رواية هكذا أحبته الفصل الثالث عشر 13 بقلم رنا نوار
الحلقة الثالثة عشر -
8- متجر الألعاب
لحق أكرم بحنين إلى متجر الألعاب المتفق عليه ..
ذاك المتجر ليس بالضخم، و لكنه يحوي العديد من الألعاب، بأشكالها و أنواعها المناسبة لمختلف الأعمار ..
المتجر مقسم لأقسام متوازية، كل قسم به فئة من الألعاب، متدرجة ما بين ألعاب الحروب، و المكعبات، و الموسيقى و عرائس الأطفال، على اختلافها، إلى السيارات و الدراجات الهوائية للأطفال، المحاكية للحقيقة إلى حد ما ..
دخل أكرم المتجر يتنقل ببصره في أرجائه، باحثًا عنها ..
غبي .. غبي .. نعم هذا ما حدثه به عقله! كيف لم يأخذ رقم هاتفها النقال؟!
لا بأس. لقد قالت في الصباح شيئًا عن العرائس. لنرَ إن كانت هناك ..
توجه أكرم للقسم المخصص للعرائس، آملًا أن يجدها هناك، و إلا فإنه سينتظرها عند قسم الحسابات .. هو ظن أنه بمجرد أن يصل للمتجر، سيجدها في انتظاره؛ ليدفع الحساب فقط، لكن ليس هذا ما حدث .. لا بأس ..
عندما وصل لقسم العرائس، جمد في مكانه لحظات قصيره ..
*****
أعجبت حنين بالمتجر عندما وطئته قدماها، هي تعشق الأطفال، يثيرون في داخلها إحساس الأمومة، و الحماية، والعطف، يتلمسون بمنتهى السهولة شغاف قلبها ويخترقونه، تعشق ألعابهم الصغيرة، و ملابسهم التي أحيانًا لا تتجاوز حجم كف اليد، تجولت قليلًا في المتجر، ترى ما يمكن أن تشتريه للطفلين ..
وجدت لـ ياسر ما يشبهه، هي لا تعلم كيف هو، و لكنها افترضت أن به من أكرم شيئًا ما، و رغم أنها في الحقيقة لا تدري كيف أكرم. و لكن إحساسها فقط أوحى لها بما يمكن أن يثير إعجابه، و على غير المتوقع، ليس ما يثيره الأسلحة كباقي الأطفال، لكن ما اعتقدت هي أنه يعجبه، كانت لعبة المكعبات، يبني شيئًا ما، يشكل بها ما يعجبه، يختار من الألبوم ما يهواه، أو ما يتخيله و يكونه.. اتخذت قرارها ببساطة، و اتجهت إلى قسم العرائس، أخذت تبحث عما يمكن أن يستهوي ابنة أكرم، في الحقيقة ابنة أخته، لكن ليس بيدها أن تمنع نفسها من أن تتخيل أنها ابنته، لا تدري ما بها أو ما أصابها. شتّان بين ما حدث منذ الصباح و حتى من دقائق مضت، و بين ما بها مذ وطئت المتجر، تشعر بشعور غريب يعجبها، و لا ترغب أن يزول، لا تدري ما هو، لكن لا يهمها. ما يهمها هو أن يبقى هذا الشعور لأطول فترة ممكنة؛ فهي بكل صدق، لا تتعجل العودة إلى حياتها الطبيعية. إن كان يمكن أن يطلق على ما تعيشه كلمة حياة !! ..
