رواية شيخة القبيلة الفصل الثالث عشر 13 بقلم رانيا ممدوح
ابتسم صقر ابتسامة باردة، لكن عينيه ظلّتا مشتعلة كالجمر، ثم مال بجسده قليلًا نحو يزيد، وقال بصوت منخفض يحمل في طياته وعيدًا:
"لو شيخ القبايل نفسه جالي وقالي أبعد، هعرف أرد عليه كويس... أنا مش من النوع اللي يخلي حد يحدد له خطوته."
+
ارتشف يزيد آخر جرعة من عصيره، ثم وضع الكوب على الطاولة بصوت خفيف، وهو ينظر إلى صقر بنصف ابتسامة تجمع بين المزاح والتحذير:
"بس خليك فاكر يا صقر، اللعب مع الحمدانية مش لعبة أولاد... دول عندهم الكبرياء أهم من الروح."
+
رد صقر وهو يعتدل في جلسته، يمرر أصابعه على ذقنه بتفكير:
"وأنا كمان عندي الكبرياء... وأول معركة لسه شغّالة، سواء في الدراسة أو غيرها. وصدقني يا يزيد، كل خطوة ليّا محسوبة... وأولهم إني أوري ابن الحمدانية حجمه الحقيقي."
+
هز يزيد رأسه ببطء، ناظرًا إليه بعين تعرف أن صقر لا يتراجع عن كلمته أبدًا، ثم قال:
"المشكلة إني مصدقك... ومش عارف أفرح ولا أقلق."
+
ضحك صقر ضحكة قصيرة، لكنها خالية من البهجة، وقال بثقة:
"خليك تقلق أحسن... لأن اللي جاي مش هزار."
+
ثم نهض عن الكرسي، يتحرك بخطوات بطيئة لكنها ثابتة، وكأن عقله قد رسم خطة كاملة لما سيأتي، بينما بقي يزيد يراقبه في صمت، يدرك أن العاصفة التي يحملها صقر في داخله لم تهب بعد... لكنها ستأتي.
+
جلس صقر في غرفته الواسعة، وقد انتشرت على الطاولة أمامه كومة من الكتب الثقيلة والمراجع المجلدة، تتداخل ألوان أغلفتها بين العتيق والجديد. كانت رائحة الورق والحبر تعبق في الجو، وكأنها تعلن عن بداية معركة فكرية لا تقل شراسة عن أي قتال خاضه من قبل.
+
مد يده إلى أول كتاب، قلب صفحاته ببطء، وعيناه تتحركان بخطوط ثابتة، لا تبحث عن المعلومة فحسب، بل تحاول التهامها بكل ما فيها من تفاصيل. أصابعه تنقر أحيانًا على سطح الطاولة، وصوت أنفاسه يتناغم مع حدة تركيزه. كلما عثر على فكرة لامعة أو طريقة مبتكرة، رسم على وجهه ابتسامة جانبية تحمل مزيجًا من الرضا والتحدي.
+
كان يدوّن ملاحظاته بخط مرتب على دفتره الأسود، وكأنه يبني سلاحًا جديدًا استعدادًا للمواجهة القادمة مع بدر. في كل مرة يكتب فيها، يتذكر عينيها وهي تنظر له بثقة متحدية، فتشتعل داخله رغبة أكبر في سحق تلك الثقة وإثبات تفوقه.
1
ومع كل صفحة يطويها، كان يزداد اقتناعًا أن هذه ليست مجرد دراسة، بل معركة شرف... وأول خطوة على طريق انتزاع انتصار لن تنساه بدر الحمدانية أبدًا.
+
بعد ساعاتٍ طويلة من الانغماس في الكتب والملاحظات، حيث غاص فكره حتى غاب عن الإحساس بمرور الزمن، رفع صقر رأسه ببطء، وأطلق زفرة ثقيلة كمن يعلن انتهاء جولة حرب مرهقة. كانت عيناه مثقلتين بالإجهاد، لكن في أعماقه شعورٌ مكتوم بالرضا، وكأنه وضع حجر الأساس لنصرٍ قادم.
+
جمع أوراقه ورتب كتبه بعناية، ثم أطفأ المصباح الكبير على الطاولة، تاركًا الغرفة تغرق في ضوء خافت من مصباح جانبي. تسلل إلى فراشه بخطوات هادئة، وكأنه لا يريد إيقاظ الأفكار التي هدأت للتو في رأسه. تمدد بين الأغطية، والحرارة الدافئة تلف جسده المرهق، فيما تسللت إلى عقله آخر صور الصفحات التي قرأها، وأصداء كلماتٍ حفظها.
+
وقبل أن تغمض عيناه تمامًا، مرّ بخاطره وجه بدر وهي تتحدث بثقة أمامه... عندها، ارتسمت على شفتيه ابتسامة واهنة،متذكر كيف كانت تبدو و هي خاسرة ابتسامة من يعرف أنه ما زال في بداية الطريق لهزيمتها، لكنه خطى الليلة خطوة حاسمة نحوه. ثم ترك لعالم النوم أن يبتلعه، وهو على يقين أن الغد سيحمل معه جولة جديدة من التحدي.
+
كانت شمس الصباح تنسكب ذهبية على ساحات الجامعة، والنسيم البارد يتسلل عبر الممرات المزدانة بالأشجار. دخلت بدر باكرًا، كتفها مشدود، وخطواتها محسوبة، وعيناها تحملان يقظة من ينتظر تحديًا جديدًا. جلست في مقعدها المعتاد، تفتح دفترها، وقلبها مستعد لأي جولة، غير عابئة بغير التركيز على هدفها.
+
لم تمضِ دقائق حتى دخل صقر. باب القاعة انفتح بصوت خفيف، وخطواته الواثقة عبرت الممر، وعيناه تتجولان في المكان حتى التقطتا بدر، فأرسل إليها نظرة طويلة، ليست حادة ولا ودودة... نظرة مائلة، تحمل مزيجًا غامضًا من قراءة النوايا وشيء آخر لا تفسره الكلمات بسهولة.
+
جلس في مقعده، وما إن استقر حتى بدا كأن موجة من الحماس اجتاحت المكان. ست شابات اندفعن نحوه، وجلسن حوله في نصف دائرة، كل واحدة منهن تحمل بريق انبهار في عينيها. كان صقر بالأمس قد حصد إعجاب الجميع بعد أن نطق ماركو، المعروف بندرة مديحه، بكلمات إشادة قلّ أن يمنحها لطالب.
1
اقتربت الأولى، جوليانا، بملامح مشرقة وشعر بني منسدل على كتفيها، وقالت بابتسامة كبيرة:
"صقر، برافو! إنت امبارح كنت مدهش، ما كنتش أتوقع حد يقدر يكسب التحدي بالطريقة دي."
+
ضحك بخفة، ونظر إليها نظرة تقدير:
"ده لأنكِ ما شفتيش إصراري، يا جوليانا... أنا لما بدخل تحدي ما بفكرش في الخسارة أبدًا."
2
الثانية، كارلا، ذات العيون الخضراء اللامعة، أمالت رأسها قليلًا، تتأمله بعناية:
"بس مش بس إصرار، في حاجة في طريقتك... كأنك كنت عارف النتيجة من الأول."
+
ابتسم بثقة، ورفع حاجبه:
"لما تدرسي خصمك كويس، وتحضري نفسك أحسن منه، النتيجة مش بتكون مفاجأة بالنسبة لك."
+
تقدمت الثالثة، فيوليتا، ذات الشعر الأشقر المجدول، وضغطت على دفترها بحماس:
"أنا نفسي أتعلم منك، مش عشان المنافسة... بس عشان عجبني أسلوبك و ثقتك بنفسك."
+
مال إليها قليلًا، وابتسامة جانبية تتسلل إلى شفتيه:
"أسلوبك أنتِ اللي محتاج يبان، فيوليتا... لو طبقتي شوية من طريقتي، ممكن تعملي حاجة تبهري بيها ماركو اكتر مني."
+
الرابعة، إيزابيلا، ذات النظرة الحادة، ضحكت ضحكة قصيرة:
"أنا حاسة إنك بتحب الأضواء،يا صقر."
+
رد وهو يلتفت إليها بعينين تلمعان بخبث:
"الأضواء هي اللي بتدور عليا، مش أنا اللي بروح لها."
+
الخامسة، أليساندرا، رفعت يدها بخفة وكأنها تحيي انتباهه:
"أنا شايفة إنك تستاهل تكون قائد المجموعة الجاية، ماركو نفسه معجب بيك جدا و بتقدمك."
+
ابتسم بفخر، وألقى نظرة سريعة ناحية بدر، ثم عاد إليها:
"القائد مش اللي ماركو يختاره... القائد اللي يثبت نفسه وسط أي تحدي مهما كان هو ايه."
