رواية اصداء القلوب الفصل الثالث عشر 13 بقلم سهي الشريف
13 | لا شِفاء لهذا النَدبّ
- رمضانكم مُبارك
و كل عام و أنتم بخير .
+
#رواية_أصداء_القلوب
#الفصل_الثالث_عشر
#سهى_الشريف
+
- قـراءة مُـمتعـة ෆ
1
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
ظل "حسام" ثابتًا في مكانه، عيناه مشدودتان إلى" ليلى" التي كانت نظراتها مليئة بالصدمة والألم ، قلبه بدأ ينبض بسرعة وشعر أنه دخل في موقف يصعب الخروج منه فحاول بسرعة جمع أفكاره المبعثرة، لكن صوت والدته قطَع لحظة الجمود:
+
- في إيه يا حسام؟ إنت تعرف ليلى ؟
+
و " حسام " لم يتدارك الموقف بعد، لكن قرر التعامل بهدوء، وقال بصوت هادئ لكن حازم:
+
- آه، أعرفها... و لو تسمحيلي محتاج أتكلم معاها لوحدنا.
+
شدّت "ليلى" قبضتها أكثر، نظرت إلى "هَـنا" بنظرة مترددة، لكنها كانت في حالة اضطراب،فأقتربت منها الأخيرة و تسائلت بقلق:
+
- في حاجة يا ليلى ؟؟ إنتِ كويسة مش كده ؟
+
نظرت "ليلى" لحسام، وفي عينيها كانت أسئلة وألم لا ينتهيان، لكن في النهاية أومأت ببطء و همست لها :
+
- معلش عاوزة أتكلم معاه لوحدنا .
+
هتف "حسام "بهدوء وهو ينظر إلى والدته :
+
- هندخل أوضة هنا يا ماما.
+
ورغم ارتباك " هَـنا" لم تعترض والدته، فاكتفت بالإيماء تاركةً لهما المجال للحديث.
+
دلف "حسام" أولًا إلى غرفة " هَـنا" ، و وقف بعيدًا عن الباب، غير متأكد مما ينبغي عليه قوله، لكنه قرر السيطرة على الموقف ، و بعد لحظات تبعته "ليلى" ثم أغلقت الباب خلفها .
+
اقتربتا " هَـنا " و والدتها من الباب في قلق ، لتهمس " هَـنا " بقلق :
+
- لا يكون حسام ضحك على ليلى و كانت بنت من إلي بيلف حواليهم !!
3
زمت والدتها شفتاها بضيق و همست :
+
- آه لو إلي في بالي صح يا حسام يا ابني!!
+
أما في الداخل ، قالت "ليلى " بصوت مهتز لكنه حاد :
+
- إنت كنت بتضحك عليا صح ؟!
+
أخذ "حسام" نفسًا عميقًا، وكأنه كان يتوقع هذا السؤال، ثم رد ببرود عملي:
+
- أنا مضحكتش عليكِ في أي حاجة، عملت شغلانة وخلاص.
+
أجابت "ليلى " بحنق ودموع تحرق عينيها :
+
- شغلانة؟ حياة الناس بالنسبالك شغلانة؟!
+
حرّك "حسام" كتفيه بلا مبالاة، لكنه كان مدركًا أنها لن تفهم طريقته في التفكير بسهولة، فقال بهدوء:
+
- أيوه شغلانة ، قالولي خد الفلوس واعمل كذا، وعملت ، مكنتش عارف عنك حاجة وقتها، ولا كنت متخيل إني هشوفك تاني .
+
أومأت " ليلى " رأسها بذهول و قالت بثبات لا تعلم من أين أتت به :
+
- و شوفتني... ومش بس كده، جيت وقلتلي أكذب على مديري ، وبعدين ترميلي المعلومة عن أمي وكأنها حاجة ملهاش تمن.
+
صمت "حسام" للحظة، غير قادر على الرد بسرعة و لقد وجد نفسه في موقف متناقض، فمن ناحية هو شخص يعمل لمصلحته فقط ومن ناحية أخرى قدّم لها معلومة كانت فارقة لها .
+
أجاب "حسام "ببرود لكن بثبات فاتر :
+
- معلومة زي دي كان ممكن متوصليش ليها لوحدك.. بعدين أنا معنديش مبرر أذيكِ فيه ، أنا جاوبتك عشان حسيت المعلومة هتفيدك
+
أطلقت "ليلى "ضحكة قصيرة لكن مليئة بالمرارة و تذكرت إجابته لسؤالها عن والدتها :
+
- آه طبعًا! حضرتك اللي هتحدد أنا أستحق إيه وماستحقش إيه ؟؟
+
قالتها "ليلى" و أنفاسها متلاحقة، والمشاعر المتضاربة داخلها كانت تخنقها أكثر من الكلمات التي نطق به وكان هناك جزء منها يرغب في أن يصرخ فيه، ليقول له إنها مدمرة وأنه شخص بارد بلا ضمير .
+
راقب " حسام " تعبيراتها لعدة ثوانٍ قبل أن يتكلم، نبرته أصبحت أخف قليلاً، لكن لا تزال تحمل جدية واضحة:
+
- بصي... أنا قلتلك اللي عندي ليكي الاختيار تقعدي أو تمشي، بس الأصول إنك هنا دلوقتي، ومش بعد اللي حصلك تمشي تاني .
1
رفعت "ليلى" عينيها تجاهه، كانت مستعدة لسماع كلامه الجاف، لكن آخر جملة استوقفتها، أ متناقض هو ؟
+
هتفت قائلة :
+
- إنت متعرفش حاجه عن حياتي ..!
+
طالعها " حسام " بنظرات ثابته و هتف ببساطة :
+
- مش محتاجه تقولي عشان أعرف ، كلامك في المستشفى و عياطك و عيونك بيقولوا كتير .
+
صمتت " ليلى " عاجزة عن الرد و تجمدت الدموع في عيناها ،أما هو حرك عينيه بعيدًا عنها، كأنه غير مرتاح لكونه مضطرًا لشرح أكثر ثم قال :
+
- أنا همشي ، اعتبري البيت بيتك، متقلقيش، مش هكون هنا عشان مضايقكيش.
+
تفاجأت "ليلى" برد فعله، ليس لأنها كانت تتوقع الأسوأ، لكن تصرفاته المُتناقضة أو الغير مفهومة لها أرسلت إشارات رمادية عنه .
1
بينما هو تحرك و خرج، تاركًا إياها واقفة وسط دوامة أفكارها، خرج فوجد والدته و شقيقته بجانب الباب ، فزعوا فور رؤيته و بادلهم نظرات باردة ثم اتجه لباب الشقة و خرج منها دون النبس بكلمة واحدة وسط ذهول كلتيّهِما .
+
لحقت " سناء " - والدة هَـنا- خلف ابنها لتستفهم منه، بينما سارعت " هَـنا " لداخل و أغلقت الباب ووقفت أمام " ليلى " الجامدة ، و خذت بكتفها ليجلسا سويًا على الفراش فرأت دموع مُتحجرة في عيناها.
+
لم تترد قط وضمت جسد " ليلى " لها بهدوء و لفت ذراعيها حول جسدها جيدًا و أسندت رأسها بخاصتها في لافته أحتوت كل معاني الرفق .
+
دلفت " سناء " عليهم لتجدهُم في هذه الحالة لتُشير لها " هَـنا " بترك المساحه لها الآن ، فتفهمت والدتها و خرجت مُجددًا .
+
تسائلت " هَـنا " بهدوء ملفوف بقلق :
+
- قوليلي إن حسام مأذيكيش !
+
خرجت " ليلى " من بين ذراعيها و ألتفت لها و أجابت :
+
- مأذنيش أذى جسدي ، بالعكس، دا أدالي طوق النجاة إلي طول عمري بستناه..
+
قطبت " هَـنا " حاجبيها بعدم فهم و تسائلت :
+
- قالك ايه بالظبط ؟ ليه وشك أتخطف لما شفتيه ؟!
+
كانت " ليلى " تحاول الصمود في الحديث ،جاهدة لمنع روحها من الإنهيار مُجددًا لتستطرد :
+
- قالي إن أمي عايشة .. قالي إن الشخص الوحيد إلي أتحرمت منه و أنا عندي عشر سنين عايش ! قالي إن الشخص إلي ساب روحي تتسحب مني كل يوم عايش لسه !
+
توقفت " ليلى " لبُرهة تُجاهد غصتها ثم تابعت :
+
- رمالي الكلمة دي عشان يهددني بيها عشان أعمل حاجه كان عاوز من وراها فلوس !!
+
كانت " هَـنا " تُشد من ضم كفاي " ليلى " داخل خاصتها ، مشوشة الأفكار رغم أنها أنصتت لكُل ما قالت ، و لن تُنكر أن بداخلها أسئلة عديدة حول ماضيها، و لكن كان جُل همها كيف دُفع بشقيقها في هذا الطريق؟
+
- طيب أهدي يا حبيبتي ، حسام مش بيتحرك ولا بيتنفس نفس من غير ما يرجع لكريمة .
+
قطبت " ليلى " حاجباها و تسائلت بصوت مُتحشرج:
+
- كريمة مين ؟
6
أطالت " هَـنا " صمتها ثم قالت بإصرار :
+
- كريمة أختي ، ماهي مبتفتكرناش غير في المصايب .
+
زاد تعقيد حاجبي " ليلى " لا تفهم ما علاقة شقيقتها و "حسام" بموضوع والدتها ، فتسائلت:
+
- طيب و هي أختك أنا معرفهاش يعني مصلحتها في إيه تعمل كده ؟
+
كانت " هَـنا " شاردة أمامها قليلًا، عقلها يعصف بالكثير و الكثير و لكنها قررت عقد عهدة سلام مع تلك الأفكار و استخراج أغمضهم حين ألتفت لليلى و قالت بنبرة ذات مغزى :
+
- بس ممكن هي إلي تعرفك ...
+
أنخفضت أنفاس " ليلى " و دب الإرتباك جوفها المضطرب ، ثم أردفت " هَـنا " بتنهيدة ثقيلة وهي تضع يدها على جبينها :
+
- كريمة ما تعرفش يعني إيه عيلة... ما تعرفش يعني إيه تحافظ على حد غير نفسها !
