تضحك:
- أيوة يا ماما.
سمعت سهر صوت تنهد الطرف الثاني يقول:
- كل مرة متعرفيش صوتي أنا آدم يا سهر اللي بتصل بيكِ علشان وحشني صوتك يا فتنة.
همست سهر باضطراب:
- آدم.
أجابها آدم بتنهيدة حارقة:
- أيوة آدم اللي لعبتي بيه.
أجابته سهر بحدة وقد فاض بها الكيل:
- بقولك أيه يا آدم بلاش تمثل عليا وعلى نفسك أكتر من كده وتعيش دور الضحية، وبدل ما تتريق عليا وتعايرني روح بص لنفسك الأول، أنا لو كنت اتجوزت محمود ف ده لأسباب وظروف مريت بيها، إنما أنت أيه حجتك لما كذبت عليا وهربت وروحت اتجوزت هايدي وخلفت منها بعد ما وهمتني أنك هتغير دينك، يا آدم لو في حد فينا جرح التاني فيبقى أنت، أنت اللي جرحتني وخدعتني وأنا عمري ما هنسى وجعي وأنا مستنياك تيجي زي ما قولت، أنا فضلت مستنية شهر بحاله تيجي تنفذ وعدك ليا وأنت اتاريك عايش مع مراتك، بص يا آدم كفاية أني سبتك تجرح فيا براحتك المرة اللي فاتت إنما خلاص دلوقتي مش هسمح لك تقول حرف فيه إهانة ليا تاني، ومن الأخر كده الرقم ده تمسحه ومتتصلش عليه تاني فاهم ولا أقولك أنا هرميه زي ما رميت حبك من قلبي وخرجتك برا حياتي كلها.
أغلقت سهر الهاتف تحاول تمالك أعصابه وأفعالها، فقلبها يؤلمها لشعورها بآلام آدم فقذفت هاتفها بالحائط وهي تبكي بتساؤل لما هو مصر على اتهامها بخداعه، وهي التي قضت لياليها تبكي والدها الذي قتل وتبكيه الآن في حين لم يف بعهده معها، هزت سهر رأسها وصرخت بألم:
- ليه تخليني أوجعك بالشكل ده حرام عليك يا آدم حرام عليك بجد.
حدق آدم بهاتفه بعدما أغلقت سهر في وجهه الاتصال وهو يشعر بالتيه فهو لم يعد يفهم شيء وتساءل من خدعها وأخبرها أكاذيب عنه هكذا؟ من أوهمها بزواجه من هايدي؟ أحس آدم أن عليه مواجه سهر بما قالته ليثبت لها أنه وفى بوعده وأنه بحث عنها كثيرا ليثبت لها أنها هي من خانت اتفاقهما معًا وتزوجت بمحمود.
سمعت سهر رنين الباب فمسحت دموعها عنها وفتحته وهي تحاول رسم ابتسامة على وجهها واستقبلت هاني بترحاب وتذكرت تنبيه صفية فبحثت عن هاتفها فوقعت عيناها عليه مكسورًا على الأرض فلعنت غضبها الذي لم تتحكم فيه، ولاحظ هاني حالة اضطراب سهر فسألها:
- مالك يا سهر إيه مضيقك واضح عليكِ جدًا الانفعال أحنا قولنا أيه نتحكم فأي انفعال، شكلك هتتعبيني معاكِ وأحنا مش عايزين نطول ففترة العلاج خصوصًا إن ماشاء الله عليكِ بتتقدمي بسرعة ولا أنتِ معرفتيش تتغلبي على خوفك ومقدرتيش تخرجي.
جلست سهر بعيدًا عنه وقالت:
- بالعكس يا دكتور أنا خرجت امبارح لأول مرة ومكنتش حاسة بخوف كنت فرحانة وعايزه أطير حسيت أني كنت أسيرة واْتفك أسري، أنا بشكر حضرتك على تعبك معايا الفترة اللي فاتت بس يعنى حصلت حاجة كده مقدرتش فعلا أمسك نفسي واتعصبت جامد ودلوقتي حاسه بالندم مكنتش حابة أتصرف أو أقول الكلام اللي قولته.
نظر هاني لها وقال محاولا جعلها توضح أكثر:
- أكيد كان حاجة قوية خرجتك عن وعيك بس أنفعالك فحد ذاته تقدم أنك تعبري عن اللي جواكي ومتضعفيش خطوة مهمة جدًا.
نظرت سهر له وقالت:
- تفتكر يا دكتور أني هرجع طبيعية تاني وأقدر أتعامل مع الناس عادي.
نظر هاني إليها وفكر أنه الوقت المناسب ليجعلها تبوح له بسرها الذي سبب لها مرضها النفسي فقال يحاول حثها على التحدث بحرية:
- بس أحنا كل ده نعتبر معملناش أي حاجة لأن السبب الأساسي للي أنتِ فيه مش عايزة تتكلمي عنه وأنا بالشكل ده هبقى عاجز لأني مش عارف أساعدك تتخطيه علشان تبدئي حياتك مش ناوية تحكي لي على اللي مخبياه.
وقفت سهر وقالت وهي تهرب بعينيها عنه:
- أنا هعمل لحضرتك النسكافية على ما ماما تنزل عن إذنك.
دخلت سهر تعد النسكافية وخرجت وهي تحمل مج النسكافية تقدمه لهاني ليندفع محمود فجأة إلى داخل الشقة فرأى سهر تقف وظهرها باتجاهه وأمامها جلس رجل لم ير وجهه، فالتفتت سهر إلى الخلف وما أن وقع بصرها على محمود حتى سقط من يدها النسكافية فوق هاني وهي ترفع يدها لوجهها بخوف واضطراب ظاهر عليها بوضوح، وشعرت سهر بقلبها يهوى منها رعبًا بسبب نظرات محمود التي خافت أن تقرأها، فابتعدت عن هاني وهي تهمس وشعور بالذنب يحتلها:
- محمود.
سمعت صوت محمود الغاضب الذي تحجرت عيناه وأظلمت بسبب غضبه يقول:
- أيوة محمود المغفل اللي ما صدقتي أسافر علشان تستقبلي فيه عشيقك من ورايا وفبيتي.
وقف هاني يشعر بالحرج وقال محاولا توضيح خطأ ظنه:
- حضرتك مش فاهم حاجة الموضوع أني.
أشار إليه محمود ليصمت وهدر بصوت عال:
- أنت تخرس خالص لأن لو سمعت صوتك هرميك من البلكونة أنت فاهم.