ها هي .. أخيرًا .. وجدت ما تبحث عنه .. عروسة جميلة، بريئة بفستانها الأبيض، و شرائطه الوردية، و ضفيرتي شعرها الأسود، و تلك الغرّة الرقيقة على وجهها، محمر الوجنتين، و الشفاه، طولها يمكن أن يعادل نصف طول الصغيرة لبنى .. ضحكت حنين في ذاتها، و ارتسمت ابتسامتها على ثغرها .. ستحبها الطفلة بالتأكيد، أخذت حنين اللعبة، و استدارت متجهة إلى قسم الحسابات؛ لتنتظر أكرم هناك، و لكنها فوجئت بصوت يشبه البكاء المكتوم يأتي من مكان ما خلفها،لم تستطع أن تتجاهله، فأخذت تبحث بين قوالب عرض العرائس علّها تصل لمصدر الصوت .. بعد دقيقة من البحث وجدتها .. طفلة يبدو أنها لم تتجاوز الثلاث سنوات، شعرها أسود كاحل قصير، معقوص، كما تلك الفتاة، بو في فيلم شركة المرعبين، ترتدي فستانًا طويلًا ورديًّا، عليه جاكيت قصير، أبيض اللون، رأتها حنين واقفة خلف إحدى قوالب العرض الطويلة، تبكي بصمت لا تسمع منها سوى أزيز، و تنهدات متشنجة، و ترى دموعها تتساقط من عينيها كما اللؤلؤ ..
أخذت حنين تدور بعينيها يمينًا و يسارًا، لعلها تجد أمها أو أبيها، و لكن لم تجد أي إشارة أن هناك من يبحث عن الطفلة، ركعت حنين على ركبتيها أمام الطفلة الخائفة، و مدت يديها لها طالبة منها ألا تخاف ..
حنين، بحنان ظاهر للعيان كضوء الشمس: ماتخافيش يا حبيبتي .. تعالي .. تعالي نروح نشوف ماما فين ..
لكن الطفلة لم تنصَعْ لكلمات حنين. بل إنها انزوت أكثر و أخذت دموعها تتساقط أكثر.. فأخذت عينا حنين تمتلئ دموعًا، هي تعرف تمامًا كيف تشعر الصغيرة.. إحساس الضياع و الخوف، و أن من تحميها ليست بالجوار، و تلك الغريبة كم تخشاها!
و ما حدث كان أكثر شيء مؤثر يمكن أن تراه ..
*****
وصل أكرم لقسم العرائس، و لكنه رأى ما جعله يجمد في مكانه لحظات ..
رأى حنين راكعة على ركبتيها، أمام أحد قوالب العرائس، باسطة كفيها، و تتحدث بهدوء، لم يسمع ما كانت تقوله، لكن المشهد أثار استغرابه ..
تحرك متقدمًا، و لم يكد يتقدم خطوتين، إلا و رأى بحق ما أربكه، وجد طفلة صغيرة تتقدم من خلف القالب الذي تقف أمامه حنين، تمد يدها الصغيرة، و تربت على وجنة حنين؛ لتتلقاها حنين بين أحضانها، و تأخذ من الأرض تحت قدميها مستقرًّا لها ..
ذهل .. هل ستأخذها عادة تلك الفتاة؟! هل إذهاله، و إرباكه سيكون شغلها الشاغل طوال الشهرين القادمين؟!
نفض هذا الفكر من رأسه، و اتجه إليهما ..
عندما اقترب، لاحظ تشنج حنين و الطفلة. "يا إلهي يكفي بكاء لهذا اليوم". هذا ما فكر به أكرم ..
نزل أكرم على ركبة و نصف، و مسَّ كتف حنين قائلًا: فيه إيه؟
انتفضت .. نظرت إليه و الدموع تغرق وجهها، و تملأ عينيها ..
نظراتها الحزينة، مست قلبه بجنون، أثارت به غريزة... يا للعجب! مست به و بجدارة غريزة الأبوة!
لانت ملامحه، اقترب محتضنًا كلتيهما، حنين و الطفلة ..
أكرم: ايه اللي حصل دلوقت؟
حنين و هي تحاول أن تكتم دموعها: البنت دي لاقتها بتعيط و تايهة تقريبا ..
أكرم، اغتاظ .. : و انتي بتعيطي ليه؟!
حنين لم تدري ما تخبره: صعبت عليا.
"يا لها من امرأة، تجد طفلة تبكي، فتجلس بجوارها تبكي هي الأخرى بدلًا من أن تحاول أن تجد ذويها، أو تذهب بها لمن يستطيع" هكذا فكر أكرم ..