+
طالعتها " ليلى " لثوان بنظرات ريبة ثم تسائلت بخفوت و ترقُب :
+
- طب .. يعني ممكن متكونش ماما عايشة فعلًا ؟
+
أستشفت " هَـنا " مقصد حديثها سريعًا و أجابت لتقطع كل حبال الشك :
+
- معرفش، بس لو الموضوع فيه فلوس... يبقى حسام وكريمة ورا حاجة أكبر، ولازم أفهم هما عاوزين إيه بالظبط .
+
تأملتها " ليلى " بنظرات زائغة ، لتتنهد " هَـنا " بقلة حيلة ثم تهتف بهدوء :
+
- بس متحطيش في بالك ، أنا هعرف كريمة حاطة إيه في دماغها.
+
- إزاي ؟؟
+
تسائلت " ليلى " و القلق والفضول ينهشان بها ، لتبتسم " هَـنا " إبتسامه أخافتها بعض الشئ و قالت بغموض :
+
- اللي بين الأخوات مش دايمًا حب أوقات بيكون عُقدة غصب عنهم.
+
ثم لم تمنح "ليلى" وقتًا للإستعاب ، بل مدت يدها وأمسكت بكفها، وابتسامة أخرى احتلت ملامحها، هذه المرة أكثر هدوءًا:
+
- يلا قومي عشان نتعشى ، أنا مش ناوية أسيبك تمشي .
+
فتحت "ليلى" فمها لتعترض، لكن " هَـنا " لم تُمهلها، جذبتها للخارج لتجدان "سناء " جالسة أمام السفرة، و شرود خفيف يعتلي ملامحها.
+
هتفت "هَـنا" بمحاولة لإعادة الجو لطبيعته:
+
- مش هناكل ولا إيه يا ست الكل؟!
+
رفعت "سناء" نظرها إليهما، ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة، نظرت إليها "ليلى" وجدت نفسها تبتسم هي الأخرى.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
نهضت " فريدة " و أتجهت لغرفتها لتُجيب على إتصال وارد هاتفها، و نهض " إبراهيم " بعد إصرار الجميع له بالخلود للنوم إستعدادًا لسفره غدًا ، ولحقتُه " ريم " لغرفتهم ، و لم يتبقى في صالة منزل " علي " سوى هو و شقيقه " أحمد " و " ريان " .
+
عم صمت لبُرهة بين الجميع، حتى أفاض " أحمد " بما في جُعبته و هو يميل قليلًا تجاه شقيقه :
+
- كنت عاوز أكلمك يا علي في موضوع كده ..
+
كان " ريان " عاقد ذراعيه أمام صدره و شارد أمامه لا يُريد التدخُل ، بينما أومأ " علي " برأسه ، و هو يضع كوب القهوة على المنضدة أمامه ، ليستطرد " أحمد " قائلاً :
+
- بصراحه كنت بفكر إني أخد ميار ليوسف ...
5
ألقى " أحمد " كلماتُه على خروج " ريم " من غُرفتها و ألتقطت تلك الكلمات بملامح مُقتضبة، لتسير تجاه التجمُع ورمت " ريان " بنظرة لتجده ساكن دون إبداء أي رد .
+
جلست في واجهة عمها و على الأريكة يسارها يجلس شقيقها و والدها فهتف الأخير :
+
- والله يا أحمد ، يعني يوسف شاب محترم ، دا إبني دا .. و أكيد مش هلقى لميار حد أحسن منه .
+
زاد تعقيد حاجبي " ريم " تُوحي برفض داخلي ، وطالعت " ريان " تحاول أن تجد عليه معالم الرفض لكنهُ كان هادئًا بطريقة زادت حيرتها .
+
أردف " أحمد " بوقار وابتسامة هادئة :
+
- والله و لا أنا هلاقي أحسن من ميار ، بنت على خُلق و دين و ألف من يتمناها ، و بحمد ربنا إنها عارفه حالته و حاله .
+
تنهد " علي " و أومأ برأسه بموافقة ثم أردف :
+
- يوسف مايعبوش حاجه يا أبو عابد، هو بس إلي حاشر نفسه في دايرة الماضي و حاسس أن محدش هيقبله بس لو هديه ميار بنتي مش هديها له عشان شفقة ولا حاجه ، هو فعلًا جدع وطيب ومحترم .
+
أبتسم " أحمد " برفق وأومأ له فلم يكُن حديثه إنتقاصًا من ولده ، غير أنهُ مُشفق عليهِ من رأسه و يودُ لهُ الراحة ويا حبذا أن تأتي الراحه من جهة هو يثق أنها تتفهم ما مر به .
+
رفع عيناه تجاه " ريان " الذي لم ينبس بكلمة واحدة و سأله :
+
- طب إنت يا ريان يا ابني ! إنت صاحب عمره و رفيق رحلته في المرض ، عاوز أسمع رأيك ؟
+
رفع " ريان " بصره آخيرًا و ابتسم بهدوء و أجاب باحترام :
+
- زي ما والدي قالك يا عمي ، يوسف مايعبوش حاجه ، وأنا أكتر حد فاهمه وعارف تفكيره ، الفكرة بس في نظر ميار له هل هيا تقدر تشوفه كزوج و لا حابة يفضل في دايرة العيلة !
+
ساد الصمت للحظات كلٌ منهم يُعيد استيعاب كلمات "ريان" حتى قطعه "علي" بتنهيدة هادئة:
+
- كلام صحيح ، مهم إن ميار تكون شايفة يوسف كشريك حياة، مش بس حد قريب من العيلة وخلاص.
+
هز "أحمد" رأسه موافقًا وأردف بهدوء:
+
- رأيها مهم طبعًا، إحنا بس بنتكلم كعيلة مفيش حاجة هتتم غصب عنها.
+
فتقدمت "ريم" في جلستها قليلًا، وكأنها لا تستطيع كتم ما بداخلها أكثر، ثم قالت بنبرة تجمع بين الحيرة والاعتراض:
+
- بس أنا مش فاهمة يا عمي، أنتم بتقولوا الجواز قرار بس .. مش المفروض يكون في مشاعر كمان؟ يعني ميار و يوسف لازم يكونوا حاسين بحاجة ناحية بعض مش بس اقتناع عقلي .
+
قابلت كلماتها نظرات حيرة من والدها و عمها ، أما " ريان " فلقد ألتقط مقصدها سريعًا والتفت إليها بابتسامة خفيفة، قبل أن يجيب بصوته الهادئ المعتاد:
+
- بس برضه المشاعر مش كل حاجة، لو فيه إعجاب بس ومافيش توافق فكري، الحياة مش هتمشي ، ولو فيه توافق بدون أي قبول أو راحة، برضه الموضوع مش هينجح، التوازن المهم.
+
تأملته "ريم" للحظة ثم رمقته بنظرة غير مفهومة وهي تقول:
+
- طيب، إنت شايف إن التوازن ده موجود بين يوسف وميار؟
+
تلاقت عيناهما في صمت، بينما الأب والعم لا يفهمان تلك الحروب الخفية في حِوارهِما ، قبل أن يُجيب "ريان" بثقة ولكن بنبرة خفيفة يختبر رد فعلها:
+
- أنا شايف إن ميار بنت ناضجة وعاقلة، ولو حست إنها مش مرتاحة، أكيد هتعرف تعبر عن ده، بس لو شافت إن يوسف مناسب ساعتها يبقى القرار راجع ليهم .
+
شعرت "ريم" وكأن كلماته كانت تحمل شيئًا آخر، شيء لم تستطع تحديده لماذا تشعر أنه يتحدث بثقة غريبة؟
+
وحينها هتف"علي" وقطع حبل أفكارها وهو يقول بحسم:
+
- خلاص يولاد ، نتكلم مع يوسف الأول ونشوف رأيه، وبعدين ندي ميار فرصة تفكر و تقرر بنفسها ، مفيش ضغط ولا إجبار .. كبرتوا الموضوع صدقوني .
+
أومأ الجميع موافقين ، لكن "ريم" كانت لا تزال مُستغرقة في أفكارها، وعيناها مُعلقتان بـ"ريان" الذي بدا وكأنه مرتاح تمامًا لما يحدث.
+
مرت نصف ساعة آخرى ، غادر " أحمد " لشقته و دلف كل منهُم لُغرفته .
+
طرقات خافته وصلت لمسامعه و هو يتوسط مكتبه ، ليهتف بموافقة للطارق ، تجلت بعدها " ريم " في غُرفته ، رفع " ريان " عيناه من الحاسوب أمامه و ابتسم بهدوء فور رؤيتها .
+
- كنت عاوزة أتكلم معاك لو فاضي .
+
أغلق " ريان " حاسوبه و هتف بمودة :
+
- لو مش فاضي أفضالك ، قوليلي .
+
أبتسمت " ريم " بهدوء و جلست على طرف فِراشه فأدار بجسده تجاهها في إنصات لما ستقوله ؛ وللحقيقة هو يعلمهُ سلفًا .
+
- مقدرتش أنام من غير ما أسألك على سبب موافقتك على يوسف !
+
أتسعت ابتسامة " ريان " و هتف ببساطة :
+
- بالله هو موضوع أبسط من أنه ميخليكيش تنامي صدقيني.
+
قطبت " ريم " حاجباها بعدم فِهم ، ليعتدل في جلسته أكثر وقرر الإفصاح عما يورق فكرها بصوته الهادئ الذي يتخلله وقار :
+
- عشان يا ميرو مينفعش أمنع عنها حد كويس، ولا أحكِمها بشخص معين ، يوسف طيب وقلبه طيب وكبير ، بجد هو إنسان نضيف .
+
- و آسر ؟!
3
أسم واحد فقط ألقته " ريم " بإعتراض ، تلقاه " ريان " بثبات ثم أستطرد :
+
- مش أنا إلي أحكم عليه .. و أختي مش هتستناه طول العمر ، هو صاحبي آه وعشرة سنين طويلة وراجل بجد ، بس دي أختي وأنا لو لقيت إلي يحطها في عينيه هوافق عليه .
