رواية نفوس قاسية الفصل الثاني عشر 12 بقلم مني احمد حافظ
الثانية عشر.وهل للدموع نهاية.
---------------------------------------
وقفت سهر أمام نافذتها بعدما جفاها النوم طيلة الليل وها هي تستمع لآذان الظهر فقررت إنهاء عزلتها لهذا اليوم فخرجت وأشاحت بعينيها عن غرفة محمود ودخلت إلى المطبخ، ففوجئت بصفية تبكى فأسرعت إليها تضمها لتنتفض صفية وهى تحدق بقلق لسهر ثم لانت قسمات وجهها وتنهدت بارتياح فهمست سهر لها:
- مالك يا صفصف العيون الحلوة دي كانت بتعيط ليه.
أشارت صفية بعينيها إلى غرفة محمود فرسمت سهر ابتسامة تحاول إرضاء صفية وقالت بصوت منخفض:
- إيه يا خالتي عرسان جداد و.
قاطعتها صفية بضيق وقالت:
- عرسان مقولتش حاجة بس في أصول في أحترام أنهم مش لوحدهم دي البت زي ما تكون قاصدة تسمع الحي كله هما بيعملوا إيه.
ربتت سهر كتف صفية وقالت:
- معلش يا خالتي سيبيهم براحتهم المهم إن محمود مبسوط ولاقي اللي تسعده أنتِ بذمتك مش فرحانة إنه عايش حياته طبيعي دلوقتي وربنا إن شاء الله يرزقه بالذرية الصالحة وإن كان على الصوت نسد ودانا يا خالتي متنسيش إنه بيتها دلوقتي.
تنهدت صفية وهي تبتعد عن سهر تكمل تجهيز الطعام وقالت:
- افضلي كدا هاتي لهم فحجج لحد ما تاخدي على دماغك أنتِ الظاهر لسه خايبة زي ما أنتِ.
نظرت لها سهر وقالت:
- المهم يا خالتي تفتكري أفاتح محمود بالموضوع اللي أتكلمنا فيه ولا أستنى شوية يعني علشان لسه عريس وكده.
أجابتها صفية:
- وهو الموضوع ده عايز إذن ده حقك يا بنتي ومحدش يقدر ينكره أنتِ بردوا مراته وواجبه يراعيكِ ولو مكسوفة تكلميه أنا هكلمه لما يجي.
هزت سهر رأسها وقالت:
- لا يا خالتي أنا هكلمه بيني وبينه لما يرجع من الشغل بلاش أنتِ أنا مش عايزة تشدوا سوا بسببي.
نهرتها صفية وقالت:
- يختاي هتشليني يا سهر يا بت بقول حقك ومحمود ميقدرش يرفض ومافيش خناق ولا شد معاه وياستي خلاص مش هدخل هسيبك منك له.
كانت سهر وصفية تتحدثان ولم يعلما أن هناك أذنًا وقفت تتسمع لحوارهم لتدب نيران الغيرة في قلبها واشتعلت غضبا لتتسلل لغرفتها وهي تقول:
- قال وأنا اللي فكرة إن محمود هيبقى لي لوحدي أهي الست سهر وحماتي هيبدأو يشتغلوني عايزة تشاركيني جوزي يا سهر ده بعدك أما نشوف محمود أزاي هيوافق على خطتكم دي قال يديها حقها ويراعيها جت كسر حوقك منك ليها أنا هتصل بماما هي اللي هتعرف تساعدني ويا أنا يا أنتِ فالبيت ده يا سهر.
عاد محمود وبراكين الغضب تعمي عيناه فهو لم يتوقع أن يتقابل مع آدم وجها لوجه ليسأله بكل لهفة ليلمح في عيناه شرارات حب لسهر أوقدت نيران غيرته على سهر، كان يود لو يلكمه ويفرغ فيه غضبه فلولا ظهوره في حياتهم ما كانت سهر وقعت في حباله وأمتلك قلبها رُغم دينه المختلف ليحرمه من قلب حبيبته للأبد، كيف له أن يقف هكذا راغبًا في التحدث معها وكان لا وجود لي في حياتها، هي السبب سهر من سمحت لقلبها بخيانتي هي من سمحت لهدى أن تسرق جسدي منها محققه لي كل ما تخيلت أن أناله معها وحدها، ذاد غضب محمود ووصل إلى ذروته ليقرر عقاب سهر على كل ما ناله منها، وما أن فتح باب الشقة حتى صاح بصوت جَهْوَري أصابهم جميعا رعبا وهو ينادي:
- سهـــر.
خرجت سهر من المطبخ وكذالك هدى من غرفتها لتنظر إلى وجه محمود فشعرت بالخوف منه فحمدت ربها أنه لم يناديها هي وأن غضبه كله منصب على سهر فعقدت يدها تنظر لها بشماتة وهي تراها لا تستطيع تمالك نفسها من الخوف فسمعت صوت صفية يقول:
- أيه يابني مال صوتك عالي كده ليه.
تجاهل محمود والدته واتجه إلى سهر التي تجمدت مكانها إثر تقدمه منها لتعتدل هدى وهي تراقب تغير حالتها للفزع الشديد حين قبض محمود على ذراعها جاذبًا إياها خلفه بقوة إلى غرفتها ليغلق الباب خلفهم بحدة فنظرت إلى صفية ولاحظت نفس نظرات الفزع التي لاحظتها على سهر فتسلل الشك إليها بشأن ما حدث ولكنها استدارت وأغلقت باب غرفتها وهي تقف خلفه محاولة أن تستمع لصوت محمود، ما أن دخل محمود إلى غرفة سهر حتى دفعها بقوة لتصطدم بخزانة ملابسها فنظرت له بخوف وحيرة ماذا فعلت لتستحق ذلك منه، اقترب منها محمود فتراجعت للخلف هربًا من يده ولكنه لحقها ليجذب شعرها بقوة فصرخت بألم وهي تسأله وترجوه:
- مالك يا محمود أنا عملت أيه لكل ده أول مرة ترفع أيديك عليا آه يا محمود سيب شعري هيتقطع فأيديك.
جذبها محمود مقربا وجهه منها محدقا بها بغضب وبادلته عيناها بالخوف وجسدها أجاب على قربه بالانتفاض رعبا ولاحظ حبات العرق التي بدأت تغزو وجهها ولكن شيطان نفسه همس له ألا يهتم بحالتها، سألته سهر مرة أخرى وهي تقاوم فزعها بسبب قربه منها فاهتاجت أنفاسها كأنها تعدو وقالت:
- سيبني يا محمود وقولي أنا عملت إيه أرجوك تبعد يا محمود.
وبدأ صوت بكائها يعلو مع صوت صرخاتها التي حاولت أن تكتمها بيدها:
- أبعد عني لا متقربش آه سيب سيب شعري.
زاد محمود من قربه منها فمد يده الأخرى وقبض على ذقنها وقال وهو يميل إليها:
- من هنا ورايح لازم تعرفي إني جوزك وليا حقوق عليكِ لازم أخدها ولا أنتِ فكراني هسيبك فوقي يا سهر أنتِ ملكي أنا وبس.
وأبتعد عنها لتنهار سهر بكاءًا وتصرخ بلوعة:
- لا لا مش ليك أنا مش لحد مش لحد مستحيل أكون ليك.
مال عليها محمود وقال بحقد:
- مش ليا أزاي وأنتِ مراتي ومن حقى أعمل فيكِ اللي أنا عايزه ولا أنتِ فاكرة أني هسيبك له لك أنسي يا سهر.