أكرم، بهدوء يكتم غيظه: طيب قومي معايا و هاتي البنت نشوف أهلها فين دي؟
كفكفت دموعها، و دموع الطفلة التي كانت الآن ساكنة بين أحضانها، نهض أكرم و ساعد حنين في النهوض، أمسكت حنين بيد الطفلة، و وقفت ناظرة لأكرم ..
لا يدري ما حدث له، لكنه قال: ما تخافيش من حاجة، أنا موجود..
آآآآه لو يدري كم أحزنتها كلماته، لم تسمع من قبل تلك الكلمات، و بذاك الصدق و القوة .. كم تمنت لو يعرف كم أن كلماته البسيطة تلك، قد تسببت بإشعال نيران لم تدري حتى هي مدى قوتها ..
اكتفت حنين بهز رأسها، أن نعم .. و اكتفى هو بالاندهاش من نفسه داخل نفسه ..
ما كاد أن يولي لحنين ظهره، إلا و سمعا صراخ امرأة خلفهما ..
استدارا بسرعة؛ ليجدا المرأة التي بدا عليها الذعر حد الإرهاق تجري؛ لتأخذ الفتاة الصغيرة بين أحضانها، و تغدقها بالقبلات و الحمد و الشكر لله على كرمه.. تركت حنين يد الصغيرة، و اتخذت خطوات قليلة للخلف، فاصطدمت بأكرم "للمرة الثانية في ذات اليوم، متى ينتهي هذا اليوم؟" هذا ما جال بخاطر حنين بالرغم من بعض الأمان الذي تشعر به بالقرب منه ..
وضع يده على كتفها، فلم تقاوم، و لم تزحها، كانت في عالم آخر بريء، تستشعر فيه الأمان فتبقى، لم يكن بداخلها شيء آخر، و لكنه اعتبر أن بداخلها كل السوء، و كل الشر، و مع هذا لم يجد في نفسه سوى الراحة و هي بقربه، لم يدرِ لمَ؟
*****
بعدما انتهت المرأة من إغراق الصغيرة بالقبلات، و الاحتضان و التأكد أنها بخير، رفعت رأسها لحنين و أكرم..
المرأة: شكرًا، و الله أنا كنت هاموت لو مش لاقيتها.. كانت جمبي، وانا بشتري اللعب ليها و لاخواتها، و فجاة ببص مش لاقيتها، فسبت إخواتها عند الكاشير، و قعدت أدور عليها .. الحمد لله إني لاقيتها و ما كانتش طلعت برا ..
أكرم، بهدوء: حصل الخير، و الحمد لله إنك لاقتيها ..إحنا كنا هناخدها عند الكاشير برضه و نبلغه ..
شكرت السيدة أكرم، و أخذت الفتاة الصغيرة و ذهبت ..
فالتفت أكرم لحنين، التي و ياللعجب! لا تكف عيناها عن البكاء، تلك الفتاة ما بها؟! أخذ أكرم يطرح هذا السؤال على نفسه، ثم بمنتهى الهدوء، و الرفق مس ذقن حنين بأحد أصابعه، جاعلًا إياها ترفع رأسها؛ لتنظر إليه، مما أدهشها..
سألها أكرم و في عينيه شيء. لم تجد حنين مفرًّا منه، سوى النظر إليه: مالك دلوقت؟
حنين مستسلمة و قد بدأت تشعر بالإرهاق: أنا تعبت أوي..
أذهلته كلماتها.. بالفعل أحس بالعطف، و الشفقة نحوها، هو لا يدري ما بها، و لما منذ الصباح عيناها تدمع، و لا يبدو أن لديها النية للكف عن البكاء، لكنه فقط مؤقتًا سيعطيها هدنة ..
لا يدري كيف فعل ذلك، و لكنه ببساطة، أخذها بين أحضانه و هي لم تقاوم، هي كانت بحاجة ماسة، منذ سنين لمثل هذا الحضن؛ لكي تشعر فقط ببعض الأمان و الراحة، و أنها محمية من كل البشر، هو لا يدري، لمَ فعل هذا، و لكنه شعر أنه بحاجة لكي تكون هي بين أحضانه، هو شعر أنها طفلة تائهة، بحاجة لمن يهدئها، بالرغم من أنه يقينًا يعلم أنها تمثل، و ما كل ما يحدث سوى فصل في مسرحيتها.. و بالرغم مما يخبره به عقله، إلا أنه لم يجد نفسه إلا وقد بدأ في مس شعرها؛ ليهدئها .. "يبدو أن هذا أيضًا سيغدو عادة هههه" هكذا فكر أكرم ..