+
أما السادسة، مارتينا، فكانت تراقبه بعينين فضوليتين أكثر من إعجاب:
"بس يا ترى، يا صقر... هتقدر تحافظ على المستوى ده لآخر السنة؟"
+
أمال رأسه، وصوته انخفض قليلًا بنبرة مليئة بالثقة:
"أنا مش بحافظ... أنا بعلّي، يا مارتينا. والأيام هتثبتلك ، و مش هحافظ عليه لآخر السنة بس ، ده لآخر كل السنين."
1
في أثناء ذلك، كانت بدر تتابع المشهد من بعيد، ملامحها ثابتة، لكن عينها لم تترك تفاصيل حركاته أو طريقته في جذب الانتباه. صقر، بدوره، كان كل بضع لحظات يرسل نظرة سريعة نحوها، نظرة تحمل شيئًا من التحدي الخفي، وكأن كل هذا الحوار لم يكن إلا استعراضًا جانبيًا في معركته الحقيقية معها.
+
كان الجو حول صقر قد اشتعل بالضحك، كأن الضحكات تتقافز بين المقاعد مثل شرارات صغيرة.
جوليانا ضحكت و هي تغطي فمها بكفها:
"أنت مش بس شاطر، أنت كمان بتعرف تقول كلام يقلب الجلسة هزار!"
+
كارلا حركت يدها في الهواء، وكأنها تروي قصة:
"أنا لو كنت مكان بدر امبارح، كنت انسحبت قبل ما تكسفني بالشكل ده."
+
ضحك صقر بصوت عالٍ، وصوت ضحكته حمل شيئًا من النبرة الاستفزازية:
"بدر مش بينسحب، هو بيستنى الجولة الجاية عشان ياخد الصدمة الأكبر."
+
فيوليتا أمسكت بكتف إيزابيلا وهي تكاد تنحني من الضحك:
"دي جملة تتحط على تيشيرت من كتر الثقة!"
+
صقر أكمل بابتسامة جانبية ونظرة خاطفة نحو بدر:
"وهنطبعها ونوزعها في الجامعة على حسابي كمان، و نكتب الخسران مالوش مكان ، دي هتبقى تريند."
+
ارتفع الضحك أكثر، حتى أن مارتينا وضعت رأسها على الطاولة وهي تضحك، بينما أليساندرا تمسح دموع الضحك من عينيها.
+
بدر كانت تتابع بصمت في البداية، ملامحها جامدة، لكن مع ارتفاع وتيرة المزاح ونظرات صقر المتعمدة نحوها، رفعت حاجبها بتعبير مختلط بين الاستهزاء والبرود، ثم أغلقت دفترها بهدوء، حملت حقيبتها، ووقفت لتخرج.
+
صقر لمحها وهي تتحرك نحو الباب، فتوقفت ضحكته لحظة، لكن لم يمنع نفسه من ابتسامة صغيرة وكأنه يعتبر انسحابها انتصارًا جديدًا ، و تأكد من أنها بلغت من الغيظ مبلغه.
+
وما إن أغلقت بدر الباب خلفها بعنف شديد، حتى فُتح الباب الآخر للقاعة، ودخل الأستاذ الجامعي بخطوات ثابتة، يحمل في يده ملفًا كبيرًا.
تبدلت أجواء الضحك في لحظة، وكأن على الجميع زرًا سريًا للصمت، فعادت البنات إلى مقاعدهن بسرعة، وصقر ألقى بنفسه على الكرسي وكأنه لم يتحرك منذ البداية، وعيناه تلمعان بنفس الهدوء الماكر.
+
بعد عدة دقائق دخلت بدر القاعة بخطوات واثقة، رأسها مرفوع ويدها تمسك بالدفتر والقلم، محاولة أن تظهر تركيزها الكامل على ما سيقدمه ماركو، رغم أن قلبها كان ينبض بسرعة بسبب التحدي الذي ينتظرها.
+
عيناها جالتا سريعًا على المكان، رمقتها نظرة سريعة على صقر الذي كان يجلس في الصف الخلفي، بنظرة صامتة لا تفصح عن شعوره، لكنه بلا شك يراقبها بتمعن، كما لو كان كل حركة تقوم بها تحت عدسته.
+
ابتسمت بدر ابتسامة خفيفة لنفسها، وشعرت بقوة داخلية تدفعها لتثبت أنها قادرة على مواجهة هذا التحدي، مهما حاول صقر أن يزعزع ثقتها.
+
ماركو رفع صوته حين رآها تدخل:
"أهلاً يا بدر، اجلس هنا وابدأ بالتحضير، اليوم هيكون مليئ بالتحديات."
+
جلست بدر على مقعدها المخصص، وبدأت تفتح دفاترها وتعد أقلامها، بينما كانت عيونها تتفحص المكان والطلاب من حولها، وخصوصًا صقر الذي لم يحرك ساكنًا، مكتفيًا بمراقبتها من بعيد.
+
كل نظرة تبادلاها كانت مشحونة بالتحدي، وابتسامة خفيفة من بدر أو من صقر كانت كافية لتثير جلبة صغيرة في داخل القاعة، رغم أن أحدًا لم يلاحظ إلا الأثنين فقط.
+
عاد صمت القاعة ليملأ الأجواء، والأضواء تعكس لمعانًا خافتًا على وجوه الطلاب المتحمسين. الأستاذ ماركو رفع نظره نحو الحاضرين وقال بصوت حازم:
"صباح الخير للجميع، اليوم سنبدأ ورشة تصميم تنافسية جديدة. أريد من كل واحد أن يضع كل قدراته في هذا المشروع."
+
كانت عيون صقر تتبع كل حركة من حوله، لكنه بالكاد ركز على كلمات الأستاذ، فبصمته المهيب ونظراته الثاقبة كانت موجّهة نحو بدر، التي جلست في الصف الأمامي، متمسكة بقلمها ودفترها، تحاول أن تبدو مركزة بينما تشعر بنظراته الحادة تنصب عليها كسهام.
+
ماركو أضاف، وهو يشير إلى الطاولة المركزية:
"الهدف هو أن تبتكروا تصميمًا مبتكرًا يظهر مهاراتكم وقدرتكم على التفكير خارج الصندوق. الوقت محدود، والجوائز قيمة."
+
ضحكت كارلا بصوت منخفض بجانب صديقتها جوليانا:
"إنت شايفة صقر قدامك؟ دايماً شبه الوحش لما يكون في تحدي."
+
صقر التفت لها بسرعة، رفع حاجبه الأيمن بنبرة استهزاء خفيفة:
"أهو اللي هيفوز هنا، واللي يحاول يقرب مني، بحذره من الهزيمة الشنيعة."
+
بدر شعرت بشيء من الغضب يتصاعد داخلها، لكنها قررت أن تتجاهل استفزازاته، رفعت دفترها بيدين ثابتتين قبل أن تضربه بقوة أمامها ليصدر صوتًا عاليًا، وحاولت أن تركز على ما يقدمه ماركو من شرح. ومع ذلك، كل مرة تلتفت فيها لتدوين الملاحظات، كانت تجد صقر يراقبها بلا كلل، وكأن كل حركة من حركاتها تمثل له تحديًا شخصيًا.
+
الطالبات اللواتي كن حول صقر يحاولن الاقتراب منه، ابتعدن شيئًا فشيئًا حين لاحظن تلك النظرات، والضحك الخفي الذي كان على وجهه، ممزوجًا بغموض وصعوبة لا يمكن قراءتها بسهولة.
+
صوت ماركو رفع من جديد ليقطع التركيز، لكنه لم يستطع أن يخفي ارتباكه قليلًا أمام التوتر المتبادل بين صقر وبدر:
"أريد كل شخص أن يبدأ، والوقت هيبدأ الآن."
+
وبينما انطلق الجميع للعمل، شعرت بدر بنبض قلبها يزداد قليلاً، ونظرات صقر لم تفارقها، وكأن كل ثانية كانت اختبارًا للتركيز والصبر، وأول مواجهة حقيقية بين الاثنين قد بدأت دون أي كلمة معلنة، فقط عبر النظرات والتحدي الصامت.
+
انطلقت القاعة في نشاط محموم، كل طالب يحاول تنظيم أفكاره بسرعة، بينما الزمن يركض بلا رحمة. كان ماركو يراقبهم بعين خبيرة، يراقب كل حركة وحركة، يدوّن ملاحظاته على الطلاب الذين يبدون متوترين أو مشتتين.
+
جلست بدر على طاولتها، عيناها مركّزتان على الورقة أمامها، يدها تتحرك بسرعة بين الأقلام والأوراق، وكل حركة تحمل دقة متناهية، وكأنها تقرأ المستقبل قبل أن يحدث. لكنها لم تنسَ صقر، فكانت رمقته من زاوية عينها بين الحين والآخر، تشعر بأن نظراته تثقل كاهلها، لكنها عزمت على ألا تسمح له بإظهار أي تأثير عليها.