+
صمتت " ريم " في موافقة ضمنية حول ما يقول لكنها حاولت معرفة المزيد فارتفعت نبرة صوتها :
+
- بس أنت عارفه أنه هو بيحبها .. وبيحبها من زمان كمان .
+
تأملها بنظرات هادئة ثم أستطرد :
+
- من إمتى الحب كفاية يِعمر بيت يا ريم ؟ الحُب ركن ، بس التوافق و الأحترام و الأخلاق هي عمدانه .. هو إنتِ فكرك هو ليه متجوزهاش لحد دلوقتي ؟ وأنا أكتر واحد عارف آسر بيحبها من سنين و مستعد يدفع كل حاجة عشانها ، بس أنا إلي مُوَقفه ، نصحته كتير ينساها وميعلقش قلبه بيها ...بس !
+
ترك " ريان " عبارته الأخيرة مُعلقة ، في دلالة على قلة حيلته ، وكانت " ريم " تُتابع إنسياب كلماته بتأثر ثم تسائلت بتردد :
+
- هو وحش أوي كدة ؟
2
أومأ " ريان " بالرفض القاطع ثم أجابها :
+
- آسر من ناحية شغله ؛ هو شاطر أوي فوق ما تتخيلي، وتعاملُه محترم وأخلاقه عالية مع العملاء وجدع بس إيه فايدة دا وهو مبيصليش يا ريم ؟؟ يكفيه سوء خلقه مع الله ، بيأكله وينجحه ومديه فلوس وشغل وراحة وصحة بس ربنا قاله يا عبدي تعالالي خمس مرات في اليوم بيرفض !
+
تنهد لبُرهة ثم أضاف :
+
- هتقولي ليه منصحتوش ! نصحته كتير واتكلمت معاه كتير والحمد لله بدأ يصلي بس ماشي على سطر وسايب سطر ، أصل مينفعش حد يفكر إن إلي بيلتزم بصلاته شطارة منه ، لا ؛ دا حد سعى وحاول يقرب من ربنا وجاهد نفسه عشان يستقيم ويعرف ربنا فلما ربنا أبصر عمله ثبتُه ، الشخص إلي عارف ربنا دا ميتخافش منه ، لأن مش هيجي منه غدر أو خيانة ، وأي حد بتُخرج منُه التصرفات دي يبقى عُمره ما عرف ربنا ولا خاف منُه ولا أتقى غضبه وناره .
+
إنصات شديد من جهتها ؛ أما هو فاستطرد :
+
- آسر عارف كويس إنُه مش هيقدر يِعتب عتبة البيت دا غير وهو مِغير نفسه ، بس مش عشانها ، عشان ده ..
+
ثم أشار لموضع قلبه و تابع :
+
- عشان قلبه ، عشان قلبه يلين و يخشع لله ، عشان يقرب من ربنا و يُحط حد لبُعده عنُه ، ويعرف إن الحبيب الأول هو الله عز وجل ومفيش حب لازم يكون أعظم منه ، عشان إلي هيحب حد أكتر من حبُه لربُه هيُعذب بيه ، لحد ما قلبُه يُهلك ويرجع مُتضرع لله يُجبره ، وهنا هيعرف إن مفيش حب لازم يفوق حُب المخلوق لخالقه.
+
تنهدت " ريم " بعُمق في إدراك لكل كلمة قالها شقيقها لكنها هتفت :
+
- أنا عارفه إنك خايف عليه و بتحب له الخير ، بس أكيد مش هتبقى عاوز تكسر قلبه وأنت أكتر واحد عارف هو شاري ميار إزاي !!
+
تنهد " ريان " و أجاب بتوضيح و يقين :
+
- عارف ، بس عارف برضو إن في الصحيحين « بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة » ، لو أنا جمبه لحد دلوقتي فدا بسبب محبتي له وخوفي عليه وعشان أحاول أساعده مش بسبب ميار خالص ، غير كده دي إختي يا ريم ، دي أديها روحي مش بس أديها لحد يحافظ عليها ،وعشان كده أنا لازم مقصرش معاها و أحط قدامها الإحتمالات المناسبة ، و إلي ربنا كاتبُه ليها هتاخده حتى لو كان أكتر واحد بعيد عن العين ، مش مسألة أنا بوافق على مين و برفض مين .
+
أتسعت ابتسامة " ريم " بإعجاب ثم قالت :
+
- والله حلو أوي ، ربنا يبارك فيك يارب و يصلح ليك حالك و أشوفك يارب عريس قريب !
+
اتسعت ابتسامة عيناه قبل فمه على إثر دعوتها ثم أجابها :
+
- اللهم آمين، و فيكِ بارك الله غاليتي ، ها معايا حق ولا لسه شاكه فيا ؟
+
أطلقت " ريم " ضحكة قصيرة ثم أجابت :
+
- لا معاك حق طبعاً ، أنا أصلا مش بؤمن إن حد يغير نفسه عشان بنت ، التغير الحقيقي و الوحيد و إلي يستحق هو إلي يكون لله عز وجل .
+
أومأ برأسه لها ثم أردف :
+
- إحنا من غير حاجة بندعي « اللهم يا مثبت القلوب ثبت قلبي على طاعتك » ، بندعي لقلوبنا المُتقلبة تِثبت على طاعة الله ، و الرسول ﷺ كان بيُكثر من الدعاء ده ، فما بالك بقلوبنا لما نعلقها ببشر ! أكيد هتتقلب ؛ و لو أتغير النهاردة عشانها ؛ بكرا هيتغير تاني عشان سبب تاني .. و هكذا ..
2
أومأت لهُ بموافقة ثم تنهدت بعُمق و عم صمت للحظات قبل أن يهتف " ريان " بتسلية :
+
- بعدين أي كان إلي هياخدها ، هو ممكن يعدي مني بس هيعدي من نور إزاي ؟!
1
أطلقت " ريم " ضحكة قصيرة بإدراك و هتفت :
+
- تصدق فعلًا ! دا نور لو يعرف ممكن يحبسها جمبه .
+
- لا دا هو يروح يحبس إلي هياخدها صدقيني .
+
ضحكت " ريم " مجددًا و هي تتخيل شكل شقيقها الصغير في ذلك الموقف ليقطع ضحكاتها كلمات " ريان " :
+
- ربنا يقدرلها الخير يارب .
+
- والله برجو من ربنا يجي نصيبك الأول يا حبيبي ، عاوزه أفرح بيك أوي .
+
أتسعت ابتسامة " ريان " و هتف بمُشاكسة:
1
- يعني مش هتعيطي عليا يوم الفرح!؟
+
انكمشت ملامح " ريم " و هي تنهض تجاه الباب و هتفت بإعتراض:
+
- مــين؟؟؟! أتجوز بس دا أنا مش هبطل زغاريط.
+
ضحك " ريان " على عبارتها الأخيرة بينما هي إبتسمت بمحبة و هتفت :
+
- يلا تصبح على خير سهرتك بقا .
+
- لا ولا يهمك ، و إنتِ من أهل الجنة .
1
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
أسدل الليل ستائره بعُمق على أزقة القاهرة ، غارقًا في سكونه المعتاد، فتغفو العيون وكلٌ ينام على هواجسه وأفكاره، إلا قلبًا واحدًا ظل مفتوحًا على مصراعيه للظلام، ينهش ما تبقى منه.
+
كانت " ليلى" تتوسط فراشها الجديد، ذاك الفراش الذي لم يكن لها حقٌ فيه، نالته كصدقة، كإحسان لم تطلبه ، ضمّت جسدها إليها كأنها تخشى أن يسلب منها، كأنها تخشى أن تستيقظ فتجده قد اختفى، كما اختفت أشياء كثيرة من حياتها.
+
أفكارها تتقاذفها، بين آمال محطمة، وطرقات موحشة، عائلة مشرّدة، قدر متلاطم، وخوف لا يفارقها.
+
لم تتخيل " ليلى " يومًا أنها ستجلس على فراش لم تعتده في منزل غريب تحاول أن تستوعب كيف انتهى بها المطاف هنا، عقلها يُرجحها بين لحظتها هذه، وبين خروجها من منزلها مكرهة، متشبثةً بعمل لم يكن لها خيارٌ فيه، تبحث عن ما يسد رمقها، عن ما يرمم نزيف روحها الذي فاض به الستر حتى أصبح مكشوفًا للعيان.
+
انتهى بها الحال رقيدة في منزل لا تعلم عن ساكنيه شيئًا، سوى أنهم كانوا خلاصًا مؤقتًا من صراعاتها.
+
ضمت قدميها إلى صدرها، وبدأ جسدها يرتعش ببكاء صامت، بينما عقلها يجلدها بلا رحمة يغرس في روحها المثخنة سكاكين الأسئلة بلا إجابات .
+
تغفو عينها لا تعلم ما المصير الذي ستواجهه حينما تفتحهُما، كل ما ترجوه لعل تلك الغفوة تكون طويلة لأجل لا مسمى ، فما بداخلها أكبر من أن يُسَكنُه فراش جديد ، فلن يكون هُناك أبدًا شفاءًا لهذا الندب .
+
أما على بُعد مسافات منها، كان هناك قلب آخر يهوي ساجدًا في جوف الليل، قلبٌ أم تنقُصه قطعة لا يعوضها شيء ، كانت صاحبته تُلقي عليه كل ليلة دعوات صادقة، تُسكب في خشوعها أشواقٌ للقاء، ويقين راسخ بأن ما ضاع منها سيعود، وأن الوعد الحق لا يتخلف.
+
كانت تؤمن أن الله سيجمع بين قلبين فرقتهما الأيام، وأن حُضنها الخاوي سيتسع من جديد لصغيرتها، بعد أن ظن الجميع أنهما لن يلتقيا أبدًا.
+
في ظلام الليل، كان قلبها يهتف بيقين: "إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون"...