ألقى محمود قوله واقترب من سهر التي ارتعدت خوفًا وعيناه تحدق بها بغضب وقال:
- عايز أعرف أنتِ بتستغفليني من أمته وبتقابليه من ورا ظهري انطقي.
ازدردت سهر لعابها وقالت:
- أنت فاهم غلط أساسًا.
صرخ بها محمود وقال:
- أنا عايز إجابة واضحة بتتقابلوا من أمته.
لم يمهلها محمود الفرصة لتجيبه وأنهال على وجنتيها صفعًا فحاول هاني التدخل فلكمه محمود وهو يصيح:
- بتدافع عن عشيقتك يا بجح أكيد طبعًا بتبسطك علشان كده مهربتش أول ما شوفتني واضح أنك واطي شبهها.
حدقت سهر في وجه محمود تخرسها الصدمة بسبب أتهامه ليعاود صفعها من جديد، وانتشل محمود بعيدًا عن سهر صوت صفية وهي تصرخ فيه بغضب وتحاول أن تبعده عنها:
- أنت اتجننت أبعد عنها.
دفع محمود صفية دون أن يلحظ فقد وصل لقمة غضبه وقبض بيديه على عنق سهر يخنقها، حاول هاني أبعاد يد محمود عن عنق سهر وهو في قمة تعجبه لعدم مقاومة سهر لمحمود أو الدفاع عن نفسها واستسلامها لبطشه بها بتلك الطريقة فحاول مرة أخرى حتى نجح في إنقاذ سهر، فصرخ محمود بها وسبها وصدره يعلو ويهبط من انفعاله الشديد قائلًا:
- هو ده تمن المعروف اللي عملته معاكِ لما سترت عليكِ يا سافلة، هو ده تمن ما حمايتك بدل ما كلاب السكك تنهشك، أنا أتغشيت فيكِ أنا دلوقتي أتأكدت أنك أنتِ اللي غويتي فؤاد ووصلتيه إنه يغتصبك، أنتِ كان مفروض تموتِ مقتولة مش والدك اللي جبتي له العار أنتِ أصلًا العار نفسه، أنتِ طالق يا سهر طالق طالق وتحرمي عليا ليوم الدين، ودلوقتي أطلعي برا بيتي للشارع اللي تستحقيه لأني خسارة أوسخ أيدي بدمك النجس يا فاجرة.
كانت صفية تحدق بابنها الذي فرط لسانه بأقبح كلام لم تتخيل أن يقوله وقد ألجمت اتهاماته لسهر لسانها فجلست على الأرض تبكي بعد دفع محمود لها، ونظرت إلى هاني الذي علم كل شيء اخفته سهر عنه وكان يقف حائل دون شفائها الكامل، وخافت أن تنظر لسهر لإحساسها بأنها خذلتها فهي من أصرت على علاج سهر بالسر دون معرفة محمود ولكنها صدمت أكثر عندما سمعت صوت تصفيق وضحكات سهر التي أسندت نفسها إلى المقعد تسعل لتقول بصوت مخنوق يكافح ليلتقط أنفاسه:
- برافو يا ضحية بجد هايل يا فنان، ياه تخيل أول مرة أحس براحة من آخر مرة زارني فيها فؤاد فالمستشفى وقت ما هددني أني متكلمش واعترف عليه علشان ميقتلش أي حد بخاف عليه زي ماما قصدي الحَجَّة صفية وزيك، رُغم أنك متقلش عنه دلوقتي فخسته بس برافو بجد، عارف أنا فرحانة أنك أخيرًا خلصت من عاري خلصت من الطين اللي أترميت فيه بس ابقى وريني هتنضف أزاي من الوحل بعد ما ريحت ضميرك يا محمود، وعيزاك تقعد كده وتحكي وتتحاكى عن اكتشافك العظيم لخيانة مراتك وأنك ظبطتها مع عشيقها وأزاي موسختش أيديك بدمها وطلقتها ورجعتها للشارع مرة تانية كده ضميرك هيرتاح، أنا بكرهك أوي يا محمود وياريتني فعلًا كنت بخونك، صدق كنت فعلًا أتمنى تدخل تلاقيني بحضنه علشان تعرف أن حتى الغريب بقبل بلمسته عنك، أنا فعلًا دلوقتي بقيت شيفاك على حقيقتك أنت الوش التاني لفؤاد بس على الاقل فؤاد وضح من البداية نيته، إنما أنت فرضت نفسك عليا وكنت عايز تاخد كل حاجة وتتحجج أنك بتحبني، ملعون حبك على معروفك معايا اللي يخليني أفضل طول عمري مذلولة ليك.
حدق محمود بها غير مصدق لما يسمعه منها فكيف لها أن تناطحه بالكلام ولا تدافع عن نفسها أمامه وترجوه السماح، فالتفت بوجهه وحدق بوجه هاني وبدى وكأنه ينتبه له للمرة الأولى وسأله بحدة:
- أنت مين؟
بادله هاني النظر ولكن باحتقار وقال:
- أنا الدكتور اللي بيعالج مدام سهر بتكليف من الدكتور حمدي وطلب من الحَجَّة صفية يا أستاذ.
أطلقت سهر ضحكة أخرى لردة فعل محمود وهو يتراجع إلى الخلف بصدمة ويهمهم:
- أنا أنا مش فاهم.
رفعت صفية نظرها لسهر لتشهق رعبًا من حالها وقد أحمر وجهها واحتقن بالكامل وأثر قبضتي ابنها على رقبتها وقد تبعثر شعرها، ولكن كلمات سهر التي وجهتها لمحمود كانت الطامة الكبرى التي أفقدتها الإحساس بمن حولها وهي ترى صدمة ما فعله ابنها وإحساسه بالذنب لاتهامه سهر بالباطل لتفقد وعيها وترتطم بالأرض.
