اخر الروايات

رواية بوتقة الحب الفصل الثالث عشر 13 بقلم هدير الصعيدي

رواية بوتقة الحب الفصل الثالث عشر 13 بقلم هدير الصعيدي


الفصل الثالث عشر

من قال أن البعد سيُنقص من مشاعرها شيئًا , هي ابتعدت كي يلتئم الجرح , ولكنه لم يلتئم !

ابتعدت كي تحيا من جديد , ولكنها لم تحيا !

ابتعدت كي يتوقف عقلها عن التفكير به

ولكنه لم يتوقف !

وكأن كل شيء تحالف ضدها , كل شيء أراد إيلامها وبقوة وهى متى شعرت أنها قادرة على الرحيل عادت من جديد .

كانت تراقب جسده من خلف الزجاج , لم تغفو سوى ساعة واحدة , كلما أغمضت عينيها رأت جدها ينهرها عما فعلته

أهى من فعلت ؟ , ترى لمَ تنقلب الحقائق هكذا !!

لمَ ينظر لها جدها وكأنها من هدمت العائلة !

ألم يعدم هو قلبها بوصيته ؟

لم تعد قادرة بعد على الوقوف فسارت ببطء شديد خشية الوقوع أرضًا إلى الكافيتريا ؛ ستُحضر كوب من القهوة ليتها تفيق قليلًا

جلست على أحد المقاعد تحتسيه حتى انتهت لتضعه بسلة القمامة بجانبها وتنهض وهى تشعر بتحسن ضئيل , هى تحتاج للنوم , ولكنه يأبى أيضًا أن يُريحها , التقت بالطبيب في طريق عودتها ليهتف بابتسامة

- مبارك أستاذة كلثم .. أفاق السيد معتصم قبل قليل

اتسعت ابتسامتها بفرحة لتتركة وتركض وكأن جسدها دبت به قوة هائلة أفاقتها , قوة كانت تظن أنها ستستمدها من كوب القهوة ولكنه لم يفلح .

ابتسم الطبيب فقصتهما انتشرت بين بعض الممرضات بالمشفى .

وصلت حيث غرفته فوجدت بابها مفتوح , همت بالدخول لتتوقف وهى تستمع لهمهمات بهتت ملامحها إثرها

كانت زينة تبكي وهى تتحدث ومعتصم يرجوها أن تكف عن البكاء

" خِفت كثيرًا أن يُصيبك مكروه .. لم أكن أعلم أنني أُحبك بتلك الطريقة .. لم أخبرك من قبل معتصم ولكني أحببتك منذ صغرنا .. أحببتك وخبأت حُبك بين ضلوعي ولم أخبر عنه مخلوق .. دعوت الله ليلًا ونهارًا أن تعلم يومًا بحبي .. تعتقد أن كلثم هى فقط من تُحبك ولكن لا .. أنا أُحبك أكثر بكثير .. لم أغادر المشفى لحظة واحدة .. كنت أبيت بغرفة قريبة منك وأستيقظ وأركض كي أراك .. دعوت الله كثيرًا أن تفيق وها قد استجاب الله لى "

كان معتصم يسعل وهو يخبرها أن تهدأ وتكف عن البكاء فدموعها غالية ! , ولكن بكاءها كان يزداد أكثر وهى تُخبره بحبها ليقاطعها دخول كلثم التي كانت تنقل نظراتها بينهما في صدمة حاولت قدر استطاعتها إخفاءها ولا تعلم أنجحت أم ترى الصدمة ارتسمت بوضوح فوق ملامحها , تلك الطاقة التي استمدتها قبل قليل شعرت بها تنساب بألم مع كلمات معتصم .

نظرت لها زينة بغضب ثم جففت دموعها بظهر كفها واعتدلت واقفة ليهتف معتصم بوجه شاحب خوفًا من ردة فعل كلثم , ملامحها توحي بأنها استمعت لحديثهما ولكن صمتها يقتله , يخشى من تحدثها ويقتله صمتها
- إن كنت أعلم أن تواجدي بالمشفى سيُعيدكِ كنت......