نظرت له سهر بكراهية لأول مرة تشعر بها تجاهه وقالت:
- أنت مجنون أنا مش فاهمة حاجة بس أنا لا ليك ولا لأي حد.
ابتسم محمود بسخرية وقال:
- ولا حتى آدم اللي هرب منك هو كمان ورماكي وأتجوز هايدي وخلف منها.
رفعت سهر يدها تكتم صرختها التي كادت تخرج من أحشائها وحبست أنفاسها وهي تحدق بمحمود بعذاب قاسي، لاحظ محمود أن هناك خطب ما يصيب سهر فلون بشرتها بدأ يشحب فشدها إليه محاولا إبعاد يدها عن فمها فلم يستطع لتجمدها فطرحها أرضا ليقع جسدها بين ساقيه وجذب يدها بقوة يحبسهما في قبضته ويقول بخوف عليها:
- أتنفسي يا سهر أرجوكِ أتنفسي.
لم يجد محمود استجابه من سهر ليرى شفتيها يتلونان باللون الأزرق فصفعها بقوة لعلها تعود لرشدها لتشهق بقوة وتسعل وتطلق أنين جعله يرتد عنها، لتضم جسدها إليها كطفل رضيع فحاول محمود أن يجعلها تستقيم ولكنها تخشبت على وضعها فقام مسرعًا وخرج وهو يصيح:
- ألحقيني يا أمي ألحقي سهر.
اقتحمت صفية الغرفة بخوف لترى جسد سهر المتخشب على الأرض فصرخت تنادي عليها:
- سهر بنتي أنت عملت فيها أيه.
حدق بها محمود شاعرا بالذنب فسمع والدته تقول:
- منك لله يا محمود يا أبن بطني منك لله هي كانت عملت لك أيه لكل دا علشان كانت عايزة تتعالج حرام عليك يا محمود حسبنا الله ونعم الوكيل فيك يا محمود يا ابن خميس أطلع برا متورنيش وشك تاني.
وقفت هدى تتابع ما يحدث ليزداد تعجبها وتفكر بأن هناك سر يخوفنه عنها لتشعر فجأة بالشفقة على سهر التي تأن وتنتفض متكورة حول نفسها فقالت:
- أنا هتصل بخالي يجي يشوفها كويس أنه مسافرش.
-----------------
جلست صفية أمام باب غرفة سهر بالمشفى وهي تتمزق ألما عليها فها هم على نفس الوضع منذ الأمس ولم تتحرك سهر عن وضعها ولم تفتح عيناها حتى، وحمدت الله أنها لم تدر بحمدي وهو يحاول أفاقتها ولم تشعر بعربة الإسعاف التي أتت لتحملها إلى المشفى ليتم رعايتها، وقفت صفية حينما غادر الطبيب المعالج لسهر غرفتها فابتسم لها وقال:
- اطمني يا حاجة بقت كويسة
حمدت صفية الله وقالت تتأكد:
- بجد يا ابني بنتي فاقت.
هز الطبيب رأسه وقال:
- لا هي نايمة بس الحمد لله حالة التخشب اللي كان فيها جسمها راحت بس اضطرينا نديها مُهدأ لما لاحظنا أنها خايفة لما فتحت عينيها ودلوقتي بقى محتاجين لحضرتك تقعدي مع الدكتور النفسي اللي جه مخصوص ليها بتوصية من الدكتور حمدي تفهميه أيه وصلها للحالة دي ممكن.
أغمضت صفية عيناها وقالت :
- مش هقدر أقول حاجة ألا لو بنتي وافقت معلش يا بني واشكر لنا الدكتور حمدي على تعبه معانا ووقفته ويانا وحضرتك كمان بصراحة عملت اللي عليك.
تركته صفية ودخلت وجلست بجانب سهر تمسد رأسها وتقرأ لها آيات القرآن لتنهمر عيناها على ما وصل إليه الحال.
--------------------
وقفت هدى أمام باب الشقة تمنع محمود عن النزول وهي تقول:
- طيب أقعد معايا شوية وبعدين أنزل أنت طول الليل معاها وسيبني لوحدي وحياتي يا حودة خليك شوية أنت وحشتني أوي.
تنهد محمود وقال:
- ألبسي وتعالى معايا يا هدى هنروح نص ساعة ونرجع هي أكيد زي ما هي وأمي مش حابة وجودي معاها أصلًا.
التصقت هدى بمحمود وهي تداعب بيدها صدره وتميل عليه بوجهها وقالت بعدما صدق ظنها أن والدته أيضا على خلاف معه:
- هتسيب حضن هدى اللي بتحبك و تتمنى لك الرضى ترضى حبيبي أنا هنسيك أي زعل وأي حاجة حصلت معاك وضيقتك، أنا عارفة أن طنط جت عليك أوي وأنت معملتش حاجة بس وحياة هدى لعوضك وقفتك فالمستشفى والحاجة صفصف سيباك برا ومش سأله فيك.
ابتلع محمود ريقه وهو يتابع حركات هدى معه فأغمض عيناه فأسرعت تقول له:
- لا يا حودة مينفعش تغمض وأنت معاك هدى دي حتى تبقى عيبة فحقي.
ونجحت هدى في استمالة محمود لتجذبه إلى غرفتهما مطلقة عَنان رغباته ومحققه له أبعد مما كان يتمنى.
------------------------
أخذ آدم يتحرك في غرفته وكاد يجن منذ أخبره محمود بكل برود أنه تزوج من سهر وتركه وغادر ولكنه أسرع وراءه مرة أخرى طالبًا منه محادثتها، لينظر له محمود بغضب وهو يكيل له كلمات جلدت كرامته أمامه ليغادر عائدا إلى غرفته في الفندق محطما كل ما لمسته يداه ولكنه حتى اللحظة لم يهدأ ليجذب انتباهه طرقات مازن وصوته يقول:
- أفتح يا آدم الفندق هيجيب الأمن بيقولوا من أمبارح بتكسر فالأوضة أفتح يا بني وفهمني حصل أيه لكل ده.
تحرك آدم وفتح باب غرفته منسحبا من أمام مازن ووقف أمام النافذة وقال بصوت مقهور:
- أتجوزت محمود يا مازن سهر أتجوزت محمود فنفس اليوم اللي كلمتها فيه من خمس سنين ضحكت عليا لما فهمتني أنها هتستناني كذبت عليا يا مازن كذبت عليا الجنة اللي عشقتها فعنيها طلعت جحيم أنا مش قادر يا مازن أزاي أزاي تعمل فيا كدا عشمتني ليه أنها ليا وغدرت بقلبي ليه داست على حبي ليها فهمني يا مازن أنا هتجنن من أمبارح وأنا مش عارف أنام ولا أفكر هتجنن.
وقف مازن بجانب آدم الذي ينتفض غضبا وحزنًا وقال:
- مش عارف أقولك أيه يا آدم بس مينفعش تعمل فنفسك كدا أنا مقدر حالتك بس خليني صوت العقل ليك ما يمكن أبوها أجبرها ومعرفتش ترفض لاحظ أنك فاليوم ده كان بابا يعني أنت عارف يا آدم اللي حصل معاك وقتها بس سهر متعرفش.
نظر له آدم بحرقة وقال:
- مش مقتنع بكلامك يا مازن هي كان مفروض تستناني دي وعدتني فاهم يعني أيه وعدتني.