وبعد مرور أكثر من ثمان ساعات جلستهم سهر أمام غرفة العناية المركزة التي دخلتها صفية بعد إصابتها بجلطة أثر ما فعله محمود، وبجانبها وقف هاني يحاول معرفة فهم ما تشعر به وانتابه القلق لعدم بكاء سهر وجمود ملامحها وصمتها منذ فقدت صفية وعيها حتى الآن، وحاول خلالها محمود أن يتحدث معها ولكنها لم تبد تجاهه أي رد فعل، انتبه هاني لحضور زوجة محمود الثانية والتي ما أن رأت سهر حتى وقفت أمامها وقالت بشماته واضحة:
- هو أنتِ لسه هنا؟
حاول محمود أن يتحدث ولكنه عجز عن الكلام، فلا كلمات ستمحي ما فعله بسهر ولا تداوي سوء ظنه وغباءه وانسياقه خلف أوهام بلا دليل، فنظر إلى هاني ولكن الآخر كانت نظراته له عتاب صريح قاتل فنكس رأسه لينتفض حين سمع هدى تقول له:
- أنت مقتلتش الفاجرة دي لحد دلوقتي ليه وأزاي سيبها قاعدة كده عادي وجنبها عشيقها.
وقفت سهر فجأة وهي تحدق بهدى لتصفعها بقوة وهي تنظر لها باحتقار وقالت بصوت مخنوق:
- العشيق ده تعرفيه أنتِ لما تدخلي بيوت الناس تبصي للرجالة المتجوزة اللي فيه ولما تجيلك الفرصة تعضي الأيد اللي اتمدت لك بالخير، بس هقول أيه أنتِ بالظبط اللي كانت تليق بالاستاذ اللي واقف جنبك ده علشان أنتم الاتنين تفكيرهم قذر وأفعالكم أقذر وأقذر.
لتغادرهم وَسَط صدمة الجميع لتصيح هدى بغضب:
- السافلة الخاينة تضربني أنا وأنت واقف تتفرج عليها.
أوقفها محمود عن إكمال صياحها بصفعها وهو يصيح بها بغضب:
- اخرسي وإياكِ تقولي حرف فحق سهر، سهر دي أشرف منك ومني أنا شخصيا أنا بسببك خسرت مراتي.
تركها محمود وحاول اللحاق بسهر فأسرع خلفها حتى وصل إلى باب المشفى بحث عنها بعينيه يمينًا ويسارًا ولكنه لم يراها، فسأل حارس المشفى وأجابه انه لم ير أحد بمواصفاتها، فعاد إلى الداخل مرة أخرى والخوف والندم يتملكه، فوجد حمدي يغادر من العناية وانتظر محمود ليتقدم منه وقال:
- الحمد لله حالة الحَجَّة صفية استقرت وهنخرجها من العناية بس هي مصممة تشوف مدام سهر هي راحت فين.
جذبه هاني بعيدًا عن محمود وأردف بصوت خافت:
- أنا عايزك فى موضوع مهم يا دكتور حمدي.
قص هاني كل ما حدث لحمدي بصوت خفيض فصوب حمدي نظرات نارية تجاه محمود وهدى وحين أنهى هاني حديثه ابتعد حمدي عنه وسار باتجاه هدى ووقف أمامها وقال:
- أنتِ أزاي تعملي حاجة زي كده وأنا مفهم سميرة على كل حاجة، أزاي موضحتيش لمحمود أن هاني الدكتور اللي بيعالج سهر ووالدته بتكون معاهم وأحيانا أنا كمان بكون موجود، أزاي جالك قلب تظلمي واحدة بريئة بالشكل ده، أزاي تخوضي فعرض ست زيك أزاي هتقفي أدام ربنا يا هدى.
شهقت هدى ونظرت بخوف لمحمود الذي تجمد من هول ما سمعه وكور يداه يمنع نفسه من النيل منها ولكنه أبعد نظره عنها ونظر إلى هاني وقال:
- أي كلمة هقولها علشان تسامحني أنا عارف إنها هتبقى زي قلتها بس أنا حقيقي أسف.
ووجه عيناه لحمدي وقال:
- بنت أختك طالق يا دكتور.
انهارت هدى تصرخ وترجو محمود قائلة:
- لا يا محمود متطلقنيش متسبنيش أنا بحبك أنا ممكن أموت لو بعدت عني، محمود ردني ليك وأنا هعيش خدامة تحت رجليك وتحت رجلين ماما وسهر، بس متسبنيش أنا أنا حامل يا محمود، وحياة ابننا اللي جاي اللي ميرضيش ربنا أنه يعيش محروم من وجودنا سوا.
أغمض محمود عيناه ليقع خبر حمل هدى عليه بألم وقال:
- معدش في بيت علشان تخدمي فيه أمي وخسرتها وسهر ومعرفش راحت فين بعد ما طلقتها، شوفيلك بيت غير بيتي اخدمي فيه وابنك مش هيبقى أول واحد يعيش وأهله مش مع بعض، وكفاية بقى أنا مانع نفسي عنك بالعافية أمشي يا هدى أنا مش عايز أشوف وشك تاني خلاص معدش في حاجة تربطني بيكِ.
صرخت هدى بهستريا:
- مش هسيبك مستحيل أخليك تبعد عني مستحيل أسيبك لسهر أو لأي وحدة غيري أنت ليا أنا وبس.
اقترب حمدي من هدى وأحاطها بيديه محاولًا تهدئتها، وأشار لهاني ليستدعي إحدى الممرضات التي تقدمت منه ليحقن هدى بمهدأ، وحملها لغرفة حتى تهدأ من ثورتها، في حين تقدم هاني من محمود وقال:
- دلوقتي أحنا لازم ندور على مدام سهر غموضها من وقت ما استسلمت ليك وأنت بتضربها مقلق، أنا متابعها لحد ما خرجت وبصراحة رد فعلها مخوفني.
همس محمود بحزن:
- ملحقتهاش ومش عارف راحت فين دي اختفت في لحظة، أنا خسرتها ومش عارف أزاي صدقت اللي سمعته واللي اتقال، أنا فعلًا مغفل علشان صدقت ظنون من غير ما أسأل، أنا السبب عاندت معاها ورفضت علاجها علشان أكسرها وانتقم لرفضها ليا أنا بس عايز اطمن عليها، سهر عمرها ما كانت لوحدها ومش هتعرف تتعامل لوحدها خصوصًا بعد اللي حصل معاها.