لحظات، و أبعدها عنه، تقابلت نظراتهما، هي تائهة، مرهقة، تكاد تسقط بين يديه، و هو اشتعلت به بعض الرغبة؛ لكي يمس شفتيها، و يقبلها.. لكنه -و يُحترم لذلك- أبعدها عنه بقسوة، و سحب يديه، و أشاح بوجهه عنها .. مما بعث فيها إحساسًا بالخزي و الخجل، أحست كما لو أنها فتاة من الشارع، و فكرت "إنها لابد قد أثارت اشمئزازه، فهذه ثاني مرة في يوم واحد تكون بين أحضانه" كادت تبكي، و لكنه لمح دموعها، فأثارت سخطه، و غضبه ..
أكرم، و شعلة من نار الغضب تتأجج في عينيه: إنتي إيه حكايتك؟ طول اليوم عياط.. كفاية بقى.. إنتي عايزة إيه بالظبط؟ إيه شغل العيال ده؟ إنتي شكلك مش نافعه لا محاميه و لا غيره ..
صمت، و فوجئت هي بكلامه، و لكن الحق معه، ما بها؟ صمتت، مسحت دموعها، هدأت من روعها، انحنت؛ لترفع اللعبتين.. نظرت له قائلة:
حنين: أنا آسفه، أوعدك مش هيحصل تاني..
نظر إليها قليلًا. كم تبدو كاللعبة!
أكرم، بهدوء: يالا بينا.
سار، و سارت خلفه بهدوء.. وصلا إلى المحاسب، أعطته اللعبتين، و دفع أكرم الحساب شارداً ..
خرجا من المتجر، استأذنت منه، و ذهبت في طريقها. لم يحاول إيقافها. بل تركها تذهب، و ذهب هو بطريقه..
****
8- متجر الألعاب
لحق أكرم بحنين إلى متجر الألعاب المتفق عليه ..
ذاك المتجر ليس بالضخم، و لكنه يحوي العديد من الألعاب، بأشكالها و أنواعها المناسبة لمختلف الأعمار ..
المتجر مقسم لأقسام متوازية، كل قسم به فئة من الألعاب، متدرجة ما بين ألعاب الحروب، و المكعبات، و الموسيقى و عرائس الأطفال، على اختلافها، إلى السيارات و الدراجات الهوائية للأطفال، المحاكية للحقيقة إلى حد ما ..
دخل أكرم المتجر يتنقل ببصره في أرجائه، باحثًا عنها ..
غبي .. غبي .. نعم هذا ما حدثه به عقله! كيف لم يأخذ رقم هاتفها النقال؟!
لا بأس. لقد قالت في الصباح شيئًا عن العرائس. لنرَ إن كانت هناك ..
توجه أكرم للقسم المخصص للعرائس، آملًا أن يجدها هناك، و إلا فإنه سينتظرها عند قسم الحسابات .. هو ظن أنه بمجرد أن يصل للمتجر، سيجدها في انتظاره؛ ليدفع الحساب فقط، لكن ليس هذا ما حدث .. لا بأس ..
عندما وصل لقسم العرائس، جمد في مكانه لحظات قصيره ..
*****
أعجبت حنين بالمتجر عندما وطئته قدماها، هي تعشق الأطفال، يثيرون في داخلها إحساس الأمومة، و الحماية، والعطف، يتلمسون بمنتهى السهولة شغاف قلبها ويخترقونه، تعشق ألعابهم الصغيرة، و ملابسهم التي أحيانًا لا تتجاوز حجم كف اليد، تجولت قليلًا في المتجر، ترى ما يمكن أن تشتريه للطفلين ..