+
أما صقر، فجلس على مقعده بثقة، يراقب تحركات بدر وكل طالب حوله، يبتسم أحيانًا بسخرية خفية وهو يرى بعضهم يتعثر أو يجهد نفسه في محاولات فاشلة، بينما يزيد من عزيمته أن يكون هو المسيطر في هذه المنافسة.
+
ماركو، بصوته الهادئ والموجّه:
"يلا يا شباب، أربعون دقيقة بس... ركزوا على التفاصيل،افتكروا الجودة أهم من السرعة، لكن الزمن ضدكم."
+
تتالى الأصوات: صرير الأقلام على الورق، همسات الطلاب، وتحركات الأوراق، مع نسمات من التوتر تملأ الجو.
+
انتهت الدقائق الأربعون سريعًا، وكأن الزمن نفسه سخر من الجهود المضنية. رفع كل طالب رأسه بارتباك أو بثقة، وسلّم مشروعه إلى ماركو، الذي كان يراقب كل خطوة بعين ناقدة.
+
جلست بدر تتنفس بعمق، يداها لا تزالان ترتجفان قليلًا من شدة التركيز والإجهاد، لكن عينها كانت تتلمّس المكان حولها، تبحث عن صقر لترى ردّة فعله.
+
أما صقر، فقد وضع مشروعه أمام ماركو بهدوء، مع ابتسامة غامضة تعكس شعوره بالانتصار، ورمق بدر بعينين تتحدى، وكأن كل نظرة منهما تقول: "المنافسة لم تنته بعد".
+
رفع ماركو يده بصوت هادئ ومهيب، لتخفت الهمسات وتعمّ القاعة صمت متوتر، ثم قال:
"تمام... الكل سلّم. دلوقتي، تقييم المشاريع هيكون بكرة... يلا استريحوا النهارده واستعدوا لبكرة متحمس أشوف مين اللي هيفوز المرة دي."
+
سادت القاعة لحظة صمت متوترة، ثم بدأ الطلاب يتحركون ببطء، كل واحد منهم يتأمل مصيره، بينما بدر و صقر يتبادلان النظرات المشحونة بالتحدي والفضول، كل منهما يحاول قراءة ما في ذهن الآخر، متلهفًا لمعرفة النتيجة النهائية التي ستعلن غدًا.
+
خرجت بدر من القاعة بخطوات متوترة، تتلمس الأرض بنظرات قلقة. كان قلبها ينبض بسرعة، وعيناها لا تفارقان المكان الذي يجلس فيه صقر، وكأنهما تبحثان عن أي علامة تكشف ما في داخله من نوايا. اقتربت من عبد ربه الذي كان واقفًا عند باب القاعة، يراقب الطلاب وهم يغادرون بهدوء.
+
رفعت بدر كتفها في تردد، ثم همست بقلق:
"يا عبد ربه... مش عارفة أعمل إيه، أنا خايفة أوي... خايفة أخسر تاني."
+
ابتسم عبد ربه بطريقة مطمئنة، وحاول أن يخفف من توترها:
"ما تقلقيش يا ست بدر، إنتي عملتي كل اللي عليكي. كله هيبقى تمام."
+
هزت بدر رأسها بعصبية، وعينها ما زالت تتجه نحو القاعة:
"بس يا عبد ربه... شفت صقر؟ كل مرة بيبصلي كده، وأنا حاسة إن كل نظرة منه فيها تحدي... وكأني لازم أكون فوق، وإلا... هتكون كارثة."
+
نظر عبد ربه إليها بجدية، حاول أن يوازن بين الطمأنينة والواقعية:
"أيوه يا ست بدر، هو صقر قوي ومنافس شرس، بس إنتي كمان مش ضعيفة. فاكرة كل اللي عملتيه قبل كده؟ كل التدريب، كل المجهود اللي بذلتيه... ده كله مش هيروح هدر."
+
أخذت بدر نفسًا عميقًا، لكنها لم تستطع إخفاء القلق الذي يملأ قلبها:
"يعني... حتى لو أنا حاولت بكل قوتي، هو ممكن يفوز بعد كل ده؟! وأنا... أنا مش عارفة... خايفة أظهر ضعيفة قدامه مش بس قدامه هو أنا خايفة أكون ضعيفة قدام كل الناس."
+
ضحك عبد ربه بخفة، محاولًا تخفيف وطأة التوتر:
"خديها ببساطة يا ست بدر، خديها على إن دي لعبة، والمهم إنتي تعرفي تحافظي على تركيزك. صقر مش فوقك، هو بس منافس... وده طبيعي. كل واحد فينا بيواجه تحديات، وإنتي قويّة، فاكرة زمان؟! كنتي أحسن من كده قبل ما يظهر صقر."
+
رفعت بدر رأسها ببطء، وعينها بدأت تتلألأ ببعض الشجاعة:
"أيوه... فاكرة... بس المرة دي... الضغط أكبر... والكل هيبص عليا... مش بس هو... حتى الطلبة... والدكاترة."
+
اقترب عبد ربه منها، ووضع يده على كتفها برفق:
"اه... عارف... الضغط كبير، بس ده مش سبب يخليكي تخافي. بالعكس، خلي ده يكون دافع ليكي. ركزي على اللي بتعمليه، كل خطوة بحساب... وكل حاجة هتمشي زي ما انتي عايزة."
+
ابتسمت بدر بخفّة، لكنها ما زالت قلقة، وضمت يديها أمام صدرها:
"بس... لو خسرت... ده معناه... معناه إن كل مجهودي... راح هدر... مش عارفة أستحمل إحراج كده قدام الناس."
+
تنهد عبد ربه ببطء، ثم قال بصوت حازم:
"اسمعي يا بدر... أي نتيجة هي جزء من التجربة. حتى لو خسرتِ، ده مش نهاية العالم. ده درس. بس متخليش خوفك من الخسارة يسيطر على تفكيرك... ده اللي هيخليك فعلاً تخسري قبل ما تبدأي."
+
نظرت بدر إليه بعينين متألقتين، وكأن الكلمات بدأت تغرس بعض الثقة في قلبها:
"يعني... تفتكر أقدر؟ أقدر أثبت نفسي؟"
+
ابتسم عبد ربه وأجاب بثقة:
"أكيد... إنتي طول عمرك كنتي قوية. كل اللي محتاجاه دلوقتي إنك تفضلي مركزة، وما تسمحيش للخوف يهزمك. لو ركزتي كده... هتشوفي نفسِك قدّام صقر وكل الناس، ومش بس هتستحقي النصر... هتقدري تثبتي إنك من الأبطال الحقيقيين."
+
أخذت بدر نفسًا عميقًا، وابتسمت أخيرًا، محاولة أن تطرد التوتر:
"تمام... هحاول... هركز... وهوري صقر، وأثبت لنفسي قبل أي حد تاني."
+
ابتسم عبد ربه بخفّة وقال:
"ده الكلام اللي محتاج اسمعه دايما يا ست بدر... ركزي على هدفك، وبلاش تفكري في أي حاجة تانية."
+
ابتسمت بدر ابتسامة باهتة :
" هو بس لما قعدت يتريق عليا ، هو و البنات دول ، هز ثقتي بنفسي و زلزل كياني ، حسيت إني متغاظة و فقدت كل حاجة ، بس دي مجرد بداية و الوقت جاي "
+
قال عبد ربه سريعًا :
" سيبك منه ، تجاهليه ، أقوى انتقام هو التجاهل ، إن الشخص قدامك و أنتي مش شايفاه ، ساعتها هيحس نفسه قليل من غير أي مجهود منك ، لكن لو حس بضيقك ، هيسوق فيها و يعمل اكتر من كده ، علشان كده بقولك ركزي على هدفك أنتي و متخليش المنافسة تاخدك لحتة مش بتاعتك ، و ارجعي زي زمان فكري في نفس في والدتك و في قبيلتك و حلمك اللي رسمتيه "
+
قالت بدر بإستسلام:
" صح ، إنت معاك حق ، ازاي هو قدر يخليني أنافسه بالشكل ده ، أنا ماكنش فارق معايا ، بس فعلا لازم أرجع زي ما كنت ."
+
تحركت بدر بخطوات أكثر ثقة نحو القاعة مرة أخرى لتكملة يومها الدراسي، بينما تبعها عبد ربه بنظرات مطمئنة، وكأنها على وشك مواجهة تحدٍ جديد، متحدية خوفها، ومستعدة لما سيأتي من منافسة وصراع مع صقر.