صمت آدم فجأة ونظر إلى مازن فشعر مازن بالقلق منه ليقول آدم:
- أنا لازم أشوفها وأكلمها حتى لو فيها خراب بيتها مع محمود لازم أعرف ليه أتجوزته أنا لازم أرد لها الوجع اللي حاسس بيه أضعاف.
أنهى آدم كلماته وأخرج هاتفه وسمعه مازن يقول:
- أبعت لي عنوان المحاسب محمود خميس فورا.
سأل مازن آدم وقال بعدما اغلق هاتفه:
- أعقل يا آدم اللي أنت ناوي عليه ده ميرضيش ربنا ولا يرضى حد، سهر بقت واحدة متجوزة دلوقتي ومبقاش من حقك أنك تكلمها ولا حتى تفكر فيها، يا آدم متخليش غضبك يعميك.
ضحك آدم بتهكم وقال:
- قلبك عليها أوي متخافش عليها أنا بس هسألها وأسيبها، ولو على قلبي اللي بيحبها هرميه تحت جزمتي وأدوس عليه حضر كل حاجة بعد ما أرجع من عندها هنسافر القاهرة على طول.
غادر آدم وترك مازن يقف وسط ركام غرفته ليتنهد ويغادر وهو يعلم أن آدم سيرتكب أكبر خطأ في حياته بذهابه إلى سهر.
--------------------
احتضنت صفية سهر وهي تبتسم بسعادة وقالت وهي تقبل رأسها:
- الحمد لله أنك بخير يا بنتي ألف حمد ليك يارب أنك فوقتي كدا يا سهر وقعتي قلبي عليكِ وخوفتيني عليكِ ليكِ يومين نايمة وسيباني وحشني صوتك يا سهورتي.
كانت سهر في عالمها تنظر حولها وقد أيقن عقلها أنها خارج منزلها لأول مرة منذ وصلوا الإسكندرية، فالتصقت بصفية وتشبثت بها خائفة كأنها طفلة صغيرة تخاف ظلا يهاجمها ليلا، وانتفضت حين سمعت طرقا على باب الغرفة فاخفت عيناها بصدر صفية لتسمع صوت حمدي يقول:
- السلام عليكم يا حجة عاملين أيه نستأذن منك نكشف على مدام سهر علشان نشوف هتخرج أمته.
همست سهر بخوف وهي على حالها:
- أنا كويسة وعايزة أروح.
ابتسم حمدي وقال:
- بس أحنا معانا ضيف عايز يتكلم معاكِ يا مدام سهر.
سألته صفية بفضول:
- ضيف مين يا دكتور حمدي.
أبتسم حمدي وقال:
- ده الدكتور هاني أخصائي نفسي هيدردش معاكم شوية ها أيه رأيكم.
شردت سهر قليلا ثم ابتعدت عن صفية واعتدلت وقالت وهي تكور كفيها:
- ماشي يا دكتور خليه يتفضل.
--------------------
صاح مازن في وجه آدم قائلًا:
- ما تهدأ بقى كان مفروض نسافر أمبارح رجعت وأنت شايط اكتر ودلوقتي عايز تأجر مخبر يعرف لك مكانها ما تسيبها فحالها بقى يا آدم وأنساها.
لمعت عين آدم بمكر وقال كأنه لم يستمع لصياح مازن:
- هايدي هي اللي هتعرف مكانها هي قالت إنها عايزة تكفر عن اللي عملته زمان وأنا مستعد أسامحها بشرط تعرف لي من مرات محمود التانية مكان سهر.
حدق مازن بآدم بغضب وقال:
- أنت اتجننت يا آدم أنا بقولها لك لو طلبت من هايدي حاجة زي كده يبقي بتخسرني وأنا مش هستنى هنا اكتر من كده أنا هرجع القاهرة تاني.
صرخ به آدم وقال:
- سافر يا مازن بس مش عايزك تعرفني تاني وأنا هوصل لها مكان ما تكون.
نظر له مازن بأسف وقال:
- عايزك تفتكر وأنت بتنفذ تهديدك أنك بتظلمها لمجرد كلامك معاها وخليك مكان جوزها هل ترضى واحد كان بيحب مراتك يظهر فحياتها تاني.
غادر مازن تاركا آدم في صراع قلبه وعقله فهمس:
- أنا عايز اسألها ليه والأكتر أن محتاج أشوفها ولو حتى أودعها.
---------------------
جلست هدى بجانب محمود تنظر لسهر وتقول:
- خالو قال أنك لازم تقعدي فالمستشفى فترة يا سهر هتقدري يا حبيبتي على القعدة هنا لوحدك أزاي.
ونظرت إلى محمود وقالت:
- أنا طلبت من محمود أبات معاكِ بس مرضيش قالي مينفعش أنام وأنتِ بعيد عن حضني مش كدا يا حودة.
نظرت لها صفية وقالت بضيق:
- كتر خيرك يا هدى أنا موجودة مع سهر وأنتِ يا حبيبتي خليكِ مع حودة قصدي محمود ابني.
ضحكت هدى وقالت وهي تقف:
- تمام يلا بينا بقى يا محمود أحسن ميعاد السينما يفوت علينا.
حدقت صفية في وجه ابنها تتساءل من هذا الذي تراه أمامها، هل هذا ابنها حقًا؟ وكيف له أن يتبدل حاله بمجرد زواجه من هدى؟ فقالت موجهة حديثها لابنها قائلة:
- سيبينا لوحدنا شوية يا هدى لو سمحتي عايزة أقول لابني كلمة بيني وبينه.
عبست هدى وتوجهت إلى الخارج تغلق الباب بقوة دون كلام، تنهد محمود الذي على نفس وضعه يتابع بصمت ولا يتحدث وقال:
- مش كفايه خصام يا أمي ولا لسه.
ربتت صفية يد سهر التي التزمت الصمت وقالت بحزم :
- هيخلص لما تطلق بنتي يا محمود فياريت تطلقها بهدوء.
صدم محمود بطلب والدته وأحس بغضبه يتجدد ونظر إلى سهر التي انكمشت حول نفسها خوفا من نظراته وقال:
- مش هطلق يا حاجة صفية ومراتي هترجع بيتي تاني أنا مستحيل أسيب سهر ولو السما أنطبقت على الأرض وأعملوا حسابكم أنا هكلم الدكتور يكتب لها خروج.
شدت سهر يد صفية وهمست:
- بلاش مشاكل يا خالتي أنا مش عايزة أطلق محمود معاه حق وحياتي يا خالتي.
جذبت صفية يدها من سهر ووقفت أمام ابنها وصفعته بقوة وهي تقول:
- زمان أبوك ضربك قلم علشان تفوق لنفسك وأنا دلوقتي بفوقك لنفسك يا ابن بطني أوعي تنسي لحظة أنك ابني و كلامي أمر تنفذه.
بادل محمود نظره بين سهر المذعورة وبين والدته الغاضبة وقال:
- بردوا مش هطلقها.
وغادر فالتفتت صفية إلى سهر وقالت:
- أنتِ السبب أنتِ اللي صممتي يتجوز وأهو أتجوز واحدة عرفت تمثل أنها ملاك وفالأخر بعد ما حطت أيدها على ابني بانت إبليس عرفت تلف دماغه، شوفتي شورتك المهببة بس ورحمة خميس ما سيباكِ يا هدى يا بنت سميرة وأنتِ يا أخرة صبري هتعملي أيه أنتِ ملحقتيش جلستين علاج هتروحي خلاص.