وجدت لـ ياسر ما يشبهه، هي لا تعلم كيف هو، و لكنها افترضت أن به من أكرم شيئًا ما، و رغم أنها في الحقيقة لا تدري كيف أكرم. و لكن إحساسها فقط أوحى لها بما يمكن أن يثير إعجابه، و على غير المتوقع، ليس ما يثيره الأسلحة كباقي الأطفال، لكن ما اعتقدت هي أنه يعجبه، كانت لعبة المكعبات، يبني شيئًا ما، يشكل بها ما يعجبه، يختار من الألبوم ما يهواه، أو ما يتخيله و يكونه.. اتخذت قرارها ببساطة، و اتجهت إلى قسم العرائس، أخذت تبحث عما يمكن أن يستهوي ابنة أكرم، في الحقيقة ابنة أخته، لكن ليس بيدها أن تمنع نفسها من أن تتخيل أنها ابنته، لا تدري ما بها أو ما أصابها. شتّان بين ما حدث منذ الصباح و حتى من دقائق مضت، و بين ما بها مذ وطئت المتجر، تشعر بشعور غريب يعجبها، و لا ترغب أن يزول، لا تدري ما هو، لكن لا يهمها. ما يهمها هو أن يبقى هذا الشعور لأطول فترة ممكنة؛ فهي بكل صدق، لا تتعجل العودة إلى حياتها الطبيعية. إن كان يمكن أن يطلق على ما تعيشه كلمة حياة !! ..
ها هي .. أخيرًا .. وجدت ما تبحث عنه .. عروسة جميلة، بريئة بفستانها الأبيض، و شرائطه الوردية، و ضفيرتي شعرها الأسود، و تلك الغرّة الرقيقة على وجهها، محمر الوجنتين، و الشفاه، طولها يمكن أن يعادل نصف طول الصغيرة لبنى .. ضحكت حنين في ذاتها، و ارتسمت ابتسامتها على ثغرها .. ستحبها الطفلة بالتأكيد، أخذت حنين اللعبة، و استدارت متجهة إلى قسم الحسابات؛ لتنتظر أكرم هناك، و لكنها فوجئت بصوت يشبه البكاء المكتوم يأتي من مكان ما خلفها،لم تستطع أن تتجاهله، فأخذت تبحث بين قوالب عرض العرائس علّها تصل لمصدر الصوت .. بعد دقيقة من البحث وجدتها .. طفلة يبدو أنها لم تتجاوز الثلاث سنوات، شعرها أسود كاحل قصير، معقوص، كما تلك الفتاة، بو في فيلم شركة المرعبين، ترتدي فستانًا طويلًا ورديًّا، عليه جاكيت قصير، أبيض اللون، رأتها حنين واقفة خلف إحدى قوالب العرض الطويلة، تبكي بصمت لا تسمع منها سوى أزيز، و تنهدات متشنجة، و ترى دموعها تتساقط من عينيها كما اللؤلؤ ..
أخذت حنين تدور بعينيها يمينًا و يسارًا، لعلها تجد أمها أو أبيها، و لكن لم تجد أي إشارة أن هناك من يبحث عن الطفلة، ركعت حنين على ركبتيها أمام الطفلة الخائفة، و مدت يديها لها طالبة منها ألا تخاف ..
حنين، بحنان ظاهر للعيان كضوء الشمس: ماتخافيش يا حبيبتي .. تعالي .. تعالي نروح نشوف ماما فين ..
لكن الطفلة لم تنصَعْ لكلمات حنين. بل إنها انزوت أكثر و أخذت دموعها تتساقط أكثر.. فأخذت عينا حنين تمتلئ دموعًا، هي تعرف تمامًا كيف تشعر الصغيرة.. إحساس الضياع و الخوف، و أن من تحميها ليست بالجوار، و تلك الغريبة كم تخشاها!
و ما حدث كان أكثر شيء مؤثر يمكن أن تراه ..
*****
وصل أكرم لقسم العرائس، و لكنه رأى ما جعله يجمد في مكانه لحظات ..
رأى حنين راكعة على ركبتيها، أمام أحد قوالب العرائس، باسطة كفيها، و تتحدث بهدوء، لم يسمع ما كانت تقوله، لكن المشهد أثار استغرابه ..