+
في نهاية اليوم التقى يزيد بصقر عند الممر، وكان الصباح قد أرخى ضوءه على الواجهات الحجرية للجامعة، والطلاب يتنقلون هنا وهناك بقلوب متحمسة. اقترب يزيد من صقر، ونبرة فضول واضحة في صوته:
"عملت ايه يا صقر؟"
+
ابتسم صقر ابتسامة متغطرسة، وعيناه تتلألأان بعزم لا يُقهر:
"كانت حاجة سهلة خالص... بكره هعرف النتيجة."
+
ضحك يزيد بخفة، لكنه كان يحاول قراءة ما وراء هذه الثقة الزائدة:
"طب ايه الدنيا... نقدر نقول على ابن الحمدانية خسران ولا ايه؟"
+
صقر ضحك ضحكة قصيرة، ثم رفع ذقنه بفخر:
"خسران؟! اه طبعا ، إن أخسر مستحيل! أنا النهارده كنت في القمة... كل حاجة ماشية على مزاجي. الباقيين حتى ما حسوش إن فيه منافسة أصلًا. لو حد حاول يقرب مني، كنت هشيله من نص الطريق."
1
يزيد نظر إليه بعينين مليئتين بالتحذير، وحاول يخفف من غروره:
"يا راجل... خلي بالك، الثقة حلوة بس مش تبقى مغرور. المرة الجاية ممكن تواجه تحديات أكبر."
+
صقر قاطع يزيد سريعًا، ونبرة صوته مشبعة بالتمكين:
"تحديات أكبر؟ أنا مستعد! مستعد لأي حاجة ،أنا مش بس هعرف أتعامل مع أي موقف، ده أنا هكون دايمًا خطوة قدامهم. ابن الحمدانية مين ده... أنا اللي هحدد مين اللي يكسب ومين اللي يخسر."
+
يزيد ابتسم مترددًا، وهو يراقب صقر الذي يمشي بخطوات ثابتة، وعيناه شاخصتان نحو المستقبل:
"تمام يا صقر... بس خلي دماغك شغالة. مش كل واحد يقدر يقف قدامك، بس محتاج تركيز أكتر من كده و تبطل غرور شوية."
+
صقر ضحك ضحكة قصيرة، ثم نظر بعيدًا وكأن الكون كله أمامه:
"يزيد... ركز معايا... أنا مش بس هكسب... أنا هسيطر على كل اللي حواليا. أي حد يقرب مني النهارده، بكرة هيفكر ألف مرة قبل ما يحاول يواجهني. ده وعد مني... ومن النهاردة، ابن الحمدانية هيفهم يعني إيه قوة حقيقية."
+
يزيد هز رأسه، وهو يشعر أن صقر يبالغ في ثقته عن اللزوم، لكنه قرر أن يتركه يغرق في غروره قليلًا:
"تمام يا صقر... خلي عندك عزيمة، بس متنساش إن الدنيا فيها مفاجآت."
+
صقر ابتسم ابتسامة مليئة بالثقة الغامرة، وكأن كل كلمة من يزيد لم تكن إلا صوتًا بعيدًا لا يصل إليه:
"المفاجآت؟ دي أنا هحولها لصالحِي... كل حاجة تحت السيطرة، وكل خطوة محسوبة... ابن الحمدانية مين... أنا اللي هكتب نهايته. بص و شوف."
+
جلست بدر على حافة السرير، ممسكة بالمجسم الذي سترتديه، وعيونها تمسح تفاصيله بعناية. لاحظت أنه بدا أوسع مما ينبغي، وكأنه لم يعد يعكس المظهر الطبيعي الذي كانت تهدف إليه. شعرت ببعض القلق يطرق قلبها، فجاء عبد ربه بجانبها، وعيناه مليئتان بالحرص والاهتمام.
1
قال عبد ربه بنبرة هادئة، محاولًا تخفيف التوتر عنها:
"بصّي يا بدر... المجسم ده شكله زاد شوية اتساع عليكي، و ده معناه إنك فقدتي وزن يعني ممكن يبان إنه مش طبيعي."
+
رفعت بدر حاجبيها، ونبرة صوتها تحمل مزيجًا من القلق والعناد:
"إيه يعني؟ ده اللي المفروض يخليني أبان زي ما أنا عايزة... مش فاهمة إيه المشكلة."
+
ابتسم عبد ربه ابتسامة قصيرة، وعيناه تلمعان بحنكة:
"المشكلة مش كبيرة أوي، بس لو عايزة المظهر يبقى متقارب أكتر مع الطبيعي، محتاجة تعملي شوية تقوية للجسم. أنا أقترح تروحي الجيم شوية، تعوضي الوزن اللي فقدتيه من قبل."
1
هزت بدر رأسها بتردد، وملامحها تعكس صراعًا داخليًا:
"جيم... طب يعني هياخد وقت، ومش عايزة حد يشوفني و لا يركز معايا... إيه رأيك؟"
+
ضحك عبد ربه بخفة، وهو يحاول تخفيف شعورها بالحرج:
"ما تقلقيش... الجيم مكان كبير، ممكن تشتغلي براحتك من غير ما حد يعرف. ومش محتاج أي حد يشوفك، كله سرّي بيني وبينك. وكمان ده هيساعدك توجهي القوام صح، والمجسم هيبان طبيعي أكتر."
+
ارتخت كتفها قليلًا، وابتسمت بابتسامة صغيرة، تحمل لمحة من الثقة الجديدة:
"طب ماشي... يعني هروح وأتمرن، بس محتاجة منك تساعدني أخلي كل حاجة مضبوطة."
+
نظر عبد ربه إليها بعينين مليئتين بالحرص، وأومأ:
"أكيد... أنا هكون معاك خطوة خطوة. هظبطلك خطة سهلة وفعالة، ونقدر نتابع كل حاجة سوا. أهم حاجة تبقي مرتاحة ومركزة."
+
تنهدت بدر بعمق، وعيناها تعكس مزيجًا من القلق والحماس:
"تمام... ماشي يا عبد ربه، هنعملها. بس يارب المجسم يبان طبيعي، مش عايزة أي حد يشك."
+
ابتسم عبد ربه، ووضع يده على كتفها بلطف:
"متقلقيش... كل حاجة هتبقى زي ما انتي عايزة. خليكي واثقة، وخلينا نبدأ ونشوف النتيجة."
+
عندما دخلت بدر الجيم، ارتسم على وجهها هدوء مصطنع، رغم دهشتها من رؤية صقر ويزيد هناك. تجاهلت وجودهما تمامًا، كأنها لا تراهما، وتقدمت مباشرة نحو جهاز الركض، عينها مركزة على الشاشة أمامها، تتنفس بعمق وتتهيأ للتمرين.
+
لاحظ يزيد الشخص الذي يقف عند جهاز الركض، وعيناه تتجهان بسرعة نحو الشكل المتنكر. قال يزيد بدهشة:
"شوف مين هناك."
+
صقر اقترب قليلًا، وحاول أن يميّز الملامح بين الزحام، ثم قال بنبرة متحسّسة:
"مين؟"
+
يزيد أشار بيده نحو بدر، وهو يبتسم بسخرية خفيفة:
"ده هو، ابن الحمدانية اللي كنا بنتكلم عليه."
+
صقر عينيه اتسعت قليلًا، وجهه صار جامدًا، ونبرته تحمل تحديًا مكتومًا:
"مش مصدق... تصظق فعلاً هو ،ليه جاي؟ ايه جابه هنا ؟."
+
يزيد ضحك بخفة، وركّز نظره على بدر:
"أيوه يا عم، ده اللي شايفه. بس شكلو متغيّر أوي، تحس كأنه اتبدّل."
+
صقر اقترب خطوة خطوة، عضلات وجهه متوترة ونظراته لا تفارق كل حركة لبدر، وقال:
"أهو كده، هعرف أكشفه ولا لأ... لازم أشوف هو لسه تدريبه زي زمان ولا لأ."
1
يزيد حاول أن يخفف التوتر قليلًا :
"خليك هادي شوية، هو مش واخد باله منك لحد دلوقتي."
+
امتلأ الجيم بأصوات الأوزان وهي ترتطم بالأرض، والموسيقى الصاخبة تملأ المكان. الهواء مشبع برائحة العرق والإصرار.
+
وقف صقر أمام المرآة، يرفع الأثقال وكأن كل حركة منه إعلان عن قوته. كان العرق يتساقط من جبينه، لكن ابتسامة واثقة لا تفارق شفتيه. مع كل رفعة، يحرص أن يتفقد الوجوه من حوله، ليتأكد أن الجميع يراه، خصوصًا بدر.
+
أما بدر، فقد انشغلت على جهاز الجري. خطواتها ثابتة وسريعة، أنفاسها منتظمة، وعيناها معلقتان إلى الأمام لا تنحرفان عنه أو عن غيره. كانت تصب كل توترها في خطواتها، وكل قطرة عرق تتساقط منها تزيدها عزيمة.