----------------
غادرت صفية المشفى وهي لا تتحدث إلى ابنها خاصة بعدما علمت باختفاء سهر وفشل هاني وحمدي ومحمود في الوصول إليها وتحاشت وجوده معها في منزلها وانعزلت بغرفتها تحتضن ثياب سهر وتبكي غيابها، تتساءل إلى أين ذهبت وهي غادرت دون مال ودون هاتف ودون سند وقد خذلها الجميع، وها هي على حالها تبكي لا تعلم كيف مرت بها تلك الأيام السبعة، سمعت صفية رنين جرس الباب فانتظرت أن يقوم ابنها بفتح الباب ولكن الرنين استمر فتحركت وفتحت ووقفت تحدق بالواقف أمامها والذي نظر إليها بارتباك فهمت بغلق الباب بوجه ولكنه قال لها وهو يضع يده يمنعها من غلق الباب:
- أنا جاي استسمحك تخليني أتكلم مع سهر قبل ما أسافر لأني مش ناوي ارجع مصر تاني أرجوكِ.
بكت صفية فاقترب منها آدم وسألها بقلق:
- مالك يا أمي طمنيني.
أجابته صفية بحسرة:
- جاي بعد أيه بعد ما بنتي ضاعت أمشي يا ابني وسيبني بحالي كفاية حرقة قلبي عليها.
-------------------------------------
لم يستطع محمود النوم فأخذ يدور حول نفسه يشعر بأن عقله سيتوقف من كثرة التفكير كيف يعقل لسهر أن تطعنه هكذا في شرفه أيعقل أن تخونه، أيعقل أن تكون بمثل هذه البراعة وتتصنع الخوف معه لتفعل ما يحلو لها من وراء ظهره، أراد محمود أن يسألها ويواجهها فترك غرفته ولكنه توقف أمام غرفتها وتراجع مرة أخرى فقد صرخ به كبريائه يمنعه من سؤالها، ومن مكانه رأها تغادر غرفتها وهي تنظر نحوه بوجه مضطرب فأشاح بوجهه عنها فاقتربت منه وهي تزدرد لعابها وسألته بتردد:
- واقف كده ليه يا محمود لو محتاج أعمل لك حاجة قولي.
حدق بها محمود ولم يجيب عليها فمطت شفتيها وأضافت:
- طيب أنا هعمل شاي تحب تشرب معايا.
زفر محمود أنفاسه وعقله يفكر بما سمعها تقوله وأردف وهو بطريقه نحو الشرفة:
- اعملي لي قهوة أحسن أنامصدع شوية وهاتيها فالبلكونة.
أعدت سهر لمحمود قهوته وجلست بجانبه تنظر للبحر فقالت:
- عارف يا محمود طول عمري كنت بحلم أشوف البحر وأنزله ولما جينا إسكندرية وقعدنا وأدامنا البحر بقيت بردوا مش قادرة حتى ألمسه وبشوفه من بعيد لبعيد.
حين لزم محمود الصمت التفتت نحوه وسألته:
- مبسوط فـ شغلك يا محمود.
أجابها وهو يحدق بالأفق أمامه:
- الحمد لله الشغل كويس مش ناقصني فيه غير وجودك معايا إنما قوليلي أنتِ مش ناوية تيجي تعيشي معايا هناك ولا عجبتك القعدة لوحدك هنا.
تنهدت سهر وهي تفكر بجلساتها العلاجية التي تقدمت فيها كثيرًا وأجابته:
- أكيد هيجي يوم وتلاقيني معاك وأنا يعني هروح فين يعني وبعدين أنا مش لوحدي أنا معايا ماما ربنا يخليها.
نظر لها محمود وحاول قراءة ملامح وجهها وتنهد بقوة وسألها دون وعي منه:
- سهر أنتِ بتحبيني.
أغمضت سهر عيناها تخفي تهربها من نظرات عينيه وأخبرته بصوتٍ متحشرج:
- أحنا بقى بينا عشرة يا محمود ورغم أنك بعد جوازك أتغيرت شوية بس أنت بردو لسه بالنسبة لي محمود اللي أتربيت معاه وكفايه معروفك معايا.
زفر محمود وحدق بوجهها المضطرب وحدث نفسه:
- هربتي بردوا من السؤال ومفروض أفهم من الأجابة أنك مش بتحبيني يا سهر، ودا معناه حاجة واحدة وهي أن اللي بتكلميه ده هو آدم فعلًا بس يا ترى سمحتي له باللي حرمتني منه، يا ترى يا سهر أخد حقي فيكِ سرقه مني زي ما سرق قلبك، آه يارب مش قادر أشوف وشها اللي كله براءة ده واكذب ودني واللي سمعته منها ما لو كان حد اللي قال كنت قتلته إنما أنا اللي سمعتك وأنتِ بتنبهي عليه ميجيش علشان أنا جيت، هتجنن يا سهر أزاي قدرتي تعمليها معقول أنا انخدعت فيكِ معقول أنتِ سهر ولا أنا مكنتش عارفك من الأول.
انتبه محمود على يد سهر تربت كتفه وتقول:
- روحت مني لفين.
أجابها محمود وهو يقف مبعدًا يدها عنه:
- روحت لحد هدى أصلها وحشتني عن أذنك أنا داخل أنام.
تركها محمود بمفردها فحدقت بأثره حتى ولج غرفته واغلق بابه خلفه فزفرت بحزن وأردفت:
- سامحني أني مش قادرة أديلك قلبي، غصب عني أنا قلبي أخده مني آدم ومعرفتش ارجعه، بس أنا اتعودت أبقى معاك وكان صعب عليا أفضل شيفاك محروم من أبسط حق ليك، يمكن أكون أسأت لما أخترت هدى ليك بس خلاص هي بقت نصيبك، أنا بدعيلك كل يوم إن ربنا يرزقك منها بالذرية الصالحة وتفرح على الأقل واحد فينا يا محمود يبقى عاش.
مضى اليوم التالي ومحمود حبيس غرفته ليفاجئهم بخروجه قائلًا:
- أنا مضطر أرجع القاهرة هدى تعبانة هروح اطمن عليها أشوفكم بخير.
وأقترب محمود محتضنا والدته يودعها ونظر إلى سهر بغموض وغادر دون أن يلمسها، وطوال طريقه للقاهرة أخذ عقله يفكر ليحزم أمره بعودته مرة أخرى ليواجه سهر ويسترد كرامته التي أهدرتها، وحين وصل إلى شقته وولج إلى غرفته وجد هدى تستند إلى فراشها وكأنها كانت على علم بشأن عودته واعتدلت ونظرت نحوه برغبة صريحة وأشارت له بأصبعها، فأهمل تلميحها له فحدقت به وتحركت ووقفت أمامه وساعدته على تبديل ثيابه ولمسته بجرأة وهمست في أذنه وهي تلفحه بأنفاسها:
- أول مرة تطنشني كده إيه موحشتكش ولا خلاص نسيت هدى حبيبة قلبك، تفتكر في حد غيري قدر يرضيك علشان كده مبقتش عايز هدى.