تحرك متقدمًا، و لم يكد يتقدم خطوتين، إلا و رأى بحق ما أربكه، وجد طفلة صغيرة تتقدم من خلف القالب الذي تقف أمامه حنين، تمد يدها الصغيرة، و تربت على وجنة حنين؛ لتتلقاها حنين بين أحضانها، و تأخذ من الأرض تحت قدميها مستقرًّا لها ..
ذهل .. هل ستأخذها عادة تلك الفتاة؟! هل إذهاله، و إرباكه سيكون شغلها الشاغل طوال الشهرين القادمين؟!
نفض هذا الفكر من رأسه، و اتجه إليهما ..
عندما اقترب، لاحظ تشنج حنين و الطفلة. "يا إلهي يكفي بكاء لهذا اليوم". هذا ما فكر به أكرم ..
نزل أكرم على ركبة و نصف، و مسَّ كتف حنين قائلًا: فيه إيه؟
انتفضت .. نظرت إليه و الدموع تغرق وجهها، و تملأ عينيها ..
نظراتها الحزينة، مست قلبه بجنون، أثارت به غريزة... يا للعجب! مست به و بجدارة غريزة الأبوة!
لانت ملامحه، اقترب محتضنًا كلتيهما، حنين و الطفلة ..
أكرم: ايه اللي حصل دلوقت؟
حنين و هي تحاول أن تكتم دموعها: البنت دي لاقتها بتعيط و تايهة تقريبا ..
أكرم، اغتاظ .. : و انتي بتعيطي ليه؟!
حنين لم تدري ما تخبره: صعبت عليا.
"يا لها من امرأة، تجد طفلة تبكي، فتجلس بجوارها تبكي هي الأخرى بدلًا من أن تحاول أن تجد ذويها، أو تذهب بها لمن يستطيع" هكذا فكر أكرم ..
أكرم، بهدوء يكتم غيظه: طيب قومي معايا و هاتي البنت نشوف أهلها فين دي؟
كفكفت دموعها، و دموع الطفلة التي كانت الآن ساكنة بين أحضانها، نهض أكرم و ساعد حنين في النهوض، أمسكت حنين بيد الطفلة، و وقفت ناظرة لأكرم ..
لا يدري ما حدث له، لكنه قال: ما تخافيش من حاجة، أنا موجود..
آآآآه لو يدري كم أحزنتها كلماته، لم تسمع من قبل تلك الكلمات، و بذاك الصدق و القوة .. كم تمنت لو يعرف كم أن كلماته البسيطة تلك، قد تسببت بإشعال نيران لم تدري حتى هي مدى قوتها ..
اكتفت حنين بهز رأسها، أن نعم .. و اكتفى هو بالاندهاش من نفسه داخل نفسه ..
ما كاد أن يولي لحنين ظهره، إلا و سمعا صراخ امرأة خلفهما ..
استدارا بسرعة؛ ليجدا المرأة التي بدا عليها الذعر حد الإرهاق تجري؛ لتأخذ الفتاة الصغيرة بين أحضانها، و تغدقها بالقبلات و الحمد و الشكر لله على كرمه.. تركت حنين يد الصغيرة، و اتخذت خطوات قليلة للخلف، فاصطدمت بأكرم "للمرة الثانية في ذات اليوم، متى ينتهي هذا اليوم؟" هذا ما جال بخاطر حنين بالرغم من بعض الأمان الذي تشعر به بالقرب منه ..
وضع يده على كتفها، فلم تقاوم، و لم تزحها، كانت في عالم آخر بريء، تستشعر فيه الأمان فتبقى، لم يكن بداخلها شيء آخر، و لكنه اعتبر أن بداخلها كل السوء، و كل الشر، و مع هذا لم يجد في نفسه سوى الراحة و هي بقربه، لم يدرِ لمَ؟
*****
بعدما انتهت المرأة من إغراق الصغيرة بالقبلات، و الاحتضان و التأكد أنها بخير، رفعت رأسها لحنين و أكرم..