+
وقف عبد ربه بعيدًا، يتابع الاثنين بنظرة متفحصة. في عينيه ومضة إعجاب ببدر، غير أن ملامحه كانت مشدودة، كأنه يتساءل في داخله: من سيفوز حقًا؟ القوة الصاخبة أم التركيز الصامت؟
+
وحين أنهى صقر مجموعته من التمارين، مسح جبينه بمنشفة، ثم التفت إلى بدر مبتسمًا ابتسامة استفزازية وقال:
"إيه هنفضل نجري طول اليوم ، شوية حديد بقى و لا مش هتقدر تشيل؟"
+
لم ترد بدر عليه، بل زادت سرعة الجهاز، وارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة وهي تهمس لنفسها:
"سيبك منه."
+
رفع صقر صوته في الجيم، وقد علاه حماس يشبه ضجيج الحديد وهو يرتطم بالأرض، وقال متحديًا:
"إيه رأيك يا يزيد نعمل مسابقة ونشوف مين يشيل أكتر... أنا ولا ابن الحمدانية؟"
+
ضحك يزيد ضحكة واثقة وأجاب على الفور:
"فكرة كويسة، وأنا واثق إنك هتفوز."
+
في تلك اللحظة، أوقفت بدر الجهاز فجأة. صمتت القاعة للحظة وكأنها تستعد لوقع كلماتها. التفتت نحو صقر بعينين هادئتين، لكن في أعماقهما بريق يقطع الغرور كالسيف، وقالت بصوت ثابت:
"قبل ما تحب تنافس حد فكر إذا كان مهتم ولا لأ. بص حواليك... دور لك على حد ينافسك. الفراغ وحش صحيح."
2
تساقطت كلماتها في المكان كوقع مطرٍ بارد على نار متأججة. ساد صمت قصير، حتى الأوزان بدت وكأنها توقفت عن الصرير، والجميع يترقب الرد. أما صقر، فابتسامته الواثقة قد ارتجفت للحظة، كأنها تصطدم بجدار لم يتوقعه.
+
لم تكتفِ بدر بما قالت، بل تقدمت خطوة إلى الأمام، وعيناها ثابتتان على صقر، لا تهتزّان. ارتسم على ملامحها مزيج من الصرامة والشفقة، وكأنها ترى أمامها طفلاً ضائعًا أكثر من خصم متغطرس. رفعت رأسها قليلاً، وفي صوتها نبرة هادئة لكنها قاطعة، وقالت:
+
"نفسي تفهم إني مش شايفك ولا حاطك كمنافس ليا. لأنك مجرد تابع ليا... بتقلدني في كل شيء. نفسي تفكر في نفسك وفي ذاتك، وتفكر قبل ما تعمل أي حاجة: هل الحاجة دي أنا بحبها ولا لأ؟ وتشيل من دماغك ابن الحمدانية... وتعيش عشان نفسك. لما تحب تعمل حاجة، أعملها عشان نفسك، مش عشان تغيظ ابن الحمدانية. لأن أنا مش فارق معايا أي حاجة تخصك أو تخص قبيلتك."
4
كانت كلماتها تسقط واحدة تلو الأخرى ببطء، كسهام موجهة بدقة. ملامح وجهها لم تتغير؛ عيناها مستقرتان وهادئتان، وفمها ينطق بوضوح بلا ارتعاش، بينما حاجباها مرفوعان قليلاً كمن يضع النقاط على الحروف الأخيرة.
+
أما صقر، فقد تجمد للحظة. ابتسامته التي ملأت وجهه منذ لحظات انطفأت شيئًا فشيئًا. عيناه ضاقتا، كأنه يبحث عن ردّ يوازي ثقل تلك الكلمات، لكن بريق الثقة داخله تراجع خطوة إلى الوراء، تاركًا خلفه صمتًا يثقل المكان.
+
ساد الصمت لثوانٍ بدت طويلة، وكأن أنفاس الجيم قد توقفت. العيون كلها معلقة بصقر، تنتظر منه كلمة أو حركة تعيد له هيبته. عضّ على شفتيه بحدة، وحاول أن يرسم ابتسامة ساخرة، لكنها خرجت باهتة، مرتبكة.
+
ضحك ضحكة قصيرة مصطنعة، ثم قال بصوت حاول أن يجعله ثابتًا:
"واضح أنك مدي لنفسك أكبر من حجمك ، و أنا مش فارق معايا أي حاجة تخصك برضو ، و أنا موجود هنا من قبلك و إنت دخلت لقيتني هنا الأول ."
+
غير أن عينيه فضحتا ما لم يستطع صوته أن يخفيه. كان فيهما غضب مكبوت وارتباك لم يعتد عليه من قبل. مدّ يده إلى منشفة قريبة، مسح عرقه بحركة سريعة، ثم التفت مبتعدًا، كأنه يهرب من نظرات بدر ومن الصمت الثقيل الذي أشعلته كلماتها.
1
أما بدر، فاكتفت بابتسامة هادئة، لم تكن ابتسامة شماتة، بل ثقة راسخة. عادت لتضغط على زر الجهاز، فعاد صوت خطواتها المتسارعة يملأ المكان، كإيقاع ثابت يعلن أنها تمضي في طريقها، غير آبهة بما يتركه خلفها.
+
عبد ربه، الذي كان يراقب عن بعد، هزّ رأسه بإعجاب خفي، وهمس لنفسه:
" واضح كده إن الموضوع مُسلي أكتر مما توقعت."
+
عاد كل منهم إلى ما كان يفعل، كأن شيئًا لم يحدث، لكن في داخلهما كانت النار مشتعلة.
+
صقر جلس على المقعد، يضع الأوزان في يديه من جديد، وابتسامة متوترة تحاول أن تثبت على وجهه. في داخله كان صوته يصرخ:
"والله يا بدر، هخليك تندم على كل كلمة قلتها. مش هسيبلك مجال تتنفس حتى، وهوريك مين صقر فعلاً ، و هكسرلك مناخيرك دي."
+
أما بدر، فعادت إلى جهازها بخطوات أكثر ثباتًا. تنفست بعمق، وعيناها تلمعان بإصرار هادئ. همست في قلبها:
"هخليك تعرف إنك مش خصم ليا ولا حتى ند. بالتجاهل بس هخليك،تندم إنك وقفت في طريقي يوم."
+
امتلأ المكان من جديد بأصوات الأجهزة والأوزان، لكن خلف ذلك الضجيج كان هناك صراع صامت، وعدٌ خفي بين اثنين، كل منهما أقسم أن يجعل الآخر يذوق مرارة الندم.
+
حلّ اليوم التالي، وازدحم القاعة بالطلاب. العيون كلها متجهة إلى المنصّة حيث وقف الأستاذ ماركو، ممسكًا بالأوراق بوجه متجهم، يزيد من توتر اللحظة. بدر واقفة إلى جانب مجسمها، رأسها مرفوع، أنفاسها هادئة لكن قلبها يخفق بقوة. أما صقر، فكان يرمقها بنظرات متحدية، يداه مشدودتان خلف ظهره، كأنه يستعد لسماع اسم لا غير: اسمه.
+
ساد الصمت في القاعة، حتى بدا وكأن الجدران نفسها تحبس أنفاسها. رفع ماركو عينيه عن الأوراق، وصوته الرزين يتردد في المكان:
"وبعد مراجعة الأعمال المقدمة... يعلن قسم التصميم المعماري عن فوز الطالب بدر."
1
انفجر التصفيق في القاعة. ارتجفت ملامح صقر للحظة، عيناه اتسعتا غير مصدقتين، ثم انكمشت شفتاه في خط رفيع يعكس كل الغضب والخيبة. حاول أن يبتسم، لكن وجهه خان ابتسامته.
+
أما بدر، فاكتفت بابتسامة رقيقة، لم ترفع يدها لتحتفل، ولم تلتفت لتتأكد من وقع الخبر على صقر. وقفت فقط بثبات، كأنها كانت تعلم منذ البداية أن هذا اليوم سيكون يومها.
+
بعد أن انفضّ التصفيق، خطا صقر ببطء نحو بدر. كان يحاول أن يخفي ارتباكه بابتسامة متكلفة، لكن عيناه تضيقان بلمعة غيظ لا يخطئها أحد. وقف أمامها وقال بصوت متهكم:
"مبروك يا بدر... مكنتش متوقع تفوز."
+
رفعت بدر رأسها نحوه، عيناها تلمعان ببرود وابتسامة خفيفة بالكاد تُرى، ثم ردّت بحدة هادئة:
"وأنا مش عايز منك مباركة."
1
ارتجف فكه للحظة، ثم ضحك ضحكة قصيرة جافة وقال:
"واضح إن الفوز دايماً بيخلي الواحد يفتكر نفسه أكبر من حجمه."