أجابها محمود بضيق وهو يبتعد عنها:
- هدى أنا مش فايق لأي كلام دلوقتي ولو سمحتي سيبيني لوحدي أنا مش طايق نفسي.
احتضنته هدى وقالت وهي تقبل رقبته:
- هي زعلتك أنا مش عارفة أزاي اتجوزتها وهي عاملة زي التمثال البارد.
حاول محمود أن يبتعد عنها ولكنها تعلم نقاط ضعفه جيدًا فاستحوذت على شفتاه مقبله إياها لتثير رغبته بها، فبدأ يستجيب لها ليغمض عينيه وهو يفكر بسهر واستسلم مطلقًا سراح أحتياجه فحملها إلى فراشه هاربًا لأحضانها.
استيقظ محمود فجرًا يشعر بثقل يجثم فوق صدره فوجد رأس هدى تستريح فوق صدره وذراعها يحتضنه، فأبعد ذراعها عنه بهدوء فهمست قائلة:
- رايح فين يا محمود.
أجابها محمود بهدوء:
- هقوم أاعمل فنجان قهوة.
اعتدلت هدى وقالت:
- مالك يا محمود أنت مكنتش معايا أصلًا أول مرة أحسك بعيد عني وأنت نايم معايا.
سحب محمود نفسًا وحاول نسيان ما يفكر به وقال:
- مافيش أنا بس تعبان شوية نامي أنتِ يا هدى.
نظرت له هدى بتمعن ثم ابتسمت بخبث وقالت بصوت حاولت إظهار ارتباكه:
- محمود هو أنت عرفت.
التفت إليها محمود بحدة وقال:
- عرفت أيه تقصدي إيه يا هدى أنتِ عارفة حاجة ومخبيه عليا أتكلمِي.
ابتعدت عنه هدى وقالت:
- لا معرفش حاجة أنا أصل ماما لا أنا مش هقدر أقول حاجة.
جذبها محمود من ذراعها بقوة لتواجهه وقال بحدة:
- انطقي تعرفي إيه وسيباني مغفل أتكلمِي بدل ما أقتلك أنتِ كمان.
شعرت هدى بالبهجة لصحة ظنها فقالت وهي تدعي الخوف منه:
- أنا مش قصدي أسيبك على عماك بس ماما حلفتني متكلمش.
صاح محمود بها بغضب وقال:
- هدى متختبريش صبري أنا العفاريت بتتنطط أدامي مش ناقص انطقي مخبية إيه عني أنتِ ووالدتك.
ابتعدت هدى عنه ووقفت وهي تنظر له وقالت:
- أنا ميرضنيش أسيبك معمي أكتر من كده ولا هرضى أن سهر تمرمغ شرفك في الأرض.
صرخ بها محمود باستهجان وقال:
- أنتِ تقصدي أيه.
نظرت له هدى بشماته وغيظ وقالت:
- أقصد أن الست اللي سايبها مع والدتك فاتحة البيت لراجل غريب بيروح لها كل يوم المغرب يقعد له ساعتين تلاتة وينزل، ماما شافته كذا مرة داخل الشقة عندك ووالدتك مش هناك.
جلس محمود يحاول تكذيب هدى ليواجه نفسه بما سمعه فشعر بالدماء تضرب عقله بقوة فوقف مرة أخرى وخرج من غرفته واتجه إلى المرحاض حاول أن يغسل غضبه قليلًا لكن المياه لم تستطع إطفاء بركان ثورته على سهر فدخل مرة أخرى ليرتدي ملابسه، فسألته هدى تدعي البراءة:
- أنت رايح فين دلوقتي؟
لم يجيبها محمود وغادر يسيطر عليه غضب أعمى أن يقتلها ليغسل عنه عار خيانة سهر له، وعاد إلى الإسكندرية وصل أسفل منزله كاد يصعد ليفتك بها ولكنه توقف وعاد أدراجه وجلس في ذاك الكافية القريب من منزله يراقب مدخل العمارة منتظرًا ظهور غريمه، وفي الشقة بالأعلى نادت سهر على صفية وقالت:
- يا ماما هنزل أجيب نسكافية قبل ميعاد دكتور هاني هو خلاص على وصول.
أجابتها صفية وهي تنظر لها بابتسامة:
- لا خليكِ أنا جبت امبارح يا قلبي بلاش تنزلي أنتِ ولا خلاص بقينا مش بنخاف وعايزين ننزل كل شوية.
ضحكت سهر بسعادة وقالت:
- أنا مش مصدقة أصلًا أني قدرت ونزلت أمبارح ياه يا ماما ربنا ميحرمنيش منك ويارب دايمًا تفضلي تكملي الحاجة الناقصة و.
قطع على سهر إكمال جملتها صوت رنين الهاتف فأجابت سهر ونادت على صفية وقالت:
- ماما دي طنط سميرة عايزاكي.
تحدثت صفية مع سميرة وأغلقت الهاتف وقالت لسهر:
- هطلع أشوفها مالها بتقول تعبانة أنا مش هغيب لو دكتور هاني جه وأنا فوق قعديه فالصالة ورني عليا وأنا هنزل على طول.
جلست سهر بقرب النافذة تراقب البحر وتبتسم وهي تتذكر سعادتها بالأمس وهي تجري وتلعب مع الأمواج وسط ضحكات صفية التي شجعتها على الخروج بعدما سافر محمود، أفاقت من شرودها على رنين هاتفها فأجابت وهي تضحك:
- أيوة يا ماما.
سمعت سهر صوت تنهد الطرف الثاني يقول:
- كل مرة متعرفيش صوتي أنا آدم يا سهر اللي بتصل بيكِ علشان وحشني صوتك يا فتنة.
همست سهر باضطراب:
- آدم.
أجابها آدم بتنهيدة حارقة:
- أيوة آدم اللي لعبتي بيه.