+
وعلى بُعد ليس ببعيد عنها، وقف هو واضعًا يديه في جيبيه، يُطالع الفناء عبر نافذة مكتبه بهدوء، بينما تعجُّ العواصف داخله ، ويُتمتم بتلك الكلمات التي تتردد عبر جهازه اللوحي في الخلفية :
+
" إن روحي تُناجيها،
وعيني تسير إثر خُطاها،
لم يُشفِني سوى أملي،
+
أنني يومًا أراها "
+
ردّدها بصوت خافت، ثم أسدل أهدابه في استسلام، وكأنما استوعب أخيرًا الحقيقة التي كان يهرب منها ؛ لم يدَّخر جُهدًا ليُعيدها إلى مرمى بصره كما اعتاد كل صباح ومساء، في بداية اليوم وخِتامه ، لكنهُ الآن يُدرك أنَّه ما تجاوزها يومًا، وأنَّ كل ما يرجوه هو أن يُشفى برؤيتها ولو لمرة أخرى.
2
آهٍ من العشق وما فعله بقلب ذلك المُحامي ؛
وآهٍ من الخوف والحذر اللذين تسللا إلى جوف شقيقه، يُحذِّرانه من التورط في تلك المشاعر.
+
هما وجهان لعملة واحدة، لكن لكلٍّ منهما نقشهُ وحظهُ المُختلف.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
« نشأتُ أظنُّ الدارَ حِصنًا مُحصَّنًا
وأنَّ الذي يُؤذي فؤادي غريبُ
+
فخانَتْني الأيدي التي كنتُ أرتجي
بها الدفءَ حينَ البردُ هبَّ يهيبُ
+
فلا عجبٌ إن ضاقَ صدري بحِملِهِ
فأثقَلُ ما يُبكي الفؤادَ قريبُ »
+
| بـعد مُـرور ثلاث أيـام |
+
كانت جالسة في " مقهى الجامعة " تتأمل أمامها في شرود ،تُمرر إبهامها حول حافة كوب قهوتها الباردة بتملُل شديد .
+
لمحتها " ساره " من بعيد فاقتربت منها بهدوء ووضعت أمامها لوح شيكولاته من نوعها المفضل ، فرفعت " يـارا " عيناها لها بتعجُب فهتفت " ساره " و هي تستقر على الكرسي :
+
- الوش دا متعودتش أشوفه على يـارا ، مالك مش في الـMood ليه ؟؟
+
تنهدت " يـارا " بهدوء ثم عادت ببصرها لكوب القهوة و هتفت بيأس :
+
- بابي عاوز يجوزني.
+
قطبت " ساره " حاجباها بعدم فهم ثم ابتسمت باستنكار و هتفت :
+
- ء Noo !! بتهزري ؟! This isn't true , right ؟؟
+
بملامح شاردة تجرعت حُزننًا لليالي ، هتف " يـارا " نافية بنبرة واهنة :
+
- ياريت كان هزار ! دا قتل روحي من بدري و معتش عارفة أعافر !
+
تأملت " ساره " ملامح " يـارا " الباهته ، و ملامح التعجُب مازالت تُسيطر على خاصتها ، لتقترب منها و تهمس :
+
- إيه إلي حصل يا يـارا ؟؟
+
اخفضت " يـارا " أهدابها بأسى و هي تسترجع شريط ما حدث قبل ثلاثة أيام .
+
صوت كعب " يـارا " المرتفع على الأرضية الرخامية وهي تتوجه إلى مكتب والدها بخطوات سريعة، ونظراتها المشتعلة بالغضب تدفع الباب بقوة لتجده جالسًا خلف مكتبه الفخم يدخن سيجارًا، وعيناه تنظران إليها بهدوء يشوبه خبث.
+
هتفت " يـارا " بحدة و عينين تشتعلان غضبًا :
+
- أنا مش هتجوز الزفت عماد ده !
+
رفع "ممدوح " حاجبه بسخرية و نفث دخان السيجار :
+
- ليه ! هو أنا كنت طلبت رأيك ؟
+
تقدمت " يـارا " نحوه و أجابت بثقة :
+
- البني آدم ده مش كويس! و مش إنسان طبيعي! عنده مشاكل نفسية، وإنت أكيد عارف ده كويس !
+
ضيق "ممدوح " عينيه و تراجع في كرسيه :
+
- مشكلته إنه راجل ذكي ومش بيسمح لحد يضحك عليه، وده اللي مخوفك صح؟
+
هتفت "يـارا " بحدة وصوت مرتعش من الغضب :
+
- لا! مش ده السبب! أنا متأكدة إنه ممكن يأذيني... يأذي وردة مثلًا !
+
وضع "ممدوح" السيجار في الطفاية، يرفع رأسه بتحدٍ :
+
- بلاش دراما زيادة يا يـارا ! مش كل حاجة مش عاجباك يبقى غلط! دا شاب من عيلة كبيرة، مستقبل كبير، وأنا شايفه فرصتك في الحياة وأنتِ مش هتخسري حاجة غير إنك هتطلعي من تفكيرك السطحي دي.
+
هتفت " يـارا" بنبرة غاضبة تكاد تشع من عيناها نار :
+
- إنت شايفه فرصتي؟ و لا شايفه صفقة؟ دي مش حياة دي عبودية! وأنا مش هكون part من لعبتك.
+
وقف "ممدوح " فجأة من خلف مكتبه، يتوجه نحوها ببطء وعينيه غارقة في برود :
+
- عبودية؟! إنتِ عندك حق طبعًا مش هتقدري تفهمي، لأنك عايشة في عالم تاني ، كُنتِ صغيرة ساعتها ، سبتك تعيشي حياتك و تقابلي .. و تحبي ، و آخرتها ؟ ها و آخرتها ؟! عمل فيكِ إيه ؟؟
+
تجمدت " يـارا " في مكانها، تفتح فمها لكن الكلمات تتعثر في حلقها، فجأة يُذكرها بشيء بعيد عن ماضيها، شيء كانت قد نسيته أو تمنت نسيانه :
+
- إنت بتتكلم عن...؟
+
أقترب "ممدوح " منها أكثر، يشير إلى نفسه بتفاخر وكأنما هو يوجه السكين في قلبها :
+
- آه، فاكرة لو كان معاكِ دلوقتي كان هيعيشك مبسوطة ؟ كان هيخليكي تجري ورا حلمك ؟ هو دا إلي إنتِ كنتِ عوزاه ؟؟ آخرتها يقولك "أنتِ فيكِ إيه يتحب ؟ " كان بيحاول يهدمك بكلامه ويخليك تصدقي إنك مش كفاية .
+
هزت "يـارا" رأسها بشدة، تشعر بالصدمة والضياع :
+
- إنت عرفت .. إ..إزاي ؟
+
أبتسم " ممدوح " بتهكُم ثم أردف بصوت جهوري :
+
- أنا شايف كل حاجة وكل خطوة بتمشيها، حتى لو إنتِ مش حاسة بيها ، كنتِ فاكرة إنك هتقدري تعيشي لوحدك ؟ إني هكون بعيد عن كل حاجة ؟ مشيت ورا دماغك و قلت أشوف آخرك بس طلع كلام فارغ ! عماد مش زيه ! دا حاجة حقيقية.
+
ثبتت " يـارا" رأسها وعيناها مليئة تحدي، لكن داخلها موجوعه وقالت بصوت ثابت :
+
- مش هتجبرني على عماد، أنا مش هكون لعبتك يا بابا، مش هكون واحدة من صفقاتك زي ما إنت عايز !
+
وقف "ممدوح" أمامها مباشرة ومسك ذراعها بقوة، عينيه مليئة غضب وجنون :
+
- لأ ! إنتي مش هتخسريني كل حاجة عشان عنادك الغبي ، ده مستقبلك ! أنا هاجبرك تقبلي ! أنا مش هسمحلك تدمري كل حاجة علشان مشاعرك الطفولية ! كانت عندك فرصة لما كنتِ صغيرة، دلوقتي إنتي مش هَتسِوي حاجة غير اللي أنا هقرره.
4
أردفت " يـارا " بصوت ضعيف، رغم التحدي في عيناها :
+
- مش هتجبرني ! مش هخليك تسيطر عليا أكتر من كده ، دي حياتي أنا محدش يقدر يضغط عليا !!
+
أجاب "ممدوح" بصوت حاد، يحاول يكسر كل دفاعاتها :
+
- لازم تـفهـمي حـاجة يا يـارا؛ زي مـا كنـتِ فاكرة إنك هتـعيشي بمزاجـك لازم تعـرفي إن مـفيش حـاجه إنتِ بتـعمـليها بتـعدي مـن غـير أنا إلـي أوافـق عليها ، و إنتِ مش هتقدري تعيشي من غيري، لو فاكرة بقا إني هسمحلك تعيشي حياتك بقراراتك أنتِ ، يبقى إنتِ مش بنتي !
+
هتفت " يـارا "بصوت مختنق، تحاول التملص من بيد قبضته :
+
- لو كنت بنتك بجد كنت فكرت فيا مرة واحدة بعيد عن مصلحتك !
+
وبنظرات باردة وصوت حازم شد على ذراعها و أجاب :
+
- اسمعي الكلام، الجوازة دي هتحصل، وهتحصل قريب! ومش هسمحلك تعملي أي حركة غبية !
+
حاولت " يـارا " التملص من قبضته، تنظر إليه بأعين ممتلئة بالدموع التي ترفض النزول :
+
- مش هقبل، حتى لو قتلتني مش هقبل !
+
أقترب " ممدوح " منها أكثر ، يهمس بصوت منخفض لكنه مهدد :
+
- طيب تعرفي إيه اللي هيحصل لو رفضتي؟ هاخد وردة و ليان منك ! هبعتك تعيشي في ألمانيا وهتعيشي لوحدك ، وأنا هربي أخواتك بالطريقة اللي تعجبني ومش هخلي وحدة فيهم ترفع عينها في يوم وتتبجح قدامي زيك !