تنهدت سهر وقالت:
- متنسيش يا خالتي أن دكتور هاني قعد معانا اليومين اللي فاتوا كلهم وأنا هحاول أمشي على الحاجات اللي قالها، وأنتِ معايا لحد ما نكلم محمود فموضوع العلاج، بس بلاش تجيبله سيرة دلوقتي يا خالتي وبلاش تزعلي منه.
لطمت صفية عدة مرات على صدرها وهي تضحك وتقول:
- يا بت بطلي خيابة بقى جوزك الحرباية دي خطفته وأنتِ ولا همك.
فرت دمعة من سهر وهاجمها حزنها وقالت:
- خلاص يا خالتي معدتش تفرق أنا دلوقتي مبفكرش غير فأني أرجع أحسن من الأول أنا اكتفيت من غدر الدنيا بيا.
-----------------
رحبت هدى بابتسامة زائفة بسهر وصفية وقالت تحاول إخفاء ضيقها لعودتهم:
- نورتوا البيت والله تعالي يا سهر ادخلك أوضتك تريحي فيها ده وشك مخطوف أوي.
تنهدت صفية وهي تبحث بعينيها عن ابنها وقالت:
- فين محمود ومجاش ليه ياخدنا من المستشفى هو أنا مش متصلة بيكِ وقلت لك تبلغيه، هو ينفع يعني نيجي لوحدنا وهو عارف أن سهر واخدة حقن مهدئة كتير علشان نعرف نرجع.
ارتبكت هدى وقالت:
- معلش يا ماما صفية أصل محمود نايم ونسيت أقوله، أعمل أيه فشقاوته مش بيسيبني أرتاح خالص بيقول لي مقدرش استغنى عنك لحظة، عمومًا هدخل أصحيه بس مضمنش نخرج من الأوضة دلوقتي.
أجابتها صفية وهي تأخذ سهر من يدى هدى وتوجهت لغرفتهم وقالت:
- لا يا حبيبتي خليه نايم أحنا كمان داخلين ننام تصبحي على خير.
بعد مرور بضعة أيام غادرت هدى غرفتها ووقفت تنظر لسهر الشاردة دائما منذ عودتها من المشفى وقالت:
- أنا نازلة أنا وماما يا سهر ومحمود عارف متنسيش خلصي الغدا قبل ما نرجع ألا ماما صفية هتتأخر برا.
زفرت سهر بضيق وقالت:
- متخافيش يا هدى أنا مخلصة الحاجة من أمبارح وخالتي مش هتغيب راحت تقبض وتجيب حاجات للبيت أنزلي أنتِ علشان متتاخريش على والدتك.
لوت هدى شفتيها ثم قالت بخبث وهي تمسك برأسها:
- الحقيني يا سهر أنا دايخة أوي.
شعرت سهر بالخوف على هدى وأسرعت تسندها لتجلس فنظرت لها هدى وقالت:
- معلش أطلعي نادي لي ماما أحسن مش عارفة مالي.
توجهت سهر بسرعة صوب باب الشقة لتفتحه وتتجمد مكانها فالتفتت تنظر لهدى وهي على وشك البكاء وقالت:
- مش هقدر أطلع لا مش هخرج.
وأسرعت إلى غرفتها تحتمي بها لتسمع بعد وقت قصيرة غلق الباب فتركت العنان لدموعها، ولكنها وقفت مرة أخرى تصغي فسمعت صوت طرقات على الباب فتوجهت تفتح وهي تهمهم:
- مش عارف أنا أيه خلاني أقوله أتجوز وأختار له حرباية على رأي خالتي صفية.
تنهدت سهر بضيق وهي تفتح وتقول:
- أيه لسه دايخة يا هد...
لتشهق وهي تراه يقف أمامها يبادلها النظرات، هاجمت سهر أحاسيس مختلفة لم تستطع تفسير إيًا منها فجعلتها تبكي فجأة لتتراجع دون وعي للخلف فدخل وهو يغلق الباب خلفه وعيناه تخترق عيناها وصدره يعلو ويهبط بعنف متزامنا مع ضربات قلبه الذي أوشك أن يتوقف من سرعة نبضاته، وقفت سهر تحدق به تحاول اللحاق بأنفاسها التي سلبها منها بمجرد أن رأت عيناه، وقفا يتبادلان النظرات دون كلام كأن سحرا ربط بينهما ليتقدم منها ببطء ويجذبها إلى صدره محاوطًا إياها بذراعيه ليشعر وكأنه سكن أخيرًا جنته الخضراء ليصدر عنه أنين ألم اخترق قلب سهر، ليشعر بانقباض قلبه حين تشبثت به سهر تبكي ليعلو صوت نحيبها ويرتعش جسدها وينتفض وهي تلقى بدموعها داخل صدره كأنها وجدت بر أمان لتحط عليه رحال أثقالها، لم يدر أيا منهم كم مضى عليهما من الوقت يحتويها بدف قلبه وتسكنه جنة عيناها ليبتعد عنها آدم أولًا وهو يمسك كتفيها ويتنفس ببطء يحاول كبح حزنه وشعوره بالوجع منها، وعقد حاجبيه وهو ينظر لشفتيها التي تدعوه بصدق لتقبليها فكاد يغزوها ولكنه تمالك نفسه وقال:
- الخمس سنين اللي فاتوا خلو جنة عنيكِ أجمل من الأول بكتير وحفروا ملامحك زي آلهة الإغريق أنتِ لو كنتِ أيام الأساطير كنتِ هتبقي آلهة الفتنة عارفة ليه الفتنة بالذات علشان تفضلي تفتني كل اللي يشوفك ويوقع فحبك ويعشق قلبك ويتمناكِ وفالأخر يشوف حقيقتك قلب فاضي مش بيهمه غير نفسه وبس مبيحبش إلا جماله وبس، زي طاووس مهووس لازم يلم المعجبين حولين منه ولما يملكهم يرميهم لعبة وزهق منها يكسرها بقى يدوسها مش مهم صح يا مدام سهر مش هي دي حقيقتك آلهة فتنة وجنة عينيها جحيم.
استمعت سهر لكلمات آدم لتقع عليها في مقتل مسددًا لها طعنة نفذت لأعماق أحاسيسها فأدمتها فحدقت به غير مصدقة لحديثه فهو وبمنتهى القسوة يلقي عليها باللوم وهو الذي تزوج من هايدي ولم يغير دينه كما أوهمها وحين وصل عقل سهر لتلك النقطة أدركت جرم فعلتها بتركه يضمها إليه لتنتبه لحالها لماذا لم يصيبها الفزع كحالها دائما فابتعدت عنه وتوجهت إلى باب شقتها الذي اغلقه آدم لتفتحه وهي تقول:
- ولما أنت عرفت حقيقتي جاي ليه يا أستاذ آدم لو سمحت اتفضل أنا لوحدي هنا وميصحش أنك تبقى موجود خصوصًا إن جوزي زمانه على وصول.