قاطعته كلثم وهى ترفع رأسها بشموخ

- ما جئت سوى لأخبرك بموعد الجلسة معتصم .. فلا تدع تلك الأفكار الحالمة تتلاعب برأسك .. لقد طلبت من المحامي تأجيل الأمر حتى تخرج من المشفى وتستعد عافيتك

نظر لها معتصم بملامح غاضبة فنظرت لزينة قليلًا بملامح جامدة أربكتها فأمسكت بيد معتصم لتبتسم كلثم قبل أن تهتف وابتسامتها مازلت تزين وجهها

- لا أدري حقًا ما العبارة التي تسحتقين سماعها زينة ربما الحقد الذي نما داخل قلبك يهدأ

ظهر الغضب على ملامح زينة التي ضغطت فوق كف معتصم بقسوة فهتفت كلثم وهى تلمح هبة تدلف بخطوات مترددة خوفًا من توتر الأجواء

- أعتقد أنكِ الآن باستطاعتكِ السماح لمشاعركِ الخائنة بالتسرب علنًا فلا داعي للتواري خلف قناع البراءة والحب اللذان كنتِ تسعين جاهدة لإظهارهما أمام الجميع

تركت زينة كف معتصم قائلة بغضب وهى ترفع اصبعها مُحذرة

- لا أسمح لكِ ..

قاطعتها كلثم بابتسامة ساخرة قائلة

- لن يكون بمقدوركِ السماح بشيء بعد الآن .. أنا من تركت معتصم بملئ إرادتي فلتهنئي به

انهت حديثها ورحلت تلحقها نظرات زينة الغاضبة , ومعتصم الذاهل من تصرفها وكأنها أخرى ؛ قوية وكأن حبه لم يكن يومًا يسكن داخل ضلوعها .
أما هبة فلحقت بها راكضة تحاول إيقافها ولكن كلثم لم تستجب لها , كانت تسابق دموعها كي لا يراها أحد فركضت كما لم تركض يومًا .

******

على طاولة أنيقة قام زين بحجزها قبل دقائق من وصولهما جلست تنظر للمطعم من حولها , لم تسمع عنه من قبل ولكن يبدو عليه الرقى , والإضاءة الشبة خافتة تعطيه طابع رومانسي تمنت أن يكون زين اختاره لهذا السبب ولكن أمنيتها لم تستمر وتلاشت سريعًا مع سؤالها وكأنها أرادت إيلام نفسها

- يبدو المطعم ذو طابع رومانسي .. هل اخترته لهذا السبب ؟

كان زين يتطلع إلى قائمة الطعام , يتحرك بعينيه فوق العديد من الأصناف في حيرة , وسؤالها لم ينتبه له وإلى مقصدها الخجول منه فأجاب بتلقائية أوأدت فرحتها

- لم أتي مسبقًا .. بحثت عنه على الإنترنت وقمت بحجز طاولة لا أكثر

ابتلعت ريقها ونكست رأسها تنظر إلي يديها اللتان تستريحان فوق ساقيها فوقعت عينيها على المحبس الذي يزين إصبعها , تنفست بعمق ليترك زين القائمة قائلًا

- سأتناول الأرز الأبيض مع اللحم المشوي وصحن من السلطة .. ماذا اخترتي ؟

رفعت مزاهر رأسها فلمح الدموع التي تتلألأ داخل عينيها ولكنه آثر تجاهلها كي لا تبكي , لقد شعر من حركة عينيها أنها تحاول منعهما من الهطول , ابتسم متسائلًا

- ما رأيكِ أن أطلب لكِ الطعام ؟

شعر بملامحها تُشرق فاتسعت ابتسامته , هتفت بابتسامة حالمة

- موافقة .. سأكل ما ستختاره حتى وإن لم أُحبه

نظر لها باستغراب فشعرت بحماقة حديثها لتهتف بحرج

- أعتذر .. يبدو أنني أخطأت بحديثي

هتف سريعًا قبل أن يعاود التطلع بقائمة الطعام

- كلا .. أنتِ تتحدثين بطبيعتكِ على ما يبدو

ابتسمت بفرحة وهو اختلس النظرات لها فوجد ابتسامتها الحالمة عادت تتلألأ فوق وجهها فابتسم رغمًا عنه .