أجابته سهر بحدة وقد فاض بها الكيل:
- بقولك أيه يا آدم بلاش تمثل عليا وعلى نفسك أكتر من كده وتعيش دور الضحية، وبدل ما تتريق عليا وتعايرني روح بص لنفسك الأول، أنا لو كنت اتجوزت محمود ف ده لأسباب وظروف مريت بيها، إنما أنت أيه حجتك لما كذبت عليا وهربت وروحت اتجوزت هايدي وخلفت منها بعد ما وهمتني أنك هتغير دينك، يا آدم لو في حد فينا جرح التاني فيبقى أنت، أنت اللي جرحتني وخدعتني وأنا عمري ما هنسى وجعي وأنا مستنياك تيجي زي ما قولت، أنا فضلت مستنية شهر بحاله تيجي تنفذ وعدك ليا وأنت اتاريك عايش مع مراتك، بص يا آدم كفاية أني سبتك تجرح فيا براحتك المرة اللي فاتت إنما خلاص دلوقتي مش هسمح لك تقول حرف فيه إهانة ليا تاني، ومن الأخر كده الرقم ده تمسحه ومتتصلش عليه تاني فاهم ولا أقولك أنا هرميه زي ما رميت حبك من قلبي وخرجتك برا حياتي كلها.
أغلقت سهر الهاتف تحاول تمالك أعصابه وأفعالها، فقلبها يؤلمها لشعورها بآلام آدم فقذفت هاتفها بالحائط وهي تبكي بتساؤل لما هو مصر على اتهامها بخداعه، وهي التي قضت لياليها تبكي والدها الذي قتل وتبكيه الآن في حين لم يف بعهده معها، هزت سهر رأسها وصرخت بألم:
- ليه تخليني أوجعك بالشكل ده حرام عليك يا آدم حرام عليك بجد.
حدق آدم بهاتفه بعدما أغلقت سهر في وجهه الاتصال وهو يشعر بالتيه فهو لم يعد يفهم شيء وتساءل من خدعها وأخبرها أكاذيب عنه هكذا؟ من أوهمها بزواجه من هايدي؟ أحس آدم أن عليه مواجه سهر بما قالته ليثبت لها أنه وفى بوعده وأنه بحث عنها كثيرا ليثبت لها أنها هي من خانت اتفاقهما معًا وتزوجت بمحمود.
سمعت سهر رنين الباب فمسحت دموعها عنها وفتحته وهي تحاول رسم ابتسامة على وجهها واستقبلت هاني بترحاب وتذكرت تنبيه صفية فبحثت عن هاتفها فوقعت عيناها عليه مكسورًا على الأرض فلعنت غضبها الذي لم تتحكم فيه، ولاحظ هاني حالة اضطراب سهر فسألها:
- مالك يا سهر إيه مضيقك واضح عليكِ جدًا الانفعال أحنا قولنا أيه نتحكم فأي انفعال، شكلك هتتعبيني معاكِ وأحنا مش عايزين نطول ففترة العلاج خصوصًا إن ماشاء الله عليكِ بتتقدمي بسرعة ولا أنتِ معرفتيش تتغلبي على خوفك ومقدرتيش تخرجي.
جلست سهر بعيدًا عنه وقالت:
- بالعكس يا دكتور أنا خرجت امبارح لأول مرة ومكنتش حاسة بخوف كنت فرحانة وعايزه أطير حسيت أني كنت أسيرة واْتفك أسري، أنا بشكر حضرتك على تعبك معايا الفترة اللي فاتت بس يعنى حصلت حاجة كده مقدرتش فعلا أمسك نفسي واتعصبت جامد ودلوقتي حاسه بالندم مكنتش حابة أتصرف أو أقول الكلام اللي قولته.
نظر هاني لها وقال محاولا جعلها توضح أكثر:
- أكيد كان حاجة قوية خرجتك عن وعيك بس أنفعالك فحد ذاته تقدم أنك تعبري عن اللي جواكي ومتضعفيش خطوة مهمة جدًا.
نظرت سهر له وقالت:
- تفتكر يا دكتور أني هرجع طبيعية تاني وأقدر أتعامل مع الناس عادي.
نظر هاني إليها وفكر أنه الوقت المناسب ليجعلها تبوح له بسرها الذي سبب لها مرضها النفسي فقال يحاول حثها على التحدث بحرية:
- بس أحنا كل ده نعتبر معملناش أي حاجة لأن السبب الأساسي للي أنتِ فيه مش عايزة تتكلمي عنه وأنا بالشكل ده هبقى عاجز لأني مش عارف أساعدك تتخطيه علشان تبدئي حياتك مش ناوية تحكي لي على اللي مخبياه.
وقفت سهر وقالت وهي تهرب بعينيها عنه:
- أنا هعمل لحضرتك النسكافية على ما ماما تنزل عن إذنك.
دخلت سهر تعد النسكافية وخرجت وهي تحمل مج النسكافية تقدمه لهاني ليندفع محمود فجأة إلى داخل الشقة فرأى سهر تقف وظهرها باتجاهه وأمامها جلس رجل لم ير وجهه، فالتفتت سهر إلى الخلف وما أن وقع بصرها على محمود حتى سقط من يدها النسكافية فوق هاني وهي ترفع يدها لوجهها بخوف واضطراب ظاهر عليها بوضوح، وشعرت سهر بقلبها يهوى منها رعبًا بسبب نظرات محمود التي خافت أن تقرأها، فابتعدت عن هاني وهي تهمس وشعور بالذنب يحتلها:
- محمود.
سمعت صوت محمود الغاضب الذي تحجرت عيناه وأظلمت بسبب غضبه يقول:
- أيوة محمود المغفل اللي ما صدقتي أسافر علشان تستقبلي فيه عشيقك من ورايا وفبيتي.
وقف هاني يشعر بالحرج وقال محاولا توضيح خطأ ظنه:
- حضرتك مش فاهم حاجة الموضوع أني.
أشار إليه محمود ليصمت وهدر بصوت عال:
- أنت تخرس خالص لأن لو سمعت صوتك هرميك من البلكونة أنت فاهم.
ألقى محمود قوله واقترب من سهر التي ارتعدت خوفًا وعيناه تحدق بها بغضب وقال:
- عايز أعرف أنتِ بتستغفليني من أمته وبتقابليه من ورا ظهري انطقي.
ازدردت سهر لعابها وقالت:
- أنت فاهم غلط أساسًا.
صرخ بها محمود وقال:
- أنا عايز إجابة واضحة بتتقابلوا من أمته.
لم يمهلها محمود الفرصة لتجيبه وأنهال على وجنتيها صفعًا فحاول هاني التدخل فلكمه محمود وهو يصيح:
- بتدافع عن عشيقتك يا بجح أكيد طبعًا بتبسطك علشان كده مهربتش أول ما شوفتني واضح أنك واطي شبهها.