+
أجابت بدر بلا تردد، وعيناها لا تفارقان عينيه:
"وأنت واضح إن الخسارة بتفكرك إنك كنت طول الوقت أصغر من حجمي."
1
تغير لون وجه صقر، حاول أن يرد، لكن كلماته تكسرت قبل أن تخرج. أما بدر، فاكتفت بابتسامة واثقة، ثم استدارت لتغادر، تاركة إياه في مكانه يختنق بين كبريائه الجريح ونظرات الحاضرين.
+
حين انتهى الاحتفال، خرجت بدر من القاعة بخطوات ثابتة، رأسها مرفوع، لا تلتفت يمينًا ولا يسارًا. غير أنها ما إن بلغت الباب حتى وجدت جوليانا واقفة تعترض طريقها، وخلفها كارلا وفيوليتا وإيزابيلا وأليساندرا، وكأنهن شكلن جدارًا من الفضول والإعجاب.
+
قالت جوليانا، عيناها تلمعان بالدهشة:
"بدر... إنت كنت هايل النهارده، محدش في القاعة قدر يقف قصادك."
2
أضافت كارلا بابتسامة عريضة:
"بجد ما شفتش حد عنده قوة زيك. حتى صقر نفسه ما قدرش عليك."
+
ضحكت فيوليتا وهي تميل برأسها:
"إنت مش بس قوي... إنت مختلف عن الكل. شكلك اتولدت عشان تكسب."
+
إيزابيلا تقدمت خطوة، صوتها فيه حماس:
" لازم تعرف كلنا كنا بندعيلك تكسب. وإنت فعلاً أثبت إنك تستحق كل التصفيق اللي خدته جوا."
+
أما أليساندرا فقالت وهي تضع يدها على صدرها:
"إحنا فخورين إن في واحد زيك معانا في الصف."
+
وقفت بدر في مواجهتهن، ملامحها جامدة لا تكشف عن شيء، عينان ثابتتان وصوتها يخرج بارداً:
"أنا مش محتاج مديح من حد. اللي عملته عملته لنفسي، ومش عشان أرضي أي حد منكم."
+
تبادلت الفتيات نظرات صامتة، لكن جوليانا لم تتراجع، بل قالت برجاء خفيف:
"بس إحنا فعلاً معجبين بيك... ما تبقاش قاسي كده في كلامك ، المفروض تكون مجامل."
1
رفعت بدر ذقنها قليلًا، وقالت ببرود أشد:
"اللي بيعجبني إني وصلت للي أنا عايزه. أما إعجابكم... فمش فارق عندي."
+
ساد صمت قصير، ارتبكت فيه الفتيات، بعضهن خفض بصره، وأخريات ابتلعن خيبتهن بصعوبة، فقد كان الوضع صعبًا عليهن.
+
وفي زاوية بعيدة، كان صقر يتابع المشهد بعينين يملؤهما الغيظ. كان يرى كيف أحطن ببدر بإعجاب ووله، وكيف أن بدر لم يلتفت لهن قط، بل ظل واقفًا كأنه صخرة لا يمسها المديح ولا يلينها الثناء. امتزج في قلبه الغضب بالحقد، إذ أدرك أن خصمه لم يأسر القلوب بقوته فقط، بل أيضًا ببروده الذي جعلهم يزدادون افتتانًا به.
1
أما بدر، فلم تلتفت إلى أحد. دفعت الباب بخطوة واحدة، وغادرت بخطواتها الواثقة، تاركة خلفها بناتً مذهولات، وخصمًا من بعيد يزداد احتراقًا في صمته.
+
خرجت بدر إلى ساحة الحديقة الواسعة بعد انتهاء المحاضرة، جلست على أحد المقاعد الحجرية، ذراعيها متشابكتان، عيناها تسرحان بعيدًا في الأفق كأنها لا تنتمي لهذا المكان. وفي تلك اللحظة، تقدمت ميليسا بخطوات محسوبة، ملابسها فاخرة تفوح منها رائحة الثراء، عيناها متلألئتان بغرور لا يخفى. توقفت أمامه ثم ابتسمت ابتسامة واسعة، وقالت بصوت واثق:
+
"أنا لسه مش مصدقة إنك غلبت صقر... بجد إنت مختلف."
2
رفعت بدر عينيها إليها نظرة خاطفة، ثم أعادتها إلى الفراغ دون كلمة.
+
تقدمت أكثر وجلست بجانبها، مائلة بجسدها نحوه قليلًا:
"عارف أنا مين؟ أنا ميليسا... والدي أكبر متبرع في الجامعة. أي حاجة بتحصل هنا، لازم اسمي يبقى موجود فيها."
+
لم ترد بدر، بل ظلت تنظر بعيدًا بتجاهل، كأن كلامها يتبخر في الهواء.
+
ابتسمت بتكلف، ثم قالت بنبرة ألين:
"أنا عادةً ما باعجبش بحد... حتى صقر اللي الكل بيشوفه بطل، أنا شايفاه عادي. لكن إنت... إنت مختلف عنهم كلهم."
1
أدارت بدر رأسها ببطء نحوها، عينيها باردتان كحد السيف، وقالت بصوت خافت:
"وإيه المطلوب من الكلام ده؟"
+
ارتبكت قليلًا من برودها، لكنها تماسكت وقالت بمرح مصطنع:
"المطلوب؟ ولا حاجة... غير إني أحب أتعرف عليك أكتر. يمكن نبقى أصحاب... أو حتى أكتر من كده."
1
ضحكت بدر ضحكة قصيرة بلا روح، ثم رد:
"أنا مش بجمّع حواليا أصحاب ، مش محتاج صحاب من الآخر."
+
سكتت لحظة، ثم رفعت كتفيها بتحدٍ:
"إنت يمكن مش فاهم... أنا مش أي بنت في الجامعة. أنا الكل يتمنى يبقى قُربي. حتى صقر نفسه ما بيقدرش يرفضني لما أعوز منه حاجة."
+
أجابتها بدر ببرود أثقل من الصخر:
"أنا مش صقر."
1
شهقت بخفة ثم ضحكت، محاولةً تحويل الصدمة إلى لعبة:
"عجبني ردك! صراحة... الغموض ده اللي فيك بيخليني عايزة أعرفك أكتر. إنت مش بتضحك، مش بتهزر، حتى وأنا قاعدة جنبك مش بتدي أي اهتمام... وده بيثير فضولي أكتر."
1
ابتسمت بدر ابتسامة جانبية ساخرة وقال:
"يبقى مشكلتك إنك بتحبي اللي ما يديكيش وش ، و دي حاجة مش كويسة ، أحلى حاجة في البنت كرامتها."
1
لم تفقد ثقتها، بل اقتربت أكثر حتى صارت تكاد تلمس كتفها:
"يمكن... ويمكن كمان بحب اللي يخليني أبذل مجهود عشان آخده ، مابحبش الحاجة السهلة، و مفيش كرامة في الأول ."
2
نهضت بدر فجأة، واقفةً أمامها، نظرت إليها من علٍ وكأن بينهما مسافة من طبقات السماء:
"اسمعي يا ميليسا... لو فاكرة إنك بالفلوس أو النفوذ أو بالكلام المعسول هتاخدي مني أي حاجة، يبقى إنتي غلطانة. أنا مش زي الباقيين، ولا عمري هكون زي حد كنتي تعرفيه. أنا باخد اللي أنا عايزه بس... مش اللي بيتقدّملي."
+
ارتجف قلبها للحظة، لكنها ابتسمت ابتسامة عنيدة، وقالت:
"ده معناه إن لسه في أمل... لأني هخليك في يوم من الأيام تبصلي ، وساعتها هاخد اللي عايزاه."
+
استدارت بدر دون أن تجيب، وابتعدت بخطوات ثابتة. تركتها خلفها واقفة، مزيج من الغضب والانبهار في عينيها، كأنها للمرة الأولى تجد من يرفضها بهذا القدر من البرود.
+
أما بدر، فكانت تسير دون أن تلتفت، داخلها تبتسم ابتسامة لا يراها أحد. من عبث ما يحدث معها ، كيف تقنعهم أن محاولاتهم لن تجدي نفعًا... ولن تسمح لأحد أن يقترب من حصنها العالي ؛ حتى لا يتم اكتشاف حقيقتها.
+
تجمدت ميليسا لحظة حين نهضت بدر مبتعدة، ثم لحقت بها بخطوتين سريعتين، قالت بصوت فيه تحدٍّ:
"إنت فاكر نفسك مين عشان تكلمني بالطريقة دي؟ أنا ميليسا... كل واحد هنا يتمنى كلمة مني!"