احتسى كلاهما الشاي ثم نهضا فسارت مزاهر بجانبه تنظر ليديه تتمنى لو تتشابك أيديهما كأي زوجان , وصلا للسيارة ففتحت بابها وجلست تجاوره , لم يتحدث منذ خرجا من المطعم وطيلة الطريق لم يتحدث حتى قطعت هى حديثه وهى تجده يقترب من المنزل

- هل سنعود الآن ؟

نظر لها لحظة قبل أن يعاود التطلع للطريق أمامه

- لدى عمل بالصباح وقد تأخر الوقت

انقلبت ملامحها ولم تتحدث بكلمة حتى وصلا المنزل , ترجلت من السيارة وسارت بجانبه حتى صعدا للطابق الذي يقطن به , توقف ينظر لها متسائلًا وهو يستشعر رغبتها بالتواجد برفقته

- ألن تصعدي .. يبدو عليكِ التعب

ظهر الحرج فوق ملامحها التي شحبت بعض الشيء وهى تومئ برأسها دون تحدث وتصعد تاركة إياه ينظر في أثرها حتى سمع صوت باب شقتها ينغلق , دلف ليجد هيام جالسة بانتظاره , نظرت له باستغراب متسائلة

- أين مزاهر ؟ .. لمَ لم تأتي برفقتك ؟

جلس على المقعد يجيبها وهو يفرك رأسه بألم وهو يشعر بصداع

- كانت ترغب بالدخول ولكني متعب ..أشعر برغبة عارمة في النوم

اتسعت عيني هيام لتتساءل بعتاب ودهشة

- منذ متى وأنت تتعامل بتلك الطريقة زين ؟

نظرلها باستغراب متسائلًا

- أي طريقة أمي ؟

هتفت باستياء

- الجفاء

أغمض عينيه بتعب , يود لو ينتهي هذا اليوم سريعًا ولكنه يأبي ألا ينتهى قبل أن يستنزفه كليًا , فتح عينيه ونهض قائلًا وهو يسير تجاه غرفته

- اعتذر منكِ أمي ولكني متعب حقًا وارغب في النوم

أوقفته قائلة ببعض الغضب

- أنت تهرب زين

استدار ينظر إليها قليلًا قبل أن يستدير فتساءلت بغضب

- لمَ تسرعت إذن في الزواج إن كنت ستتهرب منها بتلك الطريقة

ظل يوليها ظهره عدة ثواني قبل أن يستدير وينظر لها قائلًا بصدق

- لا أعلم أمي

*****

رغم هروبه من تواجده برفقتها إلا أنها تستولي على تفكيره بدرجة كبيرة , ينغمس داخل العمل كي ينشغل عقله بعيدًا عنها ليجدها تعود من جديد داخل دائرته التي شيدها حوله بملئ إرادته وهو يعرف توابع خطوته تلك , أعاد رأسه يستند على ظهر المقعد ليعلو رنين هاتفه , نظر تجاهه بغير اهتمام ليعقد حاجبيه وهو يجد رقم الفيلا يظهر فوق شاشة الهاتف !

اعتدل يحمله ليجيبه بحاجبين معقودان سرعان ما انفكت عقدتهما لتتسع عينيه بعض الشيء قبل أن ينفجر ضاحكًا على صراخ فيروز والتي صرخت به غاضبة وقد بدأت في البكاء فهتف وهو ينهض حاملًا مفاتيحه

- سأتي الآن .. إهدئي

دقائق ووصل ففتح له الحارس ليترجل سريعًا من السيارة متوجهًا للفيلا , دلف يبحث عنها بعينيه ثم توجه حيث المطبخ ليجدها مختبأة أسفل الطاولة تبكي بلا توقف , عقد ساعديه متسائلًا

- ما الأمر فيروز ؟

أشارت باصبعها قائلة في خوف وعينيها تتسعان برعب حقيقي

- هناك شيئًا ضخمًا بالصالة .. اقترب قبل قليل من المطبخ ولكن ما إن صرخت حتى فر هاربًا من جديد للخارج

عقد حاجبيه متسائلًا

- هل هو فأر ؟

هزت رأسها قائلة

- هو يشبه الأرنب

رفع حاجبه قائلًا

- أرنب !!

مرر يده في شعره قبل أن يشير لها ببعض الضيق

- اخرجي فيروز من أسفل الطاولة .. لا أفهم منكِ شيئًا .. إن كان أرنب فما الداعي لكل هذا الصراخ ومهاتفتي أكثر من عشر مرات وقد أخبرتكِ أنني بالطريق .. لم أكد أنهي المكالمة حتى تمر دقيقة وأجدكِ تهاتفيني من جديد

خرجت من أسفل الطاولة بملامح غاضبة رغم الذعر الذي مازال يستوطنها , كانت تدور بعينيها في خوف من أن ينقض عليها أي شيء , اقتربت منه قائلة بغضب

- تتركني طيلة الوقت بتلك الفيلا ولا تأتي سوى بوقت متأخر وقد مللت وأخبرتك ولم تهتم .. وما إن أجد شيئًا كهذا الذي كان يركض قبل قليل هنا وهناك وأهاتفك تأتي غاضبًا .. لقد....