+
صمت ثقيل يُخيم على المكان ونظرات "يـارا" تهتز، لأول مرة تشعر أنها تحارب حربًا خاسرة ، تتجمد في مكانها، شفتيها ترتعشان فمر " ممدوح " يده على وجنتها ببطء وكأنه أب حنون، لكن كلماته كانت مسمومة :
+
- عارفة إنك مش هتتحملي تبعدي عن أخواتك ... فكوني عاقلة يا يـارا وشغلي دماغك دي شوية ، الجوازة دي هتحصل سواء كنتي موافقة .. أو لأ .
+
حرر قبضته من ذراعها ، يراها تتنفس بصعوبة وتقبض على يديها حتى تجرح كفها بأظافرها، لكنها لا ترد هو يعلم أنه انتصر، و"يـارا " تعلم أنها خسرت .
+
للمرة الأولى في حياتها... تخسر أمامه.
+
انسحب "ممدوح " من أمامها ، تركها واقفة تهتز أنفاسها بصمت، تشعر أن العالم أصبح ضيقًا عليها ،لكن وسط كل ذلك... كانت تعلم أنها لن تستسلم بسهولة، فهتفت بصوت مبحوح:
+
- هيجي يوم هتندم على كل حاجة عملتها في حياتي... هتندم على كل لحظة جرحتني فيها، وكل مرة دمرتني و دمرت سعادتي.
+
ألتفت لها بنظرة جانبية ساخرة ، حتى وصل لمسامعه صوتها الجهوري تهيج به ودموعها انهمرت على وجنتيها بلا هوادة :
+
- أنت مستحيل تكون أب ! مستحيل تكون أبويا !! أنا بكرهك.. هعيش و أموت بكـ ...
+
- أخــرسـي !!!
1
ألجمها بصفعه على وجنتها أسقطتها أرضاً بعُنف على دخول " مريهان " المكتب بفزع حين وصل لها صوت مُشادتهم المرتفعة لتجد إبنتها واقعة أرضاً بانكسار تُلمس وجنتها و " ممدوح " شياطين ثائرة تتراقص أمام وجهه.
+
- يـارا !! يـارا !!
+
اقتربت " مريهان " منها بفزع ترفع وجهها الدامع لها و ترى آثر الصفعه على وجنتها، رفعت عيناها بغضب عارم و هاجت في " ممدوح " :
+
- مديت إيديك على يـارا !! مـديت إيـديـك على بـنـتك يـا مـمـدوح !!
+
كان " ممدوح " يتابع المشهد بصوت وعيون مُتسعة لا يعلم سبب جراءته تلك ، ليجد " مريهان " تقف أمامه ودموع حبيسة حدقتا عيناها وهي تهتف به بهياج :
+
- إنـت إزاي تمـد إيـديك عـليـها !! إنـت إزاي تـعـمل فـيها كـده !! بتـعـمل فـي بنـتك كـده عـشان الفلـوس يـا ممـدوح !! بـتـعـمل فـيها كـده عـشان الفـلوس ! مـا تـولع الفـلوس بصـحابها عـلى إلـي عـاوز يـاخـدها.
+
هبطت بكفيها على كتفاه تدفعه بعنف و هي تصيح به :
+
- بـتـضـرب يــارا يــا مـمـدوح !!!!
+
حاول " ممدوح " الحديث لكن أتت كلماته مُتقطعه وهو يسمع شهقات " يـارا " المُرتفعه، يُسلط نظراته الزائغة على جسدها التي تضُمه " وردة " بخوف شديد :
+
- أنا .. أنا مكنتش.. أنا مكنتش أقصد ..
+
قاطعته " مريهان " باهتاف و تهديد صريح :
+
- أنـت هـتـلغي جـوازها مـن الـزفـت العـيلـة دي ! هتـلغـي جـوازهـا و إلا قسـماً بـرب الـعزة هـاخد بنـاتـي و أمـشي مـا هتـعرفلي طـريق يـا ممدوح !!
+
ثم ألتفت ليارا و وردة و هتفت :
+
- قومي يا حبيبتي، قوميها يا وردة براحه و أطلعوا برا !
+
رفعت" يـارا " أهدابها بهدوء بعد أنا تنهدت بعُمق وهي تقُص على " ساره " ما حدث ، وهي بدورها تعاطفت معها وأقتربت منها تضُمها لها وتهتف بموساة :
+
- يا حبيبتي، طب متزعليش نفسك .. يعني دا باباكي أنا عارفة أنها حاجه صعبة بس متقلقيش هتبقى كل حاجه تمام ، I'm sure !
+
أومأت " يـارا " رأسها بوهن ، فابتسمت " ساره " و ألتفت لها في محاولة لتشتيت ذهنها نحو موضع آخر :
+
- خلاص فكي بقا يا حلوة ، دا أنا جيبالك خبر حلو ..
+
- خبر إيه ؟!
+
تسائلت " يـارا " بفضول واهن لتستطرد " ساره " بحماس :
+
- الكلية أعلنت عن project السنة الجديد ، وقرروا هياخدوا المتفوقين بس و أنا بعتلك poster الإعلان بقالي يومين بس إنتِ مفتحتيش ، فإيه رأيك تسجلي فيه ؟!
+
طالعت فيها " يـارا " بخواء ثم هتفت برفض :
+
- أنا مفيش فيا دماغ يا ساره لمشاريع و بتاع !
+
قطبت " ساره " حاجباها باعتراض :
+
- إيه هو إلي مفيش فيا دماغ !! هو إنتِ فيكِ حاجه غير دماغ و عيون حلوة ؟؟ بلاش نكد بقا و أدخلي ، الموضوع interesting و هيفيدك أوي .
1
أومأت" يـارا " على مدحها بخفة ، لتهتف " ساره " بتردد :
+
- أصلًا أنا سجلتلك عوزاكي تروحي تشوفي أسمك أتقبل ولا لا .
+
- إيــه !!!
+
نبستها " يـارا " بإعتراض لتُحكم " سارة " بنظراتها وعبارت ثابته :
+
- أنا لقيتها حاجه interesting وأنا لو كنت عملت إيه مكنتيش هتوافقي بحالتك دي فـ yes دا best choice ليكِ و لـ your mind الفترة دي .
+
اتسعت نظرات " يـارا " بعدم تصديق لتتسع أبتسامه " ساره " و تنغزها في كتفها برفق و هي تهمس بصوت ماكر تحاول تخفيف الأمر :
+
- دا حتى الواد الوسيم موجود !
+
قطبت " يـارا " حاجباها بعدم فهم و تسائلت :
+
- واد وسيم مين ؟
+
- المعيد يا بنتي بتاع السيكشن ، إلي أسمه يوسف .
+
ابتسمت " يـارا " بعدم تصديق على تفكيرها لتُردف " ساره " :
+
- يعني هتتعلمي و تمتعي بصرك .
2
ضحكت " يـارا " ضحكة قصيرة بسخرية خفيفة ثم هتفت :
+
- لا إنتِ مش طبيعية !!
+
- سبتلك العقل أنا ، قومي بقا روحي أتأكدي أنهم قبلوكي بدل ما تخسري حلاوة البروجيكت و عيون البروجيكت و ضحكة البروجيكت !!
3
هتفت بها " يـارا " بنفاذ صبر :
+
- خلاص يا هبلة ، إلي يشوفك يقول محرومة تأمل في خلق الله !
+
ابتسمت " ساره " بتسليه و هتفت بهيام :
+
- بموت في أسم يوسف عامةً .
1
نهضت " يـارا " و هتفت قائله بتسلية :
+
- يوسف بس ! دا إنتِ مش حارمه نفسك من حاجه ، قلبك أوتيل بسلامته .
+
ضحكت " ساره " بعمق و هي تشير لها لتذهب ، فضحكت " يـارا " و هتفت :
+
- يلا رايحه أشوف مستقبلي إلي أدبست فيه بسبب دماغك.. باي .
+
و بالفعل غادرت تتجه نحو المكان كما أخبرتها " ساره " و على ذكر سيرتها فحتى و إن كانت عبارتها الآخيرة تقصد بها بُعدها المِهني ، فـ للقدر أقوال آخرى تجعل كُل المقاصد مُمكنة يومًا ما .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كان "مؤمن" جالسًا خلف مكتبه، يراجع بعض الخُطط الهندسية عندما دخلت "وردة" المكتب بسرعة و هتفت :
+
- سلام !
+
رفع "مؤمن" عيناه بنظره فارغة يحاول إخفاء إزعاجه، ثم عاد لينظر إلى الورق أمامه و هتف بهدوء و أتزان :
+
- اتأخرتي شوية النهاردة، مش كده؟
1
عبثت "وردة " بخصلاتها القصيرة بتوتر فور سماع نبرته الجاد ، لم تكن تتوقع أن يُلاحظ تأخُرها لكن يبدو أن "مؤمن" دائمًا حريص على الوقت والمواعيد ، هتفت"وردة"بتوتر :
+
- آسفة جدًا ! تأخرت! بس كنت... كنت مشغولة جدًا في الـ school !
+
كانت تحاول أن تُبرر موقفها بسرعة، لكنها لاحظت أنه لم يُعلق على كلامها، بل لم يرفع نظره عن الأوراق و هذا الصمت جعلها تشعر بالحرج أكثر ، ثم هتف بنبرة حازمة :
+
- تمام، بس المواعيد دي مش حاجة بنلعب فيها ، لو عايزة تتدربي على العمارة لازم تلتزمي.
+
لم تكن تتوقع أن يكون رد فعله بهذه الجدية ،لكنها لم تستطع أن تُنكر أن نبرته كانت تحمل شيئًا آخر، ربما حِرصًا عليها مثلاً ، فأجابت بتردد :
+
- أنا عارفة بجد ، بس حاولت أكون في الوقت بجد ..
+
رفع"مؤمن" نظره أخيرًا و قال بثبات :
+
- الموضوع مش بس عن المواعيد، بس عن الالتزام ، أنا ملتزم بمواعيد تانية غيرك و أكيد مش عاوز أقصر في مسؤولية ليا .
+
نظرت "وردة" له للحظة و وضعت كلماته جانباً ، ولاحظت أن هناك شيء آخر في نبرته، شيء ناعم، لكنها لم تستطع تفسيره ، هو دائمًا جاد، لكن هناك شيء مختلف في هذه المرة ، لكن تجاهلت كل ذلك برُمته و بابتسامة خفيفة :
+
- أنا هحاول ألتزم شكراً على صبر حضرتك معايا.