صفع آدم الباب يغلقه مرة أخرى وجذب ذراعها بقوة ونظر لها بغضب وقال:
- لسه مخلصتش حسابي معاكِ هو سؤال وعايز أجابته ليه يا سهر فهميني ليه أتجوزتي محمود؟
وقفت سهر لا تدر بما تجيبه وأغمضت عيناها وكبحت عقلها عن تذكر شيء من الماضي، لتشهق برعب وهي ترى باب شقتها يفتح فالتفت آدم لتراهم صفية يقفان وكأن على رأسيهما الطير وقالت:
- مين ده يا سهر؟
---------------------------------------
وقفت سهر أمام نافذتها بعدما جفاها النوم طيلة الليل وها هي تستمع لآذان الظهر فقررت إنهاء عزلتها لهذا اليوم فخرجت وأشاحت بعينيها عن غرفة محمود ودخلت إلى المطبخ، ففوجئت بصفية تبكى فأسرعت إليها تضمها لتنتفض صفية وهى تحدق بقلق لسهر ثم لانت قسمات وجهها وتنهدت بارتياح فهمست سهر لها:
- مالك يا صفصف العيون الحلوة دي كانت بتعيط ليه.
أشارت صفية بعينيها إلى غرفة محمود فرسمت سهر ابتسامة تحاول إرضاء صفية وقالت بصوت منخفض:
- إيه يا خالتي عرسان جداد و.
قاطعتها صفية بضيق وقالت:
- عرسان مقولتش حاجة بس في أصول في أحترام أنهم مش لوحدهم دي البت زي ما تكون قاصدة تسمع الحي كله هما بيعملوا إيه.
ربتت سهر كتف صفية وقالت:
- معلش يا خالتي سيبيهم براحتهم المهم إن محمود مبسوط ولاقي اللي تسعده أنتِ بذمتك مش فرحانة إنه عايش حياته طبيعي دلوقتي وربنا إن شاء الله يرزقه بالذرية الصالحة وإن كان على الصوت نسد ودانا يا خالتي متنسيش إنه بيتها دلوقتي.
تنهدت صفية وهي تبتعد عن سهر تكمل تجهيز الطعام وقالت:
- افضلي كدا هاتي لهم فحجج لحد ما تاخدي على دماغك أنتِ الظاهر لسه خايبة زي ما أنتِ.
نظرت لها سهر وقالت:
- المهم يا خالتي تفتكري أفاتح محمود بالموضوع اللي أتكلمنا فيه ولا أستنى شوية يعني علشان لسه عريس وكده.
أجابتها صفية:
- وهو الموضوع ده عايز إذن ده حقك يا بنتي ومحدش يقدر ينكره أنتِ بردوا مراته وواجبه يراعيكِ ولو مكسوفة تكلميه أنا هكلمه لما يجي.
هزت سهر رأسها وقالت:
- لا يا خالتي أنا هكلمه بيني وبينه لما يرجع من الشغل بلاش أنتِ أنا مش عايزة تشدوا سوا بسببي.
نهرتها صفية وقالت:
- يختاي هتشليني يا سهر يا بت بقول حقك ومحمود ميقدرش يرفض ومافيش خناق ولا شد معاه وياستي خلاص مش هدخل هسيبك منك له.
كانت سهر وصفية تتحدثان ولم يعلما أن هناك أذنًا وقفت تتسمع لحوارهم لتدب نيران الغيرة في قلبها واشتعلت غضبا لتتسلل لغرفتها وهي تقول:
- قال وأنا اللي فكرة إن محمود هيبقى لي لوحدي أهي الست سهر وحماتي هيبدأو يشتغلوني عايزة تشاركيني جوزي يا سهر ده بعدك أما نشوف محمود أزاي هيوافق على خطتكم دي قال يديها حقها ويراعيها جت كسر حوقك منك ليها أنا هتصل بماما هي اللي هتعرف تساعدني ويا أنا يا أنتِ فالبيت ده يا سهر.
عاد محمود وبراكين الغضب تعمي عيناه فهو لم يتوقع أن يتقابل مع آدم وجها لوجه ليسأله بكل لهفة ليلمح في عيناه شرارات حب لسهر أوقدت نيران غيرته على سهر، كان يود لو يلكمه ويفرغ فيه غضبه فلولا ظهوره في حياتهم ما كانت سهر وقعت في حباله وأمتلك قلبها رُغم دينه المختلف ليحرمه من قلب حبيبته للأبد، كيف له أن يقف هكذا راغبًا في التحدث معها وكان لا وجود لي في حياتها، هي السبب سهر من سمحت لقلبها بخيانتي هي من سمحت لهدى أن تسرق جسدي منها محققه لي كل ما تخيلت أن أناله معها وحدها، ذاد غضب محمود ووصل إلى ذروته ليقرر عقاب سهر على كل ما ناله منها، وما أن فتح باب الشقة حتى صاح بصوت جَهْوَري أصابهم جميعا رعبا وهو ينادي:
- سهـــر.
خرجت سهر من المطبخ وكذالك هدى من غرفتها لتنظر إلى وجه محمود فشعرت بالخوف منه فحمدت ربها أنه لم يناديها هي وأن غضبه كله منصب على سهر فعقدت يدها تنظر لها بشماتة وهي تراها لا تستطيع تمالك نفسها من الخوف فسمعت صوت صفية يقول:
- أيه يابني مال صوتك عالي كده ليه.
تجاهل محمود والدته واتجه إلى سهر التي تجمدت مكانها إثر تقدمه منها لتعتدل هدى وهي تراقب تغير حالتها للفزع الشديد حين قبض محمود على ذراعها جاذبًا إياها خلفه بقوة إلى غرفتها ليغلق الباب خلفهم بحدة فنظرت إلى صفية ولاحظت نفس نظرات الفزع التي لاحظتها على سهر فتسلل الشك إليها بشأن ما حدث ولكنها استدارت وأغلقت باب غرفتها وهي تقف خلفه محاولة أن تستمع لصوت محمود، ما أن دخل محمود إلى غرفة سهر حتى دفعها بقوة لتصطدم بخزانة ملابسها فنظرت له بخوف وحيرة ماذا فعلت لتستحق ذلك منه، اقترب منها محمود فتراجعت للخلف هربًا من يده ولكنه لحقها ليجذب شعرها بقوة فصرخت بألم وهي تسأله وترجوه:
- مالك يا محمود أنا عملت أيه لكل ده أول مرة ترفع أيديك عليا آه يا محمود سيب شعري هيتقطع فأيديك.
جذبها محمود مقربا وجهه منها محدقا بها بغضب وبادلته عيناها بالخوف وجسدها أجاب على قربه بالانتفاض رعبا ولاحظ حبات العرق التي بدأت تغزو وجهها ولكن شيطان نفسه همس له ألا يهتم بحالتها، سألته سهر مرة أخرى وهي تقاوم فزعها بسبب قربه منها فاهتاجت أنفاسها كأنها تعدو وقالت:
- سيبني يا محمود وقولي أنا عملت إيه أرجوك تبعد يا محمود.
وبدأ صوت بكائها يعلو مع صوت صرخاتها التي حاولت أن تكتمها بيدها:
- أبعد عني لا متقربش آه سيب سيب شعري.
زاد محمود من قربه منها فمد يده الأخرى وقبض على ذقنها وقال وهو يميل إليها:
- من هنا ورايح لازم تعرفي إني جوزك وليا حقوق عليكِ لازم أخدها ولا أنتِ فكراني هسيبك فوقي يا سهر أنتِ ملكي أنا وبس.
وأبتعد عنها لتنهار سهر بكاءًا وتصرخ بلوعة:
- لا لا مش ليك أنا مش لحد مش لحد مستحيل أكون ليك.
مال عليها محمود وقال بحقد:
- مش ليا أزاي وأنتِ مراتي ومن حقى أعمل فيكِ اللي أنا عايزه ولا أنتِ فاكرة أني هسيبك له لك أنسي يا سهر.