قطعت حديثها صارخة لتتشبث بذراعه وتختبئ خلفه قائلة وهى تشير تجاه باب المطبخ

- ها هو

أجفل وشعر بأذنه قد توقفت عن السمع لحظات فنظر لها غاضبًا قبل أن يستدير باحثًا عما كادت أن تصم أُذنيه جراء رؤيته , يعلم أنه سيكون صرصورًا بالنهاية وهى تراه وحشًا كاسرًا , حرر ذراعه منها وسحب عصا المقشة وخرج ينظر بترقب لعله يجد ذلك الوحش , عادت فيروز راكضة أسفل الطاولة في خوف ما إن سمعت العصا ترتطم بالأرض وتميم يصرخ مهللًا

- لقد وجدته

استمر العراك بينهما عدة دقائق قبل أن يعود تميم حاملًا إياه من زيله فاتسعت عينيها رعبًا لتصرخ متسائلة

- إلى أين تظن نفسك ذاهبًا ؟

هتف بهدوء

- سأريكِ الفأر

اتسعت عينيها رعبًا قبل أن تهتف بذهول

- فأرًا !!

أومأ إيجابًا وهو يسحب حقيبة بلاستيكية من أحد الأدراج ويلقي بها الفأر قائلًا

- بلى .. ولكنه كبير الحجم قليلًا حتى ظننته أرنبًا .. الفئران هنا كبيرة الحجم عكس تلك الفئران الصغيرة بالمدينة

كادت فيروز أن تفقد وعيها مما يحدث , يتحدث بأريحية كبيرة ويضع الفأر أمامها بالحقيبة البلاستيكية وكأنه يضع قطعة لحم , سرت رعشة بكامل جسدها لتهتف برجاء

- ابعده رجاءً أشعر أنني سأفقد وعيي

نظر تجاهها ثم اقترب بالحقيبة منها متسائلًا بمشاكسة

- ألا تريدي إلقاء نظرة أخيرة .. قومي بتوديعه على الأقل .. سيخرج دون وداع منكِ

اتسعت عينيها لتصرخ به أن يبتعد فكركر ضاحكًا وهو يخرج من المطبخ تحت نظراتها المتسعة ذعرًا , ظلت كما هى حتى وجدته يعود عاقدًا حاجبيه وهو يراها مازالت أسفل الطاولة مختبأة , اقترب منها ومد كف يده قائلًا بابتسامة

- هيا اخرجي تخلصنا منه والحمد لله

نظرت ليده الممدودة قبل أن تنقلب ملامحها للإشمئزاز متسائلة

- هل غسلت يدك وطهرتها جيدًا ؟

ابتسم وهو ينظر لكف يده متسائلًا

- لا .. هل علىّ غسلها حقًا ؟

انكمشت على نفسها قائلة بغضب

- اغسل يدك جيدًا .. كنت تمسك بذيله قبل دقائق

صمتت وهى تتخيل الأماكن التي طالت يده حتى عاد للمطبخ من جديد لتتساءل بأعين متسعة

- هل أمسكت مقابض الأبواب دون غسل يدك ؟

لم يجيبها بل توجه يغسل يديه أسفل نظراتها لتهتف وهى تشير إلى أحد الأدراج

- يوجد بهذا الدرج زجاجة كحل طهر بها يدك جيدًا

نظر لها بطرف عينه فوجد ملامحها غاضبة فهز رأسه ضاحكًا وهو يفعل مثلما أخبرته ثم استدار ينظر لها متسائلًا بتهكم

- هل أصبحت بحال جيد الآن وباستطاعتي مساعدتكِ في الخروج ؟

نظرت له بتردد قبل أن تهتف بقلق وهى تخرج من أسفل الطاولة بمفردها

- سأخرج بمفردي

رفع حاجبه متسائلًا

- هل مازلت تخشين من لمس يدي .. لقد غسلتها أمامكِ فماذا أفعل بعد ؟

نظرت له ثم وجهت نظراتها ليده قائلة وهى تبتلع ريقها بتوتر

- كلما نظرت إلى يدك تذكرتك وانت تمسك بذيل الفأر .. رجاءً لا تحاول الاقتراب مني حتى أستطع نسيان ذلك المشهد