+
رمقها "مؤمن" بنظرة جانبية قبل أن يتنهد ويرتخي في مقعده قائلاً :
+
- طيب، خلينا نبدأ يلا !
+
أتسعت ابتسامة " وردة " و أقتربت سريعًا من مكتبه و جلست في إنصات تام كعادتها في تدريبها معه الذي شارف على أسبوعه الثالث .
+
و بينما كان "مؤمن" يشرح بنبرة واثقة، يمسك القلم يرسم و يوضح على الورقة أمامه، سرحت "وردة" للحظة دون أن تُدرك ، نظرتها تسللت بعيدًا عن الرسم، بعيدًا عن الكلام، لتتوقف عند ملامحه الصارمة .
+
لاحظت حاجبيه الكثيفين والعريضين، مرسومين بإبداع الخالق بشكل متساوٍ بدقة تكاد تعكس شخصيته الجادة ، شعره الأسود الكثيف كان مشدودًا للخلف بعناية، لكن بعض الخصلات الأمامية تمردت قليلًا على هذا النظام.
+
عيونه البُنية الصريحة لم تكن دافئة تمامًا، لكنها لم تكن باردة أيضًا، كانت تحمل ذلك العُمق الغامض الذي يجعلك تشعر أنه يلاحظ كل شيء.
+
بشرة قمحية مُحيّرة ، لكنها تتناسب مع تفاصيل وجهه وزادها ذلك النمش الخفيف المنتشر على أنفه وجانبي وجهه لمسة متناقضة تمامًا مع نبرته الجادة.
+
كانت "وردة" غارقة في تأمُلها و ليس الأمر بإرادتها ، حتى أنها لم تنتبه إلى أن "مؤمن" توقف عن الشرح للحظة وأخذ يُحدّق فيها باستغراب، رفع حاجبًا قليلاً وقال بصوت منخفض لكن بنبرة تحمل تساؤلًا:
+
- إنتِ معايا؟
1
انتفضت "وردة" بسرعة، عادت بوعيها إلى الورقة أمامها وهتفت بتوتر مصطنع وهي تلتقط القلم بسرعة:
+
- آه، sure !
+
راقبها "مؤمن" بنظرة جانبية لم يصدق فيها ردها، لكنه لم يُعلّق واكتفى بهزة رأس خفيفة، ثم عاد لتركيزه متجاهلًا تلك اللحظة الغريبة .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
كان " ريان " يتصفح التحاليل باهتمام، ثم ينظر إلى المريض أمامه و هو رجل في عقده الخامس و قال بمهنيه :
+
- التحاليل بتقول إن عندك التهاب مزمن في المعدة وده اللي مسببلك الأعراض دي بس مبدئيًا، لازم تطمن، الموضوع مش خطير لكنه محتاج متابعة والتزام.
+
هتف المريض بقلق :
+
- يعني معدتي هتفضل كده على طول؟
+
ابتسم له " ريان " بود لكنه جاد و هتف:
1
- لا طبعًا بس إحنا لازم نديها وقت تتعافى ولو حسيت بأي ألم شديد أو تغير في الأعراض تيجيلي فورًا، تمام؟
+
تم حواره بخصوص أدويته و مواعيدها و بعض النصائح الآخرى ، مُختتمًا مشورته بإعادة الفحص مرة آخرى في القريب ، و ناوله ورقة الدواء وهو يبتسم مطمئنًا متمنيه لهُ بالشفاء .
+
خرج المريض من عنده ، فوجه " ريان " نظره لساعة معصمِه سريعًا ثم فتح أحد أدراج مكتبه وسحب بخفة ملفًا مقصودًا و نهض من الكرسي مُغادرًا مكتبه .
+
سار لوجهته الثابته ، تلك الوجهة التي عليه إعتيادها لبعض من الوقت إلى أن يأذن الله بالشفاء ، فكُل ما يُثقل كاهله و تفكيره أن لا يُقصر مع مرضاه ، واضعًا خشية الله بين عينه كي لا تجرفه أنهار الهوى و ملذات الدنيا.
+
فكم من ضميرٍ بِيع لأجل ملذة فانية، و كم من أفواهٍ كُممت لأجل إنتصاراتٍ مؤقته، وكم من أرواح غادرت غدرًا لأجل شهوات شيطانية ، و الصمت مازال لُغة التفاهم ، إلا من أنفاس مازال الله مُشعلًا بها لغة الضمير عسى أن يظل المرء منُهم أبدَ الدهر .
+
طرقات بسيطة أعلم بها الجهة الآخرى بوجوده، أدار مقبض الباب و دلف بهدوء ثم أغلقه خلفه ، كانت الغرفة غارقة في السكون لا يُسمع سوى الطنين الرتيب للأجهزة الطبية ،الضوء الأبيض المسلط من السقف كان يلقي بظلال ناعمة على ملامح "ميرال" التي ظلت مستلقية بهدوء، تحدّق في السقف دون أي تعبير واضح على وجهها.
+
ألقى نظرة على الملف في يده ثم على شاشة الأجهزة المتصلة بها، قبل أن يتقدم ليقف بجانب فراشها ،ولم تكن هذه المرة الأولى التي يشرف فيها على حالتها، لكنها كانت دومًا تستقبله بنفس الصمت والتجاهل ، هتف مُستخدمًا لكنتها الإنجليزية قائلًا :
+
- صباح الخير ميرال ، كيف تشعرين اليوم ؟
1
لم تتحرك ، لم تصدر أي رد فعل، لا يعلم أوصل صوته لها أم لا.
+
راقبها للحظة بنظرة تشخيصية ثم مدّ يده يتحقق من شاشة المونيتور التي تعرض معدلات نبضها وسأل مجددًا بنبرة هادئة عملية:
+
- هل تعانين من أي دوار؟ غثيان؟ أي ألم؟
+
مرة أخرى لا إجابة ، تنهد بخفوت قبل أن يُعيد النظر إلى ملفها ويكتب بعض الملاحظات ،كان مُستعدًا للمغادرة، لكنه قرر أن يُجرب شيئًا أخيرًا ، رفع عينيه و قال :
+
- نحن لا نستطيع معرفة ما تشعرين به إلا إذا أخبرتينا ميرال ! ،أي انزعاج بسيط يمكن التعامل معه لكن يجب أن تتعاوني معنا، أليس كذلك؟
+
بعد لحظة صمت أخرى همست بصوت خافت :
+
- لماذا تلقبني بهذا... بهذا الاسم؟
+
تجمدت يده على القلم، رفع رأسه نحوها ببطء وحاجباه انعقدا باندهاش طفيف :
+
- أي اسم تقصدين؟
+
أدارَت وجهها أخيرًا لتنظر إليه، عيناها ثابتتان على ملامحه ثم همست:
+
- هذا الذي لقبتني به توًا... دائمًا ما تردده.
+
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه، ثم قال بهدوء :
+
- هذا اسمكِ في الحقيقة، ألا تتذكرين ذلك؟
+
ظلت تنظر إليه دون أن تجيب، فقط التمعت في عينيها لمحة من الحيرة.
+
- " ميرال" اسمكِ كان مسجلًا في أوراق المستشفى عند إدخالكِ، و أيضًا في جواز سفركِ.
+
ظلّت تحدق فيه للحظات أخرى، قبل أن تهمس وكأنما تتذوق الحروف:
+
_ ميرال... اسم جميل.
+
أومأ برأسه قليلاً، حافظ على نبرة صوته الهادئة المُترقبة وهو يقول:
+
- نعم، إنه كذلك وهو يخصكِ.
+
لم ترد، فقط استمرت في التحديق به كأنها تحاول التحقق من صحة كلماته ، كان بإمكانه رؤية الصراع في عينيها، شيء بداخلها يحاول استعادة ما فُقد، لكنه لا يصل تمامًا ، ضيق عيناه بتفكير ثم سأل بترقُب :
+
- ألا تتذكرين ذلك ؟
+
لم تجبه لكن أصابعها قبضت على الغطاء قليلًا ، أنتبه سريعًا لتلك الافته و كان ذلك كافيًا بالنسبة له ليعرف أن شيئًا ما بدأ يتغير ثم أردف بهدوء:
+
- لا بأس، لا حاجة للإجابات الآن فقط خذي وقتك.
+
ثم كتب عدة ملاحظات في الملف و أشار للممرضة القابعة معها أن تتابعها و استدار هو للخارج.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
جلس "آسر" بجوار مكتب المديرة، فالممر كان هادئًا إلا من أنفاسه، يضمّ جسدها الصغير إليه بحنان يُهدهدها بصوت خفيض، لكن قلبه اضطرب حين سمع الصوت الذي لم يكن يومًا غريبًا عليه، بل كان أقرب إليه من أنفاسه.
+
- مليكة!
+
نداء امتزج فيه الحنان باللهفة، جعله يلتفت إليها دون تفكير، بل كيف يتأخر عنها وقد التفت لها قلبه قبل جسده منذ سنوات ولم يحِد عنها يومًا؟
+
اقتربت "ميار" فاعتدل "آسر" واقفًا في لحظة تلقائية، عيناه تأبى أن تحيد عن طيفها، تُراقب كل تفصيلة فيها وكأنما يخشى أن تكون محض خيال ، وجهت بصرها نحو الصغيرة التي تلوذ به، لتتسع ابتسامتها وهي تنادي بلطف دافئ:
+
- عاملة إيه يا عسلية؟ وحشتيني أوي!
+
ترددت "مليكة" للحظة قبل أن تخطو نحوها بخجل، لكن قلبها كان قد سبقها إلى أحضان "ميار"، التي مالت قليلًا لتحتويها بذراعيها وسط نظرات "آسر" الذي كان يُتابع المشهد بسعادة .