نظرت له سهر بكراهية لأول مرة تشعر بها تجاهه وقالت:
- أنت مجنون أنا مش فاهمة حاجة بس أنا لا ليك ولا لأي حد.
ابتسم محمود بسخرية وقال:
- ولا حتى آدم اللي هرب منك هو كمان ورماكي وأتجوز هايدي وخلف منها.
رفعت سهر يدها تكتم صرختها التي كادت تخرج من أحشائها وحبست أنفاسها وهي تحدق بمحمود بعذاب قاسي، لاحظ محمود أن هناك خطب ما يصيب سهر فلون بشرتها بدأ يشحب فشدها إليه محاولا إبعاد يدها عن فمها فلم يستطع لتجمدها فطرحها أرضا ليقع جسدها بين ساقيه وجذب يدها بقوة يحبسهما في قبضته ويقول بخوف عليها:
- أتنفسي يا سهر أرجوكِ أتنفسي.
لم يجد محمود استجابه من سهر ليرى شفتيها يتلونان باللون الأزرق فصفعها بقوة لعلها تعود لرشدها لتشهق بقوة وتسعل وتطلق أنين جعله يرتد عنها، لتضم جسدها إليها كطفل رضيع فحاول محمود أن يجعلها تستقيم ولكنها تخشبت على وضعها فقام مسرعًا وخرج وهو يصيح:
- ألحقيني يا أمي ألحقي سهر.
اقتحمت صفية الغرفة بخوف لترى جسد سهر المتخشب على الأرض فصرخت تنادي عليها:
- سهر بنتي أنت عملت فيها أيه.
حدق بها محمود شاعرا بالذنب فسمع والدته تقول:
- منك لله يا محمود يا أبن بطني منك لله هي كانت عملت لك أيه لكل دا علشان كانت عايزة تتعالج حرام عليك يا محمود حسبنا الله ونعم الوكيل فيك يا محمود يا ابن خميس أطلع برا متورنيش وشك تاني.
وقفت هدى تتابع ما يحدث ليزداد تعجبها وتفكر بأن هناك سر يخوفنه عنها لتشعر فجأة بالشفقة على سهر التي تأن وتنتفض متكورة حول نفسها فقالت:
- أنا هتصل بخالي يجي يشوفها كويس أنه مسافرش.
-----------------
جلست صفية أمام باب غرفة سهر بالمشفى وهي تتمزق ألما عليها فها هم على نفس الوضع منذ الأمس ولم تتحرك سهر عن وضعها ولم تفتح عيناها حتى، وحمدت الله أنها لم تدر بحمدي وهو يحاول أفاقتها ولم تشعر بعربة الإسعاف التي أتت لتحملها إلى المشفى ليتم رعايتها، وقفت صفية حينما غادر الطبيب المعالج لسهر غرفتها فابتسم لها وقال:
- اطمني يا حاجة بقت كويسة
حمدت صفية الله وقالت تتأكد:
- بجد يا ابني بنتي فاقت.
هز الطبيب رأسه وقال:
- لا هي نايمة بس الحمد لله حالة التخشب اللي كان فيها جسمها راحت بس اضطرينا نديها مُهدأ لما لاحظنا أنها خايفة لما فتحت عينيها ودلوقتي بقى محتاجين لحضرتك تقعدي مع الدكتور النفسي اللي جه مخصوص ليها بتوصية من الدكتور حمدي تفهميه أيه وصلها للحالة دي ممكن.
أغمضت صفية عيناها وقالت :
- مش هقدر أقول حاجة ألا لو بنتي وافقت معلش يا بني واشكر لنا الدكتور حمدي على تعبه معانا ووقفته ويانا وحضرتك كمان بصراحة عملت اللي عليك.
تركته صفية ودخلت وجلست بجانب سهر تمسد رأسها وتقرأ لها آيات القرآن لتنهمر عيناها على ما وصل إليه الحال.
--------------------
وقفت هدى أمام باب الشقة تمنع محمود عن النزول وهي تقول:
- طيب أقعد معايا شوية وبعدين أنزل أنت طول الليل معاها وسيبني لوحدي وحياتي يا حودة خليك شوية أنت وحشتني أوي.
تنهد محمود وقال:
- ألبسي وتعالى معايا يا هدى هنروح نص ساعة ونرجع هي أكيد زي ما هي وأمي مش حابة وجودي معاها أصلًا.
التصقت هدى بمحمود وهي تداعب بيدها صدره وتميل عليه بوجهها وقالت بعدما صدق ظنها أن والدته أيضا على خلاف معه:
- هتسيب حضن هدى اللي بتحبك و تتمنى لك الرضى ترضى حبيبي أنا هنسيك أي زعل وأي حاجة حصلت معاك وضيقتك، أنا عارفة أن طنط جت عليك أوي وأنت معملتش حاجة بس وحياة هدى لعوضك وقفتك فالمستشفى والحاجة صفصف سيباك برا ومش سأله فيك.
ابتلع محمود ريقه وهو يتابع حركات هدى معه فأغمض عيناه فأسرعت تقول له:
- لا يا حودة مينفعش تغمض وأنت معاك هدى دي حتى تبقى عيبة فحقي.
ونجحت هدى في استمالة محمود لتجذبه إلى غرفتهما مطلقة عَنان رغباته ومحققه له أبعد مما كان يتمنى.
------------------------
أخذ آدم يتحرك في غرفته وكاد يجن منذ أخبره محمود بكل برود أنه تزوج من سهر وتركه وغادر ولكنه أسرع وراءه مرة أخرى طالبًا منه محادثتها، لينظر له محمود بغضب وهو يكيل له كلمات جلدت كرامته أمامه ليغادر عائدا إلى غرفته في الفندق محطما كل ما لمسته يداه ولكنه حتى اللحظة لم يهدأ ليجذب انتباهه طرقات مازن وصوته يقول:
- أفتح يا آدم الفندق هيجيب الأمن بيقولوا من أمبارح بتكسر فالأوضة أفتح يا بني وفهمني حصل أيه لكل ده.
تحرك آدم وفتح باب غرفته منسحبا من أمام مازن ووقف أمام النافذة وقال بصوت مقهور:
- أتجوزت محمود يا مازن سهر أتجوزت محمود فنفس اليوم اللي كلمتها فيه من خمس سنين ضحكت عليا لما فهمتني أنها هتستناني كذبت عليا يا مازن كذبت عليا الجنة اللي عشقتها فعنيها طلعت جحيم أنا مش قادر يا مازن أزاي أزاي تعمل فيا كدا عشمتني ليه أنها ليا وغدرت بقلبي ليه داست على حبي ليها فهمني يا مازن أنا هتجنن من أمبارح وأنا مش عارف أنام ولا أفكر هتجنن.
وقف مازن بجانب آدم الذي ينتفض غضبا وحزنًا وقال:
- مش عارف أقولك أيه يا آدم بس مينفعش تعمل فنفسك كدا أنا مقدر حالتك بس خليني صوت العقل ليك ما يمكن أبوها أجبرها ومعرفتش ترفض لاحظ أنك فاليوم ده كان بابا يعني أنت عارف يا آدم اللي حصل معاك وقتها بس سهر متعرفش.
نظر له آدم بحرقة وقال:
- مش مقتنع بكلامك يا مازن هي كان مفروض تستناني دي وعدتني فاهم يعني أيه وعدتني.