+
وقفت بدر فجأة، استدارت إليها، عينيها كالليل الخالي من الرحمة، وصوتها خرج قاطعًا:
"وهو ده أكبر دليل إنك فاضية من جواكي. لو إنتي فعلاً عندك قيمة، ماكنتيش بتصرخي كل شوية وتذكّري الناس إنك ميليسا بنت الغني اللي بيصرف على الجامعة. القوي الحقيقي ما بيحتاجش يعرف الناس بنفسه، وجوده بيكفي."
+
شهقت، لكن بدر أكملت بحدة أكبر:
"عارفة إيه مشكلتك؟ إنك متعودة تلاقي الكل يجري وراكي عشان فلوس أبوكي. متعودة تشوفي العيون مرفوعة ليكي كإنك نجمة في السماء. بس أول مرة تلاقي حد مش فارق معاه اسمك ولا فلوسك... فتجنّنتي. مش أنا اللي يتهز قدام الورق اللي بيتصرف أو الكلمة اللي بتتقال في مجلس الإدارة. أنا أكبر من كده بكتير."
1
ارتعشت شفتاها، حاولت أن تخفي ضعفها بابتسامة متكلفة:
"إنت... إنت ما تعرفش أنا مين."
+
اقتربت بدر خطوة منها، صوتها صار أكثر قسوة:
"بالعكس... أنا عارفك كويس. إنتي مجرد واحدة فاكرة إن قيمتها في ثروة أبوها. ومجرد ما يختفي البريق ده، هتلاقي نفسك وحيدة. واللي زيي؟ مش بيميلوا للفراغ."
+
ساد صمت ثقيل، لم تجد ميليسا كلمة ترد بها. للمرة الأولى، أحد حطم قناعها المترف وكشف هشاشتها أمام عينيها.
+
رفعت بدر ذقنها عاليًا، وألقت آخر كلماتهل قبل أن تستدير لتمشي:
"انسي يا ميليسا... أنا ما بيلتفتش لناس زيك، و إذا كان على الفلوس فعندي منها كتير ، شوفي حيلة غيرها."
+
وظلت تمشي مبتعدة، تاركة إياها واقفة وسط الممر، الغضب يتصارع مع الإهانة داخل صدرها، والدموع تلمع في عينيها رغمًا عنها، لكنها لم تجرؤ أن تسقط.
+
تجمدت ميليسا لثوانٍ، والدموع تقاتل عينيها، لكنها ابتلعتها بقسوة. ثم ضحكت ضحكة قصيرة مشبعة بالكبر، رفعت رأسها وقالت بصوت حاد:
"إنت فاكر نفسك هتمشي وتسيبني كده؟ إنت شكلك ما تعرفش أنا أقدر أعمل إيه."
+
توقفت بدر في منتصف خطواتها، ثم التفت إليها ببرود:
"جرّبي."
+
اقتربت منه بخطوة بطيئة، كأنها تخفي سكينًا في كلماتها:
"أنا ميليسا... الجامعة دي تحت رجلي. بكلمة واحدة أقدر أخلي أي مدرس هنا يكرهك، بكلمة واحدة أقدر أخلي أبوايا نفسه ييجي ويعرفك أنا مين ليل نهار. بكلمة واحدة بس... أقدر أدفنك وسط الناس من غير ما حد يحس."
+
ظلت بدر تنظر إليها بوجه خالٍ من الانفعال، كأن تهديدها لم يحرّك فيه شيئًا. قالت بهدوء غريب:
"واللي ما يخافش على نفسه... هيخاف من كلامك؟"
+
عضت على شفتيها، واندفعت تقول:
"يبقى استعد. من النهارده، هتشوف مين هي ميليسا الحقيقية. لو رفضتني، هخليك تندم. هخلي اليوم اللي اتقابلنا فيه لعنة عليك."
1
ابتسمت بدر ابتسامة باردة، ثم همست بغيظ:
"وأنا مستني أشوفك هتعملي إيه... يا ميليسا."
+
ثم أدارت ظهرها وسارت بخطواتها ثابتة، تاركًا وراءها صدى كلماتها. أما ميليسا، فظلت واقفة مكانها، عيناها تقدحان شررًا، وفي قلبها اشتعلت نار الغيرة والانتقام. لقد تحوّل إعجابها ببدر إلى معركة شخصية، لن ينجو منها بسهولة.
+
كان كل ذلك يجري تحت أنظار صقر، يقف في ظل شجرة قريبة، متكئًا بذراعيه على صدره، عيناه تتابعان المشهد بدقة كمن يراقب خصمًا خطيرًا. رأى ميليسا، التي طالما اعتادت أن تحيطه بنفسها في كل لحظة، تتهاوى غرورها أمام برود بدر، ورأى كيف تحوّل إعجابها إلى تهديد ووعيد.
+
لكن ما أثار حيرة صقر أكثر من تهديد ميليسا هو ذلك الثبات الجليدي الذي واجهها به بدر. لم يلمح على وجهه أي بادرة ارتباك، لم يتأثر بجمالها ولا بمكانتها، وكأن الفتيات جميعًا بالنسبة له مجرد أشباح عابرة لا قيمة لها.
+
ابتسم صقر بسخرية في داخله، وهمس لنفسه:
"إزاي... إزاي واحد في مكانه يفضل واقف قدام ميليسا بكل ده ولا يرمش؟ كل البنات حوالينه، واحدة زي ميليسا بتعرض نفسها عليه صريحة... وهو عامل كأنهم مش موجودين. في حاجة غلط في الواد ده."
2
ازدادت نظراته غموضًا، وصدره يشتعل فضولًا وغيظًا في الوقت نفسه. لقد بدأ يشك أن في بدر سرًا خفيًا، سرًا يجعله مختلفًا عن الجميع، سرًا لا يعرفه أحد...
1
جلس عبد ربه على سور منخفض في فناء الجامعة، يلوّح بقدمه في الهواء، حتى لمح بدر مقبلة بخطواتها الواثقة، فابتسم بخبث وهو يقول:
"إيه ده... البطل المغوار راجع من ساحة المعركة؟ شكلك شايل سر كبير."
+
جلست بدر بجواره، وأسندت ظهرها للخلف، ثم نظرت إليه نظرة جانبية وقالت:
"سر؟ ده أنا لسه طالعة من مسرحية كوميدية."
+
ضحك عبد ربه وقال:
"آه... فهمت. ميليسا، صح؟ أنا شوفتها ماشية بعدك بنص ساعة، متغيرة وشها كأنها أكلت علقة."
+
ابتسمت بدر بخفة:
"تقريبًا."
+
اتسعت عينا عبد ربه بفضول:
"ها... قولي! حصل إيه؟ أنا متأكد إنك سلختيها بكلمتين من بتوعك."
+
تنهدت بدر ثم بدأت تحكي:
"جاتلي وهي عاملة فيها الملكة المتوجة، وقالتلي: إنت مختلف، أنا ميليسا... أبويا أكبر متبرع... فاهم أنت الجو ده؟"
+
انفجر عبد ربه ضاحكًا:
"أيوة! نفس الاسطوانة اللي حافظاها وبتقولها لأي حد عشان يفتكر إنها من السما نازلة."
+
ابتسمت بدر:
"أنا سكت. خلتها ترغي وترغي... لحد ما هي زهقت من سكوتي وقالتلي: يمكن نبقى أصحاب... أو أكتر من كده."
+
كاد عبد ربه أن يسقط من الضحك:
"يا نهار أبيض! ميليسا بتعرض نفسها صريحة؟ طب إنتي قلتلِها إيه؟"
+
قالت بدر ببرود:
"قلت لها: أنا مش بجمّع حواليّا أصحاب."
+
قهقه عبد ربه وضرب كفه على ركبته:
"الله! جامدة! طب وبعدين؟"
5
تابعت بدر بنبرة ثابتة:
"هي فضلت تزود وتقول: أنا مش أي بنت، الكل يتمنى يبقى قُربي حتى صقر. فقلت لها: أنا مش صقر."
+
شهق عبد ربه من الضحك وقال:
"يا جدع! قتليتها في كلمتين! دي كانت متعودة تشوف كل العيون راكعة تحتها... إنت قصرت رقبتها."
+
أومأت بدر:
"هي اتعصبت... وقالتلي إنها تقدر بكلمة واحدة تخلي المدرسين يكرهوني أو تخلي حياتي هنا جحيم."
+
هنا ضحك عبد ربه ضحكة طويلة حتى دمعت عيناه:
"يا سلام! الملكة ميليسا بتهدد؟ طيب وإنتي... إيه ردك؟"
+
اقتربت بدر قليلًا، وهمست كأنها تعيد الجملة بذات البرود:
"قلت لها: واللي ما يخافش على نفسه... هيخاف من كلامك؟"
+
انفجر عبد ربه ضاحكًا بأعلى صوته، ورفع يديه للسماء:
"ايه العظمة... إيه ده! إنت هتجيب أجلي من الضحك. دي أكيد رجعت بيتها النهارده بتكسر في المرايا!"