حدقت سهر في وجه محمود تخرسها الصدمة بسبب أتهامه ليعاود صفعها من جديد، وانتشل محمود بعيدًا عن سهر صوت صفية وهي تصرخ فيه بغضب وتحاول أن تبعده عنها:
- أنت اتجننت أبعد عنها.
دفع محمود صفية دون أن يلحظ فقد وصل لقمة غضبه وقبض بيديه على عنق سهر يخنقها، حاول هاني أبعاد يد محمود عن عنق سهر وهو في قمة تعجبه لعدم مقاومة سهر لمحمود أو الدفاع عن نفسها واستسلامها لبطشه بها بتلك الطريقة فحاول مرة أخرى حتى نجح في إنقاذ سهر، فصرخ محمود بها وسبها وصدره يعلو ويهبط من انفعاله الشديد قائلًا:
- هو ده تمن المعروف اللي عملته معاكِ لما سترت عليكِ يا سافلة، هو ده تمن ما حمايتك بدل ما كلاب السكك تنهشك، أنا أتغشيت فيكِ أنا دلوقتي أتأكدت أنك أنتِ اللي غويتي فؤاد ووصلتيه إنه يغتصبك، أنتِ كان مفروض تموتِ مقتولة مش والدك اللي جبتي له العار أنتِ أصلًا العار نفسه، أنتِ طالق يا سهر طالق طالق وتحرمي عليا ليوم الدين، ودلوقتي أطلعي برا بيتي للشارع اللي تستحقيه لأني خسارة أوسخ أيدي بدمك النجس يا فاجرة.
كانت صفية تحدق بابنها الذي فرط لسانه بأقبح كلام لم تتخيل أن يقوله وقد ألجمت اتهاماته لسهر لسانها فجلست على الأرض تبكي بعد دفع محمود لها، ونظرت إلى هاني الذي علم كل شيء اخفته سهر عنه وكان يقف حائل دون شفائها الكامل، وخافت أن تنظر لسهر لإحساسها بأنها خذلتها فهي من أصرت على علاج سهر بالسر دون معرفة محمود ولكنها صدمت أكثر عندما سمعت صوت تصفيق وضحكات سهر التي أسندت نفسها إلى المقعد تسعل لتقول بصوت مخنوق يكافح ليلتقط أنفاسه:
- برافو يا ضحية بجد هايل يا فنان، ياه تخيل أول مرة أحس براحة من آخر مرة زارني فيها فؤاد فالمستشفى وقت ما هددني أني متكلمش واعترف عليه علشان ميقتلش أي حد بخاف عليه زي ماما قصدي الحَجَّة صفية وزيك، رُغم أنك متقلش عنه دلوقتي فخسته بس برافو بجد، عارف أنا فرحانة أنك أخيرًا خلصت من عاري خلصت من الطين اللي أترميت فيه بس ابقى وريني هتنضف أزاي من الوحل بعد ما ريحت ضميرك يا محمود، وعيزاك تقعد كده وتحكي وتتحاكى عن اكتشافك العظيم لخيانة مراتك وأنك ظبطتها مع عشيقها وأزاي موسختش أيديك بدمها وطلقتها ورجعتها للشارع مرة تانية كده ضميرك هيرتاح، أنا بكرهك أوي يا محمود وياريتني فعلًا كنت بخونك، صدق كنت فعلًا أتمنى تدخل تلاقيني بحضنه علشان تعرف أن حتى الغريب بقبل بلمسته عنك، أنا فعلًا دلوقتي بقيت شيفاك على حقيقتك أنت الوش التاني لفؤاد بس على الاقل فؤاد وضح من البداية نيته، إنما أنت فرضت نفسك عليا وكنت عايز تاخد كل حاجة وتتحجج أنك بتحبني، ملعون حبك على معروفك معايا اللي يخليني أفضل طول عمري مذلولة ليك.
حدق محمود بها غير مصدق لما يسمعه منها فكيف لها أن تناطحه بالكلام ولا تدافع عن نفسها أمامه وترجوه السماح، فالتفت بوجهه وحدق بوجه هاني وبدى وكأنه ينتبه له للمرة الأولى وسأله بحدة:
- أنت مين؟
بادله هاني النظر ولكن باحتقار وقال:
- أنا الدكتور اللي بيعالج مدام سهر بتكليف من الدكتور حمدي وطلب من الحَجَّة صفية يا أستاذ.
أطلقت سهر ضحكة أخرى لردة فعل محمود وهو يتراجع إلى الخلف بصدمة ويهمهم:
- أنا أنا مش فاهم.
رفعت صفية نظرها لسهر لتشهق رعبًا من حالها وقد أحمر وجهها واحتقن بالكامل وأثر قبضتي ابنها على رقبتها وقد تبعثر شعرها، ولكن كلمات سهر التي وجهتها لمحمود كانت الطامة الكبرى التي أفقدتها الإحساس بمن حولها وهي ترى صدمة ما فعله ابنها وإحساسه بالذنب لاتهامه سهر بالباطل لتفقد وعيها وترتطم بالأرض.
وبعد مرور أكثر من ثمان ساعات جلستهم سهر أمام غرفة العناية المركزة التي دخلتها صفية بعد إصابتها بجلطة أثر ما فعله محمود، وبجانبها وقف هاني يحاول معرفة فهم ما تشعر به وانتابه القلق لعدم بكاء سهر وجمود ملامحها وصمتها منذ فقدت صفية وعيها حتى الآن، وحاول خلالها محمود أن يتحدث معها ولكنها لم تبد تجاهه أي رد فعل، انتبه هاني لحضور زوجة محمود الثانية والتي ما أن رأت سهر حتى وقفت أمامها وقالت بشماته واضحة:
- هو أنتِ لسه هنا؟
حاول محمود أن يتحدث ولكنه عجز عن الكلام، فلا كلمات ستمحي ما فعله بسهر ولا تداوي سوء ظنه وغباءه وانسياقه خلف أوهام بلا دليل، فنظر إلى هاني ولكن الآخر كانت نظراته له عتاب صريح قاتل فنكس رأسه لينتفض حين سمع هدى تقول له:
- أنت مقتلتش الفاجرة دي لحد دلوقتي ليه وأزاي سيبها قاعدة كده عادي وجنبها عشيقها.