صمت آدم فجأة ونظر إلى مازن فشعر مازن بالقلق منه ليقول آدم:
- أنا لازم أشوفها وأكلمها حتى لو فيها خراب بيتها مع محمود لازم أعرف ليه أتجوزته أنا لازم أرد لها الوجع اللي حاسس بيه أضعاف.
أنهى آدم كلماته وأخرج هاتفه وسمعه مازن يقول:
- أبعت لي عنوان المحاسب محمود خميس فورا.
سأل مازن آدم وقال بعدما اغلق هاتفه:
- أعقل يا آدم اللي أنت ناوي عليه ده ميرضيش ربنا ولا يرضى حد، سهر بقت واحدة متجوزة دلوقتي ومبقاش من حقك أنك تكلمها ولا حتى تفكر فيها، يا آدم متخليش غضبك يعميك.
ضحك آدم بتهكم وقال:
- قلبك عليها أوي متخافش عليها أنا بس هسألها وأسيبها، ولو على قلبي اللي بيحبها هرميه تحت جزمتي وأدوس عليه حضر كل حاجة بعد ما أرجع من عندها هنسافر القاهرة على طول.
غادر آدم وترك مازن يقف وسط ركام غرفته ليتنهد ويغادر وهو يعلم أن آدم سيرتكب أكبر خطأ في حياته بذهابه إلى سهر.
--------------------
احتضنت صفية سهر وهي تبتسم بسعادة وقالت وهي تقبل رأسها:
- الحمد لله أنك بخير يا بنتي ألف حمد ليك يارب أنك فوقتي كدا يا سهر وقعتي قلبي عليكِ وخوفتيني عليكِ ليكِ يومين نايمة وسيباني وحشني صوتك يا سهورتي.
كانت سهر في عالمها تنظر حولها وقد أيقن عقلها أنها خارج منزلها لأول مرة منذ وصلوا الإسكندرية، فالتصقت بصفية وتشبثت بها خائفة كأنها طفلة صغيرة تخاف ظلا يهاجمها ليلا، وانتفضت حين سمعت طرقا على باب الغرفة فاخفت عيناها بصدر صفية لتسمع صوت حمدي يقول:
- السلام عليكم يا حجة عاملين أيه نستأذن منك نكشف على مدام سهر علشان نشوف هتخرج أمته.
همست سهر بخوف وهي على حالها:
- أنا كويسة وعايزة أروح.
ابتسم حمدي وقال:
- بس أحنا معانا ضيف عايز يتكلم معاكِ يا مدام سهر.
سألته صفية بفضول:
- ضيف مين يا دكتور حمدي.
أبتسم حمدي وقال:
- ده الدكتور هاني أخصائي نفسي هيدردش معاكم شوية ها أيه رأيكم.
شردت سهر قليلا ثم ابتعدت عن صفية واعتدلت وقالت وهي تكور كفيها:
- ماشي يا دكتور خليه يتفضل.
--------------------
صاح مازن في وجه آدم قائلًا:
- ما تهدأ بقى كان مفروض نسافر أمبارح رجعت وأنت شايط اكتر ودلوقتي عايز تأجر مخبر يعرف لك مكانها ما تسيبها فحالها بقى يا آدم وأنساها.
لمعت عين آدم بمكر وقال كأنه لم يستمع لصياح مازن:
- هايدي هي اللي هتعرف مكانها هي قالت إنها عايزة تكفر عن اللي عملته زمان وأنا مستعد أسامحها بشرط تعرف لي من مرات محمود التانية مكان سهر.
حدق مازن بآدم بغضب وقال:
- أنت اتجننت يا آدم أنا بقولها لك لو طلبت من هايدي حاجة زي كده يبقي بتخسرني وأنا مش هستنى هنا اكتر من كده أنا هرجع القاهرة تاني.
صرخ به آدم وقال:
- سافر يا مازن بس مش عايزك تعرفني تاني وأنا هوصل لها مكان ما تكون.
نظر له مازن بأسف وقال:
- عايزك تفتكر وأنت بتنفذ تهديدك أنك بتظلمها لمجرد كلامك معاها وخليك مكان جوزها هل ترضى واحد كان بيحب مراتك يظهر فحياتها تاني.
غادر مازن تاركا آدم في صراع قلبه وعقله فهمس:
- أنا عايز اسألها ليه والأكتر أن محتاج أشوفها ولو حتى أودعها.
---------------------
جلست هدى بجانب محمود تنظر لسهر وتقول:
- خالو قال أنك لازم تقعدي فالمستشفى فترة يا سهر هتقدري يا حبيبتي على القعدة هنا لوحدك أزاي.
ونظرت إلى محمود وقالت:
- أنا طلبت من محمود أبات معاكِ بس مرضيش قالي مينفعش أنام وأنتِ بعيد عن حضني مش كدا يا حودة.
نظرت لها صفية وقالت بضيق:
- كتر خيرك يا هدى أنا موجودة مع سهر وأنتِ يا حبيبتي خليكِ مع حودة قصدي محمود ابني.
ضحكت هدى وقالت وهي تقف:
- تمام يلا بينا بقى يا محمود أحسن ميعاد السينما يفوت علينا.
حدقت صفية في وجه ابنها تتساءل من هذا الذي تراه أمامها، هل هذا ابنها حقًا؟ وكيف له أن يتبدل حاله بمجرد زواجه من هدى؟ فقالت موجهة حديثها لابنها قائلة:
- سيبينا لوحدنا شوية يا هدى لو سمحتي عايزة أقول لابني كلمة بيني وبينه.
عبست هدى وتوجهت إلى الخارج تغلق الباب بقوة دون كلام، تنهد محمود الذي على نفس وضعه يتابع بصمت ولا يتحدث وقال:
- مش كفايه خصام يا أمي ولا لسه.
ربتت صفية يد سهر التي التزمت الصمت وقالت بحزم :
- هيخلص لما تطلق بنتي يا محمود فياريت تطلقها بهدوء.
صدم محمود بطلب والدته وأحس بغضبه يتجدد ونظر إلى سهر التي انكمشت حول نفسها خوفا من نظراته وقال:
- مش هطلق يا حاجة صفية ومراتي هترجع بيتي تاني أنا مستحيل أسيب سهر ولو السما أنطبقت على الأرض وأعملوا حسابكم أنا هكلم الدكتور يكتب لها خروج.
شدت سهر يد صفية وهمست:
- بلاش مشاكل يا خالتي أنا مش عايزة أطلق محمود معاه حق وحياتي يا خالتي.
جذبت صفية يدها من سهر ووقفت أمام ابنها وصفعته بقوة وهي تقول:
- زمان أبوك ضربك قلم علشان تفوق لنفسك وأنا دلوقتي بفوقك لنفسك يا ابن بطني أوعي تنسي لحظة أنك ابني و كلامي أمر تنفذه.
بادل محمود نظره بين سهر المذعورة وبين والدته الغاضبة وقال:
- بردوا مش هطلقها.
وغادر فالتفتت صفية إلى سهر وقالت:
- أنتِ السبب أنتِ اللي صممتي يتجوز وأهو أتجوز واحدة عرفت تمثل أنها ملاك وفالأخر بعد ما حطت أيدها على ابني بانت إبليس عرفت تلف دماغه، شوفتي شورتك المهببة بس ورحمة خميس ما سيباكِ يا هدى يا بنت سميرة وأنتِ يا أخرة صبري هتعملي أيه أنتِ ملحقتيش جلستين علاج هتروحي خلاص.