+
ابتسمت بدر ابتسامة جانبية ساخرة:
"يمكن... لكن اللي متأكدة منه إنها مش هتسكت. قالتلي: هخليك تندم... وهخلي اليوم اللي اتقابلنا فيه لعنة عليك."
+
مسح عبد ربه دموع الضحك من عينيه، ثم قال وهو يلهث:
"دي مسرحية والله العظيم! دي لو في فيلم، الجمهور كان هيقف يسقفلك... إنتي قلبتيها بطولة و كل دول ستات بتتخانق عليكي ، ميعرفوش الحقيقة ، وصقر كان فين بقى وهو بيتفرج؟"
1
ردت بدر بابتسامة غامضة:
"واقف من بعيد... وشايف كل حاجة. وأظن دلوقتي دماغه مولعة أسئلة."
+
هز عبد ربه رأسه، وضحك ضحكة خافتة:
"الله يكون في عونه. ما يعرفش إنه واقف قدام جبل... جبل مش بيتهز من لا ميليسا ولا صقر ولا أي حد."
+
ظل الاثنان يضحكان طويلًا، حتى جذب صوتهما أنظار بعض الطلبة في الساحة، لكن بدر لم تكترث، وظلت تضحك قليلًا هذه المرة... ضحكة نادرة نابعة عن حقيقة لا يعرفها عنها سوى عبد ربه.
+
لم تكن بدر تتوقع أن يبدأ يومها على هذا النحو. كانت قد أنهت تدريبها الصباحي كعادتها، وعرقها لم يجف بعد حين أتاها أحد الموظفين برسالة مقتضبة: "الأستاذ ماركو يطلب حضورك فوراً إلى مكتبه."
لم تسأل عن السبب. فقط مسحت وجهها بمنشفة صغيرة، التقطت حقيبتها، وسارت بخطوات ثابتة في ممرات الكلية. لكن في داخلها كانت هناك غمامة ثقيلة من الريبة.
+
كان مكتب رئيس القسم "ماركو" في الطابق العلوي، بابه الخشبي الكبير يبدو كأنه حاجز بين عالمين. دفعت بدر الباب، فاستقبلها الهواء البارد المشبع برائحة الكتب والجلد، وصوت عقارب الساعة يطرق السكون كأنه يعد الثواني.
+
جلس ماركو خلف مكتبه الضخم، ملامحه صارمة وعيناه لا تفارقها لحظة. رفع رأسه ببطء وهو يشير إلى الكرسي أمامه:
"اتفضّلي يا بدر."
+
جلست دون أن تظهر ارتباكاً، وضعت يديها على ركبتيها، وأجبرت نفسها على الثبات. غير أن قلبها كان يطرق صدرها طرقاً عنيفاً.
+
صمت ماركو قليلاً، يراقبها كمن يتأمل لوحة غامضة يريد أن يكشف سرها. ثم قال بصوت خافت لكن حاد:
"عارفة ليه ، استدعيتك اليوم؟"
1
ردّت بدر ببرود متعمد:
"لا أعتقد أن في سبباً واضح أكيد، يا أستاذ ماركو."
+
ابتسم هو ابتسامة غريبة، نصفها استهزاء ونصفها اختبار:
"أحياناً... في بعض الطلبة يلفتوا لأنظار ليهم أكثر من غيرهم. النجاح والقوة... وحتى الغموض."
+
لم ترمش بدر، أجابت بصوت رتيب:
"لو كان النجاح أو القوة تهمة... فأنا راضية. أما الغموض... فالناس هم اللي بيختلقونه لما ما يعرفون الحقيقة."
+
أسند ماركو ذراعيه على المكتب، وأصابعه تنقر الخشب بإيقاع متوتر:
" وصلني كلام... كلام لا يمكن أتجاهله. يقول إن بدر ليس هو ما يظهر للجميع."
+
انكمش الجو فجأة كأن الهواء نفسه حبس أنفاسه. لم تتحرك ملامح بدر، لكنها أحست بوخزة في صدرها.
+
قالت ببطء:
"ممكن توضح أكثر؟"
+
نظر إليها ماركو نظرة عميقة، ثم أطلق كلماته كسهام:
"بصي يا بدر ، جالي شكوى كبيرة من ميليسا و من والدها تحديدا ، قالت إنك ضايقتيها لدرجة أنها تعبت نفسيا."
+
مرّت لحظة صامتة، كأنها دهراً. ترددت أنفاس بدر، لكنها تماسكت بسرعة، ونظرت إليه بعينين ثابتتين.
+
" هي عرضت علي نتصاحب ، و أنا ماينفعش أصاحبها لأ هي و لا غيرها و حضرتك عارف السبب طب أعمل ايه؟ ينفع يعني تشتكيني و تهددني علشان كده ؟"
+
أجاب بصرامة:
"لا طبعا ."
+
ابتسمت بدر ابتسامة قصيرة مليئة بالازدراء:
"ميليسا، عايزة كل حاجة لنفسها ، بس انا ماينفعش."
+
لم ينفِ ماركو ولم يؤكد. اكتفى بالصمت الذي كان أبلغ من الكلام.
+
قالت بدر بنبرة واثقة:
"من الاخر ده مش تحقيقاً في واقعة. هذا انتقام شخصي صُنع على هيئة شكوى. أنا رفضت أن أكون واحداً من معجبيها، فقررت أن تفتعل حرباً. أما الحقيقة... فهي أني لم أخدع أحداً، ولم أخطُ خطوة واحدة خارج القوانين. ياريت تفهم موقفي زي ما كل مرة بتدعمني."
+
ظل ماركو صامتاً يدرس ملامحها، ثم قال ببطء:
"خلاص يا بدر أنا عارفك و عارف ميليسا ، و أنا هقولها إني فرضت عليك عقوبات كبيرة ، عشان مش تضايقك تاني و تبعد عن طريقك ، بس لو حصل بينكم كلام تاني حاولي تكوني ألطف معاها ، مع إني ماظنش تقرب منك تاني بس اللي عملتيه فيها."
+
نهضت بدر من مكانها، نظرتها قاطعة، وصوتها بارد كالحديد:
"حاضر يا أستاذ ماركو ، و شكرا لأنك دايما بتفهمني و بتساعدني و فهمت اللي بيحصل ."
+
تابعها ماركو بنظرة طويلة وهي تسير نحو الباب، ثم قال بصوت منخفض كأنه يحدّث نفسه:
"خلاص ركزي في دراستك ، مؤخرا عجبني تقدمك و إثبات نفسك ، متخليش أي حاجة تأثر على دراستك."
1
خرجت بدر من المكتب، وملامحها متماسكة، لكن في داخلها دوّى الغضب كعاصفة. الآن، لم يعد الأمر مجرد عداوة بين طالبين... لقد أصبحت حرباً مفتوحة. لكن ماركو سيعرف كيف يغلقها.
+
وهكذا استمرت المنافسة بين صقر وبدر، لا تهدأ ولا تنطفئ.
مرة يعلو صقر فوق الجميع، يرفع الكأس أو يظفر بالمركز الأول، ويُحيط به التصفيق والتهليل. ومرة أخرى، تسبق بدر بخطوة، وتتركه يتجرّع مرارة الهزيمة، بينما هي تعبر الصالة بخطوات ثابتة، لا تلتفت لأحد.
3
خمسة أعوام كاملة، كانا فيها كظلّين لا ينفصلان. كل يوم جديد معركة، وكل اختبار تحدٍّ، وكل إنجاز ضربة جديدة في سجل طويل من الأخذ والردّ. لا أحد منهما استطاع أن يُقصي الآخر، ولا أن ينفرد بالعرش.
+
ومع مرور الوقت، صار الطلاب يترقّبون لحظات المواجهة بينهما كأنها عروض مسرحية. كل فوز لصقر كان يُشعل قلوب المعجبين، وكل انتصار لبدر كان يثير الإعجاب والدهشة، لأنها لم تترك له فرصة ليظن أنه السيّد الأوحد.
+
حتى إذا انقضت الخمس سنوات، كانت الساحة قد امتلأت بحكاياتهما، وصارت أسماؤهما تتردّد كأيقونة للتحدّي المستمر. لكن شيئاً لم يُحسم بعد. لا بدر حطّمت صقر نهائياً، ولا صقر استطاع أن يثبت أنه أقوى منها بلا منازع.
+
خرج الاثنان من أبواب الجامعة، يحملان شهاداتهم، لكن في أعماقهما بقيت نار واحدة: "المعركة لم تنتهِ بعد.هناك في القبيلة المزيد من التنافس"
3
....
+