وقفت سهر فجأة وهي تحدق بهدى لتصفعها بقوة وهي تنظر لها باحتقار وقالت بصوت مخنوق:
- العشيق ده تعرفيه أنتِ لما تدخلي بيوت الناس تبصي للرجالة المتجوزة اللي فيه ولما تجيلك الفرصة تعضي الأيد اللي اتمدت لك بالخير، بس هقول أيه أنتِ بالظبط اللي كانت تليق بالاستاذ اللي واقف جنبك ده علشان أنتم الاتنين تفكيرهم قذر وأفعالكم أقذر وأقذر.
لتغادرهم وَسَط صدمة الجميع لتصيح هدى بغضب:
- السافلة الخاينة تضربني أنا وأنت واقف تتفرج عليها.
أوقفها محمود عن إكمال صياحها بصفعها وهو يصيح بها بغضب:
- اخرسي وإياكِ تقولي حرف فحق سهر، سهر دي أشرف منك ومني أنا شخصيا أنا بسببك خسرت مراتي.
تركها محمود وحاول اللحاق بسهر فأسرع خلفها حتى وصل إلى باب المشفى بحث عنها بعينيه يمينًا ويسارًا ولكنه لم يراها، فسأل حارس المشفى وأجابه انه لم ير أحد بمواصفاتها، فعاد إلى الداخل مرة أخرى والخوف والندم يتملكه، فوجد حمدي يغادر من العناية وانتظر محمود ليتقدم منه وقال:
- الحمد لله حالة الحَجَّة صفية استقرت وهنخرجها من العناية بس هي مصممة تشوف مدام سهر هي راحت فين.
جذبه هاني بعيدًا عن محمود وأردف بصوت خافت:
- أنا عايزك فى موضوع مهم يا دكتور حمدي.
قص هاني كل ما حدث لحمدي بصوت خفيض فصوب حمدي نظرات نارية تجاه محمود وهدى وحين أنهى هاني حديثه ابتعد حمدي عنه وسار باتجاه هدى ووقف أمامها وقال:
- أنتِ أزاي تعملي حاجة زي كده وأنا مفهم سميرة على كل حاجة، أزاي موضحتيش لمحمود أن هاني الدكتور اللي بيعالج سهر ووالدته بتكون معاهم وأحيانا أنا كمان بكون موجود، أزاي جالك قلب تظلمي واحدة بريئة بالشكل ده، أزاي تخوضي فعرض ست زيك أزاي هتقفي أدام ربنا يا هدى.
شهقت هدى ونظرت بخوف لمحمود الذي تجمد من هول ما سمعه وكور يداه يمنع نفسه من النيل منها ولكنه أبعد نظره عنها ونظر إلى هاني وقال:
- أي كلمة هقولها علشان تسامحني أنا عارف إنها هتبقى زي قلتها بس أنا حقيقي أسف.
ووجه عيناه لحمدي وقال:
- بنت أختك طالق يا دكتور.
انهارت هدى تصرخ وترجو محمود قائلة:
- لا يا محمود متطلقنيش متسبنيش أنا بحبك أنا ممكن أموت لو بعدت عني، محمود ردني ليك وأنا هعيش خدامة تحت رجليك وتحت رجلين ماما وسهر، بس متسبنيش أنا أنا حامل يا محمود، وحياة ابننا اللي جاي اللي ميرضيش ربنا أنه يعيش محروم من وجودنا سوا.
أغمض محمود عيناه ليقع خبر حمل هدى عليه بألم وقال:
- معدش في بيت علشان تخدمي فيه أمي وخسرتها وسهر ومعرفش راحت فين بعد ما طلقتها، شوفيلك بيت غير بيتي اخدمي فيه وابنك مش هيبقى أول واحد يعيش وأهله مش مع بعض، وكفاية بقى أنا مانع نفسي عنك بالعافية أمشي يا هدى أنا مش عايز أشوف وشك تاني خلاص معدش في حاجة تربطني بيكِ.
صرخت هدى بهستريا:
- مش هسيبك مستحيل أخليك تبعد عني مستحيل أسيبك لسهر أو لأي وحدة غيري أنت ليا أنا وبس.
اقترب حمدي من هدى وأحاطها بيديه محاولًا تهدئتها، وأشار لهاني ليستدعي إحدى الممرضات التي تقدمت منه ليحقن هدى بمهدأ، وحملها لغرفة حتى تهدأ من ثورتها، في حين تقدم هاني من محمود وقال:
- دلوقتي أحنا لازم ندور على مدام سهر غموضها من وقت ما استسلمت ليك وأنت بتضربها مقلق، أنا متابعها لحد ما خرجت وبصراحة رد فعلها مخوفني.
همس محمود بحزن:
- ملحقتهاش ومش عارف راحت فين دي اختفت في لحظة، أنا خسرتها ومش عارف أزاي صدقت اللي سمعته واللي اتقال، أنا فعلًا مغفل علشان صدقت ظنون من غير ما أسأل، أنا السبب عاندت معاها ورفضت علاجها علشان أكسرها وانتقم لرفضها ليا أنا بس عايز اطمن عليها، سهر عمرها ما كانت لوحدها ومش هتعرف تتعامل لوحدها خصوصًا بعد اللي حصل معاها.
----------------
غادرت صفية المشفى وهي لا تتحدث إلى ابنها خاصة بعدما علمت باختفاء سهر وفشل هاني وحمدي ومحمود في الوصول إليها وتحاشت وجوده معها في منزلها وانعزلت بغرفتها تحتضن ثياب سهر وتبكي غيابها، تتساءل إلى أين ذهبت وهي غادرت دون مال ودون هاتف ودون سند وقد خذلها الجميع، وها هي على حالها تبكي لا تعلم كيف مرت بها تلك الأيام السبعة، سمعت صفية رنين جرس الباب فانتظرت أن يقوم ابنها بفتح الباب ولكن الرنين استمر فتحركت وفتحت ووقفت تحدق بالواقف أمامها والذي نظر إليها بارتباك فهمت بغلق الباب بوجه ولكنه قال لها وهو يضع يده يمنعها من غلق الباب:
- أنا جاي استسمحك تخليني أتكلم مع سهر قبل ما أسافر لأني مش ناوي ارجع مصر تاني أرجوكِ.
بكت صفية فاقترب منها آدم وسألها بقلق:
- مالك يا أمي طمنيني.
أجابته صفية بحسرة:
- جاي بعد أيه بعد ما بنتي ضاعت أمشي يا ابني وسيبني بحالي كفاية حرقة قلبي عليها.