تنهدت سهر وقالت:
- متنسيش يا خالتي أن دكتور هاني قعد معانا اليومين اللي فاتوا كلهم وأنا هحاول أمشي على الحاجات اللي قالها، وأنتِ معايا لحد ما نكلم محمود فموضوع العلاج، بس بلاش تجيبله سيرة دلوقتي يا خالتي وبلاش تزعلي منه.
لطمت صفية عدة مرات على صدرها وهي تضحك وتقول:
- يا بت بطلي خيابة بقى جوزك الحرباية دي خطفته وأنتِ ولا همك.
فرت دمعة من سهر وهاجمها حزنها وقالت:
- خلاص يا خالتي معدتش تفرق أنا دلوقتي مبفكرش غير فأني أرجع أحسن من الأول أنا اكتفيت من غدر الدنيا بيا.
-----------------
رحبت هدى بابتسامة زائفة بسهر وصفية وقالت تحاول إخفاء ضيقها لعودتهم:
- نورتوا البيت والله تعالي يا سهر ادخلك أوضتك تريحي فيها ده وشك مخطوف أوي.
تنهدت صفية وهي تبحث بعينيها عن ابنها وقالت:
- فين محمود ومجاش ليه ياخدنا من المستشفى هو أنا مش متصلة بيكِ وقلت لك تبلغيه، هو ينفع يعني نيجي لوحدنا وهو عارف أن سهر واخدة حقن مهدئة كتير علشان نعرف نرجع.
ارتبكت هدى وقالت:
- معلش يا ماما صفية أصل محمود نايم ونسيت أقوله، أعمل أيه فشقاوته مش بيسيبني أرتاح خالص بيقول لي مقدرش استغنى عنك لحظة، عمومًا هدخل أصحيه بس مضمنش نخرج من الأوضة دلوقتي.
أجابتها صفية وهي تأخذ سهر من يدى هدى وتوجهت لغرفتهم وقالت:
- لا يا حبيبتي خليه نايم أحنا كمان داخلين ننام تصبحي على خير.
بعد مرور بضعة أيام غادرت هدى غرفتها ووقفت تنظر لسهر الشاردة دائما منذ عودتها من المشفى وقالت:
- أنا نازلة أنا وماما يا سهر ومحمود عارف متنسيش خلصي الغدا قبل ما نرجع ألا ماما صفية هتتأخر برا.
زفرت سهر بضيق وقالت:
- متخافيش يا هدى أنا مخلصة الحاجة من أمبارح وخالتي مش هتغيب راحت تقبض وتجيب حاجات للبيت أنزلي أنتِ علشان متتاخريش على والدتك.
لوت هدى شفتيها ثم قالت بخبث وهي تمسك برأسها:
- الحقيني يا سهر أنا دايخة أوي.
شعرت سهر بالخوف على هدى وأسرعت تسندها لتجلس فنظرت لها هدى وقالت:
- معلش أطلعي نادي لي ماما أحسن مش عارفة مالي.
توجهت سهر بسرعة صوب باب الشقة لتفتحه وتتجمد مكانها فالتفتت تنظر لهدى وهي على وشك البكاء وقالت:
- مش هقدر أطلع لا مش هخرج.
وأسرعت إلى غرفتها تحتمي بها لتسمع بعد وقت قصيرة غلق الباب فتركت العنان لدموعها، ولكنها وقفت مرة أخرى تصغي فسمعت صوت طرقات على الباب فتوجهت تفتح وهي تهمهم:
- مش عارف أنا أيه خلاني أقوله أتجوز وأختار له حرباية على رأي خالتي صفية.
تنهدت سهر بضيق وهي تفتح وتقول:
- أيه لسه دايخة يا هد...
لتشهق وهي تراه يقف أمامها يبادلها النظرات، هاجمت سهر أحاسيس مختلفة لم تستطع تفسير إيًا منها فجعلتها تبكي فجأة لتتراجع دون وعي للخلف فدخل وهو يغلق الباب خلفه وعيناه تخترق عيناها وصدره يعلو ويهبط بعنف متزامنا مع ضربات قلبه الذي أوشك أن يتوقف من سرعة نبضاته، وقفت سهر تحدق به تحاول اللحاق بأنفاسها التي سلبها منها بمجرد أن رأت عيناه، وقفا يتبادلان النظرات دون كلام كأن سحرا ربط بينهما ليتقدم منها ببطء ويجذبها إلى صدره محاوطًا إياها بذراعيه ليشعر وكأنه سكن أخيرًا جنته الخضراء ليصدر عنه أنين ألم اخترق قلب سهر، ليشعر بانقباض قلبه حين تشبثت به سهر تبكي ليعلو صوت نحيبها ويرتعش جسدها وينتفض وهي تلقى بدموعها داخل صدره كأنها وجدت بر أمان لتحط عليه رحال أثقالها، لم يدر أيا منهم كم مضى عليهما من الوقت يحتويها بدف قلبه وتسكنه جنة عيناها ليبتعد عنها آدم أولًا وهو يمسك كتفيها ويتنفس ببطء يحاول كبح حزنه وشعوره بالوجع منها، وعقد حاجبيه وهو ينظر لشفتيها التي تدعوه بصدق لتقبليها فكاد يغزوها ولكنه تمالك نفسه وقال:
- الخمس سنين اللي فاتوا خلو جنة عنيكِ أجمل من الأول بكتير وحفروا ملامحك زي آلهة الإغريق أنتِ لو كنتِ أيام الأساطير كنتِ هتبقي آلهة الفتنة عارفة ليه الفتنة بالذات علشان تفضلي تفتني كل اللي يشوفك ويوقع فحبك ويعشق قلبك ويتمناكِ وفالأخر يشوف حقيقتك قلب فاضي مش بيهمه غير نفسه وبس مبيحبش إلا جماله وبس، زي طاووس مهووس لازم يلم المعجبين حولين منه ولما يملكهم يرميهم لعبة وزهق منها يكسرها بقى يدوسها مش مهم صح يا مدام سهر مش هي دي حقيقتك آلهة فتنة وجنة عينيها جحيم.
استمعت سهر لكلمات آدم لتقع عليها في مقتل مسددًا لها طعنة نفذت لأعماق أحاسيسها فأدمتها فحدقت به غير مصدقة لحديثه فهو وبمنتهى القسوة يلقي عليها باللوم وهو الذي تزوج من هايدي ولم يغير دينه كما أوهمها وحين وصل عقل سهر لتلك النقطة أدركت جرم فعلتها بتركه يضمها إليه لتنتبه لحالها لماذا لم يصيبها الفزع كحالها دائما فابتعدت عنه وتوجهت إلى باب شقتها الذي اغلقه آدم لتفتحه وهي تقول:
- ولما أنت عرفت حقيقتي جاي ليه يا أستاذ آدم لو سمحت اتفضل أنا لوحدي هنا وميصحش أنك تبقى موجود خصوصًا إن جوزي زمانه على وصول.
صفع آدم الباب يغلقه مرة أخرى وجذب ذراعها بقوة ونظر لها بغضب وقال:
- لسه مخلصتش حسابي معاكِ هو سؤال وعايز أجابته ليه يا سهر فهميني ليه أتجوزتي محمود؟
وقفت سهر لا تدر بما تجيبه وأغمضت عيناها وكبحت عقلها عن تذكر شيء من الماضي، لتشهق برعب وهي ترى باب شقتها يفتح فالتفت آدم لتراهم صفية يقفان وكأن على رأسيهما الطير وقالت:
- مين ده يا سهر؟