توجهت أسفل نظراته المتهكمة تسحب عدة مناديل ورقية وزجاجة المطهر من فوق السطح الرخامى وتقوم بتطهير كل ما طالته يده وهو ممسك بالفأر , كان يسير خلفها يتابعها بأعين متقدة غيظًا , أراد مشاكستها فأخبرها ضاحكًا

- أرى أن تقومي بتنظيف دماء الفأر الموجودة على الأرض

نظرت له هلعًا فأشار لها بيده وابتسامته تتسع شيئًا فشيء

- هناك .. أنا قمت بتنظيف يدي ولن أستطع تنظيفها

ابتلعت ريقها ثم تساءلت بتوتر

- ألم تخبرني أن الخادمة ستعود من جديد .. ألا نستطع انتظارها وهى تقوم بتنظيفها ؟

رفع حاجبه قائلًا ببرود

- الخادمة لن تعود

اتسعت عينيها قائلة بصدمة

- لقد أخبرتني أنها ستعود .. أخبرتني أنها ستأتي كل بضعة أيام للتنظيف وإعداد الطعام

رفع حاجبه قائلًا بجدية

- ستأتي للتنظيف فقط كل بضعة أيام ولكن إعداد الطعام مسئوليتكِ

اتسعت عينيها لتهتف غاضبة

- لم يكن إعداد الطعام من ضمن الشروط التي تم الاتفاق عليها قبل الزواج

لم يعلق بل أشار برأسه للبقعة فضربت الأرض بقدميها وعادت للمطبخ تسحب عشرات المناشف الورقية لتعود لتنظيف آثار الدماء الضئيلة فاقترب منها تميم قائلًا بصدمة

- كل تلك المناشف لتنظفي تلك البقع الضئيلة !! .. ليتني قمت أنا بتنظيفها
نظرت له بغضب فربت على كتفها قائلًا باشمئزاز

- نظفي جيدًا فأنا لا أطيق رؤية الدماء

نظرت له بضيق قبل أن تتسع عينيها متسائلة وهى تستوعب فعلته

- هل وضعت يدك على كتفي ؟

انتبه لفعلته والتي لم يقصدها ليبتسم قائلًا بمشاكسة

- بلى وتحديدًا باليد التي كانت تمسك بذيل الفأر

صرخت غاضبة فكركر ضاحكًا وهو يبتعد عنها صاعدًا حيث غرفته لتنظر في أثره بغضب وهى تعاود التنظيف .

*******

ربما نهرب من أفكارنا الحمقاء محاولين الفرار من الضغط الذي تولده بداخل عقولنا , ربما ننجح وربما نتوهم أننا قد هربنا حقًا ولكننا لازلنا تحت سطوة الأفكار .

كانت جالسة على الأرجوحة تحركها بقدميها ثم تتركها تتحرك قليلًا لتعاود فعلتها ما إن تشعر بها على وشك التوقف , تتابع بسلة بعينيها وهى تركض هنا وهناك بفرحة وكأنها أخيرًا وجدت مبتغاها بعد أن كانت تركض داخل منزل متوسط , باتت الحديقة الواسعة جنتها .

ليتها تستطع أن تركض مثلها تاركة كل ما يؤرقها بعيدًا , شعرت بحركة خلفها فانتفض قلبها بين ضلوعها لتغمض عينيها بخوف من تواجده , سؤال واحد مازال يتردد بداخلها " لمَ يقترب منها من جديد ! "

فتحت عينيها لتشهق فزعة ما إن وجدت موسى واقفًا أمامها , عقد حاجبيه باستغراب من هيأتها المرتعبة متسائلًا

- لمَ انتفضتِ بتلك الطريقة ؟

ابتلعت ريقها بخوف ثم مررت يدها على وجهها قبل أن تهتف بصوت مهزوز

- لم أتوقع رؤيتك .. كنت .....