+
- إيه الفيونكات الحلوة دي؟
+
داعبت "ميار" خصلات شعر الصغيرة المُزينة بشريط وردي، لتبتسم "مليكة" في خجل بريئ، قبل أن تضمها "ميار" إليها من جديد ، وحين رفعت رأسها أخيرًا وجدت نفسها تُقابل عينيه للحظة، فشردت قليلًا قبل أن تستقيم في وقفتها وتشيح ببصرها بتوتر واضح.
+
أما هو فكان أسرع منها في الهروب، إذ مال بجسده قليلًا إلى الجانب كمن يهرُب من زخم المشاعر، قبل أن يقول بصوت أجش:
+
- اتفضلي اقعدي، أكيد محتاجة تكلميها قبل ما تمشي.
+
لم تفهم "ميار" في البداية، لكنها لاحظت الجدية في صوته فسألت بقلق فوري:
+
- هي مليكة بقالها يومين مبتجيش... في حاجة؟
+
رُغم محاولته التظاهر بالثبات، إلا أن تنهيدة ثقيلة أفلتت منه قبل أن يُجيب، دون أن يجرؤ على النظر إليها مباشرة:
+
- أيوه، هي مش هتيجي المدرسة... على الأقل السنة دي.
+
لم تُدرك "ميار" كم مرّ من الوقت قبل أن تعود عيناها إلى الصغيرة التي كانت تُمسكها قبل قليل، لكن قلبها انقبض وهي تراقب نظرته الخافتة، تسلّل القلق إلى صوتها وهي تتساءل:
+
- ليه كده؟ في حاجة حصلت؟
+
هزّ "آسر" رأسه ببُطء يُعيد ترتيب كلماته قبل أن ينطق، ثم رفع بصره إليها أخيرًا، ليترك كلماته تتسرب بصعوبة، تحمل بين طياتها مرارةً حاول إخفاءها :
+
- مليكة تعبانة... وهتضطر تكمل تعليمها من البيت.
+
ارتفعت نظرة "ميار" سريعًا من الصغيرة إلى "آسر" تراقب وجهه للمرة الأولى عن قُرب، و وجدت ما لم تكن تتوقعه... حزنٌ صامت مُختبئ في طيات عينيه.
+
انخفضت بصرها مجددًا نحو الصغيرة بين ذراعيها، تراقب ملامحها الباهتة، تلك التي لم تلحظها قبل الآن، فأخذت تُطيل التأمل في تفاصيلها، تتساءل في سرها أي نوع من الألم قد يحمله جسدٌ صغير كهذا؟
+
ساد الصمت للحظات،
صمتًا مثقلاً بالأسئلة التي لم تُطرح بعد.
+
جلست "ميار"و ظلت تُطيل النظر إلى "مليكة" القابعة بجانبها بينما الصغيرة تُحاول أن تُشيح بوجهها، أما "آسر" فكان يُراقب بصمت تاركًا مسافة مناسبة ، و إذا بـ "ميار" تتسائل بنبرة هادئة وقلقة:
+
- مليكة تعبانة؟ قصدك تعب صحي؟
+
أومأ برأسه ببطء وأردف:
+
- عندها "حمى البحر المتوسط العائلية"، والدكتور نصح إنها تاخد راحة و علاج ومراقبة وتقلل أي مجهود الفترة الجاية علشان صحتها .
+
لم تُخفِ "ميار" دهشتها، لكن ملامحها لم تحمل سوى القلق الحقيقي، نظرت إليها وشدت من ضمها كأنها تأبي لها أن تستمع لما يدور ، ثم رفعت بصرها إليه مجددًا، وقالت بصوت هادئ لكن حاسم:
+
- بس ده مش معناه تبعد عن المدرسة تمامًا... صح؟
+
تنهد "آسر" بخفوت، ثم أجاب بصوت متزن، لشرح موقفه بهدوء:
+
- مش بُعد، بس تغيير في الطريقة... أنا رتبت مع مدرسين ييجوا البيت، يشرحوا ليها كل حاجة و ما يفوتهاش أي درس ، ده هيكون أريح لها ونفس الوقت هتبقى تحت عيني.
+
أومأت "ميار" ببطء تستوعب كلاماتع لكنها لم تتراجع عن فكرتها، فقالت بعد لحظة من الصمت:
+
- أنا مقدرة ده جدًا، وأكيد راحتها وصحتها أهم حاجة، بس برضو مليكة محتاجة تحس إن حياتها طبيعية، بالعكس دا هي ممكن تتحسن لو فضلت مع أصحابها...ده هيخليها تحس إنها لسه جزء من المكان، مش معزولة.
+
ابتسم "آسر" ابتسامة مُنهكة ، قبل أن يقول بنبرة لم تخلُ من مرارة:
+
- مليكة للأسف ماعندهاش أصحاب...
+
مدت يدها برفق لتُمسك بيد "مليكة"، تُحاول أن تمنحها بعض الطمأنينة، قبل أن ترفع رأسها نحو "آسر" من جديد، هذه المرة بعزيمة لم تكن موجودة قبل لحظات:
+
- مليكة محتاجة تتعالج ده أكيد... بس كمان محتاجة تحس إنها مش لوحدها، وإن حياتها متوقفش بسبب المرض ، أنا مش بس معلمتها، أنا بحبها أوي، وهحاول أساعدها بأي طريقة.
+
أراد أن يعترض، أن يرفض، أن يُخبرها أن الحياة لا تسير بالعاطفة وحدها، لكنه لم يستطع ، لأن هناك جزءًا عميقًا بداخله، كان يُصدقها... ويريد أن يُصدقها.
+
خرج في تلك الأثناء أحد من مكتب المُديرة ونبأه بأن المديرة في إنتظاره ليُمسك بيد " مليكة " ثم دلف بها لداخل ، لتجلس " ميار " شاردة الذهن حول ما علمته مُنذ ثواني .
+
أقتربت هي بعد عدة لحظات منها على حين غِرة وهتفت :
+
- بت !
+
ألتفت " ميار " سريعًا بفزع و تنهدت قائله :
+
- الله يسامحك يا مريم ، مالك !
+
- إنتِ إلي مالك ؟! شارده فين ؟
+
- فيكِ ..
+
أبتسمت " مريم " بتغنُج و قالت بغرور مُتصنع :
+
- في جمالي مش كده ؟
+
ضحكت "ميار" بغيظ وهي تهز رأسها، قبل أن ترد بسخرية مستفزة:
+
- آه طبعًا، جمالك المبهر خضني لدرجة إني كنت هوقع من على الكرسي!
+
أطلقت "مريم" ضحكه قصيرة، ثم مالت عليها وهمست بمكر:
+
- ما هو واضح إنك مش في وعيك أصلاً، شكلك مصدومة ! حد قالك كلمة كده ولا كده ؟
+
رفعت "ميار" حاجبها ببطء، لكنها ردت ببرود متعمد:
+
- لا يا روحي، بس إنتِ اللي فاجأتيني بظهورك المُرعب ده... والله لو طلعتي فجأة في فيلم رعب هتاخدي البطولة من غير كاستنج!
+
شهقت "مريم" وكأنها أُهينت بشدة، ثم هتفت :
+
- أنا مُرعبة؟! يا بنتي الناس بتشوفني ويقولوا إيه القمر إلي طل دا !
+
أطلقت "ميار" ضحكة ساخرة وهي تلوح بيدها:
+
- آه، قمر الكسوف، عارفه الكسوف ؟ إلي مالوش أثر دا !
3
أعتلت ملامح مُنتغصه على وجه " مريم " و شاحت بوجهها الجهة الآخرى ،ثم قالت :
+
- لاحظي كلامك جارح .
+
- بعض مما لديكم يا قمر .
+
ضيقت " مريم " عيناها و هتفت بإعتراض:
+
- على فكرة أنا مش هسمح حد يتقمص الدور غيري !
+
- أنا أصلًا ولية قادرة.
+
أطلقت " مريم " ضحكة قصيرة ساخرة و هتفت :
+
- ولية قادرة آه ! أتهدي يا بسكوته نواعم إنتِ .
+
أبتسمت " ميار " بخفة فهتفت الآخرى بفرح :
+
- مقلتلكيش ! البنات لسه قافلين مع ليلى من شوية .
+
طالعتها " ميار " و لمعت عيناها بتسائل :
+
- بجد ؟ طب أخبارها إيه ؟!
+
- قالت بخير الحمد لله بس هي عند جماعة قرايبها و قالت هتيجي بكرا إن شاء الله.
+
أبتسمت " ميار " بخفة ثم قالت :
+
- طب الحمد لله بقالها أربع أيام مجتش الحمد لله إنها بخير .
+
آمنت " مريم " في جوفها و ارتسمت ابتسامة حانيه ثم أردفت :
+
- بس صوتها مختلف ، بحسها مرتاحه و هي بتتكلم.
+
- طب دا حاجه جميلة، ربنا يريح بالها علطول يارب .
+
و ختام حديثهم فُتح باب مكتب المُديرة و خرج منه " آسر " برفقة " مليكة " فاعتدلت " ميار " في وقفتها بينما أحتدت ملامح " مريم " بخفة كعادتها و هي تُتابع ما سيجري .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
خرج "وائل" من الشركه بعد أخذ إذن ووقف أمام سيارته الفارهة للحظة يتأمل انعكاسه على الزجاج المظلل ، بدلة العمل الرسمية لم تعد على جسده، بل استبدلها بقميص كاجوال أنيق وبنطال جينز قاتم.
+
قاد سيارته عبر الشوارع الواسعة، متجهًا إلى تلك المنطقة التي دائمًا ما يجد فيها راحته، منطقة شعبية لكنها نابضة بالحياة، حيث الأزقة الضيقة والمحال الصغيرة التي تروي كل زاوية فيها قصة.
+
أوقف سيارته في أحد الشوارع الجانبية، لم يُفكر مرتين قبل أن يترجل منها، مُتجاهلًا بعض النظرات الفضولية التي تلقاها من المارة.
+
أخذ يسير بين الأزقة بخطوات هادئة ، و عند منعطف مألوف، وقف أمام محل صغير مُتهالك بعض الشيء، لكن بداخله، كان هناك عالم آخر ، باب المحل نصف مفتوح، ومن داخله تنبعث رائحة الطين الرطب الممزوج بالدخان الخفيف.