المرأة: شكرًا، و الله أنا كنت هاموت لو مش لاقيتها.. كانت جمبي، وانا بشتري اللعب ليها و لاخواتها، و فجاة ببص مش لاقيتها، فسبت إخواتها عند الكاشير، و قعدت أدور عليها .. الحمد لله إني لاقيتها و ما كانتش طلعت برا ..
أكرم، بهدوء: حصل الخير، و الحمد لله إنك لاقتيها ..إحنا كنا هناخدها عند الكاشير برضه و نبلغه ..
شكرت السيدة أكرم، و أخذت الفتاة الصغيرة و ذهبت ..
فالتفت أكرم لحنين، التي و ياللعجب! لا تكف عيناها عن البكاء، تلك الفتاة ما بها؟! أخذ أكرم يطرح هذا السؤال على نفسه، ثم بمنتهى الهدوء، و الرفق مس ذقن حنين بأحد أصابعه، جاعلًا إياها ترفع رأسها؛ لتنظر إليه، مما أدهشها..
سألها أكرم و في عينيه شيء. لم تجد حنين مفرًّا منه، سوى النظر إليه: مالك دلوقت؟
حنين مستسلمة و قد بدأت تشعر بالإرهاق: أنا تعبت أوي..
أذهلته كلماتها.. بالفعل أحس بالعطف، و الشفقة نحوها، هو لا يدري ما بها، و لما منذ الصباح عيناها تدمع، و لا يبدو أن لديها النية للكف عن البكاء، لكنه فقط مؤقتًا سيعطيها هدنة ..
لا يدري كيف فعل ذلك، و لكنه ببساطة، أخذها بين أحضانه و هي لم تقاوم، هي كانت بحاجة ماسة، منذ سنين لمثل هذا الحضن؛ لكي تشعر فقط ببعض الأمان و الراحة، و أنها محمية من كل البشر، هو لا يدري، لمَ فعل هذا، و لكنه شعر أنه بحاجة لكي تكون هي بين أحضانه، هو شعر أنها طفلة تائهة، بحاجة لمن يهدئها، بالرغم من أنه يقينًا يعلم أنها تمثل، و ما كل ما يحدث سوى فصل في مسرحيتها.. و بالرغم مما يخبره به عقله، إلا أنه لم يجد نفسه إلا وقد بدأ في مس شعرها؛ ليهدئها .. "يبدو أن هذا أيضًا سيغدو عادة هههه" هكذا فكر أكرم ..
لحظات، و أبعدها عنه، تقابلت نظراتهما، هي تائهة، مرهقة، تكاد تسقط بين يديه، و هو اشتعلت به بعض الرغبة؛ لكي يمس شفتيها، و يقبلها.. لكنه -و يُحترم لذلك- أبعدها عنه بقسوة، و سحب يديه، و أشاح بوجهه عنها .. مما بعث فيها إحساسًا بالخزي و الخجل، أحست كما لو أنها فتاة من الشارع، و فكرت "إنها لابد قد أثارت اشمئزازه، فهذه ثاني مرة في يوم واحد تكون بين أحضانه" كادت تبكي، و لكنه لمح دموعها، فأثارت سخطه، و غضبه ..
أكرم، و شعلة من نار الغضب تتأجج في عينيه: إنتي إيه حكايتك؟ طول اليوم عياط.. كفاية بقى.. إنتي عايزة إيه بالظبط؟ إيه شغل العيال ده؟ إنتي شكلك مش نافعه لا محاميه و لا غيره ..
صمت، و فوجئت هي بكلامه، و لكن الحق معه، ما بها؟ صمتت، مسحت دموعها، هدأت من روعها، انحنت؛ لترفع اللعبتين.. نظرت له قائلة:
حنين: أنا آسفه، أوعدك مش هيحصل تاني..
نظر إليها قليلًا. كم تبدو كاللعبة!
أكرم، بهدوء: يالا بينا.
سار، و سارت خلفه بهدوء.. وصلا إلى المحاسب، أعطته اللعبتين، و دفع أكرم الحساب شارداً ..
خرجا من المتجر، استأذنت منه، و ذهبت في طريقها. لم يحاول إيقافها. بل تركها تذهب، و ذهب هو بطريقه..
****