صمتت تحاول أن تُهدئ من توترها وارتعاش جسدها ليهتف موسى بهدوء

- لقد غادر بالصباح ولم يعد حتى الآن فلا تقلقي

نظرت له بعدم فهم رغم التوتر الذي لاح على قسمات وجهها ليهتف بنفس ملامحه الهادئة

- منتصر لم يعد حتى الآن

شحب وجهها لتبتلع ريقها متسائلة وهى تبعد عينيها عن مرمى عينيه

- وما شأني أنا بمنتصر ؟

اقتربت بسلة من موسى فابتعد عنها محذرًا وكأنها تفهم حديثه

- لا تقتربي مني مجددًا

نظرت له بسلة بعينيها وهى تعاود الاقتراب منه ليبتعد غاضبًا وهو يهتف بتهديد تحت نظرات ثويبة التي نهضت تقترب من بسلة

- سأدفعكِ بقدمي

مالت تحملها وهى توقفه متسائلة

- هل كنت تريد شيئًا ؟

هتف وهو يدلف للفيلا دون أن يتوقف

- جئت أخبركِ بأن الطعام جاهز إن رغبتِ في تناوله فالحقي بي

لحقت به بعد أن وضعت بسلة بالملحق , عقدت حاجبيها وهى تجده جالس بمفرده على الطاولة يتناول الطعام , مررت عينيها على الصحون الموضوعة فوجدتها نظيفة لم يقربها أحد فسحبت مقعد وجلست متسائلة باستغراب

- ألن يتناول غيرنا الطعام ؟

هتف دون أن يرفع رأسه عن صحنه

- على ما يبدو .. فأبي سيتناول طعامه برفقة بعض أصدقاؤه بالخارج .. وزوجة أبي قد خرجت برفقة نهال .. ودارين غافية .. أما منتصر ..

قاطعه منتصر الذي دلف بتلك اللحظة قائلًا بابتسامة واسعة

- منتصر سيتناول بر فقتكما الطعام .. إن لم يكن لديكما أي مانع في تواجدي

ابتلعت ثويبة ريقها ونظرت لموسى الذي لم يرفع رأسه ولم يُعير منتصر أدنى اهتمام بل أكمل تناول طعامه وكأن شيئًا لم يحدث مما أثار غضب منتصر الذي سحب مقعد وجلس وهو يخص موسى بنظرات نارية ..

كان منتصر يختلس النظرات لثويبة , والتي كانت تشعر بنظراته تحرقها , هتف بابتسامة وهو يشير إلى أحد الصحون أمامها

- هلا وضعتي لي القليل من الأرز

لم تتوقع أن يُحدثها فرفعت نظراتها لتلتقي بنظرات موسى , لا تعلم هل تلبي طلبه أم لا , ظهرت الحيرة فوق ملامحها وقرأها موسى بسهولة فهتف بسخرية وهو يراها تقترب بيدها من صحن الأرز تنوى إجابة طلبه
- أراك تتحدث بأريحية .. هل أمنت العقاب الآن بسبب غياب زوجة أبي

نظر له منتصر بغضب ؛ ليس لتحدثه فحسب بل لأنه شعر بثويبة وكأنها تطلب الإذن منه لتلبيه طلبه ! , متى كانت ثويبة قريبة لتلك الدرجة من موسى !

ابتلعت ثويبة ريقها وهى تنقل نظراتها بين موسى ومنتصر , اقترب منتصر بجسده متسائلًا بفحيح

- لمَ عدت موسى ؟ .. أرى أن وجودك بات ثقيلًا على الجميع

قهقه موسى قبل أن يهتف بابتسامة

- إن كنت تقصد بالجميع أنت ووالدتك فأعدك أن ذلك الثقل الذي يؤرقك لن يزول سوى برحيلكما إن أردتما ذلك

ضحك منتصر بسخرية غاضبًا ثم تساءل مستنكرًا حديث موسى

- هل تظن أننا سنرحل ونترك لك الفيلا تحيا بها كما شئت ؟

هتف موسى بابتسامة وهو يعاود تناول طعامه

- من المؤسف أن تظن أنك ووالدتك ضمن حساباتي .. بل أنني أسعى لرحيلكما .. أنا لا أراكما منتصر لذا ابعد تلك الأوهام عن رأسك

اشتعلت نظرات منتصر , وظهرالغضب جليًا على ملامحه , أراد إثارة غضب موسى فهتف وهو ينهض مبتسمًا

- أريد التحدث برفقتكِ ثويبة .. هلا خرجنا للحديقة

نظرت ثويبة لموسى فانفعل منتصر متسائلًا بغضب

- هل تطلبين الإذن منه ؟

ارتعبت ثويبة من انفعاله ثم هتفت بصوت أقرب للهمس ولكنه وصله فاشتعلت نيران الغضب بوجهه

- لا أود التحدث برفقتك

قطع منتصر المسافة بينهما يمسك بذراعها يرفعها عن المقعد في قسوة وهو يهتف بغضب

- حينما أُخبركِ برغبتي في التحدث .......