+
بخطوات واثقة دخل "وائل"، ليرى الرجل العجوز الذي يعرفه منذ عدة سنوات، يجلس على مقعد خشبي قديم، يدور بعجلة الفخار بين يديه الملطختين بالطي بينما يُهمهم بلحن قديم لا يعرف مصدره.
+
رفع الرجل رأسه ببطء، وعيناه العجوزتان تلتمعان بدهشة خفيفة قبل أن تتسع ابتسامته الدافئة:
+
- يا أهلا بـ وائل بيه! كنت لسه بقول الحوت تاه البحر بتاعه !
+
ضحك "وائل" وهو يسحب كرسياً خشبياً و جلس عليه بجوار طاولة العمل، متكئًا بمرفقه على سطحها الملطخ ببقايا الطين المجفف:
+
- إزاي أنسى وأنا عارف إن هنا بس اللي بلاقيني؟
+
- بس الدنيا بتاخد.. وأنا قولت ممكن يوم تنسى.
+
مرر "وائل" يده فوق إحدى الأواني الفخارية التي لم تكتمل بعد، يتأمل ملمس الطين وهو يجيب بصوت هادئ:
+
- يمكن هي اللي بتنسينا، بس إحنا بنرجع في الآخر.
+
أومأ "عم رجب" برأسه وهو ينفض يديه من بقايا الطين، ثم أشار برأسه إلى الرفوف الممتلئة بالأواني الفخارية المصطفة بعناية:
+
- فاكر آخر شغلانة؟ كانوا محتاجين وقت على ما ينشفوا، بس أهو... دلوقتي بقوا زي الصخر لو عاوز تبص عليهم.
+
نهض "وائل" من مكانه واتجه إلى الرفوف، يمرر يده بخفة فوق سطح إحدى القطع، يتلمس نعومة الملمس بعد أن جف تمامًا ، أومأ برأسه برضا، ثم قال دون أن يرفع عينيه:
+
- حلو جدًا، دول يتحطوا مع المجموعة بتاعتي، مش عاوزهم مع حاجة تانية.
+
ضحك "عم رجب" وهو يُطالع فيه بتأمُل :
+
- عارف، عارف... عيلتك مش سهلة حتى في الفخار عاوزين يبقوا لوحدهم!
+
ألقى "وائل" نظرة جانبية إليه، قبل أن يبتسم نصف ابتسامة ، ثم هز "عم رجب" رأسه و أشار له بعجلة الفخار:
+
- طب يلا، وريني... إيدك لسه فاكرة ولا الشركة خلتها تنسى؟
+
رفع "وائل" أكمام قميصه، و أرتدى مريله ناولها له ثم اقترب من الطاولة ومد يديه إلى الطين البارد، ذلك الشعور الذي لا يجده في أي مكان آخر، تلك اللحظة التي لا تحتاج إلى أوراق، ولا حسابات، فقط هو... والطين... وصناعة شيء بيديه، شيء لا يملُكه أحد غيره.
+
جلس "عم رجب" على مقعده الخشبي العتيق، وأسند ظهره بتعب خفيف يُراقبه قبل أن يُغمغم بصوته الأجش:
+
- عارف يا وائل ياابني ! الفخار دا مش بس طين بيتشكل لأ.. دا روح، حاجة بتتشكل بإيدك وبتاخد من صبرك و وقتك وحبك عشان تهديها لحد غالي عليك.
+
ابتسم "وائل" وهو يرفع بصره إليه قائلاً بنبرة مازحة:
+
- كل ده؟ ما هو في الآخر برضه طين!
+
ضحك " عم رجب " وهز رأسه وهو يمد يده إلى كوب الشاي الموضوع بجانبه:
+
- لا يا واد، الطين ده بيعيش أكتر من اللي عمله! الفخار حاجة بتعمّر، تفضل مع اللي خدها سنين وسنين، كل ما يبص عليها يفتكر مين اللي عملهاله ومين اللي تعب فيها ، عشان كده دي أكتر حاجة تستاهل تبقى هدية لأنها بتتحط فيها الروح.
+
صمت "وائل" للحظة، يتابع دوران الطين بين يديه قبل أن يأتيه صوت "عم رجب" بنبرة خبيثة نوعًا ما:
+
- وأنا بقول... ليه متعملش حاجة مخصوص لمراتك؟ حاجة تبقى بتاعتها هي بس وتفضل عندها العمر كله؟
+
تجمدت أصابع "وائل" للحظة فوق الطين، قبل أن يتحرك ليعدل جلسته، متصنعًا اللامبالاة وهو يرد سريعًا:
+
- لا مش دلوقتي... وبعدين أنا معرفش مين مراتي أصلاً عشان أعرف إيه اللي بتحبه!
+
رفع "عم رجب" حاجبه بدهاء وهو يراقبه يضع قطع طين إضافيه ، قبل أن يضحك بخفة :
+
- يا ابني مراتك هتبقى شبهك، بس هتلاقي اللي روحها شبه روحك، واللي عيونها تشوف الدنيا زي ما إنت بتشوفها .
+
سكنّ لبُرهة ثم تابع :
+
- عارف ليه بقا ؟ لأن النص التاني بيبقى من نفس العجينة، بس كل واحد في ناحية لحد ما يجمعهم الزمن.
+
نظر "وائل" إليه بصمت يستوعب كلماته ببطء، ثم زفر بخفوت وهو يركز مجددًا على الطين أمامه ، راح يُعيد تشكيله بصبر قبل أن يُتمتم أخيرًا، وكأنه استسلم للفكرة التي بدأت تتسلل لعقله:
+
- هي تيجي بس... وساعتها مش هعملها بإيدي فخار و بس هعملها كل حاجة والله يا عم .
+
ضحك "عم رجب" ضحكة رخيمة وهز رأسه، لكن لم يُعلق، فقط راح يُراقبه بينما يترك روحه تتحدث من خلال الطين بين يديه.
+
الوقت مرّ دون أن يُدرك، فقد وجد نفسه في شيء لم يُشعره بالفراغ، لم يُحاصره بضجيج لا معنى له ، ساعة ونصف الساعة ، لم يُفكر خلالهما في أي شيء سوى في تلك القطعة التي يأمل أن تجف بشكل مثالي.
+
وقف أخيرًا ومسح يديه على منشفة قديمة، وتأمل ما صنعه بعينين تحملان رضًا نادرًا، ثم نظر إلى "عم رجب" وقال وهو يشير إلى القطع التي انتهى منها قبل أن يُغادر :
+
- خلّيها مع المجموعة بتاعتي، هشوفها بعدين لما تنشف.
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
حين خرج "آسر" من مكتب المديرة برفقة "مليكة"، اعتدلت "ميار" في وقفتها تلقائيًا، بينما كانت "مريم" تتابع المشهد من الخلف، لم تفوّت أي تفصيلة، حتى التوتر الخفيف الذي مرّ سريعًا في عيني " آسر" حين وقعتا على " ميار ".
+
التفت هو إليها للحظة، بدا وكأنه لم يتوقع أن يجدها لا تزال واقفة، لكن شيئًا ما جعله يبطئ خطاه قليلًا قبل أن يقول بصوته الهادئ:
+
- إحنا خدنا الإذن... مليكة هتمشي دلوقتي.
+
في الخلفية ارتفع حاجبا "مريم" في اندهاش واضح، بينما تسارعت دقات قلب "ميار" دون إرادة منها ، لم تتردد بل مدّت ذراعيها فورًا، فاتحة إياهما لاستقبال الصغيرة التي ترددت للحظة قبل أن ترتمي في أحضانها.
+
شدّتها "ميار" إليها.تمسح على ظهرها الصغير بلُطف ثم همست قرب أذنها:
+
- عايزاكِ دايمًا تفتكري إنك قوية يا عسلية ، إنتِ شطورة يا مليكة و هي فترة صغنونة و هترجعي تاني .
+
أومأت "مليكة" برأسها الصغيرة في صمت، بينما أكملت "ميار" وهي تمسك بوجنتيها:
+
- وأوعديني... مهما حصل، أوعي تبطلي تضحكي الضحكة الحلوة دي .
+
ابتسمت الصغيرة و هزّت رأسها بالإيجاب، فأغلقت "ميار" عينيها للحظة، تخزن تلك الابتسامة داخل قلبها قبل أن تطبع قبلة خفيفة على جبينها.
+
- ربنا يحفظكِ يا حبيبتي.
+
وفي تلك اللحظة أدرك"آسر" أنه لم يعد يقف أمام معلمة ابنته فقط ؛ بل أمام المرأة التي لم يتوقف عن حبها يومًا.
+
أومأ برأسه إشارةً للوداع، فأجابت بمثلها قبل أن ترى ظهره يبتعد بها، بينما ظلّت عينا "مليكة" تتعلق بها حتى اللحظة الأخيرة.
+
خرجا بهدوء لباحة المدرسة منها لبوابة الخارجية ، كلا القلبيّن يؤصدان على حُزن دفين يتفاوت في وقعهِ على كُل جسد ، لكن كان بينهُ خيط مُتشابك لم ينفك أن يُوضح أن الأحزان دومًا مُتشابكه.
+
فور أن أقترب " آسر " من سيارته حتى لمح بصرهُ مشهد أوقف خطواته فجأة.
+
الأربع آطارات مُفرغين من الهواء تمامًا !
2
الآن و في تلك الساعة ؛ لم يكُن هُناك مجال للتفكير الكثير فـ مكائدهم لا ساعة لها .
+
يدبرون..
يتلاعبون بالحقائق..
يُمررون خُططهم في الخفاء.
+
ثم تُفاجأ بأنك خيطٌ في شبكة مُخططهم،
عالقًا كما الحشرة في نسيجِ العنكبوت ،
كل خُطوة خاطئة قد تكون ؛
خطوتك الأخيرة !
+
يـُــتــبــع ᥫ᭡ ˖.˚⋆. . . .
+
───────────────── ˖.˚⋆ .
+
و السلام على قلوبكم .
+
| سُهى الشريف
+