قاطعه موسى وهو يدفعه بقوة بعيدًا عنها فأجفل منتصر من حركته ليسقط أرضًا , بينما شهقت ثويبة فنظر لها موسى قائلًا بغضب

- لا تسمحي......

قاطعه اتساع عينيها المرتعب وهى تلمح منتصر ينهض ويسحب سكينًا من فوق الطاولة مقتربًا منهما قائلًا بغضب

- سأقتلك موسى

استدار موسى غاضبًا ليلمح ما بيد منتصر , أمسك بيده يبعد السكين عنه قائلًا بغضب

- ابعد هذا السكين كي لا تجرح نفسك به

كانت ثويبة تتابعهما بعينيها في هلع , أما منتصر فكان الغضب يتطاير من عينيه وموسى يمسك بيديه محاولًا اثناؤه عما ينوى فعله

هتف منتصر بفحيح غاضبًا وهو يحاول تخليص يديه من قبضة موسى

- سأقتلك موسى .. إياك والتفكير بمجرد الاقتراب من ثويبة مجددًا

دفعة موسى بقوة فارتطم بالطاولة خلفه فانسكب بعض الطعام فوقها لتصرخ قدرية وقد دلفت للتو

- ما الذي يحدث ؟

نظرت لها ثويبة برعب , أما منتصر فكانت كامل نظراته منصبة على موسى الذي كان يبادله نظراته بنظرات أكثر غضبًا , هم بالاقتراب منه مجددًا ومازال السكين بيده لتوقفه قدرية بغضب أكبر

- منتصر

توقف منتصرلتقترب منه قدرية وتنظر لهيئته والسكين بيده متسائلة بغضب

- ما الذي يحدث ؟ .. وما هذة الحالة ؟

لم يجيبها فصرخت متسائلة وهى تنظر لثلاثتهم

- ما الذي يحدث ؟ فليجيبني أحدكم

لم يجيبها أي منهم , بينما خرج موسى من الفيلا بعد أن هتف بجدية وهو يمر بجانب ثويبة

- الحقي بي ثويبة

لحقت به ثويبة لينظر منتصر في أثرها بغضب كاد أن يحرقها ؛ تنساق خلف ذاك المدعو موسى بلا تردد , بينما هو يكاد يتوسل إليها كي تستمع له !

وقف موسى أمام الملحق فاقتربت منه ثويبة دون أن تتحدث , كانت تراقب ملامحه الغاضبة بترقب , بينما كان هو يكاد ينفجر من شدة الغضب الذي يموج بداخله , تساءل بغضب

- لمَ لا تصفعين منتصر وتخبرينه بوضوح ألا يتحدث معكِ مجددًا ؟

ابتلعت ريقها بتوتر , نكست رأسها لا تعلم بمَ تجيبه , تشعر بأن كل حواسها تتوقف عن الحركة لمجرد ذكر اسم منتصر , تود لو تقتلع هذا الشعور وتقذف به بعيدًا عنها , تود لو تمحي أي تأثر بداخلها تجاهه .

كان صمتها ما يزيده سوى غضبًا , يكره تلك الحالة التي هي بها دومًا , يكره الضعف المتجسد في كل أفعالها .

هم بالتحدث لتوقفه قائلة وهى تمسك بمقبض الباب الخاص بالملحق قائلة

- أشعر بالنعاس .. أراك غدًا موسى

أوقفها قائلًا بغضب

- لم تجيبي عن سؤالي

نظرت له باعين دامعة قبل أن تهتف بقسوة لا تعلم لمَ تلبستها فجأة

- لا شأن لك موسى

اتسعت عينيه قليلًا لتدلف للداخل موصدة الباب خلفها , ظل على وقفته ينظر حيث دلفت بغضب قبل أن يستدير لتصفعه ابتسامة منتصر والذي على ما يبدو قد استمع لحديث ثويبة الأخير وقد راق له !

.....................

يتبع


تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-
close